السنة المشهورة عند الحنفية ...
..... وتطبيقاتها في كتبهم
جارٍ تحميل الكتاب…
السنة المشهورة عند الحنفية ...
..... وتطبيقاتها في كتبهم
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
السنة المشهورة
عند الحنفية وتطبيقاتها في كتبهم
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* نشر في مجلة الأصول في جامعة ساقريا، تركيا.
ملخص البحث:
يتناول هذا البحث مصطلحاً شائعاً في كتب الأصول والحديث والفقه وغيرها وهو «السنة المشهورة»، وقد أظهرت منشأها وأصلها من خلال توضيح حصول الخطأ والوهم في روايةِ الثقات، ومن ثمَّ بيان استخدام الحنفية لمصطلح الشاذّ والمُعلَّل الموجود عند المحدِّثين، ولكن بمعنى مُختلف عنهم، وبيَّنت المقصود منها وضوابطها لما يحتفُّ به من خفاء، واعتنيتُ في تحقيقِ المقصودِ بالسُّنة المشهورة عند الحنفية؛ لأنَّهم من قعدها وأصّلها، وتوصلت بالاستقراء إلى أنَّها الآحاد التي تلقتها الأمةُ بالقبول، بأن عمل بها الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعون وقبلوها، وختمت الدراسة بجانب تطبيقيٍّ في استعمال الحنفية للمشهور في كتبهم يُبيِّنُ الأحاديث التي ذكروا أنَّها من المشهورات.
* * *
The Well-Known Sunna According to the Hanafis
And Its Application in Their Books
Research Summary:
I have debated a term used often among students of Sacred Law, yet because its reality and precise meaning are obscure to them they are prevented from its benefit. So I focus in this paper on showing the actual intended meaning of “The Well-Known Sunna” , which the Hanafi Masters use much in their proofs of legal issues. After a comprehensive survey, I reached the conclusion that it [“The Well-Known Sunna”] in reality refers to hadiths of single-chain transmission (ahad) that the community received with acceptance, namely, by the Companions - رضي الله عنهم - and Followers acting upon them and accepting them.
I conclude the paper with a practical side, of the Hanafi usage of “well-known” in their books.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.
وأما بعد:
فإنَّ مصطلح الحديث المشهور أو السنة المشهورة لها استعمال واسعٌ في كتب السادة الحنفية أُصولاً وفُروعاً في احتجاجهم لأَقوالهم واختياراتهم الفقهيّة، فمَرّة يقدِّمونها على حديثٍ وإن كان مَروياً في الصحاح، ومَرّةً ينسخون بها القرآن، ومَرّةً يزيدون بها على القرآن، ومَرّةً يُخصصون بها القرآن، ومَرّةً يَتركون بها القياس، ومَرّة يقبلونها فيما تعمّ به البلوى، فصفحات كتبهم تطفح بالاستدلال بها.
ورغم كلِّ هذا، ففي ضبطِ المقصودِ بها خفاءٌ عند الباحثين والمتفقهين ممّا يوقعهم في شكٍّ بصحّة دليل الحنفيّة وإساءة ظنٍّ بعلماء الأمّة، ممَّا دفعني إلى كتابة هذا البحث لرفع النِّقاب عن مرادهم بهذا الاصطلاح، وإظهار سبب قولهم به.
وهذا يتطلب إظهار منشئه وأصله من خلال توضيح حصول الخطأ والوهم في روايةِ الثقات، ومن ثمَّ بيان استخدام الحنفية لمصطلح الشاذّ والمُعلَّل الموجود عند المحدِّثين، ولكن بمعنى مُختلف عنهم، مما بُنِي عليه قضية العمل والقَبول لكبار الصحابة - رضي الله عنهم - والتَّابعين، التي هي مدارُ المشهور عند الحنفيّة، وسبباً في خروج هذا التّقسيم للسُّنّة، وتتميماً للفائدة نذكر جانباً من تطبيقاتهم للحديث المشهور.
وأهمية الموضوع: تكمن في كشف النقاب عن أكثر المصطلحات شيوعاً عند السَّادة الحنفية في الاستدلال، لاسيما عند الاحتجاجِ بالأحاديث النبوية الشريفة، فهذا المذهب الذي يعتبرُ بمنزلةِ المذهب الأم للمذاهب الفقهيّة يحتجُّ كثيراً بالحديث المشهور أو السُّنّة المشهورة، ويبني عليها كثيراً من قواعدِه وأُمهات مسائله، فمعرفةُ مقصودهم منها وقوّة استدلالهم بها تساعد الباحثين على فهم هذا المذهب العظيم والثِّقة به.
ومشكلةُ الدراسة: تظهر في إجابة الباحث سؤال رئيسي: ما وجه اعتبار الحنفية للمشهور في فقههم؟ ويتفرَّع عليه الأسئلة الآتية؟
1. كيف عالج المحدثون والفقهاء الخطأ والوهم عند الرواة؟
2. وما هو مقصود الفقهاء بالشذوذ والعلة في الأحاديث؟
3. وما المراد بالسنة المشهورة أو الحديث المشهور عند الحنفية؟
4. وما هو مقدار تطبيقات الفقهاء للسنة المشهورة في كتبهم؟
5. وهل للحنفية طريقةً واضحةً في تنقيح ما وصل لنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟
وبهذا يتبيَّن أنَّ البحث سيعرض لقضايا ذات أهمية في علم الفقه وأصوله، ويجيب عن إشكاليات كبيرة تعرض للباحثين والدارسين وطلبة العلم.
الدراسات السابقة:
من خلال تتبعي ودراستي للموضوع ومطالعتي للكتب العديدة التي تعرَّضت لمسائل متناثرة فيه، لم أقف على أي دراسة خاصة به، سوى «الحديث المشهور عند الحنفية وأثره في اختلافهم مع الفقهاء» لعامر أحمد جاسم النداوي، ولم أتمكن من الاطلاع عليه رغم وجود اسمه على النت، وبحث «السُّنّة المشهورة حكمها ودورها في استنباط الأحكام الشرعية عند الأحناف» لسميرة الفارسي، واقتصرت فيه على التعريف بالسنة المشهورة وبيان حكمها، بخلاف بحثنا الذي استطاع تأصيل المقصود بالسنة المشهورة بما لم يسبق له الباحث، وبيان تطبيقاتها عند الحنفيّة.
وكذلك يتعرض الفقهاء والأصوليون للسنة المشهورة في ثنايا كتب الفقه وأصوله لاسيما في مبحث السنة في كتب السادة الحنفية، فإنَّهم
يجعلون من أقسام السنة: السنة المشهورة، ويتكلمون عليها بصورة موجزة عادة على حسب حال الكتاب في العرض من الاختصار والتوسط والتطويل، إلا أنَّ هذا البحث لم يعط حقَّه تاماً، وكذلك حصل اختلاط في مصطلحاته بين التطبيقات في كتب الفقه وتعريفه في كتب الأصوليين، ممَّا كلَّف الباحث جهداً كبيراً في التّمييز والتّحرير والتّوفيق.
ومنهجيّة البحث: التي اعتمدتها هي المنهج الاستقرائيّ والتحليليّ والتطبيقيّ، بحيث يتمّ استقراء قدر كبير من الأحاديث المشهورة من كتب الفقه والأصول عند السّادة الحنفية واستخراج استخداماتهم له، ومن ثم استنباط المبادئ والقواعد والأسسس التي ساروا عليها في بنائهم الفقهي، ومن ثم تطبيقها على مسائلهم وفروعهم وبيان مدى التزامهم فيها في كتبهم الفقهية.
وقسمتُ خطّةَ البحث لتحقيق ذلك إلى تمهيدٍ ومبحثين وخاتمة:
التّمهيد: في الشُّذوذِ والعلّةِ بين الفقهاء والمحدِّثين، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الشذوذ والعلة عند المحدثين.
المطلب الثاني: الشذوذ عند الفقهاء.
المطلب الثالث: العلة في الحديث عند الفقهاء.
المبحث الأول: حقيقة السنة المشهورة عند الحنفية، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: مدار الشهرة على القبول والعمل من السلف.
المطلب الثاني: معنى المشهور.
المطلب الثالث: حكم المشهور.
المبحث الثاني: تطبيقات للسنة المشهورة في كتب الحنفية.
خاتمة.
* * *
تمهيد: في الشذوذِ والعلّةِ بين الفقهاء والمحدِّثين:
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في الشذوذ والعلة عند المحدثين:
إنَّ المطالعَ لكتبِ أُصول الحنفية يجد تَحَرياً وتَثبُّتاً في تنقيحِ ما يُنسب إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من الأحاديث، بحيث يُمكن مُعالجةُ قضيةِ الخطأ والسّهو الواقعين من الرَّاوي الثقة؛ إذ هما أمران حاصلان وواقعان في أحاديث الثقات فضلاً عن وقوعهما في أَحاديث الضُّعفاء، وما يذكر في حدِّ الصَّحيحِ من كونِ راويه تامّ الضبط فإنّه أَمرٌ نسبيٌّ؛ لأنَّه يشترطُ في الصحيح أن لا يكون شاذاً ولا مُعلَّلاً مع كون راويه ثقةً، واشترط المحدثون هذا للوقوف على الوهم والخطأ الذي يدخل إلى أحاديث الثقات.
ثُمَّ إنَّ الوهم والخطأ من الأسباب الرئيسة للاختلاف بين الأحاديث، وبالسبر والنظر إلى كتب السنة النبوية نجد عدداً كبيراً من الرُّواة الثقات قد أخطؤوا في بعض ما رووا، وهو أَمرٌ متفاوت بين الرُّواة
حسب مَروياتهم قلّةً وكثرةً، ورُبَّما كان حظّ من أكثر من الرِّوَايَة أكبر خطأً من المقلين؛ لذا نجد غلطات عُدَّتْ على الأئمة العلماء الحفّاظ لكنَّها لم تؤثر عليهم في سعة ما رووه (¬1)، وهذه بعض عبارات أئمة الحديث التي تشهد بذلك:
قال الإمام أحمد: «ما رأيت أحداً أقلّ خطأً من يحيى بن سعيد، ولقد أخطأ في أحاديث، ثُمَّ قال: ومَن يعرى من الخطأ والتصحيف» (¬2).
وقال الإمام مسلمُ (¬3): «فليس من ناقلِ خبرٍ وحاملِ أثرٍ من السلفِ الماضين إلى زماننا ـ وإن كان من أحفظ الناس وأشدهم توقياً وإتقاناً لما يحفظ وينقل ـ إلا الغلط والسهو ممكنٌ في حفظِه ونقلِه».
وقال الإمام الترمذيُّ (¬4): «لم يَسلم من الخطأ والغلطِ كبيرُ أحدٍ من الأئمةِ مع حفظِهم».
¬
(¬1) ينظر: د. ماهر فحل، أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء، عمان، دار عمار، 1424م، (ط1)، ص17 ـ 18.
(¬2) ينظر: شمس الدين الذهبي (ت: 673هـ)، سير أعلام النبلاء، تحقيق: مجموعة من العلماء، مؤسسة الرسالة، (ط11)، ج9: ص181، وأحمد بن علي العسقلاني، (ت852هـ)، تهذيب التهذيب، بيروت، دار الفكر، 1404هـ، (ط1)، ج11، ص192.
(¬3) في: مسلم بن الحجاج القشيري، التمييز، الموسوعة الشاملة، http://www.alsunnah.com، ص2.
(¬4) في: محمد بن عيسى الترمذي، العلل الصغير، الموسوعة الشاملة، http://www.alsunnah.com ج6، ص240.
وقال ابنُ رجب (¬1): «أهل صدق وحفظ يندر الخطأ والوهم في حديثهم أو يَقِلُّ، وهؤلاء هم الثقاتُ المتفقُ على الاحتجاجِ بهم».
وقال الذهبيُّ (¬2): «فأرني إماماً من الكبار سلم من الخطأ والوهم، فهذا شعبة، وهو في الذروة له أوهام، وكذلك معمر والأوزاعي ومالك».
فالشذوذُ بأن يُخالف الثقة الثقات، والعلّةُ بأن يظهر قادح يؤثِّرُ في الرِّواية، وهذا عند المحدِّثين.
المطلب الثاني: الشذوذ عند الفقهاء:
إنَّ معنى الشذوذ عند فقهاء الحنفية قريبٌ من معناه عند المحدثين، لكن بالنظر إلى المعنى والعمل فعدم القبول للرواية من قبل مجتهدي الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين يجعلها شاذة، وتركهم للعمل بها يعتبر علَّة قادحة مؤثرة في الرِّواية.
فإذا كان مخالفةُ الثقةِ للثقات سبباً لشذوذِ الرِّوايةِ والطَّعنِ فيها، فلا شَكَّ أنَّ مخالفةَ الرّاوي لمَن هو أَعلى درجةً من الثقات من كبارِ الصحابةِ
¬
(¬1) في: ابن رجب الحنبلي (ت: 795هـ)، شرح علل الترمذي، الأردن، الزرقاء، مكتبة المنار، (ط1)، ج1: ص38.
(¬2) في: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج6: ص36.
- رضي الله عنهم - والتابعين الذين لم يقبلوا هذه الرِّواية أَكثر تأثيراً في الطَّعن بها، وكذلك إن كانت وجوهُ العللِ المُختلفةِ في الأسانيدِ والمتونِ سبباً لردِّ الرِّواية وتضعيفِها، فلا شَكَّ أَنَّ عدمَ عملِ مجتهدي الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين فيها أَقوى في رَدِّها، فهم غيرُ متهمين أَبداً، وهذا ظاهرٌ في وقوفِهم على أمرٍ من نسخٍ أو تخصيصٍ أو تأويلٍ يمنعُ الأخذ بها رغم روايتها عنهم.
ويُفصحُ عن هذا الطحاوي (¬1) عند مناقشته لأحد الأحاديث، فيقول: «إنَّ هذا الحديث قد جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُتواتراً من هذه الوجوه الصحاح التي تقبلها العلماء، وفي تركها لما فيه بعد تناهيه إليهم واستعمالهم خلافه ما قد دَلَّ على نسخه؛ لأنَّهم مأمونون على نسخِهِ كما هم مأمونون على ما رووه، ولَمَّا كانوا كذلك كان تركهم لما رَووه من هذه الوجوه المحمودة عندهم على أنَّهم تركوا ذلك لما يوجب لهم تركه وصاروا إلى ما هو أولى بهم منه ممَّا قد نسخه، ولولا أنَّ ذلك كذلك لكان قد سقط عدلهم، وفي سقوط عدلهم سقوط رواياتهم، وحاشَ لله - جل جلاله - أن تكون حقيقةُ أُمورهم كذلك».
¬
(¬1) في أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي (ت321هـ)، مشكل الآثار، الهند، مجلس دائرة النظامية، (ط1) ر963.
وما ذكرته هاهنا واضحٌ جدّاً في استدلال فقهاء الحنفية بالأحاديث التي يحتجُّون بها في كتبهم، وسأذكر طرفاً من ذلك يكون مُرشداً لغيره ومُبيِّناً لاصطلاحهم المماثل في ظاهره للمحدِّثين والمختلف عنه في منهج التثبت بما نُقِل عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ومن ذلك:
1.حديث: «خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - يستسقي فتوجّه إلى القبلة يدعو وحوّل رداءه، ثُمَّ صلّى ركعتين جهرَ فيهما بالقراءة» (¬1)، فذهب أبو حنيفة - رضي الله عنه - إلى عدم سنيةِ صلاة الاستسقاء؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا شُكِي إليه القحط رفعَ يديه يستسقي ولم يذكر فيه صلاة ولا قلب رداء، فلم يدلّ على السنيّة؛ إذ لم توجد المواظبة في أَغلبِ الأَحوال، فالإمامُ مُخيَّرٌ إن شاء فعلَها، وإن شاءَ تركها (¬2)؛ فعن أنس - رضي الله عنه -: «إنَّ رجلاً دخل المسجد يوم جمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يخطب فاستقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائماً، ثُمَّ قال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغثنا،
¬
(¬1) فعن عبد الله بن زيد - رضي الله عنه -، محمد بن إسماعيل الجعفي البخاري (ت256هـ)، صحيح البخاري، بيروت، دارابن كثير واليمامة، 1407هـ، (ط3)، ج1: ص347. وعن ابن عباس - رضي الله عنهم -، سليمان بن أشعث السجستاني (ت275هـ)، سنن أبي داود، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت، دارالفكر، 1: 372، وأحمد بن شعيب النسائي، سنن النسائي الكبرى، بيروت، دار الكتب العلمية، 1411هـ، (ط1)، ج1: ص556.
(¬2) ينظر: أحمد بن محمد الطحطاوي، (ت1231هـ)، حاشية الطَّحْطَاوي على مراقي الفلاح، ت: محمد عبد العزيز الخالدي، بيروت، دار الكتب العلمية، 1418هـ، (ط 1)، ج2: ص176عن غاية البيان.
فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه، ثُمَّ قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا ... » (¬1)، وعن الشعبي: قال: «خرج عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يستسقي بالناس فما زاد على الاستغفار حتى رجع، فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما رأيناك استسقيت، قال: لقد طلبت المطر بمَجَاديح السماء التي تستنزل بها المطر، فقلت: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا} نوح: 10 - 12، استغفروا ربكم ثُمَّ توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكم قوة إلى قوتكم» (¬2).
وعند مناقشة محمد بن الحسن الشيبانيّ: حديث صلاة الاستسقاء جعله شاذاً، فقال (¬3): «بلغنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه خرج فدعا وبلغنا عن
¬
(¬1) في: البخاري، صحيح البُخاري، ج1: ص344، ومسلم بن الحجاج القُشَيْريّ النَّيْسَابوريّ (ت261هـ)، صحيح مسلم، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ج2: ص613.
(¬2) في: عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت:211هـ)، المصنف، ت: حبيب الرحمن الأعظمي، بيروت، المكتب الإسلامي، 1403هـ، (ط2)، ج3: ص87، وعبد الله بن محمد ابن أبي شيبة (ت: 235هـ)، المصنف في الآحاديث والآثار، الرياض، مكتبة الرشيد، 1409هـ، (ط1)، ج6: ص61، وأحمد بن الحسين بن علي البيهقي (ت: 458هـ)، وسنن البيهقي الكبير، مكة المكرمة، مكتبة دار الباز، ج3: ص352، وعبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي (ت: 762هـ)، تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري، ت: عبد الله بن عبد الرحمن السعد، الرياض، دار ابن خزيمة، 1414هـ، (ط1)، ر1404: قال النووي في الخلاصة: «إسناده صحيح لكنَّه مرسل، فإنَّ الشعبيّ لم يدرك عمر».
(¬3) محمد بن الحسن الشيباني (ت:189هـ)، المبسوط، ت: أبو الوفاء الأفغاني، عالم الكتب، 1410هـ، (ط1)، ج1: ص228
عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنَّه صَعَدَ المنبر فدعا واستسقى ولم يبلغنا في ذلك صلاة إلا حديثاً واحداً»، قال ابنُ الهُمام (¬1): «ووجه الشذوذ: أنَّ فعلَه - صلى الله عليه وسلم - لو كان ثابتاًَ لاشتهر نقلُه اشتهاراً واسعاً، ولفعله عمر - رضي الله عنه - حين استسقى، ولأنكروا عليه إذا لم يفعل; لأنَّها كانت بحضرة جميع الصحابة - رضي الله عنهم - ; لتوافر الكلّ في الخروج معه - صلى الله عليه وسلم - للاستسقاء, فلَمَّا لم يفعل لم ينكروا ولم يشتهر روايتها في الصدر الأول، بل هو عن ابنِ عبّاس وعبدِ الله بن زيد - رضي الله عنهم - على اضطراب في كيفيتِها عن ابن عباس وأنس م كان ذلك شذوذاً فيما حضره الخاصّ والعامّ والصغير والكبير».
2.حديث: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، وإن لم يجد أحدكم إلا عود عنبة أو لحاء شجرة فليمضغها» (¬2)، قال الطحاوي (¬3):
¬
(¬1) ينظر: محمد بن عبد الواحد ابن الهمام (ت:861هـ)، فتح القدير للعاجز الفقير على الهداية، بيروت، دارإحياء التراث العربي، ج2: ص93.
(¬2) في: محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي (ت: 311هـ)، صحيح ابن خزيمة، ت: د. محمد مصطفى الأعظمي، بيروت، المكتب الإسلامي، 1390هـ، ج3: ص317، ومحمد بن عبد الله الحاكم (ت: 405هـ)، المستدرك على الصحيحين، ت: مصطفى عبد القادر، بيروت، دار الكتب العلمية،1411هـ، (ط1)، ج1: ص601. وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، وله معارض بإسناد صحيح وقد أخرجاه من حديث همام عن قتادة عن أبي أيوب العتكي عن جويرية بنت الحارث: «أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: صمت أمس؟ قالت: لا، قال: فتريدين أن تصومي غداً ... » الحديث، وعن ابن شهاب أنَّه كان إذا ذكر له أنَّه نهى عن صيام يوم السبت، قال: هذا حديث حمصي، وله معارض بإسناد صحيح. وفي: محمد بن عيسى الترمذي (ت:279هـ)، جامع الترمذي، ت: أحمد شاكر، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ج3: ص120، وقال: حديث حسن، ومعنى كراهته في هذا أن يخص الرجل يوم السبت بصيام؛ لأنَّ اليهود تعظم يوم السبت، وفي: عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي (ت: 255هـ)، سنن الدارمي، ت: فواز أحمد وخالد العلمي، بيروت، دار التراث العربي، 1407هـ، (ط1)، ج2: ص62، البيهقي، سنن البيهقي الكبير، ج4: 302، أبي داود، السنن، ج2: ص320، قال: وهذا حديث منسوخ، ثم ذكر حديث جويرية السابق وكلام ابن شهاب، وأعقبه بقول مالك: هذا كذب. والنسائي، سنن النسائي، ج2: ص144 محمد بن يزيد بن ماجة القزويني (ت: 273هـ)، سنن ابن ماجه، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار الفكر، ج1: ص550. وغيرها، والكراهة تنزيهية؛ لأنَّ هذا الحديث تكلم الحفاظ فيه فأنكره ابن شهاب وكذبه مالك، وقال أبو داود والحاكم بنسخه.
(¬3) في: محمد بن سلامة الطحاوي (ت: 321هـ)، شرح معاني الآثار، ت: محمد زهري النجار، بيروت، دار الكتب العلمية، 1399هـ، (ط1)، ج2: ص81.
«ففي هذه الآثار المروية في هذا إباحة صوم يوم السبت تطوعاً، وهي أشهر وأظهر في أيدى العلماء (¬1) من هذا الحديث الشاذ الذي قد خالفها، وقد أَذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صوم عاشوراء (¬2)، وحَضَّ عليه ولم يقل إن كان يوم السبت فلا تصوموه، ففي ذلك دليل على دخول كلّ الأيام فيه، وقد
¬
(¬1) ومنها: عن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: «أكثر ما كان يصوم - صلى الله عليه وسلم - من الأيام يوم السبت والأحد، وكان يقول: إنَّهما عيدان للمشركين وأنا أريد أن أخالفهم» في صحيح ابن حبان 8: 381، 407، والسلمي، صحيح ابن خزيمة ج3،ص 318، والحاكم، المستدرك، ج1، ص602، البيهقي، السنن الكبير، ج4، ص303، وعن ابن عبّاس م بعث إلى أم سلمة وإلى عائشة يسألهما ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب أن يصوم من الأيام؟ فقالتا: «ما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى كان أكثر صومه يوم السبت والأحد، ويقول: هما عيدان لأهل الكتاب فنحن نحب أن نخالفهم» في: النسائي، السنن، ج 2، ص 146.
(¬2) في: النيسابوري، صحيح مسلم، ج2، ص 797، وغيره.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أحبُّ الصيام إلى الله - عز وجل - صيام داود - عليه السلام -، كان يصوم يوماً ويُفطر يوماً» (¬1)».
3.حديث عبد الله بن يحيى الأنصاري عن أبيه عن جده - رضي الله عنهم -: «أنَّ جدّتَه أتت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحليٍّ لها، فقالت: إنّي تصدقت بهذا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنَّه لا يجوز للمرأة في مالها أمرٌ إلا بإذن زوجها، فهل استأذنت زوجك؟ فقالت: نعم، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: هل أذنت لامرأتك أن تتصدَّق بحليها هذا؟ فقال: نعم، فقبله منها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» (¬2)، قال الطحاوي: (¬3): «كيف يجوز لأحدٍ تركَ آيتين من كتاب الله - عز وجل - وسننٍ ثابتةٍ عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - متفقٌ على صحّةِ مجيئها إلى حديث شاذ لا يثبت مثله ... ، يقول الله - عز وجل -: {وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا} النساء: 4، فأباح الله للزوج ما طابت له به نفس امرأته، وبقوله - عز وجل -: {وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ} البقرة: 237، فأجاز عفوهن عن مالهن بعد طلاق زوجها إياها بغير استئمار من أحد، فدَلَّ ذلك على جواز أَمرُ المرأة في مالها، وعلى أنَّها في مالها كالرجل في ماله ... ».
¬
(¬1) بلفظ قريب في: البخاري، صحيح البخاري، ج3، ص1256، وغيره.
(¬2) بألفاظ قريبة في: القزويني، سنن ابن ماجة، ج2، ص2799، وغيره.
(¬3) في: الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج4، ص 352ـ354.
ويوضح عيسى بن أبان: المقصود بالشاذِّ عند الحنفية، فيقول: «لا يُقبل خبرٌ خاصٌ في رَدِّ شيء من القرآن ظاهر المعنى أن يصيرَ خاصّاً أو منسوخاً حتى يجيء ذلك مجيئاً ظاهراً يعرفه الناس ويعلمون به، مثل: ما جاء عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أن «لا وصية لوارث» (¬1)، «ولا تُنكح المرأةُ على عمَّتِها» (¬2)، فإذا جاء هذا المجيء فهو مقبول؛ لأنَّ مثله لا يكون وهماً، وأما إذا رُوِي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث خاصّ وكان ظاهرُ معناه بيان السنن والأحكام أو كان ينقض سنةً مجمعاً عليها أو يُخالف شيئاً من ظاهر القرآن، فكان للحديث وجهٌ ومعنى يُحمَل عليه لا يُخالف ذلك، حُمل معناه على أحسن وجوهه وأشبهه بالسنن وأوفقه لظاهر القرآن، فإن لم يكن معنى يحمل ذلك فهو شاذ».
ويُستفاد من كلامه أنَّ الشذوذَ متعلِّق بخبرٍ مَرويٍّ بطريق الآحاد ـ خاص ـ وجاء بمعنى مخالفٍ لما هو أَثبت وأَقوى منه من قرآن أو سنة ثابتة، فإن كان له معنى لا يُخالف الأقوى، فيُحمل على ما يتوافق مع السنن وظواهر القرآن، ولا يَكون شاذّاً إن تلقته الأمة بالقبول وعملت به؛ لأنَّ قبولَ العلماء له يرفع احتمال الوهم الحاصل في روايةِ الثقات، ويؤكِّدُ ثبوته عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -.
¬
(¬1) وسيأتي تخريجه.
(¬2) وسيأتي تخريجه.
فمدارُ الشذوذِ عندهم على آحادية نقله، وعدم القبول له، ومُخالفته لما هو أقوى منه.
وهذا الكلام في غايةِ الدقّةِ والضبطِ والتمكنِ في تنقيحِ الثابتِ من حديثِ المصطفى - صلى الله عليه وسلم -؛ لما سيترتب عليه من بناء الأحكام ـ كما سيأتي ـ.
المطلب الثالث: العلة في الحديث عند الفقهاء:
وكما استخدم الفقهاءُ مصطلح الشاذ كذلك كان لهم استعمال واسعٌ لمصطلح العلّة، وردوا كثيراً من الأحاديث لكونها معلولة، ولكن وصف العلَّة عندهم مختلفٌ عن المحدِّثين في أنَّ مداره على المعنى والقبول والعمل والمخالفة والمعارضة التي هي محلُّ اهتمام الفقهاء دون المحدِّثين.
وعدم الانتباه لهذه الحقيقة عند الحنفيّة جعل البعض يسيء الظنَّ بهم، قال الحارثي (¬1): «الحقيقة أنَّ معظمَ الأحاديث التي اتهم المحدثون أبا حنيفة: بردِّها إنَّما هي من هذا القبيل، مع أنَّهم في نفسِ الوقت لم يقبلوا أحاديث؛ لوجود علل في إسنادِها أو متنها، كما فعل مالك وأحمد والثوري والأوزاعي والشافعي وكل العلماء؛ لأنَّهم اتفقوا على وضع ضوابط وإن اختلفوا في ماهيتها، فإذا جاء حديثٌ مخالفٌ لتلك الضوابط
¬
(¬1) في الدكتور محمد قاسم عبده الحارثي، مكانة الإمام أبي حنيفة بين المحدثين، طبعة باكستان، 1413هـ، ص326.
أَعلُّوه واعتذروا عن قبوله وبَيَّنوا ما فيه من علل، ولم يكتفوا ببيان العلل في الحديث، وإنَّما بَيَّنوا قُوّة الحديث الذي معهم أو قُوّةَ القياس الذي عَمِلوا به دون ذلك الحديث ... ».
وفَصَّلَ الفقهاءُ العِلَلَ التي تُرَدُّ بها الأحاديث في أُصول الفقه بما لا يتسع استقصائه في هذا البحث، وإنَّما نكتفي بوصفٍ عام يُتَعَرَّفُ به إثباتُ هذا الطريق عندهم ومنهجهم فيه بصورة مجملة من كلام الجصاص:، إذ قال (¬1) تحت باب القول في قبول شرائط أخبار الآحاد: «طريق إثبات ـ أي خبر الآحاد ـ والعمل بموجبه الاجتهاد، فيجوز ردُّها لعلل, إذا كان طريق قبولها من قوم بأعيانهم الاجتهاد وغالب الظنّ, على جهة حسن الظن بالرواة.
فمن العلل التي يردُّ بها أخبار الآحاد عند أصحابنا: ما قاله عيسى ابن أبان: «ذكر أنَّ خبر الواحد يُرَدُّ لمعارضةِ السنة الثابتة إيّاه، أو أن يَتَعلَّق القرآن بخلافه فيما لا يحتمل المعاني، أو يكون من الأمور العامّة, فيجيء خبر خاصٌّ لا تعرفه العامّة، أو يكون شاذّاً قد رواه الناس وعملوا بخلافه» ... حديث «إنَّ الميت يعذب ببكاء أهله عليه» (¬2) ظاهره
¬
(¬1) في: أحمد بن علي الرازي الجصاص، الفصول في الأصول، (ط2) لوزارة الأوقاف الكويتية، ج2، ص117 ـ 120.
(¬2) في: البخاري، صحيح البخاري، ج1، ص435، والنيسابوري، صحيح مسلم، ج2، ص640.
مخالفٌ لقوله - جل جلاله -: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} الأنعام: 164 ... وكذلك معارضةُ السنةُ الثابتةُ إيّاه، علةٌ تردُّ هذا المعنى بعينه؛ لأنَّ السنة الثابتة من طريق التواتر توجب العلم كنص الكتاب.
وأمّا حكمه فيما تعمّ البلوى به فإنَّما كان علّةً لرده من توقيف من النبي - صلى الله عليه وسلم - الكافة على حكمه, فيما كان فيه إيجاب أو حظر نعلمه, بأنَّهم لا يَصِلون إلى علمه إلا بتوقيفه، وإذا أشاعه في الكافّة ورَد نقله بحسب استفاضته فيهم، فإذا لم نجده كذلك، علمنا أنَّه لا يخلو من أن يكون منسوخاً, أو غيرَ صحيح في الأصل، ولا يجوز فيما كان هذا وصفُه أن يختصَّ بنقله الأفراد دون الجماعة ... وممّا وردَ خاصّاً ممّا سبيله أن تعرفه الكافة: «لا وضوء لمَن لم يذكر اسم الله عليه» (¬1).
فهذا الخبر إن حمل على ظاهره اقتضى بطلان الطهارة إلا مع وجود التسمية عليها, ولو كان ذلك من حكمها تعرفه الكافة, كما عرفت سائر
¬
(¬1) فعن أبي هريرة في: الحاكم، المستدرك ج1، ص 246، وصححه، ومحمد بن عيسى الترمذي (ت: 279هـ)، السنن، ت: أحمد شاكر وآخرون، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ج1، ص38، وعن أبي سعيد الخدري، الدارمي، السنن، ج1، ص187، وعبد بن حميد بن نصر الكسي (ت: 249هـ)، مسند عبد بن حميد، ت: صبحي السامرائي ومحمود الصعيدي، القاهرة، مكتبة السنة، 1408هـ، (ط1)، ج1، ص285، وغيرها، والمراد نفي الفضيلة والكمال، كما في: محمود بن أحمد بدر الدين العيني، (ت: 855هـ)، منحة السلوك في شرح تحفة الملوك، ت: ياسين علي البدري، بإشراف: د. محمود رجب، رسالة ماجستير، جامعة بغداد، 1421هـ، ج1، ص 84.
فروضها؛ لعموم الحاجة في الجميع على وجهٍ واحدٍ ... وممّا يدلُّ على صحّةِ هذا الاعتبار: أَنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يقتصر على خبر ذي اليدين في قوله: «أقصرت الصلاة أم نسيت» حتى سأل أبا بكر وعمر م, فقال لهما: «أحق ما يقول ذو اليدين؟ فقالا: نعم» (¬1)؛ لأنَّه يمتنع في العادة أن يختصَّ هو بعلم ذلك من بين الجماعة ... ».
وفيما ذُكِرَ تنبيهٌ على أنّ للفقهاء طريقةً في بيانِ أنَّ للأحاديث شذوذاً وعلّةً على منهجِهم كما هو الحال عن المحدِّثين، وأنَّ من الأسباب الرئيسية لهذا الشذوذ والعلّة هو عدم قبول وعمل السلف به.
* * *
¬
(¬1) بألفاظ قريبة في: النيسابوري، صحيح مسلم، ج1: ص404، والبخاري، صحيح البخاري، ج1، ص252.
المبحث الأول
حقيقةُ السنّة المشهورة
عند الحنفية
ومعرفة حقيقة المشهور تقتضي منا الإطلاع على المطالب الآتية:
المطلب الأول: مدارُ الشهرةِ على القَبول والعَمل من السلف:
ممّا سبق تبين لنا أنَّ من العلل التي يُرَدُّ بها الحديث عملُ العلماء بخلافه، وهذا هو مَحَلُّ بحثنا، فما كان من الأحاديث موافقاً للعملِ فهو في أَعلى درجاتِ الصحّة، كما صرَّح به الكشميري بقوله (¬1): «أن يكون رواته ثقات وعدولاً ويساعده تعامل السلف»، ولكنَّ هذا الكلام محلُّ نظر؛ لأنَّ الحديثَ الذي صار هذا وصفه تجاوز مراحل التصحيح والتضعيف المعتمدة على الاجتهادِ إلى إفادةِ العلمِ الثابتِ بالمتواتر، إلا أن
¬
(¬1) في: محمد أنور شاه الكشميري، العرف الشذي شرح الترمذي، ت: محمود شاكر، مؤسسة ضحى، (ط1)، ج1، ص41.
يُحمل كلامُه على هذا، وسيظهر هذا جلياً في الجانبِ التطبيقيِّ للبحث؛ لذلك نقتصر هاهنا على نقل كلام الجصاص والكوثري في تحقق ذلك.
قال الجَصاص (¬1): «إنَّ ما تلقاه الناسُ بالقبول وإن كان من أخبار الآحاد فهو عندنا يجري مجرى التواتر، وهو يوجب العلم، فجاز تخصيص القرآن به»، وقال أيضاً (¬2): «وإن كان ورودُه من طريقِ الآحاد فصار في حيزِ التواتر; لأنَّ ما تلقاه الناسُ بالقبولِ من أَخبار الآحاد فهو عندنا في معنى المتواتر».
وقال الكوثري (¬3): «واحتجاج الأئمة بحديث تصحيح له منهم، بل جمهورُ أهل العلم من جميع الطوائف على أنَّ خبرَ الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقاً له أو عملاً به أنَّه يوجب العلم».
ومعاملة الأخبار التي تلقتها الأمة بالقبول معاملة المتواتر إجمالاً لأمور منها:
«أحدهما: أنَّه إذا ظهر في السلف استعماله والقول به مع اختلافهم في شرائط قبول الأخبار وتسويغ الاجتهاد في قبولها وردّها، فلولا أنَّهم
¬
(¬1) في: فصول الأصول، ج1، ص 175.
(¬2) في: أحمد بن علي الرازي الجصاص (ت: 370هـ)، أحكام القرآن، بيروت، دار الفكر، ج2، ص526.
(¬3) في: محمد زاهد الكوثري، المقالات، المكتبة الأزهرية للتراث، 1414هـ، ص163.
قد علموا صحّتَه واستقامتَه لَمَا ظَهَرَ منهم الاتفاق على قَبوله واستعماله، وهذا وجهٌ يوجب العلم بصحّة النقل.
والثاني: أنَّ مثلَهم إذا اتفقوا على شيء ثبت به الإجماع، وإن انفرد عنهم بعضُهم كان شاذّاً لا يقدح خلافه في صحّةِ الإجماع، ولا يُلتفت بعد ذلك إلى خلافِ مَن خالف فيه، فلذلك جاز تخصيصُ ظاهر القرآن بما كان هذا وصفُه» (¬1) من الأخبار.
وعَبَّروا عن تلقي الأُمّة وعَمِلها بالإجماع، فما تلقته لَزِم العملُ به، وما تركته نزلت مرتبتُه وأَمْكَنَ رَدُّه، وهذه بعضُ أَمثلة أسوقها للتوضيح من كلامِ الجصاص في بيان القدر الكبير للعمل والقَبول، فيقول: (¬2): «ألا ترى إلى ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَن غسل ميتاً فليغتسل ومن حمله فليتوضأ» (¬3)، وأنَّه قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا وضوء لمَن لم يذكر اسم الله
¬
(¬1) ينظر: الجصاص، الفصول، ج1، ص 175.
(¬2) في: الجصاص، فصول الأصول، ج1، ص 179.
(¬3) فبلغ ذلك عائشة ل فردت حديثه بالقياس، فقالت: «أوينجس موتى المسلمين، وما على رجل لو حمل عوداً»، في: اللكنوي، (ت: 1304هـ)، التعليق الممجد على موطأ محمد، ت: الدكتور تقي الدين الندوي، دمشق، دار القلم، بومباي، دار السنة والسيرة، 1991م، (ط1)، ج2، ص 84. ذكره السيوطي في رسالته: «عين الإصابة في استدراك عائشة على الصحابة»، وأخرجه أبو منصور البغدادي في كتابه. ينظر: عمر بن محمد الخبازي (ت: 691هـ)، المغني في أصول الفقه، ت: د. محمد مظهر بقا، مكة المكرمة، جامعة أم القرى، (ط1)، ص120.
عليه» (¬1)، وأجمع الفقهاء على خلافه، فقضى إجماعهم على الخبر وكان أولى منه، وكما روى البراء بن عازب - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنَّه قنت في المغرب» (¬2)، وأجمع الناس على تركه، فكان أولى من الخبر.
وكما روى سلمةُ بن المحبق - رضي الله عنه -: «أنَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قضى فيمن وطئ جارية امرأته، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن كانت طاوعته فعليه مثلُها وهي له، وإن استكرهها فهي حرةٌ وعليه مثلها» (¬3)، ونظائرها من الأخبار التي قضى الإجماع بخلافها أكثر من أن يحصى.
وأيضاً: فإنَّ الإجماعَ لا يجوز وقوع الخطأ فيه، ويجوز وقوعُ الخطأ في خبرِ الواحد، فعلمنا أنَّ الإجماعَ إذا وافق خبرَ الواحد كان هو الموجب للعمل بصحّة الخبر لا الخبر بانفراده، ويصير الإجماعُ قاضياً باستقامتِه وصحّةِ مخرجه.
¬
(¬1) في: الحاكم، المستدرك، ج1، ص 246، والترمذي، السنن، ج1، ص 38، وغيرها.
(¬2) في: السلمي، صحيح ابن خزيمة، ج1، ص 313، والبيهقي، معرفة السنن والآثار، موقع جامع الحديث، http://www.alsunnah.com، الموسوعة الشاملة، ج3، ص183، وأحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، مصر، مؤسسة قرطبة، ر17493. قال أحمد: ليس يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قنت في المغرب الا في هذا الحديث.
(¬3) في: النسائي، السنن الكبرى، ج3، ص331، وأبي داود، السنن، ج2، ص563، وابن حنبل، المسند، ر20075، وقال الأرنؤوط: ضعيف لانقطاعه.
ألا ترى أنَّ خبرَ الواحد يسع الاجتهاد في مخالفتِه، ولا يسع الاجتهادُ في مخالفةِ الإجماع ... ، فالإجماعُ يُصحِّحُ خبرَ الواحد ويمنعُ الاعتراضَ عليه، كما يُصحِّحُ الرأي ويَمنعُ مخالفتَه، فإذا كان هذا هكذا جاز تخصيصُ ظاهر القرآن بخبرٍ قد تلقاه الناسُ بالقبول، وإن كان ورودُه من طريقِ الآحاد، ولا يَلزمنا على ذلك جواز تخصيصه بخبرِ الواحد إذا عَرِي من المعاني التي وصفنا».
وهذا المعنى اللطيف والقاعدة المتينة من القبول والعمل التي راعاها فقهاء الحنفية في اعتبارهم لصحّة النقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وضعفه، جعلت عندهم تقسيماً مختلفاً في ورود السنة، فالسنة عند المحدثين على قسمين: متواتر وآحاد، والآحاد: غريب وعزيز ومشهور، فالمشهور من أفراد الآحاد إذ يرويه عدد محصور يزيد على اثنين بخلاف العزيز الذي يرويه اثنان والغريب الذي يرويه واحد (¬1)، فتقسيمهم مردُّه إلى الرجال الرُّواة والنظر إلى عددهم فحسب.
وأما الفقهاء فلاحظوا جانب العمل والقبول للرواية، فانقسمت السنة بحسب ورودها عندهم إلى ثلاثة أقسام: وهي المتواترُ والمشهورُ
¬
(¬1) ينظر: عبد الحي اللكنوي، ظفر الأماني بشرح مختصر الشريف الجرجاني، حلب، مكتب المطبوعات الإسلامية، 1416هـ، ص67ـ69.
والآحاد، واثنان منهما متفقٌ عليهما بين الفقهاء والمحدثين، والثالث وهو المشهور نتيجة المعنى المذكور.
قال الرّهاوي (¬1): «اعلم أنَّه ليس المراد بالمشهور هنا باصطلاح المحدثين: وهو ما رواه ثلاثة فصاعداً؛ لأنَّ ذلك عندنا لا يُسمَّى مشهوراً ... ».
وبهذا يَتَبَيَّن أَنَّ مَدارَ الشهرةِ عند الحنفيّةِ على العملِ والقَبول ـ الإجماع ـ من كبار الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين، وهي بمثابةِ الحكمِ بثبوتِ الحديثِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فكما أَنَّ المحدِّثين اعتبروا تصحيحَ الحفّاظ وتضعيفَهم للحديث بناءً على النّظرِ في الأسانيد وغيرها، فإنَّ السادةَ الحنفيّة اعتبروا هذا الوجه واعتبروا وجهاً آخر أَقوى منه في رفعِ الحديث إلى درجة المتواتر: وهو حكم كبار الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين على الحديث من خلال عملهم وقبولهم له، فهم مع اختلاف عقولهم وشروطهم إن قبلوا حديثاً دَلَّ على صحّةِ مَخرجه، وإن ردَّوه دَلّ على ضعفه.
قال الجصاص: (¬2): «خبر الواحد إذا ساعده الإجماع كان ذلك دليلاً على صحّته, وموجباً للعلم بمخبره، فإنَّه نحو ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه
¬
(¬1) في: يحيى الرهاوي، حاشية الرهاوي على شرح المنار، در سعادات، مطبعة عثمانية، 1315هـ، ج2، ص619.
(¬2) في: الجصاص، الفصول، ج2، ص 68.
قال: «لا وصية لوارث» (¬1) إنَّما رُوِي من طريق الآحاد, واتفق الفقهاء على العمل به, فدلَّ على صحة مخرجه واستقامته ... وقد اتفق السلف والخلف على استعمال هذه الأخبار حين سمعوها, فدلَّ ذلك من أمرها على صحة مخرجها وسلامتها, وإن كان قد خالف فيها قوم فإنَّهم عندنا شذوذ, لا يعتدُّ بهم في الإجماع.
وإنَّما قلنا: إن ما كان هذا سبيله من الأخبار، فإنَّه يوجب العلم بصحّة مُخبره من قبل أنا إذا وجدنا السلف قد اتفقوا على قَبول خبر من هذا وصفه من غير تثبت فيه ولا معارضة بالأصول أو بخبر مثله, مع علمنا بمذاهبهم في التثبت في قَبول الأخبار والنظر فيها وعرضها على الأصول، دلَّنا ذلك من أَمرهم على أنَّهم لم يصيروا إلى حكمِه إلاّ من حيث ثبتت عندهم صحته واستقامته, فأوجب ذلك لنا العلم بصحّته».
¬
(¬1) سيأتي تخريجه.
المطلب الثاني: معنى المشهور:
سُمي بذلك لوضوحه، ويُسمّى المستفيض، يقال: استفاض: أي شاع، وخبر مستفيض: أي منتشر بين الناس؛ لاشتهاره، من فاض الماء يفيض فيضاً (¬1).
واصطلاحاً: ما كان من الآحاد في الأصل، ثُمَّ انتشر فصار ينقلُه قومٌ لا يتوهم تواطؤهم على الكذب، وهم القرن الثاني بعد الصحابة - رضي الله عنهم -، ومَن بعدهم (¬2).
وإنَّما كان الاعتبار للاشتهار في القرن الثاني والثالث، ولا عبرة للاشتهار في القرون التي بعد القرون الثلاثة؛ لأنَّ عامّة أَخبار الآحاد اشتهرت بعد القرن الثالث، ولا تُسمّى بسبب ذلك مشهورة، فلا يجوز بها الزيادة على الكتاب، مثل: خبر الفاتحة والتسمية في الوضوء وغيرهما (¬3).
¬
(¬1) ينظر: الرهاوي، الحاشية، ج2، ص 618.
(¬2) ينظر: البزدوي، علي بن محمد بن محمد البزدوي (ت: 482هـ)، أصول البزدوي، دار الكتاب الإسلامي، ج2، ص368، وحافط الدين عبد الله بن أحمد النسفي (ت: 701هـ)، المنار في أصول الفقه، در سعادات، 1326هـ، ج2، ص618.
(¬3) ينظر: عبد العزيز بن أحمد البخاري (ت:730هـ)، كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، دار الكتاب الإسلامي، ج2، ص 368، ومحمد علاء الدين الحصني (ت: 1088هـ)، إفاضة الأنوار على متن أصول المنار، مصر، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، 1399هـ، (ط1)، ص178، ومحمد بن إبراهيم الحلبي ابن ملك، أنوار الحلك على شرح المنار، در سعادات، مطبعة عثمانية، 1315، ج2، ص 618 - 619.
وظاهرُ الكلام أنَّه ما كثر عدد رواته بعد الصحابة - رضي الله عنهم - إلى حدِّ التواتر كان مشهوراً، فينبغي أن يُفهمَ هذا بمعنى قبولهم له وأخذهم به فشاعت روايته بينهم، وإلا فستكون أفرادُه قليلةً ويصعب ضبطها، وكذا سيخرج كثيرٌ من الأحاديث التي ذكروها من أفرادِ المشهور لكونها آحاداً.
والذي يَتَرَجَّحُ عندي بعد استقرائي لما ذكروا من المشهورِ في كتبِ الفقهِ والأُصولِ في ضبطِ السنة المشهورة: أَنَّه سنة الآحاد إذا تأيّدت بعمل الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين وقَبولهم، وبعبارة أُخرى: هو حديث الآحاد الذي تلقاه السلف بالقَبول.
فما عرفته به ظاهر في عامّةِ الأحاديثِ التي اعتبروها مشهورةً، حيث بيّنوا أنَّها تلقتها الأمةُ بالقَبول وإن كانت آحاداً في حقيقتِها، وهذا التلقي بالقبول والعمل ليس خاصّاً بمَن بعد الصحابة - رضي الله عنهم - كما يفيدُه تعريفُهم السابق، وإنَّما تتحقَّق الشهرةُ بقبولِ الصحابة - رضي الله عنهم - وتلقيهم لها، وهو الأَقوى في شهرتها.
وبهذا لا يتمكن أَحدٌ من الإنكارِ على الفقهاءِ في عَدِّهم لأحاديث الآحاد مشهورةً أثناء استدلالهم؛ لأنَّ كلامهم في رفعها إلى هذه الدرجة غير راجع إلى طرقِ الرِّواية، وإنَّما إلى العمل والقبول.
وهذا الاعتبار للعمل والقبول في تقوية الحديث غير خاصّ بالحنفية، وإنَّما مشهورٌ عند المالكية بـ «عمل أهل المدينة»، وأيضاً وجدنا كبار الحفاظ من أهل الحديث يعتبرونه ويعتمدونه، فها هو الخطيب البغداديُّ عند كلامه على حديث معاذ - رضي الله عنه - في الاجتهاد الآتي ذكره يقول (¬1): «إنَّ أهل العلم قد تقبلوه واحتجوا به، فوقفنا بذلك على صحَّته عندهم، كما وقفنا على صحّة قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا وصية لوارث» (¬2)، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (¬3)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمةً تحالفا وترادا» (¬4)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الدية على العاقلة» (¬5)، وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد لكن لَمّا تلقتها الكافّة عن الكافّة غنوا بصحتها عندهم عن طلبِ
¬
(¬1) في: أحمد بن علي الخطيب (ت: 463هـ)، الفقيه والمتفقه، بيروت، دار الكتب العلمية، 1395هـ، ج1، ص188
(¬2) سيأتي تخريجه.
(¬3) سيأتي تخريجه.
(¬4) سيأتي تخريجه.
(¬5) سيأتي تخريجه.
الإسناد لها، فكذلك حديث معاذ - رضي الله عنه - لَمّا احتجوا به جميعاً غنوا عن طلب الإسناد له».
وهذا يؤيِّدُ ما رَجَّحناه من تعريفٍ للمشهور في حصولِ الغنى عن البحثِ في الأسانيد بسبب حصول هذا القبول، قال الكوثري: (¬1) عند مناقشته لشهرة حديث: «لا وصية لوارث»: «ولا يضرُّ الكلام في سندِ خاصٍّ من أسانيد الحديث بعد أن ورد بأسانيد لا تحصى، وأخذت به الأمة جمعاء خلفاً عن سلف، على أنَّ الكلام في الأسانيد إنَّّما يكون عند أهل النقد فيما لم يستفض هذه الاستفاضة، ولم تُأخذ هذا الأخذ».
المطلب الثالث: حكم المشهور:
إنَّ هذا الخبر وإن كان من الآحاد في أصلِه، إلا أنَّ هؤلاء القوم أئمةٌ ثقاتٌ لا يتهمون، فصار الخبر بشهادتهم وتصديقهم بمنزلة المتواتر حجةٌ من حجج الله (¬2)، لكن للأصوليين في حكمه قولان مشهوران، وهما:
1. إنَّه مثل المتواتر، فيثبت به علم اليقين لكن بطريق الاستدلال لا بطريق الضرورة؛ لأنَّ التابعين لَمّا أَجمعوا على قبوله والعمل به ثبت صدقه؛ لأنَّه لا يتوهم اتفاقَهم على القَبول إلا بجامعٍ جمعَهم عليه، وليس
¬
(¬1) في: الكوثري، المقالات، ص161.
(¬2) ينظر: البزدوي، الأصول، ج 2، ص 368.
ذلك إلا تعيينُ جانبِ الصدقِ في الرّواة، ولهذا سمينا العلم الثابت به استدلالياً لا ضرورياً فلا يَكفر جاحدُه؛ لأنَّ إنكارَه وجحودَه لا يؤدي إلى تكذيب الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ لعدم سماع عدد لا يتصوَّر تواطؤهم على الكذب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بل هو خبرٌ واحدٌ قبله العلماء، بخلاف إنكار المتواتر، فإنَّه يؤدِّي إلى تكذيبِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ المتواترُ بمنزلةِ المسموع منه، وتكذيبُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفرٌ، وبه قال أبو بكر الجصاص وجماعة.
2. إنَّه يوجب علم طمأنينة لا علم يقين، والطمأنينة (¬1): زيادة توطين وتسكين يحصل للنفس على ما أدركته، فإن كان المدركُ يقينياً فاطمئنانها زيادة اليقين وكماله، كما يحصل للمتيقّن بوجود مكّة بعدما يشاهدُها، وإليه الإشارةُ بقوله تعالى حكاية عن إبراهيم - عليه السلام -: {وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} البقرة: 260، وإن كان ظنيّاً فاطمئنانها رُجحان جانب الظنّ بحيث يكاد يدخل في حدّ اليقين، وهو المراد هاهنا.
وحاصله سكون النفس عن الاضطراب بشبهة إلا عند ملاحظة كونه آحاد الأصل (¬2)، فكان دون المتواتر وفوق خبر الواحد، حتى جازت
¬
(¬1) ((وأول من فصَّل وصرح أنَّ المتواتر يفيد علم اليقين وأنَّّ المشهور يفيد علم الطمأنينة هو الإمام الدبوسي، كما في تقسيم الأخبار ودلالتها عند السادة الحنفية، ص 60، دار المنهاج للنشر والتوزيع، جدة، ط1، 2014م.
(¬2) ينظر: سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (ت: 792هـ)، 1324هـ، التلويح في حل غوامض التنقيح، مصر، المطبعة الخيرية، ومطبعة صبيح، 1324هـ، (ط1)، ج 2، ص 5.
الزيادة به على كتاب الله - جل جلاله - التي هي تعدل النسخ، وإن لم يجز النسخ به مطلقاً (¬1)، وبه قال عيسى بن أبان:، وهو اختيارُ القاضي الإمام أبي زيد، والشيخين، وعامّة المتأخرين، وصَحَّحه فخرُ الإسلام البَزْدويّ (¬2)؛ لأنَّ المشهورَ بشهادةِ السلف صار حجة للعمل به كالمتواتر، فصحت الزيادة به على كتاب الله - جل جلاله -، إلا أنَّ فيه شبهة الانفصال وتوهم الكذب باعتبار أنَّ رواته في الأصل لم يبلغوا حَدّ التواتر، فيسقط به علم اليقين؛ ولهذا لم يكفر جاحده؛ لأنَّه لا يثبت إلا بإنكار اليقين، ولكنَّه يُضلَّل.
قال أبو اليسر: وحاصل الاختلاف راجعٌ إلى الإكفار، فعند الفريق الأوّل ـ يعني من أَصحابنا ـ يَكفر جاحدُه، وعند الفريق الثاني لا يكفر.
ونصّ شمسُ الأئمة السَّرَخسيّ على أنَّ جاحدَه لا يَكفر بالاتفاق، وإليه أشير في «الميزان» أيضاً، وعلى هذا لا يظهر أثر الخلاف في الأحكام على الصحيح (¬3).
¬
(¬1) لكن سيأتي في المطلب الثاني عن الكاساني إثبات النسخ به، وسبق في نصوص عن الطحاوي والجصاص تحقيق التخصيص للقرآن به، والتخصيص نوع نسخ، والله أعلم.
(¬2) في: الأصول، ج 2، ص 368: ومشت عليه المتون، والنسفي، المنار، ص178، وعبيد الله بن مسعود المحبوبي صدر الشريعة (ت: 747هـ)، التنقيح، دار الكتب العربية الكبرى، مطبوع مع شرحه التوضيح،1327هـ، ج2، ص5.
(¬3) ينظر: البخاري، كشف الأسرار 2: 369، والرهاوي، الحاشية، ج2، ص 619، ومصطفى بن بير علي عزمي زاده، حاشية عزمي زاده على شرح المنار، در سعادات، مطبعة عثمانية، 1315هـ، ج2، ص619، وأحمد بن علي بن تغلب بن الساعاتي (ت: 694هـ)، نهاية الوصول إلى علم الأصول المعروف ببديع النظام الجامع بين كتاب البزدوي والأحكام، ت: سعد السلمي، السعودية، أم القرى، 1418هـ، ج1، ص 390 - 394، وخواجه محمد أوليا أفندي النقشبندي القسطموني، خلاصة الأفكار على مختصر المنار، بدون مطبعة أو تاريخ طبع، ص 47 - 56.
وقال محيي الدين بن محمد عوامة في «تقسيم الأخبار ودلالتها عند السادة الحنفية» بعد تنقيحه لهذه المسألة: «لم يختلف حكم الجصاص: عن حكم ابن أبان في المتواتر والمشهور، حيث صرحا في المتواتر أنَّه يوجب علم الاضطرار، أما في المشهور فصرحا أيضاً أنَّه لا يوجب علم الاضطرار، ولم يُكفر الإمام الجصاص جاحد المشهور أبداً» (¬1).
وتفصيل الحنفية السنة إلى هذه الأقسام الثلاثة من متواتر ومشهور وآحاد في غايةِ الدقّةِ والضبط والتمكن في تنقيح الثابت من حديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - الذي يصلح لأن يبنى عليه الشروط والأركان عن مَن تنزل مرتبتُه إلى إثبات السنن والمستحبّات على قدرِ درجته وورودِه، وعن ما لا يصلح الاحتجاج به.
قال الكشميريُّ (¬2): «يجوز الزيادةُ بخبرِ الواحد عندنا لكن لا في مرتبة الرُّكن والشرط، فيثبت الوجوبُ والسنيةُ بالخبر الواحد، ولا نُهمل خبر الواحد عن الأصل كما زعمه بعضُ مَن لا حظّ له في العلم ... ،
¬
(¬1) محيي الدين بن محمد عوامة، تقسيم الأخبار ودلالتها عند السادة الحنفية، ص 59 - 60.
(¬2) في: الكشميري، العرف الشذي، ج1، ص45.
وليعلم أنَّ الثابت بالظنيِّ يجوز إثبات ركنه وشرطه بالظنيّ وخبر الواحد، والكلام فيما ثبت بالقاطع، ونقول: إنَّ خبر الواحد لا يُفيد إلا الظنّ، فعملنا به معاملة الظنّ، ولم نثبت به الركن والشرط، وأما الشافعية فعاملوا بالظنيّ معاملة القاطع، فجوزوا زيادة ركن أو شرط بخبر الواحد، والأقربُ إلى الضوابط مذهبنا».
وقال الكاساني (¬1): «نحن نفرق بين الفرض والواجب كفرق ما بين السماء والأرض، وهو أنَّ الفرضَ: اسمٌ لما ثبت وجوبه بدليل مقطوع به, والواجب: اسمٌ لما ثبت وجوبه بدليل فيه شبهة العدم ـ على ما عرف في أصول الفقه ـ، وأصل الوقوف ـ أي بعرفة ـ ثبت بدليل مقطوع به، وهو النصُّ المفسر من الكتاب والسنة المتواترة والمشهورة والإجماع.
فأما الوقوف إلى جزء من الليل فلم يقم عليه دليل قاطع بل مع شبهة العدم ـ أعني: خبر الواحد ـ, وهو ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «من أدرك عرفة بليل فقد أدرك الحج» (¬2)، أو غير ذلك من الآحاد التي لا تثبت بمثلها الفرائض فضلاً عن الأركان ... ».
¬
(¬1) في: الكاساني، أبي بكربن مسعود الكاساني (ت: 587هـ)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، بيروت، دار الكتب العلمية، ج2، ص 127.
(¬2) بألفاظ متقاربة في: الترمذي، السنن، ج2، ص 237، والسلمي، صحيح ابن خزيمة، ج4، ص 257، والحاكم، المستدرك، ج1، ص 653، والبيهقي، السنن الكبير، ج5، ص 173، وغيرها.
وقال السرخسي (¬1): «إثبات الاسم ـ أي اسم من أسماء الله تعالى ـ لا يكون بالآحاد وإنَّما يكون بالمتواتر والمشاهير».
فمراعاة الحنفية لمراتب الأدلّة في الثبوت والدلالة يُظهر اعتناءهم في إخراجِ المشهور، حتى يَتَمَكَّنوا من بيان الحكم المبنيّ عليه، ونذكر لهم مثالاً يوضح ذلك.
فحديث: «إنَّما الأعمال بالنيات» (¬2) ذكروا إفادته للسنية فحسب، وذكروا وجوهاً عديدة لعدم اعتبار النيّة من شروط الوضوء اعتماداً عليه وليس هنا محلّ ذكرها، وإنَّما أقتصر على وجهٍ منها الذي يتناسب مع بحثنا، وهو أنَّه لا يجوز الزيادة به على القرآن بإضافة النيّة إلى أركان الوضوء؛ لأنَّه من أخبار الآحاد (¬3).
ويوضح آحاديته الكتانيُّ، فيقول (¬4): «وجعله بعضهم مثالاً للمتواتر، ورَدَّه ابنُ الصلاح والنووي، وحاصل ما للأئمة فيه: أنَّه
¬
(¬1) في: محمد بن أبي سهل السرخسي (ت بحدود 500هـ)، المبسوط، بيروت، دار المعرفة، 1406هـ، ج3، ص 55.
(¬2) في: البخاري، الصحيح، ج1، ص 3، والنيسابوري، صحيح مسلم، ج3، 1515، والتميمي، صحيح ابن حبان، ج2، ص 223، والسلمي، صحيح ابن خزيمة، ج1، ص 73، وغيرهم.
(¬3) ينظر: الجصاص، أحكام القرآن، ج2، ص447.
(¬4) في: محمد بن جعفرالكتاني، نظم المتناثر من الحديث المتواتر، مصر، دار الكتب السلفية، (ط2)، ص24ـ25.
حديثٌ فردٌ غريبٌ باعتبار أوّله، بل تكرَّرت الغرابة فيه أربع مرّات باعتبار آخره؛ لأنَّه لم يصحّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قاله غير واحد من الحفاظ إلا من حديث عمرو لا عن عمر إلا من رواية علقمة، ولا عن علقمة إلا من رواية محمد بن إبراهيم التيمي، ولا عن التيمي إلا من رواية يحيى بن سعيد الأنصاري، ومداره عليه، وأما بعد يحيى فقد رواه عنه أكثر من مئتي إنسان أكثرهم أئمة».
* * *
المبحث الثاني
تطبيقات للسنة المشهورة
في كتب الحنفية
نقتصر في هذا المبحث على ذكر مجموعة أحاديث بيّن الحنفية أنَّها من المشاهير التي تلقتها الأمة بالقبول، تكون موضحاً لمسلكهم، ومرشدةً لما لم نذكره؛ لأنَّ حصرها من الصعب بمكان، ولكن نريد بذكرها تبصرة لحسن طريقهم وصحة منهجهم، وكيفية تعاملهم معها، وإليك بيانها كالآتي:
1. الأحاديث المشهورة في رجم ماعز (¬1) والغامدية (¬2) وغيرها كحديث
¬
(¬1) فعن بريدة - رضي الله عنه -: «كنت جالساً عند النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء ماعز بن مالك فقال: إنّي زنيت، وأنا أريد أن تطهّرني، فقال له - صلى الله عليه وسلم -: ارجع، فلمّا كان من الغدِ أتاهُ أيضاً فاعترفَ عنده بالزنا، فقال له: ارجع، ثمَّ عادَ الثالثةَ فاعترفَ بالزنا، ثمَّ رجعَ الرابعةَ فاعترف، فحفرَ له حفرةً فجعلَ فيها إلى صدره، ثمَّ أمرَ الناس فرجموه» في: النيسابوري، صحيح مسلم، ج3، ص1323، ونص على تواتره: الكتاني، صاحب نظم المتناثر، ص163.
(¬2) فعن سليمان بن بريدة عن أبيه - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «ويحك ارجعي فاستغفري الله، وتوبي إليه،
قالت: أراكَ تريدُ أن تردني كما رددت ماعزاً، قال: وما ذاك، قالت: إنّها حبلى من الزنا، قال: أنت، قالت: نعم، فقال لها: اذهبي حتى تضعي ما في بطنك، قال: فكفلها رجلٌ من الأنصار، ثمّ أتى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: قد وضعتِ الغامدية، قال: إذاً لا نرجمها وندع ولدها صغيراً ليس له مَن يرضعه، فقام رجلٌ من الأنصار، فقال: إليّ رضاعه، قال: فرجمها» في: النيسابوري، صحيح مسلم، ج3، ص 1324.
عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «خذوا عنّي خذوا عنّي، قد جَعَلَ اللهُ لَهُنّ سبيلا، البكرُ بالبكر جلدُ مئة ونفي سنة، والثيبُ بالثيبِ جلدُ مئةٍ والرَّجم» (¬1)، جاز الزّيادة بها على عمومِ قوله - جل جلاله -: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} النور: 2؛ إذ يتناول الحديث المحصن كما يتناول غيره، فبزيادة الرجم انتسخ حكم الجلد في حقّه.
2. الحديث المشهور عن المغيرة - رضي الله عنهم -: «أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مسحَ على خُفّيه» (¬2)، جاز الزيادة به على عموم قوله - جل جلاله -: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} المائدة: 6، الذي يوجب الغَسل، فبزيادة المسح انتسخ الحكم في هذه حالة المسح على الخُفَّين، ولم يجوزوا الزيادة على القرآن بحديث المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه -: «أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ومسح على الجوربين والنعلين» (¬3)؛ لكونه حديث
¬
(¬1) في: النيسابوري، صحيح مسلم، ج3، ص 1316، وأبي داود، السنن، ج 2، ص542، والترمذي، السنن، ج4، ص41.
(¬2) في: البخاري، الصحيح، ج1، ص 85، والنيسابوري، صحيح مسلم، ج 1، ص 228.
(¬3) في: السلمي، صحيح ابن خزيمة، ج1، ص99، التميمي، صحيح ابن حبان، ج4، ص167، والترمذي، الجامع، ج1، ص 167، وصححه، وأبي داود، السنن، ج1، ص41، والنسائي، السنن الكبرى، ج1، ص92، القزويني، سنن ابن ماجة، ج1، ص185، وغيرها، وقال النووي: قال: «واتفق الحفّاظ على تضعيفه، ولا يقبل قول الترمذي: «إنَّه حسن صحيح»، وقال مسلم بن الحجاج في ضعف هذا الخبر: «أبو قيس الأودي وهذيل بن شرحبيل لا يحتملان وخصوصاً مع مخالفتهما الأجلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة فقالوا: مسح على الخفين، وقال: لا نترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس وهذيل» وتمامه في: عبد الله بن يوسف الزَّيْلَعِي (ت762هـ)، نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية، ت: محمد يوسف البنوري، مصر، دار الحديث 1357هـ، ج1، ص184، ومحمد يوسف البنوري، معارف السنن شرح جامع الترمذي، كراتشي، إيج ايم سعيد كمبني، 1403هـ، ج1، ص346، محمدى المباركوري، تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، بيروت، دار الكتب العلمية، ج1، ص 278.
آحاد فلا يُقَدَّمُ على القرآن.
وليس ما ذكر من قبيل التخصيص؛ لأنَّ من شرطِه أن يكون المُخصِّصُ مثل المخصوص منه في القوّة، وأن يكون مُتصلاً لا مُتراخياً، ولم يوجد الشرطان جميعاً (¬1).
3. حديث الربا المشهور: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيد، فمَن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» (¬2)، فقَدَّموه على حديث الآحاد في جواز بيع العرايا: «إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع
¬
(¬1) ينظر: البخاري، كشف الأسرار، ج2، ص 369 - 370.
(¬2) في: النيسابوري، صحيح مسلم، ج3، ص1210، والبخاري، الصحيح، ج2، ص761.
الثمر بالتمر، ورَخَّص في العرية أن تُباعَ بخرصها يأكلها أهلها رطباً» (¬1)، وحديث المصراة: «لا تصروا الإبل والغنم فمَن ابتاعها بعد فإنَّه بخير النظرين بعد أن يحتلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء رَدَّها وصاع تمر» (¬2)؛ لأنَّها مخالفةٌ للقياس الثابت في الحديث المشهور؛ لذلك فهو غيرُ معمول به.
4. حديث القضاء المشهور: «البيّنةُ على المدعي واليمينُ على مَن أنكر» (¬3).
¬
(¬1) في: البخاري، الصحيح، ج2، ص 764، والنيسابوري، صحيح مسلم، ج3، ص 1168.
(¬2) في: البخاري، الصحيح، ج2، ص755، والنيسابوري، صحيح مسلم، ج3ص1154، والمراد بالتصرية: جمع اللبن في الضرع وترك الحلب مدة؛ ليتخيل المشتري أنَّها غزيرة اللبن، فإنَّه مخالف للقياس من حيث أنَّ الضمان فيما له مثل مقدر بالمثل، وفيما لا مثل له مقدر بالقيمة فإيجاب التمر مكان اللبن ليس منهما، ومن حيث أنَّ المصراة كانت في ضمان المشتري فوجب أن يكون النفع له، ولا يرد عوضه، ومن حيث أنَّه قوَّم القليلَ والكثيرَ بقيمةٍ واحدةٍ، واختلف الناس في حكم المصراة: فذهب مالك والشافعي إلى أنَّه يردها ويرد معها صاعاً إن كان اللبن هالكاً عملاً بهذا الحديث، وذهب ابن أبي ليلى وأبو يوسف إلى أنَّه يرد قيمة اللبن، وذهب أبو حنيفة: إلى أنَّه ليس له أن يردها، ولكن يرجع على البائع بأرشها ويمسكها. ينظر: ابن ملك، أنوار الحلك، ج 2، ص 625.
(¬3) فعن ابن عباس م، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البيِّنة على المدعي واليمين على مَن أنكر ... » في: البيهقي، السنن الكبير، ج1، ص 252، قال النووي: حديث حسن، وفي: البخاري، الصحيح، ج4، ص1656، والنيسابوري، صحيح مسلم، ج3، ص1336 بلفظ: «واليمين على المدعى عليه»، أحمد بن علي ابن حجرالعسقلاني (ت:852هـ)، تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرَّافِعِي الكبير، ت: السيد عبد الله هاشم، المدينة المنورة، 1384هـ، ج4، ص208، وإسماعيل بن محمد العجلوني (ت:1162هـ)، كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث، ت: أحمد القلاش، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1405هـ، (ط4)، ج1، ص342.
قال الجصاص (¬1): «وهذا الخبر وإن كان وروده من طريق الآحاد، فإنَّ الأمة قد تلقته بالقبول والاستعمال، فصار في حيز المتواتر»، فقَدَّموه على حديث الآحاد: «قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باليمين مع الشاهد الواحد» (¬2)، وحديث القسامة: «أنَّ محيصة بن مسعود وعبد الله بن سهل انطلقا قبل خيبر فتفرقا في النخل، فقتل عبد الله بن سهل فاتهموا اليهود، فجاء أخوه عبد الرحمن وابنا عمّه حويصة ومحيصة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فتكلّم عبد الرحمن في أمر أخيه وهو أصغر منهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كبر الكبر أو قال ليبدأ الأكبر، فتكلّما في أمر صاحبهما، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته؟ قالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف؟ قال: فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم؟ قالوا: يا رسول الله، قوم كفار، قال: فوداه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قبله» (¬3)، فلم يقبلوا أحاديث الآحاد إن كان في الباب أَحاديثٌ مشهورةٌ تُغني، لاسيما إن كانت تُخالف القياس.
¬
(¬1) في أحكام القرآن، ج1، ص 703.
(¬2) في: الترمذي، السنن، ج3، ص627، وحسنّه، وجعله في: الكتاني، نظم المتناثر، ص168 من المتواتر.
(¬3) في: النيسابوري، صحيح مسلم، ج3، ص1294.
5. الحديث المشهور في عصمةِ دم المسلم: «لا يَحِلّ دم امرئ مسلم يشهد أنَّ لا إله إلا الله، وأنّي رسول الله إلاّ بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه» (¬1)، فقدَّموه على حديث الآحاد: «إنَّ مَن شَرِبَ الخمرَ فاجلدوه، فإن عاد في الرابعةِ فاقتلوه، قال: ثمّ أُتي النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك برجلٍ قد شَرِب الخمرَ في الرابعة فضربه ولم يقتله» (¬2).
6. أثر ابن مسعود - رضي الله عنه -: «كان إذا رأى النِّساء قال: أخروهنَّ حيث أخَّرهنَّ الله، وقال: إنَّهن مع بني إسرائيل يصففن مع الرجال، كانت المرأة تلبس القالب فتطال لخليلها، فسلطت عليهن الحيضة، وحرمت عليهن المساجد» (¬3)، وهذا من المشاهير، فجازت الزيادة به على الكتاب،
¬
(¬1) في: الترمذي، السنن، ج4، ص 49.
(¬2) في: الترمذي، السنن، ج4، ص 49، وفيه: وكذلك روى الزهري عن قصيبة عن ذؤيب عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - نحو هذا، قال: فرفع القتل وكانت رخصة، والعمل على هذا الحديث عند عامّة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافاً في ذلك في القديم والحديث. وجعله في: الكتاني، نظم المتناثر، ص164 من المتواتر.
(¬3) في: السلمي، صحيح ابن خزيمة، ج3، ص 99، والصنعاني، المصنف، ج3، ص143، وأبي القاسم سليمان بن أحمد الطَّبَرَاني (ت360هـ)، المعجم الكبير، ت: حمدي السلفي، 1404هـ، (ط2)، ج9، ص296، وينظر: الزيلعي، نصب الراية، ج2، ص36، وينظر: الزيلعي، نصب الراية، ج2، ص36، وابن حجر العسقلاني (ت852هـ)، تغليق التعليق، ت: سعيد القزقي، بيروت، المكتب الإسلامي، 1405هـ، (ط1)، ج2، ص168، وعثمان بن علي الزيلعي، تبيين الحقائق، مصر، المطبعة الاميرية، 1313هـ، (ط1)، ج1، ص136، وحسن الشرنبلالي، حاشية الشرنبلالي على درر الحكام، الشركة الصحفية العثمانية، 1310هـ، ج1، ص64، والكاساني، البدائع، ج1، ص241.
وهو اختيارُ المكان المختار، إذ المختار للرِّجال التقدُّم على النساء، ففي ترك المكان المختار ترك لفرض من فروض الصّلاة؛ لأنَّ الأمرَ بالتأخير كان من أَجل الصلاة، فكان من فرائض الصلاة (¬1).
7. الحديث المشهور ببطلان الصلاة بالكلام مطلقاً: «إنَّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام النّاس، إنَّما هو التسبيحُ والتكبيرُ وقراءةُ القرآن» (¬2)، حتى منعوا من الدُّعاء بما يشبه كلامَ النّاس في الصَّلاة، وتركوا العمل بحديث الآحاد: «ليسأل أحدُكم رَبَّه حاجتَه كلَّها حتى شِسْع نعله إذا انقطع» (¬3).
8. الحديث المشهور في حرمة الجمع بين المرأة وعمّتها وخالتها: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تنكح المرأة على عمّتها أو خالتها» (¬4)، وهذا الحديث
¬
(¬1) ينظر: الزيلعي، التبيين، ج1، ص136، والشرنبلالي، الحاشية، ج1، ص 64، والكاساني، البدائع، ج1، ص241.
(¬2) في: النيسابوري، صحيح مسلم، ج1، ص381، والسلمي، صحيح ابن خزيمة، ج2، ص 35.
(¬3) في: التميمي، صحيح ابن حبان، ج3، ص177، وسليمان بن أحمد الطبراني (ت:360)، المعجم الأوسط، ت: طارق بن عوض الله، القاهرة، دار الحرمين، 1415هـ، ج5، ص373، وقيل: إنَّه محمول على ما قبل تحريم الكلام في الصلاة، فعن زيد بن أرقم - رضي الله عنه - قال: «كنا نتكلّم في الصلاة يُكلّم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصّلاة حتى نزلت: چپ پ پ پچ البقرة: 238، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام» في: النيسابوري، صحيح مسلم، ج1، ص 383.
(¬4) في: النيسابوري، صحيح مسلم، ج2، ص1029، والبخاري، الصحيح، ج5، ص 1965، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تسألَ المرأةُ طلاق أُختها لتكفأ ما في إنائها» في: البخاري، الصحيح، ج2، ص752، والترمذي، السنن، ج3، ص433، وقال: حديث حسن صحيح، وأبي داود، السنن، ج2، ص 224، وفي رواية زيادة: «فإنَّكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» في: الطبراني، المعجم الكبير، ج13، ص337: أي في الجمع بين ذواتي محرم النكاح سبب لقطيعة الرحم؛ لأنَّ الضرتين يتنازعان ويختلفان، لا يأتلفان، هذا أمر معلوم بالعرف والعادة، وذلك يفضي إلى قطع الرحم، وأنَّه حرام والنكاح سبب فيحرم حتى لا يؤدي إليه، كما في: الكاساني، البدائع، ج2، ص262.
يرويه رجلان من الصحابة - رضي الله عنهم -: ابن عباس وجابر - رضي الله عنهم -، وهو مشهور بلغة العلماء بالقبول والعمل به، ومثلُه حجةٌ يجوز به الزّيادة على كتابِ الله - جل جلاله - , وفيه دليل على حرمةِ نكاح المرأة على عمَّتِها وخالتِها (¬1).
9. الحديث المشهور في مسح الناصية، فعن المغيرة - رضي الله عنه -: «أنَّه - صلى الله عليه وسلم - توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخُفين» (¬2)، قدموه على أَحاديث الآحاد في استيعاب الرأس: فعن ربيع بنت معوذ بن عفراء ل، قالت: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضّأ، قالت: فمسح رأسه ومسح ما أقبل منه وما أدبر وصدغيه وأذنيه مرة واحدة» (¬3)، وعن المقدام بن معد يكرب - رضي الله عنه - قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضّأ فلما بلغ مسح رأسه وضع كفيه على مقدّم رأسه، فَأَمَرَّهُما حتى بلغَ القفا، ثُمَّ ردّهما إلى المكان الذي منه بدأ» (¬4)،
¬
(¬1) ينظر: السرخسي، المبسوط، ص 195.
(¬2) في: النيسابوري، صحيح مسلم، ج1، ص 231.
(¬3) في: أبي داود، السنن، ج1، ص 80.
(¬4) في: أبي داود، السنن ج1، ص 78، وابن حنبل، المسند، ج4، ص95، وقال الأرنؤوط: صحيح لغيره، والطبراني، المعجم الكبير، ج19، ص 378.
فلم يعمل بها الحنفية في إفادة فرضية مسح كلِّ الرّأس، وإنَّما جعلوا الأَمر فيها على السنيّة فحسب (¬1).
10. الحديثُ المشهورُ بعدم الوصية للوارث: «إنَّ الله - جل جلاله - قد أَعطى لكلّ ذي حَقّ حقّه، فلا وصية لوراث» (¬2)، قال الإمام السَّرَخسيُّ: (¬3): «وهذا حديث مشهورٌ تلقته العلماء بالقبول والعمل به، ونسخ الكتاب جائز بمثله عندنا; لأنَّ ما تلقته العلماء بالقبول والعمل به كالمسموع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولو سمعناه يقول: لا تعملوا بهذه الآية، فإنَّ حكمها منسوخ لم يجز العمل بها»، فنسخ قوله - جل جلاله -: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ} البقرة: 180، قال الشافعي: «وجدنا أهل الفتيا ومَن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال عام الفتح: «لا وصية لوارث»، ويؤثرون عمَّن حفظوه عنه ممَّن لقوه من أهل العلم، فكان نقل كافة عن كافة، فهو أقوى من نقل الآحاد» (¬4)، وقال مالك بن أنس: (¬5):
¬
(¬1) ينظر: عبيد الله بن مسعود صدر الشريعة، شرح الوقاية، ت: د. صلاح محمد أبو الحاج، دار الوراق، عمان، ط1، ج2، ص14.
(¬2) في: الترمذي، السنن، ج4، ص433، وأبي داود، السنن، ج2، ص127، والنسائي، السنن الكبرى، ج4، ص 107، وجعله الكتاني، نظم المتناثر، ص167 من المتواتر.
(¬3) في المبسوط، ج30، ص 143.
(¬4) ينظر: أحمد بن علي ابن حَجَر العَسْقَلانِي (ت852هـ)، فتح الباري شرح صحيح البُخَاري، ت: محمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب، بيروت، دار المعرفة، 1379هـ، ر2543، يحيى بن شرف النووي (ت676هـ)، المجموع شرح المهذب، ت: محمود مطرحي، بيروت، دارالفكر، 1417هـ، (ط1)، ج15، ص421، ومالك بن أنس الأصبحي (ت:179هـ)، موطأ مالك، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، مصر، دار إحياء التراث العربي، ج2، ص765.
(¬5) في موطأ مالك رواية يحيى الليثي 2: 232.
«السنة الثابتة عندنا التي لا اختلاف فيها: أنَّه لا تجوز وصية لوارث، إلا أن يجيز له ذلك ورثة الميت».
11. الحديث المشهور في رفع اليدين: «ترفع الأيدي في سبعة مواطن: في افتتاح الصلاة، وفي التكبير للقنوت في الوتر، وفي العيدين، وعند استلام الحجر، وعلى الصفا والمروة، وبجمع، وعرفات، وعند المقامين، وعند الحجرتين» (¬1)، قال الإمام السَّرَخْسيّ: (¬2): «إنَّ الآثار لَمَّا
¬
(¬1) هذا اللفظ هو المشهور في كتب الحنفية مرفوعاً، لكنَّه عن إبراهيم النَّخَعي: في: الطحاوي، شرح معاني الآثار2، ج2، ص 178، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الانصاري، آثار أبي يوسف، ت: أبو الوفا، بيروت، دار الكتب العلمية،1355هـ، ج1، ص 105، ويشهد لها رواية مرفوعة منها: عن ابن عبّاس م، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن: حين يفتتح الصلاة، وحين يدخل المسجد الحرام فينظر إلى البيت، وحين يقوم على الصفا، وحين يقوم على المروة، وحين يقف مع الناس عشية عرفة، وبجمع، والمقامين حين يرمي الجمرة»، في: الطبراني، المعجم الكبير، ج11، ص385، وابن أبي شيبة، المصنف، ج1، ص214 موقوفاً، وعن ابن عمر م، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ترفع الأيدي في سبعة مواطن وفي الخبر: وعند استقبال البيت» في: السلمي، صحيح ابن خزيمة، ج4، ص209.
(¬2) في المبسوط، ج1، ص 15.
اختلفت في فعلِ النبي - صلى الله عليه وسلم - ـ أي في الرَّفع عند الرُّكوع والقيام ـ يتحاكم إلى الحديث المشهور» هذا.
12. الحديث المشهور: «في النفس المؤمنة مئة من الإبل» (¬1)، رُجِّح به قولُ ابن مسعود - رضي الله عنه -: «شبه العمد خمس وعشرون حقه، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون» (¬2) في مقابل حديث الآحاد في إيجاب الحوامل من الإبل: عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ألا إنَّ ديةَ الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مئة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها» (¬3)؛ لأنَّ في إيجاب الحوامل إيجاب الزيادة على المئة؛ لأنَّ الحمل أصلٌ من وجه (¬4).
¬
(¬1) في رواية أبي أويس عن عبد الله ومحمد ابني أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيهما عن جدّهما عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الكتاب الذي كتبه لعمرو بن حزم - رضي الله عنه -: «وفي النفس المؤمنة مئة من الإبل» في: البيهقي، السنن الكبرى، ج8، ص100.
(¬2) في المعجم الكبير، ج9، ص 348.
(¬3) في أبي داود، السنن، ج2، ص593، والنسائي، السنن الكبرى، ج4، ص232، وأحمد بن شعيب أبو عبد الله النسائي (ت: 303)، المجتبى من السنن، ت: عبد الفتاح أبو غدة، حلب، مكتب المطبوعات الإسلامية، 1406هـ، (ط2)، ج8، ص42، والقزويني، السنن ج2، ص877، ويؤيده ما روى مالك:: «إنَّ ابنَ شهاب - رضي الله عنه - كان يقول: في دية العمد إذا قبلت: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقّه، وخمس وعشرون جذعة» في: الأصبحي، الموطأ، ج2، ص 850.
(¬4) ينظر: الكاساني، بدائع الصنائع، الدية، ص 254.
13. الحديث المشهور: «لا يقتل والدٌ بولده»، قال الجصاص (¬1): «وهذا خبرٌ مستفيضٌ مشهورٌ، وقد حكم به عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بحضرة الصحابة - رضي الله عنهم - من غير خلاف من واحدٍ منهم عليه, فكان بمنزلة قوله: «لا وصية لوارث» ونحوه في لزوم الحكم به, وكان في حيزِ المستفيض المتواتر».
14. أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في الإفطار في السفر مشهورة، فخصَّصت قوله - جل جلاله -: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} البقرة: 185، قال الجصاص (¬2): «وقد نقل أهل السير وغيرهم إنشاء النبيّ - صلى الله عليه وسلم - السفر في رمضان في عام الفتح، وصومه في ذلك السفر، وإفطاره بعد صومه، وأمره الناس بالإفطار مع آثار مستفيضة، وهي مشهورة غير محتاجة إلى ذكر الأسانيد، وهذا يدلُّ على أنَّ مراد الله في قوله - جل جلاله -: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} البقرة: 185 مقصور على حال بقاء الإقامة في إلزام الصوم وترك الإفطار».
15. حديث أبي سعيد الخدري وأنس م قال - صلى الله عليه وسلم -: «سيكون في أمتي اختلاف وفرقة فيهم، قوم يحسنون القول ويسيئون العمل يمرقون من
¬
(¬1) في الفصول، ج2، ص 204.
(¬2) في أحكام القرآن، ج1، ص 265.
الدين كما يمرق السهم من الرمية، طوبى لمَن قتلهم أو قتلوه» (¬1) وفي ذلك آثار كثيرة مشهورة, وقد تلقتها السلفُ بالقبول واستعملتها في وجوب قتلهم وقتالهم (¬2).
16. الأحاديث المشهورة في شفعة الدار: «الجار أَحقُّ بسقبه» (¬3)، و «جارُ الدار أحقُّ بشفعةِ الدار» (¬4)، وغيرها مرويةٌ عن عشرةٍ من الصحابة - رضي الله عنهم -، فاتفق هؤلاء الجماعة على الرِّواية عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وما نعلم أحداً دفع هذه الأخبار مع شيوعِها واستفاضتها في الأمة, فمَن عدل عن القول بها كان تاركاً للسنة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ... ؛ لأنَّها في حيز المتواتر المستفيض الذي لا تجوز معارضته بأخبار الآحاد (¬5).
¬
(¬1) في: أبي داود، السنن، ج2، ص 657، وابن حنبل، المسند، ج1، ص151، والحاكم، المستدرك، ج2، ص161، وغيرها.
(¬2) ينظر: الجصاص، أحكام القرآن، ج2، ص565.
(¬3) في: البخاري، الصحيح، ج2، ص787، والترمذي، السنن، ج2، ص652، وأبي داود، السنن، ج3، ص 286، والسقب: القرب، كما في: عمر بن محمد النسفي، طلبة الطلبة، ت: محمد حسن الشافعي، بيروت، دار الكتب العلمية، 1418هـ، (ط1)، ص119، ناصر بن عبد السيد المطرزي، المغرب في ترتيب المعرب، دار الكتاب العربي، ص228.
(¬4) فعن سمرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «جارُ الدار أَحقّ بدار الجار أو الأرض» في أبي داود، السنن، ج3، ص286.
(¬5) ينظر: الجصاص، أحكام القرآن، ج2، ص 279.
17. حديثان مشهوران في تطليق الأمة وعدتها: «طلاق الأمة ثنتان، وعدتها حيضتان» (¬1)، وحديث: «تطليق الأمة تطليقتان، وعدّتها حيضتان»، قال الجصاص: (¬2): «هذان الحديثان وإن كان ورودهما من طريق الآحاد، فقد اتفق أهل العلم على استعمالهما في أنَّ عدّةَ الأمةِ على النصف من عدّة الحُرّة, فأوجب ذلك صحّته»، وقال (¬3): «وإن كان وروده من طريق الآحاد, فصار في حيز التواتر؛ لأنَّ ما تلقاه الناس بالقبول من أخبار الآحاد فهو عندنا في معنى المتواتر».
18. الحديث المشهور: «لا يرث المسلم الكافر» (¬4)، قال الجصاص (¬5): «وإن كان من أخبار الآحاد فقد تلقاه الناس بالقبول واستعملوه في منع توريث الكافر من المسلم, فصار في حيز المتواتر».
19. حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - في المتبايعين إذا اختلفا: «إنَّ القول قول البائع أو يترادان» (¬6)، كما صرح به الجصاص (¬7)، فتركوا به استحساناً
¬
(¬1) في البيهقي، السنن الكبرى، 7: 605، والطبراني، المعجم الكبير، 13: 170.
(¬2) في: الجصاص، أحكام القرآن، ج1، ص 500.
(¬3) في أحكام القرآن، ج1، ص 526.
(¬4) فعن أسامة بن زيد - رضي الله عنه - في: البخاري، الصحيح، 8: 156، والنيسابوري، صحيح مسلم، 3: 1233.
(¬5) في أحكام القرآن، ج2، ص 148.
(¬6) فعن عبد الله - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا اختلف البيعان فالقولُ ما قال البائع والمبتاع بالخيار» في: ابن حنبل، المسند، ج2، ص1، وحسَّنه الأرنؤوط، وفي لفظ: «أيما بيعين تبايعا فالقول ما قال البائع أو يترادّان» في: الأصبحي، الموطأ، ج2، ص672، وفي لفظ: «البيعان إذا اختلفا والمبيعُ قائمٌ بعينه وليس بينهما بيِّنةٌ فالقولُ ما قال البائع أو يترادّان البيع»، في: الدارمي، السنن، ج2، ص325، والدارقطني، السنن، ج3، ص20، والطبراني، المعجم الكبير، ج10، ص 174، والبيهقي، السنن الكبير، ج 5، ص333، وأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (ت:430هـ)، مسند أبي حنيفة، ت: نظر محمد الفاريابي الرياض، مكتبة الكوثري، 1415هـ، (ط1)، ج1، ص590.
(¬7) ينظر: الجصاص، الفصول، ج2، ص 67.
القاعدة المشهورة: «البينة على المدعي واليمن على مَن أنكر»، فكانت البينة واليمين على الخصمين ثُمَّ يترادّان المبيع عملاً بهذا الحديث المشهور.
20. الحديثُ المشهورُ عن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - في أخذ الجزية من المجوس (¬1)، كما صرح به الجصاص (¬2)، فأوجبوا الجزية به على المجوس.
¬
(¬1) فعن الأحنف - رضي الله عنه -: «لم يكن عمر - رضي الله عنه - أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذها من مجوس هجر» في: البخاري، الصحيح، ج3، ص 1151، وعن الحسن بن محمد بن عليّ - رضي الله عنه -، قال: «كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مجوس هجر يدعوهم إلى الإسلام فمَن أَسلم قُبِل منه الحقّ ومَن أَبَى كتب عليه الجزية ولا تؤكل لهم ذبيحة ولا تُنْكَح منهم امرأة» في: الصنعاني، المصنف، ج 6، ص 69.
(¬2) ينظر: الجصاص، الفصول، ج2، ص 67.
21. الحديث المشهور عن المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة م في إعطاءِ الجدةِ السُّدس (¬1)، كما صرَّح به الجصاص: (¬2)، فزادوا به على القرآن وجعلوا الجدّة من أصحاب الفروض.
22. الحديث المشهور: «لا رضاع بعد الفصال» (¬3)، قدموه على حديث الآحاد عن جابر - رضي الله عنه -: «لا رضاع بعد الحولين» (¬4)، فجعل أبو حنيفة: مدّة
¬
(¬1) فعن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «أطعم جدة سدساً» في: الدارميّ، السنن، ج2، ص455، والمصنف، ج6، ص 269، وعن بريدة - رضي الله عنه -: «إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل للجدة السدس إذا لم تكن دونها أم» في: أبي داود، السنن، ج 3، ص 122، والنسائي، السنن الكبرى، ج4، ص73، وعبد الله بن علي بن الجارود (ت: 307هـ)، المنتقى من السنن المسندة، بيروت، مؤسسة الكتاب الثقافية، 1408هـ، (ط1)، ج1، ص241، قال ابن حجر، في التلخيص، ج3، ص83: «في إسناده عبيد الله العتكي مختلف فيه وصححه ابن السكن»، وعن معقل بن يسار - رضي الله عنه -: «إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى الجدة السدس» في: الدارقطني، السنن، ج 4، ص91، والطبراني، المعجم الكبير، ج19، ص230.
(¬2) ينظر: الجصاص، الفصول، ج2، ص67.
(¬3) فعن عليّ - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا رضاع بعد الفصال» في: الصنعاني، المصنف، ج6، ص464، وموقوفاً في الصنعاني، المصنف، ج 6، ص 416، والبيهقي، السنن الكبير، ج7، ص461، وعن عمر - رضي الله عنه -، قال: «لا رضاع بعد الفصال» في: ابن أبي شيبة، المصنف، ج3، ص550، وعن مسروق قالت عائشة ل: «دخل عليّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعندي رجل قاعد، فاشتدّ ذلك عليه ورأيت الغضب في وجهه، فقلت: يا رسول الله، إنَّه أخي من الرضاعة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: انظرن من أخوتكن من الرضاعة، فإنَّما الرضاعة من المجاعة» في: النسائي، السنن الكبرى، ج3، ص301، وعن أم سلمة رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام» في: النسائي، السنن الكبرى، ج3، ص301، وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا رضاع بعد الفطام» في: الطبراني، المعجم الأوسط، ص 222.
(¬4) فعن ابن عبَّاس م قال: «لا رضاع بعد الفصال، الحولين» في: الصنعاني، المصنف، ج7، ص465.
الإرضاع سنتين ونصف لا سنتين (¬1)، فلا يكون في الحديث الثاني حجّة عليه؛ لأنَّ لفظه مخالف للمشهور، قال الجصاصُ (¬2): «فجائزٌ أن يكون هذا هو أصل الحديث، وأنَّ مَن ذَكَرَ الحولين حملَه على المعنى وحده».
23. الأحاديث في أوَّل وقت الظهر إذا زالت الشمس، قال الجصاص (¬3): «وهي أحاديث مشهورة كَرهت الإطالة بذكر أسانيدها وسياقة ألفاظها; فصار أول وقت الظهر معلوماً من جهة الكتاب والسنة واتفاق الأمة».
¬
(¬1) لكنَّ المعتمد أكثر في الفتوى لدى الحنفية في اعتبار مدة الرضاع قول الصاحبين، وهو سنتان، ففي: الشرنبلالي، الحاشية، ج1، ص355 عن المواهب ومحمد بن علي بن محمد الحصكفي الحنفي (ت1088هـ)، الدر المختار شرح تنوير الأبصار، مطبوع في حاشية رَدّ المُحْتَار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ج2، ص403 عن الفتح وتصحيح القدوري: به يفتى، وفي: محمد بن عبد الله الخطيب التُّمُرْتاشي الغَزَّي الحَنَفي (ت1004هـ)، تنوير الأبصار وجامع البحار، حارة الكفارة، مطبعة الترقي، 1332هـ، ص65، وفي: محمد أمين بن عمر، ابن عابدين الحنفي (ت:1252هـ)، ردّ المحتار على الدر المختار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ج1، ص403. حاصله أنَّهما قولان أفتي بكلٍّ منهما.
(¬2) في أحكام القرآن، ج1، ص563.
(¬3) في أحكام القرآن، ج2، ص379.
24. الحديث المشهور عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - في الاجتهاد، قال - صلى الله عليه وسلم -: «بمَ تقضي يا معاذ؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنَّة رسوله، قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهدُ فيه برأيي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الحمدُ لله الذي وفَّق رسولَ رسولِه بما يرضى به رسوله» (¬1)، قال الخطيب البغدادي (¬2): «إنَّ أهل العلم قد تقبلوه واحتجوا به فوقفنا بذلك على صحته عندهم ... لكن لَمَّا تلقتها الكافة عن الكافة غنوا بصحَّتها عندهم عن طلب الإسناد لها، فكذلك حديث معاذ - رضي الله عنه - لما احتجوا به جميعاً غنوا عن طلب الإسناد له».
25. الحديث المشهور: «الدية على العاقلة» (¬3) كما صرح به الخطيب (¬4)، وهذا ظاهرٌ في كتب الفقهاء بإيجابهم الدية على العاقلة.
¬
(¬1) في: أبي داود، السنن، ج3، ص313، والترمذي، السنن، ج3، ص616، وله شواهد موقوفة عن عمرو بن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس أخرجهما البيهقي في السنن الكبير، ج10، ص114.
(¬2) في الفقيه والمتفقه، ج1، ص 188.
(¬3) فعن سعيد بن المسيب أنَّ عمر - رضي الله عنه - كان يقول: «الدية على العاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئاً، حتى أخبره الضحاك بن سفيان الكلابي أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إليه أن ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها» في الترمذي، السنن، ج4، ص 28، وصحّحه، والنسائي، السنن الكبرى، ج4، ص 78، وأبي داوود، السنن، ج2، ص 144.
(¬4) في الفقيه والمتفقه، ج1، ص 188.
26. أحاديث تخليل اللحية، فقد رويت عن ثمانية عشر صحابياً (¬1)، لكن قال الجصاص (¬2): «فإن ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تخليلها أو غسلها كان ذلك منه استحباباً لا إيجاباً كالمضمضة والاستنشاق؛ وذلك لأنَّه لَمَّا لم تكن في الآية دلالة على وجوب غسلها أو تخليلها لم يجز لنا أن نزيد في الآية بخبر الواحد, وجميع ما رُوِي من أَخبار التخليل إنَّما هي أخبار آحاد لا يجوز إثبات الزيادة بها في نصّ القرآن».
27. أحاديث جواز الصلاة بثوب واحد مع وجود غيره، قال الطحاوي (¬3): «فقد تواترت هذه الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة في الثوب الواحد متوشحاً به في حال وجود غيره».
28. الحديث المشهور في الاستنزاه من البول (¬4) مطلقاً دون تفصيلٍ بين بولٍ وبولٍ، قدموه على حديث: «إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في بول الغلام
¬
(¬1) ينظر: الكتاني، نظم المتناثر، ص56.
(¬2) في أحكام القرآن، ج2، ص480.
(¬3) في شرح معاني الآثار، ج1، ص381، وينظر: الكتاني، نظم المتناثر، ص77.
(¬4) في الدارقطني، السنن، ج1، ص 127، وقال: «المحفوظ مرسل»، وعن ابن عباس م قال: «مرَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قبرين فقال: أما إنَّهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أمّا أحدُهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر، فكان لا يستنزه من بوله» في النيسابوري، صحيح مسلم، ج1، ص242.
الرضيع: ينضح بول الغلام ويغسل بول الجارية» (¬1)، فإنَّه غريب لا يقبل، خصوصاً إذا خالف المشهور (¬2).
29. حديث نقض الوضوء بالقهقهة، ومن رواياته: عن أبي العالية: وغيره: «إنَّ أعمى تردَّى في بئر، والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي بأصحابه، فضحك من كان يصلِّي معه، فأمر من كان ضحك منهم أن يعيد الوضوء والصَّلاة» (¬3)، قال الكاساني: (¬4): «خبر القهقهة ... من المشاهير، مع أنَّه ما ورد فيما لا تعمّ به البلوى؛ لأنَّ القهقهة في الصلاة مما لا يغلب وجوده».
¬
(¬1) فعن علي - رضي الله عنه - في الترمذي، السنن، ج2، ص 409.
(¬2) ينظر: الكاساني، البدائع، ج1، ص 89.
(¬3) في الدارقطني، السنن، ج1، ص167، وعبد الله بن عدي، الكامل في ضعفاء الرجال، ت: يحيى مختار غزاوي، ط3، 1409هـ، دار الفكر، بيروت، ج3، ص167، وحمزة بن يوسف الجرجاني، تاريخ جررجان، د. محمد عبد معيد خان، ط3، 1401هـ، عالم الكتب، بيروت، ج1، ص405، والبيهقي، السنن الكبير، ج2، ص252، وعبد الرزاق، المصنف، ج2، ص376، وابن أبي شيبة، المصنف، ج1، ص341، وأبي داود، المراسيل، ص75، قال اللكنوي بعد أن أورد طرق الأحاديث الواردة في القهقهة في الهسهسة بنقض الوضوء بالقهقهة: فهذه الأحاديثُ المسندة، والأخبارُ المرسلةُ دالةٌ صريحاً على انتقاضِ الوضوءِ بالقهقهة. ومن أراد الاستفاضة في الروايات الحديثية في نقض الوضوء بالقهقهة فليراجع ظفر أحمد التهانوي، إعلاء السنن، دار الكتب العلمية، ت: حازم القاضي، دارالكتب العلمية، ط1، 1418هـ، 1: 132 - 144.
(¬4) في بدائع الصنائع، ج1، ص34.
الخاتمة:
ونخلص من هذا البحث إلى ما يلي:
أولاً: إنَّ قضيةَ خطأ ووهم الراوي الثقة عالجها فقهاءُ الحنفية من خلال اشتراط القبول والعمل من كبار الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين؛ لأنَّه بمثابة التصحيح منهم للرواية، فيدلُّ على صحّةِ مخرجها، وهذا الاعتبارُ قويٌّ جداً في اعتماد السلف للرواية مع شدّةِ تحريرهم واختلاف شروطهم في التصحيح.
ثانياً: إنَّ الفقهاءَ اعتبروا الشذوذ والعلّة في الأحاديث كما هو الحال لاعتبارها عند المحدِّثين، ولكن كان مدارُها عندهم على أحادية نقله، وعدم القبول له، ومُخالفته لما هو أقوى منه.
ثالثاً: إنَّ تحقق الشهرة للأحاديث مبنيٌّ على القبولِ والعملِ من كبار الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين، فما كان من الأحاديث موافقٌ للعملِ فهو في أَعلى درجاتِ الصحّة، بل صار في حيز المتواتر، الذي يثبت به نسخ القرآن، وتخصيصه، والزيادة عليه، وقبول الخبر فيما تعم به البلوى، وإثبات الركنية والشرطية والفرضية في الأحكام الشرعية.
رابعاً: إنَّ السنة المشهورة هي حديث الآحاد الذي قبله السلف من الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين وعملوا به، وهذا أرجح من تعريفه الشائع: ما كان آحاد الأصل ثُمَّ اشتهر؛ لانطباقه على كافة ما ذكره الفقهاء من أمثلة، وهو المصرّح به في عباراتهم عند تطبيقه، فهو تعريف عمليّ لا نظريّ.
خامساً: إنَّ التطبيقات للمشهور تُبيِّن أَنَّ للحنفية طريقةً واضحةً في تنقيح ما وصل لنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كطريقة المالكية في اعتبار عمل أهل المدينة في تقديمه على حديث الآحاد، فالقبولُ والعملُ بمرتبةِ النقلِ المتوارث طبقة عن طبقة من كبار علماء الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين، وهو أرفع وأقوى في حاله من خبر الآحاد عند مدرسة الحنفية والمالكية.
* * *