الدر البهي ...............
في الاحتفال بالمولد النبوي
جارٍ تحميل الكتاب…
الدر البهي ...............
في الاحتفال بالمولد النبوي
الطبعة الأولى
1441 هـ ـ 2020 م
الدر البهي
في الاحتفال بالمولد النبوي
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمدُ لله، والصَّلاة والسَّلام على سيّد الخلق، وإمام المجتهدين، وعلى آله وصحابته العظام الكرام إلى يوم الدّين.
وبعد:
فهذه خلاصة بهية في حكم الاحتفال بالمولد النبوي كنت كتبتها قبل سنوات عديدة، ورأيت من المناسب زيادة في النفع ونشر للخير أن تنشر مع الكتب الرقمية.
سائلاً المولى - عز وجل - أن يتقبّل منّا هذا العمل، ويجعلَه خالصاً لوجهه الكريم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
في صويلح، عمان الأردن
22 ـ 7 ـ 2024 م
مقدمة:
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
اتفق جماهير العلماء على جواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وألفوا ما لا يحصى من الكتب في استحبابه، ومنها:
* «التنوير في مولد البشير النذير» لأبي الخطاب ابن دحية (ت بعد 604 هـ).
* «المولد الهني في المولد السني» لزين الدين العراقي (ت 806 هـ).
* و «عرف التعريف بالمولد الشريف» لابن الجزري، (ت 833 هـ).
* و «النعمة الكبرى على العالم في مولد سيد ولد آدم» لابن حجر الهيتمي، (ت 974 هـ).
* و «حسن المقصد في المولد» للسيوطي (ت 911 هـ).
* و «مولد النبي - صلى الله عليه وسلم -» لعبد الرحمن الخياط.
* و «الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف» و «الأعلام بفتاوى أئمة الإسلام حول مولده عليه الصلاة والسلام» كلاهما للسيد محمد بن علوي المالكي.
* و «إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة» لعبد الله الغماري.
والمقصودُ من الاحتفال بالمولد هو تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم - مصداقاً لقوله - عز وجل -: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب} [الحج:32]، ولا شَكّ أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - من أعظم شعائر الله قطعاً وأجلها قدراً، ومن طرق إظهار هذا التعظيم إقامة المولد الشريف؛ لما فيه من احتفال بمولده الكريم، وإظهار معجزاته، وسيرته - صلى الله عليه وسلم -، واجتماع النّاس على قراءة القرآن الكريم والأحاديث، وإطعام الفقراء والمساكين.
قال السيوطي في «الحاوي للفتاوى» (¬1): «إن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن ورواية الأخبار الواردة في مبدأ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما وقع في مولده من الآيات ... هو من البدع التي يُثاب عليها صاحبُها لما فيه من تعظيم قدر النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشَّريف».
¬
(¬1) (1: 221).
ومن الأدلة على استحسان الاحتفال بالمولد:
1.قال - عز وجل -: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} [يونس:58] [يونس: 58]، فالله - عز وجل - طلب منا أن نفرح بالرحمة، والنّبيّ - صلى الله عليه وسلم - رحمة، قال - عز وجل -: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين} [الانبياء:107]، ففي «الدر المنثور» للسُّيوطي (4/ 367): عن ابن عباس - رضي الله عنهم - في الآية قال: «فضل الله العلم، ورحمته النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، قال - عز وجل -: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين} ... )، ولذلك قال الآلوسي في «روح المعاني» (10/ 141) عند قوله - عز وجل -: {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} للتَّأكيد والتَّقدير، بعد أن رجح كون الرَّحمة المذكورة في الآية هي النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: والمشهور وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرحمة كما يرشد إليه قوله - عز وجل -: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين}».
2. قال - عز وجل -: {وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود:120] في الآية طلب قص أنباء الرُّسل لما في ذلك من تثبيت الفؤاد، وسيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفضل الرسل، والمولد النبوي الشريف يشتمل على أنباء النبي - صلى الله عليه وسلم -، ففي ذكره تثبيت لأفئده المؤمنين، فهو حثّ على تكرار ذكر المولد والعناية به.
3. قال - عز وجل - على لسان سيدنا عيسى - عليه السلام -: {وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} [مريم:33] [مريم:33] هذه الآية والتي قبلها وغيرهما من آيات حافلة بالإشارات إلى ميلاد المسيح - عليه السلام -، ومدحه ومزاياه التي مَنّ الله بها عليه، وهي بمجموعها شاهدةٌ وداعيةٌ إلى الاحتفال بهذا الحدث العظيم. وما كان ميلاد محمد - صلى الله عليه وسلم - بأقل شأنا من
ميلاد عيسى - عليه السلام -، بل ميلاد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أعظم منه؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أكبر نعمة، فيكون ميلاده أيضاً أكبر وأعظم.
4. قال - عز وجل -: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ} [ابراهيم:5]، وقال - عز وجل -: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيم} [الشعراء:69] [الشعراء:69]، والمراد هو ذكرهم، واذكر ما أنعم الله به عليهم؛ لأنّ في ذكر ما جاؤوا به من الهدى، مما يلفت القلوب والعقول إلى فضل الله على عباده، ليلتفتوا بذلك إلى حقّ الله عليهم، لعلهم يرجون رحمته ويخافون عذابه، ويدعونه رغباً ورهبا، وذلك من أنباء الرُّسل منذ ولادتهم إلى أن يتوفّاهم الله في جميع أحوالهم، هدى للنّاس، يثبت الله به القلوب، وينير العقول، ويسمو بالأرواح، ويصقل البصائر، ويزكي المشاعر، ويسلس قياد الأنفس الجامحة، فترد إلى طاعة الله وإلى الوله بحبه، والعكوف عليه والتمسك به، والتعلق بمراضيته، والنفرة من غضبه، وكلُّ ذلك وأكثر منه تفيده الذكرى والتذكير بنعم الله، والاحتفال بها.
5. قال - عز وجل -: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56]، وهذا دليل واضح الدلالة في توفيره وتعظيمه في كلِّ وقت وحين؛ لأنّ حبَّه - صلى الله عليه وسلم - وولاءه أصل الدين وأساسه، فكلُّ العبادات تسوق إليه، وتطبع القلوب على حبّه، وهذا مقام شريفٌ واحتفاءٌ عزيز، وما الاحتفال بالمولد إلا تطبيع النّفس على كثرة الصَّلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - رجاء أن ينطبع حبّه وحبّ آله في القلوب؛ ليؤسس ذلك الحبّ ركن الإيمان، ويشيد صرح اليقين.
6. عن أبي قتادة أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: «ذلك يوم ولدت فيه، وفيه أنزل علي» (¬1) وهذا نصٌّ في الاحتفال بيوم مولده - صلى الله عليه وسلم - لا يحتمل غيره، ولم نجد للمخالفين جواباً عنه غلا طلب الاقتصار على الصيام فقط، وهي ظاهرية محضة، وتخصيص بدون مخصص، لكنها مع ذلك موافقة لنا في مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف.
ولله در ابن رجب حيث قال في هذا المعنى في كتابه «لطائف المعارف» (¬2): «فيه إشارةٌ إلى استجاب صيام الأيام التي تتجدد فيها نعم الله على عباده، فإن أعظم نعم الله على هذه الأمة إظهار محمّد - صلى الله عليه وسلم - وبعثته وإرساله إليهم، كما قال - عز وجل -: {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ} [آل عمران:164]، فصيام يوم تجددت فيه هذه النَّعمة من الله - عز وجل - على عباده المؤمنين حسن جميل، وهو من باب مقابلة النّعم في أوقات تجددها بالشكر». والمقصود الوصول بهذه طاعة إلى محبّة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقد يتحقَّق هذه بأي وسيلة مشروعة، فالوسائل لها حكم المقاصد إذا كان المقصد شرعياً.
¬
(¬1) «في صحيح مسلم» (2/ 819) ..
(¬2) (ص98).
7. عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهم - قال: «لما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسئلوا عن ذلك فقالوا: هو اليوم الذي أظفر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، ونحن نصوم تعظيما له، فقال - صلى الله عليه وسلم -: نحن أولى بموسى، وأمر بصومه» (¬1).
واستدل بهذا الحديث ابنُ حجر العسقلاني على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، كما في «الحاوي للفتاوي» (¬2)، فقال: «فيستفاد منه الشُّكر لله على ما مَن به في يوم معين من إسداد نعمة أو دفع نقمة، ويعد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشُّكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسُّجود والصِّيام والصَّدقة والتَّلاوة، وأي نعمة أعظم من هذه النعمة ببروز هذا النّبيّ، نبيّ الرّحمة في ذلك اليوم».
8.عقَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - عن نفسه بعد نبوته - صلى الله عليه وسلم -، قال السيوطي في «حسن المقصد» (¬3): «وقد ظهر تخريجه على أصل آخر، وهو ما أخرجه البَيْهَقيُّ عن أنس - رضي الله عنه - أنّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَقّ عن نفسه بعد النُّبوة، مع أنّه ورد أنّ جدّه عبد المطلب عَقّ عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تُعاد مرّة ثانية، فيُحمل
¬
(¬1) في «الموطأ» (1: 108) و «سنن الترمذي» (2: 359) وصححه.
(¬2) (1: 196).
(¬3) (1: 196).
ذلك على أنّ الذي فعله النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - إظهار للشّكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين، وتشريع لأمته كما كان يُصلي على نفسه، لذلك فيستحبُّ لنا
أيضاً إظهار الشّكر بمولده بالاجتماع، وإطعام الطّعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرّات.
وأمّا الاجتماع على الخير فهو مشروع بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقعد قوم يذكرون الله - عز وجل - إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرّحمة، ونزلت عليهم السَّكينة، وذكرهم الله فيمَن عنده» في «صحيح مسلم» (¬1)، وقال ابن حجر الهيتمي (¬2): «وفيه أوضح دليل على فضل الاجتماع على الخير والجلوس له وأن الحالتين على الخير ... ».
9. إنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - قال في فضل الجمعة: «فيه خلق آدم» (¬3) فقد تشرف يوم الجمعة بخلق آدم، فبدلالة النّصّ ثبت فضل يوم ولد فيه المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، ولا يختّص هذا الفضل بنفس اليوم الذي ولد فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل يكون له نفس الفضل كلّما تكرر، كما هو فضل في يوم الجمعة.
¬
(¬1) (4: 2074).
(¬2) في «الفتاوى الحيثية» (ص150).
(¬3) في «الموطأ» (1: 108) و «سنن الترمذي» (2: 359) وصححه.
ومن أقوال العلماء في استحسان الاحتفال بالمولد:
انعقد الإجماع على استحسان الاحتفال بالمولد، فقد ذكر العلماء أنّ أوّل مَن فعل المولد الملك المظفر صاحب إربل، وكان يحضر المولد الأكابر من العلماء وغيرهم، واستحسنه غيرُ واحدٍ من الأئمة المجتهدين، ومنهم:
قال أبو شامة المقدسي (ت665هـ) في «الباعث على إنكار البدع والحوادث»: «ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل في اليوم الموافق ليوم مولده - صلى الله عليه وسلم - من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور، فإن في ذلك ـ مع ما فيه من الإحسان للفقراء ـ إشعاراً بمحبته - صلى الله عليه وسلم -».
قال السيوطي في «حسن المقصد في عمل المولد» في إجابة سؤال رفع إليه عن عمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول ما حكمه من حيث الشرع؟ وهل هو محمود أو مذموم. وهل يثاب فاعله؟ قال: والجواب عندي أن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما وقع في مولده من الآيات، ثمّ يمدّ سماط يأكلونه، وينصرفون من غير زيادة على ذلك، هو من البدع الحسنة التي يُثاب عليها صاحبها؛ لما فيه من تعظيم قدر النبي - صلى الله عليه وسلم - وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف».
وقال ابن الجزري في «عرف التعريف بالمولد الشريف»: «أنه صحّ أنّ أبا لهب يُخفف عنه العذاب في النّار كلّ ليلة اثنين لاعتاقه ثويبة عندما
بشّرته بولادة الّنبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النّار بفرحة ليلة مولد النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -،, فما حال المسلم الموحد من أمّة النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يسر بمولده، ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته، لعمري إنّما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنة النعيم.
قال ابن كثير في «التاريخ» وابن خلكان في ترجمة الحافظ الخطاب بن دحية: «كان من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء، قدم المغرب فدخل الشام والعراق واجتاز بإربل (604هـ)، فوجد ملكها المعظم مظفر الدّين بن زين الدين، يعتني بالمولد، فعمل له كتاب «التنوير في مولد البشير النذير»، وقرأه عليه بنفسه فأجازه بألف دينار».
قال ابن حجر العسقلاني: «أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة الصحابة والتابعين وتابع التابعين، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كان بدعاً حسنةً، وإلا فلا».
فهذه إشارة لطيفة وتنبيه عابر لأهمية إحياء هذه المناسبة العطرة في قلوب المؤمنين؛ ليزدادوا حباً وتعظيماً وتوقيراً لنبيهم - صلى الله عليه وسلم -، وتمسكاً بسنته ونهجه الكريم في حياتهم.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
* ... * ... *