الجزء 1 · صفحة 1
الزهر اللطيف في مسالك التأليف
لسماحة العلامة الأستاذ الكبير الشيخ قاسم القيسي
عضو مجلس التمييز الشرعي سابقاً ومدرس مدرسة نائلة خاتون
حفظه الله تعالى آمين
طبع على نفقة مؤلفه في مطبعة الصباح/ بغداد/ 1359هـ -1940م
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي ألَّفَ بين قلوب المؤمنين فأصبحوا بنعمته إخواناً، وصنَّفَ الأزهارَ فأضحت بثياب بهجتها تزهر أفناناً(1) وألواناً.
والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد الجامع لأشتات الفضائل، المؤيّد بأقوى البراهين والدلائل، فكان أرجح الناس قدراً أو ميزاناً، وعلى آله الذين كانوا للعلماء جمالاً وللعباد تيجاناً، وأصحابه الذين هاجروا لنصرته، ونصروه في هجرته، فغدوا أنصار إله وأعواناً، ما رقمت الأفلام بتتابع الأيام ديواناً.
أما بعد:
فهذه رسالةٌ لطيفةٌ، وتحفةٌ بديعةٌ ظريفةٌ، رصّفتُها لي ولأمثالي أحسن الترصيف وسمّيتها:
((الزهر اللطيف في مسالك التأليف))
وانطوت على خمسة عشر مسلكاً:
المسلك الأول: في الفرق بين التأليف والتصنيف.
المسلك الثاني: في بيان لذّة العلم وشرفه.
المسلك الثالث: في بيان الاحتياج إلى التدوين والتأليف، وما فيه من الاختلاف.
المسلك الرابع: في بيان أوّل مَن صنَّفَ في الإسلام من الأئمة الأعلام رحمهم الله تعالى.
المسلك الخامس: في الوقت المناسب للاشتغال بالتأليف وترتيب الأوقات.
المسلك السادس: في المفاضلة بين المتقدِّمين والمتأخِّرين، وبيان الأفضل منهما بيقين.
المسلك السابع: في بيان أقسام التدوين وأصناف المدونات .
المسلك الثامن: في بيان أقسام التأليف وأسبابه، وبيان ما لا يليق بها واجتنابها.
المسلك التاسع: في الرؤوس الثمانية وأنحاء التعليم من البرهان والتحديد وغير ذلك.
المسلك العاشر: في بيان الحاجة إلى الشرح والأدب فيه.
(1) أفنان جمع فن، وهو الضرب من الشيء. ينظر: ((لسان العرب))(13: 336)، و((القاموس))(3: 354).
الجزء 1 · صفحة 2
المسلك الحادي عشر: في بيان أقسام المصنفين وأحوالهم وكيفية النسج على منوالهم
المسلك الثاني عشر: في ذكر كلمات ورموز يستخدمها المصنّفون في مؤلّفاتهم.
المسلك الثالث عشر: في أسماء المؤلّفات المشهورة عند المؤلّفين والفضلاء المحقّقين.
المسلك الرابع عشر: في ذكر مَن يُنكر التصنيف، والاعتذار عما يقع من السهو والخطأ.
المسلك الخامس عشر: فيما ينبغي أن يتصف به المصنفون من محاسن الصفات.
وقد اشترطت على نفسي بيان ذلك مفصلا مسلكا بعد مسلك حسب الترتيب المذكور وقد قيل الشرط املك، عليك أم لك، وأسال الله الكريم أن يمدني بمعونته، ويوفقني للحق وإصابته، انه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.
المسلك الأول
في الفرق بين التأليف والتصنيف
وليعلم أن التأليفَ لغة: إيقاع الألفة بين شيئين أو أكثر، لكنه خُصَّ في اصطلاح العلماء بإيقاع الألفة بين الألفاظ والمعاني، أو جعل الأشياء الكثيرة بحيث يطلق عليها اسم الواحد(1)، سواء كان لبعضها نسبة إلى البعض الأخر بالتقدّم والتأخّر أو لا، بخلاف الترتيب فإنّه جَعْل كلّ شيء في مرتبته، بحيث يصير له نسبة بالتقدّم والتأخّر.
والتصنيف: في الأصل جعل الشيء أصنافاً، وتمييز بعضها عن بعض، قال ابن احمر(2):
سَقياً لِحُلوانَ ذي الكُرومِ وما ... صَنَّفَ من تِينِه ومن عِنَبه
(1) وقد يقال: التأليف جمع اشياء متناسبة ويُشْعِرُ به اشتقاقه من الألفة، فهو أخص من التركيب. ينظر: ((كشاف اصطلحات الفنون))(1: 376).
(2) وهو عمرو بن أحمر الباهلي, شاعر جاهلي مخضرم، ولد ونشأ في نجد، أدرك الإسلام وأسلم وشارك في الفتوحات ويروى أنه شارك في الفتوحات مع خالد بن الوليد وكذلك في مغازي الروم .مدح الخلفاء الراشدين عدا أبي بكر الصديق ومدح بعض الخلفاء الأمويين، (ت75 هـ). ينظر: ((الموسوعة الشعرية)).
الجزء 1 · صفحة 3
وعليه فيكون التأليف أعمّ من الترتيب(1)، قيل: وأعمّ من التصنيف؛ لأنه مطلق الضمّ، والتصنيف جعل كلّ صنف على حدة(2).
وقيل: المؤلّف مَن يجمعُ كلامَ غيره، والمصنِّفُ مَن يجمعُ مبتكرات أفكاره، وهو معنى ما قيل: واضع العلم أولى باسم المصنِّف من المؤلف.
والظاهر أن المصنِّفَ مأخوذٌ من التصنيف، وهو ضمُّ صنف إلى صنف سواء كان على وجه الألفة؟؟؟؟، فالتأليف على هذا أخصّ من التصنيف.
((قال بعضُ أهل العلم: إن جمعَ القران لا يُسمّى تصنيفاً؛ إذ الظاهر أن التصنيفَ ما كان من كلام المصنف.
والجواب: أن جمعَ القران إذا لم يكن تصنيفاً لما ذُكِرَ من العلة، فجمع الحديث أيضاً ليس تصنيفاً مع أن إطلاقَ التصنيف على كتب الحديث شائع ذائع))(3).اهـ.
ولكن التأليف والتصنيف صارا في العرف بمعنى واحد.
(1) في ((الفروق اللغوية))(ر440): ((الترتيب: هو جمع الأشياء المختلفة، بحيث يطلق عليها اسم الواحد، ويكون لبعضها نسبة إلى بعض بالتقديم والتأخير في النسبة العقلية، وإن لم تكن مؤلّفة فهو أعم من التأليف من وجه، لان التأليف: ضمّ الأشياء مؤتلفة يرشدك إليه اشتقاقه من الألفة سواء كانت مرتبة الوضع أو لا... وقد يستعمل الترتيب أخصّ مطلقاً من التأليف، وقد يجعلان مترادفين...)).
(2) ذكر في ((الفروق اللغوية))(ر442): ((الفرق بين التأليف والتصنيف: أن التأليف أعمّ من التصنيف وذلك أن التصنيفَ تأليفٌ صنف من العلم، ولا يقال للكتاب إذا تضمَّنَ نقضَ شيء من الكلام مصنَّف؛ لأنه جمع الشيء وضده، والقول ونقيضه، والتأليف يجمع ذلك كلّه، وذلك أن تأليفَ الكتاب هو جمع لفظ إلى لفظ ومعنى إلى معنى فيه، حتى يكون كالجملة الكافية فيما يحتاج إليه سواء كان متفقاً أو مختلفاً، والتصنيف مأخوذ من الصنف، ولا يدخل في الصنف غيره)).
(3) ذكر هذا القول البهاء العاملي في ((الكشكول))(1: 104) بصيغة قد قيل، وأجاب عنه الجواب المذكور.
الجزء 1 · صفحة 4
وربّما خُصّ التصنيف بالمتون، والتأليف بالشروح، وإن صلح كلّ لكلٍّ، فحسن النظام، ومراعاة الترتيب والانسجام، ممّا يجعل المؤلّف سبباً للقبول عند الناس(1)، وهذا ظاهرٌ بَيِّنٌ بلا التباس، ألا ترى أن بعضَ المغاربة فضل ((صحيح الإمام مسلم)) على ((صحيح الإمام البُخاري)) وما ذاك إلا فيما يرجع إلى حسن السياق بين الأحاديث وجودة الوضع في التبويب والترتيب لا في الصحّة.
فإن مسلماً يبدأ بالمجمل والمشكل والمنسوخ والمعنعن والمبهم، ثم يردف بالمبين والناسخ والمصرح والمعين والمنسوب ويجمع أيضاً طرق الحديث في محلّ واحد؛ ليسهل الكشف منه بخلاف البُخاريّ؛ ولذلك قال بعضُهم:
تشاجر قوم في البُخاريّ ومسلم ... لدي وقالوا أي ذين تقدّموا
فقلت لقد فاقَ البُخاريّ صحّة ... كما فاقَ في حسن الصناعة مسلم
ولله درّ القائل:
لكل كلام موضع من كتابه ... كنظم عقود زينته الجواهر
فإن نظم العقد الذي هو جوهر ... على غير تأليف فما العقد فاخر
المسلك الثاني
في بيان لذة العلم وشرفه
وليعلم أنّ شرفَ الشيء إما لذاته أو لغيره، والعلم حائز للشرفين جميعاً؛ لأنه لذيذٌ في نفسه فيطلب لذاته، ولذيذ لغيره فيطلب لأجله.
أمّا الأول فلا يخفى على أهله أنه لا لذّة فوقها؛ لأنها لذّة روحانية، وهي اللذةُ المحضة.
(1) لذلك جعل الحافظ ابن كثير في ((البداية والنهاية))(11: 362) من مناقب الإمام الدارقطني حسن التصنيف والتأليف. ووصف ابن أبي أصيبعة في ((عيون الأنباء في طبقات الأطباء))(1: 204) أبا العباس أحمد السرخسي بأنه مليح التصنف والتأليف.
الجزء 1 · صفحة 5
وأما اللذّة الجسمانية، فهي عبارةٌ عن دفع الألم في الحقيقة كما أن لذّة الأكل دفع ألم الجوع، ولذّة الشرب دفع ألم العطش، ولذّة النوم دفع ألم السهر، ولذّة الجماع دفع ألم الامتلاء إلى غير ذلك، بخلاف اللذة الروحانية، فإنها ألذّ وأشهى من اللذائذ الجسمانية؛ ولهذا كان الإمام الثاني محمد بن الحسن الشيباني صاحب الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنهم - يقول عندما تنحلّ له مشكلات العلوم وعويصاتها: أين أبناء الملوك من هذه اللذّة سيما إذا كانت الفكرة في حقائق الملكوت، وأسرار اللاهوت.
وترى العلماء الذين ذاقوا حلاوة العلم يتلذَّذون بالسهر لتحرير المسائل وتقرير الدلائل فوق ما يتلذذ به مَن يتحرَّى سماع الآلات المطربة، والمآكل، والمشارب، وغير ذلك ، كما قال التاج السُّبكيّ - رضي الله عنه -(1):
سَهَري لتنقيح العلوم ألذُّ لي ... من وَصَل غانيةٍ وطيب عِناق
وَتَمايُلي طرباً لحلِّ عَويصةٍ ... في الدرس أبلغ من مُدامة ساقي
وَصَرير أقلامي على صفحاتها(2)
(1) وهو عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي الأنصاري السلمي السُّبْكي الشافعي، أبو نصر، تاج الدين، من مؤلفاته: ((طبقات الشافعية الكبرى))، و((جمع الجوامع))، و((الأشباه والنظائر))، (727-771هـ). ينظر: ((الدرر الكامنة))(2: 425-428). ((النجوم الزاهر))(11: 108-109). ((الأعلام))(4: 335).
(2) قوله: على صفحاتها؛ ويروى على أوراقها.
وقوله: أشهى من الدوكاه والعشاق؛ اسما نغمتين من نغمات الموسِيقى ـ بكسر السين والقاف ـ، فالكلمة الأولى فارسية مركَّبة من ((دو)) ((كاه))، فدو؛ بمعنى الثاني، وكاه معناه المقام، فهو إما تركيب إضافي أو توصيفي: أي مقام الثاني أو المقام الثاني، وأصول المقامات في فنّ الموسيقى سبع: ((يكاه))، و((دوكاه))، و((سيكاه))، و((جاركاه))، و((بنجكاه))، و((ششكاه))، و((هفتكاه)).
والنغمات منها ما يحدث الانبساط.
ومنها ما يحدث الانقباض.
فاللحن الذي تنبسط إليه النفس ويرتاح له الجسم العجم واليكاه المسمَّى بالراست ايضاً، ومعناه المستقيم.
واللحن الذي يحدث الانقياض ويبكي ويكمد: هو ((العشاق)) و((الجاركاه)). منه رحمه الله تعالى.
الجزء 1 · صفحة 6
... أشهى من الدوكاه والعُشاق
وأَلَذّ من نقر الفتاة لِدَفِّها ... نَقري لأُلْقي الرَّملَ عن أوراقي
أبيتُ سَهرانَ الدُّجى وَتَبيتُهُ ... نوماً وَتَبغى بعد ذاك لحاقي(1)
(1) نسبوا هذه الأبيات في ((الموسوعة الشعرية)) للإمام الشافعي، وذكرت أيضاً في ((ديوانه))(ص12)، وأضاف عليها عبد الغني النابلسي كما في ((الموسوعة))، فقال:
قطع الجهول زمانه بتغزلِ
إن الجهول عن الجمال بمعزل
أنا لا أميل إلى كلام العذَّل
سهري لتنقيح العلوم ألذ لي من وصل غانية وطيب عناقِ
إن كنت جئت لدى العدى بنقيصةٍ
فهي الكمال وذاك عن خصِّيصةٍ
طلبي لغالية ببذل رخيصةٍ
وتمايلي طرباً لحل عويصةٍ في الذهن أبلغ من مدامة ساقي
سم الجهالة زال من ترياقها
وهو العلوم بمقتضى إشراقها
حرَّرتها في الطرس باستحقاقها
وصرير أقلامي على أوراقها أشهى من الدوكاة والعشاق
فانهض لتحصيل العلوم ووفِّها
حقاً بأشرف حالة وأعفها
إني كُفِفْتُ عن السوى بِأَكُفِّها
وألذ من نقر الفتاة لدفها نقري لألقي الرملَ عن أوراقي
تعلو على أوج المعالي همتي
في نيل مقصودي وقرب أحبتي
وأنا الذي عزمي كسيف مصلت
يا من يبالغ بالأمالني رتبتي كم بين منسفل وآخر راقي
أصبحت موصوف العلى منعوتَهُ
لا أختشي من جانب تفويتَه
يا قاصراً فينا يحاول صيته
أأبيت سهرانَ الدجى وتبيتَه نوماً وتبغي بعد ذاك لحاقي
الجزء 1 · صفحة 7
وكما قال الشيخ الإمام الأجل نجم الدين عمر ابن الحسن النَّسَفيّ - رضي الله عنه -(1) في أم ولده:
سلام على من تيمنتي بظرفها ... ولمعة خديها ولمحة طرفها
سبتني وحبتني فتاة مليحة ... تحيّرت الأوهام في كنه وصفها
فقلت ذريني واعذريني فإنني ... شُغلتُ بتحصيل العلوم وكشفها
ولي في طلاب العلم والفضل والتقى ... غنى عن غناء الغانيات وعرفها(2)
وقيل لبعض المناظرين فيم لذتك؟ فقال: في حجّة تتبختر اتضاحاً، وشبهة تتضاءل افتضاحاً(3)
(1) وهو عمر بن محمد بن أحمد لُقْمان النَّسَفِيّ السَّمَرْقَنديّ الحنفي، أبو حفص، نجم الدين، مفتي الثقلين، قال السمعاني: كان فقيهاً فاضلاً محدثاً مفسراً أديباً متقناً قد صنف كتباً في التفسير والحديث والشروط، من مؤلفاته: ((العقائد النسفية))، و((التيسير في التفسير))، و((تاريخ بخارا))، و((نظم الجامع الصغير))، (461-537هـ). ينظر: ((الجواهر))(2: 659-660)، و((معجم الأدباء))(16: 70-71)، و((طبقات المفسرين))(2: 5-7).
(2) وقال محمد الدمشقي المحاسني أستاذ العلاء الحَصْكَفِيّ:
لكلّ بني الدنيا مرادٌ ومقصدُ
وإن مرادي صحّة وفراغ
لأبلغَ في علم الشريعة مبلغاً
يكون لي به في الجنات بلاغ
ففي مثل هذا فليتنافس أولو النُّهى
وحسبي من الدنيا الغرور بلاغ
فما الفوز إلاَّ في نعيم مؤبَّد
به العيش رغد والشراب يُساغ
ذكر الحصكفي في ((الدر المختار))(1: 36) هذه الأبيات وأن شيخه المحاسني أنشده إياها، ونسب هذه الأبيات ابن حجر في ((الدرر الكامنة))(1: 464) إلى محمد بن أحمد ابن جزيء الكلبي الغرناطي، توفي سنة (741هـ).
(3) ومن الفوائد اللطيفة المناسبة لهذا القول ما في ((البصائر والذخائر)) لأبي حيان (ص421-422):
((قيل لأعرابي: ما اللذة؟ قال: قبلة على غفلة.
وقيل لملك: فيم لذتك؟ قال: في ظفر، بعد دور، وليالي سمر.
وقيل لطفيلي: فيم لذتك؟ قال: في مائدة منصوبة، ونفقة غير محسوبة، عند رجل لا يضيق صدره من البلع، ولا تجيش نفسه من الجرع.
وقيل لتاجر: فيم لذتك؟ قال: في ربح على السوم، ونقد في اليوم.
وقيل لعالم: فيم لذتك؟ قال: في حجة تنبختر اتضاحاً، وشبهة تتضاءل افتضاحاً.
وقيل لراع: فيم لذتك؟ قال: في واد عشيب، ولبن حليب.
وقيل لأبي مزاحم الصوفي: فيم لذتك؟ قال: في سياحة البلاد، وطي البواد، وحضور النواد، ومفاكهة الأنداد، ومنافرة الأضداد.
وقيل لعابد: فيم لذتك؟ قال: في عمل يخلص، ورياء ينقص، وقلب عن الدنيا يسلو، وهمة إلى الله - عز وجل - تعلو.
وقيل لكاتب: فيم لذتك؟ قال: في معنى أنهيته، وكلام أنشيته.
وقيل لغاز: فيم سرورك؟ قال: في سرية مقبلة، وغنيمة مستقبلة.
وقيل لفقير: فيم لذتك؟ قال: في إزاحة العلل، وقضاء الوطر عللاً بعد نهل)). وينظر: ((التذكرة الحمدونية))(ص6314)، و((ربيع الأبرار ونصوص الأخيار))(ص2484).
الجزء 1 · صفحة 8
.
ومن لذته التابعة لعزّته أنه لا يقبل العزل والنصب مع دوامه لا مزاحمة فيه لأحد؛ لأن المعلومات متسعة مزيدة بكثرة الشركاء، قال بعضُهم:
وإنما العلم لأربابه ... ولاية ليس لها عزل
وقال الآخر:
إن الأمير هو الذي ... يضحى أميراً عند عزله
إن زال سلطان الولا ... ية كان في سلطان فضله(1)
وأما اللذائذ الحاصلة لغيره فتكون في الأخرى والدنيا:
أما في الأخرى؛ فلكونه وسيلة إلى أعظم اللذائذ الأخروية والسعادة الأبدية.
وأما في الدنيا؛ فالعزّ والوقار ونفوذ الحكم على الملوك، ولزوم الاحترام في الطباع، فترى أغبياء الترك وأجلاف العرب يصادفون طباعهم مجبولة على التقرير لشيوخهم لاختصاصهم بمزيد علم مستفاد من التجربة.
(1) ينظر: ((الأشباه والنظائر من أشعار المتقدمين والمتأخرين)) للخالديان(ص140-141)، و((التذكرة المحمودية))(ص2476)، و((سلك الدرر))(ص3087)، و((نهاية الأرب))(ص3229)، وغيرها.
الجزء 1 · صفحة 9
ذكر صاحب(1) ((الشقائق النعمانية)) المؤلَّف في علماء الدولة العثمانية في ترجمة: ((شمس الدين أحمد بن سليمان بن كمال باشا))(2): ((إن جدَّه كمال باشا نشأ في صباه في حجر العزّ والدلال، ثم غلبَ عليه حبّ الكمال حكى عن نفسه أنه كان مع السلطان بايزيد خان في سفر، وكان الوزير وقتئذٍ إبراهيم باشا، وكان وزيراً عظيم الشأن، وكان في ذلك الزمان أمير يقال له أحمد بك عظيم القدر جدّاً لا يتصدَّر عليه أحدٌ من الأمراء، قال رحمه الله:
(1) وهو أحمد بن مصطفى بن خليل بن قاسم بن أحمد بن محمود، الشهير بطاشكبرى زاده، أبو الخير، عصام الدين، من مؤلفاته: ((الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية))، و((مفتاح السعادة ومصباح السيادة))، ((حواشي على البيضاوي))، (901-968هـ). ينظر: ((التعليقات السنية))(ص123-124)، و((الشقائق))(ص325-331،72).
(2) وهو أحمد بن سليمان بن كمال باشا الرُّوميّ، الشَّهير بابن كمال باشا زاده، قال التميمي: الإمام العلامة الرحالة الفهامة، كان بارعاً في العلوم وقلّ ما يوجد فنّ إلا وله فيه مصنف أو مصنفات. ومن مؤلفاته: ((الإصلاح والايضاح))، و((تغيير التنقيح)) شرحه بـ((تجريد التجريد))، و((حواشي شرح الجغميني))، و((تفسير القرآن))، و((حواشي على أوائل البيضاوي))، (ت940هـ). ينظر: ((الشقائق النعمانية))(ص226-228)، و((الفوائد)) (ص42-44).
الجزء 1 · صفحة 10
كنت واقفاً يوماً على قدمي قدّام الوزير المزبور، وعنده الأمير المذكور؛ إذ جاء رجل من العلماء رثّ الهيئة دنيء اللباس فجلس فوق ذلك الأمير ولم يمنعه أحد فتحيَّرت في نفسي، وقلت لبعض رفقائي: مَن هذا الذي جلس فوق هذا الأمير، فقال: هو عالم مدرس، يقال له: المولى لطفي(1).
فقلت: كيف يتصدَّر فوق هذا الأمير، ومنصبه هذا المقدار، فقال رفيقي: إن العلماء معظّمون لعلمهم، ولو تأخّر لم يرض بذلك الأمير ولا الوزير.
قال رحمه الله تعالى: فتفكَّرت في نفسي وقلت: لا يمكنني أن أبلغ رتبة الأمير، ولكن لو اشتغلت بالعلم يمكن أن أبلغ رتبة العالم المذكور فاشتغلت في العلم وبلغ درجة أهل الفضل والكمال))(2).
وذكر عن سالم بن أبي الجعد - رضي الله عنه -(3) أنه قال: ((اشتراني مولاي بثلاثمئة درهم فاعتقني، فقلت: بأي حرفة أحترف فاحترفت بالعلم فأتممت سنة حتى أتاني أمير المدينة زائراً فلم آذن له)).
قال بعضهم:
(1) وهو لطف الله التوقاتي الرومي، الشهير مولانا لطفي، قال طاشكبرى زاده: كان فاضلاً لا يجارى، وعالما لا يبارى، وكان يطيل لسانه على أقرانه وعلى السلف أيضاً، ولكثرة فضائله حسده أقرانه، ولإطالة لسانه أبغضه العلماء العظام؛ ولهذا نسبوه إلى الإلحاد والزندقة فأبيح دمه وقتل. وله تصنيفات تنبئ عن مكانته، منها: ((حواشي على شرح المفتاح للسيد الشريف))، و((حواشي على شرح المطالع))، و((السبع الشداد))، و((أقسام العلوم الشرعية والعربية)). ينظر: ((الشقائق النعمانية))(ص169-171)، و((التعليقات السنية))(ص42-43).
(2) انتهى من ((الشقائق النعمانية))(ص226) باختصار يسير.
(3) وهو سالم بن أبي الجعد الغطفاني، قال أبو نعيم: ((وكان ثقة كثير الحديث)). وقال منصور: ((كان سالم إذا حدَّث حدَّث فأكثر، وكان إبراهيم إذا حدث جزم، فقلت لإبراهيم، فقال: إن سالماً كان يكتب)). (ت100هـ). ينظر: ((الطبقات الكبرى))(6: 291)، وغيرها
الجزء 1 · صفحة 11
بجد لا بجد كل مجد ... فهل جد بلا جد بمجد
فكم عبد يقوم مقام حرّ ... وكم حرّ يقوم مقام عبد
بل الحيوانات العجماوات تجدها توقر الإنسان بطبعها لشعورها بتميز الإنسان بكل شيء مجاوز لدرجتها، حتى أنها تنزجر بزجره وإن كانت قوّتها أضعاف قوّته.
قال الإمام الشافعي - رضي الله عنه -: ((شرف العلم أنّ كلّ مَن نسب إليه، ولو في شيء حقير فرح، ومَن رفع عنه حزن))(1).
وهذا بحسب الأصل والحقيقة، ويا للأسف لقد انعكس الأمر؛ إذ قد فسد الزمان وأهله، وتقدم مَن قلّ علمه وكثر جهله، وانحطت مرتبة العلم وأصحابه، واندرست مراسمه بين طلابه، ولله در القائل:
أحبابنا نوب الزمان كثيرة ... وأمرّ منها رفعة السفهاء
فمتى يفيق الدهر من سكراته ... وأرى اليهود بذلّة الفقهاء(2)
وقال الآخر :
عضَّنا الدهرُ بنابه ... ليْتَ ما حلَّ بنابه(3)
لا يوالي الدهر إلا ... جاهلاً ليس بنابه
وبالجملة مزايا العلم أشهر من أن تذكر، وهي بالعدّ لا تحصى ولا تحصر، وتعرضي لهذا المسلك من باب التهييج والتنبيه، وبيان الاعتناء بتحرير المسائل من كلّ فاضل نبيه.
المسلك الثالث
في بيان الاحتياج إلى التدوين والتأليف
وما فيه من الاختلاف
(1) ينظر: ((إحياء علوم الدين))(1: 7).
(2) نسبها في ((خلاصة الأثر))(ص1372) إلى تقي الدين التمييمي الحنفي صاحب ((الطبقات السنية)).
(3) ينظر: ((معاهد التنصيص على شواهد التلخيص))للعباسي (ص1715)، و((نهاية الأرب))(ص4457).
الجزء 1 · صفحة 12
قال الملا كاتب جلبي(1) صاحب ((كشف الظنون)): ((اعلم أن الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين لخلوص عقيدتهم ببركة صحبة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقرب العهد إليه، ولقلّة الاختلاف في الواقعات، وتمكّنهم من المراجعة إلى الثقات، كانوا مستغنين عن تدوين علم الشرائع حتى أن بعضَهم كره كتابة العلم(2)
(1) وهو مصطفى بن عبد الله القسطنطني الرومي الحنفي، الشهير بالملا كاتب الجَلبِيّ، والمعروف بحاجي خليفة، من مؤلفاته: ((تحفة الكبار في أسفار البحار))، و((تقويم التواريخ))، و((ميزان الصول إلى طبقات الفحول))، و((ميزان الحقّ)) في التصوف، و((تحفة الأخيار في الحكم والأمثال والأشعار))، (1017-1067هـ). ينظر: ((الأعلام))(8: 138-139)، و((معجم المؤلفين))(3: 870-870).
(2) قال الحافظ ابن رجب في ((شرح علل الترمذي))(1: 7-8): ((اعلم أن العلم المتلقى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أقواله وأفعاله كان الصحابة - رضي الله عنهم - في زمن نبيهم - صلى الله عليه وسلم - يتداولونه بينهم حفظاً له ورواية، ومنهم مَن كان يكتب كعبد الله بن عمرو ابن العاصي - رضي الله عنهم -.
ثم بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بعض الصحابة - رضي الله عنهم - يرخِّص في كتابة العلم عنه، وبعضُهم لا يرخص في ذلك، ودرج التابعون أيضاً على مثل هذا الاختلاف.
والذي كان يكتب في زمن الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - لم يكن تصنيفاً مرتباً مبوباً، إنما كان يكتب للحفظ والمراجعة فقط، ثم إنه في عصر تابعي التابعين صنفت التصانيف، وجمع طائفة من أهل العلم كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبعضهم جمع كلام الصحابة - رضي الله عنهم -، قال عبد الرزّاق : (( أوّل من صنَّف الكتب ابن جريج، وصنَّف الأوزاعي حين قدم على يحيى بن أبي كثير كتبه)) أخرجه ابن عدي وغيره...
قال مالك بن أنس قال: (( أول مَن دوّن العلم ابن شهاب ))، يعني الزهري. وقال ابن خراش: (( يقال: إن أوّل مَن صنَّف الكتب سعيد بن أبي عروبة)). وقال يعقوب بن شيبة: (( يقولون: إن أول مَن صنَّف الكتب بالكوفة يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وبالبصرة حماد بن سلمة))...)).
الجزء 1 · صفحة 13
، واستدلّ بما رُوي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنه استأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في كتابة العلم فلم يأذن له(1).
وروى عن ابن عباس - رضي الله عنهم - انه نهى عن الكتابة، وقال: ((إنما ضلّ مَن كان قبلكم بالكتابة))(2).
وجاء رجل إلى ابن عبّاس - رضي الله عنهم -، فقال: إنّي كنت كتبتُ كتاباً أريد أن أعرضَه عليك فلمّا عرضَه عليه أخذه منه ومحاه بالماء، فقيل له لماذا فعلت؟ قال: لأنهم إذا كتبوا اعتمدوا على الكتابة وتركوا الحفظ، فيعرض للكتاب عارض فيفوت علمهم.
واستدلّ بأن الكتاب ممَّا يزاد فيه وينقص ويغير، والذي حفظ لا يمكن تغييره لأن الحافظ(3) يتكلَّم بالعلم، والذي يخبر عن الكتابة يخبر بالظن والنظر.
ولَمّا انتشر الإسلام واتسعت الأمصار، وتفرَّقت الصحابة - رضي الله عنهم - في الأقطار، وحدثت الفتن واختلاف الآراء، وكثرة الفتاوى والرجوع إلى الكبراء، أخذوا في تدوين الحديث والفقه وعلوم القران، واشتغلوا بالنظر والاستدلال والاجتهاد والاستنباط، وتمهيد القواعد والأصول، وترتيب الأبواب والفصول، وتكثير المسائل بأدلتها، وإيراد الشبه بأجوبتها، وتعيين الأوضاع والاصطلاحات، وتبيين المذاهب والاختلافات.
(1) فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -: قال: ((استأذنا النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يأذن لنا)) في ((سنن التّرمذي)) (5: 38)، وغيره.
(2) في ((المدخل لمعرفة السنن والآثار))(2: 119)، بلفظ: ((بالكتب)).
(3) أقول: ولا يفيد الحفظ إلا أن يكون عن فهم وإتقان وإدراك وزيارة إمعان، فقد قيل فهم سطرين خير من حفظ وقرين، ومناظرة اثنين خير من هذين. منه رحمه الله تعالى.
الجزء 1 · صفحة 14
وكان ذلك مصلحة عظيمة وفكرة في الصواب مستقيمة فرأوا ذلك مستحباً، بل واجباً لقضية الإيجاب المذكور مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((العلم صيد(1) والكتابة قيد، قيدوا رحمكم الله تعالى علومكم بالكتابة للحديث)).اهـ(2).
وما أحسن قول بعضهم:
العلمُ صيد والكتابة قيده ... قيّد صيودك بالحبال الواثقة
فمن الحماقة أن تصيدَ غزالةً ... وتسيرها بين الخلائق طالقة
ومما قيل في الكتب:
إن جمع الدفاتر ... عدة للبصائر
قد حوت كلّ فاخر ... من صنوف الجواهر
وعلوم قد أوضحت ... كل ماض وغابر
(1) قوله: ((العلم صيد والكتابة قيد)) الحديث؛ لم أر الحديث بهذا اللفظ بعد التحرّي في كتب الحديث، بل الذي وجدته في ((صيد الخاطر)) لابن الجوزي و((الجامع الصغير)) للسيوطي وكتاب ((مزيل الخفاء والالتباس فيما اشتهر من الحديث على ألسنة الناس))، و((تدريب الراوي على تقريب النواوي))، بلفظ: ((قيدوا العلم بالكتاب))، وفي رواية: ((بالكتابة)). [في ((المدخل))(2: 140): ((عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهم -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((قيدوا العلم))، قلت: وما تقييده؟ قال: ((الكتاب))، تفردّ به عبد الله بن المؤمل، وهو ضعيف)). وفي ((المدخل))(2: 137، 139)، و((سنن الدارمي))(1: 138)، و((المستدرك))(1: 187-188)، وغيرها: عن عمر وأنس - رضي الله عنهم -: ((قيدوا العلم بالكتاب))].
نعم قد وردت أحاديث أخر تفيد جواز كتابة الحديث كما رواه التِّرْمِذِيّ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: ((كان رجل من الأنصار يجلس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسمع منه الحديث، فعجبه، ولا يحفظه، فشكا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: استعن بيمين وأومأ بيده إلى الخط)) [في ((سنن الترمذي))(5: 39)، و((المدخل))(2: 141)، و((المعجم الأوسط))(3: 169)، وغيرها]. منه رحمه الله تعالى.
(2) من ((كشف الظنو))(1: 33-34).
الجزء 1 · صفحة 15
وعجيب من الأمور ... وبعيد وحاضر
وقال الآخر حاثّاً على الحفظ:
رأيت مشغول بجمع دفاتر ... وخير من الجمع اجتهادك في الحفظ
فما العلم إلا ما وعى الصدر حفظه ... وباح به عند المشاهد باللفظ
فكن واعياً ما في الدفاتر حافظاً ... وإلا فما في جمعه لك من حظّ
وفي ((قواعد التحديث)): قال الزركشيّ(1) في ((قواعده)): ((إن تصنيفَ العلم فرضٌ كفاية على مَن منحَه الله فهماً واطّلاعاً، فلو ترك التصنيف لضيع العلم على الناس، وقد قال - جل جلاله -: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ}الآية(2)، ولم تزل هذه الأمة في ازدياد وترق في المواهب والعلم)). اهـ.
(1) وهو محمد بن بهادر بن عبد الله المصري الزَّرْكَشِيّ الشافعي، أبو عبد الله، بدر الدين، قال ابن حجر: كان منقطعاً في منزله لا يتردد إلى أحد إلا إلى سوق الكتب، وإذا حضره لا يشتري شيئاً، وإنما يطالع في حانوت الكتبي طول نهاره ومعه ظهور أوراق يُعلّق فيها ما يعجبه ثم يرجع فينلقه إلى تصانيفه، من مؤلفاته: ((البحر في أصول الفقه))، و((شرح التنبيه))، و((شرح جمع الجوامع))، (745-794هـ). ينظر: ((الدرر الكامنة))(3: 397-398)، و((معجم المؤلفين))(3: 174-175).
(2) آل عمران: من الآية81.
الجزء 1 · صفحة 16
وقال نابغة العلماء ابن المقفع(1) في ((مقدمة الدرّة اليتيمة)): ((وجدنا الناس قبلنا لم يرضوا بما فازوا به من الفضل لأنفسهم حتى أشركونا معهم فيما أدركوا من علم الأولى والآخرة، فكتبوا به الكتب الباقية، وكفونا مؤونة التجارب والفطن.
وبلغ من اهتمامهم بذلك أن الرجل من اهتمامهم بذلك أن الرجل منهم كان يفتح من العلم والكلمة من الصواب، وهو بالبلد غير المأهول فيكتبه على الصخور مبادرة منه للأجل وكراهية لأن يسقط ذلك على مَن بعده، فكان صنيعهم في ذلك الوالد الشفيق على ولده، الرحيم بهم، الذي يجمع لهم الأموال والعقد(2) إرادة أن لا تكون عليهم مؤونة في الطلب، وخشية عجزهم إن هم طلبوا.
فمنتهى علم عالمنا في هذا الزمان أن يأخذَ من علمهم، وغاية إحسان محسننا أن يقتدي بسيرتهم، وأحسن ما يصيب من الحديث محدّثنا أن ينظرَ في كتبهم، فيكون كأنه إياهم يحاور، ومنهم يستمع، غير أن الذي نجد في كتبهم، هو المنتخل في آرائهم، والمنتهى من أحاديثهم.
(1) وهو عبد الله ابن المقفع، الكاتب المشهور بالبلاغة، صاحب الرسائل البديعة، وهو من أهل فارس، وكان مجوسياً فأسلم، وقال الأصمعي: صنف ابن المقفع المصنفات الحسان منها ((الدرة اليتيمة)) التي لم يصنف في فنها مثلها؛ وقال الأصمعي: قيل لابن المقفع: من أدبك فقال: نفسي، إذا رأيت من غيري حسناً أتيته وإن رأيت قبيحاً أبيته. واجتمع ابن المقفع بالخليل بن أحمد صاحب العروض، فلما افترقا قيل للخليل: كيف رايته فقال: علمه أكثر من عقله، وقيل لابن المقفع: كيف رأيت الخليل فقال: عقله أكثر من علمه. (ت145هـ). ينظر: ((وفيات الأعيان))(2: 152-153)، وغيره.
(2) العقد: جمع عقدة ما فيه بلاغ الرجل وكفايته. منه رحمه الله تعالى.
الجزء 1 · صفحة 17
ولم نجدهم غادروا شيئاً يجد واصف بليغ في صفة له مقالاً لم يسبقوا إليه، لا في تعظيم لله - عز وجل -، وترغيب فيما عنده، ولا في تصغير للدنيا، وتزهيد فيها، ولا في تحرير صنوف العلم، وتقسيم أقسامه، وتجزئة أجزائها، وتوضيح سبلها، وتبيين مآخذهم، ولا في وجوب الأدب، وضروب الأخلاق.
فلم يبق في جليل من الأمر لقائل بعدهم مقال، وقد بقيت أشياء من لطائف الأمور فيها مواضع لصغار الفطن، مشتقة من جسام حكم الأولين وقولهم، ومن ذلك بعض ما أنا كاتب في كتابي من أبواب الأدب التي يحتاج إليها النسب)).اهـ.
وفي قوله: ((وقد بقيت)) فتح لباب التصنيف على نحو هذا المعنى)). انتهى(1).
(1) من ((قواعد التحديث)) للقاسمي (ص36-37).
الجزء 1 · صفحة 18
وذكر العلامةُ الزرقانيُّ(1) في ((شرحه على المواهب اللدنية)) للعلامة القسطلانيّ(2) عند قوله : ((ومن خصائص الأمة المحمدية أنهم أوتوا تصنيف الكتب ذكره بعضهم))، قال ابنُ العربي(3) في ((شرح التِّرْمِذِيّ)): )(لم يكن قطّ في أمة من الأمم مَن انتهى إلى حدّ هذه الأمة من التصرّف في التصنيف والتحقيق، ولا جاراها في مداها من التفريع والتدقيق، وتصنيف الكتب،
(1) وهو محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن علوان الزَّرْقَانِيّ المصْرِيّ الأزهريّ المَالِكيّ، أبو عبد الله، قال الكتاني: خاتمة المحدثين في الديار المصرية. من مؤلفاته: ((الوسائل السنية من المقاصد السخاوية))، ((شرح المَوَاهب اللَّدُنِّيَّة))، و((شرح الموطأ))، قال الإمام اللكنوي: وهما شرحان معتبران، (1055-1122هـ). ينظر: ((الكشف))(2: 1897)، و((غيث الغمام))(ص99)، و((المستطرفة))(ص143).
(2) وهو أحمد بن محمد بن أبي بكر القَسْطَلَّانيّ الأصل المِصْرِيّ الشَّافِعِي، أبو بكر، شهاب الدين، صنف التصانيف المقبولة التي سارت بها الركبان في حياته ، ومنها: ((الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر))، و((مشارق الأنوار البرية في مدح خير البرية))، و((المواهب اللدنية بالمنح المحمديَّة))، و((إرشاد الساري شرح صحيح البخاري))، (851-923هـ). ينظر: ((الضوء اللامع))(2: 103-104)، و((النور السافر))(ص106-107)، و((شرح المواهب اللدنية))(1: 3-4)، و((البدر الطالع))(1: 102-103)، و((طرب الأماثل))(ص432).
(3) وهو محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الأندلسي الإشبيلي المالكي، المعروف بابن العربي المالكي، أبو بكر، قال الذهبي: كان من أهل التفنّن في العلوم والاستبحار فيها، مع الذكاء المفرط. من مؤلفاته: ((عارضة الأحوذي في شرح الترمذي))، و((القبس شرح الموطأ)) (468-543هـ). ينظر: ((الصلة))(2: 559)، و((وفيات)))(4: 296-297)، و((العبر))(4: 125)، و((مرآة الجنان))(3: 379-380).
الجزء 1 · صفحة 19
وتدوين العلوم، وحفظ سنة نبيهم ـ أي أقواله وأفعاله ـ.
فتدوين العلوم وتصنيفها، وتقرير القواعد وكثرة التفريع، وفرض ما لم يقع وبيان حكمه، وتفسير القران والسنة، واستخراج علوم الأدب، وتتبع كلام العرب أمرٌ مندوب إليه، وأهلُه خير الخليقة.
وقال العراقي(1) في ((شرح المحصول)): من خصائصه - صلى الله عليه وسلم - إن الواحد من أمّته يحصل له في العمر القصير من العلوم والفهوم ما لم يحصل لأحد من الأمم السابقة في العمر الطويل؛ ولهذا تهيأ للمجتهدين من هذه الأمة من العلوم والاستنباطات والمعارف ما تقصر عنه أعمارهم. انتهى.
وقال قتادة - رضي الله عنه -(2): أعطى الله هذه الأمة من الحفظ ما لم يعطه أحداً من الأمم، خاصّة خصّهم بها، وكرامة أكرمهم بها. انتهى. اهـ.
أقول: وقد وردَ ((أنه - صلى الله عليه وسلم - أمرَ عبدَ الله بن عمرو بن العاص أن يكتبَ عنه فإنه قال: يا رسول الله إنا نسمع منك الحديث فنكتبه؟ قال: نعم، قلت: في الرضا والسخط، قال: نعم؛ فإني لا أقول فيهما إلا حقّاً))(3).
(1) وهو عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن الكردي الرازناني الأصل المهراني العراقي المصري الشَّافِعِيّ، أبو الفضل، زين الدين. من مؤلفاته: ((الألفية))، و((فتح المغيث شرح ألفية الحديث))، و((المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار))، (725-806هـ). ينظر: ((الضوء اللامع))(4: 171-178)، ((البدر الطالع))(1: 354-356)، ((الأعلام)) (4: 118).
(2) وهو قتادة بن دِعامة بن قتادة السَّدُوسي البصري، أبو الخطاب، قال قتادة: ما قلت لمحدِّث قطّ أعدْهُ عليّ، وما سمعتُ شيئاً إلا وعاه قلبي، وقال فيه شيخه ابن سيرين: قتادة أحفظ الناس. (ت117هـ). ينظر: ((العبر))(1: 146)، و((التقريب))(ص389).
(3) في ((مسند أحمد))(2: 211)، قال شيخنا الأرنؤوط: صحيح لغيره.
الجزء 1 · صفحة 20
وفي ((صحيح البخاري)) عن وهب بن منبه عن أخيه قال سمعت أبا هريرة - رضي الله عنه - يقول: ((ما من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد أكثر حديثاً عنه منّي إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب))(1).
فلو لم تكن الكتابة جائزة لَمَا كان يفعل ذلك.
وفي ((صحيح البخاري)) أيضاً: عن أبي جحيفة - رضي الله عنه - قال: قلت لعلي كرم الله تعالى وجهه: ((هل عندكم كتاب؟ قال: لا إلا كتاب الله وفهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة، قال قلت: فما في الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر))(2).
ففيه إباحة كتابة الأحكام وتقييدها.
وفي البُخاري أيضاً عن ابن عبّاس - رضي الله عنهم - قال: ((لما اشتدّ بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - وجعُه، قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده ...))(3)، الحديث, وكذا أخرجه مسلم في الوصايا عن محمد بن أبي رافع، والنَّسائي في العلم عن إسحاق بن راهوية.
وفي ((البُخاريّ)) أيضاً: من حديث طويل: فجاء رجلٌ من أهل اليمن فقال: ((اكتب لي يا رسول الله، فقال: اكتبوا لأبي فلان...))(4) الحديث.
(1) في ((صحيح البخاري))(1: 54)، و((المدخل إلى السنن))(2: 129)، وغيرهما.
(2) في ((صحيح البخاري))(1: 53)، وغيره.
(3) في ((صحيح البخاري))(1: 54)، و((صحيح مسلم))(3: 1257)، و((سنن النسائي الكبرى))(3: 433)، وغيرها.
(4) في ((صحيح البخاري))(1: 53)، وغيره.
الجزء 1 · صفحة 21
قال العلامة العَيْنِيُّ - رضي الله عنه -(1): ((فيه إباحةُ كتابة العلم، وكَرِه قومٌ كتابةَ العلم؛ لأنها سببٌ لضياع الحفظ والحديث حجّةٌ عليهم.
ومن الحجّة أيضاً: ما اتفقوا عليه من كتابة المصحف الذي هو أصلُ العلم، وكان للنبي - صلى الله عليه وسلم - كتّاب يكتبون الوحي.
وقال الشعبي - رضي الله عنه -(2): إذا سمعت شيئاً فاكتبه ولو في الحائط.
قلت(3): محلّ الخلاف كتابة غير المصحف فما اتفقوا لا يكون من الحجّة عليهم.
وقال عياض - رضي الله عنه -(4): إنّما كره مَن كره من السلف من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - كتابة العلم في المصحف وتدوين السنن لأحاديث رويت فيها، منها:
(1) وهو محمود بن أحمد بن موسى العَيْني الحلبي القاهري الحنفي، أبو محمد، بدر الدين، وكان أبوه قاضياً بعين تاب، فنسب إِليه، قال السيوطي: كان إماماً عالماً علامة عارفاً بالعربية والتصريف حافظاً للغة سريع الكتابة، من مؤلفاته: ((البناية في شرح الهداية))، و((رمز الحقائق شرح كنز الدقائق))، و((شرح شرح معاني الآثار))، (762-855هـ). ينظر: ((الضوء اللامع))(10: 131-135)، و((كتاب أعلام الأخيار))(ق351/ب-ق352/أ)، و((الفوائد البَهيَّة))(ص340).
(2) وهو عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار الشَّعْبي الحِمْيَري، أبو عمرو، قال ابن المديني: ابن عباس في زمانه، والشَّعْبي في زمانه، وسفيان الثوري في زمانه، (ت103هـ). ينظر: ((العبر))(1: 127)، و((مرآة الجنان)) (1: 244)، و((وفيات))(3: 12-16).
(3) القائل هو بدر الدين العيني رحمه الله تعالى.
(4) وهو عياض بن موسى بن عياض اليَحْصُبي السَّبتي، أبو الفضل، القاضي، من مؤلفاته: ((الإكمال شرح صحيح مسلم))، و((مشارق الأنوار))، و((التنبيهات))، (476-544هـ). ينظر: ((وفيات))(3: 483-485)، و((العبر))(4: 122-123)، و((الكشف))(2: 1502).
الجزء 1 · صفحة 22
حديث أبي سعيد - رضي الله عنه -: ((استأذنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الكتابة فلم يأذن لنا))(1).
وعن زيد بن ثابت - رضي الله عنه -: ((أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا نكتب شيئاً))(2).
ولئلا يكتب مع القرآن شيء، وخوف الاتكال على الكتابة، ثم جاءت أحاديث بالإذن في ذلك في حديث عمرو بن العاص - رضي الله عنهم -.
قلت: يريد قول عبد الله: استأذنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كتابة ما سمعت منه، قال: فأذن لي فكتبته(3)، فكان عبد الله - رضي الله عنه - يسمّي صحيفته الصادقة.
قال: وأجازه معظم الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم -، ووقع عليه بعد الاتفاق، ودعت إليه الضرورة لانتشار الطرق وطول الأسانيد واشتباه المقالات مع قلّة الحفظ وكلال الفهم.
قال النَّوَويّ - رضي الله عنه -(4): أجابوا عن حديث النهي؛ إما بالنسخ، فإن النهي كان خوفاً من الاختلاط بالقران، فلمّا اشتهر أمنت المفسدة، أو أنّ النهي كان على التنزيه لمَن وَثِقَ بحفظه والإذن لمَن لم يثق بحفظه)).اهـ(5).
(1) في ((سنن التّرمذي)) (5: 38)، وغيره.
(2) فعن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: ((دخل زيدٌ بن ثابت على معاوية فسأله عن حديث، فأمر إنساناً يكتبه فقال له زيد: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا أن لا نكتب شيئاً من حديثه فمحاه)) في ((سنن أبي داود))(2: 343)، و((المدخل إلى السنن))(2: 113)، وغيرهما.
(3) سبق تخريجه قبل صفحات.
(4) وهو يحيى بن شرف بنِ حسنِ الحزامي الحورَّاني النَّوَوِيّ الشَّافِعِيّ، أبو زكريا، محيي الدين، وهو محرر المذهب الشافعي ومذهبه ومنقحه ومرتبه. ومن مؤلفاته: ((الأذكار))، ((منهاج الطالبين))، ((رياض الصالحين))، (631-676هـ). ينظر: ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة(3: 9-13)، و((طبقات الأسنوي))(2: 266-267)، و((روض المناظر))(ص267)(ت675).
(5) انتهى من ((عمدة القاري)) للعيني (2: 166).
الجزء 1 · صفحة 23
وفي ((تدريب الراوي شرح تقريب النواوي)): ((وليشتغل بالتخريج والتصنيف إذا تأهل له مبادراً إليه.
وليعتن بالتصنيف في شرحه، وبيان مشكله متقناً واضحاً، فقلّما يمهّر في علم الحديث من لم يفعل هذا.
قال الخطيب - رضي الله عنه -(1): لا يتمهّر في الحديث، ويقف على غوامضه، ويستبين الخفي من فوائده، إلا من جمع متفرّقة، وألف متشتتة، وضمّ بعضَه إلى بعض، فإن ذلك ممَّا يقوي النفس، ويثبت الحفظَ، ويذكي القلب، ويشحذ الطبع، ويبسط اللسان، ويجيد البيان، ويكشف المشتبه، ويوضح الملتبس، ويكسب أيضاً جميل الذكر، ويخلده إلى آخر الدهر كما قال الشاعر :
يموت قومٌ ويحيي العلمُ ذكرهمُ ... والجهلُ يُلحق أمواتا بأموات(2)
قال: وبعض شيوخنا يقول: مَن أرادَ الفائدة فليكسر قلم النشر، وليأخذ قلم التخريج.
وقال المصنِّف في ((شرح المهذب)): ((بالتصنيف يطّلع على حقائق العلوم ودقائقه، ويثبت معه؛ لأنه يضطّره إلى التفتيش والمطالعة والتحقيق والمراجعة والاطّلاع على مختلف كلام الأئمة، ومتّفقه وواضحه من مشكله، وصحيحه من ضعيفه، وجزله من ركيكه، وما لا اعتراض فيه من غيره، وبه يتصف المحقّق بصفة المجتهد))(3).
قال الربيع - رضي الله عنه -: لم أر الشافعي - رضي الله عنه - آكلاً بنهار، ولا نائماً بليل لاهتمامه بالتصنيف، وللعلماء في تصنيف الحديث طريقان:
(1) وهو أحمد بن علي بن ثابت، المعروف الخَطيب البَغْداديّ، أبو بكر، من مؤلفاته: ((تاريخ بغداد))، و((الكفاية في علم الرواية))، و((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع))، (392-463هـ). ينظر: ((طبقات ابن هداية الله))(ص164-166)، و((النجوم الزاهرة))(5: 87-88)، و((معجم الأدباء))(4: 13-45).
(2) ينظر: ((المنتحل)) للثعالبي (ص469)، وآخره، والجهل يلحق أموتاً بأحياء.
(3) انتهى من كلام الإمام النووي في ((المجموع شرح المهذب))(1: 56).
الجزء 1 · صفحة 24
أجودهما: تصنيفه على الأبواب الفقهية: كالكتب الستّة ونحوها، فيذكر في كلّ باب ما حضره ممّا ورَدَ فيه ممَّا يدلّ على حكمه إثباتاً أو نفياً.
الثانية: تصنيفُه على المسانيد، كلّ مسند على حدة، فيجمع في ترجمة كلّ صحابي ما عنده من حديثه، صحيحه، وحسنه، وضعيفه، وعلى هذا له أن يرتِّبَه على الحروف في أسماء الصحابة - رضي الله عنهم -، أو على القبائل، فيبدأ ببني هاشم، ثم الأقرب فالأقرب نسباً إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو على السوابق في الإسلام، فيبدأ بالعشرة ثمّ أهل بدر، ثم الحديبية، ثم المهاجرين بينها وبين الفتح، ثم أصاغر الصحابة - رضي الله عنهم - سناً، ثمّ النساء بادئاً بأمّهات المؤمنين.
ومن أحسن التصنيف تصنيفه معللاً بأن يجمع في كلّ حديث أو باب طرقه واختلاف رواته، فإن معرفةَ العلل أجلّ أنواع الحديث.
ومن طرق التصنيف أيضاً جمعه على الأطراف، فيذكر طرف الحديث الدالّ على بقيته، ويجمع أسانيده إما مستوعباً أو مقيداً بكتب مخصوصة.
ويجمعون أيضاً حديث الشيوخ كلّ شيخ على انفراده: كمالك وسفيان وغيرهما - رضي الله عنهم -.
ويجمعون أيضاً التراجم كمالك عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهم -، وهشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها.
ويجمعون أيضاً الأبواب بأن يُفردَ كلّ باب على حدة بالتصنيف: كرؤية الله تعالى، ورفع اليدين في الصلاة، والقراءة خلف الإمام.
وليحذر من إخراج تصنيفه من يده إلا بعد تهذيبه وتحريره وتكرير النظر فيه.
وليحذر من تصنيفٍ ما لم يتأهّل له.
وينبغي أن يتحرّى في تصنيفه العبارات الواضحة والموجزة، والاصطلاحات المستعملة، ولا يبالغ في الإيجاز بحيث يفضي إلى الاستغلاق، ولا في الإيضاح بحيث ينتهي إلى الركاكة.
الجزء 1 · صفحة 25
وليكن اعتناؤه من التصنيف بما لم يسبق إليه أكثر، قال في ((شرح المهذب)): ((والمرادُ بذلك أن لا يكون هناك تصنيفٌ يُغني عن مصنَّفه من جميع أساليبه، فإن أغنى عن بعضها، فليصنف من جنسه ما يزيد زيادات يحتفل بها مع ضمِّ ما فاته من الأساليب؛ وليكن تصنيفه فيما يعمّ الانتفاع به، ويكثر الاحتياج إليه))(1). اهـ(2). والله الهادي إلى السداد.
وليعلم أن مفاهيمَ الكتب حجّة، بخلاف مفاهيم النصوص من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية؛ لكونها من جوامع الكلم، فتحتمل فوائد كثيرة تقتضي تخصيص المنطوق الذكر؛ ولذا ترى الخلف يستفيدون منها ما لم يدركها السلف، بخلاف الروايات عن الأئمة، فإنه قلَّما يقع فيها تفاوت الأنظار، والمراد مفاهيم المخالفة.
أما مفاهيم الموافقة فمعتبرة مطلقاً، وإنما قلنا بخلاف أكثر مفاهيم النصوص إلا أن من النصوص ما يعتبر مفهومه: كنصّ العقوبة من قوله - جل جلاله -: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون}، فإن أكثرَ أهل السنّة ذكروا من جملة الأدلّة على جواز رؤية الله تعالى في الآخرة هذه الآية الكريمة، حيث جعل الحجبَ عن الرؤية عقوبة للفجار.
فيفهم منه: أن المؤمنين لا يحجبون، وإلا لم يكن ذلك عقوبة للفجّار.
مثال مفاهيم الكتب قول الفقهاء - رضي الله عنهم -: في صلاة الجمعة إنما تجب على الرجال البالغين الأحرار الأصحاء المقيمين بمصر، فيفهم من هذه القيود عدم وجوبها على النِّساء، والصبيان، والأرقاء، والمرضى، والمسافرين، والمقيمين بقرية.
والمفاهيم: جمع مفهوم، وهو دلالة اللفظ على شيء مسكوت عنه، وهو قسمان:
(1) انتهى من ((المجموع شرح المهذب))(1: 57).
(2) انتهى من ((تدريب الراوي))(2: 54-58) باختصار.
الجزء 1 · صفحة 26
القسم الأول: مفهوم الموافقة: وهو أن يكون المسكوت عنه موافقاً للمنطوق في الحكم، وهذا يُسمّى دلالة النصّ، وذلك كقوله - جل جلاله -: {ولا تقل لهما أف}، وقوله - جل جلاله -: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} الآية، فيفهم من الآية الأولى حرمة ضرب الوالدين بالأولوية، ومن الثانية حرمة إحراق أموال اليتامى للمساواة، فإن في كلّ من الأكل والإحراق إتلافاً لها.
القسم الثاني: مفهوم المخالفة: وهو أن يكون المسكوت عنه مخالفة للمنطوق في الحكم، وهو أقسام:
مفهوم الصفة: نحو في الغنم السائمة زكاة: أي غير المعلوفة.
الشرط : نحو قوله - جل جلاله -: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن}: أي فغير أولات الحمل لا يجب الإنفاق عليهن .
الغاية: نحو قوله - جل جلاله -: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره}: أي فإذا نكحته تحلّ للأول بشرطه.
العدد: نحو قوله - جل جلاله -: {فاجلدوهم ثمانين جلدة}: أي لا أكثر من ذلك، وحديث الصحيحين: (( إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات))(1): أي لا أقلّ من ذلك.
اللقب: نحو على زيدٍ حجّ: أي لا عمرو، وفي الغنم زكاة: أي لا في غيرها من الماشية، وهذا القسمُ معتبرٌ عند الإمام الشافعي - رضي الله عنه - إلا مفهوم اللقب.
(1) في ((صحيح مسلم))(1: 234)، و((صحيح البخاري))(1: 75)، وغيرهما.
الجزء 1 · صفحة 27
والحنفية ينفون مفهوم المخالفة بأقسامه في كلام الشارع فقط، وأما في الروايات ونحوها، فمعتبر بأقسامه(1) حتى مفهوم اللقب، وهو تعليق الحكم بجامد، كما تقدم في المثال المذكور هذا، والله اعلم.
المسلك الرابع
في أول بيان مَن ألَّفَ في الإسلام من الأئمة الأعلام
وليعلم أنه اختلف في أوّل مَن صَنَّفَ:
(1) نقلت في كتابي ((المدخل))(ص257-258): عن شيخنا العلامة المفتي محمد تقي الدين العثماني أنه قال في كتابه الماتع النافع ((أصول الإفتاء))(ص257): ومفهوم المخالفة في القرآن والسنة في اعتباره خلاف؛ فعند الشافعية معتبر بجميع أقسامه سوى مفهوم اللقب، وعند الحنفية غير معتبر بمعنى أن النصّ لا يدلّ على نقيض الحكم لغير المنطوق فيبقى المفهوم مسكوتاً عنه، فإن دلّ دليل على أن حكمه حكم المنطوق عمل به، وإن دلّ دليل على أن حكمه مناقض لحكم المنطوق عمل به، وتفصيل ذلك في كتب الأصول.
وأما في كتب الفقه فمفهوم المخالفة معتبر عند الحنفية أيضاً، وكذلك في المعاملات الجارية بين الناس.
وجه الفرق بين النصوص الشرعية والعبارات الفقهية:
إن نصوص القرآن والسنة تحتوي على عبارات بليغة حكيمة فربّما تذكر فيها ألفاظ للتأكيد والتوبيخ والتشنيع والوعظ والتذكير ولا تكون قيداً كقوله - جل جلاله -: {وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً}، فإنّما أضيف لفظ القليل للتشنيع على العمل ولا يدلّ على أن الاشتراء بالثمن الكثير جائز، وكذلك قوله - جل جلاله -: {لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً}، فإنّه يدلّ على أن الربا جائز إذا لم يكن ضعفاً الأصل.
أما كتب الفقه؛ فإن مقصودَها تدوين الأحكام على طريقة قانونية، وليس فيها شيء من التأكيد والتشنيع وغير ذلك فلا بُدّ من اعتبار مفهوم المخالفة فيها.
وقال العلامة ابن عابدين في ((شرح رسم المفتي))(1: 41):
واعمل بمفهوم روايات آتى ما لم يخالف لصريح ثبتا
الجزء 1 · صفحة 28
فقيل: الإمام عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج البصري(1)، المتوفَّى سنة ((خمس وخمسين ومئة)) بمكة، وسفيان بن عُيينة(2)، أو ابن إسحاق(3)، أو مالك بن أنس(4) بالمدينة المنورة.
(1) وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأموي المكي، قال ابن حجر: ثقة فقيه فاضل، وكان يدلِّس ويرسل، (ت150هـ). ينظر: ((طبقات الشيرازي))(ص58)، و((التقريب))(ص304).
(2) وهو سفيان بن عُيَيْنَةَ بن أبي عمران الهلاليّ الكُوفِيّ المَكَّيّ، أبو محمد، قال ابن سعد: كان إماماً عالماً ثبتاً حجَّةً زاهداً ورعاً مجمعاً على صحَّة حديثه وروايته، حجَّ سبعين حجَّة، (107-198هـ). ينظر: ((وفيات الأعيان)) (2: 391-393)، و((التقريب))(ص184).
(3) وهو محمد بن إسحاق بن يَسَار المُطَّلِبيّ المدني، قال الذهبي: كان بحراً من بحور العلم، ذكيَّاً حافظاً طلاَّباً للعلم أخباريَّاً نسَّابةً علاَمة، قال شعبة: هو أمير المؤمنين في الحديث، قال ابنُ حجر: إمام المغازي، صدوق يدلس، ورُمي بالتشيع والقدر، (ت150هـ). ينظر: ((العبر))(1: 216)، و((التقريب))(403).
(4) وهو مالك بن أنس بن مالك الأَصْبَحِيّ الحِمْيَريّ المَدَنِيّ، أبو عبد الله، إمام دار الهجرة، صاحب المذهب المالكي، (93-179هـ). ينظر: ((وفيات))(4: 135-139)، و((طبقات الشيرازي))(ص53-54). ((العبر))(1: 272-273).
الجزء 1 · صفحة 29
وقيل: أبو النصر سعيد أن أبي عروبة(1)، المتوفَّى سنة ((ست وخمسين ومئة))، أو ربيع بن صبيح(2)، المتوفى سنة ((ستين ومئة))، أو حمّاد بن سلمة(3)، أو روح بن عبادة(4) بالبصرة، والأوزاعي(5) بالشام، وعبد الله بن وهب(6) بمصر، ومعمر(7) وعبد الرزّاق(8)
(1) وهو سعيد بن أبي عَرُوبة مِهْران اليَشْكُريّ البصريّ، أبو النضر، قال ابن حجر: ثقة حافظ كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة، (ت156هـ). ينظر: ((التقريب))(ص179).
(2) وهو الربيع بن صَبيح السعدي البصري، قال ابن حجر: صدوق سيء الحفاظ، وكان عابداً مجاهداً، قال الرامهرمزي: هو أول من صنف الكتب بالبصرة، (ت160هـ). ينظر: ((التقريب))(ص146).
(3) وهو حمَّاد بن سَلَمَة بن دينار البَصْرِيّ الرَّبَعي، أبو سَلَمَة، قال الذهبي: كان سيد أهل وقته، (ت167هـ). ينظر: ((تهذيب الكمال))(7: 353-268)، و((العبر))(2: 148).
(4) وهو رَوْح بن عُبادة بن العلاء القَيْسي البصري، أبو محمد، قال الذهبي: ثقة مشهور حافظ من علماء البصرة، قال ابنُ حَجَر: ثقة فاضل، (ت5/207هـ). ينظر: ((التقريب))(ص151)، ((الميزان))(3: 87).
(5) وهو عبد الرحمن بن عمرو بن يُحْمِد الأَوْزَاعِيّ، أبو عمر، إمام أهل الشام، وكان يسكن بيروت، ويقدر ما سئل عنه بسبعين ألف مسألة أجاب عليها، وكانت الفتيا بالأندلس تدور على رأيه إلى زمن الحكم بن هشام. (88-157هـ). ينظر: ((وفيات))(3: 127-128)، و((مرآة الجنان)) (1: 251).
(6) وهو عبد الله بن وهب بن مسلم الفِهْرِي القرشي المصري، أبو محمد، قال ابن حجر: ثقة حافظ عابد فقيه، قال أبو سعد بن يونس: جمع ابن وهب بين الفقه والرواية والعبادة، وله تصانيف كثيرة، (125-197هـ). ينظر: ((التقريب))(ص271)، و((العبر))(1: 322-323).
(7) وهو معمر بن راشد الأزدي البصري، أبو عروة، قال ابن حجر: ثقة ثبت فاضل، (ت154هـ). ينظر: ((التقريب))(ص473).
(8) وهو عبد الرزاق بن همّام بن نافع الحِمْيَري الصَّنْعَاني، أبو بكر، قال ابن السَّمْعَاني: قيل ما رحل الناس إلى أحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل ما رحلوا إليه، له: ((المصنف))، (126-211هـ). ينظر: ((وفيات الأعيان)) (3: 216)، و((الأعلام))(4: 126).
الجزء 1 · صفحة 30
باليمن، وسفيان الثوري(1)، ومحمد بن فضيل بن غزوان(2) بالكوفة، وهشيم(3) بواسط، وجرير بن عبد الحميد(4) بالري، وعبد الله بن المبارك(5) بخراسان.
قيل: هؤلاء المذكورون في أول مَن جَمَعَ كلّهم في أثناء المئة الثانية، وأمّا ابتداء تدوين الحديث، فإنه وقع عن رأس المئة في خلافة عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - بأمره.
(1) وهو سُفْيان بن سعيد بن مسروق الثَّوْرِي الكوفي، أبو عبد الله، قال ابن معين: سفيان أمير المؤمنين في الحديث، (95-161هـ). ينظر: ((وفيات))(2: 386-391)، ((مرآة الجنان))(1: 345-347).
(2) وهو محمد بن فُضَيْل بن غَزْوان الضَّبِّي الكوفي، أبو عبد الرحمن، قال ابن حجر: صدوق عارف، رمي بالتشيع، (ت195هـ). ينظر: ((التقريب))(ص437).
(3) وهو هُشَيْم بن بشير بن القاسم بن دينار السُّلَمِيّ الواسطي، أبو معاوية، قال يحيى القطان: هو أحفظ من رأيت بعد سفيان وشعبة، وقال ابن مهدي: هشيم أحفظ للحديث من الثوري، (ت183هـ). ينظر: ((العبر))(1: 286)، و((التقريب))(ص504).
(4) وهو جرير بن عبد الحميد بن قُرْط الضَّبِّيّ الكوفي، نزيل الري وقاضيها، قال ابن حجر: ثقة صحيح الكتاب، (ت188هـ). ينظر: ((التقريب))(ص78).
(5) وهو عبد الله بن المبارك بن واضح الحَنْظَلي بالولاء التَّميمي المروزي، أبو عبد الرحمن، قال شعبة: ما قدم علينا مثله، وقال الذهبي: كان رأساً في الذكاء، رأساً في الشجاعة والجهاد، رأساً في الكرم. من مصنَّفاته: ((الجهاد))، و((الرَّقائق))، (118-181هـ). ينظر: ((وفيات))(3: 3234)، و((العبر))(1: 280-281)، و((المستطرفة))(37).
الجزء 1 · صفحة 31
ففي ((صحيح البُخاري)) في ((باب العلم)): ((كتب عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - إلى أبي بكر الصديق بن حزم(1) أنظر ما كان من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاكتبه، فإنّي أخاف دروس العلم، وذهاب العلوم))(2).
وأخرجَه أبو نُعيم في ((تاريخ أصبهان)) بلفظ: ((كتب عمرُ بن عبد العزيز - رضي الله عنه - إلى الآفاق أنظروا حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاجمعوه))(3).
قال في ((فتح الباري)): ((يُستفاد من هذا ابتداء تدوين الحديث النبوي))(4).
ثمّ أفاد(5) أن أوّل مَن دوَّنَ باْمر عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - ابن شهاب الزهري - رضي الله عنه -(6).
وكان مطمح نظرهم بالتدوين ضبط القران والحديث ومعانيهما.
(1) وهو وهو محمد بن عمرو بن حَزْم الأنصاري، أبو عبد الملك المدني، له رؤية وليس له سماع إلا من الصحابة - رضي الله عنهم -، قتل يوم الحرة سنة (63هـ). ينظر: ((التقريب))(ص433).
(2) في ((صحيح البخاري))(1: 49)، وتمامه: ((ولا تقبل إلا حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يعلم مَن لا يعلم، فإن العلمَ لا يهلك حتى يكون سراً)).
(3) انتهى من ((تاريخ أصبهان))(1: 159).
(4) انتهى من ((فتح الباري))(1: 163). وينظر: ((عمدة القاري))(2: 129).
(5) أي ابن حجر في ((فتح الباري))(1: 181).
(6) وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله الزُّهْريّ القُرَشِيّ، أبو بكر، قال ابن عبد العزيز: لم يبق أعلم بسنة ماضية من الزهري، (51-124هـ). ينظر: ((طبقات الشيرازي))(ص47-48)، و((الإمام الزهري وأثره في السنة))(ص260-261).
الجزء 1 · صفحة 32
ثمّ دوَّنوا فيما هو كالوسيلة إليهما من النحو والصرف وغيرهما، فأوّل مَن ألَّف في النحو أبو الأسود الدؤلي(1)، قالوا: إنه وضعه بإشارة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ، لَمّا رأى الملكة تغيَّرت فخافَ عليها الضياع، فأشارَ عليه بحفظها فعمد إلى ضبطها بالقوانين التي استنبطها من كلام فصحاء العرب وبلغائهم، وهم الذين لم يخالطوا غيرهم : كهذيل، وكنانة، وبعض تميم وقيس عيلان ومَن يضاهيهم من عرب الحجاز وأوساط نجد.
وأمّا أوّل مَن دوّن في الصرف، فقيل: أبو عثمان المازني(2)، وكان قبل ذلك مندرجاً في النحو، هذا والله أعلم.
المسلك الخامس
في الوقت المناسب للاشتغال بالتأليف
وترتيب الأوقات بأسلوب لطيف
(1) وهو ظالم بن عمرو بن سفيان الدِّيلي، ويقال: الدُّؤلي، المشهور بأبي الأسود الدُّؤلي، تابعياً صحب علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وهو أول من وضع النحو، (ت69هـ). ينظر: ((معجم الأدباء))(12: 34-38)، و((وفيات))(2: 535-539).
(2) وهو بكر بن محمد بن بقية المازني البصري، أبو عثمان، من مؤلفاته: ((علل النحو))، و((كتاب ما تلحن فيه العامة))، و((كتاب التصريف))، (ت248هـ). ينظر: ((معجم المؤلفين))(1: 443).
الجزء 1 · صفحة 33
قال العلامةُ الحافظُ أبو الفرج جمالُ الدين عبدُ الرحمن الجوزيّ الحنبليّ(1) في كتابه المسمَّى ((صيد الخاطر)): ((رأيتُ من الرأي القويم أن نفعَ التصانيف أكثر من نفع التعليم بالمشافهة؛ لأني أشافه في عمري عدداً من المتعلمين، وأشافه بتصانيفي خلقاً لا يحصون ما خلقوا بعد.
ودليل هذا أن انتفاع الناس بتصانيف المتقدّمين أكثر من انتفاعهم بما يستفيدونه من مشايخهم، فينبغي للعالم أن يتوفر على التصانيف إن وفّق للتصنيف المفيد، فإنه ليس كلّ مَن صَنَّفَ صَنَّف، وليس المقصود جمع شيء كيف كان، وإنّما هي أسرار يطّلع الله - عز وجل - عليها مَن شاء من عباده، ويوفِّقه لكشفها، فيجمع ما فُرِّق أو يرتِّب ما شتّت، أو يشرح ما أهمل، هذا هو التصنيف المفيد.
وينبغي اغتنام التصنيف في وسط العمر؛ لأن أوائلَ العمر زمن الطلب وآخره كلال الحواس، وربّما خان الفهم والعقل من قدر عمره، وإنما يكون التقدير على العادات الغالبة لا أنه يعلم الغيب، فيكون زمان الطلب والحفظ والتشاغل إلى الأربعين، ثم يبتدئ بعد الأربعين بالتصنيف والتعليم، هذا إذا كان بلغ ما يريد من الجمع والحفظ، وأعين على تحصيل المطالب.
فأمّا إذا قَلَّت الآلات عنده من الكتب، أو كان في أول عمره ضعيف الطلب، فلم ينل ما يريده هذا الأوان، أخَّرَ التصانيف إلى تمام خمسين سنة، ثمّ ابتدأ بعد الخمسين في التصنيف والتعليم إلى رأس الستين.
(1) وهو عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القُرْشِيّ التَّيْمِي البَكْرِي البَغْدَادِيّ الحَنْبَلِيّ الواعظ، أبو الفرج، جمال الدِّين، حكي مرَّة أن مجلسه حُزِرَ بمئة ألف، من مؤلفاته: ((زاد المسير في علم التفسير))، و((المنتظم))، و((الموضوعات))، (508-597). ينظر: ((وفيات))(3: 140-142)، و((مرآة الجنان))(3: 489-492)، و((تذكرة الحفاظ))(4: 1342).
الجزء 1 · صفحة 34
ثم يزيد فيما بعد الستين في التعليم، ويسمع الحديث والعلم ويعلل التصانيف إلى أن يقع منهم إلى رأس السبعين، فإذا جاوز السبعين جعل الغالب عليه ذكر الآخرة، والتهيؤ للرحيل، فيوفّر نفسه على نفسه إلا من تعليم يحتسبه أو تصنيف يفتقر إليه، فذلك أشرف العدد للآخرة)).اهـ(1).
ونقل عن أبي القاسم الجنيد - رضي الله عنه - قال: دخلت على بعض أكابر الطريق فوجدته يكتب، فقلت له: إلى متى هذه الكتابة فمتى للعمل؟ فقال: يا أبا القاسم أو ليس هذا عمل؟ فسكتّ ولم أدر ما أجيبه.
وقيل لعبد الله بن المبارك: إلى متى تكتب كلّ ما تسمع؟ فقال: لعل الكلمة التي تنفعني لم أسمعها بعد.
وقد يوفّق الله - جل جلاله - بعض طلاب العلم في أوان الطلب للتأليف قبل بلوغهم السنّ المذكور من الأربعين أو الخمسين، وذلك لَمّا يخلق الله - جل جلاله - فيهم الرغبة والنشاط والهداية للسلوك إلى سواء الصراط، وكأنّهم يحبّون التشبّه بأهل الكمال ولله در مَن قال:
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالكرم فلاح(2)
فهذا الشيخُ عبدُ الرحمن الأخضري(3)، مؤلّف ((متن السلّم)) في المنطق ألّفه وهو ابن إحدى وعشرين سنة، كما يفهم من نظمه فيه إذ قال:
ولبني إحدى وعشرين سنة ... معذرة مقبولة مستحسنة
لا سيما في عاشر القرون ... ذي الجهل والفساد والفتون(4)
(1) انتهى من ((صيد الخاطر))(ص75-76).
(2) نسبه ياقوت الحموي في ((معجم الأدباء))(ص5181) وابن خلكان في ((وفيات الأعيان))(ص4863) والصفدي في ((الوافي بالوفيات))(ص1491) إلى شهاب الدين أبو الفتوح يحيى بن حبش السهورودي الشافعي.
(3) وهو عبد الرحمن بن محمد بن محمد الأخضري النطيوسي المغربي المالكي، من مؤلفاته: ((السلم))، وشرحه، و((الجوهر المكنون في ثلاثة فنون))، و((الدرة البيضاء في أحسن الفنون والأشياء))، (918-983هـ). ينظر: ((معجم المؤلفين))(2: 119).
(4) ينظر: ((السلم)) وشرحه للأخضري (ص40).
الجزء 1 · صفحة 35
كما وقع للعبد الفقير بعض التأليف وهو بهذا السنّ المزبور، وأغرب ممّا وقع لنا بكثير ما حصل لابن الحاجب(1) النحرير من ((نظمه جمل الخونجي))، وهو ابنُ ستّ سنين، كما صرّحَ بذلك في نظمه.
والخُوْنَجي(2): وهو القاضي أفضل الدين ـ بضم الخاء المعجمة وسكون الواو وفتح النون نسبة لخونجه ككورجه بلدة، كما في ((القاموس))، قال الباجوري(3): والمسموع من أفواه المشايخ الخَونجي ـ بفتح الخاء والواو وسكون النون ـ.
المسلك السادس
في المفاضلة بين المتقدِّمين والمتأخِّرين
قيل في الفرق بين السلف والخلف: إن السَّلَفَ مَن كانوا إلى الخمسمئة.
وقيل: القرون الثلاثة الصحابة والتابعين وأتباع التابعين - رضي الله عنهم -، والخلف من كانوا بعد الخمسمئة.
(1) وهو عثمان بن عمر بن أبي بكر الدّوَني الكردي الأَسْناوي المصري المالكي الأصولي النحوي، أبو عمرو، جمال الدين، من مؤلفاته: (( مختصر منتهى السَّول والأمل في علمي الأصول والجدل))، ((الكافية))، و((الشافية))، و((جامع الأمهات))، (570-646هـ). ينظر: ((وفيات))(3: 248-250)، و((مرآة الجنان))(3: 114)، و((الكشف))2: 1370، 1853).
(2) وهو محمد بن ناماور بن عبد الملك الخونجي، قاضي القضاة، أفضل الدين، أبو عبد الله، قال ابن شهبة: طلب وحصّل وبالغ في علوم الأوائل حتى تفرد برئاسة ذلك في زمانه، وولي القضاء بالديار المصرية، والتدريس بالصالحية، وأفتى وناظر، وقال أبو شامة: كان حكيماً منطقياً. وقال عز الدين: كان أحد الفضلاء المشهورين. ومن مؤلفاته: ((الموجز)) و((الجمل))، (590-646هـ). ينظر: ((طبقات ابن شهبة))(1: 90).
(3) وهو إبراهيم بن محمد بن أحمد الباجوري الشافعي، شيخ الجامع الأزهر ، من مؤلفاته: ((حاشية على مختصر السنوسي))، و((تحفة المريد على جوهرة التوحيد))، و((حاشية على أم البراهين والعقائد للسنوسي))، ( 1198 – 1277هـ). ينظر: ((الأعلام))(1: 116)، و((معجم المؤلفين))(1: 84)، وغيرها.
الجزء 1 · صفحة 36
وقيل: مَن بعد القرون الثلاثة.
وفي ((ميزان الاعتدال)) للإمام الذهبي(1): ((الحدُّ الفاصلُ بين المتقدِّمين والمتأخِّرين وهو رأس ستة ثلاثمئة))(2).
قال صاحبُ ((كشف الظنون)): ((اعلم أن نتائجَ الأفكار لا تقف عند حدٍّ وتصرفات النظّار لا تنتهي إلى غاية، بل لكلّ عالم ومتعلّم حظٌّ يحرزه في وقته المقدّر له، وليس لأحد أن يزاحمَه فيه؛ لأن العالَمَ المعنوي واسع: كالبحر الزاخر، والفيض الإلهي ليس له انقطاع ولا آخر، والعلوم منح إلهية، ومذاهب صمدانية.
(1) وهو محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز التُّرْكُماني الأصل الفاروقي الدِّمَشْقِيّ الذَّهَبِيّ الشَّافِعِيّ، أبو عبد الله، شمس الدين، من مؤلفاته: ((سير اعلام النبلاء))، و((العبر))، ((تاريخ الإسلام))، (673-748هـ). ينظر: ((الدر الكامنة))(3: 336-338)، و((فوات الوفيات))(3: 315-316)، و((طبقات الأسنوي))(1: 282-273).
(2) انتهى من ((ميزان الاعتدال))(ص274). قال اللكنوي في ((مقدمة عمدة الرعاية))(1: 15): ((المرادُ بالمتقدِّمين من فقهائنا هم الذين أدركوا الأئمّة الثلاثة، ومَن لم يدركهم فهو من المتأخِّرين، هذا هو الظاهر من إطلاقاتهم في كثيرٍ من المواضع، وذكرَ عبد النبيّ الأحمدنكَري في ((جامع العلوم)) نقلاً عن صاحب ((الخيالات اللطيفة)): إنَّ الخلفَ عند الفقهاء من محمّد بن الحسن إلى شمسِ الائمّة الحَلْوَانِي، والسلفُ من أبي حنيفة إلى محمّد، والمتأخِّرون من الحَلْوانِيّ (ت456هـ) إلى حافظِ الدين البُخاريّ (ت693هـ).انتهى. ... ويخدش ما ذكره عبد النبيّ أنّهم كثيراً ما يطلقون المتأخّرين على مَن قبل الحَلْوانيّ؛ فقد قال في ((الهداية)) (1: 129): ((هذا مختار بعض المتأخّرين)). انتهى. قال في ((العناية))(2: 287): منهم أبو عبد الله الجُرْجانيّ، والإمام الرُّسْتُغَفنِيّ. انتهى. وكلاهما متقدم على الحَلْوانيّ)).
الجزء 1 · صفحة 37
نقل عن الشيخ محيي الدين ابن العربي(1): أنه بكى في يوم من الأيام فسأله مَن حضره عن سبب بكائه، فقال: مسألة اعتقدتها منذ ثلاثين سنة تبيَّن لي الساعة بدليل لاح لي أن الأمر على خلاف ما كان عندي، فبكيت وقلت: لعلّ الذي لاح ثانياً أيضاً يكون مثل الأول، فالعلم ليس له حدٌّ، فليس مستبعدٌ أن يدخر لبعض المتأخّرين ما لم يدّخر لكثير من المتقدّمين، فلا تغتر بقول القائل: ما ترك الأول للآخر، بل القول الصحيح الظاهر: كم ترك الأول للآخر، فإنما يستجاد الشيء ويسترذل؛ لجودته ورداءته، لا قدومه وحدوثه.
ويقال: ليس كلمة أضرّ بالعلم من قولهم: ما ترك الأول شيئاً؛ لأنه يقطع الآمال عن العلم، ويحمل على التقاعد عن التعلم، فيقتصر الآخر على ما قدَّم الأول من الظاهر، وهو خطر عظيم وقول سقيم، فالأوائل وإن فازوا باستخراج الأصول وتمهيدها، فالأواخر فازوا بتفريع الأصول وتشييدها كما قال - صلى الله عليه وسلم -: ((أمتي أمة مباركة لا يدري أولها خير أو آخرها))(2).
(1) وهو محمد بن علي بن محمد ابن عربي الحاتمي الطائي الأندلسي المالكي الصوفي، أبو بكر، محيي الدين، من مؤلفاته: ((الفتوحات المكية في معرفة أسرار المالكية والملكية))، و((جامع الأحكام في معرفة الحلال والحرام))، و((فصوص الحكم))، قال اليافعي: إن أعظم ما يطعن الطاعنون فيه بسبب كتابه الموسوم بـ((فصوم الحكم)): وبلغني أن الإمامَ العلامة ابن الزملكاني شرح كتابه المذكور، ووجهه توجيهاً نفى عنه ما يظن من المحظور، ويخشى من الوقوع في المحذور. (560-638هـ). ينظر: ((مرآة الجنان))(4: 100-101)، ((النجوم الزاهرة))(6: 339-340).
(2) في ((تاريخ دمشق))(26: 286)، قال العجلوني في ((كشف الخفاء))(ر596): رواه ابن عساكر عن عمرو بن عثمان مرسلاً.
الجزء 1 · صفحة 38
وقال ابنُ عبد ربّه(1) في ((العقد الفريد)): إني رأيت آخر كلّ طبقة واضعي كلّ حكمة، ومؤلفي كلّ أدب أهذب لفظاً وأسهل لغة وأحكم مذاهب وأوضح طريقة من الأول؛ لأنه ناقض متعقّب، والأول بادئ متقدّم.
ولا يخفى أن كتبَ المتأخّرين تفوق كتب المتقدّمين في الضبط والاختصار وجزالة الألفاظ وجمع المسائل؛ لأن المتقدّمين كان مصرف أذهانهم إلى استنباط المسائل، وتقويم الدلائل، فالعالم المتأخّر يصرف ذهنه إلى تنقيح ما قالوه، وتبيين ما أجملوه، وتقييد ما أطلقوه، وجمع ما فرّقوه، واختصار عباراتهم، وبيان ما استقرّ عليه الأمر من اختلافاتهم فهو كماشطة عروس، كما ربّاها أهلها حتى صلحت للزواج، تزيّنها وتعرضها على الأزواج(2). اهـ.
ولهذا ترى كل متأخّر يدعي فوقان تأليف مَن تقدّمه، كما قال القائل:
وإني وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل(3)
(1) وهو أحمد بن محمد بن عبد ربه القرطبي، أبو عمر، من مؤلفاته: ((العقد الفريد))، و((ديوان شعر))، واللباب في معرفة العلم والآداب، و((أخبار فقهاء قرطبة))، (246-328هـ). ينظر: ((معجم المؤلفين))(1: 271-272).
(2) لم أقف على هذا النقل من ((العقد الفريد)) لا في نسخة الموسوعة الشعرية، ولا في نسخة موقع الوراق، والله أعلم.
(3) قائله أبو العلاء المعري، كما في ((الحماسة المغربية))للجراوي (ص411)، ((معجم الأدباء))(ص4298)، وغيرهما.
الجزء 1 · صفحة 39
فهذا ابنُ مالك(1) صاحب ((الخلاصة)) قال:
وتقتضي رضا بغير سخط ... فائقة ألفية ابن المعطي(2)
حكي أن ابنَ مالك لَمَّا وَصَل إلى قوله: وتقتضي رضا بغير سخط. قال: هنا فائقة منها بكل بيت. فوقف ولم يستطع الزيادة مدّة ثم رأى في المنام شخصاً لم يعرف أنه ابن معطي فقال له: إني أنظم ألفية، قال اسمعني فقرأ الأبيات إلى أن قال فائقة منها بألف بيت.
فقال: كَمِلْ. قال: لم أستطع الزيادة. فقال: أكمله لك. قال: نعم. فقال: والحي قد يغلب ألف ميت. فعرف أنه ابن معطي فرجع عن هذا وقال: وهو بسبق حائز تفضيلا...الخ.
(1) وهو محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك النحوي الطائي الجَيَّانِيّ الشافعي، أبو عبد الله، جمال الدين، وقد صرف همَّته إلى النحو حتى بلغ فيه الغاية، وصنَّف التصانيف المفيدة، وكان إماماً في القراءات، وصنَّفَ فيها أيضاً قصيدة مرموزة في مقدار الشاطبية، وكان إماماً في اللغة، من مؤلفاته: ((الألفية))، ((تسهيل الفوائد))، و((الكافية الشافية))، (600-672هـ). ينظر: ((مرآة الجنان))(4: 172-173)، و((النجوم الزاهرة))(7: 243-244)، و((الكشف))(1: 151).
(2) وهو يحيى بن عبد المعطي بن عبد النور الزواوي الحنفي النحوي، من مؤلفاته: ((الفصول الخمسون)) في النحو، و((ألفية ابن معطي))، و((منظومة في القراءات السبع))، و((البديع في صناعة الشعر)) (ت628هـ). ينظر: ((مرآة الجنان))(4: 66)، و((الكشف))(2: 1269)، و((معجم المؤلفين))(4: 103-104).
الجزء 1 · صفحة 40
وقوله: بألف بيت جعلها فائقة عليها بكلّ بيوتها، ثم جاء الجلال السُّيوطيّ(1) ونظم ألفية زاد فيها على هذه كثيراً وقال في أولها: فائقة ألفية ابن مالك.
ثم ألف الأجهوري المالكي(2) ألفية زاد فيها على السُّيوطيّ وقال: فائقة ألفية السُّيوطيّ، فسبحان المنفرد بالكمال الذي تنزّه عن العيب والاختلال.
وقال بعضُ العلماء: الفضل للأول السابق شرعاً وعرفاً:
أما شرعاً؛ فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((خير القرون قرني ثم الذين يلونهم))(3).
وأما عرفاً؛ فلما قيل :
كالبحر يمطره السحاب وماله ... فضل عليه لأنه من مائه(4)
وقيل :
فلو قَبْلَ مبكاها بكيتُ صبابةً ... بسُعْدي شَفَيْتُ النَّفْسَ قَبْلَ التندُّم
(1) وهو عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السُّيُوطِيّ الطولوني الشَّافِعِيّ، أبو الفضل، جلال الدين، وقد نافت تأليفاته عن الألف، من مؤلفاته: ((الإعلام بحكم عيسى - عليه السلام -))، و((الإكليل في استنباط التنزيل))، و((البهجة المرضية شرح الألفية))، (849-911هـ). ينظر: ((الضوء اللامع))(3: 65-70)، و((النَّور السَّافر))(ص51).
(2) لعله: علي بن محمد بن عبد الرحمن الأجهوري المصري المالكي، نور الدين، أبو الإرشاد، من مؤلفاته: ((مواهب الجليل في تحرير ما حواه مختصر خليل))، و((شرح على منظومته في العقائد))، و((شرح ألفية الوافي في الحديث))، (967-1066هـ). ينظر: ((معجم المؤلفين))(2: 510).
(3) في ((صحيح البخاري))(2: 938)، و((صحيح مسلم))(4: 1963)، وغيرهما.
(4) نسبه ابن تغردى بردى في ((النجوم الزاهرة))(ص3058) وابن حجة الحموي في ((ثمرات الأوراق في المحاضرات))(ص154) إلى البديع الأسطرلابي هبة الله بن الحسن؛ إذ أهدى هدية لبعض الملوك وقال:
أهدي لمجلسك الشريف وإنما
أهدي له ما حزت من نعمائه
كالبحر يمطره السحاب وما له
من عليه لأنه من مائه
الجزء 1 · صفحة 41
ولكن بَكَتْ قَبْلي فهيَّج لي البكا ... بُكاها فقلتُ الفضل للمتقدِّم(1)
فالمتأخّر لا يبلغ من الرسوخ فيعلم ما بلغه المتقدّم، وحسبك من ذلك أهل كلّ علم عملي أو نظري، فأعمال المتقدِّمين في إصلاح دينهم ودنياهم على خلاف أعمال المتأخّرين، وعلومهم في التحقيق أقعد.
فتحقّق الصحابة - رضي الله عنهم - بعلوم الشريعة ليس كتحقّق التابعين، والتابعون ليس كتابعيهم، وهكذا إلى الآن(2)
(1) نسبه في ((الحماسة البصرية))(ص901) و((الحيوان)) للجاحظ(ص1249) إلى نصيب بن رباح، وينظر: ((الأشباه والنظائر من أشعار المتقدمين والجاهلين والمخضرمين)) للخالديان (ص2)،
(2) وفي هذا المعنى اللطيف يقول الحافظ ابنُ رجب الحنبلي في ((فضل السلف على الخلف))(ص28-33): ((وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض مَن توسَّع في القول من المتأخرين أنه أعلم ممَّن تقدم:
فمنهم: مَن يظنّ في شخص أنه أعلم من كلّ مَن تقدَّمَ من الصحابة - رضي الله عنهم - ومن بعدهم لكثرة بيانه ومقاله.
ومنهم: مَن يقول هو أعلم من الفقهاء المشهورين المتبوعين.
وهذا يلزم منه ما قبله؛ لأن هؤلاء الفقهاء المشهورين المتبوعين أكثر قولاً ممّن كان قبلهم، فإذا كان مَن بعدهم أعلم منهم لاتساع قوله، كان أعلم ممَّن كان أقلّ منهم قولاً بطريق الأولى: كالثوري والأوزاعي والليث وابن المبارك وطبقتهم، وممن قبلهم من التابعين والصحابة - رضي الله عنهم - أيضاً.
فإن هؤلاء كلهم أقلّ كلاماً ممّن جاء بعدهم، وهذا تنقص عظيم بالسلف الصالح وإساءة ظنّ بهم ونسبته لهم إلى الجهل، وقصور العلم، ولا حول ولا قوة إلا باللَه، ولقد صدق ابن مسعود - رضي الله عنه - في قوله في الصحابة - رضي الله عنهم -: إنهم أبرّ الأمة قلوباً، وأعمقها علوماً، وأقلّها تكلفاً. وروي نحوه عن ابن عمر أيضاً.
وفي هذا إشارة إلى أن مَن بعدهم أقلّ علوماً وأكثر تكلفاً.
وقال ابن مسعود - رضي الله عنه - أيضاً: إنكم في زمان كثير علماؤه، قليل خطباؤه، وسيأتي بعدكم زمان قليلٌ علماؤه كثيرٌ خطباؤه، فمَن كثر علمه، وقلّ قوله، فهو الممدوح، ومَن كان بالعكس فهو مذموم.
وقد شهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل اليمن بالإيمان والفقه، وأهل اليمن أقل الناس كلاماً وتوسعاً في العلوم لكن علمهم علم نافع في قلوبهم، ويعبرون بألسنتهم عن القدر المحتاج إليه من ذلك.
وهذا هو الفقه والعلم النافع فأفضل العلوم في تفسير القرآن ومعاني الحديث والكلام في الحلال والحرام ما كان مأثوراً عن الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى أن ينتهي إلى أئمة الإسلام المشهورين المقتدى بهم الذين سميناهم فيما سبق.
فضبط ما روي عنه في ذلك أفضل العلوم مع تفهمه وتعقله والتفقه فيه، وما حدث بعدهم من التوسع لا خير في كثير منه، إلا أن يكون شرحاً لكلام يتعلّق من كلامهم، وأمّا ما كان مخالفاً لكلامهم فأكثره باطل أو لا منفعة فيه.
وفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة فلا يوجد في كلام مَن بعدهم من حقّ إلا وهو في كلامهم موجود بأوجز لفظ، وأخصر عبارة، ولا يوجد في كلام مَن بعدهم من باطل إلا وفي كلامهم ما يبيِّن بطلانه لمَن فهمه وتأمله، ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة والمآخذ الدقيقة ما لا يهتدي إليه مَن بعدهم ولا يلم به.
فمَن لم يأخذ العلم من كلامهم فاته ذلك الخير كلّه مع ما يقع في كثير من الباطل متابعة لمَن تأخر عنهم.
ويحتاج مَن أراد جمع كلامهم إلى معرفة صحيحة من سقيمه، وذلك بمعرفة الجرح والتعديل والعلل فمَن لم يعرف ذلك فهو غير واثق بما ينقله من ذلك، ويلتبس عليه حقه بباطله. ولا يثق بما عنده من ذلك كما يرى مَن قلّ علمه بذلك لا يثق بما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن السلف لجهله بصحيحه من سقيمه، فهو لجهله يجوز أن يكون كلّه باطلاً لعدم معرفته بما يعرف به صحيح ذلك وسقيمه...)).
الجزء 1 · صفحة 42
، ومَن طالع سيرهم وأقوالهم وحكاياتهم أبصر العجب في هذا المعنى.
وأقول في المفاضلة بينهما بطريق الإنصاف، من دون تعصُّب واعتساف لكلّ منهما فضلٌ كبيرٌ، وإحسانٌ جليٌ شهير، كما قال القائل:
سبقوا إلى المعنى فجئنا بعدهم ... زدنا على المعنى فكلّ محسن
وفي كتاب ((جامع بيان العلم وفضله))(1) للحافظ ابن عبد البرّ(2) عن علي - رضي الله عنه - أنه قال في خطبةٍ خطبَها: ((واعلموا أنّ الناسَ أبناءُ ما يحسنون، وقدر كلّ امرءٍ ما يحسن فتكلّموا في العلم تتبيّن أقداركم)).
قال ابنُ عبد البرّ: ((ويقال إنّ قولَ علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: قيمة كلّ امرء ما يحسن لم يسبقه إليه أحد، وقالوا: ليس كلمةٌ أضرّ بالعلم والعلماء من قول القائل ما ترك الأول للآخر شيئاً))(3).
وقد دلّ قوله - جل جلاله -: {تعلمونهن ممّا علمكم الله فكلوا مما امسكنّ عليكم}، على أن للكلب المعلَّم فضيلةٌ على غيره من سائر الكلاب، فالإنسانُ إذا كان له علم فأولى أن يكون له فضل على غيره وما أحسن ما قيل:
فافخر بعلم ولا تُجهِّل به أحداً ... فالناسُ موتى وأهلُ العلم أحياء
وقيمةُ المرء ما قد كان يحسنه ... والجاهلون لأهل العلم أعداء(4)
(1) جامع بيان العلم))(ر453).
(2) وهو يوسف بن عبد البر بن محمد النمري القُرْطُبِيِّ المَالِكِيِّ، قال الباجي: لم يكنْ بالأندلس مثلُهُ في الحديث، وقال ابنُ حزمٍ: لا أعلمُ في الكلامِ على فقهِ الحَدِيث مثلُهُ، من مؤلفاته: ((الاستذكار))، و((التمهيد))، و((الاستيعاب في أحوال الأصحاب))، (368-463هـ). ينظر: ((وفيات الأعيان)) (7: 66-71)، و((الكشف))(1: 81)، و((مقدمة التعليق الممجد)) (ص22).
(3) انتهى من ((جامع بيان العلم))(ر453).
(4) وقال محمد بن ربيع الموصلي:
الناس في صورة التّشبيه أكفاءُ
أبوهُمُ آدمٌ والأُمُّ حوَّاءُ
فإن يكن لهُم في أصلها شَرَفٌ
يفاخرون به فالطِّين والماءُ
ما الفضل إلا لأهل العلم إنهمُ
على الهُدَى لمن استهدَى أَدلاّءُ
ووَزْنُ كل امرئ ما كان يُحسنه
والجاهلون لأهل العلم أعداءُ
الجزء 1 · صفحة 43
قال ابن الجوزي(1): ((وينبغي للإنسان أن يسعى في تحصيل ذرية تذكر الله بعده فيكون الأجر له، أو أن يصنّف كتاباً من العلم، فإن تصنيفَ العالم ولده المخلد)).
المسلك السابع
في أقسام التدوين وأصناف المدونات
قال الملا كاتب جلبي: ((اعلم أنّ كتبَ العلم كثيرةٌ لاختلاف أغراض المصنِّفين في الوضع والتأليف، ولكن تنحصر من جهة المعنى في قسمين:
الأول: إمّا أخبار مرسلة، وهي كتب التواريخ، وإما أوصاف وأمثال ونحوها، قيدها النظم، وهي دواوين الشعر.
والثاني: قواعد علوم، وهي تنحصر من جهة المقدار إلى ثلاثة أصناف:
الأول: مختصرات تجعل تذكرة لرؤوس المسائل ينتفع بها المنتهي للاستحضار، وربما أفادت بعض المبتدئين الأذكياء لسرعة هجومهم على المعاني من العبارات الدقيقة.
والثاني: مبسوطات تقابل المختصرات، وهذه ينتفع بها للمطالعة.
والثالث: متوسّطات، وهذه نفعها عام(2)
(1) في ((صيد الخاطر))(ص4).
(2) ومن تمام الفائدة التمثيل على كلّ نوع من هذه الأصناف الثلاثة في العلوم، وقد ذكرت ذلك في ((ومضات النور في طلب العلم المبرور))، واعتمدت فيه على كلام الغزالي في ((الإحياء))(1: 43)، وساجقلي زاده في ((ترتيب العلوم))(ص211-216)؛ إذ عبرا عن المختصرات بالاقتصار، والمتوسطات بالاقتصاد، والمطولات بالاستقصاء، وهي على النحو التالي:
فالاقتصار في التفسير ما يبلغ ضعف القرآن أي مثله في المقدار كـ((الوجيز)) للواحدي، والاقتصاد ثلاثة أضعاف القرآن كـ((الوسيط)) للواحدي، وما وراء ذلك استقصاء.
وهذه المراتب الثلاث تكون في شروح الأحاديث أيضاً.
والاقتصار في الحديث تحصيل ما في الصحيحين من الأحاديث بتصحيح نسخته على رجل خبير بعلم متن الحديث، بحيث يقدر على طلب ما يحتاج إليه وقت الحاجة، ولا يلزم حفظ متون الحديث كما لا يلزم حفظ أسامي الرجال، والاقتصاد فيه أن تضيف إلى ما في الصحيحين الأحاديث المذكورة في المسندات الصحيحة، والاستقصاء فما وراء ذلك إلى استيعاب كل ما نقل من الضعيف والقوي، ومعرفة أحوال الرجال وأساميهم.
والاقتصار في نظم القرآن بمعرفة رواية واحدة متواترة عن الأئمة المشهورين كرواية حفظ عن عاصم، والاقتصاد فيه أن يعرفه بجميع الروايات المتواترة عن الأئمة المشهورين، والاستقصاء فيه أن يضم إلى ذلك معرفة القراءات الشاذة، ولا يلزم الحفظ في هذه المراتب بل يكفي تصحيح المصحف على رجل حافظ خبيرة.
والاقتصار في العقيدة بمعرفة عقائد أهل السنة المنقولة عن السلف لا غير بلا اشتغال بالدليل، والاقتصاد فيها معرفتها مع أدلة نقلية أو عقلية بحيث يتمكن من مناظرة المبتدع ونزع شبهته من قلب العامي( ).
والاقتصار في الفقه فيكون بمثل ((مختصر القدوري))، والاقتصاد فيه بمثل ((الهداية))، وما وراء ذلك استقصاء مثل ((فتاوى قاضي خان))، و((الخلاصة)).
والاقتصار في علم البلاغة مثل ((التلخيص))، والاقتصاد مثل ((الإيضاح))، وما زاد على ذلك استقصاء، كما تضمنته الشروح.
والاقتصار في المنطق مثل ((ايساغوجي)) مع شرح للحسام كاتي، والاقتصاد فيه ((الشمسية)) مع شرحه للقطب، وما زاد على ذلك استقصاء.
والاقتصار في النحو مثل ((الأنموذج))، والاقتصاد فيه ((الكافية))، بل أقول لا بد لبلوغ مرتبة الاقتصاد فيه تحصيل ما تضمنه ((مغني اللبيب))، ومن فاته فقد فاته نصف النحو، وما زاد على ذلك استقصاء.
وبالجملة الاقتصار في كل فن ما تضمنه المتون المختصرة، والاقتصاد ما تضمنه المتون المتوسطة، وما زاد على ذلك استقصاء، ولا تحد تلك المراتب إلا بالتقريب. أما من جهة المسائل فالاقتصار هو إحاطة أشهر مسائل الفن، والاقتصاد الزيادة عليه بإحاطة مشهوراته، والاستقصاء بالزيادة عليه بإحاطة نوادره.
وليس المقصود من هذه تحصيل هذه المراتب حفظ ما تضمنها من الكتب، بل تصحيح نسخها والاطلاع على ما فيها إما بالتعلّم وإما بمجرد النظر والمطالعة بحيث يقدر على طلب ما يحتاج إليه من تلك الفنون.
الجزء 1 · صفحة 44
))(1).
((أما كثرةُ المختصرات في العلوم فإنها مخلّة بالتعليم(2)
(1) انتهى من ((كشف الظنون))(1: 39).
(2) هذا الكلام منقول من ((مقدمة ابن خلدون))(ص341)، ولم يقصد به الاعتراض على كثرة المتون في العلم الواحد خاصة، وإنما نظرته أن كثرة التأليف في العلم الواحد بذكر اختلاف الطرق والمذاهب فيه مضرّ بالمتعلمين من الوصول إلى الغاية في هذا العلم، بالانشغال بالاختلاف والاصطلاح فيه، وهذا ما صرح به ابن خلدون في ((مقدمته))(ص338)، فقال: ((إن كثرة التآليف في العلوم عائقة عن التحصيل:
اعلم أنه مما أضر بالناس في تحصيل العلم والوقوف على غاياته كثرة التآليف واختلاف الاصطلاحات في التعليم، وتعدد طرقها، ثم مطالبة المتعلم والتلميذ باستحضار ذلك.
وحينئذٍ يُسَلَّمُ له منصب التحصيل، فيحتاج المتعلم إلى حفظها كلها أو أكثرها ومراعاة طرقها. ولا يفي عمره بما كتب في صناعة واحدة إذا تجرد لها، فيقع القصور، ولا بد دون رتبة التحصيل.
ويمثل ذلك من شأن الفقه في المذهب المالكي بالكتب المدونة مثلاً، وما كتب عليها من الشروحات الفقهية، مثل كتاب ابن يونس واللخمي وابن بشير والتنبيهات والمقدمات والبيان والتحصيل على العتبية، وكذلك كتاب ابن الحاجب وما كتب عليه.
ثم إنه يحتاج إلى تمييز الطريقة القيروانية من القرطبية والبغدادية والمصرية وطرق المتأخرين عنهم، والإحاطة بذلك كله، وحينئذٍ يُسَلّم له منصب الفتيا وهي كلّها متكررة والمعنى واحد. والمتعلم مطالب باستحضار جميعها وتمييز ما بينها، والعمر ينقضي في واحد منها.
ولو اقتصر المعلمون بالمتعلمين على المسائل المذهبية فقط، لكان الأمر دون ذلك بكثير، وكان التعليم سهلاً ومأخذه قريباً، ولكنه داء لا يرتفع لاستقرار العوائد عليه، فصارت كالطبيعة التي لا يمكن نقلها ولا تحويلها...))
الجزء 1 · صفحة 45
، وقد ذهبَ كثيرٌ من المتأخّرين إلى اختصار الطرق في العلوم، ويدونون منها مختصراً في كلّ علم يشتمل على حصر مسائله وأدلتها باختصار في الألفاظ وحشو القليل منها بالمعاني الكثيرة من ذلك الفنّ، فصار ذلك مخلاً بالبلاغة وعسيراً على الفهم، وربما عمدوا إلى الكتب المطوّلة، فاختصروها تقريباً للحفظ كما فعله ابنُ الحاجب في ((أصوله))، وابنُ مالك في العربية.
وفيه إخلال بالتحصيل؛ لأن فيه تخليطاً إلى المبتدى بإلقاء الغايات من العلم عليه، وليس له استعداد لقبولها، ثمّ فيه شغل كثير بتتبع ألفاظ الاختصار العويصة للفهم لتزاحم المعاني عليها(1)
(1) هذا الكلام من ابن خلدون في ((مقدمته))(ص341)، لا يحمل على إطلاقه بذم المختصرات وطريقها في التعلّم، وإنما المراد منه أنه لا بدّ من مراعاة حال المختصر الذي يدرسه المبتدئ، فهي في مستويات متفاوتة، فمنها ما هو سهل العبارة، مقتصر على أمهات مسائل ذلك الفن، وهو ما يناسب المبتدئين في العلم، ومنها ما هو جزل العبارة، اشتمل على تفريعات دقيقة في أوجز عبارة، مما يصعب على المبتدئ فهمه وتصوره، لكثرة فروعه وصعوبة عبارته، وإنما يتدرج فيه الطلبة في مرحلة ثانية أو ثالثة من طلبهم في ذلك العلم، ويؤيد ما قلته:
أولاً: اعتماد العلماء حتى في القرون المتقدمة في تدريس الطلبة على إنشاء المختصرات والمتون؛ لأنها أيسر لضبط الفنون، فمثلاً في المذهب الحنفي ألفت المختصرات الفقهية في المذهب من قبل: الطحاوي (ت341هـ)، والحاكم الشيهد (ت334هـ)، والكرخي (340)، والقدوري (ت428هـ)، وغيرهم ممن لا يحصون عدداً لا سيما من المتأخّرين الذين أيّدوا مَن سبقهم في هذه الطريقة الناجعة للتعليم، وتفننوا فيها حتى عادت على أحسن صورة وأكمل حال في وصول الطالب إلى الكمال.
فالتدرج بالتدريس من المختصرات إلى المطولات هي خلاصة تجربة علماء الأمة في تعليم العلوم واتقان الفنون في مختلف العصور والدهور، بدليل أن كلّ العلوم والفنون ألّفت فيها الكتب على هذا المنوال، ودرسها العلماء على هذا المثال، كما تطفح به صفحات كتب تراجمهم.
ثانياً: تصريح أفذاذ العلماء بالتدريج في التعليم من الابتداء إلى التوسط إلى الانتهاء، فكما لا يجوز عرض اختلاف المذهب للمبتدئين حتى يضبطوا العلوم ويتمكنوا من أصولها وضوابطها، فينبغي أيضاً التدرج معها في مسائل كل علم فينتقل معهم من مرحلة إلى أخرى على حسب ما يقتضيه الحال.
قال ساجقلي زاده في ((ترتيب العلوم))(ص197): ((وإن مَن شرع في فنّ بدقائق ذلك الفن كالحواشي والشروح، لا يتضح له مقاصد ذلك الفن، فالمتعلم يمنع من التشاغل بعلم خفي قبل الفراغ من الجلي، فيبتدئ بشيء من العلم أقرب إلى الفهم. وتمثيل ذلك بمَن أراد بناء بيت فيضع حجراً فيصبغه وينقشه ثم آخر كذلك، فيقال له: اتم بناء البيت جرداً ثم إن ساعدتك بضاعتك على التنقيش ولم يعقك عنه عائق فافعل ذلك، فإن ذلك يقصر الطلبة عن إدراك الفنون وضبطها.))
وقال السبكي في ((معيد النعم))(ص105): ((حقّ المدرّس أن يحسن إلقاء الدرس وتفهيمه للحاضرين، فإن كانون مبتدئين، فلا يلقي عليهم ما لا يناسبهم من المشكلات، بل يدربهم ويأخذهم بالأهون فالأهون إلى أن ينتهوا إلى درجة التحقيق، وإن كانوا منتهين فلا يلقي عليهم الواضحات، بل يدخل بهم في المشكلات)).
ثالثاً: تصريح ابن خلدون نفسه في ((مقدمته))(ص394-395) بأنه لا بدّ من التدرج في طلب العلوم؛ إذ قال: ((اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيداً، إذا كان على التدريج، شيئاً فشيئاً وقليلاً قليلاً، يلقى عليه أولاً مسائل من كل باب من الفنّ هي أصول ذلك الباب. ويقرب له في شرحها على سبيل الإجمال ويراعى في ذلك قوّة عقله واستعداده لقبول ما يورد عليه، حتى ينتهي إلي آخر الفن، وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلم، إلا أنها جزئية وضعيفة. وغايتها: أنها هيأته لفهم الفنّ وتحصيل مسائله.
ثم يرجع به إلى الفن ثانية، فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبة إلى أعلى منها، ويستوفى الشرح والبيان، ويخرج عن الإجمال، ويذكر له ما هنالك من الخلاف ووجهه، إلى أن ينتهي إلى آخر الفن فتجود ملكته.
ثم يرجع به وقد شدا فلا يترك عويصاً ولا مبهماً ولا منغلقاً إلا وضحه وفتح له مقفله، فيخلص من الفن وقد استولى على ملكته.
هذا وجه التعليم المفيد وهو كما رأيت إنما يحصل في ثلاث تكرارات. وقد يحصل للبعض في أقلّ من ذلك بحسب ما يخلق له ويتيسر عليه. وقد شاهدنا كثيراً من المعلمين لهذا العهد الذي أدركنا يجهلون طرق التعليم وإفاداته، ويحضرون للمتعلم في أول تعليمه المسائل المقفلة من العلم، ويطالبونه بإحضار ذهنه في حلها، ويحسبون ذلك مراناً على التعليم وصواباً فيه، ويكلفونه رعي ذلك وتحصيله، فيخلطون عليه بما يلقون له من غايات الفنون في مبادئها، وقبل أن يستعد لفهمها، فإن قبول العلم والاستعدادات لفهمه تنشأ تدريجاً.
ويكون المتعلم أول الأمر عاجزاً عن الفهم بالجملة، إلا في الأقل وعلى سبيل التقريب والإجمال وبالأمثال الحسية. ثم لا يزال الاستعداد فيه يتدرج قليلاً قليلاً، بمخالطة مسائل ذلك الفن وتكرارها عليه، والانتقال فيها من التقريب إلى الاستيعاب الذي فوقه، حتى تتم الملكة في الاستعداد، ثم في التحصيل ويحيط هو بمسائل الفن.
وإذا ألقيت عليه الغايات في البدايات وهو حينئذ عاجز عن الفهم والوعي وبعيد عن الاستعداد له كل ذهنه عنها، وحسب ذلك من صعوبة العلم في نفسه، فتكاسل عنه وانحرف عن قبوله وتمادى في هجرانه. وإنما أتى ذلك من سوء التعليم.
ولا ينبغي للمعلم أن يزيد متعلمه على فهم كتابه الذي أكب على التعليم منه بحسب طاقته، وعلى نسبة قبوله للتعليم مبتدئاً كان أو منتهياً، ولا يخلط مسائل الكتاب بغيرها حتى يعيه من أوله إلى آخره ويحصل أغراضه ويستولي منه على ملكة بها ينفذ في غيره؛ لأن المتعلم إذا حصل ملكة ما في علم من العلوم استعد بها لقبول ما بقي، وحصل له نشاط في طلب المزيد والنهوض إلى ما فوق، حتى يستولي على غايات العلم، وإذا خلط عليه الأمر عجزعن الفهم وأدركه الكلال وانطمس فكره ويئس من التحصيل، وهجر العلم والتعليم)).
رابعاً: اقتصار هذا النقد على بعض المختصرات، وعلى طريقة بعض أهل زمانه في المغالات بتتبع الألفاظ والتدقيق فيها للمبتدئين، وهذا ما كان يردّه ابن خلدون في تدريسه للطلبة، كما ذكر ذلك السخاوي في ((الضوء اللامع))(2: 288) إذ نقل أن ابن عمار ترجم لابن خلدون فقال عنه: ((كان يسلك في إقرائه الأصول مسلك الأقدمين كالإمام والغزالي والفخر الرازي مع الغض والإنكار على الطريقة المتأخّرة التي أحدثها طلبة العجم ومَن تبعهم في توغل المشاحة اللفظية، والتسلسل في الحدية والرسمية، اللذين أثارهما العضد وأتباعه في الحواشي عليه، وينهر الناقل غضون إقرائه عن شيء من هذه الكتب مستنداً إلى أن طريقة الأقدمين من العرب والعجم وكتبهم في هذا الفنّ على خلاف ذلك.
وإن اختصار الكتب في كل فنّ والتعبد بالألفاظ على طريقة العضد وغيره من محدثات المتأخرين، والعلم وراء ذلك كله؛ وكان كثيراً ما يرتاح في النقول لفنّ أصول الفقه خصوصاً عن الحنفية كالبزدوي والخبازي وصاحب ((المنار)) ويقدم ((البديع)) لابن الساعاتي على مختصر ابن الحاجب، قائلاً: أنه أقعد وأعرف بالفن منه، وزاعماً أن ابنَ الحاجب لم يأخذه عن شيخ، وإنما أخذه بالقول، قال: وهذا في فيه نظر)).
ومعلوم أن هذا التدرج الذي مشى عليه العلماء وذكره ابن خلدون في ((مقدمته)) يؤيد طريقة المختصرات في التعليم وضبط الفنون؛ لأن الكتب التي يمكن تطبيق هذه التدرج فيها، وقد ألف على منواله لتحقيقه.
وإنما أطلت في هذا التعليق لما رأيت من إعراض بعضهم عن هذه الطريقة المثلى في التعليم، ونقد بعضهم إياها بصعوبة كتبها وعدم القدرة على فهمها وكثرة ألغاز، وهذا كلام مَن لم يمعن النظر، ويضبط العلم، ويدرسه على أهله المعتبرين فلا يلتفت لقوله؛ لأنه حاله يدل على سوء مقاله، والله المستعان.
الجزء 1 · صفحة 46
.
ثمّ إن الملكةَ الحاصلةَ من المختصرات إذا تمّت على سداد، فهي ملكة قاصرة من الملكات التي تحصل من الموضوعات البسيطة لكثرة ما فيها من التكرار والإطالة المفيدين لحصول الملكة التامّة.
ولَمّا قصدوا إلى تسهيل الحفظ أركوبهم صعباً بقطعهم من تحصيل الملكات النافعة، ومن كانت عنايته بالحفظ أكثر من عنايته بتحصيل الملكة لا يحصل على طائل من ملكة التصرّف في العلم؛ ولذلك ترى كثيراً ممَّن حصَّل الحفظَ لا يحسن شيئاً من الفنّ، ونجد ملكته قاصرة في علمه إن فاوضَ أو ناظر، ومَن ظَنَّ أنه المقصود من الملكة العلمية فقد أخطأ))(1).
ولكن ذكر العلامة الشيخ إبراهيم الباجوري في بعض حواشيه قد جرت عادة المتأخّرين الاختصار ليحفظ الكلام وعادة المتقدمين بالبسط ليفهم ولذلك قال: الخلل الكلام بسط ليفهم، ويختصر ليحفظ. ا هـ.
وقد جرت عادة المتقدّمين أيضاّ بذكر الشيء أولاً مفصلاً، ثمّ مجملاً، بخلاف عادة المتأخّرين، فإنّهم يذكرون الشيء أولاً مجملاً ثمّ مفصلاً، كما هو ظاهرُ مَن تتبَّع المؤلّفات.
المسلك الثامن
في أقسام التأليف وشروطه وأسبابه
وبيان ما لا يليق به واجتنابه
وليعلم أن أسبابَ التأليف ثمانيةٌ لا يؤلِّف عالمٌ عاقلٌ إلا فيها، وهي:
شيءٌ ناقصٌ يتممُه ويكملُه.
أو شيءٌ مجملٌ مغلقٌ يشرحُه ويفصلُه.
أو شيءٌ مبهمٌ يعيّنه.
أو شيءٌ أخطأ فيه مصنِّفُه فيصلُحُه ويبيِّنُه.
أو شيءٌ مختلطٌ يرتّبُه.
أو شيءٌ طويلٌ يختصرُه ويهذبُه دون أن يخلّ بشيء من معانيه.
أو شيءٌ متفرّقٌ يجمعُه.
أو شيءٌ معدومٌ لم يسبق إليه يخترعُه(2)
(1) انتهى من ((كشف الظنون))(1: 45-46).
(2) شاع بين المعاصرين اقتصار التأليف على هذا السبب الأخير فحسب، حتى علَّقَتَ كثير من جهات الدراسات والأبحاث المختلفة أن يأتي الباحث في البحث باختراع لم يسبق إليه، أو بسبق علمي فريد في مجاله.
وسبب ما وقع فيه هؤلاء المعاصرين هو الضعف العلمي العام الذي أصيبت به الأوساط الأكاديمية في الدراسات الإنسانية، بخلاف التقدم الباهر في الدراسات العلمية القائمة على التجربة، فأخذ أصحاب الدراسات الإنسانية يحاكون أهل الدراسات التجريبية، ويشترطون ما يشترطون في أبحاثهم، ظناً منهم أن هذا سبيل للنهوض بدراساتهم.
ولكن هيهات هيهات، فإن كلا الموضوعين مختلفين، فهذا علمٌ مبنيّ على التجربة، فلا بُدّ أن تكون نتائجه متجدّدة على حسب التقدم العلمي، وذلك علم مبنيّ على أحوال الناس وعاداتهم وتاريخهم وتغيّر زمانهم، وهذه أمور ثابتة إجمالاً، وإنما الحاجة تقع فيما يجد منها، وهو قليل بالمقارنة مع ما تحتاجه من تسهيل وتيسير وعرض يناسب كل عصر زمان لئلا تضيع هذه الفنون والعلوم، لذلك كانت أسباب التأليف فيها ثمانية، كما ذكرها المصنف - رضي الله عنه - وغيره من العلماء، وهذا الكلام وإن كان من المسلّمات إلا أنه صار عند أهل الزمان من المغيّبات، فانتبه له أيها القارئ الكريم، ولا تكن من الغافلين، فتقع في الطعن على المؤلِّفين من غير علم ولا دراية، ظنّاً أن ما قرّره المعاصرون هو الحقّ المبين، مع أنه البتهان الأثيم.
الجزء 1 · صفحة 47
(1).
وقد نظمت ذلك فقلت:
أسباب تأليف غدت ثمانية ... عديد أبواب الجنان العالية
فناقص بفضل حبر كمّلا ... ومجمل بشرحه قد فصّلا
ومبهم منه المراد عُيّنا ... أو خطأ فيه الصواب بُيّنا
وخامس مختلط قد رتّبا ... وسادس مطول قد هذب
والسابع المفرق الذي جمع ... والثامن المعدوم بالفكر اخترع
ومن يخصص سبب التأليف ... بالثامن اتركه وخذ تعريفي
وربّما يكون من أسباب التأليف نظم ينثر؛ ليتسارع في الفهم المعنى، أو نثرٌ ينظم ليسهل في الحفظ، أو ليحلو المبنى، كما قال بعضهم:
لكن حفظ النحو ليس يخلو ... من نوع عسر والنظام يحلو
وذلك من باب الحلّ والعقد المبيَّن في علم البديع.
وينبغي لكلّ مؤلِّف كتاب في فنّ قد سبق إليه أن لا يخلو كتابه من خمس فوائد:
استنباط شيء كان معضلاً.
أو جمعه إن كان مفرّقاً.
أو شرحه إن كان غامضاً.
أو حسن نظم وتأليف.
أو إسقاط حشو وتطويل(2).
[شروط التأليف:]
ويشترط في التأليف إتمام الفرض الذي وُضِعَ الكتابُ لأجله من غير زيادة ولا نقص.
ويشترط هجر الألفاظ الغريبة، وأنواع المجازات، اللهم إلا في الرمز.
(1) هذه الأسباب ذكرها حاجي خليفة في ((كشف الظنون))(1: 35)، والعلوي في ((الفوائد المكية))(ص2)، وغيرهم.
(2) هذه الفوائد مذكور ة في ((كشف الظنون))(1: 36). وقال الإمام ابن الشحنة في ((الذخائر الأشرفية))(ص6): ((قد صنف في الفقه العلماء ونوَّعوا ، وتفنَّنوا في أفنانه وفرَّعوا، فمنهم مَن دوَّن الأحكام مجرَّدة عن الأدلة، ومنهم مَن نصب الخلاف وجمع بين الحكم والدليل والعلّة، ومنهم مَن اقتصر على المتفقة صوراً المختلفة حكماً، ومنهم مَن اعتنى بالشوارد الغرائب التي لا يعرفها إلا مَن غزر علماً، ومنهم مَن دوَّن مَن المسائل الفقهية ما يقع على طريق اللغز والتعمية والأحجية قصداً إلى تشحيذ الأذهان وتحلية للتنويع؛ لئلا يمل الطالب الكسلان)).
الجزء 1 · صفحة 48
كتب الصفيّ الحليّ إلى بعض الفضلاء ـ وقد بلغه أنه اطّلع على ديوانه ـ، وقال: لا عيب فيه سوى أنه خال عن الألفاظ الغريبة: وهي الكلمات الوحشية غير ظاهرة المعنى، ولا مأنوسة الاستعمال بقوله:
إنما الحيزبون(1) والدردبيس(2) ... والطخا(3) والنقاخ(4) والعلطبيس(5)
والحراجيج(6) والعفنقس(7) والعفـ ... لق(8) والطرفسان(9) والعسطوس(10)
والغطاريس(11) والشقحب والصقـ ... عب(12) والحربصيص(13) والعيطموس(14)
لغة تنفر المسامع منها ... حين تروى وتشمئز النفوس
وقبيح أن يسلك النافر الوحـ ... شي منها ويترك المانوس
إن خير الألفاظ ما طرب السا ... مع منه وطاب فيه الجليس
أين قولي هذا كثيب رمل قديم ... ومقالي عفقل قدموس
لم نجد شادياً يغني قفا نبـ ... ـك على العود إذ تدار الكؤوس
أتراني إن قلت للحِب يا علـ ... ـق دري أنه العزيز النفيس
أو تراه يدري إذا قلت خب العيـ ... ر أني أقول سار العيس
دَرَست هذه اللذات وأضحى ... مذهب الناس ما يقول الرئيس
(1) الحيزبون: الداهية العظيمة. منه رحمه الله تعالى.
(2) الداهية والشيخ الكبير. منه رحمه الله تعالى.
(3) السحاب المرتفع، والكرب على القلب. منه رحمه الله تعالى.
(4) الماء العذب. منه رحمه الله تعالى.
(5) الأملس البراق. منه رحمه الله تعالى.
(6) النوق السمان. منه رحمه الله تعالى.
(7) اللئيم. منه رحمه الله تعالى.
(8) العقلق: الفرج الواسع الرخو. منه رحمه الله تعالى.
(9) القطعة من الرمل. منه رحمه الله تعالى.
(10) شجرة كالخيزران. منه رحمه الله تعالى.
(11) الغطاريس: جمع غطرس الظلمة. منه رحمه الله تعالى.
(12) الشقحب: الكبش له قرنان، والصقعب: الطويل. منه رحمه الله تعالى.
(13) الحربصيص: ـ بالحاء المهملة أو المعجمة ـ: شيء من الحلي. منه رحمه الله تعالى.
(14) التامة الخلقة من الإبل أو النساء. منه رحمه الله تعالى.
الجزء 1 · صفحة 49
إنما هذه القلوب حديد ... ولذيذُ الألفاظ مغناطيس(1)
ويشترط الاحترازُ عن إدخال علم في علم آخر، فإن ذلك يوجب التخليط والتشويش وضياع الوقت.
ويشترط الاحترازُ عن الاحتجاج بما يتوقّف بيانه على المجتمع عليه؛ لئلا يلزم الدور الذي هو باطل مثل قولك: الإنسان بشرٌ، وكلّ بشر بشر.
ويشترط أيضاً على ما قاله المتأخّرون: حسن الترتيب، ووضوح الدلالة على المقصود(2).
وينبغي عزو الفوائد والمسائل والنكت إلى أربابها تبرؤاً من انتحال ما ليس له، وترفّعاً عن أن يكون كلابس ثوبي زور(3)
(1) هذه القصة للصفي مع هذه الأبيات نقلها بهاء الدين العاملي في ((الكشكول))(ص29).
(2) هذان الشروط للتأليف ذكرها حاجي خليفة في ((كشف الظنون))(1: 36) بدون قصة الصفي الحلي.
(3) وهنا أنبه أن التوثيق العلمي الذي شاع في هذه العصر، ليس جديداً على المسلمين، فهو من الأمانة العلمية المعروفة لديهم منذ بدء الإسلام، والنصوص السابقة عن السيوطي وأبي عبيد وغيرهما خير شاهد لك على ذلك، فلا تظنن أن هذا التوثيق بهذه الصورة نابع من الحضارة الغربية فحسب.
ولكن آلية التوثيق تختلف من بلد إلى آخر، بحيث بعضهم يعتمد التوثيق في الهامش، وبعضهم فيما بين الأسطر، والمعروف في الكتب الإسلامية هو التوثيق بين الأسطر بذكر اسم الكتاب وموضعاً المعلومة أحياناً بذكر اسم الباب أو الفصل المذكورة فيه، وذلك يختلف من علم إلى علم ففي علم التفسير يذكر الآية التي ذكرت المعلومة في تفسيرها، وفي علم اللغة تذكر المادة للكلمة، وفي علم الفقه يذكر الكتاب أو الباب أو الفصل، ومثله في علم الحديث، وقس على ذلك.
ومن هنا يعلم خطأ ما شاع بين الأكاديميين وغيرهم من أنه لا بد في التوثيق للحديث من ذكر الكتاب والباب، وفي اللغة من ذكر المادة، فلا يعتمدون ذكر الجزء والصفحة فيهما، ويقتصر على هذا التوثيق في هذين العلمين دون سواهما، ولكن الصحيح أن هذا متبع قديماً في جميع العلوم والفنون، فتخصيص هذين العلمين بهذا دون غيرهما غريب عجيب.
فينبغي أن تعمّ هذه الطريقة في التوثيق جميع العلوم، أو لا، وحقيقة تطبيق هذه الطريقة في التوثيق أدق من ذكر الجزء والصفحة لاختلاف الطبعات لا سيما في الكتب المشهورة المتداولة فلهذا طبعات عديدة جداً، ولكن لما كانت هذه الطريقة تأخذ حيزاً كبيراً، وجهداً عظيماً للتوثيق، أخذ بطريق ذكر الجزء والصحفة، وهي جيدة في التثبت من أن هذا الباحث رجع إلى الكتاب الأصلي، واستفاد منه المعلومة.
ومن المؤسف جداً أن يعتمد كثير من الباحثين في أبحاثهم على السرقة العلمية بحيث يسرقون جهد غيرهم، فينقلون المعلومة وهامشها، حتى يظن القارئ الكريم أنهم رجعوا إلى هذه المصادر الأصلية، وهذا الفعل في خيانة لله - جل جلاله - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وللمسلمين وللأمانة العلمية، ومَن يفعل ذلك ينبغي أن يحذر منه أشدّ الحذر؛ لأنه من الكذابين والخائنين، نسأل الله العفو والعافية.
ولا يدخل ضمن هذا ما يتهم به هؤلاء المعاصرون علماءنا السابقين من النقل من بعضهم البعض؛ لأنه كان شائع في زمانهم على ما يلاحظ هذه الطريقة من نقل المتأخر عن المتقدم دون عزوه إليه؛ لمعرفة العلماء بأن هذه الكلام ليس له، وإنما لمَن سبقه، وأنه امتاز بإضافة بعض الفوائد وأشباه ذلك، فلا يمكن لنا أن نحاسبهم على عرفنا وزماننا، لا سيما أصحاب الشروح المختصرة والمتوسطة فإنه يصعب عليهم جداً عزو كل ما يذكرونه لمن سبقهم، ولكن من المعلوم لمَن يقرأ شروح الكتاب أن هذه المعلومات استفادها ممن سبقه؛ لأن المسائل هي هي، ومعناه واضح بيّن لا بدّ من قدر كبير يشترك فيه كلّ الشراح ولا يحتاج إلى توثيق، ولكن يتميّز كل شرح بما فيه من التحقيقات والتنقيحات، وهذا شيء يدركه من له أدنى اشتغال بالعلم؛ لذلك لا ينبغي التجرؤ على هؤلاء العلماء واتهامهم بالسرقة من غيرهم، والله أعلم علمه أحكم.
الجزء 1 · صفحة 50
.
وذكر السُّيوطيّ - رضي الله عنه - في كتابه ((المزهر))(1): ((ومن بركة العلم وشكره عزوه إلى قائله، وذكر عن أبي عبيد(2) - رضي الله عنه - أنه قال: من شكر العلم أن تستفيد الشيء، فإذا ذكر لك خَفِي عليّ كذا وكذا، ولم يكن لي به علم حتى أفادني فلان فيه كذا، فهذا شكر العلم)).
قال السُّيوطيّ(3): ((ولهذا لا تراني أذكر في شيء من تصانيفي حرفاً إلا معزواً إلى قائله من العلماء مبيّناً كتابه الذي ذكر فيه)). اهـ.
وينبغي أن يكون التأليف مسوقاً على حسب إدراك أهل الزمان، وبمقتضى ما تدعو إليه الحاجة، فمتى كانت الخواطر ثاقبة، والأفهام للمراد من الكتب متناولة، قام الاختصار لها مقام الإكثار، وأغنت بالتلويح عن التصريح، وإلا فلا بُدّ من كشف وبيان وإيضاح وبرهان يوقظ الغافل وينبّه الذاهل(4).
وينبغي أن يحتاطَ في النقل عن الغير: كتاب، أو غيره، فلا ينبغي أن ينقلَ إلا ما هو الصحيح الثابت(5)
(1) المزهر))(ص302).
(2) لعله: القاسم بن سلاّم الهروي الأزدي الخُزاعيّ الخُراسانيّ البَغْدَاديّ اللغويّ، أبو عبيد الله، من مؤلفاته: ((الغريب المصنف))، و((فضائل القرآن))، و((الأمثال))، قال الذهبي: كان حافظاً للحديث وعللِهِ، عارفاً بالفقه والاختلافات، رأساً في اللُّغَة، إماما في القراءات، (157-224هـ). ينظر: ((وفيات))(4: 60-63)، ((تذكرة الحُفَّاظ))(2: 417)،
(3) في ((الزهر))(ص302) بعد نقله لبعض النصوص.
(4) هذه الفائدة مذكورة في ((كشف الظنون))(1: 36).
(5) قال الإمام اللكنوي في ((النافع الكبير))(ص26): ((ينبغي للمفتي أن يجتهد في الرجوع إلى الكتب المعتمدة، ولا يعتمد على كل كتاب، لا سيما الفتاوى التي هي كالصحاري ما لم يعلم حال مؤلفه وجلالة قدره)).
وقال شيخنا العلامة المفتي محمد تقي العثماني في ((أصول الإفتاء))(ص29): ((إن من أهم ما يشترط للمفتي أن يعرف الكتب المعتمدة من غيرها، فالكتب المعتمدة في المذهب هي التي عوّل عليها المتبحّرون من أصحاب المذهب وتناولوها بالثقة والاعتماد وأفتوا بها، وقد ذكر غير واحد من الفقهاء كتباً لا يجوز الإفتاء بمسائلها ما لم يعرف مأخذها أو دليلها)).
الجزء 1 · صفحة 51
الموافق للحقيقة شرعاً أو عقلاً، بأن ينقلَ المسألة عن روية وتفكّر، وتحقيق وتدبّر وإلاّ كان كحاطب ليل، وجالب رحيل وخيل، أو كمَن يجمع الغثّ والسمين، ولا يفرق الشمال من اليمين(1)، ولا يعرف قيمة الكتاب الذي نقلَ عنه(2)
(1) قال الإمام اللكنوي في ((مقدمة عمدة الرعاية))(1: 160): ((إنّ الأمورَ التاريخيَّةَ والحكايات المنقولة في الكتب التاريخيّة لا بدَّ أن توزنَ بميزانِ العقول، فما خالفَ البراهين القطعيّةَ العقليّةَ أو النقليّة، تردُّ عند أربابِ العقول))
وقال ابنُ خلدون في ((مقدمته))(ص7): ((الأخبارُ إذا اعتمد فيها على مجرَّدِ النقل، ولم تحكَّمْ أصولُ العادة، وقواعدُ السياسة، وطبيعةُ العمران والأحوالُ في الاجتماعِ الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضرُ بالذاهب، فرُبَّما لم يؤمن فيها من العثور، ومزلّة القدمِ والحيد عن جادّةِ الصدق.
وكثيراً ما وقعَ للمؤرّخين والمفسّرين وأئمّة النقل المغالط في الحكايات والوقائع؛ لاعتمادهم فيها على مجرَّد النقل غثّاً أو سميناً لم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار.
فضلُّوا عن الحقّ، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط، سيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات، إذ هي مظنّة الكذب، ومطيَّة الهذر، ولا بُدّ من عرضِها على الأصول، وعرضِها على القواعد)).
(2) قال العلامة الحموي في ((غمز عيون البصائر))(3: 451): نقلاً عن بعض رسائلِ مؤلّف ((الأشباه)): ((لا تجوزُ الفتوى من التصانيف الغيرِ المشهورة)).
وقال أبو بكرٍ الرازيّ في ((الفصول في علم الأصول))(3: 192): ((أمّا ما يوجدُ من كلام رجلٍ ومذهبه في كتابٍ معروف به، قد تناولته النسخُ يجوزُ لمَن نظرَ فيه أن يقول: قال فلان كذا، ومذهب فلان كذا، وإن لم يسمعه من أحد، نحو: كتب محمّد بن الحسن و((موطأ مالك)) ونحوهما من الكتب المصنّفة في أصنافِ العلوم؛ لأنّ وجودَها على هذا الوصفِ بمنزلةِ الخبرِ المتواتر والاستفاضة، لا يحتاجُ مثله إلى إسناد)).
الجزء 1 · صفحة 52
، ولا مؤلِّفه(1)، وهذا مناف للشرع والعقل، قال - جل جلاله -: {ولا تقف ما ليس لك به علم }.
وقال القائل:
قد يُدركُ المتأني بعضَ حاجَته ... وقد يكون مع المُستعجل الزَّلَل
(1) قال الإمام اللكنوي في ((النافع الكبير))(ص30): ((واعلم أنه ليس تفاوت المصنفات في الدرجات إلا بحسب تفاوت درجات مؤلفيها، أو تفاوت ما فيها، لا بحسب التأخر الزماني والتقدم الزماني، فليس أن تصنيف كل متأخر أدنى من تصنيف المتقدم، بل قد يكون تصنيف المتأخر أعلى درجة من تصنيف المتقدم بحسب تفوقه عليه في الصفات الجليلة)). وقال في ((تذكرة الراشد))(ص170): ((عدم امتيازه بين باطل وحقّ، وكذب وصدق، وصحيح وغلط، وصواب وسقط، وعدم تنقيده بين القول المردود والمقبول والمطرود والمحصول، يجعل كتابه غير معتبر عند أرباب الفهم والنظر)).
الجزء 1 · صفحة 53
وذلك كنقل كثير من المفسِّرين حديث الغرانيق(1) مع أنه غير ثابت من جهة النقل، بل صار المؤلفون يقلِّد بعضُهم بعضاً في النقل، ولم يتفكّروا في المحذور من عدم الثقة حينئذٍ بأقوالِ الرسول الأمين - صلى الله عليه وسلم - الثابتة عصمته قطعاً، كيف يقع الثناء من الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الأصنام، ويوجد بعد ما ينافيه في ذلك المقام، وهو قوله - جل جلاله -: {إن هي إلا أسماء سميتموها انتم وآباؤكم ما انزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى}.
(1) وهو على ما في ((الشفا))(2: 124-125): ((ما روى من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قرأ سورة والنجم، وقال: {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} قال: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتها لترتجي، ويروى ترتضي، وفى رواية إن شفاعتها لترتجي، وإنها لمع الغرانيق العلى، وفى أخرى والغرانقة العلى تلك الشفاعة ترتجى، فلما ختم السورة سجد وسجد معه المسلمون والكفّار لما سمعوه أثنى على آلهتهم، وما وقع في بعض الروايات أن الشيطان ألقاها على لسانه، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتمنى أن لو نزل عليه شيء يقارب بينه وبين قومه، وفى رواية أخرى: أن لا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه، وذكر هذه القصّة وأن جبريل - عليه السلام - جاءه فعرض عليه السورة فلَمَّا بلغ الكلمتين قال له: ما جئتك بهاتين، فحزن لذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله - جل جلاله - تسلية له: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي} الآية، وقوله: {وإن كادوا ليفتنونك} الآية
الجزء 1 · صفحة 54
قال القاضي عياض - رضي الله عنه - في ((الشفاء))(1): ((يكفيك في توهين هذا الحديث أنه لم يخرجه أحد من أهل الصحّة، ولا رواه ثقة بسند صحيح سليم متصل، وإنّما أولع به وبمثله المفسِّرون والمؤرّخون، المولعون بكلّ غريب، المتلقفون من الصحف كلّ صحيح وسقيم)).
وفي ((تذكرة الموضوعات))(2) لعلي القاري المكي - رضي الله عنه -(3): ((من القواعد الكلية: أن نقلَ الأحاديث النبوية والمسائل الفقهية والتفاسير القرآنية لا يجوز إلاّ من الكتب المعتمدة المتداولة؛ لعدم الاعتماد على غيرها من وضع الزنادقة، وإلحاق الملاحدة، بخلاف الكتب المحفوظة، فإن نسخَها تكون صحيحة متعددة))(4)
(1) الشفا بتعريف حقوق المصطفى))(2: 125).
(2) ذكرت في ((غاية العناية على عمدة الرعاية))(1: 44): أن الاسم المطبوع به هو ((الأسرار المرفوعة في الأحاديث الموضوعة))، وهناك اختلاف في اسمه. ينظر للوقوف عليه: ((الأسرار))(ص15-17)، و((المصنوع))(ص14-16).
(3) وهو وهو علي بن سلطان محمد الهَرَوي القَارِيّ الحَنَفي، أبو الحسن، نور الدين، من مؤلِّفاته: ((فتح باب العناية بشرح النقاية))، ((الأثمار الجنية في طبقات الحَنَفِيَّة))، و((شرح مسند الإمام))، (930-1014هـ). ينظر: ((خلاصة الأثر))(3: 185-186)، و((الكواكب السائرة))(1: 445-446)، و(( الإمام علي القاري وأثره في علم الحديث))(ص44)
(4) قال الإمام النووي في ((المجموع))(1: 80-81): ((لا يجوز لمن كانت فتواه نقلاً لمذهب إمام إذا اعتمد الكتب أن يعتمد إلا على كتاب موثوقٍ بصحته، وبأنه مذهب ذلك الإمام، فإن وثق بأن أصل التصنيف بهذه الصفة لكن لم تكن هذه النسخة معتمدة، فليستظهر بنسخ منه متَّفقة، وقد تحصل له الثقة من نسخة غير موثوق بها في بعض المسائل إذا رأى الكلام منتظماً، وهو خبير فَطِن لا يخفى عليه لدربته موضع الإسقاط والتغيير.
فإن لم يجده إلا في نسخة غير موثوق بها فقال أبو عمرو: ينظر فإن وجده موافقاً لأصول المذهب، وهو أهل لتخريج مثله في المذهب لو لم يجده منقولاً فله أن يفتي به. فإن أراد حكايته عن قائله فلا يقل: قال الشافعي مثلاً كذا، وليقل: وجدت عن الشافعي كذا، أو بلغني عنه، ونحو هذا.
وإن لم يكن أهلاً لتخريج مثله لم يجز له ذلك، فإن سبيله النقل المحض، ولم يحصل ما يجوز له ذلك، وله أن يذكره لا على سبيل الفتوى مُفصِحاً بحاله، فيقول: وجدته في نسخة من الكتاب الفلاني ونحوه)).
الجزء 1 · صفحة 55
. اهـ.
المسلك التاسع
في الرؤوس الثمانية وأنحاء التعليم
قد جرت عادة المصنفين بأن يذكروا في صدر كلّ كتاب تراجم لتعرب عنه، سموها الرؤوس الثمانية:
الأول: الغرض: وهو الغايةُ السابقةُ في التصوّر المتأخّرة في الفعل.
وذلك كالجلوس على السرير يتصوّره النجار أوّلاً، ولكنّه يكون نتيجة العمل آخراً، وكالمهندس المقدّر للدار أوّل ما يمثل في نفسه صورة الدار، فيحصل في نفسه داراً كاملة، وآخر ما يوجد في أعماله هي الدار الكاملة، فالدار الكاملة هي أول الأشياء في حقّه تقديراً، وآخرها وجوداً؛ لأن ما قبلها من ضرب اللبنات وعمل الآجر وبناء الحيطان وتركيب الأعمدة وترتيب الأبنية والسقوف وسيلة إلى الغاية والدار الكاملة؛ ولأجلها تقوم الأعمال والآلات كما قال بعضهم :
نعم ما قالت السادة الأول ... أول الفكر آخر العمل
وليعلم أنه إذا ترتَّب على فعل أثر، فذلك الأثر من حيث أنه نتيجة لذلك الفعل وثمرته يسمّى فائدة.
ومن حيث أنه على طرف الفعل ونهايته يُسمّى غاية.
ففائدة الفعل وغايته متحدّان بالذات، مختلفان بالاعتبار.
ثمّ ذلك الأثر المسمّى بهذين الأمرين إن كان سبباً لإقدام الفاعل على ذلك الفعل يسمّى بالقياس إلى الفاعل غرضاً ومقصوداً، وبالقياس إلى فعله علّة غائية.
والغرضُ والعلّةُ الغائية متحدّان بالذات، مختلفان بالاعتبار.
وإن لم يكن سبباً للإقدام كان فائدة وغاية فقط.
فالفائدةُ والغايةُ أعم من الغرض والعلّة عموماً مطلقاً.
فتجتمع الأربعة فيما لو حفر بئراً بقصد الماء، وبعد تمام الحفر ظهر الماء.
ويوجد الأولان، ولا يوجد الأخيران، كما لو حفرَ بقصد الماء، وبعد تمام الحفر ظهرَ كنز، فيقال له: فائدة وغاية، ولا يقال له: غرض، ولا علّة.
وقال بعضُهم: قد تنفردُ الفائدةُ عن الغاية فيما لو حفرَ بقصد الماء، فعلى نصف الحفر ظهر كنز، ولم يقطع الحفر، بل أتمّه فيقال لهذا الكنز: فائدة، ولا يقال له: غاية؛ لأنه ليس في طرف الفعل.
الجزء 1 · صفحة 56
وردَّ بأنه في طرف الفعل الذي قبله، وأما الفعل الذي بعده ففعل جديد.
الثاني: المنفعة؛ ليتشوق الطبع إلى تحصيله ويسعى إليه بالجدّ والاجتهاد حتى بلغ المراد.
الثالث: العنوان: الدالُّ بالإجمال على ما يأتي تفصيله، وهو قد يكون بالتسمية والتصريح، وقد يكون بألفاظ وعبارات تُسمّى براعة الاستهلال، وهي أن يشيرَ المصنِّفُ في طالعة كتابه ما يشعر بمقصوده.
ومعنى براعة الاستهلال: استهلال بارع: أي ابتداء فائق غيره من الابتداءات؛ لكونه أشير فيه للمقصود كقول بعضهم في صدر كتابه المؤلَّف في النحو: الحمد لله رافع مقام المنتصبين لنفع العبيد الخافضين جناحهم للمستفيد الجازمين بأن تسهيل النحو إلى العلوم من الله من غير شكّ ولا ترديد.
الرابع: معرفة الواضع؛ ليعلم قدره حتى يهتمّ بالكتاب، ويعتنى به، وهذا بناء على أن الأقوالَ تعرف بالرجال، لا أن الرجال تعرف بالأقوال، والثاني لأرباب الكمال.
الخامس: نوع العلم؛ وهو الموضوع ليعلم مرتبته، وقد يكون الكتاب مشتملاً على نوع من العلوم، وقد يكون جزءاً من أجزائه، وقد يكون مدخلاً.
السادس: مرتبة ذلك الكتاب: أي متى يجب أن يقرأ أو يباشر فيه.
السابع: ترتيبه: أي جعل كلّ شيء في مكانه ومحله من الرتوب، وهو الثبوت أو جعل الأشياء الكثيرة بحيث يطلق عليها اسم الواحد، ويكون لبعضها نسبة إلى البعض بالتقدّم والتأخّر.
الثامن: نحو التعليم المستعمل فيه: وهو بيان الطريق المسلوك في تحصيل الغاية(1).
وأنحاء التعليم خمسة:
الأول: التقسيم؛ وهو ضمُّ قيود متباينة أو متخالفة إلى المقسم ليحصل بانضمام كلِّ قيد قسم.
والأول: إشارة إلى التقسيم الحقيقي: كقولك الحيوان إمّا ناطق أو صاهل.
والثاني: إلى التقسيم الاعتباري: كقولك الإنسان إما ضاحك وإما ناطق، وهو إما عقلي أو استقرائي.
(1) ينظر: ((كشف الظنون))(1: 39) النقاط الرئيسية المذكورة هاهنا بدون هذه التفاصيل.
الجزء 1 · صفحة 57
فالأول: ما يُجوِّز العقلُ فيه قسماً آخر، وهو المردّد بين النفي والإثبات، وهو التقسيم الحاضر: كقولك المعلوم إما موجود أو لا.
والثاني: ما يُجوِّز العقلُ فيه قسماً آخر، لكن ذكر فيه ما عُلِمَ بالاستقراء كقولك: العنصر إمّا أرض، أو ماء، أو هواء، أو نار.
والقسمة المستعملة في العلوم:
قسمة العامّ إلى الخاصّ.
وقسمة الكلّ إلى أجزائه: كقسمة السكنجبين إلى خلّ وعسل.
وقسمة الكلي إلى جزئياته: كتقسيم الكلمة إلى اسم وفعل وحرف.
وتقسيم الجنس إلى الأنواع، والأنواع إلى الأصناف، والأصناف إلى الأشخاص، وهذه قسمة ذاتي إلى ذاتي، وقد يقسم الكلي إلى الذاتي والعرضي: كتقسيمه إلى 1)الجنس، 2)والنوع، 3)والفصل، 4)وإلى الخاصّة، 5)والعرضي العام.
فالثلاثة الأول ذاتية.
والآخران وهما الخاصة والعرض العام عرضيان.
والذاتي إلى العرضي: كتقسيم الإنسان إلى الأبيض والأسود.
والعرضي إلى الذاتي: كتقسيم الأبيض إلى الإنسان والفرس.
والعرضي إلى العرضي: كتقسيم الأبيض إلى الطويل والقصير.
والثاني: التركيب؛ وهو جعل القضايا مقدّمات تؤدّي إلى المعلوم.
والثالث: التحليل؛ وهو إعادة تلك المقدّمات، أو تكثير الوسائط وإعادة المقدّمات من الأسفل إلى الأعلى.
والرابع: التحديد؛ وهو ذكر الأشياء بحدودها الدالّة على حقائقها دلالة تفصيلية.
والخامس: البرهان؛ وهو قياس صحيح عن مقدّمات صادقة، وإنّما يمكن استعماله في العلوم الحقيقية، وأمّا ما عداها فيكتفي بالإقناع فيها(1).
المسلك العاشر
في بيان الحاجة إلى الشرح والأدب فيه
وليعلم أن كلَّ من وضع كتاباً إنّما وضعه ليفهم بذاته من غير شرح، وإنّما احتيج إلى الشرح لأمور ثلاثة:
(1) ينظر: ((كشف الظنون))(1: 39) بصورة مختصرة عن المذكورة هنا، ولم أرغب بالتعليق هاهنا؛ لأن هذا التقسيم ومصطلحاته محلّها كتبه المنطق، وزيادة التفصيل تشتت ذهن القارئ الكريم؛ لذلك كان الإعراض عنه أولى، والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 58
الأمر الأول: كمال مهارة المصنِّف، فإنه لجودة ذهنه، وحسن عبارته، يتكلّم على معان دقيقة بكلام وجيز كاف في الدلالة على المطلوب، وغيرُه ليس بمرتبته فربّما عسر عليه فهم بعضها أو تعذَّر، فيحتاج إلى زيادة بسط في العبارة؛ لتظهر تلك المعاني الخفية، ومن هنا شرح بعض العلماء تصنيفه.
الأمر الثاني: حذف بعض مقدِّمات الأقيسة اعتماداً على وضوحها، أو لأنها من علم آخر، أو أهمل ترتيب بعض الأقيسة، فأغفل بعض علل القضايا، فيحتاج الشارح إلى أن يذكرَ المقدّمات المهملة، ويُبيِّن ما يمكن بيانه في ذلك العلم، ويرشد إلى أماكن فيما لا يليق بذلك الموضع من المقدّمات ويرتّب القياسات، ويعطيَ عللَ ما لم يعط المصنّف.
الأمر الثالث: احتمالُ اللفظ لمعان تأويلية، أو لطافة المعنى عن أن يعبِّرَ عنه بلفظ يوضِّحه، أو للألفاظ المجازية، أو استعمال الدلالة الالتزامية، فيحتاج الشارح إلى بيان غرض المصنّف وترجيحه، وقد يقع في بعض التصانيف ما لا يخلو البشر عنه من الغلط والحذف لبعض المهمّات، وتكرار الشيء بعينه بغير ضرورة إلى غير ذلك، فيحتاج إلى أن ينبّه عليه.
ثم إن أساليب الشرح على ثلاثة أقسام :
الجزء 1 · صفحة 59
الأول: الشرح بقال أقول: كـ((شرح الايساغوجي)) لحسام كاتي(1)، و((شرح المقاصد)) و((شرح الطوالع)) للأصفهاني(2)، و((شرح العضد(3) ))، وأمّا المتن فقد يكتب في بعض النسخ بتمامه، وقد لا يكتب؛ لكونه مندرجاً في الشرح بلا امتياز.
الثاني: الشرح بقوله قوله كذا؛ وذلك كشرح البُخاريّ لابن حَجَر العَسْقَلانيّ والكرماني(4) ونحوهما، وفي أمثاله لا يلتزم المتن، وإنما المقصود ذكر المواضع المشروحة، ومع ذلك قد يكتب النساخ المتن تماماً إمّا في الهامش، وإمّا في المسطر فلا ينكر نفعه.
وإعراب قولهم: قوله كذا...الخ: أي مثل أن يقال: ((قوله: إنّما الأعمال بالنيات)).
الباء للمصاحبة، ويحتمل أن تكون للسببية.
(1) وهو حسام الدين حسن الكاتي، من مؤلفاته: ((شرح الايساغوجي))، و((شرح مفتاح العلوم))، (ت760هـ). ينظر: ((كشف الظنون))(1: 206)، و((هدية العارفين))(1: 152).
(2) وهو محمود بن عبد الرحمن الأصفهاني، أبو الثناء، شمس الدين، من مؤلفاته: ((بيان المعاني البديع شرح بديع النظام))، و((شرح الطوالع))، وهو مشهور متداول بين الطلبة، سماه ((مطالع الأنظار))، (ت749هـ). ينظر: ((كشف الظنون))(2: 1116).
(3) وهو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار الإِيجِي الشِّيرَازِيّ الشَّافعيّ، أبو الفضل، عَضُد الدِّين، من مؤلفاته: ((العقائد العضدية)) ، و((شرح مختصر ابن الحاجب))، و((الفوائد الغياثية))، (ت756هـ). ينظر: ((الدرر الكامنة))(2: 322-323)، ((التعليقات السنية))(ص514)، ((البدر الطالع))(1: 326-327).
(4) وهو محمد بن يوسف بن علي الكرماني، شمي الدين، من مؤلفاته: ((الكواكب الدراري شرح صحيح البخاري))، قال ابن قاضى شهبة: فيه أوهام وتكرار كثير لا سيما في ضبط أسماء الرواة. (717-786هـ). ينظر: ((كشف الظنون))(1: 546)، و((الأعلام))(7: 153).
الجزء 1 · صفحة 60
فقوله: مبتدأ، وما في حيزه مقول القول، وخبر المبتدأ محذوف، يستفادُ ممّا بعده: أي يقال في شرحه: الباء للمصاحبة... الخ ، ولكن الذي أحفظه عن شيخنا المولوي غلام رسول الهندي أن ما في حيز قولهم: قوله؛ بدل من قوله؛ لأنه عينه وما يذكر بعده من الشرح خبر المبتدأ، والظاهر الأول كما ذكره العلامة إبراهيم الباجوري في بعض ((حواشيه)).
الثالث: الشرح مزجاً؛ ويقال له شرح ممزوج، يمزج فيه عبارة المتن والشرح، ثمّ يمتازان إما بالميم والشين، وإما بخطّ فوق المتن، وهو طريقة أكثر الشرّاح المتأخرين من المحقّقين وغيرهم، لكنه ليس بمأمون من الخلط والغلط .
ثم من آداب الشارح وشرطه:
أن يبذلَ النصرةَ فيما قد التزم شرحه بقدر الاستطاعة، ويذبّ عمّا قد تكفّل إيضاحه بما يذبّ به صاحبُ تلك الصناعة(1)؛ ليكون شارحاً غير ناقض ولا جارح، ومفسراً غير معترض، اللهم إلا إذا عثر على شيء لا يمكن حمله على وجه صحيح.
فحينئذ ينبغي أن ينبّه عليه بتعريض أو تصريح، متمسكاً بذيل العدل والإنصاف، متجنّباً عن الغيِّ والاعتساف؛ لأن الإنسانَ محلّ النسيان، والقلمَ ليس بمعصوم عن الطغيان.
فكيف بمَن جمعَ المطالب المتفرّقة، وليس كلّ كتاب بنقل المصنِّف عنه سالماً من العيب، محفوظاً له عن ظهر الغيب حتى يلامَ في خطئه.
قال بعضُ الفضلاء: وينبغي أن يصلحَ الهفوةَ صغيرةً كانت أو كبيرة.
فالأولى: ما يكون الفساد فيها باعتبار اللفظ.
والثانية: ما يكون الفساد فيها باعتبار الحكم.
(1) فهذه من وظائف شارح الكتاب أو محقّقه بأن يبذلّ قصارى جهده في الدفاع عن مسائل والتدليل عليها، وحملها على ما يُناسبها من الوجوه المقبولة عند الفضلاء، لا أن يشتغلَ بالاعتراض والردّ لكلّ ما لا يوافق فكره ورأيه؛ إذ لا بُدّ أن يتصرّف مع هذا العلم وكتبه ومسائله كأنه ابنٌ لهذه الصناعة والفنّ فلا يدّخر جهداً في خدمتها، وإن كان لا يرى لنفسه أهلية لذلك فعليه أن لا يقبل عليها. والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 61
وليس المراد بإصلاحها تغييرها بأن يزيلَها ويكتب بدلَها؛ لأن ذلك لا يجوز(1)
(1) والمراد بالإصلاح أن يكتب على الهامش لعله كذا، أو الصواب كذا، وليس المراد أن يغير ما في الشرح على الحقيقة ويكتب بدله؛ لأن ذلك لا يجوز. كما في ((حاشية إعانة الطالبين))(4: 390).
قال الشبراملسي في ((حاشية على نهاية المحتاج))(1: 15): ((ولو انفتح ذلك الباب لبطل الوثوق بأخذ شيء من كلامهم , وذلك ; لأن كل من طالع وظهر له شيء غير إلى ما ظهر له ويجيء من بعده يفعل مثله , وهكذا فلا يوثق بنسبة شيء إلى المؤلفين لاحتمال أن ما وجده مثبتاً في كلامهم يكون من إصلاح بعض مَن وقف على كتبهم , ولا يُنافي ما قرَّرناه قوله قبل إجراء قلمه المشعر بأنه يصلح ما فيه حقيقة لجواز أن يريد به الأمر بالتأمل قبل إظهار الاعتراض عليه والمبالغة فيه.
هذا وليس كلّ اعتراض سائغاً من المعترض, وإنّما يسوغ له اعتراض بخمسة شروط كما قاله الأبشيطي, وعبارته : لا ينبغي لمعترض اعتراض إلا باستكمال خمسة شروط, وإلا فهو آثم مع رد اعتراضه عليه: كون المعترض أعلى أو مساويا للمعترض عليه, وكونه يعلم أن ما أخذه من كلام شخص معروف, وكونه مستحضرا لذلك الكلام, وكونه قاصدا للصواب فقط , وكون ما اعترضه لم يوجد له وجه في التأويل إلى الصواب انتهى.
أقول: وقد يتوقف في الشرط الأول, فإنه قد يجري الله - جل جلاله - على لسان مَن هو دون غيره بمراحل ما لا يجريه على لسان الأفضل)).
الجزء 1 · صفحة 62
، فإنه لو فتح باب ذلك لأدّى إلى عدم الوثوق بشيء من كتب المؤلِّفين لاحتمال أنه من إصلاح مَن اطّلع على كتبهم ففاعل ذلك ضالٌ مضلٌ(1).
والمرادُ به أن يقولَ أو يكتبَ هذا سبق قلم، أو تحريف من النّساخ، ولعلّه كذا، من غير تشنيع ولا تقريع.
ولا ينبغي له التمادي في الاعتراض؛ لأن ذلك يكون ناشئاً من شيء في النفس غالباً، بل إن أمكنَه الجواب عنها، ولو على وجه بعيد تعيَّن الجواب عن ذلك، ولا يبادر إلى الاعتراض، فإن الاعتراضَ مع إمكان الجواب في غاية السقوط.
ولا ينبغي الاعتراض لشخص إلا بخمسة شروط:
الأول: كون ما اعترضه لا وجه له في التأويل.
الثاني: أن يكون قاصداً للصواب فقط.
الثالث: كونه يعلم أن ما اعترض به مأخوذ من كلام إمام معروف.
الرابع: كونه مستحضراً لذلك.
الخامس: كون المعترض أعلى أو مساوياً للمعترض عليه.
فإن فُقِدَ شرطٌ من هذه الشروط، فهو آثمٌ مع ردّ اعتراضه عليه.
(1) فانظر إلى هذا الوصف الذي استحقّه مَن يُقْدم على هذا الفعل الشنيع؛ لأنه من أعظم الطامّات لا سيما في هذا الزمان الذي ابتلينا فيه بأناس يعتقدون عقائد ويحملون أفكاراً غريبة، ويقومون بتحريف وتبديل كلّ ما يُخالف هذه العقائد والأفكار، وليس ما فُعِلَ في تفسير الألوسي وحاشية ابن عابدين من الحذف والتحريف ببعيد.
فالأمانة العلمية تقتضي أن يبقى النصّ كما كتبه مؤلّفه دون تزوير له، وإذا كان لدى المعلّق أو المحقّق اعتراض عليه، فليكتب ما شاء في الردّ عليه في هامش الكتاب مع مراعاة الأدب والاحترام للآخرين، أما هذه الاستباحة لتغيير ما في الكتب إذا كانت تخالف ما يعتقده الإنسان، فمنافية للأمانة الإنسانية، فما بالك بالأمانة الإسلامية، فالله المستعان على ما يفعلون ويقترفون.
الجزء 1 · صفحة 63
وردّ الشَّبْرَامَلِّسيّ(1) هذا الأخير بأنه لا مانع من أن يظهر الله - جل جلاله - الحقّ على يد المفضول مع أنه لم يظهره على يد الفاضل، وهو ظاهر.
وما ألطف ما قاله أهلُ العلم في الاعتذار عمّا يقع به الإنسان من الخطأ والعثار: ها أنا بائح بما أسررته ، مفيدٌ لما قرّرته وحرّرته ، سائلٌ من حسن خيمه، وسلم من داء الحسد أديمه، إذا عثر على شيء طغى به القلم، أو زلَّت به القدم، أن يغتفرَ ذلك في جنب ما قرّبت إليه من البعيد، ورددت عليه من الشريد، وأرحته من التعب، وصيرت القاصي يناديه من كثب، وأن يحضرَ قلبَه أن الجواد قد يكبو، وأن الصارم قد ينبو، وأن النارَ قد تخبو، وأن الإنسان محلّ النسيان، وأن الحسنات يذهبن السيئات.
ومَن ذا الذي تُرضى سجاياه كلُّها ... كفى المرء نُبلاً أن تُعَدَّ معايبُه
وقال الأخر في الاعتذار والاستعطاف: ولا تعد إلا هفوات العارف، وتدخل الزيوف على أعلى الصيارف.
ولا يخفى أنّ التعقب على الكتب سيما الطويلة سهل بالنسبة إلى تأليفها ووضعها وترصيفها كما يشاهد في الأبنية العظيمة، والهياكل القديمة، حيث يعترض على بانيها من عرى في فنّه عن القوى والقدر، بحيث لا يقدر من وضع حجر على حجر.
(1) في الأصل: الشراملسي، ولعله الشَّبْرامَلِّسي، وهو عليّ بن عليّ الشَّبْرَامَلِّسيّ الشافعي المصري، أبو الضياء، نور الدين، قال المحبي: خاتمة المحققين وولي الله تعالى فحرر العلوم النقلية وأعلم أهل زمانه لم يأت مثله في دقة النظر وجودة الفهم وسرعة استخراج الأحكام من عبارات العلماء وقوة التأني في البحث والطف والحلم والإنصاف. من مؤلفاته: ((حاشية على المواهب اللدنية للقسطلاني))، و(( حاشية على الشمائل))، و((حاشية على نهاية المحتاج))، (997-1087هـ). ينظر: ((خلاصة الأثر))(2: 277)، و((الأعلام))(4: 314)، و((معجم المؤلفين))(7: 153)، وغيرها.
الجزء 1 · صفحة 64
وقد كتب أستاذُ البلغاء القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني إلى العماد الأصفهاني معتذراً عن كلام استدركه عليه: أنه قد وقع لي شيء وما أدري أوقع لك أم لا، وها أنا أخبرك به، وذلك إني رأيت أن لا يكتب إنسان في يومه إلا قال في غده: لو غير هذا المكان أحسن، ولو زيد لكان يستحسن، ولو قدِّم هذا لكان أفضل، ولوترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، ودليل على استيلاء النقص على جملة البشر.
فينبغي لمَن تصدَّى لشرح كتاب، أن يتأدَّب بأحسن الآداب، ويتجنب تصريح الطعن للسلف مطلقاً، فإنّهم القادة الأعلام الذين شادوا الدين ونفعوا بعلومهم الخاصّ والعامّ؛ وليكفّ لسانه عن اللهجة الشديدة ، أو الكلمات الشنيعة التي تخلّ بالآداب مع مشاهير الإسلام، كما وقع لبعض المشاهير من علماء الأمة كالإمام الذهبيّ، فإنه أطال لسانه على أئمة الحنفية والشافعية والمالكية، وكابن حزم أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد الأندلسي الذي يقال فيه: إنه مجدّد القرن الخامس المتوفَّى سنة (456)، فإنه هجم بلسانه الحديد على المذاهب الأربعة وغيرهم بما لا مزيد عليه، فإذا طالعت كتابه ((المحلى)) رأيتَ العجبَ العُجاب.
فالمرءُ حرّ برأيه واجتهاده لكن بشرط أن لا يزدري أحداً بعيبه في اجتهاد اجتهده عن دليل لديه، وهذا رحمه الله وعفا عنه يجرد السيوف البارقة، وينزل الصواعق المحرقة على مَن خالف رأيه كأنه يريد أن يجمعَ الأمّة كلّها على رأيه ولن يرجع أحدٌ عن تقليد الأئمة الأعلام إلى رأيه.
الجزء 1 · صفحة 65
فهذا ابنُ عبد السلام(1) وابنُ دقيق العيد(2) والنَّوويّ وغيرهم من سائر المذاهب بقي كل منهم على مذهب مقلّده ولم يتزلزل عنه أصلاً، وكأنه كان يضرب في حديد بارد.
ذكر العلامةُ أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي المتوفَّى سنة(790) في كتابه ((الموافقات في أصول الشريعة)): في ((المقدمة الثانية عشرة)): ((من أنفع طرق العلم الموصولة إلى غاية التحقّق به أخذه عن أهله المتحقّقين به على الكمال والتمام....
وللعالم المتحقّق بالعلم أمارات وعلامات، وهي ثلاث:
إحداها: العمل بما عَلِمَ حتى يكون قوله مطابقاً لفعله، فإن كان مخالفاً فليس بأهل لأن يؤخذ عنه، ولا أن يقتدي به في علم.
(1) وهو عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السلمي الدمشقي الشافعي، عزّ الدين، أبو محمد، سلطان العلماء، قال الإسنوي: كان شيخ الإسلام علماً وعملاً، وورعاً وزهداً، وتصانيف وتلاميذ. من مؤلفاته: ((القواعد الكبرى))، و((الغاية في اختصار النهاية))، و((تفسير القرآن))، (577-660هـ). ينظر: ((طبقات الإسنوي))(2: 84-85)، و((معجم المؤلفين))(2: 162).
(2) وهو محمد بن عليّ بن وهب القُشَيري المنفلوطي المصري المالكي الشَّافِعِيّ ، أبو الفتح، تقي المعروف بابنِ دقيق العيد الشَّافعيّ، من مؤلفاته: ((الإمام))، ((الإلمام في أحاديث الأحكام))، و((شرح على مختصر أبي شجاع))، (625-702هـ). ينظر: ((الدرر الكامنة))(4: 91-96)، و((مرآة الجنان))(4: 236-238)، و((المستطرفة))(ص135).
الجزء 1 · صفحة 66
والثانية: أن يكون ممَّن ربَّاه الشيوخ في ذلك العلم لأخذه عنهم وملازمته لهم، فهو الجديرُ بأن يتّصف بما اتصفوا به من ذلك، وهكذا كان شأن السلف الصالح، فأوّل ذلك ملازمة الصحابة - رضي الله عنهم - لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخذهم بأقواله وأفعاله واعتمادهم على ما يرد منه كائناً ما كان، وعلى أيّ وجه صدر، فهموا مغزى ما أراد به أو لا، حتى علموا وتيقّنوا أنه الحقّ الذي لا يعارض، والحكمة التي لا ينكسر قانونها، ولا يحوم النقص حول حمى كمالها.
وإنما ذلك بكثرة الملازمة، وشدّة المثابرة، وصار مثل ذلك أصلاً لمَن بعدهم، فالتزم التابعون في الصحابة - رضي الله عنهم - سيرتهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى فقهوا ونالوا ذروة الكمال في العلوم الشرعية، وحسبك من صحّة هذه القاعدة: أنك لا تجد عالماً اشتهر في الناس الأخذ عنه إلا وله قدوة اشتهر في قرنه بمثل ذلك، وقلَّما وجدت فرقةً زائغةً ولا أحد مخالف للسنة إلا وهو مفارق لهذا الوصف.
وبهذا الوصف وقع التشنيع على ابن حزم الظاهري، وأنه لم يلازم الأخذ عن الشيوخ ولا تأدّب بآدابهم، وبضدّ ذلك كان العلماء الراسخون كالأئمة الأربعة وأشباههم.
والثالثة: الاقتداء بمَن أخذ عنه، والتأدّب بأدبه، كما علمت عن اقتداء الصحابة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، واقتداء التابعين بالصحابة، وهكذا في كلِّ قرن.
وبهذا الوصف امتاز مالك - رضي الله عنه - عن أضرابه: أعني بشدّة الاتصاف به، وإلا فالجميع ممَّن يهتدى به في الدين كذلك كانوا، فلمّا تُرِكَ هذا الوصف رَفَعَت البدعُ الرؤوسَ؛ لأن تركَ الاقتداء دليلٌ على أمر حدث عند التارك أصله اتباع الهوى)). اهـ. باختصار (1).
(1) انتهى من ((الموافقات))(1: 92-95) باختصار.
الجزء 1 · صفحة 67
فينبغي إذا اعترض أن يُكني بمثل: قيل، وظن، ووهم، واعترض، وأجيب، وبعض الشرّاح والمحشين، أو بعض الشروح والحواشي، ونحو ذلك من غير تعيين، كما هو دأب الفضلاء من المتأخرين، فإنهم تأنَّقوا في أسلوب التحرير وتأدّبوا في الردّ والاعتراض على المتقدّمين بأمثال ما ذكر تنزيهاً لهم عمّا يفسد اعتقاد المبتدئين فيهم، وتعظيماً لحقهم.
وربّما حملوا هفواتهم على الغلط من الناسخين لا من الراسخين، وإن لم يكن ذلك قالوا لفرط اهتمامهم بالمباحثة والإفادة، لم يفرغوا التكرير والنظر والإعادة.
وأجابوا عن لمز بعضهم بأن ألفاظ كذا وكذا ألفاظ فلان بعبارته، بقوله: إنا لا نعرف كتاباً ليس فيه ذلك، فإن تصانيفَ المتأخرين بل المتقدّمين لا تخلوا عن مثل ذلك لا لعدم الاقتدار عن التعبير(1)، بل حذراً عن تضييع الزمان فيه.
وأجابوا عن مثالبهم: بأنهم عزوا لأنفسهم ما ليس لهم: بأنه إن اتفق فهو من قبيل توارد الخواطر، كما في تعاقب الحوافر على الحوافر: أي مجيئه على سبيل الاتفاق من غير قصد إلى الأخذ من الغير والتقليد له، كما يحكى عن ابن ميادة أنه أنشد لنفسه:
مفيد ومتلاف إذا ما أتيته ... تهلل واهتز اهتزاز المهند
فقيل له: أين تذهب بك هذا للخطيئة، قال: الآن علمت أني شاعر؛ إذ وافقته على قوله، ولم أسمعه منه، وكما يحكى أن سليمان بن عبد الملك أتي بأسرى من الروم، وكان الفرزدق حاضراً فأمره سليمان بضرب واحد منهم، فاستعفى فما أعفى، وقد أشير إلى سيف غير صالح للضرب ليستعمله الفرزدق، فقال الفرزدق: بل أضرب بسيف أبي رغوان، سيف مجاشع يعني نفسه، وكأنه قال: لا يستعمل هذا السيف إلا ظالم أو ابن ظالم، ثم ضرب بسيفه الرومي واتفق أن نبا السيف(2)، فضحك سليمان ومَن حوله، فقال الفرزدق:
أيعجب الناس إن أضحكت سيدهم ... خليفة الله يستسقى به المطر
(1) في ((كشف الظنون))(1: 39): التغيير.
(2) أي رجع من غير قطع. ينظر: ((تاج العروس))(ص8610).
الجزء 1 · صفحة 68
لم ينب سيفي من رعب ولا دهش ... عن السير ولكن أخر القدر
ثم أغمد سيفه وجلس، فقال: كأني بابن المراغة ـ يعني جريراًـ قد هجاني فقال:
بسيف أبي رغوان سيف مجاشع ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن الظالم
وقام وانصرف وحضر جرير، فخُبِّرَ الخبر، ولم يُنْشد الشعر، فأنشأ يقول:
بسيف أبي رغوان سيف مجاشع ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن الظالم
فأعجب سليمان ما شاهد، ثم قال جرير: كأني بابن القين ـ يعني الفرزدق ـ وقد أجابني فقال:
ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل العناق حما المغارم
ثم أخبر الفرزدق بالهجو دون ما عداه فقال مجيباً:
كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... وتقطع أحيانا مناط التمائم
ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل العناق حما المغارم
وكما وقع في بعض الأمكنة للقاضي البيضاوي مع مفتي الروم أبي السعود في تفسيريهما.
وكما وقع في تفسير صديق حسن خان المسمّى ((فتح البيان مع تفسير)) الإمام الشوكاني المسمَّى ((فتح القدير))، وذلك من حيث الاتفاق في اللفظ والمبنى.
وكما وقع للإمام الرازي وللشيخ محيي الدين ابن العربي في قوله - جل جلاله -: من سورة ((ص)) حكاية عن سليمان - عليه السلام -: {قال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب} من حيث الاتفاق في المفهوم والمعنى عكس ما ذهب إليه أكثر المفسرين.
وذلك أن أكثرَهم ذكر أن سليمانَ - عليه السلام - اشتغل بمباشرة الخيل حتى توارت الشمس بالحجاب، وفاتته صلاة العصر لاشتغاله بالخيل، ثمّ قال: ردّوها علي فطفق مسحاً بالسوق والأعناق: أي ردوا الخيل علي، وجعل يمسح بالسيف السوق منها: والأعناق: أي يقطعها قطعاً بسبب اشتغاله بالنظر إليها، وهذا التفسيرُ ليس ليس عليه دليل كما قال الإمام الرازي، وهو مناف لمقام الأنبياء قالا.
الجزء 1 · صفحة 69
بل المراد بقوله - جل جلاله -: {إني أحببت حب الخير }، وهذا الحبّ ناشئ عن حبّ الله، وذكره لا عن الغفلة عنه؛ لأنه أحبها للجهاد والغزو عليها تقوية للدين، ثم إنه أمر بإعدائها وتسييرها؛ ليتعرف ركضها حتى توارت الخيل بالحجاب: أي غابت عن بصره، ثم أمر الرائضين بأن يردوا تلك الخيل إليه، فلمّا عادت جعل يمسح سوقها وأعناقها بيده فرحاً وإعجابا بخير ربّه لا فرحاً بالدنيا، وليتعرف هل فيها ما يدلّ على الخلل والعيب، وليس للمفسِّرين الذين جعلوا التواري للشمس دليل، فإن الشمسَ ليس لها هنا ذكر، ولا الصلاة التي يزعمون، ويلزم منه تفكيك الضمائر من دون موجب هذا. والله اعلم بالصواب واليه المرجع والمآب.
***المسلك الحادي عشر
في ذكر أقسام المصنفين وأحوالهم
وبيان النسج على منوالهم
وليعلم أن المؤلفين المعتبرة تصانيفهم فريقان:
(الاول): من له ملكة في العلم ودربه (1) كافية وتجارب وثيقة وحدس صائب ، وفهم ثاقب فتصانيفهم عن قوة تبصرة ونفاذ فكر وسداد راي كالنصير والعضد والسيد والسعد والجلال وامثالهم فان كلا منهم يجمع الى تحرير المعاني تهذيب الالفاظ وهؤلاء احسنوا الى الناس كما احسن الله سبحانه وتعالى اليهم وهذه لا يستغني عنها احد .
(الثاني ): من له ذهن ثاقب وعبارة طلقة طالع الكتب فاستخرج دورها واحسن نظمها وهذه ينتفع بها المبتدؤن والمتوسطون ومنهم من جمع وصنف للاستفادة لا للإفادة فلا حجر عليها بل يرغب اليه اذا تاهل فان العلماء قالوا ينبغي للطالب ان يشتغل بالتخريج والتصنيف فيما فهمه منه اذا احتاج الناس اليه بتوضيح عبارته غير مائل عن المصطلح مبينا مشكله مظهرا ملتبسه كي يكسبه جميل الذكر وتخليده الى اخر الدهر .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)بكسر الدال وفتحها.
الجزء 1 · صفحة 70
( فينبغي ) ان يفرغ قلبه لاجله اذا شرع ويصرف اليه كل شغله قبل ان يمنعه مانع عن نيل ذلك الشرف ثم اذا تم لا يخرج ما صنفه الى الناس ولا يبرزه عن يده الا بعد تهذيبه وتنقيحه وتحريره واعادة مطالعته فانه قد قيل الانسان في فسحة من عقله وفي سلامة من افواه جنسه ما لم يضع كتابا اولم يقل من شعره وقد قيل من صنف كتابا فقد استشرف للمدح والذم فان احسن فقد استهدف للغيبة والحسد وان اساء فقد تعرضلشتم والقذف قال الحكماء مناراد ان يصنف كتابا او يقول شعرا فلا يدعوه العجب به وبنفسه الى ان ينتحله ولكن يعرضه على اهله في عرض رسائل أو أشعار فان رأى الأسماع تصغي إليه ورأى من يطلبه انتحله وادعاه وإلا فليأخذ في غير تلك الصناعة قال بعضهم :
لا تعرضن على الرواة قصيدة ما لم تكن بالغت في تهذيبها
واذا عرضت الشعر غير مهذب عدوه منك وساوسا تهذي بها
ومن الغريب الواقع على ما ذكره ابن خلدون ولملا كاتب جلبي في كشف الظنون ان علماء الملة الاسلامية في العلوم الشرعية و العقلية اكثرهم العجم الا القليل النادر وان كان منهم العربي في نسبته فهو اعجمي في لغته والسبب في ذلك ان الملة في اولها لم يكن فيها علم ولا صناعة لمقتضى أحوال البداوة وإنما فيها أحكام الشريعة كان الناس ينقلونها في صدورهم وقد عرفوا مأخذها من الكتاب والسنة بما تلقوه من صاحب الشرع وأصحابه والقوم يومئذ عرب لم يعرفوا امر التعليم ولتدوين ولا دعتهم إليه حاجة إلى آخر عصر التابعين وكانوا يسمون المختصين بحمل ذلك ونقله القراء فهم قراء كتاب الله سبحانه وتعالى والسنة المأثورة التي هي في غالب موارده تفسير له وشرح كما قال بعضهم :
كتاب الله يحوي كل شيء وسنة احمد المختار شرحه
الجزء 1 · صفحة 71
فلما بعد النقل من لدن دولة الرشيد احتيج الى وضع التفاسير القرانية وتقييد الاحاديث النبوية مخافة ضياعه ثم احتيج الى معرفة الاسانيد وتعديل الرواة ثم كثر استخراج احكام الواقعات من الكتاب والسنة وفسد مع ذلك اللسان فاحتيج الى وضع القوانين النحوية وصارت العلوم الشرعية كلها ملكات في الاستنباط والتنظير والقياس واحتاجت الى علوم اخرى هي وسائل لها كقوانين العربية وقوانين الاستنباط والقياس والذب عن العقاائد بالادلة فصارت هذه الامور كلها علوما محتاجة الى التعليم فاندرجت في جملة الصنائع والعرب ابعد الناس عنها فصارت العلوم لذلك حضرية والحضر هم العجم او من في معناهم لان اهل الحواضر تبع للعجم في الحضارة واحوالها من الصنائع والحرف لانهم اقوم على ذلك للحضارة الراسخة فبهم منذ دولة الفرس فكان صاحب صناعة النحو سيبويه والفارسي والزجاج كلهم عجم في انسابهم اكتسبوا اللسان العربي بمخالطة العرب وصيروه قوانين لمن بعدهم وكذلك حملة الحديث وحفاظه اكثرهم عجم او مستعجمون باللغة ، وكان علماء اصول الفقه كلهم عجما وكذلك جملة اهل الكلام واكثر المفسرين ولم يقم بحفظ العلم وتدوينه الا الاعاجم واما العرب الذين ادركوا هذه الحضارة وخرجوا اليها عن البداوة فشغلهم الرياسة في الدولة العباسية وما دفعوا اليه من القيام بالملك عن القيام بالعلم مع ما يلحقهم من الأنفة عن انتحال العلم لكونه من جملة الصنائع والرؤساء يستنكفون عن الصنائع واما العلوم العقلية فلم تظهر في الملة الا بعد أن تميز حملة العلم ومؤلفوه واستقر العلم كله صناعة فاختصت بالعجم وتركها العرب فلم يحملها الا المستعربون من العجم هذا والله اعلم .
( في ذكر كلمات ورموز يستعملها العرب)
الجزء 1 · صفحة 72
منها (التحكم) في قولهم في هذا القول تحكم أي ترجيح من دون مرجح ، ومنها (التعسف) وهو ارتكاب ما لا يجوز عند المحققين وان جوزه بعضهم ويطلق على ارتكاب ما لا ضرورة فيه والأصل عدمه وقيل حمل الكلام على معنى لا تكون دلالته عليه ظاهرة وهو اخف من البطلان ،ومنها( التساهل ) ويستعمل في كلام لا خطا فيه ولكن يحتاج فيه إلى نوع توجيه تحتمله العبارة ،ومنها (التسامح )وهو استعمال اللفظ في غير موضعه الأصلي كالمجاز بلا قصد علاقة مقبولة ولا نصب قرينة دالة عليه اعتمادا على ظهور القيم من ذلك المقام ،ومنها (التمحل)والتكلف والاحتيال اعني الطلب بحيلة ، ومنها (التأمل) وهو إعمال الفكر (والتدبر )تصرف القلب بالنظر في الدلائل (والأمر )بالتدبر بغير فاء للسؤال في المقام وبالفاء يكون بمعنى التقرر والتحقيق لما بعده كذلك تأمل وفليتامل ،قال بعضهم تأمل بلا فاء إشارة إلى الجواب القوي وبالفاء إشارة إلى الجواب الضعيف وفليتامل إلى الأضعف ، وقيل معنى (تأمل) أن في هذا المحل دقة ومعنى (فليتأمل ) هكذا مع زيادة بناء على أن كثرة الحروف تدل على كثرة المعنى ،(وفيه نظر ) يستعمل في لزوم الفساد (فيه بحث) معناه اعم من أن يكون في هذا المقام تحقيق أو فساد فيحمل عليه على المناسب للمحل وإذا كان السؤال أقوى قائل (ولقائل) فجوابه أقول أو نقول بإعانة سائر العلماء وإذا كان ضعيفا يقال فان قيل وجوابه أجيب أو يقال، وإذا كان اضعف يقال لا يقال وجوابه لانا نقول وإذا كان قويا يقال فان قلت فجوابه قلنا أو قلت وقيل فان قلت بالفاء سؤال عن القريب والواو عن البعيد (ولفظ قبل ) يقال فيما فيه اختلاف وقيل فيه إشارة إلى ضعف ما قالوا ،وكذا لفظة (قالوا) والحق انه إن علم أن قائله التزم أن بذكر الحكم المرجوح بهذه الصيغة أو يشير بها إلى ضعفه قضى به جزما كما علم من عادة مؤلف ملتقى الأبحر فانه صرح في ديباجته عند ذكر التزاماته فيه أن كل ما صدرته بلفظ قيل أو قالوا
الجزء 1 · صفحة 73
وان كان مقرونا بالأصح ونحوه فانه مرجوح بالنسبة إلى ما ليس كذلك اهـ. وإلا فلا يجزم بذلك ومن ثم قال الشرنبلالي في رسالته المسماة بالمسائل البهية على المسائل الاثنى عشرية ،ليس كل ما دخلت عليه صيغة قيل يكون ضعيفا وبهذا يظهر أن ما اشتهر من أن قيل ويقال ونحو ذلك صيغ التمريض ليس معناه أنها موضوعة لذلك وأنها مفيدة له كليا بل يعلم ذلك إما بالتزام قائله وإما بقرينة سياقه (1) وسياقه ومقامه .ولفظ (لا باس ) أكثر استعمالها في المباح ونحوه وما تركه أولى وفي رد المحتار كلمة لا باس وان كان الغالب استعمالها فيما تركه أولى لكنها قد تستعمل في المندوب ، ولفظ (ينبغي) وفي عرف المتأخرين غلب استعماله فيما يندب (ولا ينبغي ) فيما يكره تنزيها وأما في عرف المتقدمين فاستعماله في اعم من ذلك حتى يشمل الواجب أيضا وهو في القران كثير قال تعالى:{ ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك أولياء} قال في المصباح وينبغي أن يكون كذا معناه يجب أو يندب بحسب ما فيه من الطلب كذا في رد المحتار والمراد من قولهم ذهب إليه،( عامة المشايخ ) أكثرهم كذا في فتح القدير ولفظ (اللهم إلا أن يكون كذا ) يأتون في صدر جواب فيه ضعف ويكون نادرا غريبا كأنهم لضعفه وندرته يستظهرون بالله في إثبات وجوده (وفي الجملة) يستعمل في الإجمال (وبالجملة )في التفصيل (ومحصل الكلام )إجمال بعد التفصيل (وحاصل الكلام)تفصيل بعد الإجمال .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)الفرق بين السياق والسباق أن الأول بالياء المثناة تحت أكثر استعماله في القرينة اللفظية المتأخرة والثاني بالباء الموحدة في المتقدمة وقيل الأول فيما هو اعم من المتقدمة والمتأخرة(منه)
الجزء 1 · صفحة 74
وإما الرموز التي يستعملها المؤلفون فكتابتهم (مم)إشارة إلا انه ممنوع و(لانم)إشارة إلى لا نسلم (لانح)إلى قولهم لا يخفى و (الظ) إلى الظاهر و(ايض)إلى أيضا و(رض)إلى قولهم رضي الله (رح الله) إلى رحمة الله ، و(ص) إلى المتن و(ش)إلى الشرح و(المص) إلى المصنف و(الشر)إلى الشارح و( نخ)إلى نسخة و(اهـ) إلى انتهى و(الخ)إلى آخره و(ح) إلى حينئذ وهذا في غير كتب الحديث وغير كتب الحنفية فان كانت في كتب الحديث فهي إشارة لتحويل السند وان كانت في كتب الحنفية فهي رمز للحلبي أو لأبي حنيفة رحمه الله ،و(صلعم)إشارة إلى صلى الله عليه وسلم لكنه لا ينبغي بهذه الصورة أن يرسم بل ينبغي أن يكتب بتمامه كما قال النووي في كتابه المسمى بالتقريب المؤلف في مصطلح الحديث ونص عبارته وينبغي أن يحافظ على كتابة الصلاة والتسليم على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كلما ذكر ولا يسأم من تكرره ومن أغفله حرم أجرا عظيما ويكره الرمز أليهما في الكتابة بحرف أو حرفين كمن يكتب صلعم بل يكتبهما بكمالها اهـ .ويقال أن أول من رمزها بصلعم قطعت يده ، ويقع في كتب الحديث كتابة (ثنا) إشارة إلى حدثنا و(أنا) إلى اخبرنا وجرت عادة المنطقيين بالتعبير عن الموضوع (بج ) وعن المحمول (بب) للاختصار ولدفع توهم الانحصار نحو قولهم كل ج ب أي كل إنسان حيوان ورمزوا بكتابة (فذ) إلى قولهم فذلك وبكتابة (هذا خف ) إلى قولهم هذا خلف وغالب وقوع هذه الرموز في كتب العجم والله اعلم .
( في التراجم المعهودة بين المؤلفين)
التراجم (بكسر الجيم كالخواتم أو العوالم وكثير من الناس يضمها لحنا ) جمع ترجمان مثل زعفران وزعافر وصحصحان وصحاصح وفي ترجمان ثلاث لغات ترجمان بفتح التاء والجيم وترجمان بضمها كعنفوان وبفتح التاء وضم الجيم ذكرها العلامة الأمير في حاشيته على شذور الذهب عند قوله :
إن الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
الجزء 1 · صفحة 75
واصل الترجمة إبدال لفظة بلفظة تقوم مقامها بخلاف التفسير والمراد بها هنا عنوان البحث الآلي ودليله قال بعضهم وإنما بوبت الكتب وجعل لها تراجم لأنها أسهل في وجدان المسائل وادعى لحسن الترتيب والنظم ولان القارئ إذا ختم بابا وشرع في أخر كان أنشط وابعث له كالمسافر إذا قطع فرسخا وشرع في أخر ولذا كان القران سورا فما ترجموا به (المقدمة) وهي اسم لطائفة من الألفاظ تقدمت أمام المقصود لارتبط له بها وانتفاع بها فيه كما أن (الخاتمة )اسم لألفاظ تأخرت عن المقصود لارتباط له بها (فالأولى ) ارتباط السابق باللاحق (والثاني) ارتباط اللاحق بالسابق (والتتمة) هي ما تمم به الكتاب أو الباب وهو قريب من معنى الخاتمة والكتاب وهو اسم لجملة مختصة مشتملة على أبواب وفصول وفروع ومسائل غالبا ( والباب) وهو اسم لجملة مختصة مشتملة على فصول الخ ,( والفصل ) وهو اسم لجملة مشتملة على فروع الخ (والمسالة ) وهي تطلق على مجموع القضية وعلى النسبة وتعرف بأنها مطلوب خبري يبرهن عليه في العلم كما في قول الوتر واجب أو مندوب فثبوت الجوب أو الندب للوتر مطلوب خبري قام عليه البرهان في العلم ( فائدة ) ذكر الشهاب الخفاجي في بعض حواشيه في قول المؤلفين ، تنبيه مثلا يجوز أن يكون معربا خبر مبتدأ محذوف وان يكون ساكنا موقوفا غير معرب كالأسماء المعدودة لأنه لم يقصد تركيبه (والتنبيه )وهو عنوان البحث الآتي بحيث يعلم من البحث السابق إجمالا (والتذنيب) وهو جعل الشيء ذنابة والفرق بين التذنيب والتنبيه مع اشتراكهما في أن كلا منهما يتعلق بالمذاهب المتقدمة إن ما ذكر في حيز التنبه بحيث لو تأمل المتأمل في المباحث المتقدمة لفهمه منها بخلاف التذنيب ومما يجب التنبيه له في هذا المقام تذكيرا وتحفة للإخوان الكرام أن مسمى الكتاب إنما هو الألفاظ المؤلفة لكن باعتبار دلالتها على المعاني كما هو التحقيق من احتمالات سبعة ذكرها السيد الجرجاني في مسمى الكتب حيث قال
الجزء 1 · صفحة 76
يحتمل انه الألفاظ فقط أو المعاني فقط أو النقوش فقط أو اثنان من هذه الثلاثة أو مجموع الثلاثة والمختار الأول لكن بقيد ملاحظة المعاني فان الألفاظ وان كانت أعراضا منقضية لكن لما ضم إليها اعتبار المعاني تقوت وصلحت لان تكون مدلولا فملاحظة المعاني شرط وليعلم أن أسماء الكتب كالكافية والشافية والمفتاح والمصباح ومثلها أسماء التراجم كالكتاب والباب والفصل والفرع من قبيل علم الشخصي لان المسمى بها هو الألفاظ المخصوصة الدالة على المعاني المخصوصة مشخص معين فهي من الوضع الشخصي الخاص الموضوع له خاص ولا نظر لتعدده بتعدد المحل والتلفظ لان ذلك التعدد تدقيق فلسفي لا يعتبره أرباب العربية ألا ترى أنهم يجعلون وضع الضرب والقتل وضعا شخصيا لا نوعيا لجعل الموضوع امرا متعينا لا متعددا بخلاف أسماء العلوم كالنحو والصرف والمنطق فإنها من قبيل علم الجنس على المشهور فان اسم كل علم كلي عام يتناول أفرادا متعددة إذ القائم منه يزيد غير القائم بعمر وشخصا ولكن اختار بعض المحققين انه من قبيل علم الخص أيضا إلا انه سمي به الذي هو الأحكام المخصوصة مشخص معين ولا نظر لتعدده بتعدد المحل ، ورد قولهم إن أسماء العلوم من قبيل إعلام الأجناس ليس مبنيا على ان الشيء يتعدد بتعدد محله الذي هو تدقيق فلسفي لأنه لما كانت أسماء العلوم أسماء القواعد وهي قابلة للزيادة لأنها تزيد بزيادة العلماء كانت أسماء ماهيات القواعد الكلية الشاملة تلك الماهية لما حصل بالفعل مكن الأفراد ولم يحصل منها كأسامة اسم لماهية الشاملة لما حصل من الإفراد بالفعل ولم لم يحصل بخلاف أسماء الكتب والتراجم فانه أسماء لا شيء لا تقابل الزيادة إذ هي أسماء لما حصل بالفعل هذا ونقل عن السيد الجرجاني أن بعضهم يفصل في أسماء العلوم بين أن يراد بها القواعد أو الإدراكات فجعلها على الأول إعلاما شخصية معللة بان القواعد التي في ذهن زيد هي التي هي في ذهن عمرو ومن غير نظر إلى تعدد
الجزء 1 · صفحة 77
المحل وعلى الثاني إعلاما جنسية معللا بان الإدراك أمر كلي له أفراد متميزة بالشخص ضرورة أن إدراك زيد يغاير إدراك عمرو وان لم ينظر إلى المحل بخلاف ما سبق فان التميز فيه إنما جاء من محله وأما إذا أريد بها الملكة فالظاهر أن حكمها الإدراك والله اعلم .
( في الرد على من ينكر التصنيف في هذا الزمان والاعتذار عما يقع من الخطأ والنسيان)
وليعلم أنه لا وجه لإنكار التصنيف مطلقا بعد صدوره من أهله وماحمل المنكر على الإنكار إلا التنافس والحسد السائر بين أهل الأعصار وما دري لا دري أنه سلط على حسناته نارا في إعصار وما ذاك إلا من حب الشهرة والتفرد بالفضائل وحب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة نسأل الله العفو والعافية ولله درّ من قال في قضية الحال:
قل لمن لا يرى المعاصر شيئا ويرى للأوائل التقديما
إن ذاك القديم كان حديثا وسيبقى هذا الحديث قديما ……
وقول الآخر :
ترى الفتى ينكر فضل الفتى خبثا ولؤما فإذا ما ذهب
لج به الحرص على نكتة يكتبها عنه بماء الذهب
وقد أضحت أعراض المصنفين ، أغراض سهام السنة الحاسدين ، وغدت أيديهم تنهب نفائس تصانيفهم ثم ترميها بالكساد وكل ما يشين ، وقال ابن عبدوس النيسابوري لا اعلم كتابا سلم إلى مؤلفه ولم تتبعه من يليه :
أخا العلم لا تعجل بعيب مصنف ولم تتيقن زلة منه تعرف
فكم افسد الراوي كلاما بعقله وكم حرف الأقوال قوم وصحفوا
وكم ناسخ أضحى لمعنى مغيرا وجاء بشيء لم يرده المصنف
وبمعنى هذا أشار الاخضري بقوله :
وأصلح الفساد بالتأمل وان بهديهة فلا تبدل
إذ قيل كم مزيف عبحيحا لأجل كون فهمه قبيحا
أخذه من قول الشاعر :
وكم من عجائب قولا صحيحا وافته من الفهم السقيم
الجزء 1 · صفحة 78
نعم قد يجر الحسد إلى الجر إلى الدرس والافتراء، على من هم من العيوب أبرياء، ولا يفيد مع الحسود شيء ولو أوصلت إلى صنوف الآلاء. حكى الشيخ سعدي في كتابه المسمى كاستان ما معناه انه كان بباب ديوان بعض الملوك فنظر إلى ابن جاويش زائد الوصف في العقل الكياسة ،والفهم والفطانة والفراسة ، حتى حسده أبناء جنسه ، واتهموه بخيانة ، وسعوا في قتله في غير فائدة ولا صيانة فسأله الملك عن موجب هذه العداوة والخصومة فقال : قد أرضيت جميع من بدولتك الملوكية ، ماعدا الحساد ذوي النفوس الشقية ، فان الحسود لا يرضيه إلا زوال نعمتي أبقى الله دولتك ، ولفظ عبارته الأخيرة بالفارسية (كفت درساية دولت خدا وندي همكنانرا راضي كردم مكر حسود راكه راضي نميشود إلا بزوال نعمت من دولت وإقبال خدا وندي باقي باد ). وقد دس الحساد على مؤلفات العالم الرباني ، عبد الوهاب الشعراني ، وأذوه أذية شديدة إذ كتبوا في كتابه أشياء مدسوسة يتبرأ المصنف منها حتى اخرج المسودة الأصلية لعلماء عصره فلم يكن فيها ما دس عليه فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها ،وكان عند الأمراء وولاة زمانه فاضلا نبيها ، وما دري هذا الحاسد المسكين انه بحسده يظهر مزايا المحسود .
هم يحسدوني وشر الناس كلهم من عاش في الناس غير محسود
ولله درالقائل:
وإذا أراد الله نسر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود
وما أحسن ما قال بعضهم في الاعتذار ، عن الخلل في التأليف والعثار ،والمأمول من مكارم الأقران ،ومحاسن الخلان .أن يتجاوزوا عما يقع من السهو والنسيان بالصفح والغفران فان الكريم يصفح ويسمح واللئيم يفضح ويقدح ،وان عثروا على الخطأ لصريح ، فليستروه بالتصحيح فاني معترف بقلة البضاعة ، وراجل في مضمار تلك الصناعة :
جزى الله خيرا من تأمل صنعتي وقابل ما فيها من السهو بالعفو
وأصلح ما أخطأت فيه بفضله وفطنته واستغفر الله من سهوي
الجزء 1 · صفحة 79
وقال الأخر:
إذا أبصرت في لفظي قصورا ووهنا في الفصاحة والبيان
فلا تعجل بنقصي أن رقصي على مقدار تنشيط الزمان
ويأبى العصمة لكتاب غير كتابه والمنصف من اغتفر قليل الخطأ في كثير صوابه فان الله لم يرض أو لم يقدر العصمة لكتاب غير كتابه العزيز الذي قال فيه في حقه {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه }فغيره من الكتب قد يقع فيه الخلل والزلل من سعارهم. ذكر العلامة عبد العزيز البخاري في شرحه على أصول الإمام البز دوي ما نصه روى البويطي عن الشافعي رضي الله عنهما انه قال له إني صنفت هذه فلم آل فيها الصواب ولا بد أن يوجد فيها ما يخالف كتاب الله تعالى وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم ) قال الله تعالى:{ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا }فما وجدتم فيها مما يخالف كتاب الله وسنة رسوله فاني راجع عنه إلى كتاب الله تعلى وسنة رسوله(صلى الله عليه وسلم)وقال المزني قرأت كتاب الرسالة على الشافعي ثمانين مرة فما من مرة إلا وكان يقف على خطا فقال الشافعي أبى الله أن يكون كتابا صحيحا غير كتابه. اهـ
(فيما ينبغي أن يتصف به المصنفون)
الجزء 1 · صفحة 80
فينبغي لمن تصدى للتصنيف أو التأليف أن يكون متواضعا مجانبا للعجب بعمله فربما يظن الإصابة وهو مخطئ كما قال تعالى:{وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا } وقال عليه الصلاة والسلام :(( ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه)) . وقال ابن مسعود :الهلاك في اثنين القنوط والعجب ، وقال الغزالي وإنما جمع بينهما لان السعادة لا تنال إلا بالسعي والطلب والقنط لا يسعى ولا يطلب والمعجب يعتقد انه قد سعد وقد ظفر بمراده فلا يسعى فالموجود لا يطلب وكذا المحال والسعادة موجودة في اعتقاد القانط فمن هنا جمع بينهما . وقال العلامة الماوردي فأما الذي يجب أن يكون عليه العلماء من الأخلاق التي بهم أليق ولهم ألزم فالتواضع ومجانبة العجب لان التواضع عطوف والعجب منفر وهو بكل احد قبيح وبالعلماء أقبح لان الناس بهم يقتدون وكثيرا ما يداخلهم الإعجاب لتوحدهم بفضيلة العلم ولو أنهم نظروا حق النظر وعملوا بموجب العلم لكان التواضع بهم أولى ومجانبة العجب بهم أحرى لان العجب نقص ينافي الفضل ولا يجتمع معه لا سيما مع قول النبي (صلى الله عليه وسلم )إن العجب يأكل النار كما تأكل النار الحطب، فلا يفي ما أدركوه من فضيلة العلم بما لحقهم من نقص العجب وقد روى عبد الله بن عمر وقال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) )): قليل العلم خير من كثير العبادة)) وكفى لمرء علم إذا عبد الله عز وجل وكفى لمرء جهلا إذا عجب برأيه وقال عمر بن لخطاب رضي الله عنه ولو جهلا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والحلم وتواضعوا لمن تعلمون منه وليتواضع لكم من تعلمونه ولا تكونوا من جبابرة العلماء فلا يقوم علمكم بجهلكم وقال بعض السلف من تكبر بعلمه وترفع وضعه الله به ومن تواضع بعلمه رفعه به وعلة إعجابهم انصراف نظرهم إلى كثرة من دونهم من الجهال وانصراف نظرهم عمن فوقهم من العلماء فإنه ليس متناه في العلم إلا وسيجد من هو اعلم منه إذ