الفقه المقارن ............
. حقيقته وأصوله وأثاره
جارٍ تحميل الكتاب…
الفقه المقارن ............
. حقيقته وأصوله وأثاره
الفقه المقارن
حقيقته وأصوله وأثاره
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
الأردن، عمان
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
الحمدُ لله الذي علّمنا وفهّمنا وبصّرنا بشريعته الغرّاء، وفقّهنا بأصولها وفروعها الرَّحباء، والصَّلاة والسَّلام على سيّد الخلق، وإمام المجتهدين، وعلى آله وصحابته العظام الكرام إلى يوم الدّين.
وبعد:
اشتهر في هذا الزمان ما يُسمّى بالفقه المقارن، وهذه التَّسمية لم تعرف في تاريخنا، فهي من المصطلحات المُحدثة، وكان هو البديل المطروح عن فقه المذاهب الفقهية الذي كانت معروفا وشائعاً عبر التاريخ.
ويُعَدُّ الفقه المقارن نتاج المدرسة الإصلاحية التي ظهرت في مصر على يد مفتي مصر محمد عبده، وفيما بعد تجسد ما دعا إليه من فهم جديد للدين بالفقه المقارن.
وبعد مرور عدّة عقود على الاهتمام بهذا العلم، نجد آثاره جلية على المسلمين أفراداً ودولاً ومجتمعات، فلم يعدّ أهل العصر يميزون الحلال من الحرام، وشاع الاضطراب في الأحكام الشرعية والتلاعب، وظهر الفكر المنحرف المتشدد، وانتشر التحلل، ولم نعد نرى علماء ضابطين ربانيين.
وصار العلم الشرعي كالعلوم الأخرى طريقة للتكسب والعيش لا للدعوة وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وصار أحد معاول الهدم للمجتمع بدل أن يكون مرتكزاً أساسياً في المجتمع للنهوض والتطور والرقي.
فالدينُ هو أساسُ إنجاح الفرد والمجتمع إن كان علماً صحيحاً فقهاً وتزكية وعقيدة، ولن يقدر أي مجتمع على النهوض به نهضةً حقيقةً عادلةً، إلا بهذه الجوانب الثلاثة؛ لأنها تغطي حاجيات الإنسان، وهذه العلوم الثلاثة لها نظامُها ومذاهبُها المعروفة المجربة دراسة وتطبيقاً، وقد أَثبتت نجاحها بتحقيق أهدافها عبر التاريخ، حيث صنعت تاريخا للمسلمين لم تعرفه البشرية، وكانت الوسيلة في إخراج خير أمة للناس.
في حين نجد أن هذه النكسة التي جَرَّت المسلمين لهذه الويلات، أساسها ضياع الفهم الصحيح للدين، واستبداله بأفهام غريبة عجيبة، أَنزلت المسلمين إلى الدرك الأسفل، وصاروا في ذيل الأممم، بعد أن كانوا سادة العالم.
فالعلم الشرعيُّ أساسُ نهوض الأُمة، وضياعه ضياعُ الأُمة، وكان أبرز وسيلة لإضاعة العلم الشرعي بالطرح الجديد له تحت مُسمّى الفقه المقارن؛ لأنه بهذه الهيئة لا صلة له بعلم الفقه المعروف، فكان أكثر علم ضرّ المسلمين في القرن العشرين، وأكثر شخص ضَرَّهم في القرن العشرين هو مَن أخرج المدرسة الإصلاحية التي أنتجت هذا العلم، وهو محمد عبده، وأكثر كتاب فقهي ضرّهم هو كتاب «فقه السنة» لسيد سابق؛ لأنه أبرز كتاب اشتهر بين الناس، وفيه طرح الفقه بالطريقة المقارنة، مع الاعتراف بالفضل والإخلاص لصاحبه؛ لأن بحثنا في النتائج لا في النيات.
وفي هذا الكتاب أُحاول أُسلط الضوء على هذا العلم من حيث التعريف والنشأة والفرق بينه وبين العلوم الأخرى كفقه الاختلاف وعلم الاختلاف وأهميتها، ثم بيان الأصول التي سار عليها، والآثار التي سببها.
وقد استخلصت منه كتاب: «المنهاج الوجيز في فقه الاختلاف وأسبابه»، مع زيادة مباحث وحذف أخرى؛ ليكون مقرراً في الجامعة، ونقلت العديد من موضوعات الكتاب من كتابي «المدخل لدارسة الفقه»، وأثبتها هنا مع طول صفحاتها، حتى لا يكثر رجوع القارئ لكتاب «المدخل» فيختلّ الفهم، ولا تكتمل الصورة المطلوبة.
سائلاً المولى - عز وجل - أن يتقبّل منّا هذا العمل، ويجعلَه خالصاً لوجهه الكريم، ويرزقنا الإخلاصَ في القول والفعل، وأن يغفرَ لنا ذنوبنا ويهدينا سواء السَّبيل، وأن يتجاوزَ عنّا وعن والدينا وأهلنا ومشايخنا ومَن له حقّ علينا وعن المسلمين والمسلمات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الدكتور صلاح أبو الحاج
في صويلح 12\ 9\2013 م
المبحث الأول
حقيقة الفقه المقارن
المطلب الأول
تعريف الفقه الخلاف
والاختلاف والمقارن
قبل الولوج في أبحاث الكتاب الشائكة يحسن بنا أن نقف على المعنى اللغويّ والاصطلاحي للفقه والاختلاف والمقارن، وعلاقتها بالمصطلحات المعاصرة من «فقه السنُّة»، و «فقه السنة والكتاب»، و «الفقه العام»، حتى نطّلع بوضوح على أساس استخدام هذه المعاني، وما المقصود منها؟، وهذا مفيدٌ لما يأتي بعده من المباحث.
أولاً: الفقه:
فالفقه لغةً: هو الفهم مطلقاً، وهو ما يدلُّ على إدراكِ الشيء، والعلم به، والفهمِ له (¬1)، قال: {قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ} [هود:91]: أي لا نفهم.
¬
(¬1) ينظر: المصباح ص 479، والعين 2: 70، ومفردات القرآن ص 398، ومعجم مقاييس اللغة 4: 442.
واصطلاحاً: له معنيان عند الفقهاء والأصوليين:
فإنَّ أصحاب كلِّ علم ينظرون إلى المعنى من الجانبِ الذي يخدم علمهم، فالأصوليون اتجهتْ عنايتهم إلى بيانِ مفهومِ الفقه من جهة استنباط الفروع من الأدلة، والفقهاء اتجهت عنايتهم بالفقه من جهة التطبيق على المكلفين.
فعند الأصولين: هو العلم بالأحكام الشَّرعيَّة العملية المكتسب من أدلتها التَّفصيليَّة (¬1).
وعند الفقهاء: هو علم يبحث فيه عن أحوالِ الأعمالِ من حيث الحلِّ، والحرمةِ، والفساد، والصِّحة (¬2).
فلمّا كانت نظرةُ الفُقهاء إلى بيانِ حكم فعل المكلَّف من الحلّ والحرمة بغض النظر عن الدليل، اهتموا بتعريف الفقه من هذه الحيثية.
فالحاصلُ أنَّ الفقيه عند الأُصوليين هو حقيقة في المجتهد المطلق الذي يستنبط الأحكام من الكتاب والسنة، ومجازٌ في الفقيه المفتي بأقوال المجتهد بدون استنباط وإنَّما بالتخريج والترجيح، وعند الفقهاء الفقيه حقيقة في المفتي مجاز في المجتهد المطلق؛ لأنَّها مرحلة تمّت في بداية الفقه ثمّ انتقل الاجتهاد لمراحل أُخرى، وبسبب هذا ترك الأصوليين الحقيقة إلى المجاز؛ لأنَّ الحقيقةَ تترك بدلالة العادة، فصار في الواقع الفقيه المقصود به المفتي، ونقصد
¬
(¬1) ينظر: نهاية السول 1: 22، وقمر الأقمار على كشف الأسرار 1: 2، والمستصفى 1: 4.
(¬2) ينظر: حاشيته على الدرر ص 3، ومقدمة ابن خلدون ص 312،
به مَن يملك وظائف الاجتهاد الأُخرى من التخريج والترجيح والتمييز والتقرير.
ثانياً: فقه الاختلاف:
هو علم يبحث في أقوال الفقهاء قصداً سواء كانت بأدلتها ونقض قول المخالف أم لا.
فهو علمٌ يهتمّ بذكر خلاف الفقهاء مقصوداً في التأليف؛ إذ عامّة كتب الفقه تعرج أحياناً على ذكر قول المخالف عرضاً؛ لبيان قوّة دليل القول المعتمد، ولا نعتبرها من كتب الاختلاف، بخلاف ما يكون المقصود منها ابتداءً ذكر أقوال العلماء في المسألة، سواء اقتصر على ذكر قولهم أو رجَّح دليل القول المعتمد من مذهبه.
ثالثاً: علم الخلاف:
وهو علم يبحث في أقوال الفقهاء قصداً سواء كانت بأدلتها ونقض قول المخالف أم لا.
فهو علمٌ يهتم بذكر خلاف الفقهاء مقصوداً في التأليف؛ إذ عامّة كتب الفقه تعرج أحياناً على ذكر قول المخالف عرضاً؛ لبيان قوة دليل القول المعتمد، ولا نعتبرها من كتب الاختلاف، بخلاف ما يكون المقصود منها ابتداءً ذكر أقوال العلماء في المسألة، سواء اقتصر على ذكر قولهم أو رجَّح دليل القول المعتمد من مذهبه.
وهذا التعريفُ مختلفٌ عن التعريفات المشهورة لهذا العلم مثل:
أ. علم باحث عن وجوه الاستنباطات المختلفة، من الأدلة الإجمالية والتفصيلية، الذاهب إلى كل منها طائفة من العلماء: كأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر والشافعي ومالك وأحمد، ثم البحث عنها بحسب الإبرام والنقض لأي وضع أريد في تلك الوجوه (¬1).
ب. علم يُعرف به كيفية إيراد الحجج الشَّرعية ودفع الشُّبهة وقوادح الأدلّة الخلافية بإيراد البراهين القطعيّة (¬2).
والسَّببُ أنَّ علمَ الخلاف أصبح عَلَماً على كيفيةِ مناقشة الخصم في أدلته ونقضها، بناء على قواعد علم المناظرة والجدل، ولذلك قال طاشكبرى زاده (¬3): «ويمكن جعل علم الجدل والخلاف من فروع علم أصول الفقه»، واعتبروا أنَّ أول من أخرج علم الخلاف في الدنيا هو أبو زيد الدبوسي (ت430هـ) (¬4)؛ بسبب شيوع المناقشات القوية بين أصحاب المذاهب في القرن الخامس والسادس في تأييد كل أرباب مذهب لمذهبهم، فكانت تلك الحقبة من التاريخ الفقهي هي زمان هذا النوع من العلم، حيث رغم كل هذه
¬
(¬1) ينظر: مفتاح السعادة 1: 283.
(¬2) ينظر: إتحاف السادة المتقين1: 278.
(¬3) في مفتاح السعادة 1: 284.
(¬4) مفتاح السعادة 1: 284.
المناقشات التي بلغت عشرات المجلدات أحياناً، تبيّن أنَّ أصحاب كل مذهب لديهم من الأدلة القوية الكافية لإثبات مذهبهم.
وعلى التَّعريف الذي ذكرتُ، فهو أوسعُ وأشملُ بحيث يشمل القرون الأُولى ويستمرُّ إلى يومنا ـ كما سيأتي ـ؛ لأننا نقصد به مطلق ذكر الاختلاف بين الفقهاء، وليس خاصاً بنقض قول المخالف.
الفرق بين الخلاف والاختلاف:
وذكر الاختلاف لا يقتضي المنازعة؛ لأنَّ الاختلافَ والمخالفة: أن يأخذ كلّ واحد طريقاً غير طريق الآخر في حاله أو قوله، والخِلَاف أعمّ من الضّدّ؛ لأنَّ كلّ ضدّين مختلفان، وليس كلّ مختلفين ضدّين، ولمّا كان الاختلاف بين النّاس في القول قد يقتضي التّنازع استعير ذلك للمنازعة والمجادلة، قال: {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ} [مريم: 37] (¬1).
فالاختلاف في أصل اللغة لا يحمل معنى المنازعة والمشاقة، إنَّما واقع الناس ونفوسهم التي لا تحتمل ذلك، وصدورهم التي تضيق عن مخالفة غيرهم لهم، يجعل هذا الاختلاف سبباً إلى المنازعة.
وذكروا فروقاً بين الاختلاف والخلاف، منها:
1.الاختلاف هو أن يكون الطريق مختلفاً، والمقصود واضحاً، والخلاف هو أن يكون كلاهما أي الطريق والمقصود مختلفاً.
¬
(¬1) مفردات غريب القرآن1: 294.
2.الاختلاف ما يستند إلى دليل، والخلاف ما لا يستند إلى دليل.
3.الاختلاف من آثار الرحمة، والخلاف من آثار البدعة.
4.الاختلاف إن حكم به القاضي صحّ ورفع قضاؤه الاختلاف، والخلاف لا ينفذ حكم القاضي، ويمكن لقاضي آخر فسخه.
فالخلافُ ما يَحمل في مضمونه النِّزاع والشقاق والتباين الحقيقي، والاختلاف ما يحمل التغاير اللفظي لا الحقيقي، ولهذا يجري على لسان أهل العلم أثناء تقرير مسألة خلافية: هذا اختلاف لا خلاف (¬1).
ولكنَّ هذا التفريق يقع أحياناً، وفي أحيان كثيرة يطلق الخلاف على الاختلاف الممدوح، وهذا شائع في العبارات، ومنه ما سيأتي من تسمية كتب الاختلاف كتب الخلاف.
رابعاً: الفقه المقارن:
المقارن: لغة: من قارنَ يُقارن، قِرانًا ومُقارَنَةً، فهو مُقارِن، والمفعولُ مُقارَن، وقارن الشّخصَ: صاحَبَهُ، وقَرَن بين الحجّ والعمرة إذا جمع بينهما وهو قارِنٌ (¬2)، وهذا هو المعنى القديم للمقارنة بمعنى الاقتران والمصاحبة.
واستعمالها المعاصر هو قارن الشّيءَ بالشّيء: وازنه به، قابل بينهما، فعلم اللُّغة المقارن: علمٌ يقوم على الموازنة بين لغتين؛ لمعرفة الظواهر المشتركة
¬
(¬1) ينظر: أدب الاختلاف ص11 - 12، وكشاف اصطلاحات الفنون1: 117.
(¬2) ينظر: المغرب2: 173.
بينهما، وَيُقَال: الْأَدَب الْمُقَارن أَو التَّشريع الْمُقَارن (محدثة) (¬1).
واصطلاحاً: هي علمٌ يبحثُ في أقوال الفقهاء وأدلتها ومناقشتها والتَّرجيح بينها من غير أرباب المذاهب وبدون اعتماد على أصولهم.
وهذا يقتضي أن يكون المشتغل به غير مُعتَرَف بفقهه عند أصحاب المذاهب؛ لأنَّه لم يسلك طريق أحدها في التفقه، ولا يسير على منهج صحيح في الترجيح؛ لخلوه عن أصول معتبرة مدونة كما هو في أصول فقه المذاهب، وبالتَّالي جعلوا هذا الطريق ضرباً من الهوى والتشهي.
وإن قام بالفقه المقارن على النحو السابق أحد المنتسبين للمذاهب المعتبرة، فلا يُعتَرف بفعلِه كذلك؛ لعدم بلوغه درجة معتدٌّ بها في الفقه يتحصَّل له منها ملكةٌ فقهيّةٌ تمكنه من التَّرجيح الصَّحيح على أُصول معتبرة.
خامساً: ألفاظٌ ذاتُ صلة:
ومَن الألفاظ الشَّائعة في هذا العصر «فقه السنّة» أو «فقه الكتاب والسنّة»، ويقصدون به المؤلَّفات التي سلك أصحابها طريق الاستنباط من الكتاب والسنة من جديد، وفي هذا تجني على الفقه؛ لأنَّه لا يوجد فقهٌ غير مُستنبطٍ من الكتاب والسنّة، ففيها اتهام للمذاهب الفقهيّة أنَّها لم يسلك أربابها طريقاً صحيحاً في الاستنباطِ من الكتاب والسنة أو لم يلتزموه في كلِّ مسائلهم، وهم يسعون للاستدراك عليهم، مع أنَّ الواقعَ أنَّ فقهَ المذاهب الفقهيّة هو
¬
(¬1) ينظر: معجم اللغة العربية المعاصرة3: 1806، والمعجم الوسيط2: 730.
مَن بلغ الكمال في الاستخراجِ من الكتابِ والسنّة من أئمةِ الاجتهادِ المستقلين في الإسلامِ بمراعاة أصولِ دقيقةٍ، بخلافِ مَن يسلك هذا الطَّريق، فإنَّه ممَّن لم يبلغ درجة الاجتهاد المستقل، ولم يراع أُصولاً محكمةً منضبطة، بل يسير على أُصولٍ سطحيّةٍ ومتخبطةٍ من هاهنا وها هنا ـ كما سيأتي ـ.
وشاع أيضاً تسمية «الفقه العام»، ويقصدون به ما ظهر من أبحاث ودراسات في الفقه المقارن أو الدراسات التي تستنبط الأحكام من الكتاب والسنة من جديد ـ كما سبق ـ فهي على الصورتين لم تلتزم مذهباً مُعيّناً في التّأليف، ويُخطئون في إدراج الكتب القديمة: كـ «المغني»، و «المجموع» التي اهتمت بذكر الاختلاف فيه؛ لأنَّها كتبٌ مذهبيةٌ اعتنى أَصحابها بذكر المذاهب الأُخرى ومناقشتها لا غير، ولم تتعامل مع الفقهِ كما هو الحالُ في الطَّريقة المعاصرةِ من عدمِ التزام مذهبٍ أَصلاً أو أُصول منضبطة، وعلى كلٍّ فإنَّ هذا المسلك لم يكن دقيقاً أصلاً، وإنَّما الصَّحيح ما سار عليه فقهاؤنا السَّابقون بطريقة فقه الاختلاف ـ كما سيأتي ـ والله أعلم.
ولا ضير في التَّسميةِ بالفقه المقارن أو الفقه العامّ؛ لأنَّها اصطلاحات، ولا مشاحة في الاصطلاح، وإنَّما الإشكال في الطريقة التي يسلكها أهلها، فلو صححت بطريقة أئمتنا من السلف والخلف، واستخدمت هذه الاصطلاحات في الدلالة على فقه الاختلاف المعروف فلا إشكال.
• • •
المطلب الثاني
وقت دراسة فقه الاختلاف
في النهايات لا في البدايات
ذكر علماؤنا في كتب آداب طلب العلم: يجب على الطالب أن يبتعدَ في بداية دراسته عن الاطلاع على اختلاف الأقوال والآراء في المسائل؛ لاسيما في العلوم الفقهية، بأن يدرس أكثر من مذهب مرّة واحدة، فإنَّه يشتت الذهن ويبعثر الخاطر، ويربك الطالب، ويضعف التقوى بتناقض الأقوال؛ لاسيما ممّن يرجّح ويجتهد بين آراء المجتهد رغم أنَّه لا يفهم عباراتهم، ولا يدرك مراميهم، ولم يدرس ولم يتعلّم على طرقهم وأساتذتهم فيرجِّح من غير مرجِّح، ويجتهد في غير محلّ الاجتهاد، فالويلُ كلُّ الويل لمَن كان حاله هكذا.
قال الإمام الكوثريّ - رضي الله عنه - (¬1): «مذاهب تكون بهذا التأسيس وهذا التدعيم إذا لقيت في آخر الزمن متزعماً في الشَّرع يدعو إلى نبذ التَّمذهب بها باجتهاد جديد يقيمه مقامها، محاولاً تدعيم إمامته باللامذهبية بدون أصل يبني عليه غير شهوة الظهور، فتبقى المذاهب وتابعوها في حيرة، بماذا يحلُّ أن يلقب مَن
¬
(¬1) في المقالات ص 222.
عنده مثل هذه الهواجس والوساوس؟ أهو مجنون مكشوف الأمر، غَلِطَ مَن لم يقده إلى مستشفى المجاذيب، أم مُذبذب بين الفريقين يختلف أهل العقول في عدّه من عقلاء المجانين، أو مجانين العقلاء».
وفي التحذير من التدريس بهذه الطريقة الممجوجة يقول حجة الإسلام الغَزالي - رضي الله عنه - (¬1): «ينبغي أن يحترزَ الخائض في العلم في مبدأ الأمر عن الإصغاء إلى اختلاف الناس، سواء كان ما خاض فيه من علوم الدنيا أو من علوم الآخرة، فإنَّ ذلك يدهش عقله ويحيِّر ذهنه ويفتر رأيه ويؤيسه عن الإدراك والاطلاع، بل ينبغي أن يتقنَ أولاً الطريق الحميدة الواحدة المرضية عند أستاذه، ثم بعد ذلك يصغي إلى المذاهب والشُّبَه.
وإن لم يكن أستاذه مستقلاً باختيار رأي واحد، وإنَّما عادته نقل المذاهب وما قيل فيها فليحذر منه، فإنَّ إضلالَه أكثر من إرشاده، فلا يصلح الأعمى لقود العميان وإرشادهم، ومن هذا حاله يُعَدُّ في عمى الحيرة وتيه الجهل، ومنع المبتدئ عن الشُّبَه يُضاهي منع حديث العهد بالإسلام عن مخالطة الكفّار، وَنَدبُ القوي إلى النظر في الاختلافات يضاهي حثّ القوي على مخالطة الكفار؛ ولهذا يمنع الجبان عن التهجم على صف الكفار ويندب الشجاع له.
¬
(¬1) في الإحياء1: 64 - 65.
ومن الغفلة عن هذه الدقيقة ظن بعض الضعفاء أنَّ الاقتداء بالأقوياء فيما ينقل عنهم من المساهلات جائز، ولم يدر أنَّ وظائف الأقوياء تخالف وظائف الضعفاء».
ولا بُدّ من المرحليّة في دارسة الفقه: فالتدرج في قراءة العلم من الابتداء إلى التوسّط إلى الانتهاء وهكذا، فكما لا يجوز عرض اختلاف المذاهب للمبتدئين حتى يضبطوا العلوم ويتمكنوا من أصولها وضوابطها، فينبغي أيضاً التدرج معهم في مسائل كلّ علم، فينتقل معهم من مرحلة إلى أخرى على حسب ما يقتضيه الحال.
وإنَّ مَن شرع في فنٍّ بدقائق ذلك الفنِّ: كالحواشي والشُّروح لا يتضح له مقاصد ذلك الفنّ، فالمتعلم يُمنع من التشاغل بعلم خفي قبل الفراغ من الجلي، فيبتدئ بشيء من العلم أقرب إلى الفهم، وتمثيل ذلك: بمَن أراد بناء بيت فيضع حجراً فيصبغه وينقشه ثم آخر كذلك، فيقال له: أتمّ بناء البيت جرداً ثم إن ساعدتُك بضاعتُك على التنقيش ولم يعقك عنه عائق فافعل ذلك، فإنَّ ذلك يقصر الطلبة عن إدراك الفنون وضبطها (¬1).
وقال الإمام السُّبكي - رضي الله عنه - (¬2): «حقّ المدرّس أن يُحسنَ إلقاءَ الدرس وتفهيمَه للحاضرين، فإن كانوا مبتدئين، فلا يلقي عليهم ما لا يناسبهم من
¬
(¬1) ينظر: ترتيب العلوم ص197.
(¬2) في معيد النعم ص105.
المشكلات، بل يُدَرِّبَهم ويأخذهم بالأَهون فالأهون إلى أن ينتهوا إلى درجة التحقيق، وإن كانوا منتهين فلا يلقي عليهم الواضحات، بل يدخل بهم في المشكلات».
وقال العلامة ساجقلي زاده - رضي الله عنه - (¬1): «وبعض الناس يظنّ أنَّ الأولى أن يُلقيَ على المبتدئين الدقائقَ والمشكلات؛ ليحدّ ذهنه ويقوي ذكاءه، أقول: كلا ثمّ كلا، وهل يحمل الطفل الصغير ما يحمله الأقوياء؟! ثم أقول: فوجب أن لا يشارك المبتدئ والمنتهي في درس، وكذا الذكيّ والبليد».
وقال العلامة ابن خلدون - رضي الله عنه - (¬2): «اعلم أنَّ تلقين العلوم للمتعلمين إنَّما يكون مفيداً إذا كان على التدريج، شيئاً فشيئاً وقليلاً قليلاً، يلقي عليه أولاً مسائل من كلّ باب من الفنّ هي أصول ذلك الباب، ويقرب له في شرحها على سبيل الإجمال، ويراعي في ذلك قوّة عقله واستعداده لقبول ما يورد عليه، حتى ينتهي إلى آخر الفنّ، وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلم، إلا أنَّها جزئية وضعيفة، وغايتها أنَّها هيأته لفهم الفنّ وتحصيل مسائله.
ثم يرجع به إلى الفنّ ثانيةً، فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبة إلى أَعلى منها، ويَستوفي الشرح والبيان، ويخرج عن الإجمال، ويذكر له ما هنالك من الخلاف ووجهه، إلى أن ينتهي إلى آخر الفنّ فتجود ملكته.
¬
(¬1) في الترتيب ص198.
(¬2) في مقدمته ص394 - 395.
ثم يرجع به وقد شدا فلا يترك عويصاً ولا مبهماً ولا منغلقاً إلا وضَّحَه وفتحَ له مقفلَه، فيخلصَ من الفنِّ وقد استولى على ملكته.
هذا وجه التعليم المفيد، وهو كما رأيت إنَّما يَحصل في ثلاث تكرارات، وقد يحصل للبعض في أقل من ذلك بحسب ما يخلق له ويتيسّر عليه، وقد شاهدنا كثيراً من المعلمين لهذا العهد الذي أدركنا يَجهلون طرق التعليم وإفاداته، ويُحْضِرون للمُتعلِّم في أول تعليمه المسائل المقفلة من العلم، ويُطالبونه بإحضار ذهنه في حلِّها، ويَحسبون ذلك مراناً على التعليم وصواباً فيه، ويُكلِّفونه رعي ذلك وتحصيله، فيَخْلِطون عليه بما يلقون له من غايات الفنون في مبادئها، وقبل أن يستعدَّ لفهمِها، فإنَّ قبول العلم والاستعدادات لفهمه تنشأ تدريجاً.
ويكون المتعلم أول الأمر عاجزاً عن الفهم بالجملة، إلا في الأقلّ وعلى سبيل التقريب والإجمال وبالأمثال الحسية، ثمّ لا يزال الاستعداد فيه يتدرج قليلاً قليلاً، بمخالطة مسائل ذلك الفنّ وتكرارها عليه، والانتقال فيها من التقريب إلى الاستيعاب الذي فوقه، حتى تتمّ الملكة في الاستعداد ثمّ في التحصيل ويحيط هو بمسائل الفنّ.
وإذا أُلقيت عليه الغايات في البدايات، وهو حينئذٍ عاجز عن الفهم والوعي، وبعيدٌ عن الاستعداد له، كلَّ ذهنه عنها، وحسب ذلك من صعوبة العلم في نفسه، فتكاسل عنه وانحرف عن قَبوله وتمادى في هَجَرانه، وإنَّما أَتَى ذلك من سوء التعليم.
ولا ينبغي للمُعَلّم أن يزيدَ متعلّمه على فهم كتابه الذي أكب على التعليم منه بحسب طاقته، وعلى نسبة قبوله للتعليم مبتدئاً كان أو منتهياً، ولا يخلط مسائل الكتاب بغيرها حتى يعيه من أوله إلى آخره، ويُحَصِّلُ أَغراضَه ويَسْتَولي منه على ملكةٍ بها ينفذ في غيره؛ لأنَّ المتعلِّمَ إذا حَصَّلَ ملكة ما في علم من العلوم استعدَّ بها لقبول ما بقي، وحَصَلَ له نشاط في طلب المزيد والنهوض إلى ما فوق، حتى يستولي على غايات العلم، وإذا خُلِط عليه الأمرُ عَجَز عن الفهم، وأدركه الكلال، وانطمس فكره، ويئس من التحصيل، وهَجَر العِلْم والتعليم».
ولذلك جعلوا العلوم على مراتب في التحصيل: اقتصار وهو المرتبة الأولى، والاقتصاد هو المرتبة المتوسطة، والاستقصاء في المرتبة العليا، قال العلامة ساجقلي زاده - رضي الله عنه - (¬1): «والاقتصار في الفقه يكون بمثل: «مختصر القدوري»، والاقتصاد فيه بمثل: «الهداية»، وما وراء ذلك استقصاء مثل: «فتاوى قاضي خان»، و «الخلاصة»».
وَفَصَّلَ هذه المراتب العلامة ابن بدران (¬2) في دراسة فقه المذاهب الأربعة على النحو الآتي: «الواجب الديني على المعلّم إذا أراد إقراء المبتدئين أن يقرئهم أولاً كتاب: «أخصر المختصرات» أو «العمدة» للشيخ منصور متناً إن
¬
(¬1) في ترتيب العلوم ص211 - 216.
(¬2) في المدخل ص488 - 489.
كان حنبلياً، أو «الغاية» لأبي شجاع إن كان شافعياً، أو «العشماوية» إن كان مالكياً، أو «منية المصلي» أو «نور الإيضاح» إن كان حنفياً.
ويجب عليه أن يشرح له المتن بلا زيادة ولا نقصان؛ بحيث يفهم ما اشتمل عليه، ويأمره أن يصوّرَ مسائله في ذهنه، ولا يشغله بما زاد على ذلك ... فلا ينبغي لِمَن يقرأ كتاباً أن يتصوّرَ أنَّه يريد قراءته مرّة ثانية؛ لأنَّ هذا التصوّر يمنعه عن فهم جميع الكتاب، بل يتصوّر أنَّه لا يعود إليه مرّة ثانية أبداً، ... وكلّ كتاب يشتمل على مسائل ما دونه وزيادة، فحقق مسائل ما دونه لتوفّر جدّك على فهم الزيادة.
فإذا فرغ الطالب من فهم تلك المتون، نقله الحنبلي إلى «دليل الطالب»، والشافعي إلى «شرح الغاية»، والحنفي إلى «ملتقى الأبحر»، والمالكي إلى «مختصر خليل»، وليشرح له تلك الكتب على النمط الذي أسلفناه فلا يتعدّاه إلى غيره؛ لأنَّ ذهن الطالب لم يزل كليلاً ووهمه لم يزل عنه بالكلية.
ثم إذا شرح له تلك الكتب وكان قد اشتغل بفنّ العربية، أوقفه هنالك وأشغله بشرح أدنى مختصر في مذهبه في فنّ أصول الفقه: كـ «الورقات» لإمام الحرمين وشرحها للمحلي دون ما لها من شرح الشرح لابن قاسم العبادي والحواشي التي على شرحها، فإذا أتمّها نقله إلى «مختصر التحرير» إن كان حنبلياً مثلاً، ويتخيّر له من أصول مذهبه ما هو أعلى من «الورقات» وشرحها.
فإذا أَتمّ شرح ذلك أقرأه الحنبلي: «الروض المربع بشرح زاد المستنقع»، والحنفي: «شرح الكنز» للطائي، والمالكي أحد شروح «متن خليل المختصرة»،
والشافعي «شرح الخطيب الشربيني للغاية»، ولا يتجاوز الشروح إلى حواشيها، ولا يُقرئها إياه إلا بعد اطلاعه على طرف من فنّ أصول الفقه.
واعلم أنَّه لا يمكن للطالب أن يصيرَ متفقهاً ما لم تكن له دراية بالأصول، ولو قرأ الفقه سنينَ وأعواماً، ومَن ادّعى غير ذلك كان كلامه إمّا جهلاً وإمّا مكابرة، فإذا انتهى من هذه الكتب وشرحها شرح مَن يفهم العبارات ويدرك بعض الإشارات، نقله الحنبليّ إلى «شرح المنتهى» للشيخ منصور و «روضة الناظر وجنة المناظر» في الأصول، والشافعيّ إلى «التحفة» في الفقه، و «شرح الأسنوي على منهاج البيضاوي» في الأصول، والمالكي إلى «شرح مختصر ابن الحاجب الأصولي» و «شرح أقرب المسالك لمذهب مالك»، والحنفي إلى «الهداية» و «شرح المنار» في الأصول، فإذا فرغ من هذه الكتب وشرحها بفهم وإتقان، قرأ ما شاء وطالع ما أراد فلا حجر عليه بعد هذا».
ولمَّا كان الفقه الحنفي أكثر فقه مذاهب أهل السنة عنايةً واهتماماً ودراسةً وتدريساً، رَغِبْتُ في إضافة بعض الفوائد التقطتها من «ترتيب العلوم» لما فيها من النفع لدارسه وقارئه.
قال ساجقلي زاده - رضي الله عنه - (¬1): «ومن المؤلَّفات في علم الأحكام: «مختصر القدوري» مناسب لطبائع المبتدئين، معروف باليمن والبركة، لكن يستخفّه بعض مَن تزيا بِزِيِ الطلبة وغلبت عليه الشقوة.
¬
(¬1) في الترتيب ص159 - 161.
ومن المؤلّفات في الفقه «الهداية» ونعمت هي ذات عبارات منوّرة، فخر لمذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه -. ولا ينبغي للطلبة أن يستغنوا عنها بغيرها، ورحم الله تعالى بعض السلاطين بنى مدرسة وشرطها لِمَن يُدرِّس فيها «الهداية» مع شرحها الأكملي، لكن لا يستأهل للاطلاع عليها إلا مَن برع في أصول الفقه.
وفنُّ الفقه أصعب الفنون وأطولها، وهو علم الأئمة المجتهدين، وأغلب ما يحتاج إليه العالمون، بحرٌ لجُيٌّ، لا يغوص فيه إلا ذكيٌّ أوحديٌّ ماهرٌ في أُصوله، ولا تحصل البضاعةُ فيه إلا بسعي بليغٍ في مدّةٍ مديدة بهمّة عالية، بدراسة مثل كتاب «الهداية» مع شرحها الأكملي، وأما التبحّر فيه، فهو يكاد أن يستغرق العمر.
وكاشف المشكلات فيه، فهو أعز من الكبريت الأحمر، ولا تُحصى مسائلُه التي تَحيَّر فيها العلماء.
والعجبُ من بعض الطلبة أنَّه يهمل الاشتغال به زعماً منه أنَّه هَيِّن يتحصّل بأدنى سعي، فإن كان زعمه هذا حين لم يطّلع عليه أَصلاً فاعذروه، وإن بعد اطلاع ما فاعلموا أنَّ العلوم كلَّها هينٌ على أَمثاله.
ثم ما تضمنه مثل «الهداية»: فهو المسائل المعروفة التي يغلب وقوعها، وأما نوادر الفقه التي تضمنها مثل: «فتاوى قاضي خان»، و «الخلاصة»، والمؤلف الذي تضمن نوادره يسمّى في عرف الناس كتاب الفتوى، وأحسن ما تضمن النوادر وأدقه كتاب: «الأشباه والنظائر» لابن نجيم - رضي الله عنه -، وهو قَمِنٌ ـ
أي جدير وحقيق ـ أن يكتب بالتبر الأحمر على صفحات الشمس والقمر، لا بُدّ أن يستصحبه ويطّلع عليه كلّ مَن انتصبَ للجواب عن استفتاء العامة».
وقال أيضاً (¬1): «واعلم أنَّ هذا الفنَّ طويلٌ عميقٌ، لا تحصل البضاعة منه إلا في مدّةٍ متطاولةٍ باشتغالٍ بمثلِ «التنقيحِ» وشرحهِ وحاشيتهِ، لكنَّ أكثر المشتغلين بهذه الثلاث لا تحصل لهم البضاعة من هذا الفنّ؛ لاضطراب سوق المتن والشرح، وقد أصلحهما ابن الكمال، لكن لا يؤول إصلاحه إلى منافع كثيرة، وما رأينا في هذا الفنّ متناً أحسن وأجمع من «الوجيز» ليوسف الكرماستي - رضي الله عنه - لكن لم نر له شرحاً ...
فمَن أَرادَ الاشتغال بمثل «الهداية» و «شرح صدر الشريعة للوقاية»، فلا ينبغي له أن يشتغلَ به إلا بعد تحصيل علم الأصول.
وبالجملة ينبغي أن يشرع طالب هذا الفنّ في «مختصر القدوري»، وفي سائر ما يستمد منه قبل تحصيل هذا الفنّ، ثم بعد تحصيل هذا الفنّ يشرع في «الهداية»، وفي «شرح صدر الشريعة»، وهذا طريق مستقيم».
• • •
¬
(¬1) في الترتيب ص157 - 158.
المطلب الثالث
الاختلاف حقّ وممدوح
وفائدة دراسته وفضله
تمهيد:
إنَّ ظاهرة الاختلاف في تقرير الأحكام الشرعية فيما بين المذاهب وبين علماء المذهب الواحد يستغربُ منها الشخص غير المتخصص في الدراسات الفقهية؛ لاعتقاده أنَّ الدَّين واحد، والشَّرعَ واحدٌ، والحقَّ واحدٌ لا يتعدَّد، والمصدر واحدٌ، وهو الوحيُّ الإلهيّ، فلماذا التَّعدُّد في الأقوال، ولم لا يوحد بين المذاهب، فيؤخذ بقول واحد يسير عليه المسلمون، باعتبارهم أمة واحدة؟! وقد يتوهم أنَّ اختلاف المذاهب اختلاف يؤدي إلى تناقض في الشرع، أو المصدر التشريعي، أو أنَّه اختلاف في العقيدة كاختلاف فرق غير المسلمين من أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت، والعياذ بالله!!.
وهذا كله وهم باطل، فإنَّ اختلاف المذاهب الإسلامية رحمة ويُسر بالأمة، وثروة تشريعية كبرى محل اعتزاز وفخار، فهو مجرد اختلاف في الفروع والاجتهادات العملية المدنية الفقهية، لا في الأصول والمبادئ أو
الاعتقاد، ولم نسمع في تاريخ الإسلام أنَّ اختلاف المذاهب الفقهية أدى إلى نزاع أو صدام مسلح هدد وحدة المسلمين، أو ثبط همتهم في لقاء أعدائهم؛ لأنَّه اختلاف جزئي لا يضر، أما الاختلاف في العقيدة فهو الذي يعيبها ويفرق بين أبنائها، ويمزق شملها، ويضعف كيانها، لهذا فإنَّ العودة إلى العمل بالفقه الإسلامي، والاعتماد على تقنين موحد مستمد منه سبيل لتدعيم وحدة الأمة الإسلامية ونبذ خلافاتها.
وبه يتبيّن أنَّ اختلاف الفقهاء محصور فقط بين المأخوذ من مصادر الشريعة، بل هو ضرورة اجتهادية يمليها الاجتهاد نفسه في فهم الحكم من الأدلة الشرعية مباشرة، كما هو الشأن في تفسير نصوص القوانين، واختلاف الشراح فيما بينهم، وذلك إما بسبب طبيعة اللغة العربية المجملة أو المحتملة ألفاظها أحياناً أكثر من معنى واحد محدد، وإما بسبب رواية الحديث وطريق وصوله إلى المجتهد قوة وضعفاً، وإما بسبب التفاوت بين المجتهدين في كثرة أو قلة الاعتماد على مصدر تشريعي، أو لمراعاة المصالح والحاجات والأعراف المتجددة المتطورة (¬1).
وتأكيداً على أهمية علم الاختلاف، نذكر دلائل أنَّه حقٌّ وممدوح، ونبين الفوائد من دراسته، ونذكر شيئاً من ثناء العلماء عليه في النقاط التالية:
¬
(¬1) ينظر: الفقه الإسلامي وأدلته1: 83.
* أولاً: الاختلافُ حقٌّ وممدوح:
والشَّواهد على حصول الاختلاف في كافة مناحي الحياة وفي مختلف العلوم والفنون عديدة، وهي من القضايا المسلّمة التي لا ينبغي أن ينازع فيها أحدٌ، وما نذكره إنَّما تذكير بهذه الحقيقة، ومن هذه الشواهد:
الأوّل: الاختلاف سنة كونيّة؛ قال - جل جلاله -: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} [البقرة: 251]، وقال - جل جلاله -: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج: 40]، فهاتان الآيتان تقرَّران حقيقةً يغفل عنها الكثير، مِن أنَّ استمرار الحياة البشرية وتطورها وازدهارها منوط بالتدافع بين الأفراد والجماعات والدول.
وإنَّ حفظ هذا الشرع العظيم الذي تعهّد به ربّ العزّة في قوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، مبنيٌّ على وسائل وطرق منها التنافس والتدافع بين العلماء، الذي يكون سبباً لارتفاع الهمم في الاحتجاج والتأصيل والتفريع ونشر العلم وبيان الصحيح من السقيم.
فالتدافع يجعل كلاً يعتزّ بما عنده ويسعى لإثباتِه أمام خصمه بشتى الطُرُق الممكنة، فالمُحَدِث يسعى لجمع الحديث والتدقيق في الأسانيد والتمحيص في الرجال في مقابل غيره من المحدثين والفقهاء؛ لئلا يتهمه أحدهم بالتخاذل والتقصير وغيرها.
والفقيه يهتمُّ بالتفريع والتَّأصيل والاستدلال لما ذهب إليه بالحجج والبراهين في وجه خصومه من الفقهاء والمحدّثين، فالحنفي يحتج في مقابل الشافعي أو المحدث لمسائله، والشافعي في مقابل المالكي أو الحنبلي، وهكذا، فيزدهر العلم وينتشر، ويَحرص كلُّ على التَّدقيق والتَّصحيح؛ لئلا يظهر عوار ما هو عليه، ويضعف ما ذهب إليه.
وما يعرض في كتب الفقه من تقوية لفروع كلِّ مذهب بمقابل غيره من المذاهب من قبل علمائه، فإنَّ فيه زيادة ثقة كلِّ قوم بمذهبهم، لا تضعيف لمسائل غيرهم من المذاهب؛ لأنَّك لو راجعت كتب المذاهب الأخرى لرأيت قوّة استدلالهم فيما ذهبوا إليه، ممّا يُبرهن أنَّ كلَّ مسألة عند أهلها معتمدة ومعتبرة، وأنَّ ردّ غيرهم وتضعيفهم لها لا يؤثر عليهم في اعتمادهم عليهما، وإنَّما هي سنة الله - عز وجل -؛ ليبقى هذا العلم محفوظاً من الضياع.
قال سيدُ قطب (¬1): «لقد كانت الحياة كلُّها تأسن وتتعفن لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض، ولولا أنَّ في طبيعة النّاس التي فطرهم الله عليها أن تتعارض مصالحهم واتجاهاتهم الظاهرية القريبة؛ لتنطلق الطاقات كلها تتزاحم وتتغالب وتتدافع، فتنفض عنها الكسل والخمول، وتستجيش ما فيها من مكنونات مذخورة، وتظل أبداً يقظة عاملة، مستنبطة لذخائر الأرض مستخدمة قواها وأسرارها الدفينة ... وفي النهاية يكون الصلاح والخير والنماء ... ».
¬
(¬1) في ظلال القرآن1: 270.
والفقه يحتاج إلى هذا التدافع ليشتد بنيانه، ويتميز صحيحه من سقيمه.
الثاني: تكليفنا بتقليد العلماء وسؤالهم؛ قال - جل جلاله -: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُون} [النحل: 43] ومعلوم أنَّ العلماء سيختلفون في أفهامهم وتقديراتهم؛ لأسباب عديدة جداً، فيكون رضا من الله - جل جلاله - بحصول الاختلاف بينهم في المسائل الفقهية.
وإنَّ منبع الاختلاف هو تفاوت الأفكار والعقول البشرية في فهم النصوص، واستنباط الأحكام، وإدراك أسرار التشريع وعلل الأحكام الشرعية (¬1).
قال الإمام السيوطي - رضي الله عنه -: «اعلم أنَّ اختلاف المذاهب في هذه الملّة نعمةٌ كبيرةٌ وفضيلةٌ عظيمة، وله سِرٌّ لطيفٌ أدركه العالِمون، وعَمِي عنه الجاهلون، حتى سمعت بعض الجهّال يقول: النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء بشرع واحد، فمن أين مذاهب أربعة» (¬2).
فمَن أدرك الخطاب بتقليد أهل الذكر، وعلم اختلاف العقول وتبيان الأصول والتفريع عليها، وعرف توسعته على الناس توصل إلى السر اللطيف في اختلاف العلماء.
¬
(¬1) ينظر: الفقه الإسلامي وأدلته1: 83.
(¬2) ينظر: أدب الاختلاف ص25 عن جزيل المواهب في اختلاف المذاهب للسيوطي.
الثَّالث: إقرار النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الاختلاف في المسائل الفقهية بين الصحابة - رضي الله عنهم -: فقد درب النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحابة - رضي الله عنهم - على الاجتهاد، فحصل بينهم اختلاف بمشهد منه، ولم ينكر على أحد منهم، ومن ذلك الحديث المشهور عن ابن عمر - رضي الله عنه -: «أنَّه نادى فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم انصرف من الأحزاب: لا يصلين أحد الظهر (¬1) إلا في بني قريظة، فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني قريظة، وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن فات الوقت، قال: فما عنف واحداً من الفريقين» (¬2).
* ثانياً: فائدة دراسة الاختلاف:
لسنا في صدد الاستقصاء بجمع الفوائد التي تعود على الطالب بدراسته، وإنَّما نشير لبعضها على سبيل الإجمال:
الأول: تكوين ملكة فقهية:
سيأتي معنى الكلام في كيفية تحصيل الملكة الفقهية، ولكن نؤكد هنا أنَّ من العوامل المؤثرة في تحقيقها هو الاطلاع على الخلاف الذي يُعَرِّف ببناء المسائل، ويفتح الذهن، ويوسع المدارك.
فملكة الفقه لا تتأتَّى إلا بالارتياض في معرفة أقوال العلماء باختلافها،
¬
(¬1) في رواية صحيح البخاري 1: 321 لفظ: العصر.
(¬2) في صحيح مسلم 3: 1391، وصحيح ابن حبان 4: 320، ومسند أبي عوانة 4: 264.
وما أتوا به في كتبهم، فالحقُّ لا يعرف إلا إذا عُرف الباطل، والفاسدُ لا يعلم إلا إذا عُلِمَ الصحيح، فبضدها تتميز الأشياء، ويظهر التشدد عند من ألِف قولاً واحداً فتربى حتى كهل عليه (¬1).
الثاني: إيجاد ثروة فقهية ضخمة:
فمن آثار الآراء الفقهيَّة تكونت المدارس الفقهيَّة، ثم تبلوُرها حتى صارَت المذاهب الفقهيَّة، فأخصبت مَرعَى الفقه، وتركت من بعد ذلك تَرِكةً مثريّة من الدراسات الفقهيَّة، لا نكون مُغالين ولا متجاوزين المعقول إذا قلنا: إنَّها أعظم ثروة فقهية في العالم الإنساني.
ولعلَّ أعظم ثروةً يدَّعيها الأوربيون هو القانون الرُّوماني، ولو وُزِنَ ما جاء عن الرومان ما عدل عُشر مِعشار ما ترَكَه الفقهاء المسلمون من عيون الفقه ومسائله المشتملة على ما لا يدخل تحت حصرٍ من الحلول الجزئيَّة والقواعد الكليَّة، بما يغني الإنسانية إنْ بغت الخير لنفسها، واتَّجهت إلى ما ينفعها ويعلو بها، وهذا الدستور الشرعي الإسلامي في حجمه اللامتناهي هو ما راع الناس بعد عصر الأئمة، فلا عجب أنْ قيل: إنَّ ممَّا أسهم في نموِّه واتِّساعه هو الاختلافُ الذي أدَّى إلى تقصِّي الحقيقة إلى ما هو ماثلٌ أمام الواقع من هذا التراث العظيم، وهذا من أهمِّ آثار الاختلاف على الفقه (¬2).
¬
(¬1) ينظر: الترخص بمسائل الخلاف 14 - 15.
(¬2) ينظر: علم الأصول لعبد الوهاب ص249 - 253.
الثالث: التوسعة على الأمة في العمل:
معلومٌ أنَّ الاستفادة من المذاهب الفقهية المعتبرة للمكلّف والمجتمعات والدُّول جائزةٌ بشروطٍ ليس هنا محلُّ بيانها، ففي موضع الضَّرورة يجوز لنا العمل بمذهب الغير؛ لاجتماع دليل الضرورة مع أدلّة الغير، فيتقوَّى على مذهبنا في حَقّ هذه المسألةِ فجاز العمل به، وهذه توسعة كبيرة على الأمة.
لذا شاع وذاع على لسان كثير من السلف: أنَّ اختلاف الأمة في الفروع هو ضرب من ضروب الرحمة، فروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اختلاف أمتي رحمة» (¬1)، وقال القاسم بن محمد: «كان اختلافُ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رحمةً لهؤلاء النّاس» (¬2)، وقال عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -: «ما يَسُرُني أنَّ لي باختلاف الصحابة - رضي الله عنهم - حُمُر النِّعم» (¬3).
الرّابع: دفع الشكوك حول عظم بناء المذاهب، وقوة أدلتها:
فمن لا يطالع كتب الخلاف، وينظر في أدلة الموافق والمخالف، يبقى في قلبه تشكك في بناء هذه المذاهب على أدلة قوية، وكلّما أكثر النظر ودقّق الفكر أدرك رسوخ هذه المذاهب واندفعت شكوكه وأوهامه، وعلم أنَّ لكل منها
¬
(¬1) قال العراقي تخريج أحاديث الإحياء1: 74: «ذكره البيهقي في «رسالته الأشعرية» تعليقاً وأسنده في «المدخل» من حديث ابن عباس بلفظ «اختلاف أصحابي لكم رحمة»، وإسناده ضعيف».
(¬2) في حلية الأولياء7: 119، والطبقات الكبرى5: 189، والطبقات الكبير7: 188.
(¬3) في جامع العلوم والحكم2: 901، والإبانة الكبرى2: 566، والطبقات الكبير7: 371.
أصولاً بُنيت عليها هذه الفروع، قال طاشكبرى (¬1): «وغرضُ علم الخلاف تحصيل ملكة الإبرام والنَّقض، وفائدتُه: دفع الشُّكوك عن المذاهب وإيقاعُها في المذهب المخالف».
الخامس: الابتعاد عن التَّشدد:
الاطلاعُ على اختلافِ الفُقهاء في داخلِ المذهب وخارجه توسعُ الصَّدر وتفتحُ المدارك، بحيث لا يتشدَّد الفقيه في مواضع الخلاف ولا يُنكر فيها، وإنَّما يتشدَّد فيما حَقُّه التَّشدد من مواضع الإجماع بين العلماء، وتكون فتواه فيها تسامحٌ وتيسيرٌ ورفعٌ للحرج على مقتضى ما قرَّرته الشريعة.
فالفقيه بسبب احتكاكه وتمرُّسه باختلاف الأقوال وتمحيصها صار قادراً على معرفة الخطأ من الصّواب، وتمكَّن من التمييز بينهما، ثم تحققت له المناعةَ ضدّ الشذوذ أو التشدد.
* ثالثاً: فضل معرفة الاختلاف:
رُويت آثار عديد في فضل معرفة علم الاختلاف، منها:
قال ابن مسعود - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «يا ابن مسعود، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: أتدري أي الناس أفضل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنَّ أفضل
¬
(¬1) في مفتاح السعادة1: 283.
الناس أفضلهم عملاً إذا فقهوا في دينهم، ثم قال: يا ابن مسعود، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: أتدري أي الناس أعلم؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: إنَّ أعلم الناس أبصرهم بالحقّ إذا اختلف الناس، وإن كان مقصراً في عمله، وإن كان يزحف على إسته زحفاً» (¬1).
وقال ابن أبي عروبة - رضي الله عنه -: «مَن لم يسمع الاختلاف فلا تعدُّوه عالمًا» (¬2).
وقال هشام بن عبيد الله الرازي - رضي الله عنه -: «مَن لم يعرف اختلافَ الفقهاء فليس بفقيه» (¬3).
وقال قتادة - رضي الله عنه -: «مَن لم يعرف الاختلاف لم يشمَّ الفقه بأنفه» (¬4).
وقال عطاء - رضي الله عنه -: «لا ينبغي لأحدٍ أنْ يفتي الناس حتى يكون عالمًا باختلاف الناس، فإنَّه إنْ لم يكن كذلك رَدَّ من العلم ما هو أوثق من الذي في يدَيْه» (¬5).
وقال أيوب السختياني - رضي الله عنه -: «أمسَكُ الناس عن الفتيا أعلمهم باختلاف العلماء» (¬6).
¬
(¬1) في المعجم الصغير1: 372، ومصنف ابن أبي شيبة1: 217، ومسند أبي داود1: 295.
(¬2) في جامع بيان العلم2: 815، والكامل 4: 449، والميزان152، وسير أعلام النبلاء6: 413.
(¬3) في جامع بيان العلم2: 816.
(¬4) في ترتيب الأمالي للشجري ص70، وجامع بيان العلم2: 814 ... .
(¬5) في جامع بيان العلم2: 816.
(¬6) في جامع بيان العلم2: 818.
وقال ابن القاسم قال: سئل مالك، قيل له: لمن تجوز الفتوى؟ قال: «لا تجوز الفتوى إلا لمن علم ما اختلف الناس فيه» (¬1).
فهذه الآثار محمولةٌ على الأهمية الكبيرة لعلم الاختلاف، فهي حثٌّ من سلفِنا على عدمِ التَّسرع في الإفتاءِ إلا بعد الوصولِ إلى منتهى العلم، بالاطلاع على خلافِ العلماء في مسائله؛ رفعاً للحرج عن الأمّة.
وهذا بعد مراعاة التدرج السابق في الدراسة، من التمكُّن والضبط لمذهب واحد يلتزم به في عمله وفتواه وتدريسه، ويكون عنده اطلاعٌ واسعٌ على الخلاف في داخلِ المذهب وخارجه بحيث يُمكنه أن ييسر على المسلمين، وكلُّ هذا ضمن ضوابط وقواعد محكمة ـ ستأتي معنا بعون الله ـ.
• • •
¬
(¬1) في جامع بيان العلم2: 816.
المطلب الثالث
نشأة وتاريخ علم الاختلاف
بعد دخول المستعمر إلى بلاد المسلمين علم أنَّ لا قرار له ولا سيطرة على بلاد المسلمين إلا بتسييرها على ثقافته، حتى تكون تابعة له، وهذا بتجفيف منابع ثقافتها وعاداتها، واستبدالها بغيرها مما يخدم مصالحه.
ومعلوم أنَّ أكثر عامل مؤثر في فهم الفرد والمجتمع هو الدين بفقهه وعقائده وتصوفه، وهذه الثلاثة لها موارد تستمدها منها، ففي الفقه وهو الذي محل كلامنا، له مذاهب مشهورة يعتمد عليها في معرفة كل الأحكام المتعلقة بأحوال المسلم وتصرفاته، وتحدد ما له وما عليه، ولا يمكن تغيير سلوكه ما لم نبعده عنها.
فبدأت القصة بتشويه المذاهب؛ لإبعادها عن الساحة، فيأتون بحجج واهية وكلام مستغرب ويشيعونه كقولهم: إنَّ في حمل الناس على تقليد مذهب معيَّن تكليف بما لا يطاق لا سيما في زماننا الذي تغيرت فيه أحوال الناس وتبدلت بسبب المدنية المعاصرة، فلا بد من التيسير عليهم بالانتقاء من
المذاهب ما يناسبهم، واستخراج أحكام المسائل الجديدة من المذاهب جملة بالمقارنة بينها لمعرفة الحكم الشرعي.
وهذا الكلامُ يُعقل لو كنّا نتكلَّم عن فكرةٍ أو نظريةٍ لا عن علم راسخ مطبق منذ أربعة عشر قرناً في أعظم دولة عرفها التاريخ الإنساني في القوة والتنظيم والعدل والمساواة بفضل هذا العلم الشريف.
فالفقه ليس وليد اليوم أو البارحة، بل إنَّه هو علم عاشر الناس وعايشهم، وبنوا عليه حياتهم، وحل لهم مشكلاتهم، عَرَفَه المؤمنون في عصور العزّة والنهضة، وطبقته الدول الإسلامية المتعاقبة على رعاياها، فكفاها حاجتها، ورغم كلّ هذا الزمان المتطاول لم يشتك أحد من قصور هذه المذاهب عن الوفاء بحاجيات الدول والأفراد، ولم يدع شخص أنَّ في تطبيق مذهب على الناس عسرة، بل نجد كل قوم فرحين بمذهبهم، منكبين على دراسته وتدريسه وتطبيق مسائله دون اهتمام بغيره.
إذا اتضح هذا، عُلِمَ أنَّ هذه المقالة وهم وخيال، ليس لها في الواقع مجال، إلا إرباك الناس وإخراجهم عن تطبيق شرع ربهم بحجة العسرة وطلب التيسير، أو ضعف أدلة بعض المذاهب، أو الترجيح بينها على ما تقتضيه المصلحة أو غير ذلك.
قال الدكتور البوطي (¬1): «الاجتهاد الذي ينادي رجال بالدعوة إليه
¬
(¬1) في محاضرات في الفقه المقارن ص7 - 8.
اليوم، إما أن يراد به الاجتهاد فيما قد جدّ من أمور المسلمين مع الزمن مما لم يبحث في شأنه الأئمة السابقون، وإما أن يكون المقصود به إعادة النظر في اجتهادات الأئمة وفقههم.
فأما الاجتهاد بمعناه الأول، فلا يشك باحث عاقل أنَّ على علماء المسلمين اليوم أن يبحثوا في هذه الأمور الجديدة، ويبذلوا جهدهم في استنباط أحكامها بدليل من الكتاب أو السنة أو القياس أو الإجماع إذا تم لهم ذلك، والاجتهاد في هذا واجب لا مفرَّ منه.
وأما الدعوة إليه بمفهومه الثاني، فهي دعوة باطلة، وشهوة مجردة للتلاعب بالأحكام الشرعية الثابتة، واحتجاج من ورائه غرض سيئ ليس من العسير كشفه والإشارة إليه.
إنَّ الاحتلال البريطاني لمصر، يوم اصطدم بجلمود الفكر الأزهري في كل ما كان يصدر عنه من فتاوى ونظرات وأحكام، لم يجد الوسيلة أمامه إلا أن يفتت هذا الجلمود بمطرقة لا يقوى غيرها على ذلك، هي مطرقة الاجتهاد ...
وكان السبيل لاستحضار هذه المطرقة، هو الاعتماد على من يدعون باسم الإسلام إلى الاجتهاد، ونبذ الجمود على الكتب والفتاوى القديمة، فلما توفرت لهم الأبواق الداعية والمروجة لذلك بشتى الأساليب والطرق، أتيح لهم أن يفتتوا تلك الصخرة الفكرية عن طريقهم ـ كما يقول اللورد كرومر في مذكراته ـ وجاء سيل الإنجليز ومبشروهم يدخلون بأفكارهم وآرائهم
المخربة المستوردة في المجتمع المصري بعد أن أجازوها على الأزهر وعلمائه باسم الاجتهاد وتحت امتيازاته ... .
بهذا أدخل قاسم أمين أفكاره عن المرأة والحجاب، وبهذا تسلّل الإنجليز نفسه إلى الأزهر في أشخاص كثيرين من ممثليه وأتباعه وبطانته، وبهذا نسخت أحكام ومناهج إسلامية عظيمة بأحكام ومناهج أوروبية سخيفة.
إنَّ شيئاً من ذلك لم يتم باسم الدعوة إلى نبذ الدين، وإنَّما تمّ كل ذلك باسم الدعوة إلى الاجتهاد ...
إنَّ الاجتهاد الذي إذا فُتح بابه دخل فيه مع الرجل الواحد الصالح عشرون من الرجال المفسدين، جدير ببابه أن يظل مقفلاً لا يفتح.
وإذا صح أن يوجد مثال متفق عليه عند المسلمين كلهم لقاعدة سدّ الذرائع، فأجدر به أن يكون هو هذا المثال ... ».
فنقل الدراسة ابتداء من قول إلى أقوال، وجعل علم النهايات من الاختلاف في البدايات ـ كما سبق ـ أضاع العلم وأهله، فأصبح الطالب تائهاً ضالاً طريقه تتخطفه الأهواء والآراء، حائر بما يعمل ويفتي.
ففقه الاختلاف ـ كما سيأتي ـ معروف مشهور، ولا يبلغ الراغب في الفقه مبلغه حتى يطلع عليه ويتعرف به، وقد اعتنى كل أئمة الإسلام به عناية فائقة جداً.
لكنَّ هذا التلفيق بين الأحكام بالمزج بين الأقوال بدون ضوابط، والاختيار والترجيح بدون أصول معتبرة، ولا دراية كافية، فهي غير مقبولة، وإيلاج أعظم كتب الإسلام في مثل هذا الطريق بعيد عن الصواب.
فالفقه بهذه الصورة المقارنة لم يعرفه المسلمون قط قبل هذا العصر، وليس كتاب «المغني في شرح الخرقي»، و «المجموع في شرح المهذب»، و «البناية في شرح الهداية» من كتب الفقه المقارن هذا، وإنَّما هي كتب مذهبية بحته، منهج أصحابها في التأليف عرض الآراء المختلفة في المسألة مع أدلتها ثمّ تأييد وترجيح مذهبهم بالأدلة النقلية والعقلية لا غير.
و «المحلَّى» لابن حزم الظاهري يعرض فيه رأيه ويذكر آراء الآخرين لدفعها؛ إذ أنَّه يستند إلى أصول لنفسه في استنباط الأحكام، مع العلم أنَّ فيها ما فيها عند أهل النظر، ولأهل العلم صولات وجولات في دحض كلامه وبيان حاله، وقد أطال النفس في الرد عليه الإمام أبو بكر بن العربي في «القواصم والعواصم»، والحافظ اللبلي الأندلسي في «فهرسته»، وأبو الوليد الباجي كما هو مشهور، ومن الكتب المؤلفة في الرد عليه: «النواهي عن الدواهي» لأبي بكر بن العربي، و «الغرة في الرد على الدرة» له، و «المعلى في الرد على المحلى» لأبي الحسين محمد زرقون الأشبيلي، و «القدح المعلى في الكلام على بعض أحاديث المحلى» للحافظ قطب الدين الحلبي (¬1).
¬
(¬1) ينظر: الإشفاق في أحكام الطلاق ص55 - 57، وغيره.
قال الإمام الكوثري (¬1): «ومما يؤسف له جد الأسف أن تطبع كتب مثل ابن حزم من غير أن يهتم بطبع الكتب المؤلفة لنقد أباطيله، وهذا لا يستساغ في بلد لم يحرم الإشراف العلمي على شؤون العلم ولم يفقد حراسة الشرع من أن يعبث به الجهلة الأغمار، فهل تفريق كلمة المسلمين وتشتيت اتجاههم في مصلحة أحد سوى أعدائهم؟ وليس بين المبتدعة والشذاذ من لا يهول ولا يغالط بملء شدقية في مزاعمه، فأنّى للعامة بل لكثير من الخاصة أن يميزوا الحق من الباطل من بين أقواله».
أما كلام العلامة ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في رد التقليد، فإنَّ كثيراً من العلماء: كالعلامة محمد حسنين مخلوف المالكي في «بلوغ السول إلى علم الأصول»، والعلامة محمد خضر الشنقيطي المالكي في «قمع أهل الزيغ والإلحاد»، والعلامة أحمد ظفر التهانوي في «مقدمات إعلاء السنن»، قد بينوا عواره، وردوا عليه جملة جملة وكلمة كلمة بما لا يدع مجالاً لقبوله، ورغم كلّ هذا فإنَّهما حافظا على التزامهما في المذهب الحنبلي ولهم الدرجة الرفيعة بين فقهائه، ولكثير من أقوالهما القبول لدى أهله، فهم عند الموافق والمخالف حنبليان، ولم يعهد عنهما الانتقاء والتخييّر بين المذاهب الفقهية، فلا مستند لكلامهما وإن سلمنا بقبوله في اعتباره داخلاً في الفقه المقارن.
وإن وصل بنا الكلام إلى العلامة الشوكاني بعد الصنعاني فإنَّ كلامهما
¬
(¬1) ينظر: المصدر السابق ص57، وغيره.
لا يخرج عمّا سبق؛ إذ أنَّ الشوكاني وسّع الكلام في مسألة التقليد وردّه ثم عمد إلى كتب سبقته في جمع أبحاث في بعض الأحاديث وأقوال العلماء في بعض المسائل: كـ «فتح الباري شرح صحيح البخاري» لابن حجر و «تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير» لابن حجر أيضاً، فزاد عليها وانبرى لتأييد رأي تبناه، وأنَّه لم يسبقه إليه أحد حتى خرق إجماعات سبقته؛ ليؤلف مذهباً خاصاً به، يتبعه الناس عليه، وقد اتضحت أبحاثه هذه في «نيل الأوطار»، ولخّصها في «الدراري المضية شرح الدرر البهية في المسائل الفقهية» إذ أنَّه ادّعى فيه أنَّه ألف هذا المختصر مما صحّ عن الرسول بخلاف مَن سبقه، فإنَّ فقههم بُنِيَ على القيل والقال، وأي طعن أعظم لمذاهب هذه الأمة من هذا حتى عدّ كلامه بالنسبة إلى كلامهم كمقارنة الذهب بالتراب؛ إذ قال (¬1): «فإني لما جمعت المختصر الذي سمّيته «الدرر البهية في المسائل الفقهية» قاصداً بذلك جمع المسائل التي صح دليلها واتضح سبيلها، تاركاً لما كان منها من محض الرأي، فإنَّه قالها وقيلها، فنسبة هذا المختصر إلى المطولات من الكتب الفقهية نسبة السبيكة الذهبية إلى التربة المعدنية».
قال الإمام الكوثري (¬2): «والشوكاني لم يكتف بأن يفسد مذهب العترة الطاهرة حتى تطاول على مذاهب الأئمة المتبوعين، بل أكفر أتباعهم جميعاً في غير مواريه، وهذا إكفار للأمة جمعاء على طول القرون؛ وقد انتبه إلى غايته
¬
(¬1) في الدراري المضية ص5.
(¬2) في الإشفاق ص70.
بعض علماء اليمن، وهو العلامة ابن حريوة محمد بن صالح الصنعاني، وألف في الرد عليه «الغطمطم الزخار في اكتساع السيل الجرار» ... وتجد كثيراً من شواذه ... التي تابعه فيها القنوجي ـ صديق حسن خان ـ في «إبراز الغي» للكنوي، و «تذكرة الراشد» له، وهو قد أحسن في الرد عليهما في شواذهما، ولم يجهر الشوكاني في «نيل الأوطار» بكل ما عنده ... ، وهذا سبب اغترار بعضهم به».
وبهذا يتبيّن لنا أنَّ هذه الطريقة في المقارنة بين المذاهب وليدة هذا العصر فحسب، وأنَّه لم يعرف عند مَن سبق، وقد ذكر الدكتور محمد عثمان شبير (¬1) أنَّ: «العلامة أحمد إبراهيم (ت1945هـ) فقيه العصر ومجدد أسلوب الفقه الإسلامي في مصر».
وفصَّلَ حالَه الزركليّ (¬2) فقال: «كان مدرس في مدرسة القضاء الشرعي ثم في كلية الحقوق ... امتاز بأبحاثه في المقارنة بين المذاهب والشرائع، له نحو (25) كتاباً، منها: «أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية»، و «النفقات»، و «الوصايا»، و «طرق الإثبات الشرعية» في الفقه المقارن».
فيظهر من هذا أنَّ أحمد إبراهيم هو أول مَن تناول المسائل الفقهية بطريقة مقارنة على غرار القانون المقارن حتى عدّ مجدد الفقه الإسلامي؛ إذ
¬
(¬1) في المعاملات المالية المعاصرة ص106.
(¬2) في الأعلام 1: 86. وينظر: معجم المؤلفين 1: 86، وغيره.
أنَّ المسلمين لم يعرفوا هذا المسمّى من قبل، ولا هذه الحقيقة، وإنَّما ظهرت نتيجة الأفكار الاستعمارية المستوردة ـ كما سبق في كلام كرومر ـ، وبالتأثر بالقانون، والله أعلم.
إذا استبان ما سبق فهل يمكن لنا أن نترك ما كان عليه أهل الإسلام في ذروة عزّتهم وخضوع ملكوت الأرض لهم وبنائهم أضخم الحضارات التاريخية؛ لنأخذ بحكم المعاصرين في زمن أصبح المسلمون فيه من أرذل الأمم وأقلها شأناً، حتى أنَّهم صاروا حريصين على متابعة أعدائهم في كل حياتهم أكثر من حرصهم على اتباع دينهم، ووصل بهم الأمر إلى ترجيح كل ما يوافق ذوق الغرب؛ لما أصيبوا به من الهزيمة النفسية أمام هذه المدنية الغربية.
وها نحن نسير على هذا النهج منذ نصف قرن، فماذا زاد علينا سوى بعد الناس عن الدين، وازدياد التخبط والجهل، وضعف المناهج الشرعية المدرّسة، والارتباك العجيب في كلّ مسألة مستجدة تقع للمسلمين.
أما مَن حافظوا على سير الفقه كما هو عليه منذ القدم في كثير من البلاد الإسلامية، فإنَّهم ما زالوا ينعمون بالاستقرار الفكري والفقهي، وشدة تمسّك الناس بإسلامهم وحرصهم على تطبيقه في حياتهم، بالإضافة إلى سهولة تخريج كلّ ما يجد من مسائل تقع للناس بلا تكلف ولا هوى؛ لأنَّ الأصول والفروع التي يستنبط منها متوافرة في مذهبه، فما عليه إلا أن يقيس عليها، كما أنَّها تمنع أي تلاعب؛ لظهورها ووضوحها للملأ.
وأمّا علم اختلاف الفقهاء فبدأ التأليف فيه منذ القرن الثاني، إذ قام بعض الأئمة بجمع آثار الصحابة والتابعين وخلافهم في المسائل في مصنفات حديثية، ثم تطوّر في عهد الأئمة المجتهدين هذا العلم فيبدؤوا يذكرون المسألة الفقهيّة والخلاف فيها ... (¬1).
• • •
¬
(¬1) ينظر: مقدمة مختصر اختلاف العلماء 1: 81، وغيرها.
المبحث الثاني
الترجيح شرط العمل
المطلب الأول
الحقُّ واحدُ عند الله لا متعدِّد
إنَّ جُلَّ القائمين على الفقه الإسلامي في المؤسسات الأكاديمية وعامّة الطلبة الدارسين له سلكوا مذهب المعتزلة القائلين بتعدّد الحق، حتى صارت نظرتهم إلى أقوال الفقهاء المختلفة أنَّها محلّ اختيار كلّ واحد منهم.
فيحقُّ له أخذ ما شاء منها، وترك ما شاء؛ لأنَّها كلُّها حقّ، ففي كلّ مسألةٍ يدرسونها يأخذون فيها عدّة آراء فقهيّة: منها: مَن يقول: بالحلّ، ومنها: مَن يقول: بالحرمة، ومنها: مَن يقول: بالكراهة، وهكذا، دون بيانٍ للرّاجح منها في الغالب، فيكون هذا الطالب المبتدئ هو المختار لما يُريد بما تمليه عليه نفسه على حسب حاجته، فيوماً يقول: بالحرمة، ويوماً يقول: بالإباحة، وغيرها على حسب المصلحة العقليّة.
أقوال العلماء في الحق عند الله - جل جلاله -:
الأول: إنَّ عامّة الفقهاء (¬1) قالوا: المجتهد يخطئ ويصيب، والحق عند الله واحد، وإن لم يتعيَّن لنا فهو عند الله متعيِّن (¬2)؛ لأنَّ حكم الاجتهاد الإصابة بغالب الرأي، وليس القطع بالوصول إلى الحقّ؛ لأنَّ الحقَّ في موضع الخلاف واحد.
قال ابنُ الهمام وتلميذُه ابنُ أمير حاج (¬3): «نقل هذا عن الأئمّة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - رضي الله عنهم -، وذكر السُّبكيّ: أنَّ هذا هو الصحيح عنهم، بل نقله الكرخيّ عن أصحابنا جميعاً، ولم يذكر القرافيّ عن مالك غيره، وذكر السبكي أنَّه الذي حرَّره أصحاب الشافعي عنه، وقال ابن السمعاني: ومَن قال عنه غيره فقد أخطأ عليه» (¬4)، وهذه هي طريقة
¬
(¬1) وقد استقصى المزني ذلك في كتاب «الترغيب في العلم» وقطع بأنَّ الحق واحد، وقال: إنَّه مذهب مالك والليث، وهو مذهب كل من صنّف من أصحاب الشافعيّ من المتقدّمين والمتأخّرين، وإليه ذهب من الأشعريّين أبو بكر بن مجاهد وابن فورك وأبو إسحاق الإسفرايينيّ. ينظر: البحر المحيط 8: 284، وغيره.
(¬2) ينظر: البحر المحيط 8: 284، وغيره.
(¬3) في التقرير والتحبير شرح التحرير 3: 306 - 307.
(¬4) لا نعلم خلافاً بين الحذّاق من شيوخ المالكيّين ونظّارهم من البغداديّين مثل: إسماعيل بن إسحاق وأبي بكر الطيالسيّ، ومن دونهم: كأبي الفرج المالكيّ وأبي الطيب وإسحاق بن راهويه وأبي الحسن بن المنتاب وغيرهم من الشيوخ والمصريّين المالكيّين كل يحكي أنَّ مذهب مالك - رضي الله عنه - في اجتهاد المجتهدين إذا اختلفوا فيما يجوز فيه التأويل من نوازل الأحكام أنَّ الحق من ذلك عند الله واحد من أقوالهم واختلافهم، وهذا القول هو الذي عليه أكثر أصحاب الشافعي - رضي الله عنه -، وهو المشهور من قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - فيما حكاه أبو يوسف ومحمد بن الحسن وفيما حكاه الحذاق من أصحابهم مثل عيسى بن أبان ومحمد بن شجاع البلخيّ ومن تأخّر عنهم مثل أبي سعيد البراذعيّ ويحيى بن سعيد الجرجانيّ وأبي الحسن الكرخيّ - رضي الله عنهم - وغيره. ينظر: فتح العلي المالك 1: 85 - 86، وغيره.
الأصوليّين الراجحة (¬1)؛ لذلك لا ندري مَن المصيب في الواقع، فنحن نجزم ظاهراً (¬2).
الثاني: قالت المعتزلة وبعض المتكلّمين (¬3): كلُّ مجتهد مصيب، والحقُّ عند الله متعدّد؛ لأنَّ الحكم ما أدّى إليه اجتهاد كل مجتهد، فإذا اجتهدوا في حادثة فالحكم عند الله تعالى في حقّ كلّ واحد ما اجتهد به (¬4).
وأصحاب هذا الأصل على درجات، قال إلكيا الهِرَّاسي: «انقسموا على قسمين: غلاة، ومقتصدة.
فالغلاة افترقوا من وجهين:
أحدهما: ذهب بعضُهم إلى أنَّه يجوز لكلٍّ منّا أن يأخذ بالتحريم
¬
(¬1) ينظر: حاشية شرح مختصر الخرشي 7: 17، وحاشية البيجرمي 1: 61، وغيرها.
(¬2) ينظر: حاشية الدسوقي 2: 456، وحاشية العطار 1: 212، وغيرها.
(¬3) وما نسب من ذلك إلى الأشعريّ بمعنى أنَّه لم يتعلق الحكم بالمسألة قبل الاجتهاد وإلا فالحكم قديم عنده. ينظر: التلويح 2: 238، وغيره. وقالت الأشعرية بخراسان: لا يصحّ هذا المذهب عن أبي الحسن. ينظر: البحر المحيط 8: 284، وغيره.
(¬4) ينظر: التوضيح 2: 238، وغيره.
والتحليل من غير اجتهاد، إذا علم أنَّه يستدرك كلّ واحد منهم بالاجتهاد، ويأخذ بما يشاء. وقال الأستاذ أبو إسحاق: «هذا المذهب أوله سفسطة وآخره زندقة»، أما السفسطة فلكونه حلالاً حراماً في حقّ كلّ واحد، وأما الزندقة فهو مذهب أصحاب الإباحة.
الثاني: ذهب بعضهم إلى أنَّ المطالب متعدّدة، فلا بُدَّ من أصل الاجتهاد، ولكن المطلوب من كلِّ مجتهد ما يؤدِّي إليه الاجتهاد.
وأما المقتصدة، فقالوا: كل مجتهد مصيب في عمله قطعاً، ولا يقطع بإصابة ما عند الله - جل جلاله -، وادّعوا أنَّ في الآراء المختلفة حكماً عند الله هو أشبه بالصَّواب، وهو شوق المجتهدين ومطلوب الباحثين، وربّما عبَّر عنه بأنَّه الحقُّ والصّواب، غير أنَّ المجتهد لم يُكلَّف غير إصابته» (¬1).
الانتقاء من أقوال الفقهاء بدون أهليّة يتّفق مع بعض المصوّبة:
إنَّ الاختيار بلا مرجح يوافق قول بعض هؤلاء المصوبة ـ أي المعتزلة ومَن وافقهم ـ؛ إذ ذكروا أنَّهم «اختلفوا فقال: بعضهم بتساوي الحقوق؛ لأنَّ دليل التعدّد لا يوجب التفاوت، وعند بعضهم واحد منها أحقّ؛ لأنَّها لو استوت لأصيبت بمجرد الاختيار، ولسقط الاجتهاد» (¬2)، فاستواء الحقوق المتعدّدة يجعلها تصاب بهذا الانتقاء من غير امتحان ويسقط درجة العلماء (¬3).
¬
(¬1) ينظر: البحر المحيط 8: 190، وغيره.
(¬2) ينظر: التوضيح 2: 239، وغيره.
(¬3) ينظر: أصول البزدوي 4: 1840، وغيره.
وهذا الحال يضيع الدين؛ لذلك قال علماؤنا: «إنَّ هذا المذهب في نفسه محالٌ؛ لأنَّه يؤدّي إلى الجمع بين النقيضين، وهو أن يكون قليل النبيذ مثلاً حلالاً حراماً، والنكاح بلا ولي صحيحاً باطلاً، والمسلم إذا قتل كافراً مهدراً ومقاداً؛ إذ ليس في المسألة حكم معيّن، وكل واحد من المجتهدين مصيب، فإذا الشيء ونقيضه حقٌّ وصوابٌ ... فهو في الابتداء يجعل الشيءَ ونقيضَه حقّاً، وبالآخر يرفع الحجر ويخير بين الشيء ونقيضه عند تعارض الدليلين، ويخيّر المستفتي لتقليد مَن شاء وينتقي من المذاهب أطيبها عنده» (¬1).
حجّة أئمّة أهل السنّة في أنّ الحقّ واحد:
الأوّل: من القرآن:
قال - جل جلاله -: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} [الأنبياء: 79]، وإذا اختصَّ سليمان - صلى الله عليه وسلم - بالفهم، وهو إصابة الحقّ بالنظر فيه كان الآخر خطأً (¬2)؛ لأنَّ ما قضى به داود - عليه السلام - كان بالرأي؛ إذ لو كان بالوحي لما حلّ لسليمان - عليه السلام - الاعتراض في ذلك، فعُلِم أنَّ كل واحدٍ منهما اجتهد، والله تعالى خصَّ سليمان - عليه السلام - بفهم القضية، ومَنَّ عليه، وكمال المنّة في إصابة الحقّ الحقيقيّ، ويلزم ذلك أن يكون الآخر خطأً؛ إذ لو كان من داود - عليه السلام - ترك الأفضل لما وسع لسليمان - عليه السلام - التعرض؛ لأنَّ الاقتيات على رأي من هو أكبر
¬
(¬1) ينظر: المستصفى 355، وغيره.
(¬2) ينظر: أصول البزدوي 4: 17، وغيرها.
لا يستحسن فضلاً على الأب النبيّ (¬1).
الثاني: من السنّة:
1. عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه -: (إنَّ رجلين اختصما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال لعمرو: اقض بينهما، فقال: أقضي بينهما وأنت حاضر يا رسول الله، قال: نعم، على إنَّك إن أصبت فلك عشر أجور، وإن اجتهدت فأخطأت فلك أجر) (¬2).
2. عن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) (¬3).
الثالث: من آثار الصحابة - رضي الله عنهم -:
1. عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - حين سئل عن الكلالة قال: «إنّي سأقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأً فمنّي ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد والولد، فلمّا استخلف عمر - رضي الله عنه -، قال: إنّي لأستحيي الله أن أردّ شيئاً قاله أبو بكر» (¬4).
¬
(¬1) ينظر: الكافي شرح البزدوي 4: 1841، وفصول البدائع 2: 417، وغيرها.
(¬2) في المستدرك 4: 99، وصححه.
(¬3) في صحيح مسلم 1: 134، وغيره.
(¬4) في سنن الدارمي 2: 462، وسنن البيهقي الكبير 6: 223، ومسند الربيع 1: 305.
2. وقال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - أيضاً: «أيّة أرض تقلّني، أو أيّة سماء تظلّني، أو أين أذهب، وكيف أصنع إذا أنا قلت في آية من كتاب الله بغير ما أراد الله بها» (¬1).
3. عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: «إذا حاصرتم أهل حصن فأرادوكم على أن تنزلوهم على حكم الله فلا تنزلوهم على حكم الله، فإنَّكم لا تدرون ما حكم الله فيهم، ولكن أنزلوهم على حكمكم ثم احكموا فيهم ما شئتم ... » (¬2).
وجه الدلالة: وجود حكم واحد لله، وليس كلُّ ما يقول المجتهد حكم الله - جل جلاله -؛ لأنّه لا يدري حكم الله يقيناً، وبالتَّالي لا يُسلِّموا لهم أنّ ما قالوه حكم الله - جل جلاله -، ويدعون غيره.
4. عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: «أنَّه أتاه قوم، فقالوا: إنَّ رجلاً منّا تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقاً ولم يجمعها إليه حتى مات ... فقال: سأقول فيها بجهد رأيي، فإن كان صواباً فمن الله وحده لا شريك له، وإن كان خطأً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء ... » (¬3).
¬
(¬1) في سنن سعيد بن منصور 1: 168،.
(¬2) في سنن سعيد بن منصور 2: 230، وسنن البيهقي الكبير 9: 96،
(¬3) في المجتبى 6: 122، والمستدرك 2: 196، وسنن البيهقي الكبير 7: 245، وسنن النسائي الكبرى 3: 317، وسنن أبي داود 1: 643، ومسند أحمد 1: 447، وقال الشيخ شعيب: صحيح، وغيرها.
فهذه مجموعة من آثار وردت عن الصحابة - رضي الله عنهم - تبيِّن أنَّهم يتصوَّرون الخطأ في الاجتهاد، بخلاف القول السابق، فإنَّ تصوَّر الخطأ في الاجتهاد لا يتصوَّر (¬1).
قال شيخ الإسلام التفتازانيّ (¬2): «وأمّا السنّة والأثر فالأحاديث والآثار الدّالة على ترديد الاجتهاد بين الصواب والخطأ، وهي وإن كانت من قبيل الآحاد، إلا أنَّها متواترة من جهة المعنى، وإلا لم تصلح للاستدلال على الأصول».
وقال شيخ الإسلام الفناريّ (¬3): «الأخبار والآثار الدالّة على ترديد الاجتهاد بين الصواب والخطأ، وتخطئة بعضهم بعضاً بحيث تواتر القدر المشترك، وما فعلوا من حمل التخطئة على صورة وجود القاطع، أو ترك استقصاء المجتهد .. فبعيد لا سيما بين الصحابة».
الرابع: من الإجماع:
قال علاء الدين السمرقنديّ (¬4): «إنَّ الصحابة - رضي الله عنهم - أجمعوا على جواز القياس مع مخالفة البعض في جواب المسائل والتخطئة، حتى شدّدوا على عبد
¬
(¬1) ينظر: الكافي شرح البزدوي 4: 1842، وغيرها.
(¬2) في التلويح 2: 239.
(¬3) في فصول البدائع 2: 417.
(¬4) في ميزان الأصول 2: 1056.
الله بن عباس - رضي الله عنهم - في جواز ربا النقد (¬1) ... فالصحابة الذين جوزوا القياس أجمعوا على جواز الخطأ على القياس، وإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - حجّة قاطعة».
ونَقل الإجماع أيضاً شيخ الإسلام شمس الدين الفناريّ (¬2).
الخامس: من القياس:
إنَّ تعدد الحقوق عند الله ممتنع استدلالاً بنفس الحكم وسببه، وبيان ذلك فيما يأتي:
أولاً: إنَّ سبب الحكم يكون بالقياس بتعدية وُضِع لدرك الحكم، فما ليس بمتعدّد لا يتعدّى متعدداً؛ لأنَّه يصير تغييراً حينئذٍ، فيوجب ذلك أن
يكون الحقّ متعدّداً بالنصّ بعينه، وهذا خلاف الإجماع (¬3).
فالتعدية تكون بإبانة مثل الحكم المنصوص في الفرع، فلا يصلح أن يكون القياس مغيِّراً لحكم النص؛ لأنَّ القياس خلف عن النصّ، فيثبت على
¬
(¬1) قال شيخنا العلامة عبد الملك السعدي حفظه الله في تعليقه على الميزان 2: 1055: استدل على ذلك بما رواه الشيخان: أنَّه روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: (إنَّما الربا في النسيئة) انظر البخاري 3: 21، ومسلم 2: 6218، وقد رجع عن رأيه هذا حينما بلغه حديث أبي سعيد الخدري في تحريم النبي - صلى الله عليه وسلم - ربا الفضل. انظر: حديث أبي سعيد في البخاري 3: 310، ومسلم 3: 1214، وانظر رجوع ابن عباس وكيفية الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد في شرح مسلم للنووي 11: 22.
(¬2) في فصول البدائع 2: 417.
(¬3) ينظر: أصول البزدوي 4: 1843، وغيرها.
وفاق الأصل، والحكمُ الحقُّ في الأصل غير متعدّد بالإجماع؛ لأنَّ معنى القياس أنَّ النصّ الوارد في المقيس عليه واردٌ في المقيس معنى، وإن لم يكن وارداً صريحاً، فلو كان النصان واردين فيه صريحاً كان الحقُّ واحداً؛ لأنَّه لا تعارض في أدلّة الشرع، فيكون أحدُهما منسوخاً والآخرُ ناسخاً (¬1).
ألا ترى أنَّ النَّصين إذا تعارضا في الحظر والإباحة أو الإيجاب والنَّفي لا يثبت النَّفي والإثبات والحظر والإباحة، بل الحكم أنَّه يجب التَّوقف فيه إلى أن يثبت رجحان أحدهما إن أمكن أو يعرف التّاريخ؛ وإن لم يثبت شيءٌ من ذلك يتهاترا، وهذا حكم مجمع عليه، فإذا تعذَّر تعدّد الحقوق في الأصول، بطل القول بتعدّد الحقوق في الفروع.
والحكم يؤخذ من الأصل، فلما استحال احتمال الحظر والإباحة في الأصل استحال أن يثبت المتنافيان في الفرع، قال السِّغناقيّ (¬2) بعد ذلك: «وهذا واضحٌ بحمد الله تعالى، وهو الحقّ، وماذا بعد الحقّ إلا الضَّلال».
ثانياً: إنَّ الاستدلال بنفس الحكم فهو أنَّ الفطرَ والصَّوم، وفساد الصلاة وصحّتها، وفساد النكاح وصحّته ووجود الشيء وعدمه، وقيام الحظر والإباحة في شيء واحد يستحيل اجتماعه، ولا يصلح المستحيل حكماً شرعياً (¬3).
¬
(¬1) ينظر: التوضيح 2: 240، والكافي شرح البزدوي 4: 1843، وغيرها.
(¬2) في الكافي شرح البزدوي 4: 1843.
(¬3) ينظر: فصول البدائع 2: 418، والكافي 4: 1843، وغيرها.
تنبيه:
اعتبار الفقهاء القول بالتصويب تهمة ينبغي دفعها عن الأئمّة:
من شدّة حرص فقهاء أهل السنّة في التخلِّي عمّا اتخذه المعتزلة أصلاً، وجدنا علماء الحنفيّة (¬1) يوجّهون الكلمة التي صدرت عن الإمام أبي حنيفة لتلميذه يوسف السمتيّ: «كلُّ مجتهد مصيب، والحقُّ عند الله واحد».
إذ نقلوا بعض المسائل الفرعية المنقولة عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - وصاحبيه - رضي الله عنهم - التي تؤيِّد أنَّهم يقولون: «إنَّ المجتهد يخطئ ويصيب»، قال فخر الإسلام البَزْدَوي (¬2): «ودليل ما قلنا من المذهب لأصحابنا في أنَّ المجتهد يخطئ ويصيب في كتب أصحابنا أكثر من أن يحصى».
وبيّنوا أنَّ معنى ما نقل عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: إنَّ كل مجتهد مصيب ابتداءً
في الاجتهاد؛ لأنَّ الله تعالى أمره بالاجتهاد، ولكنَّه غير مصيب انتهاءً (¬3)، بأن
¬
(¬1) ومثل ذلك وجدنا علماء الشافعية يوجهون كلمة صدرت عن الشافعي يفهم منها: كل مجتهد مصيب، فليراجع البحر المحيط 8: 284 وما بعدها.
(¬2) في أصوله 4: 1846.
(¬3) وإن لم يصيبوا أخطاؤا في الاجتهاد وفيما أدى إليه، فيكون المجتهد مخطئاً فيه ابتداءً
وانتهاءً، وهو اختيار الشيخ أبي منصور الماتريدي - رضي الله عنه -، وقال بعض مشايخ سمرقند: كأبي الحسن الرستغفني ومن تابعه: إنَّه مصيب في اجتهاده، ولكنَّه قد يخطئ فيما يؤدي إليه اجتهاده بأن كان عند الله تعالى خلافه، وهو مروي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -. ينظر: ميزان الأصول 2: 1051، وغيره.
يكون اجتهاده وافق ما عند الله تعالى؛ لأنَّ الحقَّ عند الله واحد، ولا يعلمه إلا الله - جل جلاله -.
ومما قالوا بعد ذكر هذه المسائل: «فيها دليل على أنَّ المجتهد يخطئ ويصيب، وعلى أن أبا حنيفة - رضي الله عنه - بريء عن الاعتزال، لا كما ظنَّه البعضُ بسبب ما نقل عنه أنَّه قال ليوسف بن خالد السّمتي: «كل مجتهد مصيب، والحقّ عند الله واحد»؛ لأنَّ معناه: كل مجتهد مصيب بالاجتهاد؛ إذ هو المأمور به وهو حجّةٌ في حقِّ عمله حتى يحكم بصحته، ولا يجوز له العدول عنه وإن أخطأ الحقَّ الذي هو عند الله تعالى، فيكون كأنَّه أصاب الحقّ» (¬1): أي مصيبٌ في طريق الاجتهاد ابتداءً، وقد يخطئ انتهاءً فيما هو المطلوب بالاجتهاد، ولكنَّه معذور في ذلك لما أتى بما في وسعه (¬2).
فلا يؤدّي إلى تصويب كلّ مجتهد، ويحمل على التصويب في نفس
الاجتهاد لا فيما أدى إليه اجتهاده (¬3)، حتى أنَّه يثاب على اجتهاده ابتداءً وإن
وقع اجتهاده مخالفاً للحقّ عند الله تعالى (¬4).
وقالوا بهذا المعنى لكلام الإمام؛ لأنَّه لو حُمل على ظاهره لكان متناقضاً؛ إذ قوله: «والحقّ عند الله واحد» يفيد أنَّه ليس كل مجتهد أصاب الحق، وإلا
¬
(¬1) ينظر: تبيين الحقائق 4: 201، وغيره.
(¬2) ينظر: المبسوط 16: 69، وغيره.
(¬3) ينظر: بدائع الصنائع 1: 248، وغيرها.
(¬4) ينظر: حاشية الشلبي 4: 201، وغيرها.
لكان الحقُّ متعدداً، فلزم أنَّ معنى قوله كلُّ مجتهد مصيب: أي يصيب حكم الله تعالى بالاجتهاد، فإنَّه تعالى أوجب الاجتهاد على المتأهّل له، فإذا اجتهد فقد أصاب بسبب قيامه بالواجب (¬1)، أو إنَّما يلزم منه التصويب في حقِّ العمل لا في حق الحكم الثابت عند الله تعالى (¬2).
أدلَّة المصوِّبة ومناقشتها:
الأول: إنَّ المجتهدين في القبلةِ جعلوا مصيبين، حتى تأدّى الفرض عنهم جميعاً، ولا يتأدّى الفرض عنهم إلا بإصابة المأمور به مع إحاطة العلم بخطأ من استدبر الكعبة.
والجواب عنه:
إنَّ المتحرّي يخطئ ويصيب أيضاً كغيره من المجتهدين؛ إذ لو صلّى
جماعة وتحرّوا القبلة واختلفوا، فمَن علم منهم حال إمامه وهو مخالفه فسدت صلاته؛ لأنَّه مخطئ للقبلة عنده، ولو كان الكلُّ صواباً والجهات قبلة لَمَا فسدت.
فإنَّهم لمّا كُلفوا التحرّي والطلب صاروا كالجماعة، بخلاف إذا صلوا في جوف الكعبة، فإنَّ صلاتهم صحيحة وإن خالفوا جهة الإمام؛ لأنَّ كلاً منهم أصاب عين الكعبة (¬3).
¬
(¬1) ينظر: فتح القدير 7: 347، والبحر الرائق 7: 45، وغيره.
(¬2) ينظر: التقرير والتحبير 3: 176، وغيره.
(¬3) ينظر: أصول البزدوي 4: 1846، وغيره.
وعدم إعادة المخطئ للقبلة صلاته؛ لأنَّ المتحرّي للقبلة لا يُكلَّف إصابة حقيقة الكعبة؛ لأنَّ إصابةَ حقيقة الكعبة لا يُمكن إلاّ بالمشاهدة عياناً أو بالإخبار بجهتها، أو يعلم ذلك بالنُّجوم، وقد انعدمت هذه المعاني في حقِّ مَن اشتبهت عليه القبلة، ثمّ لم يبق دليل سوى التحرِّي، فكان المتحرَّى قبلة له.
ومَن صلَّى متوجّهاً إلى قبلتِه التي أمر بأن يوجّه وجهه إليها لا يعيد صلاته بعدما صلَّى: كمَن صلّى متوجّهاً إلى الكعبة عياناً؛ وهذا لأنَّ الأمر باستقبال الكعبة ابتلاءٌ من الله تعالى في حقّ العباد؛ لأنَّ الله تعالى يتعالى عن أن يكون ذا جهة، وفعل المكلّف يقع إلى جهة لا محالة، والكعبة غير مقصودة بعينها.
ألا ترى أنَّ عينها كانت ولم تكن قبلة ـ أعني حين كان التوجّه إلى بيت المقدس ـ وعند اشتباه القبلة يصير غيرها قبلة على رجاء إصابتها عند الضرورة.
ألا ترى أنَّ غير جهتها يقيناً يصير قبلة؛ كما في حقِّ الخائف من العدوّ، وفي حقِّ المتنفّل على الدابّة، وإذا كان كذلك كان مَن يرجو إصابتها وقت التحرّي أن يكون جهة تحرّيه قبلة له أولى؛ لأنَّ المقصود رضا الله تعالى، وهو
حاصل أينما توجّه عند التحرِّي، وإلى هذا أشار قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه} [البقرة: 115] (¬1).
الثاني: إنَّ الأحكام تختلف عند اختلاف الرُّسل بين قومين في زمان واحد: كإبراهيم - عليه السلام - ولوط - عليه السلام -.
والجواب عليه:
إنَّ الشَّيءَ الواحد جاز أن يكون حراماً لشخص حلالاً لشخص آخر: كأم المرأة حرام على زوج ابنتها حلال لغيره، وكذلك سائر المحرّمات من الأمّ والبنت وغيرها، وكذلك المال لمالكه حلال ولغيره حرام، فكذلك يجوز أن تثبت الحرمة في حقّ أُمّةٍ، والحلّ في حقّ أمّةٍ أُخرى.
وأمّا فيما نحن فيه: فالأمّةُ كلُّهم كشخصٍ واحدٍ، فيستحيل أن يكون
الفعلُ الواحدُ حراماً عليهم حلالاً لهم أيضاً في ذلك الزَّمان؛ لأنَّ الاستحالة إنَّما تثبت عند اتّحاد الجهة والزَّمان والمحلّ، فتعذّر القول بتعدّد الحقّ عند الله تعالى فيما نحن فيه (¬2).
كلمة الإمام الكوثريّ في استناد العصريّين في علمهم إلى هذا الأصل:
إن تمهد لك ما سبق من حيثيات هذا الأصل، علمت القيمة العلمية لكلام العلّامة الكوثريّ - رضي الله عنه - في الدفاع عن حمى الإسلام ومذاهبه في وجه
¬
(¬1) ينظر: الكافي شرح البزدوي 4: 1847 - 1848، وغيره.
(¬2) ينظر: الكافي شرح البزدوي 4: 1844، وغيره.
المتلاعبين والعابثين، وها أنا أنقل كلامه بحروفه؛ لتأخذ العبرة منه؛ إذ قال (¬1): «فمَن يدعو الجمهور إلى نبذ التمذهب بمذاهب الأئمّة المتبوعين الذين أشرنا فيما سبق إلى بعض سيرهم، لا يخلو من أن يكون من الذين يرون تصويب المجتهدين في استنباطاتهم كلِّها، بحيث يُباح لكلِّ شخصٍ غير مجتهد أن يأخذ بأي رأي من آراء أي مجتهد من المجتهدين بدون حاجة إلى الاقتصار على آراء مجتهدٍ واحدٍ يتخيّره في الاتباع، وهذا ينسب إلى المعتزلة، وأمّا الصوفيّة فإنَّهم يصوّبون المجتهدين بمعنى الأخذ بالعزائم خاصّة من بين أقوالهم من غير اقتصار على مجتهد واحد.
وإليه يشير أبو العلاء صاعد بن أحمد بن أبي بكر الرازي ـ من رجال نور الدين الشهيد ـ في كتابه «الجمع بين التقوى والفتوى من مهمات الدين والدنيا» حيث ذكر في أبواب الفقه منه ما هو مقتضى الفتوى، وما هو موجب التقوى من بين أقوال الأئمّة الأربعة خاصّة، وليس في هذا معنى التشهيّ أصلاً، بل هو محض التقوى والورع.
والرأي الذي يُنسب إلى المعتزلة، يبيح لغير المجتهدِ الأخذُ بما يروقه من
الآراء للمجتهدين، لكن أقلّ ما يجب على غير المجتهد في باب الاجتهاد أن يتخيَّر لدينه مجتهداً يراه الأعلم والأورع، فينصاع لفتياه في كلِّ صغير وكبير بدون تتبع الرخص ـ في التحقيق ـ.
وأمّا تتبعه الرُّخص من أقوال كلِّ إمام، والأخذ بما يوافق الهوى من
¬
(¬1) في مقالاته ـ مقالة اللامذهبية قنطرة اللادينية ـ ص223 - 225.
آراء الأئمّة، فليسا إلا تشهياً محضاً، وليس عليهما مسحة من الدين أصلاً، كائناً من كان مبيح ذلك؛ ولذلك يقول الأستاذ أبو إسحاق الإسفراينيّ الإمام عن تصويب المجتهدين مطلقاً: «أوله سفسطة وآخره زندقة»؛ لأنَّ أقوالهم تدور بين النفي والإثبات، فأنى يكون الصواب في النفي والإثبات معاً ... ؟
نعم إنَّ من تابع هذا المجتهد في جميع آرائه، فقد خرج من العهدة، أصاب المجتهد أم أخطأ، وكذا المجتهدون الآخرون؛ لأنَّ الحاكم إذا اجتهد وأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر واحد، والأحاديث في هذا الباب في غاية من الكثرة، وعلى اعتبار من قلّد المجتهد خارجاً عن العهدة ـ وإن أخطأ المجتهد ـ جرت الأمّة منذ بزغت شمس الإسلام، ولا تزال بازغة إلى قيام الساعة، بخلاف شمس السماء فإنَّ لها فجراً وضحى وغروباً.
ولولا أنَّ المجتهدَ يخرج من العهدة على تقدير خطئه لما كان له أجر، وليس كلامنا فيه، وكلام الأستاذ الإسفراينيّ عن المصوبة حقٌّ يدلُّ عليه ألف دليل ودليل، ولكن ليس هذا بموضع توسّعٍ في بيان ذلك».
ومَن يدقّق النَّظر في حال المشتغلين بالفقه إجمالاً، يجد أنَّ الأصل الأصيل الذي يستندون إليه في عملهم وتعاملهم مع أقوال الفقهاء: هو أنَّ كلّ مجتهد مصيب، والحقّ عند الله متعدّد؛ فلذلك جاز لهم أخذ ما يريدون منه دون ترجيح بمرجح في الغالب، وصارت نظرتهم إلى الفقه إجمالاً كأنَّه حديقة لك أن تأخذ ما شئت منها من الورد، وفي هذا كفاية {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37].
المطلب الثاني
الترجيح برسم المفتي
أولاً: أنَّ الخلافَ بين الفقهاء خلاف أصوليٌّ في التأصيل والفهم والتَّطبيق:
وهذا ما سبق تحريره، وبالتَّالي كلُّ إمام مذهبُه راجحٌ بالنِّسبة لأصولِه، فلا يُمكن جعل المذهب الشافعيّ راجحاً عند الحنفيّ إن حَكَّمَ أُصول الحنفيّة، فسيكون دائماً مذهبُه هو الرَّاجح، أمَّا إن حَكَّم أصولاً له لم يستند فيها للمذاهب، فهذا مذهب جديد للقائل به، وليس ترجيحاً بين المذاهب.
أمَّا بتحكيم قواعد رسم المفتي فإنَّه يجوز لنا التَّرجيح بين المذاهب بنفس أُصول كلّ مذهب، فمن أصول الحنفية الضرورة، وبالتَّالي يترجح مذهب الشافعية عندهم في مسائل بناء على الضرورة.
ثانياً: المعتبر من الدليل ما كان في زمن المجتهد لا في زمن من جاء بعده:
وهذا لأنَّه مَن استنبط الفقه، فاعتبار صحة الأسانيد وضعفها في زمن المجتهدين لا في زمن من جاء بعدهم، كما صرح به الجصاص في قصّة القراءة الشاذة، فإن كان هذا في القراءة من حيث الاعتبار بصحة الإسناد؛ لأنَّه
منقول في المدرسة، فمن باب أولى أن يكون في الحديث، قال الجصاص (¬1): «لم يكن حرف عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - عندهم وارداً من طريق الآحاد؛ لأنَّ أهل الكوفة في ذلك الوقت كانوا يقرءون بحرف عبد الله - رضي الله عنه - كما يقرءون بحرف زيد، وقال إبراهيم النخعي: كانوا يعلمونا ونحن في الكتّاب حرف عبد الله كما يعلمونا حرف زيد، وكان سعيد بن جبير - رضي الله عنه - يصلِّي بهم في شهر رمضان فيقرأ ليلة بحرف عبد الله، وليلة بحرف زيد، فإنَّما أثبتوا هذه الزيادة بحرف عبد الله؛ لاستفاضته وشهرته عندهم في ذلك العصر، وإن كان إنَّما نقل إلينا الآن من طريق الآحاد؛ لأنَّ الناس تركوا القراءة به، واقتصروا على غيره، وإنَّما كلامنا على أصول القوم، وهذا صحيح على أصلهم».
حيث اعتبروا القراءة الشّاذّة المنقولة بصورة صحيحة في زمن المجتهدين، فأبوا حنيفة بنى عشرات المسائل على قراءة ابن مسعود - رضي الله عنه -، ومنها أنَّ ابن مسعود - رضي الله عنه - قرأ: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» (¬2)، وهي كالخبر المشهور، فإنَّه إنَّما يقرأ سماعاً من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصارت قراءته كالرواية عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فصحّت الزيادة والتقييد بها (¬3).
وبالتالي لا نستطيع تضعيف دليل المجتهد في زماننا، ونحن لا ندري حال الدليل في زمانه، فيمكن أنَّه ثبت لديه من طريقة صحيحة لم تصل إلينا،
¬
(¬1) في الفصول في الأصول 1: 198 - 199.
(¬2) في مصنف عبد الرزاق8: 513.
(¬3) ينظر: فتح باب العناية2: 256.
ونحن في زماننا نضعف الحديث ثم بعد مدّةٍ نقف على طرق ومتابعات وشواهد فنصححه، فما بالك فيما يكون في زمن المجتهد، وبالتَّالي التَّرجيح بهذه الطَّريق ليس علمياً.
ثالثاً: استيعاب المذاهب للأحاديث:
كما سبق تحريره؛ لأنَّها علوم تكونت في مئات السنين على أيدي ما لا يحصى من العلماء، فالاستدراك عليهم بعيد، وتضعيف أقوالهم بعد وجود كتب لا تحصى ولا تُعَدُّ في الأدلّة على أبعدُ، وبالتالي يكون الترجيح سببه جعلنا بدليلهم.
قال أبو يوسف - رضي الله عنه -: «كان أبو حنيفة إذا صَمَّم على قول دُرْتُ على مشايخ الكوفة: هل أجد في تقوية قوله حديثاً أو أثراً؟ فربما وجدت الحديثين والثلاثة، فأتيته بها، فمنها ما يقول فيه: هذا غير صحيح، أو غير معروف، فأقول له: وما علمك بذلك مع أنَّه يوافق قولك؟ فيقول: أنا عالم بعلم أهل الكوفة» (¬1).
وقال الحسن بن صالح: «كان أبو حنيفة - رضي الله عنه - شديد الفحص عن الناسخ من الحديث والمنسوخ، فيعمل بالحديث إذا ثبت عنده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه، وكان عارفاً بحديث أهل الكوفة وفقه أهل الكوفة، شديد الاتباع لما كان عليه الناس ببلده، وقال: كان يقول: إنَّ لكتاب الله ناسخاً
¬
(¬1) ينظر: أثر الحديث ص119 عن الخيرات الحسان ص61.
ومنسوخاً، وإنَّ للحديث ناسخاً ومنسوخاً، وكان حافظاً لفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأخير الذي قبض عليه مما وَصَل إلى أهل بلده» (¬1).
رابعاً: للفقهاء مدرسة كاملة في قبول الأخبار وردها.
فللفقهاء مدرسةٌ كاملةٌ لها معالُمها وضوابُطها الخاصّة بها في تحريرِ طريقِ الوصول إلى سنةِ المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وتمييزِ صحيحِها من سقيمِها، وآحادِها من مشهورِها ومتواترِها تختلف فيه بصورةٍ إجماليةٍ عن مدرسةِ المُحدّثين في تمحيص الأحاديث وتنقيتها.
فالمُحدِّثون جلُّ اشتغالهم بالأسانيد ورجالها إجمالاً في تحقيق ما وصل إلينا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
والفقهاءُ يشتغلون بالمعاني والأصول والقواعد التي دارت عليها السنّة في معرفةِ ما توافق منها وما اختلف عنها؛ لأنها شريعة واحدة لا تناقض فيها في نفس الأمر، وإنّما مرجعُ التعارض إلى السَّهو والخطأ الحاصل من الرَّواة لبشريتهم وإن كانوا ثقاةً، فالحديث الذي يُخالف صَريحاً عامّة النصوص الشرعيّة في مفادِه أَحرى بالتأويل أو الردّ من بقيّة النصوصِ المتواترةِ في معناها، لا سيما إذا لم يكن ثبوتُه بطريقٍ قويٍّ يرتقي إلى أن يُعمل به استحساناً؛ لعدم القدرة على رَدِّه.
والطريقُ الأُخرى التي راعاها الفقهاءُ هي تلقي الحديث بالقَبول
¬
(¬1) ينظر: أثر الحديث ص121.
والعَمل بين الفقهاء من الطبقات الأولى من الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين مع شدّة تحريهم في قَبول السنة عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - دالٌ على وقوفِهم على ما يَردُّ الحديث بنسخٍ أو تخصيصٍ أو تأويلٍ وما أشبه ذلك إن لم يقبلوه أو يعملوا به، فالثقةُ بهؤلاء الأئمةِ الأعلامِ من سلفِ هذه الأمةِ في نصرةِ دين الله - جل جلاله - والحفاظ على شريعته تقتضي هذا.
فالأمرُ الذي جَعَل عدالةَ الرّاوي وضبطَه سبباً لتصحيحِ الحديث الذي يَرويه لهو أَظهر في طريقِ الفقهاء بقبولهم لما يعتبره ويردّه كبار الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - من حديث النبيّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لعدم التهمة في حَقِّهم؛ ولأنّ العدالةَ والضبطَ المعتبرة عند المحدِّثين من المُسلَّمات لديهم بل فاقوها بدرجاتٍ في العلم والإمامة والصدارة والصحبة والتابعية.
وهذا الطريقُ الذي يسلكه الفقهاءُ يرون أنَّه أدقُّ وأحكمُ من غيرِه؛ لأنَّ الرّاوي الثقة يُمكن أن يقعَ منه الخطأُ والغفلةُ لبشريّته، في حين أنَّ الأُصولَ المحكمة الموجودةَ في سائر النصوص بعيدٌ عنها هذا، وكذلك العملُ والقبولُ للحديث من سائر الفقهاء يضعف فيه هذا الاحتمال الوارد في غير سبيل الفقهاء.
وبالتَّالي لا نستطيع أن نحاكم الفقهاء بغير طريقهم في التَّصحيح والتَّضعيف فنرجّح قولاً على قولهم بحجّة صحّة الحديث بدون سلوك مسلك مدرستهم في الحديث، وإن سلكت مسلكهم، فسيكون التَّرجيح لقولهم دائماً، فلم يكن لنا سبيلٌ في التَّرجيح إلا قواعد رسم المفتي.
خامساً: اعتماد النقل المدرسي للوقوف على ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -:
كما سبق بيانه، فعند الحنفية اعتمدوا نقل مدرسة الكوفة، وعند المالكية اعتمدوا نقل مدرسة المدينة، وهذا النقل عندهم أوثق نقل عن حضرة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّه نقل جمع من المجتهدين عن جمع في تلك المدرسة، فلا نستطيع أن نقدم نقل غيرهم على نقله؛ لأنَّ نقلهم أوثق وأثبت بالنسبة لهم، وهم أدرى به، ولن يقبلوا بتقديم غيره عليه، فلم يعدّ لنا سبيل من الترجيح من هذا الوجه.
فهذه خمسةٌ وجوه لعدم صحَّة التَّرجيح بالدَّليل اقتصرت عليها رغم أنَّ الأدلة عليها لا تحصى؛ لأنَّ كلّ ما مرَّ معنا من أبحاث تؤكَّد هذا المعنى فلا حاجة للاستفاضة، وبالتَّالي لم يعد لنا سبيل للاستفادة من المذاهب الأُخرى انتهاءً كما سبق إلا بتحكيم قواعد رسم المفتي والاختيار بينها بناء عليها لحاجتنا الملحة لذلك.
• • •
المبحث الثالث
أصول الفقه المقارن
الأصل الأول
الحقُّ متعدّد
وهذا الأصلُ هو الأساسُ والمعتمد، حيث اعتبروا أنّ كلَّ أقوال المذاهب حقٌّ حتى الرّوايات الضّعيفة في المذاهب، فيجوز لنا الاختيار بينها ما نريد بدون ترجيح، ومرَّ معنا عدم صحّة هذا.
• • •
الأصل الثاني
الاعتماد على ظاهر
الأحاديث في الترجيح
إنَّ المتابع لطريقة ترجيح المعاصرين بين المذاهب يجد أنَّ المهتمين منهم بالترجيح بناءً على الدليل الشرعي، يستندون في ترجيحاتهم كثيراً إلى ظاهر بعض الأحاديث، فما تبادر إلى ذهنه من المعنى العام للحديث يجعله هو
الحكم في ترجيح أحد الأقوال، وليس هذا فحسب، بل يصل الأمر ببعضهم إلى اتهام المذاهب الأخرى التي لم تأخذ بالفهم الظاهر الذي فهمه من الحديث إلى أنَّه لا دليل لهم، وأنَّ قولهم مخالف للكتاب والسنة.
وهذا من الأسباب في شيوع أنَّ بعض المذاهب الفقهية تخالف الكتاب والسنة في كثير من مسائلها بين طلبة العلم، وفي الحقيقة أنَّه لا توجد مخالفة من هذه المذاهب المعتمدة لكتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وإنَّما هي تخالف هذه الفهم لهؤلاء الأساتذة من هذه الأحاديث.
والسبب الذي جعلهم يعتمدون هذا الأصل هو ضعفهم في أصول الفقه، واعتمادهم في دراستهم على كتب المعاصرين التي تعرض أصول الفقه بطريقة ثقافية لا علمية، فلا تُطلع الطالب على حقيقة الأصول التي اعتمدها الفقهاء في استنباط الأحكام الشرعية؛ لذلك يجعل فهمه الظاهر للحديث هو المرجّح.
وفساد هذا الأصل من وجوه:
الأول: أنَّه لو كان استناد الفقهاء إلى ظاهر الحديث في الاستنباط والترجيح لما وجدنا كل مذهب فقهي له كتب أصول خاصة به تبين المنهج الذي سلكه أئمة المذهب في استخراج الأحكام وترجيحها، ولما وجدناهم يبذلون كل هذه الجهد في تحرير هذه الأصول في مقابل أصول غيرهم من الأئمة، وفي إقامة الحجج والبراهين الساطعة عليها، بل إنَّ هذا الفهم الظاهر
للدليل يختلف من شخص لآخر على حسب ذكائه وعلمه، ولا يحتاج إلى هذه الأصول.
وفي هذا الأمر هدم لمنهج هؤلاء الفقهاء، وللأصول التي بنوها، والتراث الذي استخرجوه، ولا شك في بطلان ذلك.
الثاني: إنَّ الفقهاء المعتبرين سلكوا طرقاً في الترجيح بين الأدلة المعارضة في الظاهر، وبسطوا الكلام عنها في فصل خاص من كتب أصولهم، نكتفي منه بمثال لما اعتمده السادة الحنفية في الترجيح، جاء في «أصول الشاشي» (¬1): «إذا تعارض الدليلان عند المجتهد:
فإن كان التعارض بين الآيتين يميل إلى السنة.
وإن كان بين السنتين يميل إلى آثار الصحابة - رضي الله عنهم - والقياس الصحيح.
ثم إذا تعارض القياسان عند المجتهد يتحرّى ويعمل بأحدهما؛ لأنَّه ليس دون القياس دليل شرعي يصار إليه. وعلى هذا قلنا: إذا كان مع المسافر إناءان طاهر ونجس لا يتحرى بينهما بل يتيمم».
فهذا مثال لدى أحد المذاهب في الترجيح بين المتعارضين، لا نجد فيه الاستناد إلى ظاهر الحديث، وإنَّما يمكن أن يتوافق ظاهر الحديث مع المسألة المستخرجة بالاستناد إلى الأصول المقررة لدى المذهب، فليس معنى هذا أنَّ ظاهر الحديث استحق أن يكون أصلاً فحسب يستند إليه في التخريج
¬
(¬1) أصول الشاشي ص304.
والاستنباط، بدليل أنَّك تجد في كل مذهب مسائل توافق ظاهر الأحاديث ومسائل تخالفه، فلو كان الظاهر أصلاً فقط عند مذهب منهم فينبغي أن نجد جميع مسائله متوافقة مع ظواهر الأحاديث.
الثالث: إنَّ اعتماد ظاهر الحديث أصلاً لاستنباط الأحكام فحسب يوقع الشريعة السماوية في التناقض بين الأحكام، فإنَّ المتبع لهذا الأصل تجد بين مسائله مخالفة؛ لأنَّ استخراجه أو استنباطه من ظاهر حديث سيعارض فعله ذلك من حديث آخر، وإنَّما كان عليه أن يوفق بين النصوص الشرعية، ثم يستخرج منها قاعدة محكمة تكون مرد استخراجه وترجيحه.
وهذا المنهج هو الذي سلكه فقهاؤنا الكرام، فكلما كانت هذه القواعد
المستخرجة لهذا الإمام أكثر إحكاماً كان قبوله وتقليده أكثر، وهذا ملاحظ لكل متبصر بمسائل الأئمة؛ لأنَّه يجد مردها إلى أصول فقهية اعتمدها الفقيه في استخراج الأحكام الشرعية، وهذا القواعد الكلية استنبطها من مجموع آيات الأحكام وأحاديثه وآثار الصحابة وغيرها، بحيث أنَّ المسائل المتفرعة عنها غير متعارضة؛ لأنَّها مستخرجة من أصول شريعة سماوية تتنزه عن التعارض.
وأكتفي بالتمثيل على ذلك بما نقل عن الإمام زفر - رضي الله عنه - تلميذ الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنَّه عندما قدم البصرة، وكان شيخها وقتئذٍ عثمان البتي - رضي الله عنه -، فإنَّ زفر - رضي الله عنه - كان يأتي حلقته ويسمع مسائله، فإذا وقف على الأصل الذي بنى عليه مسائله تتبع فروعه التي فرعها على ذلك الأصل، فإذا وقف على تركهم
الأصل طالب البتي - رضي الله عنه - حتى يلزمه قوله ويبيّن له خروجه عن أصله، فيعود أصحابه شهوداً عليه بذلك، فإذا وقف أصحاب البتي - رضي الله عنه - على ذلك واستحسنوا ما كان منه قال لهم: ففي هذا الباب أحسن من هذا الأصل، ويذكره لهم ويقيم الحجة عليهم فيه، ويأتيهم بالدلائل عليه ويطالب البتي - رضي الله عنه - بالرجوع إليه ويشهد أصحابه عليه بذلك، ثم قال لهم: هذا قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -، فما مضت الأيام حتى تحولت الحلقة إلى زفر - رضي الله عنه - وبقي البتي - رضي الله عنه - وحده (¬1).
الرابع: إنَّ مذهب الإمام الشافعيِّ - رضي الله عنه - الذي استند في أصوله إلى صحّة الحديث في بناء الأحكام بخلاف مذهب الإمامين أبي حنيفة ومالك المستندين إلى الفقه المتوارث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته - رضي الله عنهم - الذي يظهر في عمل أهل المدنية، وعمل أهل الكوفة، فإنَّه - رضي الله عنه - لم يستند إلى ظاهر الحديث في استخراج الأحكام كما هو مبرهنٌ في أصول فقه مذهبه، ويدلّ على ذلك أيضاً أنَّه - رضي الله عنه - قدم بغداد سنة (195هـ) فأقام سنتين، وألف ((الرسالة)) بطلب ابن مهدي، وصنف ((الحجّة))، وهو يمثل مذهبه القديم، واتصل به أبو ثور وأحمد والزعفراني وأبو عبد الرحمن وأخذوا عنه، وكانت قدمته الثالثة سنة (198هـ) فأقام أشهراً ولزمه الكرابيسي فيها، وهؤلاء هم حملة مذهبه القديم، ثم خرج إلى مصر سنة (199هـ) وألف فيها كتاب «الأم»، وفيه مذهبه الجديد (¬2).
¬
(¬1) ينظر: لمحات النظر في سير الإمام زفر - رضي الله عنه - ص18، وغيره.
(¬2) ينظر: بلوغ الأماني ص23، والانتقاء ص117، وغيرها.
فما الذي جعله بين عشية وضحاها يغيِّر مذهبه القديم في بغداد إلى مذهبه الجديد في مصر؟
فلو كان معتمداً في استخراج الأحكام على ظاهر الأحاديث فحسب؟ فإنَّ الأحاديث هي هي وظاهرها هو هو، فكيف يخالف مذهبه الجديد ثلثي مذهبه القديم.
ولو كان الأمر عائداً إلى وصول أحاديث له لم يكن قد اطلع عليها كما
يقول كثيرٌ من الباحثين عند ذكر أسباب اختلاف الفقهاء، وهو أمر غير مسلم؛ لأنَّه في صورة الإمام الشافعي - رضي الله عنه - هذه لا يعقل أن يكون قد اطلع في ذهابه إلى مصر على أضعاف ما يعرف من أحاديث الأحكام حتى يغير ثلثي مذهبه، ولو سلمنا اطلعاه على بعض أحاديث الأحكام فإنَّه سيغير مسائل معدودة فحسب.
ولو كان الأمر راجعاً إلى العرف، فإنَّ العرف لا دخل له إلا بعض أبواب الفقه: كالأيمان والمعاملات، فما دخل العبادات بالعرف وتغير الزمان والمكان، فالعبادة هي هي.
إذاً لا بد من التسليم أنَّ المسألة مسألة أصول كان مشى عليها الإمام الشافعي - رضي الله عنه - في مذهبه القديم وقد استنبطها من مجموع الأدلة الشرعية: الآيات والأحاديث والآثار، ولكنَّها لم تكن محكمة كل الإحكام، فعند احتكاكه بأهل بغداد ومناظرته معهم تبين له عوار أصوله التي بنى عليها
مسائله الفرعية، ويدلّ على ذلك قول الإمام أحمد - رضي الله عنه - عندما سأله ابن وارة (ت270هـ) ((ما ترى في كتب الشافعي التي عند العراقيين أحب إليك أو التي بمصر؟ قال: عليك بالكتب التي وضعها بمصر، فإنَّه وضع هذه الكتب بالعراق ولم يحكمها، ثمّ رجع إلى مصر فأحكم تلك)) (¬1).
وساعده على هذا الإحكام أنَّه عندما قدم بغداد وأخذ ينشر مذهبه القديم ردَّ عليه عيسى بن أبان الحنفي (ت221هـ) (¬2) في كتابه ((الحجج الكبير))، فبيَّن عوار الأصول التي بنى عليها الشافعي - رضي الله عنه - مذهبه القديم (¬3)، وأيضاً في ذهابه لمصر التقى بعلماء مصر ومن بينهم تلاميذ لليث بن سعد - رضي الله عنه - فكان لهم أثراً في علمه، وبهذه الأسباب وغيرها استطاع أن يبني مذهباً جديداً متيناً قوياً في مصر، قال الربيع المرادي - رضي الله عنه -: ((أقام الشافعي هاهنا ـ يعني بمصر ـ أربع سنين فأملى ألفاً وخمسمئة ورقة، وخرج كتاب ((الأم)) ألفي
¬
(¬1) ينظر: هامش الانتقاء ص130، والمدخل إلى مذهب الإمام الشافعي ص105 - 106، وغيرهما.
(¬2) وهو الإمام الفقيه الأصولي المحدث أبو موسى عيسى بن أبان بن صَدَقة، قال القرشي: الإمام الكبير تفقَّه على محمد بن الحسن، قال: هلال بن يحيى: ما في الإسلام قاضٍ أفقه منه في وقته، قال أبو حازم: ما رأيت أحداً مثله إلا محمد بن سماعة فتمنَّيت أن أكون مثله، وما رأيت قط فقيهين متواضعين كل واحد منهما يوجب صاحبه كإيجابه لنفسه. ينظر: الجواهر المضية 2: 678 - 680، وطبقات ابن الحنائي ص32.
(¬3) ينظر: بلوغ الأماني في سيرة محمد بن الحسن الشيباني ص50، وغيره.
ورقة، وكتاب السنن وأشياء كثير كلّها في أربع سنين، وكان عليلاً شديد العلة)) (¬1).
فلو كان الاجتهاد والترجيح هو الاعتماد على ظاهر حديث فحسب، لما وجدنا إمام المحدثين الشافعي - رضي الله عنه - يغيره مذهبه من قديم إلى جديد؛ لأنَّ ظاهر الأحاديث لا يتغير.
الخامس: إنَّ كبار المحققين المنصفين من العلماء عندما بحثوا بعض المسائل التي يدور فيها الخلاف بين المذاهب الفقهية أعادوا سبب الاختلاف فيها إلى الاختلاف في أصول كلّ منهم بالنظر إلى الأدلة الشرعية، فكلّ مذهب عندما ينظر من خلال أصوله إلى هذه الأدلة الفرعية فإنَّه سيقتضي المسألة التي تبناها، وأقرّوا أنَّ كلَّ مذهب منها له أدلته القوية التي يستند لها في فروعه.
وأكتفي بالتمثيل على ذلك بنقل كلام عالمين من كبار أئمة محدثي وفقهاء هذه العصر، شهد لهما بذلك الداني والقاصي، وهما:
الإمام اللكنوي إذ ألَّف كتاباً سمّاه: «إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام» وبلغ عدد صفحاته في الطبعة الحجرية القديمة (239)
¬
(¬1) ينظر: المدخل إلى مذهب الإمام الشافعي ص106 عن مناقب الشافعي للبيهقي 2: 291، والمدخل إلى دراسة الفقه الإسلامي ص165 - 166، وغيرها.
صفحة، قال - رضي الله عنه - بعد البحث المستفيض في المسألة (¬1): «وأما سائر المذاهب الباقية فدلائلها لحسب اختلاف أصولهم، ومداركهم قوية، والقول الفيصل فيها أنَّ الخلاف في الركنية وعدمها متفرّع حقيقة على مسألة أصولية، وهي أنَّ الركنية هل تثبت بخبر الآحاد الظنية، أم لا بد لها من الدلائل القطعية، فمن ذهب إلى الأول أثبت الركنية، ومن أنكره لم يثبت الركنية، وإن سلم دلالتها عليها، وعدم وجود معارضتها، والخلاف في ركنيتها للمؤتم مبني على خلاف آخر أيضاً، وهو أنَّ الظني هل تجوز به الزيادة على القطعي، وتخصيصه به، أو نسخه به، أم لا يجوز، فمن قال بجوازها، قال بها، ومن لا فلا ... ».
والإمام الكشميري إذ ألَّف كتابين:
أحدهما: سمّاه: «فصل الخطاب في مسألة أم الكتاب»، وهي المسألة التي سبق كتاب الإمام اللكنوي فيها وبلغ عدد صفحاته (153) صفحة، لم يقم بالطعن أئمة الفقهاء وتضعيف أقوالهم، وإنَّما بيَّن قوة حجة كلٍّ منهم، فقال في خاتمته (¬2): «فاعلم أني ما كتبت هذه السطور لقصد الرد على الشافعية، وإنَّما كتبتها؛ ليعلم وجه الحنفية في اختيار الترك، فكنت من المنصتين لا المنازعين ... ».
¬
(¬1) إمام الكلام ص230.
(¬2) فصل الخطاب 1: 152.
وثانيهما: سمّاه: «نيل الفرقدين في مسألة رفع اليدين»، وهي المسألة الخلافية المشهورة هل يرفع المصلي يديه عند تكبيرات الانتقالات، وقد بلغ عدد صفحاته (174) صفحة، بينَّ فيها أنَّ لكل طرف أدلته القوية فيما ذهب إليه، فقال (¬1): «ما قصد بها إخماد الطرفين، ولا يستطيعه ذو عينين، وإنما أردت بها أن بيد كل واحد من الفريقين، وجهاً من الوجهين، وهما على الحقّ من الجانبين، وليس الاختلاف اختلاف النقيضين، بل اختلاف تنوع في العبادة من الوجهين، وكل سنة ثابتة عن رسول الثقلين، تواتر العمل بهما من عهد الصحابة والتابعين وأتباعهم على كلا النحوين ... ».
• • •
الأصل الثالث
الاعتماد على المصلحة العقلية
إنَّ المتابع للمجتهدين الجدد في كتاباتهم وكلامهم يجد أنَّهم يدورون في التحليل والتحريم على حسب ما تمليه عليه عقولهم، فيعللون ما يذهبون إليه من اختيارات واجتهادات إلى أنَّ المصلحة تقتضيه، وهم بذلك يريدون بناء الأحكام على المصلحة الدنيوية، وهي لا اعتبار لها أصلاً في نظر المسلم عند مخالفتها للنص الشرعي؛ إذ العقل كثيراً ما يظن المفسدة بخلاف الشرع.
والقول بأنَّ إجراء ذلك في المعاملات دون العبادات باعتبار أنَّ العبادات حق للشارع، والمعاملات إنَّما وضعت أحكامها لمصالح العباد
¬
(¬1) في نيل الفرقدين 1: 2 - 3.
وكانت المعتبر، فهذا فرق بدون فارق؛ لأنَّ الله سبحانه له أن يأمر بما شاء فيما شاء من غير فارق بين أن يكون أمره في العبادات أو المعاملات، وهو الذي أباح أنواعاً من البيوع بشروط وقيود، وحرم أنواعاً منها، ودونك أحكام الربا والسلم والإجارة والمزارعة والشركة والعقوبات حدد لها حدوداً ورسم لها شروطاً وقيوداً، وهكذا سائر أبواب الفقه، إذا راج هذا الرأي المنكر من دعاته، فإنَّها ستسري خديعته في الأبواب كلها، ويكون شرع الله أثراً بعد عين، ولكن أبى الله إلا أن يتم نوره (¬1).
قال الإمام الكوثري (¬2): «ومن الذي ينطق لسانه بأنَّ المصلحة قد تعارض حجج الله من الكتاب والسنة والإجماع؟ والقول بذلك قول بأنَّ الله لا يعلم مصالح عباده، فكأنَّ هذا القائل يرى أنَّه أدرى بمصالح العباد من الحكيم الخبير - جل جلاله - حتى يتصور معارضة مصالحهم للأحكام التي دلت عليها أوامر الله المبلغة على لسان رسوله ـ سبحانك هذا إلحاد أقرع ـ.
ومن أعار سمعاً لمثل هذا التقول لا يكون له نصيب من العلم، ولا من العزّة القومية، وفي الذي يميلون إلى مثل ذلك الرأي الإلحادي يجدر أن ينشد قول القائل:
عمى القلوب عموا عن كل فائدة ... لأنَّهم ... كفروا ... بالله ... تقليداً
¬
(¬1) ينظر: المقالات ص344 - 345.
(¬2) في مقالة رأي النجم الطوفي في المصلحة ص345.
وليست تلك الكلمة غلطة من عالم حسن النية تحتمل التأويل، بل فتنة فتح بابها قاصد شر، ومثير فتن».
ونقض هذا الأصل فيما يلي:
أولاً: إنَّ من المعلوم لدى كل عاقل أنَّ الذهن البشري محدود القدرات، فإحاطته بالأمور إحاطةً تامةً غير متيسرة، وإلا لما احتجنا إلى الشريعة السماوية لتنظيم أمور حياتنا، فخالق هذا العقل أنزل له شريعة يسترشد بها في دنياه، وتوصله إلى السعادة في أخراه، فإذا اعتمدنا في بيان الأحكام الشرعية على عقلنا، وما يرشدنا له من خير، لم يعد بيننا وبين أهل القوانين الوضعية فرق؛ لأنَّهم استرشدوا بعقولهم لبيان ما يصلح حياتهم وسنِّ قوانين تنظمها، فكان ما نرى في عالمنا من الويلات في مختلف البلاد.
لكننا نحن المسلمون نرى أنَّ المصلحة الحقيقية هي المصلحة التي يراها الشارع وإن خالفت المصلحة العقلية؛ لأنَّنا نعتقد أنَّ شريعتنا من خالق العقل وكل شيء، وهو يعلم علماً أزلياً ما يصلح حياتنا، وما فيه خيرنا، فدينه حقّ وخير، بخلاف العقل فإنَّه كثيراً ما يتوهم مصالح، وتكون العاقبة مفسدة.
وهذا ليس إهمالاً منا لمكانة العقل وأهميته، وإنَّما إنزال لكل شيء في مكانه، فالتشريع حقّ الله تعالى لا غير، والعقل الشرعي المتزن بضوابط الشريعة وظيفته استفراغ جهده وقدرته في بيان مراد الله ومقصده، وهذا هي