الفرق بين الوطن الأصلي ووطن الإقامة ...
............... في مذهب السادة الحنفية
جارٍ تحميل الكتاب…
الفرق بين الوطن الأصلي ووطن الإقامة ...
............... في مذهب السادة الحنفية
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
الفرق بين
الوطن الأصلي ووطن الإقامة
في مذهب السادة الحنفية
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* نُشِر في مجلة علوم إنسانية في هولندا.
خلاصة البحث:
بسبب شيوع المفاهيم العصرية من الجنسية والإقامة وغيرها اختلط مفهوم الوطن الأصلي ووطن الإقامة عند البعض، مما ترتب التخبط في الفتوى بخصوص القصر والإتمام في الصلاة وغيرها من الأحكام، ففي هذا البحث تجلية لهذين الوطنين، وبيان أن معناهما عند الفقهاء مختلف عن المعاصرين؛ إذ وطن الإقامة ما نوى الإقامة فيه خمسة عشر يوماً فصاعداً، وأما الوطن الأصلي فهو الوطن الذي ولد أو نشأ أو تزوج أو تعيش فيه بعمل أو دراسة، وهذ فقط علامات تدل على أن الشخص راغب في الاستقرار فيه؛ إذ لا يشترط فيه مدّة من الزمان، ولا يكون للفرد أكثر من وطن أصلي في ظاهر الرواية إلا إذا كان لديه زوجتان، وفي غير ظاهر الرواية يكون له وطنان بوجود عقار أو دور وأشباهها.
وذكرت بعض الأحكام المتعلقة بهما من الرخصة بالإفطار في رمضان، وفرضية قصر الصلاة عند الحنفية ونبذةً من الفروع المبنية عليها مع استعراض لأدلتها.
* * *
Research Summary
Because of the prevalence of modern concepts of citizenship, residence and other blended with the original concept of the nation, a nation of residence at the other, causing confusion in the advisory opinion regarding the completion of minors and in prayer and other provisions, in this research pre-eminence of these two homelands, and the statement that when the meaning is different from the contemporary scholars; as the home of residence which he intended to reside on fifteen days, and the original home is home, who was born or grew up, or married or live work or study, only a strong signs that a person willing to stability; since it does not require a period of time, is not of the individual more than apparent only if
he has two wives, however, apparently have the presence of two countries if he has real estates or similar things.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحابته الأبرار الأطهار، وبعد:
فيقع السؤال كثيراً عن التفرقة بين الأوطان المذكورة في كتب سادتنا الفقهاء أثناء الدرس وغيره؛ إذ يشوبها شيئاً من الخفاء بسبب تغيّر المصطلحات العصرية في اعتبار الوطن الأصلي ووطن الإقامة ولكثرة الترحال التي تحصل للعمل والدراسة بسبب وسائل النقل الحديثة التي طوت المسافات البعيدة في أزمان قليلة.
ولذلك رغبت في سبر عبارات فقهائنا الحنفية في المسألة للوصول إلى ضابط نعتمد عليه في فهم الفروع التي تدور حول سقوط نيّة الإقامة لخمسة عشر يوماً إذا كان الوطن أصلياً؛ إذ يجب إتمام الصّلاة بمجرد دخوله.
والملاحظ من الفقهاء اعتبار العرف في الدلالة على كون الوطن وطناً أصلياً؛ إذ ذكروا علامات تدلّ عليه مدارها على العرف مسترشدة
بالنصوص الشرعية المفيدة لذلك عموماً، كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - الآتي ذكره: «مَن تأهّل في بلد فليصل صلاة المقيم»، والآثار الدالة على ذلك كقول مجاهد - رضي الله عنه -: «إن ابن عمر - رضي الله عنهم - كان إذا أجمع على إقامة خمسة عشر يوماً أتمّ الصلاة» (¬1).
فيطلق الوطن الأصلي على المكان الذي يستقرّ فيه الإنسان، ويحصل له به القرار؛ لذلك سمي بوطن القرار، ومن العلامات: العرف الدالّ على هذا الاستقرار بأن يولد فيه أو ينشأ فيه أو يتزوّج فيه أو يتعيّش فيه، والتعَيُّشُ: تكلُّف أَسباب المَعِيشة (¬2)، سواء أكانت بالعمل أو الدراسة.
فهذه العلامات تدلّ على الاستقرار لعزم فاعلها على التوطن، وعدم الارتحال الذي يكون عليه المسافر أو المقيم مدّة قصيرة لأداء أمر؛ لذلك لم يضبط الفقهاء هذا التوطّن بمدّة، وإنما ترك للعرف الدالّ على القرار؛ لذا صرّح ابن الهمام (¬3) بأن «التوطّن غير مجرّد نيّة الإقامة خمسة عشر يوماً، والظاهر أنّ معناه أن يتّخذها وطناً، ولا يُحدّ في ذلك حدّاً».
¬
(¬1) في مصنف عبد الرزاق (2: 529)، ورواته ثقات. ينظر: إعلاء السنن (7: 296)، وغيره.
(¬2) ينظر: اللسان (6: 321)، والصحاح (2: 9)، وغيرها.
(¬3) في فتح القدير (3: 147 - 148).
وأعجبني العلامة الجزيري في فهمه لعبارات الحنفية في التوطّن والتعيّش في عدم اشتراط التأبيد في ذلك، فقال (¬1): «الوطن الأصلي: وهو الذي ولد فيه الإنسان، أو له فيه زوج في عصمته، أو قصد أن يرتزق فيه وإن لم يولد به ولم يكن له به زوج».
وأبرز العلامات السابقة في الدلالة على القرار هي الزوجة، وهي المقصودة بالأهل، فالمكان الذي ينقلها الزوج له هو مكان الاستقرار في عرف الفقهاء، قال الفقيه عبد الحليم (¬2): «والوطن وطن بالأهل سواء كان فيه عقار أو لا».
بخلاف مكان الوالدين لمَن كان بالغاً فإنه لا يدلّ على قرار الابن فيه، أو رغبة على الاستقرار فيه؛ لذلك لا يعدّ وطناً أصلياً للابن كما سيأتي.
وبناء على ما سبق فإن ما حصل من الفقهاء من ذكر قيود وعلامات تدلّ على الوطن المراد منها التفرقة بينه وبين وطن الإقامة بما يدلّ على استقرار فيه؛ ولذلك زاد بعضُهم فيها للدلالة على المقصود، واكتفى الآخرون بواحدة مثلاً لدلالتها على المراد، ولا يوجد خلاف حقيقي في ذلك.
¬
(¬1) في الفقه على المذاهب الأربعة (1: 476).
(¬2) في حاشيته على الدرر (1: 92).
وتوضيحاً لتلك الحقيقة الناصعة فإنني أعرض ما سبرت به كلمات الفقهاء في تفصيل هذه المسألة بين يدي القارئ الكريم؛ ليطمئن قلبه إلى هذه النتيجة، ثم أذكر عبارة الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي في تحقيق هذه المسألة، فهي من أدقّ ما قرأت في الباب، فلله درّه.
فأقسام الأوطان عند الفقهاء ثلاثة:
الأول: الوطن الأصلي: ويسمى وطن قرار، والأهلي، والفطرة.
وسنعرض فيه لما يبيّنه ويوضحه في النقاط التالية:-
أولاً: اختلاف عبارات العلماء في العلامات الدالة عليه على النحو الآتي:
أ. قيّده الحَصْكفي (¬1) والشُّرُنْبلاليّ (¬2) والخادميّ (¬3) بواحد من ثلاثة أمور، وهي:
1.أنه ولد فيه؛ كما قال الحَصَكفيّ، أو نشأ فيه؛ كما قال السَّرَخسيّ (¬4)، وجمع بينهما محمد بن رمضان فقال (¬5): ما كان مولده ومنشأه فيه.
¬
(¬1) في الدر المختار (1: 132).
(¬2) في المراقي (ص429).
(¬3) في حاشيته على الدرر (ص82).
(¬4) في المبسوط (1: 252).
(¬5) في الينابيع في معرفة الأصول والتفاريع شرح القُدُوريّ (ق18/ب).
ونقل القُهُستانيّ عن صاحب «المضمرات» أنه جمع بينهما، ثم قال (¬1): «هذا أحسن مما في «المحيط» وغيره من الاقتصار على المولد لكونه أبعد من الخلاف، ففي آخر «الظهيرية» قيل لرجل: من أين أنت قال: من البصرة عند أبي حنيفة، ومن الكوفة عند أبي يوسف، فإنه تولد بالبصرة، ونشأ بالكوفة، فهو يعتبر التولد، وأبو يوسف المنشأ» (¬2).
2.أنه تأهّل فيه؛ أي تزوّج. واختلفوا فيما لو تزوَّجَ المسافرُ ببلدٍ ولم ينوِ الإقامة:
فقيل: لا يصيرُ مقيماً، ومشى عليه علاء الدين ابن عابدين (¬3).
وقيل: يصير مقيماً، قال الحلبي (¬4): «وهو الأوجه»، ويشهد له ما روى عبد الرحمن بن أبي ذباب: «إن عثمان بن عفّان - رضي الله عنه - صلّى بمنى أربع ركعات، فأنكره الناسُ عليه، فقال: يا أيها الناس إنّي تأهّلت بمكّة منذ قدمت وإنّي سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول: مَن تأهّل في بلد فليصل صلاة المقيم» (¬5).
¬
(¬1) في جامع الرموز (1: 158).
(¬2) ينظر: كشاف اصطلاحات الفنون (1: 1800).
(¬3) في الهدية العلائية (ص113).
(¬4) في حلبي صغير (ص243).
(¬5) في مسند أحمد بن حنبل (1: 62)، وضعّفه الأرنؤوط، ومشكل الآثار (9: 214)، وغيرها.
3.أنه توطّنه: والوطن لغة: مكان الإنسان ومَحَلُّهُ، وأَوْطَنَ أرضَ كذا واسْتَوْطَنَها وتَوَطَّنَها اتَّخَذَها مَحَلاً ومَسْكَنًا يُقِيمُ فيه (¬1).
واصطلاحاً: أي عزمه على القرارَ في مكان وعدم الارتحال وإن لم يتأهَّل، فعلى هذا لو عزمَ مَن له أبوان في بلدٍ على القرارِ فيه وترك الوطن الذي قبله يكون وطناً له (¬2).
ولا يعدّ وطناً أصلياً إذا لم يولد أو يتزوج فيه وإن كان له والدين فيه، وهو بالغ؛ إذ لا اعتبار للوالدين في كون الوطن أصلياً (¬3).
ومن عبارات الفقهاء الدالّة على هذه العلامات الثلاث، قول الحصكفيّ (¬4): «الوطن الأصليّ: وهو موطن ولادته أو أهله أو تأهّله أو توطّنه». وقول الشُّرُنْبُلاليّ (¬5): «هو الذي وُلِد فيه الإنسان، أو تزوّج فيه، أو لم يتزوّج ولم يولد فيه ولكن قصد التعيّش لا الارتحال عنه».
ب ـ قيّده السَّرَخسيّ (¬6) وقاضي خان (¬7) ....................
¬
(¬1) ينظر: المغرب (ص489).
(¬2) ينظر: رد المحتار (2: 132 - 133)، قريب منه ما في الهدية العلائية (ص113).
(¬3) ينظر: خلاصة الفتاوى (1: 204)، وغيرها.
(¬4) في الدر المختار (1: 132).
(¬5) في المراقي (ص429).
(¬6) في المبسوط (1: 252).
(¬7) في شرح الزيادات (1: 199).
والكاسانيّ (¬1) وبرهان الدين (¬2) والزيلعيّ (¬3) والأندريتي (¬4) ومحمد بن رمضان (¬5) وابن الضياء (¬6) وابن الهُمام (¬7) وملا مسكين (¬8) وعمر ابن نجيم (¬9) والحَلَبيّ (¬10) والكرلانيّ (¬11) والبُخاري (¬12) وشيخ زاده (¬13) والقاريّ (¬14) والكواكبي (¬15) ومحمود زاده (¬16) بواحد من أمرين، وهي:
1.أنه ولد فيه.
¬
(¬1) في بدائع الصنائع (1: 103).
(¬2) في المحيط البرهاني (2: 401).
(¬3) في تبيين الحقائق (1: 214).
(¬4) في الفتاوى التاتارخاينة (2: 18).
(¬5) في الينابيع (ق18/ب).
(¬6) في الضياء المعنوي شرح مقدمة الغزنوي (ق246/أ)، والبحر العميق في مناسك المعتمر والحاج (1: 576).
(¬7) في فتح القدير (2: 16).
(¬8) في شرح الكنز (1: 308).
(¬9) في النهر الفائق (1: 349).
(¬10) في حلبي صغير (ص243).
(¬11) في الكفاية (2: 16).
(¬12) في خلاصة الفتاوى (1: 204).
(¬13) في مجمع الأنهر (1: 164).
(¬14) في فتح باب العناية (1: 397).
(¬15) في الفوائد السمية (1: 133).
(¬16) في شرح النقاية (ص92).
2.أنه تأهّل فيه وقصد التعيُّش به لا الارتحال عنه، وعبَّر عنهما الكاسانيّ (¬1) وزين الدين ابن نجيم (¬2): «بوطن الإنسان في بلدته أو ببلدة أخرى اتخذها داراً وتوطّن بها مع أهله وولده، وليس من قصده الارتحال عنها، بل التعيُّش بها»، وعبارة السَّرَخسي (¬3): «إذا نشأ ببلدة أو تأهّل بها أو تَوَطَّن بها»، وفي عبارة محمد بن رمضان (¬4): «ما كان مولده ومنشأه فيه وتأهّل فيه».
واقتصر قاضي خان (¬5) وبرهان الدين (¬6) والزيلعي (¬7) وابن الضياء (¬8) والأندريتي (¬9) وملا مسكين (¬10) والكرلاني (¬11) والبخاري (¬12) وشيخ زاده (¬13)
¬
(¬1) في بدائع الصنائع (1: 103).
(¬2) في البحر الرائق (2: 147).
(¬3) في المبسوط (1: 252).
(¬4) في الينابيع (ق18/ب).
(¬5) في شرح الزيادات (1: 199).
(¬6) في المحيط البرهاني (2: 401).
(¬7) في تبيين الحقائق (1: 214).
(¬8) في الضياء المعنوي شرح مقدمة الغزنوي (ق246/أ).
(¬9) في الفتاوى التاتارخاينة (2: 18).
(¬10) في شرح الكنز (1: 308).
(¬11) في الكفاية (2: 16).
(¬12) في خلاصة الفتاوى (1: 204).
(¬13) في مجمع الأنهر (1: 164).
والكواكبي (¬1) ومحمود زاده (¬2) على القول: «مولد الإنسان أو البلدة التي تأهّل فيها» (¬3).
لكن فسَّر الشلبي (¬4) قولهم: تأهل فيها: «أي ومن قصده التعيّش به لا الارتحال»، وفسّرها القاري (¬5) بقوله: «أعني توطَّن بها، بأن نوى كونه فيها إلى آخر عمره، فالمعنى جعل نفسه من أهل تلك القرية، سواء تزوَّج فيها أم لا».
وما صرّح به القاري من نيّة القرار فيها إلى آخر عمره لم ينصّ عليه أحدٌ غيره في كتب السادة الحنفية التي وقفت عليها، ولو كان هذا معتبراً لجعلوه علامة دالّة على الاستقرار تغني عن غيرها من العلامات، بأن صرّحوا بأن الوطن الأصليّ ما ينوي فيه الاستقرار الأبدي، فتركهم لها دالٌّ على أنه غير مراد على إطلاقه.
¬
(¬1) في الفوائد السمية (1: 133).
(¬2) في شرح النقاية (ص92).
(¬3) ينظر: الفقه الحنفي في ثوبه الجديد (1: 312).
(¬4) في حاشية التبيين (1: 214)، وهي عبارة ابن الهمام في فتح القدير (2: 16)، ومشى عليها عمر ابن نجيم في النهر الفائق (1: 349).
(¬5) في فتح باب العناية (1: 397).
ومن المعلوم لدى الكَمَلة أن كتاب القاري «فتح باب العناية» ليس من الكتب المعتمدة، التي يعول عليها في الفتوى، ومعرفة المذهب، فلينتبه لذلك، والله أعلم.
ج ـ قيّده ملا خسرو (¬1) بالمسكن فقط؛ إذ فسّر الوطن الأصلي به، لكن الشُّرُنْبلاليّ (¬2) وعبد الحليم (¬3) بيَّن أن مرادَه بالمسكن: «الأعمّ من أن يكون بنفسه فقط ولا عيال له، أو بأهله كأن تأهّل فيه ومن قصده التعيّش لا الارتحال، وكذا محلّ مولده وطن أصليّ».
د ـ قيّده الحداديّ (¬4) بما يكون تأهّله فيه.
هـ ـ قيَّدَه الولوالجيّ (¬5) والموصليّ (¬6) بالوطن الذي يستقرّ فيه المرء وأهله.
فهذه العبارات كلها مرشدة إلى المراد من الوطن الأصلي بحيث يختلف عن بلد الإقامة ويدلّ على الاستقرار، حتى صرّح الولوالجي والموصلي بهذا المعنى فحسب.
¬
(¬1) في درر الحكام (1: 135).
(¬2) في الشرنبلالية (1: 135).
(¬3) في حاشيته على الدرر (1: 91).
(¬4) في الجوهرة النيرة (1: 219).
(¬5) في الفتاوى الولوالجية (1: 135).
(¬6) في الاختيار (1: 107).
ثانياً: تعدد الوطن الأصلي:
يجوز أن يكون الوطن الأصلي واحداً أو أكثر من ذلك، والمعتبر في كون البلد أصلياً هو ما يكون فيه له زوجة وأولاد، حتى لو كان له أهل ببلدتَيْن أو أكثر ولم يكن من نية أهله الخروج منها، وإن كان هو ينتقل من أهل إلى أهل في السنة، فأيُّهما دخلَها صار مقيماً (¬1).
وإن ماتت زوجته في أحدهما وبقيَ له دور وعقار فيها، اختلفوا فيها:
قيل: لا يبقى وطناً له؛ لأنها إنما كانت وطناً بالأهل لا بالعقار، ألا ترى أنه لو تأهّل ببلدة لم يكن له فيها عقار صارت وطناً له.
وقيل: يبقى وطناً له، وإليه أشار محمد - رضي الله عنه - في الكتاب حيث قال: باع داره ونقل عياله (¬2)، ولأنها كانت وطناً له بالأهل والدار جميعاً، فبزوال أحدهما لا يرتفع الوطن.
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع (1: 103 - 104)، وتبيين الحقائق (1: 2314)، والضياء المعنوي (ق246/أ)، والبحر العميق (1: 576)، والكفاية (2: 16)، وحاشية أبي السعود (1: 308)، والمراقي (ص429)، وحاشية الطحطاوي (ص429).
(¬2) ينظر: الكفاية (2: 18)، والفوائد السمية (1: 133)، والفتاوى التاتارخانية (2: 18)، ونقل الخلاف عن علاء الدين في شرح مختلفاته.
والحكم متى ثبت لعلّة يبقى ببقاء شيء منها (¬1)، كوطن بقي ببقاء الثقل وإن أقام بموضع آخر (¬2). ويؤيّده ما روى هشام عن محمد - رضي الله عنه - أنه قال: إنّي أرى القصر فيه إن نوى تكره، إلا أن أبا يوسف كان يتمّ بها، لكنّه يحمل على أنه لم ينوى تركه (¬3).
وفرَّعَ الزاهديّ (¬4) على هذا فقال:
وهذا جوابُ واقعةٌ ابتلينا بها وكثير من المسلمين المتوطنين في البلاد، ولهم دور وعقار في القرى البعيدة منها، يصيّفون بها بأهلهم ومتاعهم فلا بُدّ من حفظها أنهما وطنان له لا يبطل أحدهما بالآخر (¬5).
وبيَّن القاري (¬6) أن الوطن الأصلي يبطل بوطن أصلي آخر إذا لم يبق له في الوطن الأول أهل. وفسَّر الأهل: «أي تَعَلُّق من زوج أو ولد أو زراعة أو نحوها، فإن كان له أهل فيه فلا يبطل، وبأيّهما دخل يتم الصلاة من غير نية الإقامة».
¬
(¬1) ينظر: المحيط البرهاني (2: 402).
(¬2) هذه منقول من محيط السرخسي كما في مجمع الأنهر (1: 164).
(¬3) ينظر: جامع الرموز (1: 258) عن الزاهدي، ونقل عن صاحب المشارع أنه لم يبق أصليا.
(¬4) في المجتبى شرح القدوري (ق61/أ).
(¬5) ينظر: البحر الرائق (2: 147)، والكفاية (2: 18).
(¬6) في فتح باب العناية (1: 397).
فهذا التفسير مقبول من القاري ها هنا فقط للأهل أخذاً بالرواية الثانية التي أشار إليها محمّد - رضي الله عنه - وبنى عليها الزاهدي - رضي الله عنه - مسألته، ونقلها جمع عنه، ولكن على الرواية الأولى في اعتبار الأهل فحسب فإن بقاء الدور والعقارات بدون الزوجة ليس بوطن أصلي، وعليه تدلّ عامّة كلمات الفقهاء في الكتب المعتمدة، والله أعلم.
ثالثاً: انتقاض الوطن الأصلي:
ينتقض الوطن الأصلي بمثله لا غير (¬1) بأن يتوطّن الإنسان في بلدة أخرى وينقل الأهل إليها من بلدته، فيخرج الأول من أن يكون وطنا أصلياً، حتى لو دخل فيه مسافراً لا تصير صلاته أربعاً.
وأصله: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرين من أصحابه - رضي الله عنهم - كانوا من أهل مكّة وكان لهم بها أوطان أصلية، ثمّ لَمّا هاجروا وتوطّنوا بالمدينة وجعلوها داراً لأنفسهم انتقض وطنهم الأصلي بمكة، حتى كانوا إذا أتوا مكّة يصلون صلاة المسافرين (¬2).
¬
(¬1) ينظر: المبسوط (1: 252)، وتبيين الحقائق (1: 2314)، والفتاوى التاتارخانية (2: 18).ودرر الحكام (1: 135).
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع (1: 103)، وشرح الزيادات (1: 200)، والمحيط البرهاني (2: 401)، والبحر الرائق (2: 147)، والكفاية (2: 16)، وفتح باب العناية (1: 397)، وغيرها.
فعن عمران بن حصين - رضي الله عنه - قال: «غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشهدت معه الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، ويقول: يا أهل البلد صلوا أربعاً فإنا قوم سفر» (¬1). وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: «كان إذا قدم مكة صلّى بهم ركعتين، ثم يقول: يا أهل مكة أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر» (¬2)؛ لأن الشيء جاز أن ينسخ بمثله.
وقُيِّدَ بمثله؛ لأنه لو باع داره ونقل عياله وخرج يريد أن يتوطن بلدة أخرى، ثم بدا له أن لا يتوطّن ما قصده أو لا، ويتوطّن بلدة غيرها فمرّ ببلده الأول، فإنه يُصلّي أربعاً؛ لأنه لم يتوطّن غيره (¬3).
ولا ينتقض الوطن الأصلي بنية السفر والخروج منه حتى يصير مقيماً بالعود إليه من غير نيّة الإقامة (¬4).
¬
(¬1) في سنن أبي داود (2: 9)، وصحيح ابن خزيمة (3: 70)، وسنن البيهقي الكبير (3: 126)، وغيرها.
(¬2) في الموطأ (1: 149)، وغيره.
(¬3) ينظر: البحر الرائق (2: 147)، والمحيط البرهاني (2: 401).
(¬4) ينظر: بدائع الصنائع (1: 104)، ودرر الحكام (1: 135)، وفتح باب العناية (1: 397).
الثاني: وطن الإقامة (¬1). ويسمّى وطن مستعار، وحادث.
وتوضيحه وبيانه في النقاط التالية:
أولاً: ضابطه:
وهو أن يقصد الإنسان أن يمكث في موضع صالح للإقامة خمسة عشر يوماً أو أكثر (¬2)، ولم يكن مولده، ولا له أهل به (¬3)، وأضاف ملا خسرو (¬4) والكواكبي (¬5): «من غير أن يتخذه مسكناً»، وقيّده ابن الهُمام (¬6): «بنيّة أن يسافر بعد ذلك».
وكل هذه القيود التي زادوها دالة على المقصود منه، وهو عدم الاستقرار، بحيث لا يتخذه مسكناً، وينوي السفر منه، وهكذا.
ومعنى موضع صالح للإقامة على ما فسَّره الشرنبلالي (¬7) الطَّحطاوي (¬8): «بأنه لا يكون مفازة، ولا يكون دار حرب لعسكرنا، ولا
¬
(¬1) وسمّاه في المحيط البرهاني (2: 402)، والكفاية (2: 16): وطن السفر.
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع (1: 103)، وشرح الزيادات (1: 199)، وتبيين الحقائق (1: 214)، والمحيط البرهاني (2: 401)، والكفاية (2: 16)، وغيرها.
(¬3) ينظر: غنية المنية.
(¬4) في درر الحكام (1: 135).
(¬5) في الفوائد السمية (1: 133).
(¬6) في فتح القدير (2: 16).
(¬7) في المراقي (ص426).
(¬8) في حاشيته على المراقي (ص429).
دار بغي، ولا بُدّ أن يكون واحداً فلا تصح نية الإقامة ببلدتين لم يعين المبيت بأحدهما».
ثانياً: اتحاد وطن الإقامة:
إذا نوى المسافر أن يقيم بمكة وبمنى خمسة عشر يوماً لم يتم الصلاة؛ لأنه لم ينو الإقامة في كل واحد منهما خمسة عشر يوماً (¬1)؛ لأن اعتبار النية في موضعين يقتضي اعتبارها في مواضع، واعتبار النية في مواضع ممتنع.
والحاصل أنه لا يعتبر نية الإقامة خمسة عشر في موضعين لا يجمعها مصر واحد أو قرية واحدة؛ لأنه حينئذ يلزم اعتبارها في ثلاثة أمصار أو أربعة أمصار إلى خمسة عشر فيؤدي إلى أن يكون الشخص مقيماً بنفس النزول دون حاجة إلى نية الإقامة، وذلك فاسد؛ لأن نية الإقامة ما يكون في موضع واحد، والإقامة ضد السفر، ولو جوزنا نية الإقامة في موضعين جوّزنا فيما زاد على ذلك فيؤدي إلى القول بأن السفر لا يتحقق؛ لأنك جمعت إقامة المسافر في المراحل (¬2).
ثالثاً: حالات انتقاض وطن الإقامة:
1.انتقاله إلى الوطن الأصليّ؛ لأنه فوقه.
¬
(¬1) ينظر: الفقه النافع (1: 273)، وغيره.
(¬2) ينظر: الهداية (2: 775)، والبناية (2: 774 - 774).
2.اتخاذه موضعاً آخر وطناً للإقامة (¬1)؛ لأنه مثله، والشيء يجوز أن ينسخ بمثله، ومثاله: خراساني قدم الكوفة ونوى المقام بها شهراً، ثم خرج منها إلى الحيرة ونوى المقام بها خمسة عشر يوماً، ثم خرج من الحيرة يريد العودة إلى خراسان ومرّ بالكوفة، فإنه يصلي ركعتين؛ لأن وطنه بالكوفة كان وطن إقامة، وقد انتقض بوطنه بالحيرة؛ لأنه وطن إقامة أيضاً (¬2).
3.إنشاء السفر من وطن الإقامة؛ وهو أن يخرج قاصداً مكاناً يصل إليه في مدة السفر (¬3)؛ لأن توطنه في هذا المقام ليس للقرار ولكن لحاجة، فإذا سافر منه يستدل به على قضاء حاجته فصار معرضاً عن التوطن به، فصار ناقضاً له دلالة، ومثاله: خراساني قدم الكوفة ونوى المقام بها خمسة عشر يوماً، ثم ارتحل منها يريد مكة، فقبل أن يسير ثلاثة أيام ذكر حاجة له بالكوفة فعاد فإنه يقصر؛ لأن وطنه بالكوفة قد بطل بالسفر (¬4).
¬
(¬1) ينظر: المبسوط (1: 252)، ودرر الحكام (1: 135)، والمحيط البرهاني (2: 402)، والكفاية (2: 16)، وشرح الوقاية (ص189)، وعمدة الرعاية (1: 238)، والمشكاة (ص273)، والمراقي (ص429)، وغيرها.
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع (1: 104).
(¬3) ينظر: العناية (2: 43)، والمحيط البرهاني (2: 402)، ودرر الحكام (1: 135)، والكفاية (2: 16)، وغيرها.
(¬4) ينظر: بدائع الصنائع (1: 104).
4.إنشاء السفر من غير وطن الإقامة سواء مرّ بوطن الإقامة أو لا، ولكن بعد سيره ثلاثة أيام، ولو مر بوطن الإقامة قبل سيره ثلاثة أيام لا يبطل الوطن، بل يبطل السفر؛ لأن قيام وطن الإقامة مانع من صحّة السفر (¬1).
ولا ينتقض وطن الإقامة بوطن السكنى؛ لأنه دونه فلا ينسخه (¬2).
رابعاً: شروط وطن الإقامة عند محمد - رضي الله عنه -:
ما سبق من التفصيل على ظاهر الرواية، وعلى رواية ابن سماعة عن محمد. قال القهستاني (¬3): وهو المختار عند الأكثرين.
وذكرَ الكرخيّ عن محمّد - رضي الله عنه - أن يشترط في وطن الإقامة شرطين:
1.أن يتقدمه سفر. ومثاله: رجل مقيم خرج من مصره إلى قرية من قراها لا لقصد السفر، ونوى أن يتوطّن بها خمسة عشر يوماً لا تصير تلك القرية وطن إقامة له وإن كان بينهما مسيرة سفر لانعدام تقدم السفر.
2.أن يكون بين وطنه الأصلي وبين وطن الإقامة مسافة السفر فصاعداً، ومثاله: رجل مقيم قصد مسيرة سفر، وخرج حتى وصل إلى
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار (2: 133).
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع (1: 104)، والمبسوط (1: 252).
(¬3) في جامع الرموز (1: 158).
قرية بينها وبين وطنه الأصلي مسيرة ما دون السفر، ونوى أن يقيم بها خمسة عشر يوماً لا يصير مقيماً، ولا تصير تلك القرية وطن إقامة له (¬1)، ومشى محمد بن رمضان (¬2) على اعتماد الشرط الثاني في تعريف وطن الإقامة بأن يكون بينه وبين الوطن الأصلي مسافة سفر.
الثالث: وطن السفر، ويسمى وطن السكنى.
وبيانه وتفصيله في النقاط التالية:
أولاً: ضابطه: وهو أن يقصد الإنسان المقام في غير بلدته أقلّ من خمسة عشر يوماً (¬3).
ثانياً: اختلاف الفقهاء في اعتباره:
ذكرت عامة الكتب هذا الوطن، وأنه مفيد، ومن ذلك ما صوَّره الزيلعي (¬4) في رجل خرج من مصره إلى قرية لحاجة ولم يقصد السفر ونوى أن يقيم فيها أقلّ من خمسة عشر يوماً، فإنه يتمّ فيها؛ لأنه مقيم، ثم خرج من القرية لا للسفر، ثم بدا له أن يسافر قبل أن يدخل مصره وقبل
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع (1: 104)، المحيط البرهاني (2: 404)، وفتح القدير (2: 16).
(¬2) في الينابيع (ق18/ب).
(¬3) ينظر: بدائع الصنائع (1: 103)، وشرح الزيادات (1: 199)، وتبيين الحقائق (1: 214)، والمحيط البرهاني (2: 401)، والكفاية (2: 16)، وغيرها.
(¬4) في تبيين الحقائق (1: 214).
أن يقيم ليلة في موضع آخر فسافر فإنه يقصر، ولو مرّ بتلك القرية ودخلها أتم؛ لأنه لم يوجد ما يبطله ممَّا هو فوقه أو مثله.
وذهب الفقيه الجليل أبو أحمد العياضي (¬1) إلى عدم اعتبار وطن السفر، وتابعه المحقّقون؛ لأنه لا فائدة فيه، قال برهان الدين (¬2) والكرلاني (¬3) والبابرتي (¬4) وابن الضياء (¬5) والأندريتي (¬6) وعمر ابن نجيم (¬7): «وهو الصحيح لأنه لم تثبت فيه الإقامة بل حكم السفر فيه باق». وقد ردّ زين الدين ابن نُجيم (¬8) ما قاله الزيلعي بقوله: «إن السفر باق لم يوجد ما يبطله، وهو مبطل لوطن السكنى على تقدير اعتباره؛ لأن السفرَ يبطل وطن الإقامة فكيف لا يبطل وطن السكنى، فقوله؛ لأنه لم يوجد ما يبطله ممنوع».
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع (1: 103).
(¬2) في المحيط البرهاني (2: 402).
(¬3) في الكفاية (2: 18).
(¬4) في العناية (2: 43).
(¬5) في البحر العميق في مناسك المعتمر والحاج (1: 576).
(¬6) في الفتاوى التاتارخاينة (2: 18).
(¬7) في النهر الفائق (1: 349).
(¬8) في البحر الرائق (2: 248).
واعترض على ما قاله ابن نُجيم جمعٌ من الأفاضل منهم: إبراهيم المداري الحلبي وشيخه علي الضرير، وأقرّهم الرملي وابن عابدين (¬1)؛ فقال الحلبي عما قال الزيلعي، قال: وهو وجيه، فإن مَن نوى الإقامة بموضع نصف شهر، ثمّ خرج منه لا يريد السفر، ثمّ عاد مريداً سفراً ومرّ بذلك أتمّ مع أنه أنشأ سفراً بعد اتخاذ هذا الموضع دار إقامة، فثبت أن إنشاء السفر لا يبطل وطن الإقامة إلا إذا أنشأ السفر منه، فليكن وطن السكنى، كذلك فما صوَّره الزيلعي صحيح.
ومن تصويره علمت أنه لا بد أن يكون بين الوطن الأصلي وبين وطن السكنى أقل من مدة السفر، وكذا بين وطن الإقامة ووطن السكنى (¬2).
ووفق ابن عابدين (¬3) بين المحقّقين والعامّة بقوله: «والذي يظهر لي في التوفيق أنه إذا كان مسافراً فأقام في بلد دون نصف شهر لم يعتبر هذا الوطن أصلاً؛ لأنه يقصر فيه فإذا خرج منه، ثم رجع إليه يقصر أيضاً، وعليه يحمل كلام المحققين الذين لم يعتبروا وطن السكنى.
¬
(¬1) في منحة الخالق (2: 248). وينظر: رد المحتار (2: 133).
(¬2) وهذا ما تفيده عبارة السرخسي في المبسوط (1: 252) بأن وطن السكنى: أن ينوى المسافر المقام في موضع أقل من خمسة عشر يوماً أو خمسة عشر يوماً، وهو قريب من وطنه الأصلي.
(¬3) في منحة الخالق (2: 248 - 249)، وينظر: رد المحتار (2: 133).
أما إذا كان مقيماً، ثمّ خرجَ من مصره إلى قرية قريبة، ونوى أن يقيم فيها دون نصف شهر كما مرّ تصويره عن الزيلعي فإنه يعتبر، وعليه يحمل كلام عامة المشايخ الذين اعتبروه.
وحاصله: أنه يعتبر قبل تحقق السفر لا بعده؛ لأن من قال باعتباره قبل تحقق السفر كما في صورة الزيلعي لا يمكنه أن يقول باعتباره بعد تحقق السفر؛ لأنه لم يثبت فيه حكم الإقامة المبيحة للإتمام، فإن أقلها نصف شهر؛ إذ لا يقول عاقل إن المسافر إذا دخل بلدة ونوى الإقامة فيها يوماً مثلاً، ثم خرج منها، ثم رجع في اليوم الثاني أنه يتم ما لو ينو إقامة نصف شهر وبهذا التوفيق يرتفع الخلاف إلا أن يوجد نقل دالٌ على وجود الخلاف فيما صوَّره الزيلعي. والله تعالى أعلم».
ثالثاً: حالات انتقاض وطن السفر:
1.الوطن الأصلي؛ لأنه فوقه.
2.وطن الإقامة؛ لأنه دونه.
3.إنشاء السفر منه (¬1)؛ كما سبق.
قال السَّرَخسيّ (¬2): «وطن السكنى ينقضه كلّ شيء إلا الخروج منه لا على نيّة السفر».
¬
(¬1) ينظر: المحيط البرهاني (2: 402).
(¬2) في المبسوط (1: 252).
المصطلحات المعاصرة للوطن الأصلي والإقامة:
وإذا وصل بنا الكلام إلى هذا المقام، كان علينا تطبيق عبارات الفقهاء على المصطلحات العصرية الشائعة بين الناس؛ ليحسن بهم فهمها والاستفادة منها، وهذا ما فعله العلامة الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي بما يغني قارئه وينفعه؛ لا سيما من سبق منه قراءة ما مرّ تحقيقه، وإليك كلامه تتميماً للمسألة؛ إذ قال (¬1) تحت عنوان: «العودة إلى محل الإقامة الدائمة، أو نية العودة»:
«سأبحث هذه الحالة في ضوء المصطلحات الحديثة للإقامة والوطن بالاعتماد على اصطلاح الفقهاء في الماضي، والاصطلاحات الحديثة هي ما يلي:
أ ـ الوطن: هو إقليم الدولة التي ينتمي إليها ويحمل جنسيتها بحسب التقسيم الإقليمي للدول المعاصرة، وهذا المفهوم لا صلة له ببحثنا.
ب ـ محل الإقامة الدائمة: هو محل العمل الذي يسكن فيه، أو محل المعيشة.
¬
(¬1) في الفقه الإسلامي وأدلته (2: 294 - 296).
جـ ـ محل الميلاد: هو البلد الذي ولد ونشأ فيه، وفيه أهله وعشيرته، ويشمل هذين الاثنين عند الحنفية: الوطن الأصلي إذ هو موطن الولادة، أو التزوج، أو التوطن.
د ـ محل الإقامة المؤقتة: هو المكان الذي يقيم فيه لفترة زمنية مؤقتة أو لمهمة قد تطول وقد تقصر، ويقابله عند الحنفية «وطن الإقامة» إذا كانت نصف شهر فأكثر، ووطن السكنى إذا أقام دون نصف شهر.
هـ ـ بلد الزوجة: هو البلد الذي له فيه زوجة إما الزوجة الوحيدة أو الثانية ويدخل تحت مفهوم الوطن الأصلي.
وبحثنا يتردد بين هذه المصطلحات الأربعة الأخيرة».
ثم نقل الدكتور الزحيلي عن أصحاب المذاهب تحقيق ذلك لكني سأقتصر على ما ذكر بخصوص المذهب الحنفي لاختصاص هذا البحث به؛ إذ قال (¬1):
قال الحنفية: الوطن ثلاثة أنواع:
الوطن الأصلي: هو الذي ولد فيه أو تزوج، أو لم يتزوج وقصد التعيش فيه لا الارتحال عنه.
ووطن الإقامة: موضع نوى الإقامة فيه نصف شهر فما فوقه.
¬
(¬1) في الفقه الإسلامي وأدلته (2: 295 - 296).
ووطن السكنى: هو ما ينوي الإقامة فيه دون نصف شهر، وهذا لم يعتبره المحققون في حالة تغيير الموطن.
متى يتم المسافر الصلاة عادة؟
إذا دخل المسافر بلده أي محل إقامته الدائمة، أتمّ الصلاة، وإن لم ينو الإقامة فيه، كأن دخله لقضاء حاجة؛ لأنه معين للإقامة، وقد زال سبب الرخصة وهو السفر. هذا إن سار مدة السفر (3 أيام بلياليها)، وإلا بأن رجع إلى بلده قبل قطع مسافة السفر، أتم بمجرد نية العودة، لعدم تحقق السفر المجيز للقصر. وإذن فيجب عليه الإتمام في هاتين الحالتين: العودة للوطن، ونية العودة قبل قطع مسافة القصر، فإن عاد بعد قطع مسافة القصر، يقصر حتى يعود لبلده بالفعل.
متى يتم المسافر الصلاة ومتى يقصر حالة الانتقال عن الوطن؟
أ ـ الانتقال عن الوطن الأصلي: يتم الصلاة إذا انتقل من محل الإقامة الدائمة كمركز الوظيفة اليوم إلى موطن آخر له فيه زوجة، أو إلى محل الميلاد الذي بقي له فيه أهل أي زوجة، كالريف، فمن كان موظفاً في دمشق مثلاً ثم سافر إلى قريته الأصلية في الريف لزيارة الأهل (الزوجة) أتمّ الصلاة، سواء أكانت المسافة بين مقرّ العمل أو الوظيفة وبين الريف مسافة القصر أم لا؛ لأنه في هذه الحالة يكون له موطنان، وكلّ منهما وطن أصلي له.
فإن لم يبق له أهل في الريف، وبقي فيه عقار (أرض أو دار) قصر الصلاة؛ لأنّ محلَّ الميلاد وإن كان وطناً أصلياً له، إلا أنه بطل بمثله وهو مقر عمله، وبه يتبيّن أن الوطن الأصلي للإنسان يبطل إذا هاجر بنفسه وأهله ومتاعه إلى بلد آخر، فإن عاد إلى بلده الأوّل لعمل مثلاً، وجب عليه قصر الصلاة.
كذلك يقصر الصلاة إن عاد إلى بلد مقر الوظيفة، بعد أن انتقل عنها بكل أهله، واستوطن بلداً غيرها؛ لأنه لم يبق له وطناً، إذ أن الوطن الأصلي يبطل بمثله، دون السفر عنه، بدليل أنه - صلى الله عليه وسلم - بعد الهجرة عدّ نفسه بمكّة من المسافرين.
أما لو سافر عنه إلى بلد آخر مدّة مؤقتة كأن ترك دمشق إلى حلب، ثم عاد إليه فيتمّ الصلاة؛ لأنّ الوطنَ الأصليّ لا يبطل حكمه بوطن الإقامة ولا بالسفر؛ لأن الشيء لا يبطل بما هو دونه، بل بما هو مثله أو فوقه.
ب ـ الانتقال عن محل الإقامة المؤقتة (وطن الإقامة): من تنقل في البلدان فأقام في بلد نصف شهر مثلاً، ثم عاد إليه، قصر الصلاة فيه ما لم ينو الإقامة مجدداً نصف شهر؛ لأنّ وطن الإقامة يبطل حكمه بمثله، وبالسفر عنه أي بإنشاء السفر منه، كما يبطل بالوطن الأصلي.
ولا يبطل وطن الإقامة بإنشاء السفر من غيره، ما دام المسافر يمرّ عليه، وما دامت المسافة بينه وبين المكان الذي أنشأ السفر منه دون مسافة القصر».
فما ذكره الزحيلي قريب جداً مما قرَّرناه سابقاً في الإجمال، وإن كانت بعض التفريعات تخالف ما مرّ تحقيقيه كاعتباره أن مركز الوظيفة وطن أصلي وإن لم يكن فيه الزوجة، ولكن يمكن قبول هذا وتفريعه على غير رواية ظاهرة الرواية، وقد مشى عليه جمع من العلماء، فيمكن الاعتماد عليها والأخذ بها.
أمثلة ببعض الأحكام المتعلقة بالوطن الأصلي والإقامة والسفر:
بعد تحقيق ضابط هذه الأوطان فيجدر بنا ذكر أبرز حكمين متعلقين بهذا البحث، وهما إفطار الصائم وقصر الصلاة وبعض أحكامها، وطالما أن هذه الدراسة مبنية على مذهب السادة الحنفية فسأبين حكم كل منهما عندهم وأدلتهم لذلك على التفصيل الآتي:
أولاً: الرخصة في الإفطار لصيام رمضان، فيجوز أن يفطر أو يصوم، ولكن الصيام أفضل، إلا أن تكون عامة رفقته مفطرين، ولا
مشتركين في النفقة، فإن كانوا مشتركين أو مفطرين ولو أكثرهم، فالأفضل فطره موافقة للجماعة (¬1)، ودليل هذه الرخصة:
1.قوله - جل جلاله -: {أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}.
2.عن حمزة بن عمرو - رضي الله عنه - قال: (قلت: يا رسول الله إنّي صاحب ظهر أعالجه أسافر عليه وأكريه، وأنه ربما صادفني هذا الشهر يعني شهر رمضان، وأنا أجد القوة وأنا شاب، وأجدني أن أصوم يا رسول الله أهون علي من أن أؤخره فيكون ديناً، أفأصوم يا رسول الله أعظم لأجري أو أفطر؟ قال أي ذلك شئت يا حمزة) (¬2).
3.عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، قال: (كنا نغزو مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، يرون أن مَن وجد قوة فصام، فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفاً فأفطر فإن ذلك حسن) (¬3).
¬
(¬1) ينظر: الهدية العلائية ص172.
(¬2) في المستدرك 1: 598، وصححه، وسنن البيهقي الكبير 4: 241، وسنن أبي داود 2: 316، والمعجم الأوسط 2: 13.
(¬3) في صحيح مسلم 2: 787، ومسند أحمد 3: 12، ومسند أبي يعلى 2: 519.
4.عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (من أفطر فرخصة، ومن صام فالصوم أفضل) (¬1).
ثانياً: قصر الصلاة، وفيه الأحكام التالية:
الأول: يجب قصر الصلاة الرباعية للمسافر عند الحنفية حتى لو أتمها أربعاً بدون أن يقعد القعدة على رأس الركعتين فإن الصلاة باطلة؛ لأن القعدة الأخيرة فرض، فإذا لم يقعد على الركعتين فإنه لم يأتِ بالركن الأخير من صلاة المسافر التي هي ركعتان فقط، وعدم الإتيان بركن من أركان الصلاة يفسدها.
وأما إذا جلس على رأس الركعتين ولم يسلم وأكملها أربعاً فإن الصلاة صحيحة ناقصة أي مع الكراهة التحريمية؛ لأنه لم يأتِ بواجب من واجبات الصلاة وهو السلام بعد الركعتين، ولكن السلام واجب وليس بفرض فصحت الصلاة.
فقصر الصلاة وإن سمي رخصة لكن الرَّخصةَ على قسمين:
1.رخصة حقيقية، فالعبدُ مخيَّرٌ بين ارتكاب الرخصة والعمل بالعزيمة فيثاب، مثل: الفطر، وإجراء كلمة الكفر بالإكراه.
¬
(¬1) في مصنف ابن أبي شيبة 2: 280، وقال الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة 6: 291: إسناده صحيح.
2.رخصة مجازية، وتُسمَّى رخصة ترفيه، فلا تخيير للعبد فيها؛ لتعيّن الفعل بالرخصة وسقوط العزيمة، مثل: الإكراه على شرب الخمر، وقصر الصّلاة في السّفر، فلا يتضمَّن إكمال الصّلاة ثواباً؛ لأنّ الثوابَ في فعل العبد ما عليه.
وعليه فالصّلاة في السّفر ليست إلاّ ركعتين من الرّباعية، فإذا صلاّهما لم يبق عليه شيء، فلا ثواب له في الإكمال أربعاً؛ لمخالفته المفروض عليه عيناً، وإساءتِهِ بتأخير السّلام، وظنِّه فرضية الزّائدتين.
ولا ثواب له بالصّبر على القتل وعدم شربه الخمر بالإكراه، بل يأثم بصبره، فهذه الرخصة في السفر والخمر رخصة مجاز؛ لأنّ الرّخصةَ الحقيقية يثبت معها الخيار للعبد بين الإقدام على الرّخصة وبين الإتيان بالعزيمة: كالمسح على الخفّ، والفطر في رمضان، وسقوط وجوب الجمعة، والعيدين، والأضحية.
ولا تخيير له بين شرب الخمر مكرهاً وصبره على قتله، ولا بين إكمال الصّلاة الرّباعية وقصره بالسّفر (¬1).
¬
(¬1) ينظر: مراقي الفلاح2: 6.
ومن الأدلة أن فرض الصلاة ركعتين:
1.عن عائشة رضي الله عنها: (فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر) (¬1).
2.عن عائشة رضي الله عنها: (أوّل ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلمّا قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، صلّى إلى كلّ صلاة مثلها غير المغرب، فإنها وتر النهار، وصلاة الصبح لطول قراءتها، وكان إذا سافر عاد إلى صلاته الأولى) (¬2).
3.عن ابن عمر - رضي الله عنهم -: (إنّي صحبتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله - جل جلاله -، وصحبت أبا بكر - رضي الله عنه - فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله - جل جلاله -، وصحبت عمر - رضي الله عنه - فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله - جل جلاله -، ثم صحبت عثمان - رضي الله عنه - فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله - جل جلاله -، وقد قال الله - جل جلاله -: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}) (¬3) [الأحزاب: 21].
¬
(¬1) في صحيح مسلم1: 478، والموطأ1: 146.
(¬2) في مشكل الآثار9: 272، والسنن الصغرى1: 217، ومسند أحمد6: 242، وضعَّفه الأرنؤوط.
(¬3) في صحيح مسلم 1: 479.
4.عن أبي الكنود - رضي الله عنه - قال: «سألت ابن عمر - رضي الله عنهم - عن صلاة السفر؟ فقال: ركعتان نزلتا من السماء، فإن شئتم فردّوهما» (¬1).
5.عن مورق - رضي الله عنه - قال: «سألت ابن عمر - رضي الله عنهم - عن الصلاة في السفر؟ فقال: ركعتين ركعتين من خالف السنة كفر» (¬2).
الثاني: عدم جواز الجمع بين الصلوات في السفر، فمما يتعلّق بصلاة المسافر عند الحنفية أنهم لا يقولون بجواز الجمع بين الصلوات لا في الحضر ولا في السفر إلا في عرفة ومزدلفة، فما سبق تنقيحه من تحديد السفر والإقامة لا يترتب عليه جواز الجمع عندهم مطلقاً، ومع ذلك فإن أدلتهم ظاهرة فيما ذهبوا في عدم جواز الجمع، وأحبّ أن أعرض بعضها تتميماً للفائدة هذا البحث لتعلُّقه بصلاة المسافر، فمما احتجوا به بالنصوص القطعية من القرآن والحديث الواردة بتعيين الأوقات فلا يجوز تركها إلا بدليل مثلها، ومنها:
1.قال - جل جلاله -: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78].
¬
(¬1) قال الهيثمي في مجمع الزوائد 2: 154: رواه الطبراني في الصغير ورجاله موثقون.
(¬2) في سنن البيهقي الكبير 3: 140، ومصنف عبد الرزاق 2: 519، وشرح معاني الآثار 1: 427، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 2: 154: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح.
2.قال - عز وجل -: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} [النساء: 103].
3.قال - جل جلاله -: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} [البقرة: 238].
4.عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (صلِّ الصلاة لوقتها) في صحيح مسلم 1: 448.
5.عن ابن مسعود - رضي الله عنهم - قال: (ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة إلا لميقاتها إلا صلاتين صلاة المغرب والعشاء بجمع وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها) (¬1).
6.عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر يؤخر الظهر ويقدم العصر ويؤخر المغرب ويقدم العشاء) (¬2).
7.عن أبي قتادة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على مَن لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى) (¬3).
8.عن نافع وعبد الله بن واقد إن مؤذن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال: (الصلاة. قال: سر سر حتى إذا كان قبل غيوب الشفق نزل فصلى
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 938، وصحيح البخاري 2: 604.
(¬2) في شرح معاني الآثار 1: 164، ومسند أحمد 6: 135، وإسناده حسن. كما في إعلاء السنن 2: 85، وغيرها
(¬3) في صحيح مسلم 1: 473، وصحيح ابن خزيمة 2: 95، وغيرها.
المغرب، ثم انتظر حتى غاب الشفق وصلى العشاء، ثم قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا عجل به أمر صنع مثل الذي صنعت) (¬1).
9.عن علي - رضي الله عنهم -: (إنه كان إذا سافر سار بعدما تغرب الشمس حتى تكاد أن تظلم، ثم ينزل فيصلّي المغرب، ثم يدعو بعشائه فيتعشى، ثم يصلّي العشاء، ثم يرتحل ويقول هكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع) (¬2).
10.عن نافع - رضي الله عنه - قال: (خرجت مع عبد الله بن عمر في سفر ... وغابت الشمس ... فلما أبطأ قلت: الصلاة يرحمك الله، فالتفت إلي ومضى حتى إذا كان في آخر الشفق نزل فصلى المغرب، ثم أقام العشاء وقد توارى الشفق فصلى بنا، ثم أقبل علينا فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا عجل به السير صنع هكذا) (¬3)، قال عبد الحق: وهذا نصّ على أنه صلَّى كل واحدة منهما في وقتها (¬4).
¬
(¬1) في سنن أبي داود 2: 6، وسنن البيهقي الكبير 1: 114، وسنن الدارقطني 1: 393، وغيرها، وإسناده صحيح، كما في إعلاء السنن 2: 85، وغيرها.
(¬2) في سنن أبي داود 2: 10، والأحاديث المختارة 2: 312، وإسناده صحيح، كما في إعلاء السنن 2: 86.
(¬3) في سنن النسائي 1: 490، والمجتبى 1: 287، وإسناده صحيح كما في إعلاء السنن 2: 88، والتبيين 1: 88.
(¬4) ينظر: تبيين الحقائق 1: 88.
قال الزيلعي (¬1): «ويحمل تصريح الراوي بخروج وقت الأولى على أنه تجوز لقربه منه كقوله - جل جلاله -: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ} [الطلاق: 3]: أي قاربن بلوغ الأجل؛ إذ لا يقدر على الإمساك بعد بلوغ الأجل، أو يحمل على أن الراوي ظن ذلك، أو ظنّ الراوي أنهما وقعا في وقت واحد، والدليل على صحة هذا التأويل ما سبق ذكره عن ابن عمر وعلي ومثله عن جابر وأبي عثمان وغيرهم - رضي الله عنهم -».
وأما حديث ابن عباس - رضي الله عنهم -: «صلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر والعصر جميعاً بالمدينة بلا خوف ولا سفر، قال أبو الزبير: فسألت سعيداً لم فعل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس - رضي الله عنهم - كما سألتني فقال: أراد أن لا يحرج أحداً من أمته» (¬2).
ففي هذا الحديث إباحة الجمع مطلقاً بلا عذر، وهذا مخالف لما تواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من صلاة كلّ فرض في وقته، وقد أجمعت الأمة على عدم جواز الجمع بين الصلوات بلا عذر، قال ابن قدامة الحنبلي (¬3): «قد أجمعنا على أن الجمع لا يجوز لغير عذر».
¬
(¬1) في تبيين الحقائق1: 89.
(¬2) في صحيح مسلم 1: 490.
(¬3) في المغني 2: 59.
وذكر الترمذي اتفاق العلماء على عدم العمل به فقال (¬1): «جميعُ ما في هذا الكتاب من الحديث معمول به، وقد أخذ به بعضُ أهل العلم ما خلا حديثين: حديث ابن عبّاس - رضي الله عنهم - إن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر بالمدينة .... »، فهذا الحديث محمول على الجمع الصوري، وهو أن الجمع بينهما فعلاً بأن يصلّي كلّ واحدة منهما في وقتها، فيصلي الأولى في آخر وقتها، والثانية في أول وقتها، فإنه جمع في حق الفعل، وإن لم يكن جمعاً في الوقت، وهذا أفضل ما يحمل عليه جمعاً بينه وبين النصوص القطعية في أداء الصلاة في وقتها.
وأما حديث أبي الطفيل عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه -: «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعاً، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس عَجَّلَ العصر إلى الظهر، وصَلَّى الظهر والعصر جميعاً، ثم سار وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عَجَّل العشاء فصلاّها مع المغرب» (¬2)، قال أبو داود: وليس في تقديم الوقت حديث قائم. وقال الحاكم: حديث أبي الطُّفيل موضوع؛ ولذا لم يذكر
¬
(¬1) في علله 1: 323.
(¬2) في سنن الترمذي 2: 438، وسنن أبي داود 1: 389، وغيرها.
الطَّحَاوي هذه الرواية عن أبي الطُّفيل (¬1).
الثالث: يجب القصر بمفارقة بيوت المدنية حتى يرجع إليها (¬2)، وحجة ذلك:
1.عن ابن عمر - رضي الله عنهم -: (أنه كان يقصر الصّلاة حين يخرج من شعب المدينة، ويقصر إذا رجع حتى يدخلها) (¬3).
2.عن عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -: (أنه خرج فقصر وهو يرى البيوت فلما رجع قيل له: هذه الكوفة، قال: لا حتى ندخلها) (¬4).
3.عن أنس - رضي الله عنه - قال: (صليت الظهر مع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة أربعاً، والعصر بذي الحليفة ركعتين) (¬5).
4.عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: (سافرت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومع أبي بكر وعمر كلّهم صلّى من حين يخرج من المدينة إلى أن يرجع إليها ركعتين في المسير والمقام بمكّة) (¬6).
¬
(¬1) ينظر: فتح باب العناية 1: 192، واللباب في الجمع بين السنة والكتاب 1: 297.
(¬2) ينظر: التبيين1: 209.
(¬3) في إعلاء السنن 7: 296: رواه عبد الرزاق، وإسناده لا بأس به، كما في تحفة الأحوذي 3: 88.
(¬4) في صحيح البخاري معلّقاً1: 369.
(¬5) في صحيح البخاري 1: 369.
(¬6) في مسند إسحاق بن راهويه 1: 77، ومسند أبي يعلى 10: 5862، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 2: 156: رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط ورجال أبي يعلى رجال الصحيح، وقال ابنُ حجر في فتح الباري 2: 571: إسناده جيد.
5.عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي - رضي الله عنه -: «إن علياً لَمّا خرج إلى البصرة رأى خصّاً فقال: لولا هذا الخُصّ لصلّينا ركعتين، فقلت: ما خصّاً؟ قال: بيت من قصب» (¬1).
الرابع: يجب قصر الصلاة إن نوى أقلّ من نصف شهر، أو لم ينو شيئاً وبقي على ذلك سنين، وهو ينوي الخروج في غد أو بعد جمعة (¬2)، ودليل ذلك:
1.عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -: (أقام رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة) (¬3).
2.عن ابن عمر - رضي الله عنهم -: «أنه أقام بأذربيجان ستّة أشهر يقصر الصلاة وكان قال: إذا أزمعت إقامة أتمّ» (¬4).
3.عن إبراهيم عن علقمة - رضي الله عنه -: «أنه أقام بخوارزم سنتين فصلّى ركعتين» (¬5).
¬
(¬1) في مصنف عبد الرزاق 2: 529، ورواته ثقات، كما في إعلاء السنن 7: 296.
(¬2) ينظر: مراقي الفلاح 2: 14.
(¬3) في سنن أبي داود 1: 393، ومسند أحمد 3: 295، وصححه الأرنؤوط، وصحيح ابن حبان 6: 456.
(¬4) في مصنف عبد الرزاق 2: 533.
(¬5) في مصنف عبد الرزاق2: 536، ومصنف ابن أبي شيبة2: 208.
4.عن الحسن - رضي الله عنه -: «كنا مع الحسن بن سمرة - رضي الله عنه - ببعض بلاد فارس سنتين فكان لا يجمع ولا يزيد على ركعتين، وروي أن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أقام بالشام شهرين مع عبد الملك بن مروان يُصلّي ركعتين» (¬1).
الخامس: يجب على المسافر القصر إن لم نوى الإقامة ببلدتين لم يُعيِّن المبيتَ بإحداهما، وكلُّ واحدة أصلٌ بنفسها، مثال ذلك: إذا نوى المسافر أن يقيم بمكة وبمنى خمسة عشر يوماً لم يتم الصلاة؛ لأنه لم ينو الإقامة في كلّ واحد منهما خمسة عشر يوماً (¬2)؛ لأن اعتبار النية في موضعين يقتضي اعتبارها في مواضع، واعتبار النية في مواضع ممتنع.
والحاصل أنه لا يعتبر نية الإقامة خمسة عشر في موضعين لا يجمعها مصر واحد أو قرية واحدة؛ لأنه حينئذ يلزم اعتبارها في ثلاثة أمصار أو أربعة أمصار إلى خمسة عشر فيؤدي إلى أن يكون الشخص مقيماً بنفس النزول دون حاجة إلى نية الإقامة، وذلك فاسد؛ لأن نية الإقامة ما يكون في موضع واحد، والإقامة ضد السفر، ولو جوزنا نية الإقامة في موضعين جوّزنا فيما زاد على ذلك، فيؤدي إلى القول بأن السفر لا يتحقّق؛ لأنك جمعت إقامة المسافر في المراحل (¬3).
¬
(¬1) في التعليق الممجد1: 298: وفي الباب آثار أُخر ذكرها الزيلعي نصب الراية.
(¬2) ينظر: الفقه النافع1: 273.
(¬3) ينظر: الهداية2: 775، والبناية2: 774 - 774.
السادس: يجب على المسافر إذا اقتدى بمقيم أن يُصلِّي أربعاً ولو في التشهّد الأخير في الوقت صحّ اقتداؤه، وأتمَّها أربعاً تبعاً لإمامه (¬1)؛ لأنه لما صحّ اقتداؤه به وصار تبعاً له صار حكمه حكم المقيمين، وإنّما يتأكّد وجوب الركعتين بخروج الوقت في حقّ المسافر، وهذا قد صار مقيماً، وصلاة المقيم لا تصير ركعتين بخروج الوقت، كما إذا صار مقيماً بصريح نية الإقامة (¬2).
السابع: يجب على المقيم إن اقتدى بمسافر أن يتمّ صلاته في الوقت وفيما بعد خروجه (¬3)، وحجة ذلك:
1.عن عمران بن حصين - رضي الله عنه - قال: (غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشهدت معه الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، ويقول: يا أهل البلد صلوا أربعاً فإنا قوم سفر) (¬4).
2.عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: «كان إذا قدم مكة صلّى بهم ركعتين، ثم يقول: يا أهل مكة أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر» (¬5).
¬
(¬1) ينظر: مراقي الفلاح2: 15.
(¬2) ينظر: البدائع1: 102.
(¬3) ينظر: مراقي الفلاح2: 15.
(¬4) في سنن أبي داود 2: 9، وصحيح ابن خزيمة 3: 70.
(¬5) في الموطأ 1: 149.
المراجع:
1. الاختيار لتعليل المختار لعبد الله بن محمود الموصلي الحنفي (ت683هـ). ت: زهير عثمان. دار الأرقم. بدون تاريخ طبع.
2. إعلاء السنن لظفر أحمد العثماني التهانوي (ت1394هـ). ت: حازم القاضي. دار الكتب العلمية. ط1. 1997م.
3. البحر الرائق شرح كَنْز الدقائق لإبراهيم بن محمد ابن نجيم (ت970هـ). دار المعرفة. بيروت. بدون تاريخ طبع.
4. البحر الرائق شرح كَنْز الدقائق لإبراهيم بن محمد ابن نجيم (ت970هـ). دار المعرفة. بيروت. بدون تاريخ طبع.
5. البحر العميق في مناسك المعتمر والحاج لمحمد بن أحمد الصاغاني (ت845هـ)، ت: د. عبد الله نذير، مؤسسة الريان، المكتبة المكية،2006م، ط1.
6. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع لأبي بكر بن مسعود الكاساني (ت587هـ). دار الكتاب العربي. بيروت. ط.2. 1402هـ. وأيضاً طبعة دار الكتب العلمية.
7. البناية في شرح الهداية لبدر الدين محمود بن أحمد العَيْنِي (ت855هـ). دار الفكر. ط1. 1980مـ.
8. تبيين الحقائق شرح كَنْز الدقائق لعثمان بن علي الزيلعي. فخر الدين. المطبعة الأميرية بمصر. ط.1. 1313هـ.
9. جامع الرموز في شرح النقاية لشمس الدين محمد القهستاني (ت نحو: 950هـ).المطبعة المعصومية. استانبول. 1291هـ.
10. الجوهرة النيرة شرح مختصر القدوري لأبي بكر بن علي بن محمد الحَدَّادِيّ (ت800هـ). المطبعة الخيرية. ط1. 1322هـ.
11. حاشية الدرر على الغرر لمحمد بن مصطفى الخادمي. مطبعة عثمانية. در سعادت. 1310هـ.
12. حاشية الشلبي على تبيين الحقائق لأحمد الشلبي الحنفي. المطبعة الأميرية بمصر، ط.1. 1313هـ. مطبوع بهامش تبيين الحقائق.
13. حاشية الطَّحْطَاوي على مراقي الفلاح لأحمد بن محمد الطَّحْطَاوِيّ الحنفي (ت1231هـ). ت: محمد عبد العزيز الخالدي. دار الكتب العلمية. ط1. 1418هـ.
14. حلبي صغير لإبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحَلَبي (ت956هـ). مطبوع في اسطتنبول. 1303هـ.
15. خلاصة الفتاوى لافتخار الدين طاهر بن أحمد البخاري (ت542هـ)، مكتبة رشيدية، 1990م، هندية.
16. الدر المختار شرح تنوير الأبصار لمحمد بن علي بن محمد الحصكفي الحنفي (ت1088هـ). مطبوع في حاشية رَدّ المُحْتَار. دار إحياء التراث العربي. بيروت. وأيضاً: طبعة دار الكتب العلمية.
17. درر الحكام شرح غرر الأحكام لمحمد بن فرامُوز، ملا خسرو (ت885هـ). در سعادت. 1308هـ.
18. ردّ المحتار على الدر المختار لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين (ت1252هـ). دار إحياء التراث العربي. بيروت.
19. سنن أبي داود لسليمان بن أشعث السجستاني (ت275هـ).ت: محمد محيي الدين عبد الحميد. دار الفكر. بيروت.
20. سنن البَيْهَقِي الكبير لأحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِي (ت458هـ). ت: محمد عبد القادر عطا. 1414هـ. مكتبة دار الباز. مكة المكرمة.
21. شرح الزيادات لقاضي خان حسن بن منصور الأوزجندي (ت592هـ). من مخطوطات مكتبة الأوقاف العامة ببغداد. برقم (4050).
22. شرح النقاية لعبد الله بن محمَّد. أبو المكارم (ت: بعد:907هـ). من مخطوطات مكتبة وزارة الأوقاف العراقية برقم (3548).
23. شرح الوقاية لصدر الشريعة عبيد الله بن مسعود (ت747هـ) ت: د. صلاح محمد أبو الحاج. رسالة دكتوراه مقدمة إلى كلية العلوم الإسلامية. جامعة بغداد. 2002م.
24. صحيح ابن خزيمة لمحمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي (ت311هـ).ت: د. محمد مصطفى الأعظمي. 1390هـ. المكتب الإسلامي. بيروت.
25. الضياء المعنوي شرح مقدمة الغزنوي لمحمد بن أحمد الصاغاني (ت845هـ)، من مخطوطات الأوقاف العراقية.
26. عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية لعبد الحي اللكنوي (ت1304هـ). المطبع المجتبائي. دهلي. 1340هـ.
27. العناية على الهداية لأكمل الدين محمد بن محمد الرومي البَابَرْتي (ت786هـ). بهامش فتح القدير للعاجز الفقير. دار إحياء التراث العربي. بيروت.
28. غنية المستملي شرح منية المصلِّي لإبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحَلَبي (ت956هـ). مطبعة سنده. 1295هـ.
29. غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام المشهورة بالشرنبلالية لحسن بن عمار بن علي الشرنبلالي (ت1069هـ). در سعادت. 1308هـ.
30. الفتاوى التاتارخانية لعالم بن علاء الحَنَفيّ الأندريتي (ت786هـ). من مخطوطات وزارة الأوقاف العراقية برقم (4181).
31. الفتاوى الولوالجية لعبد الرشيد الوَلْوَالِجي (ت بعد 540هـ). من مخطوطات مكتبة الأوقاف العراقية برقم (4175).
32. فتح القدير للعاجز الفقير على الهداية لمحمد بن عبد الواحد ابن الهمام (ت861هـ). دار إحياء التراث العربي. بيروت. وأيضاً: طبعة دار الفكر.
33. فتح الله المعين على شرح ملا مسكين لأبي السعود. مطبعة إبراهيم المويلحي. مصر. 1287هـ.
34. فتح باب العناية بشرح النقاية لعلي بن سلطان محمد القاري الهروي (930 - 114هـ)، ت: محمد نزار تيم وهيثم نزار تيم، دار الأرقم، بيروت، ط.1، 1418هـ.
35. الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور: وهبه الزحيلي. دار الفكر. ط4.
36. الفقه الحنفي في ثوبه الجديد لعبد الحميد طهماز. دار القلم، دمشق. والدار الشامية، بيروت.
37. الفقه النافع لمحمد بن يوسف العلوي السمرقندي (ت556هـ)، ت: د. إبراهيم العبود، مكتبة العبيكان، ط1، 2000م.
38. الفقه على المذاهب الأربعة لعبد الرحمن الجزيزي، دار الفجر، القاهرة، ط1، 2000م.
39. الفوائد السمية في شرح الفرائد السنية لمحمد بن حسن الكواكبي (ت1096هـ)، المطبعة الأميرية، بولاق، 1324هـ.
40. كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم لمحمد بن علي التهانوي (ت بعد1158هـ)، ت: د/ علي دحروج، مكتبة لبنان ناشرون، ط1، 1996م.
41. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: لمصطفى بن عبد الله القسطنطيني الحنفي (1017 - 1067). دار الفكر.
42. الكفاية على الهداية لجلال الدين الخوارزمي الكرلاني. دار إحياء التراث العربي. بيروت.
43. لسان العرب لمحمد الأفريقي المصري ابن منظور (ت711هـ). ت: عبد الله الكبير ومحمد حسب الله وهاشم الشاذلي. دار المعارف.
44. المبسوط لمحمد بن أبي سهل السرخسي. المتوفَّى بحدود (500هـ). 1406هـ. دار المعرفة. بيروت.
45. المجتبى شرح القدوري لمختار بن محمود الزَّاهِدِيّ الغَزمِيْني (ت658هـ)، من مخطوطات المكتبة القادرية.
46. مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر لشيخِ زاده الرُّومي عبدِ الرَّحمنِ بنِ محمد (ت 1078هـ). دار الطباعة العامرة. 1316.
47. المحيط البرهاني لمحمد بن أحمد ابن مازه البخاري (ت516)، إدارة القرآن، المجلس العلمي، كراتشي، 2004م.
48. محيط السرخسي لرضي الدين محمد بن محمد السرخسي (ت544هـ)، من مخطوطات دار صدام.
49. مختار الصحاح لمحمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي. (ت666). ت: حمزة فتح الله. مؤسسة الرسالة. 1417هـ.
50. مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح ونجاة الأرواح لحسن بن عمَّار الشرنبلالي (1069هـ). ت: عبد الجليل عطا. دار النعمان للعلوم. بيروت. ط.1. 1411هـ.
51. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح لعلى بن سلطان محمد القاري. المكتب الإسلامي.
52. مسند أحمد بن حنبل لأحمد بن حنبل (ت241هـ). مؤسسة قرطبة. مصر.
53. مشكل الآثار لأحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي (ت321هـ). مجلس دائرة النظامية. الهند. حيدر آباد. ط1. 1333هـ
54. المصنف لعبد الرزاق بن همام الصنعاني (126 - 211هـ). ت: حبيب الرحمن الأعظمي. ط.2. المكتب الإسلامي. بيروت. 1403هـ.
55. المغرب في ترتيب المعرب لناصر بن عبد السيد المُطَرِّزِىّ (616هـ). دار الكتاب العربي.
56. منحة الخالق على البحر الرائق لمحمد بن أمين بن عابدين (ت1252هـ). ط2. دار المعرفة.
57. موطأ مالك لمالك بن أنس الأصبحي (93 - 179هـ). ت: محمد فؤاد عبد الباقي. دار إحياء التراث العربي. مصر.
58. النهر الفائق شرح كنْز الدقائق لعمر بن إبراهيم ابن نجيم الحنفي (ت1005هـ). ت. أحمد عزو عناية. دار الكتب العلمية. بيروت. ط1. 1422هـ.
59. الهداية شرح بداية المبتدي لعلي بن أبي بكر المرغيناني (ت593هـ). مطبعة مصطفى البابي. الطبعة الأخيرة.
60. الهدية العلائية لعلاء الدين. ابن عابدين. ت: محمد سعيد البرهاني. ط5. 1416هـ.
61. الينابيع في معرفة الأصول والفروع شرح القدوري لمحمد بن رمضان. من مخطوطات مكتبة الأوقاف بغداد. برقم (3723).
* * *