الفوائد الفريدة للمفتي .....
... على عقود رسم المفتي
جارٍ تحميل الكتاب…
الفوائد الفريدة للمفتي .....
... على عقود رسم المفتي
الفوائد الفريدة للمفتي
على عقود رسم المفتي
لمحمد أمين ابن عابدين
(1198 ـ 1252 هـ)
للأستاذ الدكتور صلاح محمّد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
بجامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله على نعيم إفضاله، وكثرة خيراته، وجزيل فرائده، وعظيم فوائده، والصَّلاة والسَّلام على الحبيب المصطفى وآله وصحبه الكرام صلاة تليق بمقامه في كلِّ زمان ومكان، وعلى مَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعدُ:
فقد كنت أتشوَّف منذ سنوات أن ييسر الله لي إعادة النَّظر في «شرح عقود رسم المفتي» لابن عابدين، بعد أن يسرَ الله لي أن أضع عليه الحاشية المعروفة بـ «إسعاد المفتي»؛ لما فيه من المعضلات التي يصعب فهمها على الطلبة، ويعسر هضمها على الكملة؛ لأنّ بعضَ مباحثه لم تأخذ حقَّها من البحث والتَّنقيح من ابن عابدين، لكنها فوائد جمعها ونظمها في سلك واحدٍ؛ لينتفع بها المفتي، فكانت نافعة جداً له.
وفي تحقيقيها وتصحيحها وترتيبها يكتمل النَّفع وتزداد الفائدة ويعمّ الخير، وهذا ما سعيتُ إليه في هذا الشَّرح للمنظومة، فكان عملي فيها النَّحو الآتي:
1.حذف ما ورد في الشَّرح من أُمور فيها خطأٌ بَيِّنٌ، كما هو الحال في طبقات ابن كمال باشا، وكذلك ما نُقل من كتب السَّادة الشَّافعية في بيان اختلاف الأقوال عن المجتهد، فإنّه لا نفع به بخصوص كتب الحنفية؛ لأنّ الفكرةَ في اختلاف الرواية لها ترتيبها الخاصّ عندنا.
2.استيعابُ عامّة ما ورد في «شرح ابن عابدين»، فلم يكن المحذوف إلا مسائل قليلة لا تتجاوز (5%)، حتى لا تضيع فائدة ما جمعه ابنُ عابدين.
3.تنقيحُ المسائل التي لم تحقّق في الشّرح، كمسألة كثرة الرِّوايات عن أبي حنيفة، ومسألة التَّرجيح بقوّة لفظ التَّصحيح.
4. تحقيق العديد من المسائل التي لم يحقِّقها ابن عابدين كمسألة عدد كتب ظاهر الرواية، ومسألة اجتهاد ابن الهمام، ومسألة العرف.
5.تصحيح ما وَرَدَ من أخطاء في «شرح العقود» كمسألة التَّرجيح بالحديث ومسألة ضعف دليل المجتهد.
6.ترتيب مسائل «شرح العقود» على صورة فوائد متسلسلة، يسهل على الطالب فهمها.
7.إبراز كلّ فوائد «شرح العقود» في نقاط مستقلة، واضحة الصِّيغة، تمكن الدَّارس من ضبط هذا العلم.
8.إضافة فوائد من «حاشية إسعاد المفتي» وغيرها أضعاف ما في «شرح العقود».
9.إزالة الاضطراب الوارد في عبارات ابن عابدين في بعض المسائل كمسألة درجة اجتهاد الصاحبين.
10.جمع مئات الفوائد المتعلقة بعلم رسم المفتي في هذا الشَّرح؛ لتكون بداية انطلاقة جديدة في تقعيد هذا العلم وإخراجه للوجود كعلم واضح المعالم.
11.رفع التَّعارض الواقع في مواضع من «شرح العقود»، حتى جعل علماً مغلقاً على الطَّلبة والكملة.
12.توضيح الالتباس الواقع في بعض مسائل رسم المفتي.
وسميته:
«الفوائد الفريدة للمفتي على عقود رسم المفتي»
وقد سعيتُ في هذا الشَّرح سعياً حثيثاً لتيسير مسائل هذا الفنّ التي استعصت على كثير من الدَّارسين، ولم ينتبه لها بعضُ الرَّاسخين، حتى فاتت على الطَّالبين.
ودفعني للعناية بـ «شرح العقود» كثرة انتشاره ورغبة الطلبة به رغم ما فيه من الصِّعاب والإشكالات.
وكنت درَّسته مرّات عديدة في كليتنا الموقرة: «كلية الفقه الحنفي» وغيرها، فرأيتُ صعوبة الأمر على الطلبة في فهم وتحصيل فوائده؛ لما سبق، فرغبتُ أن أُزيل هذه العقبات عن طريق الدارسين لهذا العلم.
راجياً أن يكون بداية خيرةً لتسهيل مسائل هذا العلم، وتيسير فهم هذا الفنّ، وأن يرزق الله القبول لهذا الشرح كما رزق أصله من الشرح والحاشية.
وأسأل الله - عز وجل - أن يكون هذا العملُ خالصاً لوجه الكريم، وأن ينفع به البلاد والعباد، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
في صويلح، عمان، الأردن
بتاريخ 10 ـ 9 ـ 2019 م
باسم الإله شارع الأحكام ... مع حمده أبدأُ في نظامي
ثمّ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَرمدا ... على نبيّ قد أتانا بالهدى
وآله وصحبه الكرام ... على ممرّ الدهر والأعوام
وبعد: فالعبدُ الفقيرُ المذنبُ ... محمّدُ بنُ عابدين يطلب
توفيق ربِّه الكريمِ الواحد ... والفوز بالقبول في المقاصد
وفي نظامِ جوهر نضيد ... وعقد درّ باهرٍ فريد
سميته: عقود رسم المفتي ... يحتاجُه العامل أو مَن يفتي
وها أنا أشرعُ في المقصود ... مُستمنحاً من فيضِ بحرِ الجُود
اعلم بأنَّ الواجب اتباع ما ... ترجيحُه عن أهلِه قد عُلما
الفوائد المتعلقة بهذه الأبيات:
الأولى: لا يجوز العمل إلا بالراجح:
قال ابن عابدين (¬1): «إنَّ الواجبَ على مَن أرادَ أن يعملَ لنفسِهِ، أو يُفتي غيرَه، أن يتَّبعَ القولَ الذي رجَّحُه علماءُ مذهبه، ـ كما «لا يخفى أنَّ المتأخرين الذين أفتوا بالعشر: كصاحب الهداية وقاضي خان وغيرهما من أهل الترجيح هم أعلم بالمذهب منّا، فعلينا اتِّباع ما رجَّحوه، وما صحَّحوه، كما لو أَفتونا في حياتهم» (¬2) ـ.
فلا يجوز له العملُ أو الإفتاءُ بالمرجوحِ، إلاّ في بعضِ المواضع ـ كما سيأتي في النَّظم ـ، وقد نقلوا الإجماع على ذلك».
قال ابن حجر الهيتمي (¬3): «في «زوائد الرَّوضة»: لا يجوز للمفتي والعامل أن يُفتي أو يَعمل بما شاء من القولين أو الوجهين من غيرِ نظرٍ، وهذا لا خلاف فيه، وَسَبَقَهُ (¬4) إلى حكاية الإجماع فيهما ابنُ الصلاح، والباجي من المالكية في المُفْتَى.
وكلامُ القَرَافيِّ دالٌّ على أنَّ المجتهدَ والمُقلِّدَ لا يَحِلُّ لهما الحكمُ والإفتاءُ
¬
(¬1) في شرح عقود رسم المفتي ص 249.
(¬2) في رد المحتار 1: 193.
(¬3) في الفتاوى الكبرى 4: 304.
(¬4) أي صاحب زوائد الروضة.
بغير الرَّاجح؛ لأنَّه اتِّباعٌ للهوى، وهو حَرامٌ إجماعاً، وأنَّ محلَّه في المجتهدِ ما لم تتعارضْ الأدلَّة عنده، ويعجزْ عن التَّرجيح، وأنَّ لمقلِّدِه حينئذٍ ـ أي عند تعارض الأدلة والعجز عن الترجيح لدى المجتهد ـ الحكم بأحد القولين إجماعاً».
معناها أنّ المجتهدَ المطلق لا يعمل إلا بالرَّاجح، إلا إذا تعارضت الأدلة وعجز عن التَّرجيح جاز بأي القولين الذين توصل لهما، وأنّ مقلِّد المجتهد في هذه الحالة جاز أن يعمل بأي أقوال المجتهد؛ لعدم وجود راجح.
وينبغي تقييد هذا بما لم يترجَّح فيه لدى المقلِّد المجتهد، وهكذا كلّ طبقةٍ في الاجتهاد بالنسبة للتي تليها إذا اختلفت أقوال الطبقة الأعلى في الاجتهاد ولم يترجّح بينها، وإن ترجح أحد أقوالهم لزم الأخذ به.
وهذا المقلّد للمجتهد المطلق يقصد به مَن بلغ أَعلى المراتب في الاجتهاد بعد المجتهد المطلق: كالمجتهد المنتسب والمجتهد في المذهب في الدرجة العليا؛ لأنَّ مثل هؤلاء هم الموكول لهم التَّخريج والتَّرجيح بين أقوال المجتهد المطلق، وغيرهم ممَّن هم دونهم في الاجتهاد في المذهب يعتمدون على أقوال وترجيحات المجتهدين في المذهب.
وقال ابنُ قُطْلُوبُغا: «إني رأيت مَن عَمِل في مذهب أئمتنا بالتَّشهي، حتى سمعتُ من لفظ بعض القضاة: وهل ثَمّ حَجْر؟ فقلت: نعم، اتّباع الهوى حرامٌ، والمرجوحُ في مقابلة الرَّاجح بمنزلة العَدَم، والتَّرجيحُ بغير مُرجِّح في المتقابلات ممنوعٌ».
وقال ابن الصلاح (¬1): «اعلم أنَّ مَن يكتفي بأن يكون فتواه أو عمله موافقاً لقولٍ أو وجهٍ في المسألة ويعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غيرِ نظرٍ في الترجيحِ فقد جَهِل وخرق الإجماع».
وقال اليعمري (¬2): «مَن لم يَطَّلع على المشهورِ من الرِّوايتين أو القولين، فليس له التَّشهي والحكم بما شاء منهما من غيرِ نظرٍ في التَّرجيح».
وقال الباجي: «حدثني مَن أوثقه أنَّه اكترى جزءاً من أرض على الإشاعة، ثمّ إنَّ رجلاً آخر اكترى باقي الأرض، فأراد المكتري الأوّل أن يأخذ بالشفعة وغاب عن البلد، فأفتي المكتري الثاني بإحدى الروايتين عن مالك أنَّ لا شفعة في الإجارات، قال لي: فوردت من سفري، فسألت أولئك الفقهاء ـ وهم أهل حفظ في المسائل وصلاح في الدين ـ عن مسألتي فقالوا: ما علمنا أنَّها لك إذ كانت لك المسألة أخذنا لك برواية أشهب عن مالك بالشفعة فيها، فأفتاني جميعهم بالشفعة، فقضي لي بها ...
وكثيراً ما يسألني مَن تقع له مسألةٌ من الأيمان ونحوها: لعلّ فيها رواية أو لعلّ فيها رخصةً وهم يرون أنَّ هذا من الأمور الشائعة الجائزة، ولو كان تكرَّر عليهم إنكار الفقهاء لمثل هذا لَمَا طولبوا به، ولا طلبوه منّي، ولا من سواي، وهذا ممّا لا خلاف بين المسلمين ممَّن يُعتدّ به في الإجماع أنَّه لا
¬
(¬1) في أدب المفتي والمستفتي ص 125.
(¬2) في تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام 1: 73.
يجوز ولا يسوغ، ولا يَحِلّ لأحدٍ أن يُفتي في دين الله - جل جلاله - إلا بالحقّ الذي يعتقد أنَّه حقٌّ، رضي بذلك مَن رضي وسخطه مَن سخطه» (¬1).
وقال اليعمريُّ (¬2): «ولا فرق بين المفتي والحاكم، إلاّ أنَّ المفتي مخبرٌ بالحكم، والقاضي ملزمٌ به».
وقال ابن قُطْلوبُغَا (¬3): «وأمّا الحكمُ والفتيا بما هو مرجوحٌ، فخلافُ الإجماع».
فهذه النقول في حتمية التزام القول الرّاجح، وعدم اعتبار مخالفه، والعمل به من هؤلاء الأئمة: كابن الصلاح، وابن حجر الهيتمي، والباجي، وابن قُطلوبُغا، واليَعمري، والقَرافيّ، ونقلهم الإجماع على ذلك لشاهدُ عدلٍ على عدمِ الاعتداد بما يُخالفه وعدمِ الالتفات له، وتأويلُه على محامل شتى، وأنَّ خلافَه شاذٌّ غيرُ معتبرٍ، لكن قد يتقوَّى المرجوح بقرائن تظهر لمَن له أهليَّة النَّظر: كالضَّرورةِ والعرفِ ونحوِهما يعلمهما أهل الشَّأن، وهذا بحث آخر.
فلا ينبغي أن يُخلط بين أصل هذه المسألة وبين هذا القيد المذكور، فمَن لم يعتمد القولَ الرَّاجح في كلِّ مسألةٍ وأَفتى بكلّ ما رآه من الأقوال الفقهيّة، فقد ضَلّ وأضل، وضَيَّع العلم والتقوى بالتشهي والتَّلاعب عند الخاصَّة والعامّة.
¬
(¬1) ينظر: الموافقات 5: 90 والتصحيح ص122 عن كتاب التبيين لسنن المهتدين للباجي.
(¬2) في تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام 1: 73.
(¬3) في التصحيح والترجيح شرح القدوري 1: 5.
ومن أدلّة هذه المسألة أنَّ الحقَّ عند الله - جل جلاله - واحدٌ عند أهل السنة:
قال - جل جلاله -: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} الأنبياء: 79، وإذا اختصَّ سليمان - صلى الله عليه وسلم - بالفهم، وهو إصابة الحقّ بالنظر فيه كان الآخر خطأً (¬1)؛ لأنَّ ما قضى به داود - عليه السلام - كان بالرأي؛ إذ لو كان بالوحي لما حلّ لسليمان - عليه السلام - الاعتراض في ذلك، فعُلِم أنَّ كل واحدٍ منهما اجتهد، والله تعالى خصَّ سليمان - عليه السلام - بفهم القضية، ومَنَّ عليه، وكمال المنّة في إصابة الحقّ الحقيقيّ، ويلزم ذلك أن يكون الآخر خطأً؛ إذ لو كان من داود - عليه السلام - ترك الأفضل لما وسع لسليمان - عليه السلام - التعرض؛ لأنَّ الاقتيات على رأي من هو أكبر لا يستحسن فضلاً على الأب النبيّ (¬2).
وعن ابن عمرو - رضي الله عنه -: «إنَّ رجلين اختصما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال لعمرو: اقض بينهما، فقال: أقضي بينهما وأنت حاضر يا رسول الله، قال: نعم، على إنَّك إن أصبت فلك عشر أجور، وإن اجتهدت فأخطأت فلك أجر» (¬3).
وعن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» (¬4).
¬
(¬1) ينظر: أصول البزدوي 4: 17، وغيرها.
(¬2) ينظر: الكافي شرح البزدوي 4: 1841، وفصول البدائع 2: 417، وغيرها.
(¬3) في المستدرك 4: 99، وصححه.
(¬4) في صحيح مسلم 1: 134، وغيره.
وعن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - حين سئل عن الكلالة قال: «إنّي سأقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأً فمنّي ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد والولد، فلمّا استخلف عمر - رضي الله عنه -، قال: إنّي لأستحيي الله أن أردّ شيئاً قاله أبو بكر» (¬1).
وعن عمر - رضي الله عنه -: «إذا حاصرتم أهل حصن فأرادوكم على أن تنزلوهم على حكم الله فلا تنزلوهم على حكم الله، فإنَّكم لا تدرون ما حكم الله فيهم، ولكن أنزلوهم على حكمكم ثم احكموا فيهم ما شئتم ... » (¬2).
وجه الدلالة: وجود حكم واحد لله، وليس كلُّ ما يقول المجتهد حكم الله - جل جلاله -؛ لأنّه لا يدري حكم الله يقيناً، وبالتَّالي لا يُسلِّموا لهم أنّ ما قالوه حكم الله - جل جلاله -، ويدعون غيره.
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: «أنَّه أتاه قوم، فقالوا: إنَّ رجلاً منّا تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقاً ولم يجمعها إليه حتى مات ... فقال: سأقول فيها بجهد رأيي، فإن كان صواباً فمن الله وحده لا شريك له، وإن كان خطأً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء ... » (¬3).
¬
(¬1) في سنن الدارمي 2: 462، وسنن البيهقي الكبير 6: 223، ومسند الربيع 1: 305.
(¬2) في سنن سعيد بن منصور 2: 230، وسنن البيهقي الكبير 9: 96،
(¬3) في المجتبى 6: 122، والمستدرك 2: 196، وسنن البيهقي الكبير 7: 245، وسنن النسائي الكبرى 3: 317، وسنن أبي داود 1: 643، ومسند أحمد 1: 447، وقال الشيخ شعيب: صحيح.
فهذه الآثار تُبيِّن أنَّهم يتصوَّرون الخطأ في الاجتهاد، بخلاف القول بتعدد الاجتهاد، فإنَّه تصوَّر الخطأ في الاجتهاد لا يتصوَّر (¬1).
قال التفتازانيّ (¬2): «وأمّا السنّة والأثر فالأحاديث والآثار الدّالة على ترديد الاجتهاد بين الصواب والخطأ، وهي وإن كانت من قبيل الآحاد، إلا أنَّها متواترة من جهة المعنى، وإلا لم تصلح للاستدلال على الأصول».
وقال الفناريّ (¬3): «الأخبار والآثار الدالّة على ترديد الاجتهاد بين الصواب والخطأ، وتخطئة بعضهم بعضاً بحيث تواتر القدر المشترك، وما فعلوا من حمل التخطئة على صورة وجود القاطع، أو ترك استقصاء المجتهد .. فبعيد لا سيما بين الصحابة».
وقال علاء الدين السمرقنديّ (¬4): «إنَّ الصحابة - رضي الله عنهم - أجمعوا على جواز القياس مع مخالفة البعض في جواب المسائل والتخطئة، حتى شدّدوا على عبد الله بن عباس - رضي الله عنهم - في جواز ربا النَّقد (¬5) ... فالصحابة الذين جوزوا القياس أجمعوا على جواز الخطأ على القياس، وإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - حجّة قاطعة».
¬
(¬1) ينظر: الكافي شرح البزدوي 4: 1842، وغيرها.
(¬2) في التلويح 2: 239.
(¬3) في فصول البدائع 2: 417.
(¬4) في ميزان الأصول 2: 1056.
(¬5) قال شيخنا السعدي في تعليقه على الميزان 2: 1055: استدل على ذلك بما رواه الشيخان: أنَّه روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: (إنَّما الربا في النسيئة) انظر البخاري 3: 21، ومسلم 2: 6218، وقد رجع عن رأيه هذا حينما بلغه حديث أبي سعيد الخدري في تحريم النبي - صلى الله عليه وسلم - ربا الفضل. انظر: حديث أبي سعيد في البخاري 3: 310، ومسلم 3: 1214، وانظر رجوع ابن عباس وكيفية الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد في شرح مسلم للنووي 11: 22.
فالقائلون بعدم الأخذ بالقول الراجح، والاختيار كما يريدون واقعون في مذهب المعتزلة في تعدد الحقّ، وهذا مهلكةٌ.
* ... * *
الثانية: الترجيح لا يكون إلا عن أهل الترجيح:
قال ابن عابدين (¬1) في معنى «(عن أهله): أي أهلِ التَّرجيح؛ إشارةٌ إلى أنَّه لا يكتفي بترجيحِ أيّ عالمٍ كان».
وهذا صريحٌ بيِّنٌ من خاتمةِ المحقِّقين ابنِ عابدين بأنَّه لا يجوز الخوض في التَّرجيحِ بين الأقوال في المذهبِ الواحدِ إلاّ لمَن له أهليّة النَّظر في ذلك، بأن بلغ مرتبةً من الاجتهادِ تُمكنه منه؛ لأنَّه ضربُ اجتهاد، فكيف بمَن يُرجِّحُ بين المذاهب وهو ليس من أهلها، قال ابنُ الهُمام (¬2): «والتَّحقيقُ أنَّ المفتي في الوقائع لا بُدّ له من ضرب اجتهاد ومعرفة بأحوال الناس»،، وهذا يوقعنا في قول المعتزلة: أنَّ الحقَّ عند الله متعدد، وهو ما يغفل عنه أكثر أهل زماننا، فالله المستعان.
قال الخيرُ الرمليُّ (¬3): «ولا شَكَّ أنَّ معرفةَ راجح المختلف فيه من مرجوحِه، ومراتبِه قوّةً وضعفاً، هو نهايةُ آمال المشمرين في تحصيل العلم.
فالمفروض على المفتي والقاضي التثبُّت في الجواب وعدم المجازفة فيهما ـ أي الفتوى والقضاء ـ؛ خوفاً من الإفتراء على الله - جل جلاله - بتحريم حلال وضدِّه.
¬
(¬1) في شرح العقود ص258.
(¬2) في فتح القدير2: 334.
(¬3) في الفتاوى الخيرية ق310\أ.
ويحرم اتّباع الهوى والتَّشهي، والميل إلى المال الذي هو الداهية الكبرى، والمصيبة العظمى، فإنَّ ذلك أمرٌ عظيم لا يتجاسر عليه إلا كلُّ جاهلٍٍ شقيٍّ».
وما نبه عليه الرملي من معرفة الراجح والمرجوح أمر في غاية الأهمية؛ إذ بدونه يعجز الدارس عن الإفتاء والتمييز بين الروايات والترجيح بين الأقوال، ويكون علمه مقتصراً على حفظ المسائل وتصورها بدون قدرة على تطبيقها والاستفادة منها في الجانب العملي الذي يُدرس الفقه من أجله، وبسبب الغفلة عن هذا صار علم الفقه نظرياً، لا سيما في أبواب المعاملات والقضاء.
الثالثة: مراجعة عدّة كتب قبل الفتوى، وذكر كتب غير معتمدة:
قال ابن عابدين (¬1): «فحيث علمت وجوب اتّباع الراجح من الأقوال وحال المرجِّح له، تعلم أنَّه لا ثقة بما يُفتي به أكثرُ أهل زماننا بمجردِ مراجعةِ كتابٍ من الكتبِ المتأخرة، خصوصاً غير المحرَّرة: كـ «شرح النقاية» للقُهُستانيّ، و «الدر المختار»، و «الأشباه والنظائر»، ونحوها، فإنَّها لشدّة الاختصار والإيجاز كادت تلحق بالألغاز، مع ما اشتملت عليه من السقط في النقلِ في مواضع كثيرة، وترجيح ما هو خلاف الراجح، بل ترجيح ما هو مذهب الغير ممَّا لم يقل به أحدٌ من أهل المذهب».
¬
(¬1) في شرح العقود ص284ـ 286.
وليتنبه لكلام ابن عابدين، فإنَّ صاحب الدَّار أعلم بما فيها، وهو على دراية كاملة بـ «الدر المختار»؛ لاشتغاله به في حاشيته المشهورة وتتبعه لكلِّ مسائله، وكذا بصارته بـ «الأشباه والنظائر» مشهورة وله حاشية عليها أيضاً، فكلامه هاهنا من أدق ما يوصف به الكتابان.
قال البعلي: «ومن الكتبِ الغريبةِ: «منلا مسكين شرح الكنز»، و «القُهُستانيّ»؛ لعدمِ الاطّلاعِ على حالِ مؤلفيها، أو لنقلِ الأقوالِ الضعيفة: كصاحب «القنية»، أو لاختصار مخلٍ: كـ «الدر المختار» للحصكفي، و «النهر»)، و «العيني شرح الكنز» (¬1).
قال شيخنا صالح الجينينيّ: إنَّه لا يجوز الإفتاء من هذه الكتب، إلاّ إذا عَلِم المنقول عنه والاطلاع على مآخذها، هكذا سمعته منه ـ أي سمعه البعلي من شيخه الجنيني ـ، وهو علامةٌ في الفقه مشهورٌ والعهدةُ عليه» (¬2).
¬
(¬1) أي رمز الحقائق شرح كنز الدقائق، وهو من الكتب المعتبرة، ومؤلفه من مشاهير الحنفية، وقد اختصره من تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق مع إضافات من كتب الفتاوى في آخر كل موضوع، وفي بعض عباراته اختصار مخلّ يمكن أن تُحلّ بمراجعة تبيين الحقائق، والله أعلم.
(¬2) ينظر: شرح العقود ص286ـ289، ورد المحتار1: 70.
قال ابنُ عابدين (¬1): «وينبغي إلحاق «الأشباه والنظائر» بها، فإنَّ فيها من الإيجاز في التَّعبير ما لا يُفهم معناه إلا بعد الاطلاع على مأخذه, بل فيها في مواضع كثيرة الإيجاز المخل, يظهر ذلك لمَن مارس مطالعتها مع الحواشي، فلا يأمن المفتي من الوقوع في الغلط إذا اقتصر عليها، فلا بُدّ له من مراجعةِ ما كتب عليها من الحواشي أو غيرها، ورأيت في «حاشية أبي السعود الأزهري على شرح منلا مسكين»: أنَّه لا يعتمد على «فتاوى ابن نجيم»، ولا على «فتاوى الطوري».
الرابعة: تكرار الخطأ في العديد من الكتب:
قال ابن عابدين (¬2): «وقد يتفق نقل قول في نحو عشرين كتاباً من كتب المتأخرين، ويكون القول خطأً أخطأ به أَوّل واضع له، فيأتي مَن بعده وينقله عنه، وهكذا َنقَلَ بعضُهم عن بعض».
وسبب الخطأ قد يكون سبق قلم، أو اشتباه حكم بآخر، أو نحو ذلك، وكلُّ ذلك لا يحطّ من مقدارهم شيئاً، ولا يلزم منه عدم الثّقة بهم قطعاً؛ لأنَّه لا لوم عليهم، والغالبُ أنَّ الخطأ يكون من واحدٍ فيأتي من بعده فيتابعه (¬3). ومن أمثلة ذلك:
¬
(¬1) في رد المحتار1: 70.
(¬2) في شرح العقود ص289.
(¬3) ينظر: حاشية المظاهري ص53.
1.الخطأ في مسألة عدم صحة تعليق الاعتكاف:
قال ابنُ نجيم (¬1): «والعجب من المحقق ابن الهمام في «فتح القدير»، حيث جعل إيجاب الاعتكاف مما لا يصح تعليقه، وعزاه إلى «الخلاصة» في (كتاب البيوع)، ولم يقل في رواية، مع أنَّه قَدَّمَ في (باب الاعتكاف) أنَّ الاعتكاف الواجب: هو المنذور تنجيزاً أو تعليقاً، وهو صريحٌ في صحّة تعليقه بالشَّرط.
والعجب من العَينيّ كيف مشى هنا على أنَّه لا يصحّ تعليقه، وقال في «شرح الهداية» من (باب الاعتكاف): والواجب أن يقول: لله علي أن أعتكف يوماً أو شهرا، أو يعلقه بشرط فيقول: إن شفى الله مريضي. اهـ.
فقد أتى بعين ما مَثل به هنا وتناقض، وكيف يصحّ أن يقال: بعدم صحة تعليقه مع الإجماع على صحّة تعليق المنذور من العبادات: أي عبادة كانت، حتى أنَّ الوقف ... لا يصح تعليقه بالشَّرط.
ولو علق النذر به بشرط صح التعليق، قال في «الواقعات الحسامية» من (الفصل السابع في النذر بالصدقة): رجلٌ ذهب له شيء، فقال: إن وجدته فلله علي أن أقف أرضي على أبناء السبيل، فوجده وجب عليه أن يقف؛ لأنَّ هذا نذر والوفاء بالنذر واجب، وصرَّح في النَّذر بالصوم بصحّة تعليقه بالشَّرط.
¬
(¬1) في البحر الرائق 6: 200 - 201.
وفي «فتاوى قاضي خان»: الاعتكاف سنة مشروعة، يجب بالنذر والتعليق بالشَّرط والشُّروع فيه اعتباراً بسائر العبادات. اهـ.
وأنا متعجب لكونهم تداولوا هذه العبارات متوناً وشروحاً وفتاوى، ولم يتنبهوا لما اشتملت عليه من الخطأ بتغير الأحكام، والله الموفق للصواب.
وقد يقع كثيراً أنَّ مؤلفاً يذكر شيئاً خطأً في كتابه، فيأتي مَن بعده من المشايخ، فينقلون تلك العبارة من غير تغيير ولا تنبيه، فيكثر الناقلون لها، وأصلها لواحدٍ مخطئ، كما وقع في هذا الموضع».
2. الخطأ في مسألة جواز الاستئجار على تلاوة القرآن المجردة:
قال ابن عابدين (¬1): «فقد وَقَعَ لصاحب «السراج الوهاج» و «الجوهرة شرح القدوري» أنَّه قال: إنَّ المفتى به صحّة الاستئجار، وقد انقلب عليه الأمر، فإنَّ المفتى به صحّة الاستئجار على تعليم القرآن، لا على تلاوتِه، ثمّ إنَّ أكثر المصنفين الذين جاؤوا بعده تابعوه على ذلك ونقلوه، وهو خطأٌ صريحٌ، بل كثيرٌ منهم قالوا: إنَّ الفتوى على صحّة الاستئجار على الطاعات.
ويُطلقون (¬2) العبارة ويقولون: إنَّه مذهب المتأخرين، وبعضهم يُفَرِّعُ على ذلك صحّة الاستئجار على الحجّ، وهذا كلُّه خطأٌ أصرح من الخطأ الأوّل.
¬
(¬1) في شرح العقود ص291ـ 298.
(¬2) كالعلامة زين الدين ابن نجيم والحصكفي، حيث يطلقان في بعض كلامهما أنَّ المفتى به جواز الاستئجار على الطاعات عند المتأخرين، وإنَّه ليس على إطلاقه، بل رده الرملي في حاشية البحر في كتاب الوقف، حيث قال: المفتى به جواز الأخذ استحساناً على تعليم القرآن، لا على القراءة المجردة، كما صرح به في التتارخانية، حيث قال: لا معنى لصلة القارئ بقراءته؛ لأنَّه بمنزلة الأجرة، والأجرة في ذلك باطلة، وهي بدعة لم يفعلها أحد من الخلفاء، كما في المظاهري ص54.
فقد اتفقت النُّقول عن أئمتِنا الثَّلاثةِ: أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومُحمّد - رضي الله عنهم -: أنَّ الاستئجارَ على الطَّاعاتِ باطلٌ، لكن جاء مَن بعدهم من المجتهدين الذين هم أهل التَّخريج والتَّرجيح فأفتوا بصحَّته على تعليم القرآن؛ للضَّرورة (¬1)، فإنَّه كان للمعلمين عطايا من بيت المال وانقطعت، فلو لم يصحّ الاستئجار وأَخْذُ الأُجرة لضاع القرآن، وفيه ضياعُ الدين؛ لاحتياج المعلمين إلى الاكتساب.
¬
(¬1) والأصل عندنا: أنَّه لا يجوزُ الإجارة على الطَّاعات والمعاصي، لكن لَمَّا وقعَ الفتورُ في الأمورِ الدِّينية، يُفْتَى بصحَّتِها؛ لتعليم القرآن والفقه، تحرُّزاً عن الاندراس، كما في شرح الوقاية2: 285، فبعض المشايخ استحسنوا الاستئجار على تعليم القرآن اليوم؛ لظهور التواني في الأمور الدينية، ففي الامتناع تضييع حفظ القرآن، وعليه الفتوى، وتمامه في استحسان الاستئجار على تعليم القرآن ص227، وقالوا: إنَّما كره تعليم القرآن بالأجر في الصدر الأول؛ لأنَّ حملة القرآن كانوا قليلاً، فكان التعليم واجباً، حتى لا يذهب القرآن، فأما في زماننا كثر حملة القرآن، ولم يبق التعليم واجباً، فجاز الاستئجار عليه، كما في المحيط ص151، ويشهد لذلك: أنَّ أبا سعيد الخدريّ - رضي الله عنه - رقا بفاتحة الكتاب، وأخذَ قطيعاً من الغنمِ واقتسمه هو وأصحابه بأمرِ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (إنَّ أحقَّ ما أخذتم عليه أجراً كتابُ الله) في صحيح البخاري2: 795.
وأَفتى مَن بعدهم أيضاً من أمثالهم بصحَّتِهِ على الأذان والإمامة (¬1)؛ لأنَّهما من شعائر الدِّين، فصحَّحوا الاستئجار عليهما؛ للضَّرورة أيضاً، فهذا ما أفتى
¬
(¬1) اقتصرَ صاحب الهداية3: 240 على استثناءِ تعليمِ القرآن، وزادَ بعضهم الإمامة والأذان، وبعضُهم الإقامة والوعظ والتدريس، وقد اتَّفقت كلمتهم على التعليم؛ للضرورة، وعلى التصريحِ بأصل المذهب، وهو عدمُ الجواز، فهذا دليلٌ على أنَّ المفتى به ليس هو جواز الاستئجار على كلِّ طاعة، بل على ما ذكروه فقط، ممّا فيه ضرورةٌ ظاهرةٌ تبيح الخروج عن أصل المذهب من طرقِ المنع، كما في رد المحتار5: 34 - 35، وعن عثمان بن أبي العاص - رضي الله عنه -، قال: قلت: (يا رسول الله، اجعلني إمام قومي، قال: أنت إمامهم، واتّخذ مؤذِّناً لا يأخذ على أذانه أجراً) في المستدرك1: 314، وصححه، وصحيح ابن خزيمة1: 221، وسنن أبي داود1: 201، وعن يحيى البكاء - رضي الله عنه -: «قال رجل لابن عمر - رضي الله عنهم -: إني لأحبّك في الله، فقال ابن عمر - رضي الله عنهم -: لكني أبغضك في الله، قال: ولم؟ فقال: إنَّك تنقي في أذانك، وتأخذ عليه أجراً» في المعجم الكبير12: 264، ومصنف عبد الرزاق1: 481، وعن الطفيل بن عمرو الدوسي - رضي الله عنه -، قال: (أقرأني أبي بن كعب القرآن، فأَهديت له قوساً، فغدا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - متقلّدها، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: مَن سلحك هذه القوس يا أُبي؟ فقال: الطفيل بن عمرو الدوسي، أقرأته القرآن، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تقلدها شِلْوة ـ قطعة ـ من جهنم، فقال يا رسول الله، إنا نأكل من طعامهم، فقال: أما طعام صنع لغيرك فحضرت فلا بأس أن تأكله) في المعجم الأوسط1: 139، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ر6446: «رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الله بن سليمان بن عمير، ولم أجد مَن ترجمه، ولا أظنه أدرك الطفيل». وعن عطية بن قيس الكلابي - رضي الله عنه - قال: (عَلَّمَ أبي بن كعب - رضي الله عنه - رجلاً القرآن، فأتى اليمن فأهدى له قوساً، فذكر ذلك للنبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إن أخذتها فخذ بها قوساً من النار) في سنن البيهقي الكبير 6: 125، وعن عبد الرحمن بن شبل - رضي الله عنه -، قال: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (اقرؤوا القرآن ولا تأكلوا به، ولا تحضوا عنه، ولا تغلوا فيه، ولا تستكثروا به) في مسند البزار3: 266، ومسند أحمد3: 429، وصححه الأرنؤوط، وعن عبادةِ بن الصامت - رضي الله عنه -، قال: (علَّمتُ ناساً من أهل الصُفّة القرآن، وأهدى إليّ رجلٌ منهم قوساً، فقلت: ليست بمال وأرمي بها في سبيل الله، فسألتُ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال: إن أردت أن يطوّقك الله طوقاً من نار فاقبلها) في سنن أبي داود2: 285، وسنن ابن ماجة2: 730، ومشكل الآثار9: 341، ومسند الشاشي3: 461.
به المتأخرون عن أبي حنيفة وأصحابه - رضي الله عنهم -؛ لعلمهم بأنَّ أبا حنيفة وأصحابه - رضي الله عنهم - لو كانوا في عصرهم لقالوا بذلك، ورجعوا عن قولهم الأوّل، وقد أَطبقت المتون والشُّروح والفتاوى على نقلهم بطلان الاستئجار على الطَّاعات إلا فيما ذكر، وعلَّلوا ذلك بالضَّرورة، وهي خوفُ ضياع الدِّين، وصَرَّحوا بذلك التَّعليل، فكيف يصحّ أن يُقال: إنَّ مذهبَ المتأخرين صحّة الاستئجار على التلاوة المجردة، مع عدم الضَّرورة المذكورة، فإنَّه لو مضى الدَّهر ولم يستأجر أحدٌ أحداً على ذلك لم يحصل به ضررٌ، بل الضَّرر صار في الاستئجار عليه، حيث صار القرآن مكسباً وحرفةً يتجر بها.
وصار القارئ منهم لا يقرأ شيئاً لوجه الله - جل جلاله - خالصاً، بل لا يقرأ إلا للأجرة، وهو الرِّياءُ المحضُ الذي هو إرادة العمل لغير الله - جل جلاله -، فمن أين يحصل له الثَّواب الذي طلب المستأجر أن يهديه لميته.
وقد قال الإمامُ قاضي خان - رضي الله عنه -: إنَّ أخذَ الأجر في مقابلةِ الذكرِ يمنعُ استحقاق الثواب، ومثله في «فتح القدير» في أخذِ المؤذِّن الأَجر (¬1).
¬
(¬1) ينظر فتح القدير 1: 247. وينبغي أن لا يكون هذا الكلام على إطلاقه، وإنَّما مُقيّدٌ بمَن
يقصد بقراءته وتعليمه وأذانه وإمامته الأجرة فحسب، ولا يقصد الثواب من الله - جل جلاله -، وإلا فمَن قَصَدَ رضاء الله وأخذ أجرة، فلا شَكّ في حصولِ الثواب له، ومدار الأمر على الإخلاص، والله أعلم.
ولو عَلِم أنَّه لا ثواب له لم يدفع له فلساً واحداً، فصاروا يتوصَّلون إلى جمع الحطام الحرام بوسيلة الذكر والقرآن، وصار الناسُ يعتقدون ذلك من أعظمِ القرب، وهو من أعظمِ القبائحِ المترتبة على القول بصحّة الاستئجار، مع غير ذلك ممَّا يترتب عليه من أكلِ أموال الأيتام والجلوس في بيوتهم على فرشهم، وإقلاق النائمين بالصُّراخ، ودقّ الطبول والغناء، واجتماع النساء والمردان (¬1)، وغير ذلك من المنكرات الفظيعة ـ كما أوضحت ذلك كلَّه مع بسط النقول عن أهل المذهب في رسالتي المسمّاة: «شفاء العليل وبل الغليل في بطلان الوصية بالختمات والتهاليل.
وعليها تقاريظُ فقهاءِ أهل العصر من أجلهم خاتمةُ الفقهاء والعُبّاد الناسكين مفتي مصر القاهرة سيدي المرحوم السيد أحمد الطحطاوي صاحب الحاشية الفائقة على «الدر المختار» رحمه الله تعالى ـ».
3.الخطأ في مسألة عدم قبول السابّ للجناب الرفيع - صلى الله عليه وسلم -:
قال ابنُ عابدين (¬2): «نقل صاحبُ «الفتاوى البَزَّازيّة»: أنَّه يجب قتلُه عندنا، ولا تقبلُ توبتُه، وإن أَسْلَم، وعزا ذلك) إلى «الشفاء» للقاضي عياض
¬
(¬1) وهو جمع أمرد: أي الشاب الذي لم تنبت له لحيته، كما في المظاهري ص58.
(¬2) في شرح العقود ص299ـ 302.
المالكي، و «الصارم المسلول» لابن تيمية الحنبليّ، ثم جاء عامّة مَن بعده وتابعه على ذلك، وذكروه في كتبِهم، حتى خاتمة المحقِّقين ابنُ الهُمام، وصاحبُ «الدرر» و «الغرر»، مع أنَّ الذي في «الشفاء» و «الصارم المسلول»: أنَّ ذلك مذهب الشافعيّة والحنابلة، وإحدى الرّوايتين عن الإمام مالك، مع الجزم بنقلِ قبول التوبة عندنا.
وهو المنقول في كتب المذهب المتقدِّمة: ككتاب «الخراج» لأبي يوسف، و «شرح مختصر الإمام الطحاوي»، و «النتف»، وغيرها من كتب المذهب ـ كما أوضحت ذلك غاية الإيضاح بما لم أُسْبَق إليه، ولله الحمد والمِنّة في كتاب سميته: «تنبيه الولاة والحكّام على أحكام شاتم خير الأنام أو أحد أصحابه الكرام» عليه وعليهم الصلاة والسلام ـ».
قال الحدادي (¬1): «ومَن سب الشيخين أو طعن فيهما، يكفر ويجب قتله، ثم إن رجع وتاب وجدد الإسلام، هل تقبل توبته أم لا؟ قال الصَّدر الشَّهيد: لا تقبل توبته وإسلامه، وبه أخذ الفقيه أبو الليث السمرقندي وأبو نصر الدبوسي، وهو المختار للفتوى، إلا إذا طلب أن يؤجل، فإنَّه يؤجل ثلاثة أيام ولا يُزاد عليها».
¬
(¬1) في الجوهرة النيرة 2: 276.
وقال ابن نجيم (¬1): « ... وحيث لا تقبل توبته، علم أنَّ سب الشيخين كسب النبي - صلى الله عليه وسلم -».
لكن قال ابن عابدين (¬2): «قال في النَّهر: هذا لا وجود له في أصل «الجوهرة»، وإنَّما وجد على هامش بعض النسخ، فألحق بالأصل، مع أنَّه لا ارتباط له مع ما قبله».
وقال (¬3): «على فرض ثبوت ذلك في عامة نسخ «الجوهرة»، لا وجه له يظهر؛ لما قدَّمناه من قَبول توبة من سَبّ الأنبياء عندنا، خلافاً للمالكية والحنابلة وإذا كان كذلك فلا وجه للقول بعدم قبول توبة من سبّ الشيخين، بل لم يثبت ذلك عن أحد من الأئمة فيما أعلم، اهـ، ونقله عنه السيد أبو السعود الأزهري في «حاشية الأشباه»».
4. الخطأ في مسألة ضمان الرَّهن بدعوى الهلاك:
قال ابن عابدين (¬4): «ذكر في «الدرر» و «شرح المجمع» لابن ملك: أنَّه يضمن بدعوى الهلاك بلا بُرهان، وتبعهُما في متن «التنوير»، ومقتضاه: أنَّه يضمن قيمته بالغة ما بلغت، وبه أَفتى العلامة الشيخ خير الدين - رضي الله عنه -، وأنَّه لا
¬
(¬1) في البحر الرائق 5: 136.
(¬2) في منحة الخالق5: 136.
(¬3) في رد المحتار 4: 237.
(¬4) في شرح العقود ص303ـ 309.
يضمن شيئاً إذا برهن، مع أنَّ ذلك مذهب الإمام مالك - رضي الله عنه -، ومذهبنا ضمانه بالأقلّ من قيمتِه ومن الدين، بلا فرق بين ثبوت الهلاك ببرهان وبدونه، كما أوضحه في «الشُّرُنْبُلاليّة» عن «الحقائق»، ونبهتُ عليه في حاشيتي «ردّ المحتار على الدر المختار»، مع بيان، مَن أَفتى بما هو المذهب، ومَن رَدَّ خلافَه».
ولهذا الذي ذكرناه نظائر كثيرة، اتفق فيها صاحب «البحر»، و «النهر»، و «المنح»، و «الدر المختار»، وغيرهم، وهي سهوٌ، منشؤها الخطأ في النقل، أو سبق النظر، نبَّهت عليها في حاشيتي «ردّ المحتار»؛ لالتزامي فيها مراجعة الكتب المتقدمة التي يعزون المسألة إليها، فأذكر أصل العبارة التي وقع السهو في النقل عنها، وأضمُّ إليها نصوص الكتب الموافقة لها؛ فلذا كانت تلك الحاشية عديمة النظير في بابها، لا يستغني أحدٌ عن تطلابها، أسأله سبحانه أن يعينني على إتمامها.
فإذا نظر قليلُ الاطّلاع، ورأى المسألة مسطورةً في كتابٍ أو أكثر، يَظُنُّ أنَّ هذا هو المذهب، ويفتي به، ويقول: إنَّ هذه الكتب للمتأخرين الذين اطّلعوا على كتب مَن قبلهم وحرَّروا فيها ما عليه العمل، ولم يدرِ أنَّ ذلك أَغْلَبيّ، وأنَّه يقع منهم خلافه ـ كما سطّرناه لك (¬1) ـ.
¬
(¬1) أي في الأمثلة السابق ذكرها، وهذه النظرة شائعة جداً عند الكسالى في طلب العلم، فلا يريدون إتعاب أنفسهم بمراجعةِ كتب عديدةٍ في المسألةِ الواحدة، وهذا أمرٌ لا بُدّ منه لتكوين الملكة الفقهية للتعرُّف على مناهج المؤلفين واعتبار مسائلهم وطبقات كتبهم ومدى اعتماد أقوالهم، وهذه ميزةُ حاشية ابن عابدين.
وقد كنت مَرَّةً أَفتيت بمسألة في الوقف، موافقاً لما هو المسطور في عامّة الكتب، وقد اشتبه فيها الأمر على الشيخ علاء الدين الحصكفي عمدة المتأخرين، فذكرها في «الدر المختار» على خلاف الصواب، فوقع جوابي الذي أَفْتَيْتُ به بيد جماعةٍ من مفتي البلاد، كتبوا في ظهره بخلاف ما أَفتيت به موافقين لما وَقَعَ في «الدر المختار»، وزاد بعضُ هؤلاء المفتين: إنَّ هذا الذي في العلائي ـ أي الدر المختار ـ هو الذي عليه العمل؛ لأنَّه عمدةُ المتأخرين، وإنَّه إن كان عندكم خلافه لا نقبله منكم، فانظر إلى هذا الجهل العظيم، والتهوُّر في الأحكام الشرعية، والإقدام على الفتيا بدون علمٍ وبدون مراجعة.
وليت هذا القائل راجع «حاشية العلامة الشيخ إبراهيم الحلبيّ على الدر المختار»، فإنَّها أقرب ما يكون إليه، فقد نبَّه فيها على أنَّ ما وقع للعلائيّ خطأٌ في التعبير».
وقال ابن حجر الهيثمي (¬1): «سُئِل في شخصٍ يقرأ ويُطالع الكتب الفقهيّة بنفسه، ولم يكن له شيخٌ، ويُفتي ويعتمد على مطالعته في الكتب، فهل يجوز له ذلك أم لا؟
فأجاب بقوله: لا يجوز له الإفتاء بوجهٍ من الوجوه؛ لأنَّه عاميٌّ جاهلٌ
¬
(¬1) في الفتاوى الفقهية الكبرى4: 332.
لا يدري ما يقول، بل الذي يأخذ العلم عن المشايخ المعتبرين لا يجوز له أن يُفتي من كتابٍ ولا من كتابين، بل قال النووي: ولا من عشرةٍ، فإنَّ العشرة والعشرين قد يعتمدون كلّهم على مقالةٍ ضعيفةٍ في المذهبِ، فلا يجوز تقليدُهم فيها، بخلاف الماهرِ الذي أخذ العلم عن أهلِه، وصارت له فيه ملكة نفسانية، فإنَّه يُميِّزُ الصحيح من غيره، ويعلم المسائل وما يتعلّق بها على الوجهِ المعتدِّ به، فهذا هو الذي يُفتي الناس، ويصلح أن يكون واسطة بينهم وبين الله - جل جلاله -.
وأمّا غيرُه، فيلزمه إذا تَسوَّر هذا المنصب الشريف، التعزير البليغ، والزجر الشديد، الزاجر ذلك لأمثاله عن هذا الأمر القبيح، الذي يؤدي إلى مفاسد لا تُحصى، والله - جل جلاله - أعلم».
الخامسة: لا يجوز الإفتاء إلا من تعلم الفقه مع الأساتذة:
وقال العثماني (¬1): «لا يجوز الإفتاء لمن لم يتعلم الفقه لدى أَساتذة مهرة، وإنَّما طالع الكتب الفقهية بنفسه؛ لأنَّ الكتبَ الفقهيّة لها أسلوبٌ يخصُّها، فربّما يذكر الفقهاء كلاماً مطلقاً، ويقصدون بذلك شيئاً مقيّداً، اعتماداً على ذكر تلك القيود في مواضع أخرى، أو على فهم السَّامع، فمجرَّد مطالعة كتب الفقه ربّما يؤدي خلاف المقصود، أو أنَّ فيها بعض المؤاخذات».
¬
(¬1) في أصول الإفتاء ص227.
قال ابن عابدين (¬1): «يطلقون عباراتهم كثيراً في موضعٍ اعتماداً على التقييد في محلِّه، وقصدهم بذلك أن لا يدّعي علمهم إلا مَن زاحمهم بالركب، وليعلم أنَّه لا يحصل إلا بكثرة المراجعة وتتبّع عباراتهم والأخذ عن الأشياخ».
فمَن قرأها لدى أساتذة مهرة، فإنَّه يتنبّه على مثل ذلك فلا يقع في خطأ؛ ولهذا لا يكفي معرفة اللغة العربية، بل يجب التفقه لدى أستاذ ماهر (¬2)، كملت أهليته، واشتهرت صيانته، وكان له في ... العلوم ... الشرعية تمام الاطلاع؛ ليوضح للطالب العبارة، ويجلي له الإشارة، ويجلو مرآة قلبه بلطائف المعارف الواردة من فضل الله - جل جلاله -، لفظه دواء، ولحظه شفاء، ينهض المتواني حاله، ويدل الجاهل على الله - جل جلاله - مقاله، ولله در القائل:
مَن يأخذ العلم عن شيخ مشافهة ... يكن من الزيغ والتحريف في حرم
ومَن يكن آخذاً للعلم عن صحف ... فعلمه عند أهل العلم كالعدم
وقال آخر:
أمدّعياً علماً وليس بقارئ ... كتاباً على شيخ به يسهل الحزن
أتزعم أنَّ الذهنَ يُوضحُ مُشكلاً ... بلا مخبر تالله قد كذب الذهن
¬
(¬1) في رد المحتار1: 450.
(¬2) ينظر: في رد المحتار1: 450.
وإنَّ ابتغاء العلم دون معلم ... كموقد مصباح وليس له دهن (¬1)
وقال ابن حجر الهيتمي (¬2): «تدريس الشافعي لكتب غير مذهبه لا يسوغ له، إلا إن قرأ ذلك الذي يُدَرِّسُهُ على عالم موثوق به من أئمة ذلك المذهب، هذا إن أريد به تدريس المعتمد في ذلك المذهب، وأمّا إن أريد منه مجرّد فهم العبارة وتفهيمها فهذا لا محذور فيه».
أو كان ظاهر الرِّواية ولم ... يرجحوا خلاف ذاك فاعلم
معناه: أنَّ ما كان من المسائل في الكتب التي رويت عن محمد بن الحسن - رضي الله عنه - رواية ظاهرة يفتى به، وإن لم يُصرِّحوا بتصحيحه، نعم لو صحّحوا رواية أُخرى من غير كتب ظاهر الرِّواية يتبع ما صحَّحوه.
قال الطَّرسوسيُّ في مسألة الكفالة إلى شهر: «إنَّ القاضي المقلِّد لا يجوز له أن يَحكمَ إلاّ بما هو ظاهرُ الرِّواية، لا بالرِّواية الشاذّة، إلا أن ينصّوا على أنَّ الفتوى عليها» (¬3).
وكتب ظاهر الرِّواية أتت ... ستّاً وبالأصول أَيضاً سميت
الوقفات المتعلّقة بالبيت:
الأولى: اختلفوا في تحديد كتب ظاهر الرواية على أقوال:
¬
(¬1) ينظر: الفوائد المكية ص21.
(¬2) في الفتاوى الكبرى4: 325.
(¬3) ينظر: شرح العقود ص311ـ 312 عن أنفع الوسائل.
1.إنَّها ستة كتب: «الجامع الصغير» و «الجامع الكبير» و «السير الصغير» و «السير الكبير» و «المبسوط» و «الزيادات»، واختاره ابن عابدين (¬1)، واللكنوي (¬2)، والنحلاوي (¬3)، والكشميري (¬4)، وعلي حيدر (¬5)، والعثماني (¬6)، والمجددي (¬7).
2.إنَّها أربعة كتب، فلم يَعدّ «السِّير» بقسميه منها، واختاره البابرتي (¬8) وقاضي زاده (¬9)، إذ قالا: «المرادُ بظاهر الرواية عند الفقهاء: رواية «الجامعين» و «المبسوط» و «الزيادات»، ويعبَّر عنها بظاهر الرواية، والمراد بغير ظاهر الرواية: رواية غيرها».
¬
(¬1) في رد المحتار 1: 47، وشرح رسم المفتي ص16، والعقود الدرية1: 170، وفي موضع آخر2: 310، قال: «المراد بالمذهب ما يذكر في كتب ظاهر الرواية الخمسة التي هي المبسوط، والسير الكبير، والسير الصغير، والجامع الكبير، والجامع الصغير من كتب الإمام محمد بن الحسن»، حيث جعلها خمسة وأخرج الزيادات، فلعله سبق قلم منه، لتعارضه مع ما ذكره في مواضع أخرى.
(¬2) في عمدة الرعاية 1: 29.
(¬3) في الدرر المباحة ص232.
(¬4) في فيض الباري2: 266.
(¬5) في درر الحكام شرح مجلة الأحكام4: 607.
(¬6) في أصول الإفتاء ص23.
(¬7) في أدب المفتي ص570.
(¬8) في العناية 8: 371.
(¬9) في نتائج الأفكار 8: 371،9: 104.
3.إنَّها خمسة كتب، فلم يعدّ «السير الصغير» منها، واختار ابن مازه (¬1)، وطاشكبرى زاده (¬2)، وحاجي خليفة (¬3)، والحموي (¬4).
والقول الثَّالث هو الرّاجح؛ لأننا عند مقابلة كتاب «السِّير الصغير» المطبوع (¬5) مع «كتاب السير» من كتاب «الأصل» (¬6) لمحمد بن الحسن الشيباني نجد أنَّهما لا يختلفان عن بعضهما أبداً، فلعله سُمِّي بالصغير؛ تمييزاً له عن «السِّير الكبير» الذي ألَّفه محمد بن الحسن مستقلاً، وشرحه السَّرَخْسيّ وغيره.
الثانية: ظاهر الرواية يقصد بها قول أبي حنيفة عادة، وقول الصاحبين عموماً:
إذا أُطلق ظاهر الرواية في المعتاد، فإنَّ المقصود به ما نقل عن أبي حنيفة في كتب ظاهر الرِّواية، ولكنَّها تشتمل على قول أبي يوسف ومحمد، فيطلق عليها ظاهر الرواية، ويكون المقصود بها المنقول عن أئمتنا الثلاثة، والمعتاد
¬
(¬1) في المحيط البرهاني1: 29.
(¬2) من مفتاح السعادة 2: 237.
(¬3) في كشف الظنون 2: 1283.
(¬4) في غمز عيون البصائر4: 322.
(¬5) ينظر: طبعة السير الصغير بتحقيق: مجيد خدوري، الدار المتحدة للنشر، بيروت، 1975م، ط1.
(¬6) الأصل 1: 421 ـ538.
أن يكون مُقيداً بذكرهم بأن يقال: في ظاهر الرواية عن الثلاثة مثلاً.
ومن النادر جداً أن يذكر قول الحسن بن زياد في ظاهر الرواية، كما أشار ابن عابدين، وفي بعض الأحيان يطلق ظاهر الرواية ويقصد به ما نقل عن محمّد في ظاهر الرواية ولا يصرّح به عنه، وبعد البحث والتنقيب يتبيّن ذلك.
فمثلاً: مسألة مقدار مسح الرأس، فالمشهور في المذهب مقدار الربع، وروي ثلاثة أصابع: وهي رواية هشام عن الإمام (¬1)، وقال ابن نجيم (¬2): «ذكر في البدائع: أنَّها رواية الأصول، وفي غاية البيان أنَّها ظاهر الرواية، وفي معراج الدراية: أنَّها ظاهر المذهب، واختيار عامة المحققين، وفي الظهيرية: وعليها الفتوى ... ومع ذلك فهي غير منصور».
قال الشُّرُنْبُلاليّ (¬3): «أنَّه مردودٌ وإن صحح»، وقال الطَّحطاويُّ (¬4): «أنَّها غير المنصور روايةً ودراية»، وقال ابنُ عابدين: (¬5): «لكن نسبها إلى محمّد - رضي الله عنه -، فيحمل ما في المعراج من أنَّها ظاهر المذهب على أنَّها ظاهر الرواية عن محمد - رضي الله عنه - توفيقاً».
¬
(¬1) ينظر: درر الحكام1: 10.
(¬2) في البحر1: 15.
(¬3) في مراقي الفلاح 1: 95.
(¬4) في حاشية الطحطاوي1: 95.
(¬5) في رد المحتار1: 67.
وقال محقِّق «الأصل» (¬1) إشارة إلى عدم ذكر الحسن في ظاهر الرواية: «يذكر الإمام محمد في الكتاب أراء أستاذيه أبي حنيفة وأبي يوسف ورأيه في مواضع كثيرة جداً من الكتاب، ويذكر نادراً آراء غيرهم مثل زفر وابن أبي ليلى وسفيان، ويذكر نادراً قول أهل المدينة» (¬2).
الثالثة: اختلفوا في تحديد ظاهر الرواية والأصول:
1.ذهب الجمهور: أنَّه لا فرق بينهما، وانتصر لهم ابن عابدين (¬3).
2.ذهب بعضهم: كالبابرتي (¬4) وابن كمال باشا (¬5) وطاشكبرى زاده إلى الفرق بينهما، فقال طاشكبرى (¬6): «إنَّهم يُعبّرون عن «المبسوط» و «الزيادات» و «الجامعين» برواية الأصول، وعن «المبسوط» و «الجامع الصغير» و «السير الكبير» بظاهر الرواية، ومشهور الرواية».
والرّاجح ما ذهب إليه الجمهور؛ لأنَّ الاستخدام الشائع في عامة
¬
(¬1) 1: 113.
(¬2) لكن في الأصل نُقِل عن المجرد للحسن بن زياد ثلاث صفحات، وقال المحقق1: 202: «أنها موجود في جميع نسخ المخطوطة، ولعلّها من الرّواة»
(¬3) في شرح رسم المفتي ص16 - 18.
(¬4) في العناية1: 136.
(¬5) ينظر: رأي ابن كمال باشا في شرح رسم المفتي ص17 - 18، وغيرها.
(¬6) مفتاح السعادة 2: 237.
الكتب استعمال رواية الأصول مرادفة لظاهر الرِّواية (¬1).
صنَّفَها مُحمّدٌ الشيبانيّ ... حَرَّرَ فيها المذهب النعماني
الجامع الصغير والكبير ... والسير الكبير والصغير
ثم الزيادات مع المبسوط ... تواترت بالسند المضبوط
كذا له مسائل النوادر ... إسنادُها في الكتب غيرُ ظاهر
وبعدها مسائل النوازل ... خَرَّجَها الأشياخُ بالدلائل
طبقات مسائلَ الحنفية ثلاثة:
الأولى: مسائلُ الأصول: وتُسمَّى ظاهر الرواية: وهي مسائل رُوِيت عن أصحاب المذهب: وهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمّد (¬2).
والمسائلُ التي تُسمّى بظاهر الرِّواية والأصول: هي ما وُجِد في كتب مُحمّد التي هي: «المبسوط»، و «الزِّيادات»، و «الجامع الصغير»، و «السِّير الصِّغير»، و «الجامع الكبير»، و «السِّير الكبير»، وإنَّما سُميت بظاهر الرِّواية؛ لأنَّها رُوِيت عن مُحمّد برواية الثِّقات، فهي ثابتةٌ عنه: إمّا متواترةٌ، وإمّا مشهورةٌ عنه (¬3)، لكن إدراج «السِّير الصَّغير» فيها ليس صواباً، كما سبق.
¬
(¬1) ينظر: شرح السير الكبير1: 1871، والنكت للسرخسي ص36، والهداية3: 184، والبدائع1: 63.
(¬2) ينظر: شرح العقود ص315.
(¬3) ينظر: شرح العقود ص316ـ 317.
الثانية: مسائل النوادر: هي المسائل التي رويت عن الأئمّة، لكن في غير كتب ظاهر الرواية (¬1)، وهي على أقسام:
1.كتب لم تشتهر عن مُحمّد، ولم تروَ عنه بطرق كطرق الكتب الأُول، وهي:
أ. «الكيانيات»: وهي مسائل جمعها محمد لرجل يسمى كيان، وقد يوجد في بعض الكتب «الكيسانيات»، وقالوا: جمعها كيسان، وهي بلدة، قال طاشكبرى (¬2): «لكن هذا غير صحيح، والصحيح الأول»، وقال الكوثريّ (¬3): «هي مسائل رواها سليمانُ بن شعيب عن أبيه عن محمد، ويقال لها: الأمالي».
ب. «الرقيَّات»: وهي مسائل جمعها محمد حين كان قاضياً بالرقّة، قال الكوثريّ (¬4): «رواها عنه محمد سماعة وكان معه طول بقاء محمد بن الحسن بها».
ج. «الجُرجانيّات»: وهي مسائل جمعها محمد بجرجان، قال الكوثري (¬5): «ويرويها علي بن صالح الجرجاني».
¬
(¬1) ينظر: شرح العقود ص318.
(¬2) في مفتاح السعادة 2: 237.
(¬3) في بلوغ الأماني ص66.
(¬4) في بلوغ الأماني ص66
(¬5) في بلوغ الأماني ص66.
د. «الهارونيّات»: وهي مسائل جمعها محمد لرجل مسمَّى بهارون (¬1).
هـ. «الكسب» يقال: إنَّه مات قبل أن يتمه، وكانوا سألوه أن يؤلّف كتاباً في الورع، فجاوبهم بأني ألّفت كتاباً في البيوع، يريد أنَّ المرء إذا طاب مكسبه حسن عمله، فلما أصروا على الطلب بدأ في تأليف هذا الكتاب ...
2. كتب محمد التي يغلب فيها الحديث فبين أيدينا:
أ. «موطأ محمد»، بروايته عن مالك، وفيه ما يزيد ألف حديث وأثر من مرفوع وموقوف مما رواه عن مالك، وفيه نحو مئةٍ وخمسةٍ وسبعين حديثاً عن نحو أربعين شيخاً سوى مالك ... ، وعليه شروح عديدة، منها: «شرح القاري»، و «شرح البيري»، و «شرح عثمان الكماخي»، وشرح اللكنوي المسمى «التعليق الممجد» ...
ب. «الحجة»، المعروفة بالحجج في الاحتجاج على أهل المدينة.
ج. «الآثار»، يروي فيه عن أبي حنيفة أحاديث مرفوعة وموقوفة ومرسلة، ويكثر جداً عن إبراهيم النخعي شيخ الطريقة العراقية، ويروي فيه قليلاً عن نحو عشرين شيخاً سوى أبي حنيفة، وهو كتاب نافع للغاية، وللمشايخ عناية خاصة بروايته في أثباتهم، وقد ألف ابن حجر «الإيثار
¬
(¬1) وفي المظاهري ص68: مسائل جمعها محمد في زمن هارون الرشيد.
بمعرفة رواة الآثار» في رجاله باقتراح صاحبه العلامة قاسم الحافظ، ثم ألف هو أيضاً كتاباً آخر في رجاله (¬1).
قال العثمانيّ (¬2): «والظاهر أنَّها وإن كانت بمثابة كتب ظاهر الرواية في صحة نسبتها إلى الإمام محمد، واشتهارها فيما بين أهل العلم، ولكنَّها ليست موضوعة لبيان المذهب وفروعه، ... وكتب ظاهر الرواية فإنَّها وضعت؛ لبيان المذهب أصلاً، فصارت هي المعتمدةُ لمعرفة المذهب الحنفي، ولعلّ من أجل هذا لم يذكر الفقهاء الحنفيّة هذه الكتب لا في ظاهر الرواية ولا في النّوادر؛ لأنَّها ليست مِنَ النّوادر لشهرتها عن الإمام محمّد، وليست من ظاهر الرواية؛ لأنَّها لم توضع لبيان المذهب، ولكن الظَّاهر أنَّ رتبتها فوق النَّوادر ويؤخذ بما جاء فيها إلا ما عارض الكتب الستّة».
3.الرِّوايات المُتفرّقة:
وهي المشهورة بالنوادر: وهي عن محمد بن الحسن من غير ظاهر الرواية، وهي ثمان: «نوادر هشام»، و «نوادر ابن سماعه»، و «نوادر ابن رستم»، و «نوادر داود بن رشيد»، و «نوادر المعلى»، و «نوادر بشر»، و «نوادر ابن شجاع البلخي أبي نصر»، و «نوادر أبي سليمان» (¬3).
¬
(¬1) ينظر: بل*وغ الأماني ص65 - 66.
(¬2) في أصول الإفتاء ص139.
(¬3) ينظر: مقدمة منتهى النقاية على شرح الوقاية ص56 - 58، وغيره.
4.كتب غير محمّد، كـ «المجرَّد» للحسن بن زياد، ومنها: كتب «الأمالي»، ويقال: إنَّ الأمالي في ثلاثمئة جزء (¬1).
والإملاء: أن يقعد العالم وحوله تلامذة بالمحابر والقراطيس، فيتكلّم العالم بما فتح الله عليه من العلم، وتكتب التلامذة ما تكلّم مجلساً مجلساً، ثم يجمعون ما كتبوا، فيصير كتاباً، ويسمّى بـ «الأمالي»، وكان هذا عادة المتقدّمين (¬2).
الثالثة: الفتاوى والواقعات: وهي مسائلٌ استنبطها المجتهدون المتأخرون لَمّا سئلوا عن ذلك ولم يجدوا فيها رواية عن أهلِ المذهبِ المتقدمين، وهم أصحابُ أبي يوسف ومحمّد وأصحاب أصحابهما، وهلمّ جرّا، وهم كثيرون، موضع معرفتهم كتب الطبقات لأصحابنا وكتب التواريخ.
فمن أصحاب أبي يوسف ومُحمّد، مثل: عصام بن يوسف (¬3)، وابن رستم (¬4)، ومحمد بن سماعة، ... وأبي ... سليمان الجوزجاني (¬5)، وأبي حفص
¬
(¬1) ينظر: بلوغ الأماني ص47.
(¬2) ينظر: شرح عقود رسم المفتي ص 321.
(¬3) هو عصام بن يوسف بن مَيْمون بن قدامة البلخي، أبو عصمة، وهو أخو إبراهيم بن يوسف، وقد كانا شيخي بلخ في زمانهما بغير مدافع لهما، (ت210هـ). ينظر: الجواهر المضية2: 527 - 528، والفوائد البهية ص195.
(¬4) هو إبراهيم بن رستم المَرْوزيّ، أبو بكر، تفقه على محمد - رضي الله عنه -، وروى عن نوح الجامع، وسمع مالك، عرض المأمون عليه القضاء فامتنع، (ت211هـ). ينظر: الفوائد ص27.
(¬5) هو موسى بن سليمان الجُوزَجانيّ، أخذ الفقه عن محمّد - رضي الله عنه -، من مؤلفاته: «السير
الصغير»، و «كتاب الصلاة»، و «كتاب الرهن»، و «النوادر»، توفي بعد المئتين. ينظر: الجواهر3: 518 - 519، والفوائد ص354.
البخاري (¬1).
ومَن بعدهم، مثل: مُحمّد بن سلمة (¬2)، ومحمد بن مقاتل (¬3)، ونصير بن يحيى (¬4)، وأبي النصر القاسم بن سلام (¬5) - رضي الله عنهم -، وقد يتفق لهم أن يخالفوا أصحاب المذهب؛ لدلائل وأسباب ظهرت لهم.
وأَوّل كتاب جمع في فتواهم فيما بلغنا: كتاب «النوازل» للفقيه أبي الليث السمرقنديّ (ت375هـ).
¬
(¬1) هو أحمد بن حفص، أبو حفص الكبير، أخذ عن محمد بن الحسن الإمام المشهور - رضي الله عنه -، (ت207هـ). ينظر: الجواهر1: 166 - 167، وتاج التراجم ص94، والفوائد ص39.
(¬2) هو محمد بن سلمة البَلْخِيّ، أبو عبد الله، تفقه على أبي سليمان الجُوزَجاني، وشدَّاد بن حكيم، (192 - 278هـ). ينظر: الجواهر3: 162 - 163، والفوائد ص279.
(¬3) هو محمد بن مقاتل الرَّازِيّ، من أصحاب محمد - رضي الله عنه -، قاضي الرَّي، (ت248هـ). ينظر: الجواهر3: 372، والفوائد ص329، والتقريب ص442.
(¬4) هو نصير بن يحيى البَلْخيّ، أخذ الفقه عن أبي سليمان الجُوزَجانيّ عن محمد - رضي الله عنه -، (ت268هـ)، ينظر: الجواهر المضية3: 546، 326، والفوائد ص363.
(¬5) لعلّه محمد بن سلام، أبو نصر، من أهل بَلْخ، (ت305هـ)، وقد ذكر صاحبُ «الجواهر»: أنَّ محمد بن سلام، ونصر بن سلام، وأبي نصر بن سلام واحدٌ، واسمه الصحيح كما ذكرنا. ينظر: الجواهر4: 92 - 93، والفوائد ص276.
ثم جمع المشايخ بعده كتباً أخر: كـ «مجموع النوازل والواقعات» للناطفي، (ت416هـ)، و «الواقعات» للصَّدر الشهيد، (ت536هـ).
ثمّ ذكر المتأخرون هذه المسائل مختلطةً غيرَ متميزة: كما في «فتاوى قاضي خان» (ت592هـ)، و «الخلاصة» لافتخار الدين البخاري، (ت542هـ)، وغيرهما.
ومَيَّزَ بعضُهم: كما في كتاب «المحيط» لرضي الدين السَّرَخسيّ، (571هـ)، فإنَّه ذكر أَوّلاً مسائل الأصول، ثم النّوادر، ثم الفتاوى، ونِعمَ ما فعل (¬1).
قال محقِّقُ «الأصل» (¬2): «يذكر الرضي السرخسي في مقدمته: أنَّه جمع في عامة مسائل الفقه ورتبه على أنَّه بدأ كل باب بمسائل «المبسوط» لما أنها أصول مبنية، وأردفها بمسائل النوادر لما أنَّها من أصول المسائل منزوعة، ثم أعقبها بمسائل الجامع لما أنَّها من زبدة الفقه مجموعة، ثم ختمها بمسائل الزيادات لما أنَّها على فروع الجامع مزيدة. لكنه عند فحص الكتاب يتبين أنه جمع فيه تلك المسائل من حيث المعنى ولم يلتزم بلفظ المبسوط: أي الأصل، والكتاب مخطوط لم يطبع.
¬
(¬1) ينظر: شرح العقود ص322ـ327.
(¬2) في مقدمة الأصل ص124 - 125.
و «المحيط» لبرهان الدين البخاري ذكره في مقدمته: أنَّه جمع فيه
مسائل «المبسوط» و «الجامعين» و «الزِّيادات» و «السِّير» و «النَّوادر» و «الفتاوى والواقعات»، ولكنَّه عند فحص الكتاب يتبيّن أنَّه جمع فيه تلك المسائل من حيث المعنى أيضاً، ولم يلتزم باللفظ».
واشتهر المبسوط بالأصل وذا ... لسبقه الستّة تصنيفاً كذا
فوائد متعلقة بالبيت:
الأول: يطلق «الأصل»، ويُراد به «المبسوط» للشيباني:
قال ابن عابدين (¬1): «وكثيراً ما يقولون: ذكره مُحمّد في «الأصل»، ويُفسِّرُه الشرّاح بـ «المبسوط»، فعُلِم أنَّ الأصلَ مُفرداً هو «المبسوط» اشتهر به من بين باقي كتب الأصول».
الثانية: اختلفوا في سبب تسمية «المبسوط» أصلاً:
قال ابنُ نُجيم (¬2): «سُمّي الأصل أصلاً؛ لأنَّه صُنِّف أوّلاً، ثمّ «الجامع الصغير»، ثم «الكبير»، ثمّ «الزِّيادات»».
ويُسمّى «المبسوط» لمحمّد بن الحسن بـ «الأصل»؛ لأنَّه ألف قبلها فهو كالأساس لمن بعده.
¬
(¬1) في شرح العقود ص337.
(¬2) في البحر2: 170.
قال محقّقُ «الأصل» (¬1): «سببُ التَّسمية بالأصل يرجع إلى أنَّه كتاب
شامل للمسائل والقواعد الأساسية التي وضعها أبو حنيفة ومَنْ بعده أبو يوسف ومحمد، فهذا الكتاب هو الأصل والأساس والقاعدة التي بني عليها الفقه الحنفي فيما بعد، وقد كانت هذه المسائل تعرف بمسائل الأصول، وكانت آراء الإمام أبي حنيفة تدون من قبل تلاميذه، ويناقشون المسألة في مجلسه فإذا استقر رأيهم على أمر دونوه في الأصول، ولعل المقصود بالأصول هنا كتب وأبواب الفقه الأساسية.
فموضوع الصَّلاة مثلاً أصل، وموضوع الزَّكاة أصل ... أي موضوع أساسي تدور حوله مسائل ذلك الكتاب، ثم آل تلك الأصول على تلاميذ الإمام ... ووسعا هذه الأصول بمسائل جديدة، فكانت هذه الآراء مجتمعة هي امتداداً لذلك الأصل الذي دون في عهد الإمام .. وكونت هذه المجموعة الأصل والأساس للمذهب الحنفي، حيث بنى على هذا الأصل جميع مَن جاء من بعدهم مِنَ الحنفية وغيرهم ....
وهناك احتمال آخر، وهو أنَّ اسم الأصل لم يكن في البداية اسماً لكتاب معين، وإنَّما هو بمعنى الكتاب أو المرجع الأساسي أو المصدر الذي يتحاكم إليه للضبط والتثبت، كما كان المحدثون يستعملون هذه اللفظة بكثرة في هذه
¬
(¬1) الدكتور محمد بوينوكالن في مقدمة الأصل ص44 - 46.
المعاني أو قريباً منها، لكن لكثرة استعمال هذه اللفظة للتعبير عن تلك الكتب صارت علماً لهذه الكتب عند الحنفية ...
ويظهر أنَّ سبب تسميته بالمبسوط أنَّه مبسوط واسع كبير مسترسل في العبارة وشامل لجميع أبواب الفقه، وهو مخالف في ذلك للجامع الصغير وأمثاله من كتب محمد التي هي أصغر حجماً، ولا نستطيع أن نجزم إن كان الإمام محمد سمّى كتابه هذا بهذا الاسم أيضاً، ومع ذلك فإن تسمية الكتب بالمبسوط كانت شائعة في العصور الأولى، فترى العديد من الكتب المسمّاة بهذا الاسم في مختلف علوم المسلمين».
الثالثة: ألف محمد «المبسوط» في كتب مستقلة:
ألَّف محمّد «المبسوط» في كتب مستقلة على حدة، مثل: كتاب الصلاة والزكاة والبيع والنكاح والأشربة والسير والفرائض، وهي الكتب التي عُلمت بالأصول عند المتقدمين، ثم جمعت هذه الأصول ـ أي الكتب ـ في كتاب اشتهر فيما بعد بكتاب «الأصل» أو «المبسوط».
قال حاجي خليفة (¬1): ««المبسوط» ألفه مفرداً، فأولاً ألف مسائل الصلاة وسمّاه كتاب الصلاة، ومسائل البيوع وسمّاه كتاب البيوع، وهكذا الأيمان والإكراه، ثم جُمعت، فصارت مبسوطاً».
¬
(¬1) في كشف الظنون2: 158.
قال محقق «الأصل» (¬1): «لكننا لا ندري هل كان الجامع لهذه الكتب تحت عنوان واحد هو محمد بن الحسن نفسه أو أن تلاميذه الرّاوين لكتبه هم الذين قاموا بذلك؟ ويترجح لدينا أنَّ الرُّواة هم الذين قاموا بهذا الأمر ... ».
¬
(¬1) في مقدمة الأصل ص43 - 44.
الرابعة: تعددت نسخ «المبسوط»:
قال ابن عابدين (¬1): «واعلم أَنَّ نُسَخَ «المبسوط» المرويِّ عن مُحمّدٍ متعدِّدةٌ)، وأظهرُها «مبسوط أبي سليمان الجُوزجانيّ»».
ويتضح من مقارنة مسائل الأصل في النسخ التي بأيدينا مع كتب الفقه الحنفي أن الاختلاف الواقع بين روايات الأصل قد أثّر على كتب الفقه أيضاً، فترى في بعض المسائل اختلافاً واقعاً بينها في نقل ظاهر الرواية (¬2).
وقد أعاد الشيباني النّظر فيما ألّفه بعد أن انتهى من تأليف كتبه، وأعاد تأليفها مرّة أخرى، لكنه لم ينته من إعادة النظر في جميع كتبه كما يقول السرخسي (¬3)، وهذا قد يفسّر الاختلاف الواقع بين كتب الفقه المختلفة في كتاب «الأصل» من حيث تنوع الأسلوب، واختلاف الرأي أحياناً أخرى (¬4).
الخامسة: نقص نسخ مخطوطة «المبسوط»:
¬
(¬1) في شرح العقود ص328.
(¬2) ينظر: مقدمة الأصل ص83.
(¬3) في المبسوط30: 287.
(¬4) ينظر: مقدمة الأصل ص106.
تحتوي النسخ التي بأيدينا من كتاب الأصل على سبعة وخمسين كتاباً من كتب الفقه ... ويؤسفنا أن نذكر أن كتاب «الأصل» الذي بأيدينا ناقص، وأن هذا النقص موجود في جميع النسخ التي اطلعنا عليها، لكن هذا النقص
قليل إذا قيس بالقسم الموجود منه، فالمفقود من كتاب «الأصل» هو كتاب السجدات وكتاب المناسك وكتاب الأشربة وكتاب أدب القاضي وكتاب حساب الوصايا وكتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى وكتاب الشروط، وهذه الكتب موجودة في الكافي للحاكم الشهيد، والذي هو مختصر من كتب محمد (¬1).
السادسة: كثرة رواية محمد للأحاديث والآثار في «المبسوط»:
يروي محمد أحاديث وآثاراً كثيرة بأسانيدها عن طريق أبي حنيفة وأبي يوسف ومالك بن أنس وغيرهم، وأحياناً يذكر بلاغات بدون إسناد، فيقول بلغنا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أمر معهود في كتب الأقدمين كالموطأ وغيره، ويبلغ عدد الأحاديث المرفوعة والموقوفة وأقوال التابعين والآثار فيه نحو (1632) رواية، وبعض هذه المرويات مذكورة بأسانيدها، وبعضها بدون إسناد، كما ذكرنا (¬2).
السابعة: أشهر رواة «المبسوط» الجوزجاني وأبي حفص الكبير:
¬
(¬1) ينظر: مقدمة الأصل ص115.
(¬2) ينظر: مقدمة الأصل ص114.
ومن المعلوم أنَّ رواة كتاب الأصل المشهورين هم: أبو سليمان الجوزجاني، وأبو حفص البخاري، واشتهرت الروايتان المنسوبتان إليهما: بنسخة أبي سليمان، ونسخة أبي حفص، وحتى أن الكتاب نفسه ينسب إلى
الرّاوي أحياناً، فيقال: مبسوط أبي سليمان الجوزجاني.
وروايات «الأصل»: أي نسخه المروية عنه محمد متعددة، وأظهرها رواية أبي سليمان، وهناك روايات أخرى مثل رواية أبي حفص، ورواية هشام بن عبيد الله الرازي، ورواية محمد بن سماعة ورواية المعلى بن منصور ...
ورواية الجوزجاني مقدمة على رواية أبي حفص في الغالب، لكن توجد مواضع يكون الصَّواب فيها مع أبي حفص أو يختلف الترجيح، وقد قام الحاكم الشهيد بالمقارنة بين هذه الروايات واختيار ما رآه صواباً منها في كتابه الكافي المختصر من الأصل، وتبعه السرخسي في المبسوط غالباً (¬1).
الثامنة: اشتهر إطلاق «المبسوط» على شروحه أيضاً لكن مع ذكر الشارح:
شرح «المبسوط» أكابر علماء الحنفية، ولكن لكثرة الاستعمال لا يقولون: «شرح المبسوط» لخُواهَر زادَه مثلاً، وإنّما يُقال: «المبسوط» لخُواهر زادَه، ويقصد شرحه له.
قال البيري (¬2): «ومبسوطاتهم شروحٌ في الحقيقة، ذكروها مُختلطة بـ «مبسوط» مُحمّد، كما فعل شرّاح «الجامع الصغير»، مثل: فخر الإسلام، وقاضي خان، وغيرهما، فيُقال: ذَكره قاضي خان في «الجامع الصغير»، والمراد شرحه، وكذا في غيره».
¬
(¬1) ينظر: مقدمة الأصل ص74 - 75.
(¬2) في عمدة ذوي البصائر لحل مهمات الأشباه والنظائر ق 2 - 3/ب.
التاسعة: شرح «المبسوط» كبار أئمة الحنفية، ومنهم:
1.شيخ الإسلام، محمد بن الحسن البخاري القديدي، المعروف بـ (بكر خُواهَر زادَه)، قال الذهبي: شيخ الطائفة بما وراء النهر، برع في المذهب، وفاق الأقران، وطريقته أبسط طريقة الأصحاب، وكان يحفظُها، (ت483هـ) (¬1)، ويُسمَّى «المبسوط الكبير»، «المبسوط البكري» (¬2).
2.شمس الأئمة، عبد العزيز بن أحمد بن نصر الحَلْوانيّ (¬3)، قال ابن ماكولا: إمام أهل الرأي في وقته في بخارى، (ت456هـ) (¬4).
3.فخر الإسلام، عليّ بن محمد بن عبد الكريم البَزْدَويّ (¬5)، قال السمعاني: فقيه ما وراء النهر، وأستاذ الأئمة، وصاحب الطريقة مذهب أبي حنيفة، (ت482هـ) (¬6).
¬
(¬1) ينظر: العبر3: 302، والجواهر3: 141، والفوائد ص270.
(¬2) ينظر: مقدمة الأصل ص117.
(¬3) قال الدكتور محمد بوينوكالن في مقدمة الأصل ص117: «هناك كتاب للحلواني يحمل اسم المبسوط، وله نسخة في مكتبة السليمانية، وقد اطلعت عليه وهو شرح الكافي للحاكم الشهيد وليس لكتاب الأصل، وقد يكون للحلواني كتابان شرح الأصل وشرح الكافي، ولم يصلنا شرح الأصل»
(¬4) ينظر: مقدمة الهداية2: 13، والجواهر2: 429.
(¬5) له شرح المبسوط في مكتبة بايزيد ... لكن أسلوب الكتاب مختلف تماماً عن أسلوب كتاب الأصل، فهو يعنى بالتعليل النظري الأصولي، ويستعمل مصطلحات جديدة ... كما في مقدمة الأصل ص118.
(¬6) ينظر: الجواهر2: 594.
4. شيخ الإسلام، عليُّ بن محمد بن إسماعيل الإسْبِيجَابِيّ السَّمَرْقَنْدِيّ، قال الكفوي: لم يكن أحد يحفظ مذهب أبي حنيفة ويعرف مثله في عصره، عمَّر العمر الطويل في نشرالعلم، (ت535هـ) (¬1).
5.محمّد بن أحمد القاضي العامري الحنفي، أبو عاصم، كان قاضياً بدمشق، يقع في نحو ثلاثين جزءاً (¬2).
6.ناصر الدين، محمد بن يوسف بن محمد العَلَويّ الحَسَنِيّ السَّمَرْقَنْديّ، قال أبو سعد: إمام فاضل، عالم بالتفسير والحديث والفقه والوعظ، (ت556هـ) (¬3).
7. نصر بن محمد بن أحمد السمرقندي، المعروف بالفقيه أبي الليث، قال الداودي: هو الإمام الكبير صاحب الأقوال المفيدة، والتصانيف المشهورة، (ت375هـ) (¬4).
العاشرة: ما لم يذكر فيه محمد الخلاف، فهو قولهم جميعاً عموماً.
هذا ما صرح به محمد بن الحسن، حيث قال (¬5): «قد بينت لكم قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقولي، وما لم يكن فيه اختلاف فهو قولنا جميعاً».
¬
(¬1) ينظر: الجواهر2: 591، وهدية العارفين1: 697، والفوائد ص209.
(¬2) ينظر: الجواهر المضية3: 84،4: 58، الفوائد البهية ص263.
(¬3) ينظر: الجواهر3: 409، والكشف1: 565.
(¬4) ينظر: تاج التراجم ص310، وطبقات المفسرين2: 345، والفوائد ص362.
(¬5) في الأصل1: 1.
قال ابنُ الهُمام: «أنَّ ما لم يحك مُحمّد فيه خلافاً فهو قولُهم جميعاً» (¬1).
وهذه القاعدة التي وضعها الإمام محمد أغلبية، فإنّه توجد مواضع في الكتاب لا يذكر فيها خلاف، لكنَّ الخلاف موجود، ويوضح ذلك الحاكم والسَّرخسي في «الكافي» و «المبسوط» في مواضع كثيرة (¬2).
الحادية عشرة: يغلب على منهج محمد في بعض كتب الأصل الرواية وفي أخرى التأليف:
قال محقِّقُ «الأصل» (¬3): «وهذا البحث التَّفصيلي يُستفاد منه أن كتاب الأصل هو من تأليف الإمام محمد بن الحسن روى فيه أقوال أبي حنيفة وأبي يوسف، وزاد عليهما تفريعاً وإيضاحاً وقياساً كما يمكن رؤية ذلك مفصلاً أثناء الكتاب، وبعض الكتب الفقهية يغلب عليها طابع التأليف مثل: كتب الحيض والتحري والاستحسان والأيمان والرضاع والإكراه، وبعضها يغلب عليها طابع الرواية مثل: كتاب الصرف، فإنَّه الناظر فيه يحس بأنَّ الكتاب من تأليف أبي يوسف لكن محمد بن الحسن رواه عنه وأضاف إليه بعض الإضافات، وبعض هذه الكتب مثل كتاب الوقف يظهر أنها من تأليف محمد بن الحسن ابتداءً، حيث ألّفه للرد على قول أبي حنيفة في
¬
(¬1) ينظر: شرح العقود ص347.
(¬2) ينظر: مقدمة الأصل ص113.
(¬3) في مقدمة الأصل ص62.
الوقف، وهو لا يذكر في كتابه هذا أبا حنيفة أو أبا يوسف إلا مرة أو مرتين، وليس على سبيل رواية المسائل عنهما».
الثانية عشرة: «الجامع الكبير» كتاب تأصيل:
طريقة محمد في «الجامع الكبير» هي التأصيل والبناء والتفريع الفقهي، وليس مجرد الرواية؛ لذلك يعدّ أدق كتب محمد، وأصعبها.
قال ابن شجاع: «ما وضع في الإسلام كتاب في الفقه مثل «جامع محمد بن الحسن الكبير» ... ومثل محمد بن الحسن في «الجامع الكبير» كرجل بنى داراً، فكان كلما علاها بنى مرقاة يرقى منها إلى ما علاه من الدار، حتى استتم بناءها كذلك، ثم نزل عنها وهدم مراقيها، ثمّ قال للناس: شأنكم فاصعدوا».
وقال الكوثري (¬1): «والحقُّ أن هذا الكتاب آية في الإبداع ينطوي على دقّة بالغة في التَّفريع على قواعد اللغة وأصول الحساب، خلا ما يحتوي عليه من المضي على دقائق أصول الشرع الأغر، فلعلّه ألّفه ليكون محكاً لتعرف نباهة الفقهاء وتيقظهم في وجوه التفريع، يحار العقل في فهم وجوه تفريعه في ذلك إلى أن تشرح.
وهو كما قال ابنُ شجاع أوَّلاً وآخراً إلا أنَّ مراقي الكتاب أُعيدت إلى
¬
(¬1) في بلوغ الأماني ص59 - 60.
أبواب الكتاب، كما يظهر من شرحي الجمال الحصيريّ على «الجامع الكبير» حيث يقول في صدر كل باب من أبواب الكتاب: أصل الباب كذا، وبني الباب على كذا، فبذلك سهلت وجوه التفريع جداً».
وقال (¬1): «وهو كتابٌ جامعٌ لجلائل المسائل مشتملٌ على عيون الرِّوايات ومتون الدِّرايات، بحيث كاد أن يكون معجزاً، كما يقول الأكمل في شرحه على تلخيص الخلاطي للجامع الكبير».
الثالثة عشرة: كثرت الشروح على «الجامع الكبير» من فطاحل العلماء:
ولدقّة مسائل الكتاب وصعوبة تخريجها شرحه كثير من أئمة الفقهاء، منهم:
1.الإمام أبو حازم عبد الحميد بن عبد العزيز، (ت292هـ).
2.الإمام علي بن موسى القُمّي، (ت305هـ).
3.الإمام أحمد بن محمد الطحاوي، (ت321هـ).
4.الإمام أبو عمرو أحمد بن محمد الطبري، (ت340هـ).
5.الإمام أبو بكر أحمد بن علي الجصاص الرازي، (ت370هـ).
6.الفقيه أبو الليث نصر بن محمد السمرقندي، (ت375هـ).
¬
(¬1) في بلوغ الأماني ص64.
7.الإمام محمد بن علي، الشهير بابن عَبْدَك الجُرْجاني، (347هـ).
8.شمس الأئمة عبد العزيز بن أحمد الحَلْواني، (ت456هـ).
9.شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أحمد السرخسي، (ت483هـ).
10.الصدر الشهيد حسام الدين عمر بن عبد العزيز بن مازه البخاري، (ت536هـ).
11.برهان الدين محمود بن أحمد صاحب المحيط، (ت616هـ).
12.علاء الدين محمد بن عبد الحميد السمرقندي، (ت552هـ).
13.أبو حامد أحمد بن محمد العَتَّابيّ البخاري، (ت586هـ).
14.الحسن بن منصور الأوزجندي، المشهور بقاضي خان، (ت592هـ).
15.برهان الدين علي بن أبي بكر بن عبد الجليل المرغيناني، (ت593هـ).
16.جمال الدين محمود بن أحمد الحصيري البخاري، (ت636هـ) (¬1).
الرابعة عشرة: استدرك محمد في «الزيادات» ما فاته في «الجامع الكبير»:
¬
(¬1) ينظر: أصول الإفتاء 128 - 130.
قال الكوثريُّ (¬1): ««الزِّيادات» و «زيادات الزيادات» ألّفهما بعد «الجامع الكبير» استدراكاً لما فاته من المسائل وتعدَّان من أبدع كتبه، وقد عني أهل العلم بشرحهما عناية كاملة».
وبما أنَّه تكملة «للجامع الكبير»، فإنَّ أسلوبَه لا يختلف عن أسلوب «الجامع الكبير» في دقة المسائل والتَّوسع في التَّفاريع على فرض وقوعها ...
وقد اعترض بعض النَّاس على هذا التَّغلغل في تفريع الجزئيات التي ربما تكون بعيدة عن الواقع، ولكن وجهه شمس الأئمة السَّرَخْسيُّ (¬2) بقوله: «فإن قيل: لماذا أورد هذا المسائل مع تيقّن كلّ عاقل بأنَّها لا تقع، ولا يحتاج إليها؟
قلنا: لا يتهيأ للمرء أن يعلم ما يحتاج إليه إلا بتعلم ما لا يحتاج إليه، فيصير الكلُّ من جملةِ ما يحتاج لهذا الطَّريق، وإنَّما يستعد للبلاء قبل نزوله» (¬3).
الخامسة عشرة: شرح «الزيادات» أكابر الفقهاء، ومنهم:
وشرح «الزيادات» جمعٌ كبيرٌ من العلماء منهم:
1.محمد بن سماعة، (ت233هـ).
¬
(¬1) في بلوغ الأماني ص65.
(¬2) في المبسوط1: 242.
(¬3) ينظر: أصول الإفتاء ص130 - 131معارف.
2.أبو نصر العتابي، (ت580هـ).
3.برهان الدين بن مازة، (ت616هـ).
4.تاج الدين الكردري، (ت562هـ).
5.أبو حفص سراج الدين الهندي، (ت773هـ).
6.شمس الأئمة الحلواني، (ت449هـ).
7.شمس الأئمة السرخسي، (ت483هـ).
8.أبو عبد الله الجرجاني.
9.قاضي خان حسن الأوزجندي، (ت592هـ)، ومن مزاياه أنَّ قاضي خان يشرح في أول كلّ باب الأصول التي بنى عليها الإمام محمد مسائل ذلك الباب، وقد جمع محقق الكتاب في آخر الكتاب القواعد والضوابط الفقهية التي من شرح الزيادات، فبلغت (1045) أصلاً (¬1).
¬
(¬1) ينظر: أصول الإفتاء ص131 - 133 معارف.
ويعتبر «شرح الزيادات» لقاضي خان أقوى وأنفس شرح للكتاب والمزية المنفردة التي يتحلى بها هذا الكتاب وتزيد قيمته العلمية هي أن قاضي خان سلك فيه مسلك التأصيل، ويراد به الاعتناء بتمهيد الأصول من القواعد العامة والضوابط الفقهيّة أوّلاً ثم التفريع عليها ثانياً حيث التزم في مستهل الأبواب ... وبذلك تسهل معرفة وجوه التفريعات (¬1).
الجامع الصَّغير بعده فما ... فيه على الأصل لذا تقدّما
وآخر السِّتّة تصنيفاً وَرَدَ ... السِّيرُ الكبيرُ فهو المعتمد
فوائدٌ متعلقةٌ بالبيتين:
الأولى: «الجامع الصغير» ألف بعد «الأصل»، ثم «الجامع الكبير»، ثم «الزِّيادات»، ثم «السِّير الكبير»:
قال ابنُ نُجيم (¬2): «إنَّ «الجامع الصغير» صنَّفَه مُحمّد بعد «الأصل»، فما فيه هو المعوّل عليه».
وقال السَّرَخْسِيُّ (¬3): عن «السير الكبير»: «هو آخرُ تصنيف صنَّفه مُحمّد في الفقه».
¬
(¬1) ينظر: مقدمة شرح الزيادات لقاضي خان ص1: 13.
(¬2) في البحر الرائق1: 171.
(¬3) في شرح السير الكبير 1: 1.
وقال ابن عابدين (¬1): «إنَّ «الجامع الصغير» صنَّفه محمّد بعد «الأصل»، فما فيه هو المعوَّلُ عليه، ثم قال في «النَّهر»: سُمِي «الأصل» أصلاً؛ لأنَّه صُنّف أوّلاً، ثم «الجامع الصغير»، ثم «الكبير»، ثم «الزيادات»، كذا في «غاية البيان». وذكر الإمام شمس الأئمة السَّرَخْسيُّ في أوّل شرحه على «السير الكبير»: أنَّ «السير الكبير» هو آخر تصنيف صنّفه محمّد في الفقه».
الثانية: ألَّف محمّدٌ «الجامع الصغير» بطلب من أبي يوسف:
وسبب تأليف الجامع الصغير أنَّ أبا يوسف طلب منه أن يجمع له كتاباً في روايته عن أبي حنيفة، فجمعه له، ثمّ عَرَضَه عليه، فأَعجبه، وهو كتابٌ مباركٌ، يشتمل على ألف وخمسمئة واثنين وثلاثين مسألة، كما قال البَزْدَوِيّ (¬2).
قال الكوثريُّ (¬3): «قد ذكر فيه الاختلاف في مئة وسبعين مسألة، ولم يذكر القياس والاستحسان إلا في مسألتين، وقدر الله سبحانه الذيوع البالغ له».
الثالثة: «الجامع الصغير» يُعَدُّ من كتب الرِّواية:
¬
(¬1) في ردّ المحتار1: 70.
(¬2) ينظر: شرح العقود ص342.
(¬3) في بلوغ الأماني ص63.
وذكر بعضُهم: أنَّ أبا يوسف مع جلالةِ قدرِه لا يُفارقه في سفرٍ ولا حضرٍ.
وكان عليّ الرازيّ (¬1) يقول: مَن فهم هذا الكتاب فهو أَفهم أَصحابنا، وكانوا لا يُقَلِّدون أَحَداً القضاء حتى يمتحنوه به (¬2).
قال الحَلْوَانيُّ: إنَّ أكثر مسائل «الجامع الصغير» مذكورة في «المبسوط»؛ وهذا لأنّ مسائل هذا الكتاب ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
1.قسم لا يوجد لها رواية إلا هاهنا.
2. وقسم يوجد ذكرها في الكتب، ولكن لم ينص فيها أنَّ الجواب قول أبي حنيفة أم غيره، وقد نصّ هاهنا في جواب كلّ فصل على قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -.
3. وقسم أعاده هاهنا بلفظ آخر، واستفيد من تغيير اللفظ فائدة لم تكن مستفادة باللفظ المذكور في الكتب، ومراده بالقسم الثالث ما ذكره الفقيه أبو جعفر الهندواني في مصنف سمَّاه «كشف الغوامض» (¬3).
¬
(¬1) هو علي الرازي، الإمام، صاحب أبي يوسف، قال الصيمري: إنَّه من أقران محمد بن شجاع، وكان عارفاً بمذهب أصحابنا، وطعن على مسائل من الجامع ومن الأصول مع ورعٍ وزهدٍ وسخاءٍ وإفضال. ينظر: الجواهر ص367.
(¬2) ينظر: شرح العقود ص343.
(¬3) ينظر: النافع الكبير ص32.
وقال فخر الإسلام: إنَّ «الجامع الصغير» لَمّا عُرِض على أبي يوسف استحسنه، وقال: حفظ أبو عبد الله، إلا مسائل خطّأه في روايتها، فقال مُحمّد: أنا حفظتُها ولكنَّه نسي، وهي ستُّ مسائل ذكرها في «البحر» (¬1).
¬
(¬1) ففي البحر الرائق 2: 66: «وهي ست مسائل مذكورة في شرح الجامع الصغير انتهى، ولم يبينها، وذكر العلامة السراج الهندي في شرح المغني فقال:
الأولى: مسألة ترك القراءة.
الثانية: مستحاضة توضأت بعد طلوع الشمس تصلي حتى يخرج وقت الظهر، قال أبو يوسف: إنَّما رويت لك حتى يدخل وقت الظهر.
الثالثة: المشتري من الغاصب إذا أعتق ثم أجاز المالك البيع نفد العتق، قال: إنَّما رويت لك أنَّه لا ينفد.
الرابعة: المهاجرة لا عدّة عليها ويجوز نكاحها إلا أن تكون حبلى، فحينئذِ لا يجوز نكاحها، قال: إنَّما رويت لك أنَّه يجوز نكاحها ولكن لا يقربها زوجها حتى تضع الحمل.
الخامسة: عبد بين اثنين قتل مولى لهما فعفا أحدهما بطل الدم كله عند أبي حنيفة، وقالا: يدفع ربعه إلى شريكه أو يفديه بربع الدية، وقال أبو يوسف: إنَّما حكيت لك عن أبي حنيفة كقولنا، وإنَّما الاختلاف الذي رويته في عبد قتل مولاه عمداً وله ابنان فعفا أحدهما، إلا أنَّ محمداً ذكر الاختلاف فيهما وذكر قول نفسه مع أبي يوسف في الأولى.
السادسة: رجل مات وترك ابناً له وعبداً لا غير، فادعى العبد أنَّ الميت كان أعتقه في صحته، وادعى رجل على الميت ألف دينار وقيمة العبد ألف، فقال الابن: صدقتما، يسعى العبد في قيمته وهو حر ويأخذها الغريم بدينه، وقال أبو يوسف: إنَّما رويت لك ما دام يسعى في قيمته أنَّه عبد، انتهى».
الرَّابعة: قراءة محمد لكلّ موصوف بالصَّغير على أبي يوسف:
قال ابن نجيم (¬1): «كلُّ تأليف لمُحمّد بن الحسن موصوفٌ بالصغير، فهو باتفاقِ الشَّيخين أبي يوسف ومُحمّد، بخلاف الكبير، فإنَّه لم يعرض على أبي يوسف».
وقال ابنُ أمير حاج الحلبيّ: «إنَّ مُحمّداً قرأ أكثر الكتب على أبي يوسف، إلا ما كان فيه اسم الكبير، فإنَّه من تصنيفِ مُحمّد: كالمضاربة الكبير، والمزارعة الكبير، والمأذون الكبير، والجامع الكبير، والسير الكبير».
وقال الطحاوي (¬2): «ولم يذكر اسم أبي يوسف في شيءٍ من «السير الكبير»؛ لأنَّه صنفه بعدما استحكمت النفرة بينهما، وكلما احتاج إلى رواية عنه قال: أخبرني الثقة».
قال العثمانيّ (¬3): «أنكر شيخنا العلامة ظفر أحمد التهانوي قبول هذه الحكايات ونسبها إلى الأعداء أنهم استخرجوا من اختلافهم النَّاشئ عن الاجتهاد الصحيح أباطيل مختلَقة عليهم؛ ليضعوا من شأنهم بنقل الطعن عن بعضهم في بعض.
¬
(¬1) في البحر1: 249.
(¬2) في حاشية الطحطاوي1: 16.
(¬3) في أصول الإفتاء ص136 - 137، معارف.
وكذا ما حكي من أسباب استحكام النفرة بينهما كما في مقدمة المبسوط للسَّرَخسيّ باطل مختلق عليهما، فقد كان شأنهما أرفع وأجلّ من أن يُنسب إليهما أمثال هذه الأباطيل، نعوذ بالله من شر من وضعها، ولكن يبدو مما ذكره السَّرَخسيّ من أن الإمام محمداً لم يذكر الإمام أبا يوسف في الكتاب، وذلك يدلُّ على أنه كان بينهما شيء، وإن لم يكن ما ذكره في هذه الحكايات مما لا تصور من مسلم متدين، فضلا عن أمثال أبي يوسف ومحمد ... ».
وقال الكوثريُّ (¬1): «ثمّ ذكر السَّرَخسيّ خرافة يتحاكاها بعض الإخباريين عن معلى وغيره بدون سند ... وما كان يحقّ للسَّرَخْسيّ في فضله
ونبله أن يُملي مثل هذه الأخلوقة من كوة محبسه على تلاميذه الذين يحضرون عند كوة المحبس؛ لتلقي «شرح السير الكبير» منه بإذن من ولي الأمر.
ولا صحّة لها مطلقاً، ولا يذكرها إلا بعض الإخباريين الذين يدونون الأقاصيص بدون سند لمجرد التَّسلية حتى لا يوجد شيءٌ من هذا القبيل في كتب الخصوم قبل زمن السَّرَخسيّ، وهم سراعٌ إلى إذاعة مثلها لو كانوا ظفروا بها لطاروا بها فرحاً، وأذاعوها فلا شكّ في كذبها واختلاقها ... ».
الخامسة: يُعَدُّ «السير الكبير» أعظم كتاب أُلف في العلاقات الدّولية وأحكام الجيوش:
¬
(¬1) في بلوغ الأماني ص38 - 39.
نال هذا الكتاب مكانةً رفيعةً جداً، وما زال المرجع الأساسي في موضوعه، ولا غرابة في ذلك، وقد ألَّفه مصنف علم الفقه، محمد بن الحسن الشيباني، حرَّر فيه مذهب إمام أئمة الفقه أبي حنيفة.
قال الكوثري (¬1): ««السير الكبير» من أواخر مؤلفاته، ألَّفه محمّد بعد أن انصرف أبو حفص الكبير إلى بُخارى، فانحصرت روايته في البغداديين، مثل: الجوزجاني وإسماعيل بن توبة القزويني.
وقد احتفى الرشيد بهذا الكتاب جداً وأسمعه ابنيه: الأمين والمأمون، وعظم قدر هذا الكتاب معروف، وقد شرحه جماعة من الأئمة .. ».
¬
(¬1) في بلوغ الأماني ص65.
السَّادسة: اهتم كبار الفقهاء بشرحه وتوضيحه، ومنهم:
1.شمس الأئمة، عبد العزيز بن أحمد الحلواني، (456هـ).
2.شمس الأئمة، محمد بن أحمد السَّرَخْسيّ، قال اللكنوي عنه: فيه مسائل كثيرة، وفوائد حديثية غزيرة، (483هـ) (¬1).
3.جمال الدين: محمود بن أحمد البخاري الحَصيري، قال اللكنوي: كان إماماً فاضلاً انتهت إليه رياسة الحنفية، (ت636هـ) (¬2).
4.علي بن الحسين السُّغديّ، (ت461هـ) (¬3).
5.محمد المنيب العينتابي تعليق نفيس عليه سماه: «التَّيسير على السير الكبير»، وسبق أن ترجم العينتابي «السِّير الكبير» إلى اللغة التُّركية في عهد السلطان محمود خان العثماني، تسهيلاً لإطلاع المجاهدين من قواد الجيش في الدولة على أحكام الجهاد (¬4).
السَّابعة: يُقدَّم ما في «السِّير الكبير» إن تعارض مع كتب محمّد الأخرى:
معلومٌ أنه إن وقع تعارض في مصنفات إمامٍ، فإنّه يُعمل بالمتأخر
¬
(¬1) ينظر: الفوائد ص261، الكشف1: 112.
(¬2) ينظر: النافع الكبير ص56.
(¬3) ينظر: كشف الظنون2: 1014.
(¬4) ينظر: بلوغ الأماني ص65.
منها؛ لأنّه يكون آخر ما حقَّقه ونقحه، وكتاب «السِّير الكبير» هو آخر كتب محمّد بن الحَسَن، فما فيه من مسائل مُقدَّم على غيره من الكتب.
قال البيري (¬1): «قال علماؤنا: إذا كانت الواقعةُ مختلفاً فيها، فالأفضلُ والمختارُ للمجتهدِ: أن يأخذ بالدَّلائل، وينظر إلى الرَّاجح عنده، والمُقلِّدُ: يأخذ بالتَّصنيفِ الأَخيرِ ـ وهو السِّير ـ إلا أن يَختارَ المشايخُ المتأخرون خلافَه، فيجب العمل به، ولو كان قول زفر».
وسيأتي في المنظومة عند قوله: (فالآن لا ترجيح بالدليل ... ) بيان أنَّ المعتمد هو الترجيحُ بطريقِ الفقهاءِ من موافقةِ الأصولِ ورسمِ المفتي لا بالاعتماد على الأدلةِ النقليةِ؛ لأنَّ هذه الأقوال صادرةٌ من مجتهدٍ مطلقٍ استنبطها من القرآن والسنة، فلا شَكّ باعتمادِها على دليلٍ قوي منهما اختاره بأصوله التي يعتمد عليها في الاستخراج، ولو لم يكن بهذا الوصف لَما كان إماماً ولَمَا استحقّ أن يكون له مذهبٌ يُوافقه عليه عشرات الملايين من العلماء الأكابر في كلِّ عصر ودهر.
¬
(¬1) في عمدة ذوي البصائر لحل مهمات الأشباه والنظائر ق 2/ب بتصرف يسير.
ويجمع الست كتاب الكافي ... للحاكم الشهيد فهو الكافي
أقوى شروحه الذي كالشمس ... مبسوط شمس الأئمة السرخسي
معتمد النقول ليس يُعمل ... بخُلْفِه وليس عنه يُعْدَل
فوائدٌ متعلقةٌ بالأبيات:
الأولى: يُعَدُّ كتاب «الكافي» للحاكم الشَّهيد جامعاً لكتب ظاهر الرواية:
قام الحاكمُ الشهيد بعمل عظيم جداً عندما جمع كتب ظاهر الرواية لمحمّد في كتاب واحد، سماه «الكافي»، وأسقط المتكرر من فروعها، ونقح مسائلها، فصار مرجعاً رئيسياً في الفقه الحنفي.
قال ابنُ الهمام (¬1): «إنَّ كتاب «الكافي» هو جمع كلام مُحمّد في كتبه الستّ التي هي كتب ظاهر الرِّواية».
وقال محقّق «الأصل» (¬2): «والذي لاحظنا من الاطلاع على كتاب «الكافي» للحاكم أنّه يختصر لفظ كتاب «الأصل»، ويتخذه أساساً ثمّ يضيف إليه ما يَراه مناسباً من كتب الإمام محمّد الأُخرى، وأحياناً من كتب أبي يوسف.
¬
(¬1) في فتح القدير 2: 425، وينظر: البحر الرائق 3: 331.
(¬2) في مقدمة الأصل ص119 - 120.
لكن الأساس هو كتاب «الأصل»، والعبارةُ هي كتاب «الأصل» في
معظمها ... والحاكم قد قام بعمل مهم جداً في هذا الكتاب، وهو أنّه قد قارن بين نسخ كتاب «الأصل»، وأثبت الفروق بينها في مواضع كثيرة من «الكافي»، وأكثر ما اعتمد عليه نسخة أبي سليمان وأبي حفص، ولكن توجد فيه إشارات إلى بعض النُّسخ الأخرى في مواضع قليلة ... ».
الثانية: «المبسوط» للسَّرَخسيّ من أكثر كتب المذهب اعتماداً:
يُعَدُّ «مبسوط السرخسي» في أعلى درجات الكتب الفقهية في بيان المعتمد، وإليه يرجع عند اضطراب عبارات الكتب؛ للدَّرجة العالية التي بلغها صاحبه في الاجتهاد، وهذا فضلُ الله تعالى يؤتيه مَن يشاء من عباده.
قال البيري (¬1): «اعلم أَنّ من كتبِ مسائل الأصول كتاب «الكافي» للحاكم الشهيد، وهو كتابٌ معتمدٌ في نقلِ المذهبِ، شرحه جماعةٌ من المشايخ: منهم شمس الأئمة السَّرَخْسِيّ، وهو المشهور بـ «مبسوط السرخسي».».
قال الطَّرسوسيّ: ««مبسوط السَّرَخسيّ» لا يُعمل بما يُخالفه، ولا يُركن إلاّ إليه، ولا يُفتى ولا يعوَّل إلا عليه».
¬
(¬1) في عمدة ذوي البصائر لحل مهمات الأشباه والنظائر ق 3/ب.
وذكرَ التَّميميُّ في «طبقاته» أشعاراً كثيرة في مدحِهِ، منها ما أنشده لبعضهم:
عليك بمبسوط السَّرَخسيّ إنَّه ... هو البحر والدر الفريد مسائله
ولا تعتمد إلا عليه فإنَّه ... يُجاب بإعطاء الرغائب سائله
قال هبةُ الله البَعليّ: ««المبسوطُ» للإمام الكبير محمّد بن محمّد بن أبي سهل السَّرَخْسيّ، أَحد الأئمة الكبار، المُتَكلِّم الفقيه الأُصوليّ، لزم شمس الأئمة عبد العزيز الحَلوانيّ، وتخرَّج به حتى صار أنظر أهل زمانه، وأَخذ في التصنيف، وأَملى «المبسوط» نحو خمسة عشر مُجلداً وهو في السجن (¬1) بأُوزجند بكلمةٍ (¬2) كان فيها من الناصحين، توفِّي سنة أربعمئة وتسعين».
¬
(¬1) قال السرخسي في المبسوط 4: 192: «هذا آخر شرح العبادات، بأوضح المعاني، وأوجز العبارات، أملاه المحبوس عن الجمع والجماعات، مصلياً على سيد السادات، محمّد المبعوث بالرسالات، وعلى أهله من المؤمنين والمؤمنات ... »، وقال في موضع آخر (7: 59): «هذا آخر شرح كتاب الطلاق بالمؤثرة من المعاني الدقاق, أملاه المحصور عن الانطلاق المبتلى بوحشة الفراق, مصلياً على صاحب البراق وآله, وصحبه أهل الخير والسباق, صلاة تتضاعف وتدوم إلى يوم التلاق، كتبه العبد البري من النفاق»، وفي موضع آخر (8: 80): «انتهى شرح كتاب المكاتب بإملاء المحصور المعاتب, والمحبوس المعاقب، وهو منذ حولين على الصبر مواظب، وللنجاة بلطيف صنع الله مراقب, والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم».
(¬2) حكي أنَّ شمس الأئمة لَمّا أخرج من السجن، زوج السلطان أمهات أولاده من خدامه الأحرار، فاستحسنه العلماء، وخطأه شمس الأئمة بأنَّ تحت كل خادم حرة، وهذا تزوج الأمة على الحرة، فقال السلطان: أعتقهن وأجدد العقد فاستحسنه العلماء، وخطأه شمس الأئمة بأنَّ عليهن العدة بعد الإعتاق، وقيل: إنَّ هذا كان سبب حبسه، وأنَّ القاضي أغراه عليه، وأنَّ الطلبة لما لم تمتنع عنه منعوا عنه كتبه، فأملى المبسوط من حفظه، كما في رد المحتار 3: 506.
الثالثة: «مبسوط السرخسي» هو المقصود عند إطلاق «المبسوط» في كتب الحنفية:
كثرت الكتب المؤلفة المسمّاة بـ «المبسوط» عند الحنفية، ولا بُدّ فيها من التَّقييد باسم مؤلفها، كأن نقول «مبسوط الحَلْوانيّ»، وإذا أطلق لفظ «المبسوط» بلا قيد، فالمقصود «مبسوط السرخسي»؛ لشهرته والمكانة الرفيعة التي بلغها.
قال البعلي: حيث أُطلق «المبسوط»، فالمراد به «مبسوط السَّرَخسيّ» هذا، وهو «شرح الكافي».
و «الكافي» هذا هو «كافي الحاكم الشهيد»، العالم الكبير، محمّد بن محمّد بن أحمد بن عبد الله، وَلِي قَضاء بُخارى، ثُمّ ولاّه الأميرُ المجيد صاحبُ خُراسان وزارته، سَمِع الحديث من كثيرين، وجمع كتب مُحمَّد بن الحَسَن في «مختصره» هذا.
وقول السَّرَخْسيّ: «فرأيتُ الصَّوابَ في تأليفِ «شرح المختصر» (¬1)، لا
¬
(¬1) في المبسوط 1: 4.
يدلّ على أنَّ «مبسوطَ السَّرَخْسيّ» شرح «المختصر» لا شرح «الكافي» كما تَوَهَّمَه الخيرُ الرَّمْلِي في «حاشية الأشباه»، فإنَّ «الكافي» مختصرٌ أيضاً؛ لأنَّه اختصر فيه كتب ظاهر الرواية ـ كما علمت ـ وقد أكثر النقل في «غاية البيان» عن «الكافي» بقوله: «قال الحاكمُ الشهيد في مختصره المُسمَّى بـ «الكافي» (¬1).
واعلم بأنَّ عن أبي حنيفة ... جاءت روايات غدت منيفة
اختار منها بعضها والباقي ... يختار منه سائر الرفاق
فلم يكن لغيره جواب ... كما عليه أقسم الأصحاب
وقفات مع الأبيات:
الأولى: وجه أبو حنيفة أصحابه للاجتهاد المطلق؛ لأنهم كانوا أهلا لذلك:
قال ابن عابدين (¬2): «اعلم أنَّ الإمامَ أبا حنيفة من شدّة احتياطِهِ وورعِهِ وعلمِهِ بأنَّ الاختلافَ من آثارِ الرّحمةِ، قال لأصحابه: «إن تَوجَّه لكم دليل فقولوا به»، فكان كلٌّ يأخذ بروايةٍ عنه ويُرجِّحُها» (¬3).
هذا الخطاب من الإمام أبي حنيفة إنَّما كان لمَن بلغ درجة الاجتهاد من أصحابه: كأبي يوسف ومحمد وزفر وغيرهم، وهم من طبقة المجتهد المطلق
¬
(¬1) ينظر: شرح العقود ص356ـ 358.
(¬2) في شرح العقود ص370.
(¬3) ينظر: الدر المختار 1: 69.
المنتسب ـ كما سبق ـ، والعصر الذي هم فيه عصرُ اجتهاد مطلق، فالعلماءُ من المئةِ الأولى والثانيةِ على وجهِ الإجمال من هذه الطبقة، والقضاةُ كانوا يقضون من الكتابِ والسنةِ؛ لبلوغهم هذه الدرجة؛ لأنَّ أسبابَ الاجتهاد متيسّرةٌ لهم؛ لقربِ العهدِ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وقصر الأسانيد والرِّجال فيها فلا يحتاجون لبحث عنها، وانتشار الفقه المدرسي المتوارث في الكوفة والمدينة والشام وغيرها، وشيوع العمل المتوارث عن الصحابة - رضي الله عنهم -؛ لقرب العهد بهم، وسهولة الوقوف على ما كانوا عليه.
بخلاف الحال فيمَن بعدهم، فهذه الأسباب عُدِمَت، ولم يَعُدْ المتيسّر إلا الاجتهاد في المذهب؛ ولأنَّ الحاجةَ أصبحت مقتصرةً عليه؛ لانعدام الحاجة للمجتهد المطلق؛ إذ ما من وجهٍ من الوجوهِ الفقهيةِ المعتبرةِ في القرآنِ والسنةِ إلا استخرجت بسبب امتدادِ مدة الاجتهاد المطلق مئتي سنة إجمالاً، ومئتين أُخريين في المجتهد المنتسب الذي يستنبط من القرآن والسنة ومن أقوال الإمام ـ كما سبق في الطبقات ـ.
فأربعمئة سنة كافيةٌ لاستخرج كلِّ القوانين والمبادئ الفقهيّة المقرَّرة في الكتاب والسنة من قبل أكابر المجتهدين في عصور السلف المشهود لها بالخيرية.
ومن ثمَّ وجدنا العلماء في المئة الخامسة توجَّهوا إلى تأصيل وتقعيد وتفريع وتدليل ما سَبَقَ استخراجه في هذه الأربعمئة سنة، ولم يشتغلوا باستنباطٍ جديدٍ من القرآن والسنة، ولم يَعُد هذا الطريقُ معتبراً عند الفقهاء؛ لانتقال الاجتهاد من مرحلةٍ إلى مرحلةٍ جديدة، والله أعلم.
الثانية: تأدب وتواضع أصحاب أبي حنيفة معه رغم بلوغهم درجة الاجتهاد المطلق، ونسبتهم لأقوالهم له؛ لأنها وجوه ذكرت في مجلسه واختاروها:
قال الولوالجيُّ: «قال أبو يوسف: ما قلت قولاً خالفت فيه أبا حنيفة إلا قولاً قد كان قاله.
ورُوِي عن زُفر أنَّه قال: ما خالفت أبا حنيفة في شيءٍ، إلاّ قد قاله ثمّ رَجَعَ عنه.
فهذا إشارةٌ إلى أنَّهم ما سلكوا طريق الخلاف (¬1)، بل قالوا ما قالوا عن اجتهادٍ ورأي، اتّباعاً لما قاله أُستاذُهم أبو حنيفة» (¬2).
هذا كلام لطيف في تقرير ما سبق تحقيقه من بلوغ أصحاب أبي حنيفة درجة المجتهد المطلق، وإنَّما آثروا الانتساب لشيخهم أدباً وإجلالاً له، فقولهم
¬
(¬1) أي لم يخالفوه في صنع مذهب خاصٍ بهم، وإنَّما جعلوا اجتهادهم في ضمن مذهبه الشوري.
(¬2) ينظر: الدر المختار 1: 67.
بما قال إنَّما هو لموافقة رأيهم لرأيه في الاجتهاد، فإنَّ مجلس أبي حنيفة مجلس تفقيه، ومن الطبيعي أن تعرض فيه كلّ الوجوه للمسألة، ومن ثَمّ يَختار كلُّ واحدٍ منهم وجهاً اعتماداً على أصوله التي قرَّرها.
وهذا الكلام منهم بعدم خروجهم عن أقوال أبي حنيفة من باب الأدب والتواضع أمام مَن يقول لهم: لما لم تستقلوا باجتهاد في مذهب منفرد للشهرة العظيمة التي نالوها بعد الإمام، فكان كلامهم ردّاً على هذا، وإن لم يكن في الواقع تماماً، والله أعلم.
الثالثة: المذهب الحنفي مدرسةٌ اجتهاديةٌ كوفيةٌ ساهم فيها كبار المجتهدين المطلقين برئاسة أبي حنيفة:
رغم أنّ المذهب الحنفي ساهم في بنائه أبو حنيفة وأصحابه مجتمعين، كما يدلّ عليه كتب ظاهر الرواية، حيث ذكرت أقوالهم مع قوله في تكوين المذهب، إلا أن أدبهم مع أستاذهم؛ لأنّه رباهم وأدبهم وأوصلهم إلى ما عليه من الفقه والاجتهاد، فكانوا في مجالسهم ينسبون هذا الفضل لصاحبه، ويقولون: كلُّ ما قلناه أقول لأبي حنيفة، اعترافاً منهم بفضله، وإعلاماً أنّ أقوالهم كانت تعرض في مجلسه، فهو كان على علم بها، لكنه اختار قولاً غير الذي قالوه؛ للأصول التي يلتزمها، وهم اختاروا الأقوال الأخر للأصول التي التزموها.
قال القابسي (¬1): «وإذا أَخَذَ بقولِ واحدٍ منهم يعلم قطعاً أنَّه يكون به آخذاً بقول أبي حنيفة، فإنَّه رُوِي عن جميع أصحابه من الكبار: كأبي يوسف، ومحمّد، وزُفر، والحَسَن، أنَّهم قالوا: ما قلنا في مسألةٍ قولاً إلا وهو روايتنا عن أبي حنيفة، وأقسموا عليه أيماناً غلاظاً.
فلم يتحقَّق إِذَنْ في الفقه جوابٌ ولا مذهبٌ إلا له كيفما كان، وما نُسِبَ إلى غيره إلا بطريق المجاز للموافقة».
قال العثماني (¬2): «ومعناه على ما حققه العلامة الكوثري أنَّ الإمام أبا حنيفة كان يبدي أمام تلامذته احتمالات مختلفة في مسألة واحدة، وكان أصحابه يأخذون بأحد هذه الاحتمالات بأدلتها.
ونحكي هنا كلام الكوثري (¬3) بلفظه لما فيه من الفوائد: «ومنشأ الخلاف ادعاء أن تلك الأقوال كلها أقوال أبي حنيفة، هو ما كان يجري عليه أبو حنيفة في تفقيه أصحابه من احتجاجه لأحد الأحكام المحتملة في مسألة وانتصاره له بأدلة، ثم كرّروه بالرد عليه بنقض أدلّته، تدريباً لأصحابه على التفقه على خطواتٍ ومراحل إلى أن يستقر الحكم المتعين في نهاية التمحيص، ويدوّن في الديوان في عداد المسائل الممحّصة.
¬
(¬1) في الحاوي القدسي ق 180/ أ.
(¬2) في أصول الإفتاء ص169.
(¬3) في حسن التقاضي ص60.
فمنهم من ترجح عنده غير ما استقرّ عليه الأمر من تلك الأقوال باجتهاده الخاصّ، فيكون هذا المترجح عنده قولَه من وجهٍ، وقولَ أبي حنيفة من وجهٍ آخر، من حيث إنَّه هو الذي أثار هذا الاحتمال ودلل عليه أولاً وإن عدل عنه أخيراً .... ».
والحاصل أنَّ أصحاب أبي حنيفة إنَّما اختاروا في كل مسألة من أحد الاحتمالات التي أثارها الإمام، ثم ما استقر عليه رأي الإمام صار مذهباً له، وما استقرّ عليه رأي أحد أصحابه نسب إليه».
الرابعة: ما بلغه أصحاب أبي حنيفة من الاجتهاد المطلق من المسلّمات القطعيات التي لا تُقابل بمجرد روايات تاريخية:
إن الدلائل الكثيرة القائمة على أنَّهم بلغوا درجة الاجتهاد المطلق، ومثل تلك الدلائل المذكور في كلّ كتب الفقه، من بيان خلافهم مع خلافه، واختلاف أصولهم مع أصوله، لا تقابل بروايات تاريخية لا ندري ألفاظها ومقدار صحّة ثبوتها، فينبغي تأويلها وحملها على ما هو الثابت المتيقّن الموافق للعقل السليم المنقول بالتواتر جيلاً بعد جيل.
فلا يُقبل أي طرح من أنهم مجرد نقلة لأقوال أبي حنيفة، ولا اجتهاد لهم أصلاً، فهو مخالفٌ للمعقول والمنقول.
الخامسة: اضطرب ابنُ عابدين بسبب عدم تحقيقه لطبقات ابن كمال باشا في طبقة الصاحبين، فمرّة يَعدُّهم من المجتهدين في المذهب، ومرّة مجتهدين مطلقين:
قال ابن عابدين (¬1): «أنَّ الإمامَ لَمّا أَمَر أَصحابَه بأن يأخذوا من أقواله بما يتَّجه لهم منها الدليل عليه، صار ما قالوه قولاً له؛ لابتنائه على قواعدِهِ التي أَسَّسَها لهم، فلم يكن مرجوعاً عنه من كلِّ وجه».
هذا الأمر أخذه ابن عابدين من طبقات ابن كمال باشا؛ لأنَّه نقلها ولم يحررها ـ على عادته من التحرير ـ ولم يحقق شيئاً ممّا فيها، بل نقلها مسلمة في هذا الكتاب ورد المحتار، وهنا يقرّر ما يقوله ابن كمال باشا، وسبق تحقيق أنَّ هذا القول مردودٌ لا يلتفت إليه بنقول عديدة فلا حاجة للإعادة، فالكمال لله والعصمة لأنبيائه، وسيأتي من ابن عابدين تقرير أنَّ لهم أصولهم وقواعدهم الخاصة المخالفة للإمام، فليتنبه.
وقد ذكر ابنُ عابدين في عدّة مواضع أنّ الصاحبين بلغا درجة الاجتهاد المطلق، منها:
1.قوله (¬2): «وأمّا المسائل التي قال بها أبو يوسف ونحوه من أصحاب الإمام،
¬
(¬1) في رد المحتار 1: 67.
(¬2) في شرح العقود ص385.