الفرق بين ............
. التعصب والتمذهب
جارٍ تحميل الكتاب…
الفرق بين ............
. التعصب والتمذهب
الطبعة الأولى
1441 هـ ـ 2020 م
الفرق بين
التعصب والتمذهب
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
خلاصة البحث:
يعالج البحث مسألة خلط فيها الكثيرون، بحيث لم يميزوا بين التعصب المذموم والتمذهب الممدوح في الدين، وجعلوهم واحداً، فالتصلب في الدين والتمسك بأحكامه والتزام طريق علمائنا وأئمتنا من السلف هو الطريق السليم من خلال الأخذ بالمذاهب الفقهية المعتمدة.
إذ ناقش البحث التعصب لغة واصطلاحاً واستعمالات في كتب الأصوليين والفقهاء، فوجد أن مرجعه إلى الميل العقدي الفاسد واتباع الهوى وعدم قبول الحق والإعراض عن الدليل الجلي لمَن كان أهلاً له.
وهذه الأوصاف بعيدة كل البعد عن أصحاب المذاهب الفقهية السنية، فدعوى التعصّب على المتمذهبين هي ضرب من الخيال ليس في لها الواقع مجال، وإنها صادرة من فئتين:
الأولى: تساهلت في أحكام الدين ولم يلزمها نفسها إلا بمظاهر سطحية من أحكامها، وكلّما أخبرتهم عن حكم معلوم من الدين بالضرورة في بعض الأحايين تركوه وأعرضوا عنه بدعوى أن هذا من التعصّب، وأن الدين يسر، وبعضهم وصل به الأمر إلى أن نزع حجاب محارمه، وتلبس بالربا، وأباح وأباح ....
والثانية: تشددة فيما حقّه اليسر، وتساهلة فيما حقّه التمسك، وسعت سعيها الدؤوب لحمل الناس على رأيها وقولها وإن كان مخالفاً لإجماع الأئمة، ولم يسبق أن قال به أحد من الأئمة.
* * *
Research Summary
Research addresses the question of the confusion many people have, so that did not distinguish between the bad intolerance and good indoctrinated in religion, and make them one. Being strong in religion and adherence to its provisions and the commitment by our scientists advances from the right path is through the introduction of jurisprudential doctrines adopted.
The research discussed and termed the language of intolerance and the uses of the fundamentalists in books and scholars. It found that this is due to the tendency of corrupt nodal and a passion and the right not to accept the evidence and the reluctance to clear those who have been eligible.
These descriptions are far awy from the owners of the Sunni doctrine.Because of this the allegation
of intolerance against Alemtemzhpin is pure fantasy.It is not in fact have a field, and that it emanates from two categories:
First: lenient in terms of religion did not require the same only superficial manifestations of its provisions, and whenever they had known about the rule of necessity in some times. and claiming that this is one of intolerance, and religion is, some of whom arrived up to the fact that disarming the veil of female relatives, and wear riba, and permitted and permitted ....
The second: his ease with his position, and being soft with the right to adhere to, and sought to strive to get people to view and saying, although it`s contrary to the consensus of what scientists. And it has not been said before.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله المصطفى الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على دربه إلى يوم الدين.
وبعد:
خلط كثير من أهل زماننا بين كثير من المفاهيم بسبب تقاعسنا في تعلّم أحكام ديننا والغزو الفكري الذي نواجهه من الداخل والخارج، ومن ذلك أنهم لم يعودوا يفرِّقون بين المسلم الملتزم بدينه السائر على طريقة السلف والخلف من أهل السنة في الأخذ بأحكام الشرع على أحد مذاهبهم الفقهية مثلاً مع احترامه وتقديره وإجلاله لغيره من المذاهب؛ لكونها من أقوال أئمة مجتهدين مقرٍّ لهم بالاجتهاد.
وبين مَن مشى على ما زيَّنته له نفسه من الأحكام دون أن يبلغَ الاجتهاد، أو يتَّبع أحداً من أهله المعتبرين، مُتعلِّقاً بظواهر من النصوص تَرَكَ جملةً منها الكبار لتعارضها مع ما هو أقوى منها من قرآن أو متواتر، ومتحاملاً على كلِّ مَن لم يأخذ بقوله بالتبديع والتضليل والتكفير
وأشباهها، {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (¬1).
وإن من أدهش ما نرى إطلاق التعصّب على صاحب السلوك والسيرة والسنة الحسنة من أهل السُّنة ممَّن تنكَّبَ طريقهم وتزمَّتَ وتَعَصَّبَ لمقولته بتضليل مَن يخالفه ورميه بالتعصّب، حتى لو سُئِلَ عن معنى التعصُّب لتلعثم وأتى بأجوبة عجيبة غريبة، لا يقبلها منطق ولا علم، فإن ذُكِّرَ بأن التعصّبَ هو نقلُ الظنيِّ إلى قطعيّ، بعدم قَبول الخلاف في المسائل الفرعية، وإجبار الآخرين على رأيه، وهذا لا يقول به أصحاب المذاهب الفقهية الذين ترميهم بالتعصب، وإنما هو قولك وقول أمثالك ممَّن لا يرون إلا أنفسهم ويريدون حمل غيرهم على قولهم.
وإيضاحاً لهذا يتوجَّب علينا أن نفرِّق بين التمذهب الممدوح الذي هو سبيل الأئمة والعلماء، وبين التعصُّب المذموم الذي هو سبيل أهل البدع والأهواء؛ لنخرج من هذه الورطة الظلماء بالنور الرباني والطريق الرحماني: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} (¬2)، فأقول وبالله التوفيق:
¬
(¬1) الملك:22.
(¬2) الأنعام: 122.
أما التمذهبُ فقد انتهيت من تحقيق مباحثه وتنقيح مسائله، وردّ شبهات الطاعنين فيه في كتاب «المدخل إلى الفقه الإسلامي»، وأضيف هنا: أنه الطريق الحقّ الذي أرشدنا إليه ربُّنا - جل جلاله - في قوله: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (¬1).
وبه تشهد سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تعليمه وإقراره لأهل الاجتهاد في مسائل لا تعدّ ولا تحصى في المدينة وخارجها، نقتصر منها على طلبه من سيدنا معاذ - رضي الله عنه - الاجتهاد حين بعثه لليمن، إذ قال له - صلى الله عليه وسلم -: «بمَ تقضي يا معاذ؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنَّة رسوله، قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهدُ فيه برأيي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الحمدُ لله الذي وفَّق رسولَ رسولِه بما يرضى به رسوله» (¬2)، والاجتهاد يلحقه تقليد واتباع وتمذهب بقول المجتهد كما هو معلوم.
وعليه سار الصحابة - رضي الله عنه - بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ انتقلوا إلى الأمصار، وصار كلٌّ منهم متبع ومقلّد في مصره، قال العلامة الدِّهلوي (¬3): «انقضى عصره الكريم - صلى الله عليه وسلم - ... ، ثم إنهم تفرَّقوا في البلاد وصار كلُّ واحد منهم مقتدىً في ناحية من النواحي. فكثرت الوقائع ودارت المسائل، فاستفتوا
¬
(¬1) النحل: 43.
(¬2) في سنن أبي داود (3: 3103)، و سنن الترمذي (3: 616).
(¬3) في الإنصاف (ص 23).
فيها فأجاب كلُّ واحد حسب ما حفظه أو استنبطه ... ».
وبذلك تكوَّنت نواة المذاهب الفقهية من كبار الصحابة - رضي الله عنهم - ففي المدينة: زيد بن ثابت وابن عمر وعائشة - رضي الله عنهم -، وفي الشام: أبو الدرداء وعبادة بن الصامت - رضي الله عنهم -، وفي مكة: ابن عباس وابن الزبير - رضي الله عنهم -، وفي الكوفة: علي وابن مسعود - رضي الله عنهم -؛ إذ يسرَّ الله - جل جلاله - لهم تلاميذ حفظوا مسائلهم وضبطوها ونقلوها لمَن بعدهم على تفاوت بينهم، قال ابنُ جرير: «لم يكن أحدٌ له أصحاب معروفون، حرَّروا فتياه ومذاهبه في الفقه غير ابن مسعود - رضي الله عنه -» (¬1).
وبرزَ في أشهر الأمصار أئمة مجتهدون حرَّروا وضبطوا وقعَّدوا لما توارثوه عن الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - في تلك الأمصار، فنسبت مذاهب أولئك الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - لهم، وعُرفت بهم؛ لا لكونهم ابتدعوها، ولكن لإظهارهم ونقلهم وتدليلهم وتفريعهم عليها.
قال الدكتور مصطفى الخن (¬2): «ولكن المشكلة: الظنّ بأن أئمة المذاهب هم واضعوها!! والواقع أن أبا حنيفة - رضي الله عنه - متبع لإمامه ابن مسعود، ومالك لإماميه ابن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم -، والشافعي لهؤلاء .. والصحابة - رضي الله عنهم - هم الذي اصطفاهم الله - جل جلاله - لتبليغ الرسالة وحمل الأمانة
¬
(¬1) ينظر: مقدمة نصب الراية (1: 305).
(¬2) في تقديمه لكتاب التمذهب (ص 7).
التي بلغها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... وما فعله الأئمة إنما هو تحرير لقواعدهم ولأصولهم الاجتهادية، والتي تخيروها وفق ما فهموه من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة واجتهاداتهم ... ».
وعلى التمذهب بمذاهب الأئمة الأربعة مشت الأمّة طوال قرونها دون إنكار منكر معتد به، فلا تجد مفسّراً ولا محدِّثاً ولا أصولياً ولا فقيهاً إلا وهو متمذهبٌ بأحدها، وآخذ بناصيتها كالطحاوي والزَّيْلَعيّ والعَيْنيّ وابن عبد البر والقاضي عياض والبَيْهَقي والخطيب البَغْدادي وابن عساكر وابن الصلاح والنَّوَويّ والعراقيّ وابن جماعة وابن حَجَر والسَّخاوي والسُّيوطي والجصاص والنسفي وابن العربي والبَغوي وابن كثير والبَيْضاوي والزَّركشي وابن الجَوزي وابن الهُمام والسَّرَخْسي والبَزْدَويّ وابن الحاجب وإمام الحرمين والغَزالي والشِّيرازي والسُّبكي وابن قدامة وغير من أعلام الإسلام وأئمته على مدار التاريخ.
قال اليافعي (¬1): «الناظر في التاريخ الإسلامي يجد أن الأئمة والمصلحين والقادة على مرّ الزمان من بعد استقرار المذاهب الأربعة كلّهم متمذهبون فدونك كتب التاريخ والتراجم والسير تَعْرِف ذلك، ودونك كتب الطبقات تجد فيها تلك المسالك ... ».
¬
(¬1) في التمذهب (ص 101).
فالمنكر للتمذهب منكرٌ لما عليه أئمة الدين قاطبة، ومخالفٌ لما انعقد عليه إجماعهم، ففي «الفروع» (¬1): «وفي الإفصاح: أن الإجماع انعقد على تقليد كلّ من المذاهب الأربعة, وأن الحقّ لا يخرج عنهم».
وقال العلامة الدِّهلوي (¬2): «هذه المذاهبُ الأربعةُ المدوَّنةُ المحرَّرةُ قد اجتمعت الأمة أو مَن يعتد بها منها على جواز تقليدها إلى يومنا هذا، وفي ذلك من المصالح ما لا يخفى لا سيما في هذه الأيام التي قصرت فيها الهمم جداً، وأشربت النفوس الهوى، وأعجب كل ذي رأي برأيه».
وقال الفقيه الحطاب (¬3): «التقليد: هو الأخذ بقول الغير من غير معرفة دليله، والذي عليه الجمهور أنه يجب على مَن ليس فيه أهلية الاجتهاد أن يقلِّدَ أحدَ الأئمة المجتهدين سواء كان عالماً أو ليس بعالم».
وقال الفقيه عليش (¬4): «وقد أجمع أهل السنة على وجوب التقليد على مَن ليس فيه أهلية الاجتهاد».
وقال الإمام ابنُ قدامة في «الروضة»: وأما التقليد في الفروع فهو جائز إجماعاً، فكانت الحجّةُ فيه الإجماع (¬5).
¬
(¬1) (6: 421).
(¬2) في الإنصاف (ص 97).
(¬3) في مواهب الجليل (1: 30).
(¬4) في فتح العلي المالك (1: 90).
(¬5) ينظر: شرح الكوكب المنير (ص 621).
وهذا الإجماع من الأمّة على التمذهب راجع لأسباب عديدة مرَّ ذكر بعضها سابقاً؛ إذ أن هذه المذاهب قد اكتملت على أتم صورة بجهود متوالية من أئمة وعلماء في كلِّ مذهب، فلا يوجد سبب وجيه يدعو لنبذها والدعوة للتمسك بغيرها.
قال العلامة الكوثري - رضي الله عنه - (¬1): «مذاهب تكون بهذا التأسيس، وهذا التدعيم إذا لقيت في آخر الزمن، متزعِّماً في الشَّرع، يدعو إلى نبذ التَّمذهب بها باجتهاد جديد يقيمه مقامها، محاولاً تدعيم إمامته باللامذهبية بدون أصل يبني عليه غير شهوة الظهور، فتبقى المذاهب وتابعوها في حيرة، بماذا يحلُّ أن يلقب مَن عنده مثل هذه الهواجس والوساوس، أهو مجنون مكشوف الأمر، غَلِطَ مَن لم يقده إلى مستشفى المجاذيب، أم مُذبذب بين الفريقين يختلف أهل العقول في عدّه من عقلاء المجانين، أو مجانين العقلاء».
فتسمكاً بدين الله - جل جلاله - وخوفاً منه - عز وجل - أَغْلَقَ العلماءُ باب التلاعب في الدين بالاجتهاد المطلق لعسرته وإن لم يكن لاستحالته للمتأخرين, فلم يقبلوا من أحد بعد الأئمة الأربعة هذا النوع من الاجتهاد، وها هو جلال الدين السُّيوطي مع علو منزلته عندما ادّعى الاجتهاد أنكروا عليه أشدّ الإنكار.
¬
(¬1) في مقالاته (ص 222).
قال الفقيه ابن حَجَر الهيتمي - رضي الله عنه -: «لَمَّا ادَّعى الجلالُ ذلك قامَ عليه معاصروه ورموه عن قوس واحد، وكتبوا له سؤالاً فيه مسائل أطلق الأصحاب فيها وجهين وطلبوا منه إن كان عنده أدنى مراتب الاجتهاد، وهو اجتهاد الفتوى، فليتكلَّم على الراجح من تلك الأوجه بدليل على قواعد المجتهدين فردَّ السؤال من غير كتابة عليه، واعتذر بأن له اشتغالاً يمنعه في النظر في ذلك.
وقال الشهاب الرملي - رضي الله عنه -: فتأمَّل صعوبةَ هذه المرتبة أعني اجتهاد الفتوى الذي هو أدنى مراتب الاجتهاد يظهر لك أن مدَّعيها فضلاً عن مدّعي الاجتهاد المطلق في حيرة من أمره وفساد فكره، وأنه ممَّن ركب متن عمياء، وخبط خبط عشواء ...
ومَن تصوَّرَ مرتبة الاجتهاد المطلق استحيا من الله - جل جلاله - أن ينسبَها لأحد من أهل هذه الأزمنة ... بل نقل ابن الصلاح - رضي الله عنه - عن بعض الأصوليين أنه لم يوجد بعد عصر الشافعي - رضي الله عنه - مجتهد مستقل ...
فإذا لم يتأهل هؤلاء الأكابر ـ أي كإمام الحرمين والغزالي ـ لمرتبة الاجتهاد المذهبي، فكيف يسوغ لمَن لم يفهم أكثر عباراتهم على وجهها أن يدَّعى ما هو أعلى من ذلك وهو الاجتهاد المطلق؟ سبحانك هذا بهتان عظيم ...
وقال الشمس الرملي - رضي الله عنه - عن والده شيخ الإسلام أبي العباس الرملي - رضي الله عنه - أنه وقف على ثمانية عشر سؤالاً فقهية سئل عنها الجلال من مسائل الخلاف المنقولة، فأجاب عن نحو شطرها من كلام قوم من المتأخرين كالزركشي واعتذر عن الباقي بأن الترجيحَ لا يقدم عليه إلا جاهل أو فاسق ... » (¬1).
فتأمّل نظرت هؤلاء الأئمة لمَن يرجِّح في داخل المذهب وهو ليس أهلاً لذلك، فإنه إما أن يكون جاهلاً أو فاسقاً، فما بالك بمَن ليس من أهل النظر ويرجّح بين المذاهب الأربعة وغيرها كيفما بدا لرغباتها ونزوالته وميولاته، فما هو حاله، وقد ذكر شيخنا العلامة عبد الكريم المدرس أنه الترجيح بين المذاهب الأربعة فسق، نسأل الله العفو والعافية.
قال حجّة الإسلام الغَزالي (¬2): «فأمّا مَن ليس له رتبة الاجتهاد، وهو حكم كلّ أهل العصر فإنما يفتي فيما يسأل عنه ناقلاً عن مذهب صاحبه فلو ظهر له ضعف مذهبه لم يجز له أن يتركه».
وقال الحافظ الذهبي (¬3): «ولم يبق اليوم إلا هذه المذاهب الأربعة، وقلَّ مَن ينهضَ بمعرفتها كما ينبغي، فضلاً عن أن يكون مجتهداً».
¬
(¬1) ينظر: فيض القدير (1: 15 - 16).
(¬2) في الإحياء (1: 46).
(¬3) في سير أعلام النبلاء (8: 92).
وقال المؤرّخُ ابنُ خلدون (¬1): «ووقف التقليد في الأمصار عند هؤلاء الأربعة، ودُرِسَ المقلِّدون لمَن سواهم، وسَدَّ الناسُ باب الخلاف وطرقه لَمّا كثر تشعب الاصطلاحات في العلوم، ولما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد، ولما خشي من إسناد ذلك إلى غير أهله، ومَن لا يوثق برأيه ولا بدينه، فصرحوا بالعجز والإعواز، وردّوا الناس إلى تقليد هؤلاء كلّ مَن اختصّ به من المقلدين.
وحظروا أن يتداول تقليدهم لما فيه من التلاعب، ولم يبقَ إلا نقل مذاهبهم، وعمل كلّ مقلِّد بمذهب مَن قلَّدَه منهم بعد تصحيح الأصول واتصال سندها بالرواية، لا محصول اليوم للفقه غير هذا، ومدّعي الاجتهاد لهذا العهد مردودٌ منكوص على عقبه مهجور تقليده، وقد صار أهل الإسلام اليوم على تقليد هؤلاء الأئمة الأربعة ... ».
وقال العلامة علي حيدر (¬2): «المتأخرون من الفقهاء قد أجمعوا على سدِّ باب الاجتهاد خوفاً من تشتت الأحكام؛ ولأن المذاهب الموجودة ـ وهي المذاهب الأربعة ـ قد ورد فيها ما فيه الكفاية إلا أن فريقاً من المسلمين وهم الشيعيون لم يزل باب الاجتهاد مفتوحاً عندهم للآن».
¬
(¬1) في مقدمته (ص 314).
(¬2) في درر الحكام شرح مجلة الأحكام (1: 34).
ولا يتسع المقام إلى أكثر ممَّا ذكرنا فإن فيه كفاية لأهل الدين، وتبصرة للمتبصرين من كثير ممّن يفتون في زماننا على اختلاف أحوالهم وأمصارهم، وجرأتهم العجيبة على دين الله - جل جلاله -، من غير علم ولا دراية، فلا تستغرق أعوص المسائل الفقهية وأحكمها أكثر من ثوان معدودة، حتى يأتي لك بالعجب العجاب في الجواب، {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (¬1).
قال اليافعي (¬2): «بعض الناس في هذه الأزمان، ممَّن لم يتفقَّهوا على مذهب، وإنما غاية ما عندهم هو ثقافة فقهية أخذوها من هنا وهناك، وقد يكونون مشهورين إذا ورد على أحدهم سؤال في مسألة لم يقرأها من قبل، وما أكثر المسائل التي لم يقرأها، فكَّر دقيقة أو أقلَّ من ذلك، ثمّ قال: الذي يظهر لي أن المسألة حكها كذا ... والعلم عند الله.
لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كلاها وحتى سامها كل مفلس
فإذا قيل لهذا المسكين: من أين لك هذا؟
قال: اجتهدت فإن أصبت فلي أجران وإن أخطأت فلي أجر، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب له أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر».
¬
(¬1) الحج: 46.
(¬2) في التمذهب (ص 86 - 87).
وما درى المسكين أن هذا في حقّ مَن له الأهلية، أما مَن ليس كذلك كصاحبنا فهو موزورٌ غير مأجور ولو أصاب.
قال الخطابي: هذا فيمن كان من المجتهدين، جامعاً لآلة الاجتهاد، عارفاً بالأصول بوجوه القياس، فأمّا مَن لم يكن محلاً للاجتهاد، فهو متكلّفٌ ولا يُعذَرُ بالخطأ في الحكم، بل يُخافُ عليه أعظم الوِزْر.
وقال النَّووي: أجمعُ المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للحكم ... فأما مَن ليس بأهل للحكم فلا يحلّ له الحكم، فإن حكم فلا أجر له، بل هو آثمٌ، ولا ينفذُ حكمُه سواءٌ وافقَ الحقّ أم لا؛ لأن إصابتَه اتفاقية ليست صادرة عن أصل شرعي، فهو عاصٍ في جميع أحكامه سواء وافق الصواب أم لا، وهي مردودةٌ، ولا يُعْذَرُ في شيء من ذلك ... ».
وبهذا يتبيَّنُ أنه لا بُدَّ للمفتي وطالب العلم ممَّن ليس له أهلية النظر أن يتمذهبَ بأحد مذاهب أهل السُنة المعتبرة، بمعنى التزام أقوال مذهب معين لا يخرج عنها في استفتائه ودراسته وتعلّمه وتعليمه وعلمه.
وإن ما أشيع في هذا العصر من التعصّب المذهبي في العصور السابقة بسبب تمذهبهم بمذاهب أئمة الإسلام وتمسّكهم بها، فإن فيه مجازفة ومبالغة عظيمة، كان وراءها أصابع خفيّة تسعى إلى تحقيق مآرب وأهداف خاصّة من نشر فكر تتبناه، وهدم لأركان بنيان هذه الأمة وهي
المذاهب الفقهية؛ إذ بوجودها لا يمكن لأصحاب الأهواء والمصالح تحقيق غاياتهم.
فهي سدٌّ منيعٌ في وجه كلِّ متلاعب أفّاك؛ ولذا كان لا بُدّ قبل تمرير مخطَّطاتهم من ضرب هذه المذاهب بالتهم المتنوعة ومن بينها تهمة التعصّب؛ لاستباحة مخالفتها وانتهاك حرمتها.
وتوضيح ذلك أن الفقهَ يُمَثِّلُ الجانبَ العمليَّ التطبيقي للإسلام، فهو الإسلامُ حقيقةً في حياة الناس، وهو قانونُ يُنَظِّمُ علاقةَ الإنسان مع خالقه - جل جلاله - وأهله وجيرانه ومجتمعه وحاكمه وغيرها، فالتزام الفرد والمجتمع إجمالاً بمذهب معين يجعل الصورة واضحة في معرفة كلّ إنسان ما له من الحقوق وما عليه من الواجبات، ويغلق الباب على هوى النفس من التلاعب وأكل حقوق الآخرين، فالفرد والمجتمع المتمذهب متدين ومشتغل بالعمل والدعوة لله - جل جلاله -، ومنصرفٌ عن الجدال والمراء والتلاعب بأحكام الدين.
وهذا الأمرُ لا يسرّ مطلقاً أعداء الله - جل جلاله -، فإنّ حياتَهم وسيطرتَهم علينا قائمةٌ على فساد مجتمعاتنا وانغماسها في الشهوات، وكثرة الفتن والنزاعات بين أفرادها، ولا سبيل لهم لذلك إلا بإضعاف تمسكنا بديننا من خلال السعي لتحريفه وإعطاء صورة بشعة عنه بتمكين مَن ليس أهلاً للتكلُّم فيه والمجادلة.
فتتحقَّقُ الغاية من تشتيت الناس في التزام الأحكام لكثرة المتلاعبين فيه من غير لا حجّة ولا برهان، وإشاعة لبعض مسائل، وحمل المسلمين عليها، وتبديع وتضليل وتكفير كلّ مَن لا يقول بها، وإشغال الناس بسفاسف الأمور.
وهذه الوسيلةُ هي التي اتبعتها بريطانيا عند حكمها لمصر فلم تستطع مسكّ زمام الأمور، وإشاعة أفكارها وآرائها في المجتمع المصري، إلا بعد أن حرَّفت مناهج الأزهر، وجَرَّأة القائمين عليه على الدين باعتبار أنهم مجتهدون، وهذا ما صَرَّحَ به كرومر في مذكراته، فقال: وجاء سيل الانجليز ومبشروهم يدخلون بأفكارهم وآرائهم المخرِّبة المستوردة في المجتمع المصري بعد أن أجازوها على الأزهر وعلمائه باسم الاجتهاد وتحت امتيازاته ...
وعلَّقَ على ذلك الدكتور البوطي (¬1)، فقال: «بهذا أدخل قاسم أمين أفكاره عن المرأة والحجاب، وبهذا تسلّل الانجليز نفسه إلى الأزهر في أشخاص كثيرين من ممثليه وأتباعه وبطانته، وبهذا نسخت أحكام ومناهج إسلامية عظيمة بأحكام ومناهج أوروبية سخيفة.
إن شيئاً من ذلك لم يتمّ باسم الدعوة إلى نبذ الدين، وإنّما تمّ كلّ ذلك باسم الدعوة إلى الاجتهاد ... إن الاجتهادَ الذي إذا فتحَ بابه دخل
¬
(¬1) في محاضرات في الفقه المقارن (ص 8).
فيه مع الرجل الواحد الصالح عشرون من الرجال المفسدين، جدير ببابه أن يظلَّ مقفلاً لا يفتح. وإذا صَحَّ أن يوجدَ مثالٌ متفق عليه عند المسلمين كلهم لقاعدة سدّ الذرائع، فأجدر به أن يكون هو هذا المثال ... ».
وما حصل في مصر شاعَ وذاعَ في البلاد، فكثر المجتهدون الجدد، وصار كلُّ ملتزم متمسك بدينه يرمى بأنه متعصِّبٌ ... زوراً وبهتاناً، ودفع هذه الفرية فيما يلي:
أولاً: إن التعصُّبَ لغة معناه التجمّع والتكتل، ومنه العصابة والعصبة: أي الجماعة، وفي التنزيل: {قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} (¬1)، وقد يكون ذلك التجمّع والتقوية والنصر على الحقّ، وقد يكون على الباطل، وشائع استخدامه فيهما (¬2).
وبذلك فإنه لا حرجَ في التعصُّب للمذاهب بمعنى التجمُّع والنصرة على الحقّ، ولا يجوز إذا كان بمعنى التجمّع والنصرة على الباطل أو على الحقّ والباطل معاً (¬3).
¬
(¬1) يوسف: 14.
(¬2) ينظر: اللسان (1: 502)، و كشف الأسرار (3: 238).
(¬3) ينظر: التمذهب (ص 139).
ثانياً: إن التعصّبَ اصطلاحاً: هو عدمُ قَبول الحقِّ والصواب عند ظهور الدليل، قال شيخ الإسلام التفتازاني (¬1): «التعصّبُ: هو عدم قَبول الحقّ عند ظهور الدليل بناء على ميل إلى جانب».
ومن المعلوم عند العلماء المعتمدين قاطبة أن ظهورَ الدليلَ لا يكون للعامي، وإنّما لمَن كان له أهلية النظر، إذ أنه نوع اجتهاد، وكلّ كتب الأصول تذكر الشروط التي يجب توفّرها في المجتهد، فلا يتحصَّلُ ذلك لأي أحد، قال العلامة علي حيدر (¬2): «إن للمجتهد شروطاً وصفات معيّنة في كتب أصول الفقه, فلا يقال للعالم: مجتهد ما لم يكن حائزاً على تلك الصفات».
لذلك اتفق الأئمةُ على عدم جواز ترك المفتي قول إمامه لمخالفته لظاهر دليل ما لم يكن هذه المفتي من أهل النظر.
وقال الحافظ أبو زرعة العراقي - رضي الله عنه -: «لا يسوغ عندي لمن هو من أهل الفهم ومعرفة صحيح الحديث من سقيمه، والتمكُّن من علمي الأصول والعربية، ومعرفة خلاف السلف ومأخذهم، إذا وجد حديثاً صحيحاً على خلاف قول ... مقلّده: أن ... يترك الحديث ... ويعمل بقول
¬
(¬1) في التلويح (2: 92).
(¬2) في درر الحكام (1: 34).
إمامه» (¬1)، وسيأتي زيادة تفصيل وتحقيق هذا فيما بعد.
وعليه فإنّ التمسّك بمذهب والأخذ بجميع مسائله ممَّن لم يبلغ أهلية النظر، ليس بمذموم مطلقاً، بل ممدوحٌ ومنقبةٌ لفاعله، وهو الحقّ الصريح، كما دلَّت عليه عبارات فحولُ العلماء السابق ذكرها، أمّا مَن بلغَ أهلية النظر في الدليل، فيحلّ له أخذ ما رآه راجحاً، وإن لم يقبل الحقّ مع ظهور الدليل لديه يسمّى متعصّباً إن كانت عادته ذلك لا غير.
ونستهشد على ذلك بكلام اللكنوي في ابن الهُمام وهو من أهل النظر والاجتهاد، إذ قال فيه (¬2): «لا يُنكر وجود التعصُّب في بعض المسائل والصلابة في بعض الدَّلائل من ابن الهُمام، كما لا يَخفى على مَن طالع بحث سؤر الكلب، وغيره، وإنصافه في كثير من المواضع، فإنَّهُ كثيراً ما يرجّح ما وافق الأحاديث، وإن خالفت الجمهور، ويسير إلى قوّة الخلاف، وإلى ما هو المنصور.
وهذا لا يصحح إطلاق المتعصِّب والصلب الذي يؤدِّي مؤدّاه عليه، فإنَّ مثلَ هذا اللفظ إنّما يطلق على مَن كانت عادته ذلك، ويخفي الحقّ كثيراً مع ظهور الحقّ فيما هنالك، وإلا فالتعصُّب أحياناً أمرٌ قَلَّ مَن خلي عنه، ولا يطلق على مَن يَسلك مَسلك التَّعصّب أحياناً أَنَّهُ مُتعصب
¬
(¬1) ينظر: أثر الحديث الشريف (ص 53 - 54).
(¬2) في إبراز الغي (ص 31).
أو مُتعسف، وهذا كما أنّ مُنْكَرَ الحديث لا يطلق في عُرْف المحدِّثين على مَن رَوَى مُنكراً، إلا على مَن كان غالب رواياته منكراً ... ».
وأيضاً بكلام الإمام النَّوويِّ في العلامة ابن المُنذر وهو ممَّن بلغ أهلية النظر؛ إذ وصفه بعدم التعصّب لأخذه بما وافق الدليل، فقال (¬1): «هذا كلام ابن المُنذر الذي لا شَكّ في إتقانه وتحقيقه وكثرة اطلاعه على السُنة ومعرفته بالدلائل الصحيحة وعدم تعصُّبه ... ».
ثالثاً: إنّ المتعصِّبَ: هو المتكبرُ المعاندُ وإن كان عاقلاً عالماً بقبح ما يعتقده من البدع، أو صاحب عقيدة منحرفة تمنعه من قبول الحقّ مع ظهور الدليل.
قال الأصولي علاء الدين البخاري - رضي الله عنه - (¬2): «رأيت في بعض الحواشي أن المتعصِّبَ مَن يكون عقيدته مانعة من قَبول الحقِّ عند ظهور الدليل».
وقال المحقِّقُ صدرُ الشريعة - رضي الله عنه - (¬3): «اعلم أن البدعةَ لا تخلو من أحد الأمرين إمّا تعصّب, وإمّا سفه; لأنه إن كان وافر العقل عالماً بقبح ما يعتقده, ومع ذلك يعاند الحقّ ويكابرُه فهو المتعصّب, وإن لم يكن وافر
¬
(¬1) في المجموع (2: 65).
(¬2) في كشف الأسرار (3: 238).
(¬3) في التوضيح (2: 92).
العقل كان سفيهاً إذ السفه خفّة, واضطراب يحمله على فعل مخالف للعقل لقلّة التأمّل».
وبذلك يكون المتعصِّب منحرفاً في عقيدته، من أصحاب البدع، وهذا الانحراف العقدي مانع له من قَبول الحقّ والتزامه مع ظهور الأدلة الدامغة عليه.
والمتمذهبون بمذاهب أهل السنة، هم أهل الحقّ، وليسوا من أهل البدع والانحرافات العقدية، كما سبق، بل كلّ مَن يَتَنَكَّبُ طريقهم، ويسلك خلاف مسلكهم هو المبتدعُ المنحرفُ المغيِّرُ لشرع الله - جل جلاله -، وهؤلاء هم الذين يرمون المتمذهبين بالتعصّب، وينطبق عليهم المثل القائل: «رمتني بدائها وانسلت»، مع أن التعريفَ السابق للمتعصّب واضح كلَّ الوضوح في بيان حقيقة مَن هو المتعصِّبُ حقيقة من أهل الزيغ والانحراف.
قال الإمام اللكنوي - رضي الله عنه - (¬1): «ولا عجبَ فإن التعصُّب والتصلُّب يعمي ويصمّ عن الطلب ويرمي في حفرة الكرب والتعب ويهدي إلى أودية العطب، ويُدلى في بئر ذات شَرر ولهب ... ».
¬
(¬1) في تنبيه أرباب الخبرة (ص 423 - 430).
رابعاً: إن المتعصِّبَ هو السفيه المجافي لمذاهب أهل السنة، المنتقص منها والطاعن واللامز فيها، المتحامل عليها، قال خاتمة المحققين ابن عابدين - رضي الله عنه - (¬1): «قال فخرُ الإسلام لَمَّا سُئِلَ عن التعصّب؟ قال: الصلابة في المذهب واجبة, والتعصّب لا يجوز, والصلابة: أن يعملَ بما هو مذهبه ويراه حقّاً وصواباً, والتعصّبُ: السفاهة والجفاء في صاحب المذهب الآخر وما يرجع إلى نقصه ولا يجوز ذلك، فإن أئمةَ المسلمين كانوا في طلب الحقّ، وهم على الصواب».
وهذا النصّ غاية في النصاعة والوضوح في بيان أن التمسّكَ والتصلّب والتمذهب بمذهب واعتقاد أنه صواب وحقّ أمر لا مراء ولا شقاق فيه، وهو ممّا يمدح به المرء وترتفع درجته، وتعلو مكانته، بخلاف مَن يلمز ويغمز بمذاهب أهل السنة وأئمتها ولا يرضى بكلامهم، ويُكثر الطعن فيها، فإنه هو المتعصِّبُ المتردي في الهاوية.
قال العلامة ابن فروخ - رضي الله عنه - (¬2): «وقد نصَّ علماؤنا وغيرهم من أصحاب المذاهب على حرمة التعصّب وتصويب الصلابة في المذهب، ومعنى الصلابة: أي الثبات على ما ظهر للمجتهد من الدليل وليس ذلك إلا للمجتهد نفسه أو لمَن هو من أهل النظر ممَّن أخذ بقوله،
¬
(¬1) في العقود الدرية (2: 333).
(¬2) في القول السديد (ص 3).
والتعصّب: هو الميلُ مع الهوى لأجل نصرة المذهب ومعاملة الإمام الآخر ومقلِّديه بما يحطّ عنهم ... ».
والناظر لواقعنا يلمس بكلِّ جلاء أن أكثرَ مَن يرمون المتمذهبين بالتعصّب هم الذين يطعنون في المذاهب وأئمتها وعلمائها، فهم الأحقّ بهذا الوصف؛ لما عندهم من الكبر والتعالي عن الآخرين.
قال العلامة القرافي - رضي الله عنه - (¬1) من أصناف التكبرين: «المتجادلون في مسائل الدين بالهوى والتعصّب تأبى نفسه من قَبول ما سمعه من غيره, وإن اتضح سبيله، بل يدعوه كبره إلى المبالغة في تزييفه وإظهار إبطاله، فهو على حدّ قوله - جل جلاله -: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} (¬2)، {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} (¬3)، وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: كفى بالرجل إثماً إذا قيل له: اتق الله أن يقول: عليك بنفسك ... ».
وقال الفقيه ابن حَجَر (¬4): «التعصُّبُ للمذاهب والأهواء, والحقد على الخصوم, والنظر إليهم بعين الازدراء والاحتقار, وذلك ممّا يهلك
¬
(¬1) في أنوار البروق (4: 246).
(¬2) فصلت:26.
(¬3) البقرة:206.
(¬4) في الزواجر عن اقتراف الكبائر (1: 143).
العباد والعلماء فضلاً عن غيرهم, فإن الاشتغالَ بالطعن في الناس وذكر نقائصهم ممّا جبل عليهم الطبع.
فإذا خيل الشيطان إليه أن ذلك هو الحقّ زاد فيه واستكثر وحلا له وفرح به ظناً منه أنه يسعى في الدين، وما هو إلا ساع في اتباع الشيطان دون اتباع المتعصّب له من الصحابة - رضي الله عنهم - أو مَن بعدهم.
ولو اعتنى بصلاح نفسه وكان على نحو أخلاق مَن تعصّب له لكان ذلك هو الأولى له والأحرى به, وظنّ أن التعصّب له بنقص الناس واحتقارهم بحبّه إليه كاذب, فإنه لو كان حيَّاً لم يتعصَّب لنفسه وعفا عمَّن سفه عليه فاتباعه أولى بذلك منه , وكلّ مَن تعصَّب لإمام ولم يسر على سيرته، فذلك الإمام هو خصمه، ومن جملة الموبخين له ... ».
خامساً: إن الاختلاف في الفروع لم يكن يوماً مذمّة ومُقْبَّحة عند العقل والإنصاف؛ لأنه جرى عليه الصحابة - رضي الله عنهم - ومَن بعدهم من الأئمة - رضي الله عنهم -، وإنما اللوم على مَن ينكر هذا الاختلاف ويتزمّت لرأيه ويجبر الآخرين عليه وإلا رماهم بأقبح التهم؛ لأنه عدَّ الاختلاف في الفروع كالاختلاف في العقائد.
قال المفسّر ابن العربي المالكي - رضي الله عنه - (¬1): «والحكمة في ذلك أن الاختلاف والتفرق المنهي عنه إنما هو المؤدي إلى الفتنة والتعصب وتشتيت الجماعة، فأما الاختلاف في الفروع فهو من محاسن الشريعة. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران, وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد» ... » (¬2).
وقال العلامة يحيى بن سعيد - رضي الله عنه -: «ما برح المستفتون يستفتون، فيحلّ هذا ويحرم هذا، فلا يرى المحرِّمُ أن المحلِّلَ هلكَ لتحليله، ولا يرى المحلِّلُ أنّ المحرمَ هَلَكَ لتحريمه» (¬3).
وهذا ما أقرّه مجمع الفقه الإسلامي في دورته العاشرة المنعقدة في مكة 24/صفر/1408 هـ، ومما ورد في قراره: «الاختلاف الفقهي ليس نقيصة ولا تناقضاً في ديننا، ولا يمكن ألا يكون، فلا يوجد أمة فيها نظام تشريعي كامل بفقهه واجتهاده ليس فيها هذا الاختلاف الفقهي الاجتهادي ...
فأين النقيصة في وجود هذا الاختلاف الفقهي الذي أوضحنا ما فيه من الخير والرحمة، وأنه في الواقع نعمة ورحمة من الله - جل جلاله - بعباده
¬
(¬1) في أحكام القرآن (1: 382).
(¬2) في صحيح البخاري (6: 2676).
(¬3) في جامع بيان العلم (1057).
المؤمنين، وهو في الوقت ذاته ثروة تشريعية عظمى، ومزية جديرة بأن تتباهى بها الأمة الإسلامية.
ولكن المضللين من الأجانب الذي يستغلون ضعف الثقافة الإسلامية لدى بعض الشباب المسلم، ولا سيما الذي يدرسون لديهم في الخارج، فيصوّرون لهم اختلاف المذاهب هذا كما لو كان اختلافاً عقائدياً ليوحوا إليهم ظلماً وزوراً بأنه يدلّ على تناقض الشريعة دون أن ينتبهوا إلى الفرق بين النوعين وشتان بينهما! ...
وأمّا تلك الفئة الأخرى التي تدعو إلى نبذ المذاهب، وتريد أن تحمل الناسَ على خطٍّ جديد لها، وتطعن في المذاهب الفقهية القائمة، وفي أئمتها أو بعضهم، ففي بياننا الآنف عن المذاهب الفقهية ومزايا وجودها وأئمتها ما يوجب علهيم أن يكفوا عن هذا الأسلوب الذي ينتهجونه ويضللون به الناس، ويشقون صفوفهم ويفرِّقون كلمتهم في وقت نحن أحوج ما نكون إلى جمع الكلمة في مواجهة التحديات الخطرة من أعداء الإسلام بدلاً من هذه الدعوة المفرّقة التي لا حاجة إليها».
وبهذا يظهر أن السيرَ على هذه المذاهب الفقهية رغم اختلافها لا منقصة فيه، وإنّما المنقصة على يترك طريقها ويذمّها، ويطعن في أئمتها، ويسعى أن يقيمَ مذهباً جديداً على هواه، ويحمل الناس عليه، وإلا فهم متعصّبون مبتدعون ضالون.
سادساً: إن تصويرَ العلاقة بين أصحاب هذه المذاهب بأنها قائمة على تعصّب كلٍّ منهم لما ذهب إليه، وتحامله على غيره، غير صحيح البتة، بل إنّ جماهيرَ علماء وعامّة هذه المذاهب يُكنون لبعضهم البعض كلّ احترام وتقدير وتوقير كما تشهد به كتبهم وحياتهم وتراجمهم.
ولم يقف الأمر عند هذا فحسب، بل إننا نجد أن كبار علماء المذاهب كانوا يؤلِّفون كتباً في إنصاف أئمة المذاهب الأخرى، وإنزالهم المنزلة الرفيعة التي يستحقونها وردّ كلام بعض أتباع هذه المذاهب ممَّن لا يميّزون الشمال من اليمين والغث من السمين.
فها هو الفقيه ابن حجر الهيتمي الشافعي يؤلِّفُ «الخيرات الحسان في مناقب أبي حنيفة النعمان»، والسُيوطي الشافعي يؤلف «تبييض الصحيفة في مناقب أبي حنيفة»، وابن عبد الهادي الحنبلي يؤلِّف «تنوير الصحيفة في مناقب أبي حنيفة»، وابنُ عبد البر المالكي يؤلِّف «الانتقاء في فضل الأئمة الثلاثة الفقهاء»، والشعراني الشافعي يؤلِّف «الميزان» في إنصاف كلّ من الأئمة الأربعة وأصحابهم وهكذا.
وكلُّ هذا يضحض هذه الفرية بتعصِّب أصحاب هذه المذاهب على بعضهم البعض، فكيف يتعصَّبون وكلّ هذه التآليف الرائقة في ثناء بعضهم على بعض موجودة، وبعبارة التقدير والاحترام مشحونة؟!!
سابعاً: إن المناقشات العلمية الدائرة بين أرباب هذه المذاهب السنية تقوم على الإنصاف والاعتدال، واحتجاج كلِّ منهم بأدلة تقوي مذهب دون غمز أو لمز، بل مع الاحترام والإكبار للمخالف إلا فيما شذّ من بعض كتب الردود لبعض أتباع هذه المذاهب على بعض كأبي عبد الله الجرجاني وأبي منصور البغدادي والقفال الشاشي وابن الجويني والكردري والقاري وغيرهم (¬1).
ومع ذلك لو غُضَّ البصر وأُهمل ما كان فيها خارجاً عن دائرة الإنصاف وداخلاً في باب الاعتساف، فإنّ لهذه الكتب الدرجة العالية في تفتيح مدارك المتعلم، وتوسيع فهم المتفقه، وصقل عقليته العلمية، بالإضافة إلى إحكام بنيان هذه المذاهب، وكثرة الاستدلال لمسائلها والتأييد لها، ورفع همم أصحابها في الدفاع عنها والكفاح دونها ممَّا يؤدي إلى استمرارها ونموها؛ ولولا هذه المماحكات والمشادات بين أرباب هذه المذاهب لكانت أثراً بعد عين.
قال الدكتور مصطفى الخن (¬2): «الخلاف في الفروع بعد الاتفاق على الأصل، فما هو إلا اختلاف في الطريق الموصل إلى الحقيقة، لا في الحقيقة نفسها، وقد يكون في هذا الخلاف توسعة على السائرين ورفق
¬
(¬1) ينظر: مقدمة الغرة المنيقة (ص 6 - 7).
(¬2) في أثر الاختلاف (ص 8).
بهم ورحمة، وجدير به أن لا يمت إلى الانشقاق لا من قريب ولا من بعيد. وهذا هو شأن المذاهب الفقهية.
ولئن رأينا في بعض البلدان وفي بعض العصور أن المذهبيةَ كانت عاملاً من عوامل التفرّق بين المسلمين، فلنعتقد أن هذا راجع إلى سوء فهم هؤلاء وجهلهم بالحقيقة، لا إلى وجود المذاهب نفسها، وما شأن هؤلاء إلا كشأن إنسان وجد في السوق سكيناً تباع؛ لتكون مرتفقاً للناس، فاشتراها، فقتل بها نفسه، وكثيراً ما يستعمل الإنسان في الشرّ ما كان موضوعاً في أصله لاستعماله في الخير ... ».
ثامناً: إن ما يصوِّره أعداء هذه المذاهب من التعصّب بتقديم قول إمام المذهب على الحديث، ليس صحيحاً قطعاً؛ لأنه لا شكّ في أفضلية وأولية حديث رسول - صلى الله عليه وسلم -، ومَن ظنّ غير هذا خيف عليه، ولكن المسألة مختلفة اختلافاً كاملاً.
ذلك بأن إمام المذهب اجتهد في استخراج الحكم الشرعي من نصوص القرآن والسنة النبوية وآثار الصحابة - رضي الله عنهم - بعد الجمع والتنقيح وعرضها على الأصول، ولم يخالف الحديث إلا لدليل أقوى منه من آية أو حديث آخر؛ لحصول نسخ أو تأويل أو تخصيص أو ما شابهه.
ولا يعدّ مثل هذا من التعصّب إلا بجهل أو هوى عند العقلاء والعلماء؛ لأن استخراجهم الأحكام الشرعيّة من نصوص إمامهم لا من
نصوص الشارع؛ لأن إمامَهم قام بمرحلة استخلاص الفروع المنضبطة من نصوص الشرع لا غير.
ومن ثَمَّ قعَّد لهم القواعد المحكمة والأصول الدقيقة التي يمكنهم منها استنباط الأحكام الشرعية، بدل أن يبدأوا من جديد بإخراج القواعد من القرآن والسنة؛ لأخذ الأحكام منها؛ إذ أنهم بذلك يبذلون جهداً في أمر تَمَّ وانتهى فلا طائل من إضاعة العمر فيه إلا التقعاس عن إيفاء حاجات الناس في المسائل الفرعية، وإيقاف نمو وشموخ وازدهار هذا الصرح الفقهي العظيم، كما سيأتي.
تاسعاً: إن حاملين لواء هذه الدعوة ينبذون المذاهب وكأنها مأخوذة من هوى الأنفس، ويدّعون أنهم يريدون أن يرجعوا إلى الكتاب والسنة، وكأن هذه المذاهب مستقاة من غيرهما، قال الدكتور علي نايف البقاعي (¬1): «ويطالعنا بعض أهل هذا العصر بدعوةٍ جديدة إلى الأخذ من الكتاب والسنة كما هو مذهب السلف، وهل بنيت المذاهب الأربعة على غير الكتاب والسنة! أو خرج أحد الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد عن أن يكون من سلف هذه الأمة! أما كانوا جميعاً في خير القرون التي زكاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فإن لم يكونوا من السلف فمن السلف إذن؟
¬
(¬1) في الاجتهاد في علم الحديث (ص 567 - 569).
إن وضع الأئمة الأربعة في صفٍّ مضاد للسنة أو للسلف تجنٍّ عليهم، وهو مرفوض؛ لأن مذاهبَهم قد بُنيت بناءً محكماً على الكتاب والسنة ... . وأخشى أن تكون هذه الدعوى دعوة حقّ يراد بها باطل؛ لأن هذه المذاهب الأربعة قد بيَّنت لنا كيفية الأخذ من الكتاب والسنة في كتبها الأصولية والفقهية، بينما أصحاب هذه الدعوة رفعوا شعاراً لم يضعوا تحته أي منهج، وادّعوا الاجتهاد وألزموا الناس باتّباعهم».
فأي تعصبّ أعظم من هذا التعصّب في التهجم على مذاهب الإسلام ونبذها، والرجوع إلى هوى الأنفس، وتخبط العقول المتنكبت عن طريق الصراط المستقيم، {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} (¬1)».
قال العلامة الزرقاني - رضي الله عنه - (¬2): «لمثل هذا أربأ بنفسي وبك أن نتهم مسلماً بالكفر أو البدعة والهوى لمجرد أنه خالفنا في رأي إسلامي نظري، فإن الترامي بالكفر والبدعة من أشنع الأمور، ولقد قرر علماؤنا أن الكلمةَ إذا احتملت الكفر من تسعة وتسعين وجهاً، ثم احتملت الإيمان من وجه واحد حُملت على أحسن المحامل، وهو الإيمان، وهذا موضوع مفروغ منه، ومن التدليل عليه.
¬
(¬1) النور: 16.
(¬2) في مناهل العرفان (2: 27 - 28).
لكن يفت في عضدنا غفلة كثير من إخواننا المسلمين عن هذا الأدب الإسلامي العظيم الذي يحفظ الوحدة ويحمي الأخوة ويظهر الإسلام بصورته الحسنة ووجهه الجميل من السماحة واليسر واتساعه لكافة الاختلافات الفكرية والمنازع المذهبية والمصالح البشرية ما دامت معتصمة بالكتاب والسنة على وجه من الوجوه الصحيحة التي يحتملها النظر السديد والتأويل الرشيد ... وأقرر وأكرر أن الحكمَ على فرد أو جماعة بالبدعة والهوى لا يجوز أن يكون مبنياً على غير بدعة أو هوى».
* * *
المراجع:
1. إبراز الغي الواقع في شفاء العي للإمام اللكنوي (ت 1304 هـ)، ت: صلاح أبو الحاج. دار الرازي. 2001 م.
2. أثر الحديث الشريف في اختلاف الإئمة الفقهاء - رضي الله عنهم - لمحمد عوامة. دار البشائر الإسلامية بيروت. ط 4. 1418 هـ.
3. الاجتهاد في علم الحديث وأثره في الفقه الإسلامي للدكتور علي نايف بقاعي. دار البشائر الإسلامية. ط 1. 1419 هـ.
4. أحكام القرآن لظفر أحمد التهانوي (ت 1394 هـ)، إدارة القرآن والعلوم الإسلامية، باكستان، ط 1، 1407 هـ.
5. إحياء علوم الدين لمحمد بن محمد الغزالي (ت 505 هـ). دار إحياء الكتب العربية. القاهرة.
6. الانصاف لعلي بن سليمان المرداوي (817 - 885 هـ). دار إحياء التراث العربي. بيروت.
7. أنوار البروق في أنواع الفروق لأحمد بن إدريس القرافي (ت 1285 هـ)، عالم الكتب.
8. التلويح على التوضيح لمسعود بن عمر التفتازاني، سعد الدين، (ت792هـ). مطبعة صبيح بمصر.
9. التمذهب لعبد الفتاح بن صالح اليافعي، مؤسسة الرسالة ناشرون، ط1، 2006م.
10. تنبيه أرباب الخبرة للإمام اللكنوي (ت1304هـ). مطبع أنوار محمد. لكنو. 1301هـ ضمن كتاب تذكرة الراشد للمؤلف.
11. التوضيح على التنقيح لصدر الشريعة عبيد الله بن مسعود (747هـ). المطبعة الخيرية. مصر. ط1. 1324هـ.
12. جامع بيان العلم ليوسف بن عبد البر (ت463هـ). دار الكتب العلمية. بيروت.1398هـ.
13. درر الحكام شرح غرر الأحكام لمحمد بن فرامُوز بن علي، المعروف بمُلا خسرو الحنفي، (ت885هـ)، الشركة الصحفية العثمانية، 1310هـ.
14. درر الحكام شرح مجلة الأحكام، لعلي حيدر، تعريب المحامي فهمي الحسيني، دار عالم الكتب الرياض، طبعة خاصة، 1423هـ 2003م.
15. الزواجر عن اقتراف الكبائر لأحمد بن علي بن حجر المكي الهيتمي (ت974هـ). دار الفكر.
16. سنن أبي داود لسليمان بن أشعث السجستاني (202 - 275هـ).ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.
17. سنن الترمذي: لمحمد بن عيسى الترمذي (209 - 279هـ)، ت: أحمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
18. سير أعلام النبلاء لشمس الدين الذهبي (ت748هـ)، تحقيق: مجموعة من العلماء، مؤسسة الرسالة، ط11، 1422هـ.
19. شرح الكوكب المنير لمحمد ابن النجار الحنبلي (ت972هـ). مطبعة السنة المحمدية.
20. صحيح البخاري لمحمد بن إسماعيل الجعفي البُخَارِيّ (ت256هـ). ت: د. مصطفى البغا. ط3. 1407هـ. دار ابن كثير واليمامة. بيروت.
21. الغرة المنيفة في تحقيق بعض مسائل الإمام أبي حنيفة لعمر الغزنوي (ت773هـ). ت: محمد زاهد الكوثري. المكتبة الأزهرية للتراث. مصر. 1419هـ.
22. فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب مالك لمحمد بن أحمد، المشهور بعليش (ت1299هـ)، دار المعرفة.
23. فيض القدير شرح الجامع الصغير لعبد الرؤوف المناوي. المكتبة التجارية الكبرى. مصر. 1356هـ. ط1.
24. القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد لابن حجر العسقلاني (ت852هـ). مكتبة ابن تيمية. ط1. 1401هـ.
25. كشف الأسرار شرح أصول البزدوي لعبد العزيز بن أحمد البخاري (ت730هـ). دار الكتاب الإسلامي.
26. كشف الأسرار شرح الصنف على المنار للنسفي (ت710هـ). دار الكتب العلمية. بيروت. ط1. 1986م.
27. لسان الميزان لابن حجر العسقلاني (ت852هـ)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط3، 1406هـ.
28. المجموع شرح المهذب ليحيى بن شرف النووي (631 - 676هـ)، ت: محمود مطرحي، بيروت، دار الفكر، ط1،1417هـ.
29. محاضرات في الفقه المقارن للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي. دار الفكر المعاصر، بيروت. دار الفكر، دمشق. ط2. 1420هـ.
30. مقالات الكوثري للعلامة محمد زاهد بن الحسن الكوثري (1296 - 1371هـ). المكتبة الأزهرية للتراث. 1994م.
31. مقدمة نصب الراية لمحمد زاهد بن الحسن الكوثري (ت1371هـ) دار الثريا. دمشق. ط1. 1997م، ضمن مقدمات الكوثري.
32. مناهل العرفان في علوم القرآن لمحمد عبد العظيم الزرقاني. دار الفكر. بيروت. ط1. 1996م.
33. مواهب الجليل شرح مختصر خليل لمحمد بن محمد بن عبد الرحمن المعروف بالحطاب (ت954هـ). دار الفكر. بيروت. ط2. 1398هـ.
* * *