الحكم الفقهي ..........
.. لتعلم أحكام التجويد
جارٍ تحميل الكتاب…
الحكم الفقهي ..........
.. لتعلم أحكام التجويد
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
الحكم الفقهي
لتعلم أحكام التجويد
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* نُشِر في مجلّة الدراسات التابعة لكلية اللُّغات والدراسات الإسلامية في جامعة بهاء الدين زكريا في مولتان.
خلاصة البحث:
إن هذه البحث يغوض في مسألة تمس كل مسلم ومسلمة، وهي حكم تعلم أحكام التجويد لآحاد المسلمين، وبقدر حاجة الناس للأمر تكون أهميته؛ لذلك كانت هذه الدراسة متأنية، تتبعت فيها كتب اللغة والتفسير والحديث والفقه والتجويد؛ لأصل إلى تقرير شاف واف فيها، يرضى به كل قارئ منصف، بعد أن غلت فيه طوائف فجعلته فئة منهم بدعة، وجعلته أخرى فرض على كل مسلم، وهذا مخالف لما عليه جمهور علماء الأمة من سنيته واستحبابه، ولتنقيح ذلك وترجيح الصواب فيه، كانت الدراسة في تمهيد وسبعة مباحث وخاتمة:
التمهيد: في أقسام الحكم الشرعي:
المبحث الأول: في نصوص القرآن الدالة على الترتيل، عرضت فيها أقوال المفسرين من التابعين ومن بعدهم في تفسير الآيتين الوارد فيهما لفظ الترتيل، وكان محتوى كلام المفسرين في أن معناه: إن الله أنزل القرآن شيئاً بعد شيء على حسب ما تقضيه الحاجة، ولئلا يكون على الناس في حفظه والتزام أحكامه مشقة وعسر، فكان في ذلك تبييناً لما فيه الأحكام وتفصيلاً، ولم يرد أن المقصود فيها هو قراءة القرآن بأحكام التجويد، حتى يستدل بهما على وجوبه.
المبحث الثاني: في الأحاديث الواردة في ترتيل القرآن، عرضت فيها لأبرز الأحاديث الواردة في ذلك مع كلام الشراح عليها، وخلاصة كلامهم أن فيها بيان ما كان عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - من القراءة للقرآن وحضه على العناية بقراءة القرآن والاعتناء به، وتزيين الأصوات به، ولا يوجد في كلامهم ما يدلّ على إفادة هذه الأحاديث للوجوب.
المبحث الثالث: في أقوال العلماء في استحباب وسنية قراءة القرآن بالترتيل عرضت فيها أقوال علماء المذاهب الأربعة المتبعة، فكانت نصوصهم صريحة في سنية واستحباب قراءة القرآن بأحكام التجويد، ومعلوم أن التعلم فرع العمل.
المبحث الرابع: في الإجماع على سنية واستحباب الترتيل، عرضت فيه معنى الإجماع عند الأصوليين، ونص الإمام النووي - رضي الله عنه - على الإجماع في سنية واستحباب الترتيل، وأن واقع الأمة في الماضي والحاضر، مؤيد لهذا الإجماع.
المبحث الخامس: في أن تعلم أحكام ترتيل القرآن فرض كفاية، حققت فيها أن حاله ككثير من العلوم فرض كفاية إن قام به البعض سقط عن الباقين، وأنه يكون فرض عين على مَن تخصص فيه أي صاحب كل قراءة ورواية، وإن كان تعلمه وقراءته لعامة المسلمين سنة.
المبحث السادس: في معنى بيت الجزري في حكم تعلم التجويد، وهو: الأخذ بالتجويد حتم لازم .... وقد توهم البعض أن يفيد الوجوب، فذكرت كلام كبار الشراح المعتمدين فقهياً كزكريا الأنصاري الشافعي وعلي القاري الحنفي في أنه فيما يغير معنى الآيات فيعكسها، أو لا يميز بين الحركات، وأيضاً في أنهم حملوه على أهل الاختصاص.
المبحث السابع: في ذكر أدلة القائلين بوجوب تعلم التجويد مع الرد عليها، عرضت فيها أبرز حججهم وذكرت وجوه تفنيدها وردها.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنزل القرآن مفرقاً مرتلاً، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، المجود لكتابه العظيم، وعلى آله وصحبه ومن سار على دربهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين.
وبعد:
إننا نطالع اهتماماً كبيراً بعلم التجويد من بين العلوم الشرعية الأخرى، لا سيما بعد الاهتمام بإنشاء دور للقرآن في كثير من المساجد، وإقامة جمعيات خاصة تعنى بتحفيظ كتاب الله، وتعليم أحكام قراءته؛ لذلك كثرت الكتب المؤلفة بتجويد القرآن، وبيان أحكامه، نفع الله بهذه الجهود الطيبة المسلمين، وجعلها منارة للمؤمنين.
رغم كل هذا نجد فئة من الناس المنتسبين إلى العلم يدعون أن تعلم أحكام التجويد بما فيه من إخفاء وإظهار ومد وغيرها بدعة لم يقم بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع صحابته الكرام، وإنما ينبغي قراءة القرآن كل على حسب سليقته، وسقوط هذا الدعوى واضح وبيَّن لمن يعلم أن هذه القراءات بالكيفيات التي نقلت فيها إلينا هي موقوفة لا اجتهاد فيها، وهذا محلّ اتفاق فيما أعلم عند المشتغلين بالقراءات، فإذا ثبت هذا علم
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علّمها للصحابة - رضي الله عنهم - ومن ثم نقلت إلينا، بالإضافة لما سيأتي من الأحاديث الواردة في كيفية قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأخذ الصحابة - رضي الله عنه - منه ذلك.
والناظر في كتب التجويد المعاصرة يجدها متوافقة بما فيها من أحكام، لا سيما في مسألة حكم تعلم أحكام التجويد إلى حدٍّ كبير؛ إذ منهم (¬1): مَن جعله فرض عين على كلّ مَن يريد قراءة القرآن أو شيء منه، ومنهم (¬2): مَن جعله واجباً، إلى غير ذلك.
وأمام هذين الرأيين المغاليين بهذا الحكم الشرعي، المدعي أحدهما بدعية تعلمه، والثاني فرضيته على كل مسلم ومسلمة، حاله بذلك كحال
الصلاة وغيرها من الأحكام الشرعية.
¬
(¬1) ينظر: المنير في أحكام التجويد (ص12)، كفاية المستفيد في علم التجويد (ص5)، المرشد في علم التجويد (ص37)، والميسر المفيد في علم التجويد (ص8)، وحق التلاوة (ص14)، والملخص المفيد في علم التجويد (ص10)، وهداية القاري إلى تجويد كلام الباري (ص47)، والنبع الريان في تجويد كلام الرحمن (ص29)، ودروس مهمة في شرح الدقائق المحكمة (ص89)، وبغية الكمال شرح تحفة الأطفال (51 - 64)، ومختصر فتح الرحمن العظيم (ص33، 99 - 101)، وغيرها.
(¬2) ينظر: كيف تجود القرآن وترتله ترتيلا (ص13)، وتجويد القرآن الكريم: أسسه وتطبيقاته ورموز ضبطه (ص25)، شرح طيبة النشر (ص35)، والسلسبيل الشافي في أحكام التجويد الوافي (ص80 - 81)،وغيرها.
ومعلوم أن كلَّ علم يؤخذ من أهله، وهذه المسألة مسألة فقهية، يسأل عنها المشتغلين بالفقه لا القراءة، وبمراجعة هذه الجزئية في كتب الفقه وغيرها، نلاحظ أن كلا الرأيين السابقين مخالف لما عليه جمهور العلماء سلفاً وخلفاً من سنيته واستحبابه كما سيأتي؛ لذلك كان من الواجب بيان هذا الحكم وعرضه أمام المتخصصين والطالبين؛ ليكونوا على بصيرة من ذلك.
ولتحقيق المرام قمت بتقسيم هذا البحث إلى تمهيد وسبعة مباحث وخاتمة، وهي:
تمهيد: في أقسام الحكم الشرعي:
المبحث الأول: في نصوص القرآن الدالة على الترتيل.
المبحث الثاني: في الأحاديث الواردة في ترتيل القرآن.
المبحث الثالث: في أقوال العلماء في استحباب وسنية قراءة القرآن بالترتيل.
المبحث الرابع: في الإجماع على سنية واستحباب الترتيل.
المبحث الخامس: في أن تعلم أحكام ترتيل القرآن فرض كفاية.
المبحث السادس: في معنى بيت الجزري في حكم تعلم التجويد.
المبحث السابع: في ذكر أدلة القائلين بوجوب تعلم التجويد مع الرد عليها.
* * *
تمهيد: في أقسام الحكم الشرعي:
قبل الشروع في مادة هذا البحث ينبغي التنبيه ببيان أقسام الحكم الشرعي؛ وضابط كل منها، لنرى مدى انطباق هذه القيود والضوابط على الأحكام التي ستأتي في المسألة فيما بعد، وأكتفي بذكر أقسامه عند الحنفية والشافعية؛ لما فيه من عرض لرأي الفقهاء والمتكلمين من الأصوليين في المسألة.
أولاً: أقسام الحكم الشرعي عند الحنفية هي:
1. الفرض: وهو إن كان الفعل أولى من الترك مع منع الترك ثابت بدليل قطعي. وحكمه: أنه يعاقب تاركهما إلا أن يعفو الله عنه.
2. الواجب: وهو إن كان الفعل أولى من الترك مع منع الترك ثابت بدليل ظني. وحكمه: أنه يعاقب تاركهما إلا أن يعفو الله عنه.
والفرق بين الفرض والواجب: أن الفرضَ لازم علماً وعملاً حتى يكفر جاحده، والواجب لازم عملاً لا علماً, فلا يكفر جاحده، بل يفسق إن استخف بأخبار الآحاد غير المؤولة, وأما المؤولة فلا.
3. السنة: وهو إن كان الفعل أولى من الترك بلا منع الترك، وهذا إذا كان الفعل طريقة مسلوكة في الدين وإلا فنفل ومندوب. وحكمها: أن السنة نوعان:
الأولى: سنة الهدى: وتركها يوجب إساءة وكراهية؛ كالجماعة والأذان والإقامة ونحوها.
والثانية: سنة الزوائد؛ وتركها لا يوجب ذلك كسنن النبي - صلى الله عليه وسلم - في لباسه وقيامه وقعوده.
4. الحرام: وهو إن كان الترك أولى من الفعل مع منع الفعل ثابت بدليل قطعي. وحكمه العقاب على فعله.
5. المكروه: وهو إن كان الترك أولى من الفعل مع منع الفعل ثابت بدليل ظني. وحكمه: أن المكروه نوعان:
الأول: مكروه كراهة تنزيه: وهو إلى الحل أقرب.
والثاني: مكروه كراهة تحريم: وهو إلى الحرمة أقرب.
6. المباح: وهو ما استوى فيه الفعل والترك (¬1).
¬
(¬1) هذا ما فصَّله الإمام صدر الشريعة في التوضيح (2: 248 - 251)، وانظر: فواتح الرحموت (1: 57)، وغيره.
ثانياً: أقسام الأحكام الثابتة لأفعال المكلفين خمسة عند الشافعية:
1. الواجب: وهو ما يرد باقتضاء الفعل إن اقترن به الإشعار بعقاب على الترك.
2. المندوب: وهو ما يرد باقتضاء الفعل ولم يقترن بعقاب على الترك.
3. الحرام: وهو ما يرد باقتضاء الترك وأشعر بالعقاب على الترك.
4. المكروه: وهو ما يرد باقتضاء الترك ولم يشعر بالعقاب على الترك.
5. المباح: وهو ما ورد في
6. التخيير بين الفعل والترك (¬1).
ويفهم من كلامهم أنه لا بدّ في الواجب من فعل يكون على تركه عقاب لمَن لا يقوم به. وأما السنة فيكتفى فيها بالفعل الذي ليس فيه العقاب على مَن يترك هذا الفعل.
* * *
¬
(¬1) هذا ما بيَّنه الإمام الغزاليّ في المستصفى (1: 65)، وغيره.
المبحث الأول
في نصوص القرآن الدالة
على الترتيل
تمهيد في معنى الترتيل في اللغة:
قال الفيروزآبادي (¬1): ((الرَّتَل: حسن تناسق الشيء، والحسن من الكلام والطيب من كل شيء، ورَتَّل الكلامَ ترتيلاً أحسن تأليفه، وترَتَّلَ فيه: ترَسَّل)).
وقال ابن منظور (¬2): ((الرَّتَل: حسنُ تناسق الشيء، ورَتَّل الكلام: أحسنَ تأليفه وأبانه وتمهَّل فيه. والترتيل في القراءة: الترسُّل فيها والتبيين من غير بَغْي)).
¬
(¬1) في القاموس (3: 392).
(¬2) في اللسان (2: 1578).
وقال الراغب الأصفهاني (¬1): ((الرَّتَل: اتساق الشيءِ وانتظامه على استقامة، يقال: رجل رَتَل الأسنان. والترتيل: إرسال الكلمة في الفم بسهولة واستقامة)).
فكلام أهل اللغة يدور في أن معنى الترتيل هو: حسن التناسق في الشيء، ويكون في الكلام بحسن تأليفه وتبيينه والترسُّل فيه بتمهُّل وسهولة.
وأما بخصوص ورود لفظ الترتيل في القرآن، فإنه جاء في موضعين (¬2):
أولا: قوله - جل جلاله - لنبيِّه: {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} (¬3).
قال ابن عباس: ((بينه بياناً)) (¬4). وقال: ((يقرأ آيتين ثلاثة ثم يقطع لا يهذرم)) (¬5).
وقال الضحاك: ((اقرأه حرفاً حرفاً)) (¬6).
¬
(¬1) في معجم مفردات القرآن (ص192).
(¬2) ينظر: المعجم المفهرس (ص381).
(¬3) في سورة المزمل الآية (3).
(¬4) ينظر: تفسير الطبري (29: 127)، الدر المنثور (8: 313)، تفسير البغوي (4: 407)، المصنف (2: 402)، أحكام الجصاص (3/ 701)،
(¬5) ينظر: الدر المنثور (8: 313)
(¬6) ينظر: تفسير القرطبي (19: 38).
وقال مجاهد: ((أحب الناس في القراءة إلى الله أعقلهم عنه)) (¬1). وقال: ((بعضه على أثر بعض)) (¬2). وقال: ((وترسل فيه ترسلاً)) (¬3).
وقال طاوس: ((بينه حتى تفهمه)) (¬4).
وسمع علقمة رجلاً يقرأ قراءة حسنة، فقال: ((لقد رَتَّل القرآن فداك أبي وأمي)) (¬5).
وقال الحسن: ((اقرأه قراءة بينة)) (¬6).
وقال عطاء: ((الترتيل: النبذ: الطرح)) (¬7).
وقرأ علقمة على عبد الله - رضي الله عنه - فقال: ((رتله فإنه يزين القرآن)) (¬8).
وقال قتادة: ((بينه تبييناً)) (¬9).
¬
(¬1) ينظر: تفسير القرطبي (19: 37).
(¬2) ينظر: تفسير الطبري (29: 126)، الدر المنثور (8: 314)، المصنف (2: 402)، أحكام الجصاص (3/ 701)،
(¬3) ينظر: تفسير الطبري (29: 126)، الدر المنثور (8: 314)، تفسير البغوي (4: 407)
(¬4) ينظر: أحكام الجصاص (3/ 701)،
(¬5) ينظر: تفسير القرطبي (19: 37).
(¬6) ينظر: تفسير الطبري (29: 126)، الدر المنثور (8: 314)، تفسير البغوي (4: 407)
(¬7) ينظر: تفسير الطبري (29: 127)،
(¬8) ينظر: الدر المنثور (8: 314)،
(¬9) ينظر: الدر المنثور (8: 314)،
وقال سعيد بن جبير: ((فسره تفسيراً)) (¬1).
وقال أبو بكر بن طاهر: ((تدبر في لطائف خطابه، وطالب نفسك بالقيام بأحكامه، وقلبك بفهم معانيه، وسرك بالإقبال عليه)) (¬2).
وقال الطبري (¬3): ((بيَّن القرآن إذا قرأته تبييناً وترسل فيه ترسلاً)).
وقال الرازي (¬4): ((واعلم أنه تعالى لما أمره بصلاة الليل أمره بترتيل القرآن حتى يتمكن الخاطر من التأمل في حقائق تلك الآيات ودقائقها، فعند الوصول إلى ذكر الله يستشعر عظمته وجلالته، وعند الوصول إلى الوعد والوعيد يحصل الرجاء والخوف، وحينئذ يستنير القلب بنور معرفة الله. والإسراع في القراءة يدل على عدم الوقوف على المعاني؛ لأن النفس تبتهج بذكر الأمور الإلهية الروحانية، ومن ابتهج بشيء أحب ذكره، ومن أحب شيئاً لم يمر عليه بسرعة. فظهر أن المقصود من الترتيل إنما هو حضور القلب، وكمال المعرفة)).
وقال العكبري (¬5): ((الترتيل في القراءة التبيين لها كأنه يفصل بين
¬
(¬1) ينظر: الدر المنثور (8: 314)،
(¬2) ينظر: تفسير القرطبي (19: 37).
(¬3) في تفسير الطبري (29: 126).
(¬4) في مفاتح الغيب (15: 797).
(¬5) في التبيان في غريب القرآن (ص431).
الحرف والحرف)).
وقال ابن عطية (¬1): ((والمقصد أن يجد الفكر فسحة للنظر وفهم المعاني، وبذلك يرق القلب ويفيض عليه النور والرحمة)).
وقال البيضاوي (¬2): ((اقرأه على تؤده وتبيين حروف بحيث يتمكن السامع من عدها)).
وقال النَّسَفي (¬3): ((اقرأ على تؤدة بتبيين الحروف وحفظ الوقوف وإشباع الحركات)).
وقال القرطبي (¬4): ((أي لا تعجل بقراءة القرآن، بل اقرأه في مهل وبيان مع تدبر المعاني)).
وقال ابن كثير (¬5): ((أي اقرأه على تمهل، فإنه يكون عوناً على فهم القرآن وتدبره)).
وقال الكلبي (¬6): ((الترتيل هو التمهل والمدّ وإشباع الحركات وبيان
¬
(¬1) في المحرر الوجيز (5: 387).
(¬2) في تفسير البيضاوي (5: 405)
(¬3) في تفسير النسفي (4: 303).
(¬4) في تفسير القرطبي (19: 37).
(¬5) في تفسير ابن كثير (4: 435).
(¬6) في التسهيل (2: 157).
الحروف، وذلك معين على التفكر في معاني القرآن، بخلاف الهذ الذي لا يفقه صاحبه ما يقول)).
وقال الشوكاني (¬1): ((أي اقرأه على مهل مع تدبر)).
وقال الألوسي (¬2): ((أي كذلك نزَّلناه ورتلناه ترتيلاً بديعاً لا يقادر قدره، وترتيله: تفريقه آية بعد آية)).
وقال ابن عاشور (¬3): ((أي التمهل في النطق بحروف القرآن حتى تخرج من الفم واضحة مع إشباع الحركات التي تستحق الإشباع، وفائدة هذا أن يرسخ حفظه ويتلقاه السامعون فيعلق بحوافظهم، ويتدبر قارئه وسامعه معانيه كي لا يسبق لفظ اللسان عمل الفهم)).
استرسلت في ذكر كلام أهل التفسير في معنى هذه الآية لأمرين:
الأول: ليرى الناظر أنهم اتفقوا في تفسيرهم لها مع المعنى اللغوي الذي سبق ذكره بأن أمر الله عز وجل فيها نبيه - صلى الله عليه وسلم - يفيد الإرشاد لما ينبغي أن تكون عليه قراءته للقرآن من التمهل والتبيين والاسترسال وترك العجلة وإعطاء والحركات والحروف حقها؛ ليحصل له التدبر والتفكر في معانيه وفهمه.
¬
(¬1) في فتح القدير (5: 316).
(¬2) في روح المعاني (19: 15 - 16).
(¬3) في التحرير والتنوير (29: 260).
الثاني: ليرى المطلع أن علماء التفسير عندما فسَّروا هذه الآية لم ينصوا على أن فيها أمراً بوجوب الترتيل على النبي - صلى الله عليه وسلم - أو على أمته كما تلاحظ في عبارتهم، ولم يذكروا أنه يستدل بها على وجوب الترتيل؛ لذلك حملنا ما ورد فيها من الأمر على الاستحباب. والله أعلم.
ثانياً: قال - جل جلاله -: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} (¬1). قال ابن عباس - رضي الله عنه -: ((بيَّناه بياناً فيه ترتيل وتثيبت)) (¬2).
وقال السدي: ((فصلناه تفصيلاً)) (¬3).
وقال: مجاهد: ((جعلنا بعضه في إثر بعض)) (¬4).
وقال إبراهيم النخعي: ((نزل متفرقاً)) (¬5).
وقال الحسن: ((كان ينزل آية وآيتين وآيات جواباً لهم إذا سألوا عن شيء، أنزله الله جواباً لهم، ورداً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يتكلمون به، وكان بين أوله وآخره نحو من عشرين سنة)) (¬6).
¬
(¬1) في سورة الفرقان الآية (32).
(¬2) ينظر: تفسير البغوي (3: 368)، تفسير أبي السعود (6: 216)،
(¬3) ينظر: تفسير البغوي (3: 368)، تفسير أبي السعود (6: 216)،
(¬4) ينظر: تفسير البغوي (3: 368)، تفسير أبي السعود (6: 216)،
(¬5) ينظر: تفسير الطبري (19:11).
(¬6) ينظر: تفسير الطبري (19:11)،
وقال ابن جريج: ((كان بين ما أنزل القرآن إلى آخره أنزل عليه لأربعين ومات النبي - صلى الله عليه وسلم - لثنتين أو لثلاث وستين)) (¬1).
وقال ابن زيد: ((فسرناه تفسيراً)) (¬2).
وقال الطبري (¬3): ((يقول وشيئاً بعد شيء علمناكه حتى تحفظنه، والترتيل في القراءة: الترسل والتثبت)).
وقال أبو السعود (¬4): ((أي كذلك نزلناه ورتلناه ترتيلاً بديعاً لا يقادر قدره، معنى ترتيله: تفريقه آية بعد آية. وقيل: هو الأمر بترتيل قراءته)).
وقال البيضاوي (¬5): ((وقرأناه عليك شيئاً بعد شيء على تؤدة وتمهّل في عشرين سنة أو ثلاث وعشرين)).
وقال الواحدي (¬6): ((بيَّناه تبييناً في تثبت ومهلة)).
وقال القرطبي (¬7): ((يقول: ورسلناه ترسيلاً، يقول: شيئاً بعد شيء)).
¬
(¬1) ينظر: تفسير الطبري (19:11)،
(¬2) ينظر: تفسير الطبري (19:11)،
(¬3) في تفسير الطبري (11: 19).
(¬4) في تفسير أبي السعود (6: 216).
(¬5) في تفسيره البيضاوي (4: 217).
(¬6) في تفسير الواحدي (2: 778).
(¬7) في تفسير القرطبي (13: 29)
وقال الجلال المحلي (¬1): ((أي أتينا به شيئاً بعد شيء بتمهل وتؤدة لتيسير فهمه وحفظه)).
وقال النسفي (¬2): ((كذلك فرَّقناه ورتلناه: أي اقرأه بترسّل وتثبت، أو بيَّناه تبييناً، والترتيل: التبيين في ترسّل وتثبت)).
فمحتوى كلام المفسرين أن معناه هنا أن الله أنزل القرآن شيئاً بعد شيء على حسب ما تقضيه الحاجة، ولئلا يكون على الناس في حفظه والتزام أحكامه مشقة وعسر، فكان في ذلك تبييناً لما فيه الأحكام وتفصيلاً.
ولم يرد أن المقصود فيها هو قراءته القرآن بأحكام التجويد إلا ما ورد بصيغة التضعيف عن أبي السعود بعد نقل المعتمد في تفسيرها مما وافق فيه المفسرين، فقال: وقيل: هو الأمر بترتيل قراءته.
* * *
¬
(¬1) في تفسير الجلالين (1: 474).
(¬2) في تفسير النسفي (3: 168)
المبحث الثاني
في الأحاديث الواردة
في ترتيل القرآن
وردت أحاديث تدل على كيفية قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إعطائه الحروف حقّها في القراءة، والترسل فيها، وترك العجلة ومدّ ما يستحق المدّ والوقوف على أواخر الآيات، واستحسانه للصوت الجميل في قراءة القرآن، والحض على إتقان القراءة، وقد اعتنى البخاري في ذكر بعض الأحاديث الواردة في هذا الباب، فرأيت أن أذكر ما ذكره ثم أزيد عليه غيره من الأحاديث من كتب السنن وغيرها مع ذكر كلام بعض الشراح على ما يقتضيه الحال والمقام.
وقد بوَّب البُخاريُّ في ((صحيحه)) (¬1) باباً في ترتيل القرآن، فقال:
¬
(¬1) صحيح البخاري (4: 1924).
باب الترتيل في القراءة، وقوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} (¬1)، وقوله: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} (¬2)، وما يكره أن يهذ (¬3) كهذ الشعر.
قال الحافظ ابن حجر (¬4): ((كأنه يشير إلى أن استحباب الترتيل لا يستلزم كراهة الإسراع، وإنما الذي يكره الهذ، وهو الإسراع المفرط بحيث يخفى كثير من الحروف أو لا تخرج من مخارجها.
ثم قال البخاري:
((يفرق: يُفَصِّل، قال ابن عبَّاس: فرقناه فصلناه.
1.عن أبي وائل عن عبد الله (¬5) قال: غدونا على عبد الله، فقال رجل: قرأت المفصل البارحة، فقال: هذا كهذّ الشعر، إنا قد سمعنا القراءة، وإنّي لأحفظ القرناء التي كان يقرأ بهنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ثماني عشرة سورة من المفصَّل وسورتين من آل حم)).
¬
(¬1) من سورة المزمل، الآية (4).
(¬2) من سورة الاسراء، الآية (106).
(¬3) أي يقرأ بسرةعة من غير تأمل كما ينشد الشعر، وأصل الهذ سرعة الدفع. ينظر: فتح الباري (8: 708).
(¬4) في فتح الباري (8: 707).
(¬5) أي ابن مسعود - رضي الله عنه - كما في فتح الباري (8: 708).
قال ابن حجر (¬1): ((التحقيق أن لكل من الإسراع والترتيل جهة فضل، بشرط أن يكون المسرع لا يخل بشيء من الحروف والحركات والسكون الواجبات، فلا يمنع أن يفضل أحدهما الآخر وأن يستويا)).
2.عن ابن عباس في قوله: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} (¬2)، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل جبريل بالوحي، وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه فيشتدّ عليه، وكان يعرف منه، فأنزل الله الآية التي في {لاَ أقُسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَة} (¬3)، {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ} (¬4)، فإن علينا أن نجمعَه في صدرك، {وَقُرْءانَه. فَإِذَا قَرَأَنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَه}، فإذا أنزلناه فاستمع، {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}، قال: إن علينا أن نبيِّنه بلسانك، قال: وكان إذا أتاه جبريلُ أطرقَ، فإذا ذهبَ قرأه كما وعده الله.
قال العلامة العيني (¬5): ((مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ}؛ لأنه يقتضي استحباب التأني فيه، ومنه يحصل الترتيل)).
¬
(¬1) في فتح الباري (8: 707).
(¬2) من سورة القيامة، الآية (16).
(¬3) من سورة القيامة، الآية (1).
(¬4) من سورة القيامة، الآية (16، 17).
(¬5) في عمدة القاري (20: 54).
قال ابن حجر (¬1): ((شاهد الترجمة منه النهي عن تعجيله بالتلاوة، فإنه يقتضي استحباب التأني فيه، وهو المناسب للترتيل)).
ثم قال البخاري (¬2): ((باب مد القراءة:
3.حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا جرير بن حازم الأزدي حدثنا قتادة، قال: سألت أنس بن مالك عن قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: كان يمدّ مدّاً (¬3).
4.حدثنا عمرو بن عاصم حدثنا همام عن قتادة، قال: سئل أنس: كيف كانت قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: كانت مداً، ثم قرأ يمدّ ببسم الله ويمدّ بالرحمن ويمدّ بالرحيم.
ثم قال: باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن:
5. عن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: يا أبا موسى لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود.
قال القسطلاني (¬4): ((لا ريب أنه يستحب تحسين الصوت بالقراءة، وحكى النووي الإجماع عليه؛ لكونه أوقع في القلب وأشد تأثيراً وأرق
¬
(¬1) في فتح الباري (8: 709).
(¬2) في صحيحه (4: 1924).
(¬3) في صحيح البخاري (4: 1924)، سنن أبي داود (2: 73)، وسنن البيهقي الكبير (2: 52).
(¬4) في إرشاد الساري (7: 481).
لسامعه، فإن لم يكن القارئ حسن الصوت فليحسنه ما استطاع، ومن جملة تحسينه أن يراعي فيه قوانين النغم، فإن الحسن يزداد حسناً بذلك، وهذا إذا لم يخرج عن التجويد المعتبر عند أهل القراءات، فإن خرج عنها لم يف تحسين الصوت بقبح الأداء)).
وقال النووي (¬1): ((المراد بالمزمار هنا: الصوت الحسن. وأصل الزمر: الغناء. وآل داود هو داود نفسه، وآل فلان قد يطلق على نفسه. وكان داود - عليه السلام - حسن الصوت جداً)).
6.عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرا القرآن ويتتعتع فيه، وهو عليه شاق له أجران) (¬2).
قال النووي (¬3): ((ليس معناه الذي يتتعتع عليه له من الأجر أكثر من الماهر به، بل الماهر أفضل وأكثر أجراً؛ لأنه مع السفرة، وله أجور كثيرة، ولم يذكر هذه المنزلة لغيره، وكيف يلحق به من لم يعتن بكتاب الله تعالى وحفظه وإتقانه وكثرة تلاوته وروايته كاعتنائه حتى مهر فيه)).
¬
(¬1) في شرح صحيح مسلم (6: 321).
(¬2) في صحيح مسلم (6: 325)، وغيره.
(¬3) في شرح صحيح مسلم (6: 326).
7.عن حفصة أنها قالت: (ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى في سبحته قاعداً حتى كان قبل وفاته بعام، فكان يصلي في سُبحته قاعداً، وكان يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها) (¬1).
8.عن يعلى بن مالك أنه سأل أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - وصلاته فقالت: (ما لكم وصلاته! كان يصلي ثم ينام قدر ما صلى، ثم يصلي قدر ما نام، ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح، ثم نعتت قراءته، فإذا هي تنعت قراءة مفسَّرةً حرفاً حرفاً) (¬2). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ليث بن سعد عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مالك عن أم سلمة، وقد روى ابن جريج هذا الحديث عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقطع قراءته، وحديث الليث أصح.
9.عن ابن أبى مليكة عن أم سلمة أنها سئلت عن قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: (كان يقطع قراءته آية آية بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله
¬
(¬1) في صحيح مسلم (1: 507)، وصحيح ابن خزيمة2: 238)، وصحيح ابن حبان (6: 253،318)، والمجتبى (3: 223)، وموطأ مالك (1: 137)، وجامع الترمذي (2: 212)، وقال: حسن صحيح.
(¬2) في جامع الترمذي (5: 182) , وصحيح ابن خزيمة (2: 188)، والمستدرك (1: 453)، وسنن النسائي (1: 349)، وغيرها.
رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين) (¬1).
10.عن موسى بن يزيد الكندي قال: كان ابن مسعود يقرئ رجلاً فقرأ إنما: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} (¬2) مرسلة، فقال ابن مسعود: ما هكذا أقرأنيها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: وكيف أقرأكها يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أقرأنيها: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} فمدَّها (¬3).
قال ابن الجزري: هذا الحديث جليل حجة ونص في هذا الباب (¬4). أي في باب قراءة القرآن بأحكامه من مدٍّ وغيره.
11.عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية تقرأها) (¬5).
قال الطيبي: ((المنزلة التي في الحديث هي ما يناله العبد من الكرامة على حسب منزلته في الحفظ والتلاوة لا غير، وذلك لما عرفنا من أصل
¬
(¬1) في سنن أبي داود (4: 37)، ومسند أحمد (6: 302)، وسنن البيهقي الكبير (2: 44)، وسنن الدارقطني (1: 312)، وقال: إسناده صحيح، وكلهم ثقات ..
(¬2) من سورة التوبة، من الآية (60).
(¬3) في سنن سعيد بن منصور (5: 257)، و معجم الطبراني الكبير (9: 137)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (7: 155): رجاله ثقات.
(¬4) ينظر: بغية الكمال (ص55).
(¬5) في سنن أبي داود (2: 73)، وجامع الترمذي (5: 177)، وقال: حسن صحيح ..
الدين أن العامل بكتاب الله المتدبر له أفضل من الحافظ، والتالي له إذا لم ينل شأنه في العمل والتدبر)) (¬1).
13.عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (زينوا القرآن بأصواتكم) (¬2).
14.عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) (¬3).
وفي الباب أحاديث أخر يطول الكلام في استقصائها، ولكن هذه أكثرها دلالة على فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - والتزامه بقراءة القرآن بأحكام الترتيل، وإن كانت قراءة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأحكام التلاوة لا تثبت بهذه الأحاديث، بل هي ثابتة بما هو أقوى منها، وهو التواتر في قراءة القرآن الكريم على القراءات السبعة أو العشرة المشهورة التي وردت لنا كل واحدة منها بالتواتر عنه - صلى الله عليه وسلم -، وفيها تفصيل للهيئة التي كان عليها نطق النبي - صلى الله عليه وسلم - للأحرف، ومراعاته لأحكامه من إدغام وإخفاء وقلقة ومدٍّ وغيرها.
¬
(¬1) ينظر: بذل المجهود في حل سنن أبي داود (7: 304).
(¬2) في صحيح ابن حبان (3: 25)، وصحيح ابن خزيمة (3: 26)، والمستدرك (1: 761)، وسنن أبي داود (2: 74)، وغيرها.
(¬3) في صحيح البخاري (6: 2737)، وصحيح ابن حبان1: 327)، وغيرهما.
وخلاصة كلام المحدثين والشراح عند ذكر هذه الأحاديث هو بيان ما كان عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - من القراءة للقرآن وحضه على العناية بقراءة القرآن والاعتناء به، وتزيين الأصوات به، ولا يوجد في كلامهم ما يدلّ على إفادة هذه الأحاديث للوجوب.
* * *
المبحث الثالث
في أقوال العلماء في استحباب وسنية
قراءة القرآن بالترتيل
اتفق الفقهاء على استحباب وسنية قراءة القرآن بأحكام الترتيل؛ بناءً على فهمهم للآيات السابقة والأحاديث المارّة، وحال الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه والقراءات الواردة عنه، ومعلوم أن حكم التعلم تابع لحكم العمل، فما كان فرضاً كالصلاة، كان حكم تعلمه فرضاً وهكذا، وها هي بعض عبارات مذاهب الإسلام تدل وتصرح بذلك:
أولاً: في المذهب الحنفي:
قال الإمام الأصولي الفقيه المفسر أبو بكر الرازي المشهور بالجصاص المتوفى سنة (370هـ) (¬1) بعد أن ذكر الآية وأقوال الصحابة والتابعين وفعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الترتيل: ((وفي ذلك دليل على أن
¬
(¬1) في أحكام القرآن للجصاص (3: 307 - 308).
المستحب الترتيل؛ لأنه به يعلم ما يناجي ربّه به، ويفهم عن نفسه ما يقرأه)).
وقال العلامة الفقيه أبو بكر الحدادي العبادي المتوفى سنة (800 هـ) (¬1): ((أن يصلي في وقت لو صلى بقراءة مسنونة مرتلة فإذا فرغ لو ظهر له فساد في طهارته أمكنه الوضوء والإعادة قبل طلوع الشمس ... )).
قال الإمام الأصولي الفقيه المحدث كمال الدين السيواسي المعروف بابن الهُمام المتوفى سنة (861هـ) عند الكلام عن صلاة الفجر (¬2): ((أن يبدأ في وقت يبقى منه بعد أدائها إلى آخر الوقت ما لو ظهر له فساد صلاته أعادها بقراءة مسنونة مرتلة ما بين الخمسين والستين آية قبل طلوع الشمس ... )).
ثانياً: في المذهب المالكي:
قال الإمام الأصولي الفقيه المحدث أبو الوليد الباجي المتوفى سنة (474هـ) (¬3): ((قد تكلّم الناس في الترتيل والهذ: فذهب الجمهور إلى تفضيل الترتيل؛ قال الله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً}، وكانت قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - موصوفة بذلك قالت حفصة رضي الله عنها: (وكان يقرأ
¬
(¬1) في الجوهرة النيرة شرح القدوري (1: 42).
(¬2) في فتح القدير (1: 225).
(¬3) في المنتقى شرح الموطأ (1: 346).
بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها)، وهو المروي عن أكثر الصحابة، وسئل مالك عن الهذ في القرآن، فقال: من الناس مَن إذا هذَّ كان أخف عليه، وإذا رتل أخطأ، ومن الناس مَن لا يحسن يهذ، والناس في ذلك على ما يخف عليهم وذلك واسع. وقال أبو الوليد: ومعنى ذلك عندي أنه يستحب لكل إنسان ملازمة ما يوافق طبعه ويخف عليه فربَّما تكلَّفَ ما يخالف طبعه ويشقّ عليه ويقطعه ذلك عن القراءة والإكثار منها، وليس هذا ممّا يخالف ما قدمناه من تفضيل الترتيل لمن تساوى في حاله الأمران. والله أعلم وأحكم)).
ثالثاً: في المذهب الشافعي:
قال الإمام الشافعي المتوفى سنة (204هـ) (¬1): {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً}، وأقل الترتيل ترك العجلة في القرآن عن الإبانة، وكلَّما زاد على أقل الإبانة في القراءة كان أحب إلي ما لم يبلغ أن تكون الزيادة فيها تمطيطاً. وأحب ما وصفت لكل قارئ في صلاة وغيرها، وأنا له في المصلي أشدّ استحباباً منه للقارئ في غير صلاة، فإذا أيقن المصلي أن لم يبق من القراءة شيء إلا نطق به أجزأته قراءته)) (¬2).
¬
(¬1) في الأم (1: 132).
(¬2) وينظر: أحكام القرآن للشافعي (1: 63).
وقال الإمام الفقيه المحدث محيي الدين النووي المتوفى سنة (676هـ) (¬1): ((يستحب ترتيل القراءة وتدبرها، وهذا مجمع عليه قال الله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً}، وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ}، وأما الأحاديث في هذا فأكثر من أن تحصر)).
وقال أيضاً (¬2): ((ويسن تحسين الصوت بالقرآن للأحاديث الصحيحة المشهورة فيه. قالوا: فإن لم يكن حسن الصوت حسنه ما استطاع , ولا يخرج بتحسينه عن حد القراءة إلى التمطيط المخرج له عن حدوده. ويسن ترتيل القراءة، قال الله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً}، وثبت في الأحاديث الصحيحة أن قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت مرتلةً, قال العلماء: والترتيل مستحب للتدبر؛ ولأنه أقرب إلى الإجلال والتوقير, وأشد تأثيراً في القلب، واتفقوا على كراهة الإفراط في الإسراع ويسمَّى الهذ. قالوا: وقراءة جزء بترتيل أفضل من قراءة جزأين ـ في قدر ذلك الزمن ـ بلا ترتيل؛ ولهذا يستحب الترتيل للأعجمي الذي لا يفهم معناه)).
¬
(¬1) في المجموع شرح المهذب (3: 362 - 363).
(¬2) في (المجموع (2: 190 - 191).
وقال العلامة المفسر ابن كثير الدمشقي الشافعي المتوفى سنة (774هـ) (¬1): ((وقد قدمنا في أول التفسير الأحاديث الدالة على استحباب الترتيل، وتحسين الصوت بالقراءة كما جاء في حديث: (زينوا القرآن بأصواتكم)، و (ليس منا من لم يتغن بالقرآن)، و (لقد أوتي هذا مزمار من مزامير آل داود) يعني أبا موسى فقال أبو موسى: لو كنت أعلم أنك كنت تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيراً. وعن ابن مسعود أنه قال: لا تنثروه نثر الرمل ولا تهذوه هذ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة)).
وقال العلامة الفقيه ابن قاسم العبادي المتوفى سنة (992هـ) (¬2): ((ويسن ترتيل القراءة)).
وقال الإمام الأصولي الفقيه المحدث المقرئ شيخ الإسلام زكريا الأنصاري المتوفى سنة (962هـ) (¬3): (((و) ندب (ترتيل) له، قال تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً}؛ ولأن قراءته - صلى الله عليه وسلم - كانت مرتلةً؛ ولأنه أقرب إلى التوقير، وأشد تأثيراً في القلب؛ ولهذا يندب الترتيل للأعجمي الذي لا يفهم معناه)).
¬
(¬1) في تفسير ابن كثير (4: 435).
(¬2) في حاشيته على تحفة المحتاج (10: 219).
(¬3) في أسنى المطالب شرح روض الطالب لشمس الدين المقري اليمني (1: 63).
وقال الشيخ العلامة الفقيه سليمان الجمل (¬1): ((ويسن ترتيل القراءة: أي التأني فيها فإفراط الإسراع مكروه، وحرف الترتيل أفضل من حرفي غيره. فنصف السورة مثلاًَ مع الترتيل أفضل من تمامها بدونه، ولعل هذا في غير ما طلب بخصوصه: كقراءة الكهف يوم الجمعة، فإن إتمامها مع الإسراع لتحصيل سنة قراءتها أفضل من بعضها مع التأني)).
وقال الإمام المفسر المحدث السيوطي المتوفى سنة (911هـ) (¬2): ((يسن الترتيل في قراءة القرآن، قال تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً})).
رابعاً: في المذهب الحنبلي:
قال الإمام الأصولي الفقيه موافق الدين عبد الله المعروف بابن قدامة المتوفى سنة (620هـ) (¬3): ((يلزمه أن يأتي بقراءة الفاتحة مرتبة مشددة, غير ملحون فيها لحناً يحيل المعنى)).
وقال أيضاً: ((والمستحب أن يأتي بها ـ أي الفاتحة ـ مرتلةً معربة, يقف فيها عند كل آية, ويمكن حروف المدِّ واللين, ما لم يخرجه ذلك إلى التمطيط; لقول الله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً}. وروي عن أم سلمة (أنها سئلت عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كان يقطع
¬
(¬1) في فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب لزكريا الأنصاري (1: 401).
(¬2) في الإتقان في علوم القرآن (1: 282).
(¬3) في المغني (1: 286).
قراءته آية آية: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين). رواه الإمام أحمد في ((مسنده))، وعن أنس - رضي الله عنه - قال: (كانت قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مداً، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم. يمد بسم الله, ويمد بالرحمن, ويمد بالرحيم)، أخرجه البخاري. فإن انتهى ذلك إلى التمطيط والتلحين كان مكروهاً; لأنه ربما جعل الحركات حروفاً)).
وقال العلامة الفقيه شمس الدين ابن مفلح المقدسي المتوفى سنة (673هـ) (¬1) والعلامة محمد بن أحمد السفاريني (¬2): ((ويستحب ترتيل القراءة وإعرابها، وتمكين حروف المد واللين من غير تكلف. قال حرب: سألت أحمد عن السرعة في القراءة فكرهه إلا أن يكون لسان الرجل كذلك أو لا يقدر أن يترسل, قيل: فيه إثم؟ قال: أما الإثم فلا أجترئ عليه، قال القاضي: يعني إذا لم تبن الحروف مع أنه قال: ظاهر هذا كراهة السرعة والعجلة)).
¬
(¬1) في الآداب الشرعية والمنح المرعية (2: 311).
(¬2) في غذاء الألباب (1: 398).
وقال العلامة الفقيه منصور البهوتي سنة المتوفى (1051هـ) (¬1): (((والمستحب أن يأتي بها ـ أي الفاتحة ـ مرتلة معربة)؛لقوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً})).
وقال أيضاً (¬2): (((ويستحب تحسين القراءة وترتيلها وإعرابها)؛ لقوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} ... (ويمكن حروف المد واللين من غير تكلف)؛ لقوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً})).
وقال العلامة الشيخ الفقيه مصطفى السيوطي الرحيباني المتوفى (1243هـ) (¬3): (((وسن قراءتها): أي: الفاتحة، (مرتلة معربة)؛ لقوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} ... ويُمَكِّن حروف مدّ ولين). وهي: الألف اللينة, والواو المضموم ما قبلها, والياء المكسور ما قبلها, (ما لم يؤد) التمكين (لتمطيط) فيتركه)).
وقال أيضاً (¬4): (((وسن تحسين القراءة وترتيلها)؛ لقوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً}، وهو قول ابن عباس وابن مسعود وغيرهما،
¬
(¬1) في كشاف القناع عن متن الإقناع لشرف الدين المقدسي الحجازي المتوفى (960هـ) (1: 336 - 338).
(¬2) في كشاف القناع (1: 431).
(¬3) في مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى لمرعي الكرمي المتوفى سنة (1033هـ) (1: 430).
(¬4) في المطالب (1: 601).
يعني: إن الترتيل والتدبر مع قلة القراءة أفضل من السرعة مع كثرتها؛ لأن المقصود من القرآن فهمه وتدبره. قال ابن القيم: المرتل كمن تصدق بجوهرة عظيمة، أو أعتق عبداً قيمته نفيسة جداً، والمسرع كمن تصدق بعدد كثير من الدراهم، وأعتق عددا من العبيد قيمتهم رخيصة. (أما الإعراب النحوي، فيجب ولا يجوز الإخلال به عمداً، ويؤدب فاعله لتغييره القراءة)، ذكره بمعناه ابن مفلح في ((الآداب الكبرى)) عن بعض الأصحاب)).
تنبيه:
جاء في ((الموسوعة الفقهية)) (¬1): ((يسن الترتيل في قراءة القرآن، قال تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً}، ... واتفقوا على كراهة الإفراط في الإسراع، قالوا: وقراءة جزء بترتيل أفضل من قراءة جزأين في قدر ذلك الزمان بلا ترتيل. ويستحب الترتيل للتدبر, لأنه أقرب إلى الإجلال والتوقير وأشد تأثيرا في القلب؛ ولهذا يستحب الترتيل للأعجمي الذي لا يفهم معنى القرآن)).
وفيها أيضاً (¬2): ((واختلف القراء, هل الأفضل الترتيل وقلة القراءة، أم السرعة مع كثرتها؟ وأحسن بعض الأئمة فقال: إن ثواب قراءة
¬
(¬1) (13: 254،33: 36).
(¬2) في الموسوعة الفقهية الكويتيه (13: 254 ـ 255).
الترتيل أجل قدراً، وثواب الكثرة أكثر عدداً؛ لأن بكل حرف عشر حسنات. وكمال الترتيل كما قال الزركشي: تفخيم ألفاظه، والإبانة عن حروفه, وألا يدغم حرف في حرف مما ليس حقه الإدغام، وقيل: هذا أقله، وأكمله أن يقرأه على منازله إن تهديداً لفظ به لفظ التهديد, أو تعظيماً لفظ به على التعظيم)).
* * *
المبحث الرابع
في الإجماع على سنية
واستحباب الترتيل
معلوم أن الإجماع الذي يذكره الأصوليون (¬1) يدور تعريفه حول: اتفاق مجتهدي الأمة المحمدية في عصر من العصور على أمر شرعي.
ولا سبيل لنا إلى معرفته إلا بنقل العلماء العدول الأثبات له، مع التحقق أن تلفظه بالإجماع مطابق للواقع، ولا يوجد بينه وبين غيره من العلماء منافاة في ذلك، وإلا لبطل ما ادعاه من الإجماع.
ورأينا الإمام الفقيه محيي الدين النووي ممن نقل الإجماع على سنية واستحباب الترتيل، فقال (¬2): ((وينبغي أن يرتل قراءته، وقد اتفق العلماء - رضي الله عنهم - على استحباب الترتيل، قال الله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً})).
وقال (¬3): ((يستحب ترتيل القراءة وتدبرها, وهذا مجمع عليه)).
¬
(¬1) ينظر: المستصفى (1: 173)،والإرشاد (71)،والميزان (2: 710)،ومسلم الثبوت (2: 211، وغيرها.
(¬2) في التبيان في آداب حملة القرآن (ص45).
(¬3) في المجموع (3: 362).
وإذا تتبعنا واقع الأمة الإسلامية نجد ما نقله من الإجماع مطابق له؛ إذ لم يعهد لا في عصر الصحابة ولا من بعدهم، إلزام الناس بتعلم أحكام التجويد وترتيل القرآن، وتوبيخ أو تعزير من لا يرتل القرآن، والإنكار عليه أشد الإنكار.
وإنما نجد حضّ الناسَ وترغيبهم لتعلمه لما فيه من الأجر الكبير والثواب العظيم كما مرّ في حديث (الماهر في القرآن)، وتطبيقاً لسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في قراءته له، والآثار السابق ذكرها عن الصحابة والتابعين عند تفسير: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} شاهدة على ذلك؛ بالإضافة لنص أئمة المذاهب وعلمائها على ذلك كما سبق.
وحديث الذي (يتتعتع في قراءة القرآن أن له أجران) السابق ذكره، يدل على الاستحباب والسنية وينفي الوجوب، فكيف يكون واجباً والرسول - صلى الله عليه وسلم - أثبت الأجر والثواب لمن يقرأ ولا يتقن القراءة، ولم يوبخه ويلزمه بإتقان القراءة علاوة على إتقان أحكام التجويد، بل حضه على مواصلة القراءة بهذه التعتعة، وفي نفس الوقت وعد الضابط والمتقن الماهر لقراءته بالدرجة العالية في الجنة، وما هذا إلا ترغيب من المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بتعلم القرآن وأحكامه لنيل ما وعده.
* * *
المبحث الخامس
في أن تعلم أحكام
ترتيل القرآن فرض كفاية
إن علم التجويد كسائر العلوم والمعارف الإسلامية فإن تعلمها فرض كفاية على المسلمين، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين؛ لأنه لا بد من حفظها وتوصيلها للمسلمين ليعملوا وينتفعوا بها، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (¬1)، ومعلوم أن حفظ الله لها يكون على أيدي المسلمين، ممن يتخصصون في تعلمه وتعليمه.
وقال تعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (¬2). فالآية دالة على أننا مأمورين بأن يتفرَّغَ منا البعض لتعلم أحكام الشريعة؛ ليعلموها للناس.
¬
(¬1) الحجر:9.
(¬2) التوبة:122.
وعلى ذلك وجدنا الصحابة والتابعين ومن تابعهم إلى يومنا هذا، ففي كل فنًّ من الفنون وعلم من العلوم نرى فيه أهل الذكر، الذين اشتغلوا في ليلهم ونهارهم على حفظه بتعلمه وتعليمه للآخرين، حتى وصلت لنا علوم الشريعة المختلفة دون انتقاص، وكان منها علم التجويد.
وهذا العالم الذي تخصص في أحد هذه العلوم وعرف دقائقه وخباياه، وعرف حاجة الناس إليه، فإن هذا العلم يكون له فرض عين يأثم إذا لم يعلمه للناس وينشره بين المسلمين إن لم يكن غيره يقوم بذلك.
قال الإمام السيوطي (¬1): ((اعلم أن حفظ القرآن فرض كفاية على الأمة، صرَّح به الجرجاني في ((الشافي)) والعبادي وغيرهما. قال الجويني: والمعنى فيه ألا ينقطع عدد التواتر فيه فلا يتطرق إليه التبديل والتحريف، فإن قام بذلك قوم يبلغون هذا العدد سقط عن الباقين، وإلا أثم الكل، وتعليمه أيضاً فرض كفاية وهو من أفضل القرب ففي الصحيح (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) (¬2).)).
¬
(¬1) في الاتقان (1: 264).
(¬2) في صحيح البخاري (4: 1919)، وصحيح ابن حبان (1: 324)، وجامع الترمذي (5: 173)، وغيرها.
وقال الإمام علي القاري (¬1): ((لا خلاف في أنه ـ أي علم التجويد ـ فرض كفاية، والعمل به فرض عين في الجملة على صاحب كل قراءة ورواية، ولو كانت القراءة سنة)).
فكلامه صريح في أنه من فروض الكفاية التي لو قام بها البعض سقط عن الباقين، ويكون فرض عين على من تخصص فيه أي صاحب كل قراءة ورواية، وإن كان تعلمه وقراءته لعامة المسلمين سنة.
* * *
¬
(¬1) في المنح الفكرية (ص19).
المبحث السادس
في معنى بيت الجزري
في حكم تعلم التجويد
إن علماءنا الكرام على مر تاريخنا لم يقصروا في خدمة كتاب الله تعالى وعلومه، ومن بين هذه العلوم علم التجويد، فكان في كل عصر من يحمل عبء تعلمه وتعليمه والتأليف فيه وتحقيق مسائله حتى غدت لدينا مكتبة في علم التجويد لا يحصى عدد كتبها والمؤلفات فيها، منها المطول ومنها المختصر، ومنها النثر ومنها النظم، ومنها المتن ومنها الشرح ومنها الحاشية، فلم يتركوا مسألة من مسائله إلا فصلوا فيها الكلام، وأزاحوا عنها اللثام.
لكن المطالع لكتبهم لا يجد منها تعرضاً لحكم تعلم التجويد كالقرطبي (ت461هـ) (¬1) والعطار (ت569هـ) (¬2) إلا البيت الذي ذكره
¬
(¬1) في الموضح في التجويد ص57 - 65، فإنه فصل الكلام في اللحن الجلي والخفي دون أن يذكر حكم تعلم التجويد.
(¬2) في التمهيد (ص62 - 148) فإنه تكلم عن تعريف التجويد وأحاديث تزيين الصوت بالقراءة، والتغني بالقرآن، وتفسير الآيات الواردة في الترتيل، ولم يذكر حكم تعلم التجويد.
الجزري وما شرحه الشراح له، وسيأتي ذكر ذلك؛ ولعل سبب ذلك أنه حكمه أمر معلوم للخاصة والعامة لا يحتاج إلى ذكر، وهذا لا يكون إلا إذا كان حكم تعلم سنة ومستحب، فهذا الحكم لا يحتاج لنصب الدليل؛ لأن فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - لذلك كما معلوم عند كل مسلم يكفي لإثبات مثل هذا الحكم، أما لو كان واجباً وفرضاً لاحتاج منه بيان ذلك وإقامة الأدلة والحجج والبراهين لما قالوا، ولكن هذا لم يحصل، فكان ما قلنا.
وكل كتب المعاصرين في هذا العلم عالة على الكتب القديمة، إلا أنهم عرضوا مادة كتبهم بطريقة عصرية وعبارة إنشائية سهلة توافق ذوق أهل هذا الزمان الذين هجروا العلم والعلماء، فتفاضلوا فيما بينهم بالقدرة على العرض والتمكن من العلم وكثرة مراجعة الكتب القديمة، وعلم التجويد من العلوم التي نضجت واحترقت فلم يبق فيها زيادة للمستزيد؛ إلا أن هذه الكتب المعاصرة أضافت قبل الكلام عن أحكام علم التجويد مباحث متعلقة فيه كتعريفه وغايته ونسبته واستمداده وحكمه وموضوعه وواضعه وثمرته.
والذي يهمنا من هذه المباحث هو ما يتعلق بموضوعنا، وهو حكم تعلم التجويد، وقد توافقت كتب المعاصرين على وجوبه وفرضه على كل مسلم يقرأ القرآن، ونهضوا لذكر الأدلة التي توافق مدّعاهم، وسيأتي ذكرها والرد عليها، وقد كان من بينها بيت الجزري - رضي الله عنه -، ولكثرة
الاحتجاج به، وطول الكلام عليه، وحمله على غيره معناه أفردت هذا المبحث للكلام عليه.
قال الجزري - رضي الله عنه - في ((المقدمة الجزرية)) (¬1) و ((طيبة النشر في القراءات العشر)) (¬2):
والأخذ بالتجويد حتم لازم
من لم يجود القرآن أثم
لأنه به الإله أنزلا
وهكذا منه إلينا وصلا
احتج كثير من المعاصرين بكلام الجزري هذا على وجوب تعلم التجويد، وفرضيته على كل مسلم يقرأ القرآن، وهذا الاحتجاج والفهم غير مسلم ويمكن الرد عليه من وجوه، منها:
الأول: أن الأخذ بالبيت الأول على ظاهره لا يمكن؛ إذ فيه إلزام لكل مسلم كبيرٍ أو صغيرٍ، قارئ أو غير قارئ بتطبيق التجويد في قراءته، وهذا الأمر غير متحصّل لكثيرين كالصغير وغير القارئ، وحتى لكثير من القارئين؛ إذاً فلا بد لزاماً أن يكون هذا الظاهر غير مراد عند الناظم، فما المراد إذاً؟
¬
(¬1) المقدمة الجزرية بشرح زكريا الأنصاري (ص87).
(¬2) طيبة النشر بشرح ابن الناظم (ص35).
هل نحمله بما تمليه علينا أنفسنا ونجعله لزاماً على كل مَن يقرأ القرآن، ومن أين لنا الدليل على هذا التفريق بين القارئ وغير القارئ، فالأولى لنا أن نحمل كلامه ومراده مع ما يتوافق مع علماء الأمة ومع ما يدل عليه الدليل الجلي، من أنه حتم ولازم ويأثم بالتقصير فيه من تصدى لتعلمه، وصار بحقه فرض عين؛ لقيامه بمسؤولية حفظ هذا العلم ونشره بين المسلمين، كما سبق الكلام، وهو ما يتوافق مع الأدلة التي سقناها فيما مر.
الثاني: إن الجزري (¬1) تعرض لمسألة الإثم في قراءة القرآن، وحملها على من لا يصحح ألفاظ القرآن، ويقرأها قراءة عربية فصيحة، لا على من يرتله ويجوده، فقال: ((ولا شك أن الأمة كما هم متعبدون بمعاني القرآن وإقامة حدوده، متعبدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراءة المتصلة بالحضرة النبوية الأفصحية العربية التي لا تجوز مخالفتها ولا العدول عنها إلى غيرها. والناس في ذلك بين محسن مأجور ومسيءٍ آثم أو معذور، فمن قدر على تصحيح كلام الله تعالى باللفظ الصحيح العربي الفصيح، وعدل إلى اللفظ الفاسد العجمي أو النبطي القبيح استغناءً بنفسه واستبداداً برأيه وحدسه واتكالاً على ما ألف من حفظه واستكباراً عن الرجوع إلى عالم يوقفه على صحيح لفظة،
¬
(¬1) في النشر في القراءات العشر (1: 210 - 211).
فإنه مقصر بلا شك وآثم ... أما من كان لا يطاوعه لسانه، أو لا يجد من يهديه إلى الصواب بيانه، فإنه الله لا يكلف نفساً إلا وسعها ... .
الثالث: أنه اختلف في اللفظ الوارد عن الجزري هل هو من لم يجود أم من لم يصحح، ويرجح لفظ: من لم يصحح لوجوه:
أولاً: أنه قد نبه الشراح للـ ((مقدمة الجزرية)) كشيخ الإسلام زكريا الأنصاري (¬1)، والإمام علي القاري (¬2) على أنه في نسخة صحيحة: يصحح.
ثانياً: أنه في ((طيبة النشر في القراءات العشر)) (¬3) المطبوعة بشرح ابن الناظم بتحقيق الشيخ أنس مهرة في دار الكتب العلمية المثبت هو: لم يصحح، وليس: لم يجود.
ثالثاً: أن ابن الناظم عندما أراد شرح كلام والده قال (¬4): أي من لم يصحح القرآن مع قدرة على ذلك فهو آثم عاص بالتقصير ... . ولا شكّ أن النسخة التي اعتمد عليها صحيحة، فوضح ابن الناظم في شرحه على من يكون تصحيح قراءة القرآن.
¬
(¬1) في الدقائق المحكمة (ص89).
(¬2) في المنح الفكرية (ص19).
(¬3) طيبة النشر (ص35).
(¬4) في شرح الطيبة (ص35).
رابعاً: أن إثبات الإثم لمن لم يصحح القرآن هو المتوافق مع كلام الأئمة الأعلام، كما سبق.
الرابع: أن شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي (¬1) بين أن مقصود الجزري في البيت فيمن يقع عليه الإثم بالذي يغير معنى الآيات بأن يعكسها مثلاً، أو لا يميز الحركات بأن يرفع المنصوب وينصب المرفوع ويجر المنصوب وهكذا، فقال: بأن يقرأ قراءة تخل بالمعنى أو الإعراب.
وكذلك فإن شيخ الإسلام زكريا (¬2) حمل مراد الجزري في (والأخذ بالتجويد حتم لازم) على أهل الاختصاص من القراء، إذ قدَّر بعده للقارئ؛ لأن الحكم ليس على إطلاقه لجميع الناس، وذلك بعد أن جعل: لازمٌ؛ تفسيراً: لحتم؛ بناءً على أنه عطف بيان (¬3).
الخامس: أن الإمام المحقق المقرئ المحدث الفقيه علي القاري الحنفي (¬4) استظهر أن يكون التقدير في (والأخذ بالتجويد حتم لازم): وأخذ القارئ بتجويد القرآن حتم لازم. فوافق شيخ الإسلام في هذا
¬
(¬1) في الدقائق المحكمة شرح المقدمة الجزرية (ص90).
(¬2) في الدقائق المحكمة (ص89).
(¬3) في المنح الفكرية (ص19).
(¬4) في المنح الفكرية شرح المقدمة الجزرية (ص19).
التقييد بأهل الاختصاص وأن الحكم ليس على إطلاقه واختلف معه في التقديم والتأخير.
وقال: الأظهر أن المراد هنا بالحتم أيضاً الوجوب الاصطلاحي المشتمل على بعض أفراد الوجوب الشرعي لا الجمع بين الحقيقة والمجاز أو استعمال المعنيين بالاشتراك كما ذهب إليه الشراح من الشافعية، فإن اللحن على نوعين جلي وخفي:
فالجلي: خطأ يعرض للفظ ويخل بالمعنى والإعراب كرفع المجرور ونصبه ونحوهما، سواء تغير المعنى أم لا.
والخفي: خطأ يخل بالحرف كترك الإخفاء والقلب والإظهار والإدغام والغنة وكترقيق المفخم وعكسه ومد المقصور وقصر الممدود وأمثال ذلك، ولا شك أن هذا النوع مما ليس بفرض عين يترتب عليه العقاب الشديد، وإنما فيه خوف العقاب والتهديد.
وأما تخصيص الوجوب بقراءة القرآن كما ذكره بعض الشراح فليس مما يناسب المرام في هذا المقام. انتهى كلام الإمام علي القاري.
ووافق الإمامُ علي القاري الشيخَ زكريا الأنصاري في حمل الإثم على الإخلال بالمعنى أو الإعراب، فقال (¬1): بأن يقرأ قراءة تخل بالمعنى أو
¬
(¬1) في (ص19).
الإعراب كما صرح به الشيخ زكريا، خلافاً لما أخذه بعض الشراح منهم ابن المصنف على وجه العموم الشامل للحن الخفي، فإنه لا يصح، كما لا يخفى، وأغرب من هذا أن الشارح المصري ضعف قول الشيخ زكريا مع أنه شيخ الإسلام في مذهبه. ثم بين أن الأدلة التي ذكروها للجواب لا تدل على المدعى، كما مرَّ وسيأتي.
* * *
المبحث السابع
في ذكر أدلة القائلين بوجوب
تعلم التجويد مع الرد عليها
قبل ذكر أدلة الوجوب للتجويد فإنهم قسموا التجويد قسمين فقالوا:
للتجويد جانبان؛ نظري وعلمي:
1.فالنظري: يعني معرفة أحكام وقواعد علم التجويد وحفظها وفهمها.
وحكم هذا الجانب أن تعلمه فرض كفاية كسائر العلوم التي يحتاج إليها المسلمون، وهو من علوم الآلة أو الوسيلة.
2.والعملي: يعني القدرة على تطبيق القواعد التجويدية النظرية في أثناء تلاوة القرآن.
وحكم تلاوة القرآن بأحكام التجويد الوجوب العيني على كل قارئ للقرآن (¬1).
وهذا التقسيم المذكور لطيف يدركه كل مَن له مسكة عقل وإطلاع على علم التجويد، وليس فيه إشكال، ولكن المشكلة فيما بنوا عليه من التفريق في الحكم، فأين الدليل على هذا التفريق في الحكم بينهما، بأن جعل الأول فرض كفاية والآخر فرض عين. مع أن الأدلة وعبارات الأئمة السابق ذكرها لم تفرق في ذلك، بل ساوت بينهما في الحكم.
أما الأدلة على وجوب التجويد:
فإنهم ذكروا أن حكم التجويد العملي: هو الوجوب العيني على كل من يريد قراءة القرآن الكريم أو شيء منه، وادعوا على أن لهذا الحكم أدلته من القرآن والسنة والإجماع. وسيتضح للقارئ الكريم بعد ذكر هذه الأدلة التي ذكروها أنها ليس لها دلالة فيها على ما ادعوه.
أولاً: القرآن؛ قوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} [المزمل: 4]، و {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} [الفرقان: 32].
ويمكن رد ذلك من وجوه:
الأول: أن هاتان الآيتان عقدت لهما فصلاً مستقلاً في بيان أقوال
¬
(¬1) ينظر: المنير في أحكام التجويد (ص9 - 10).
الصحابة والتابعين وأئمة المفسرين في معناهما وتفسيرهما والمقصود منهما، فلم نقف على كلام واحد منهم يصرح فيه بأن فيهما دلالة على الوجوب، بل أنهم لم يذكروا فيهما دلالة على أحكام التجويد، وإنما المقصود التبيين والتفصيل والتمهل والترسل والتؤدة في القراءة. وقد فصلنا الكلام هناك فلا حاجة للإعادة.
الثاني: أن كبار الأئمة وفقهاء الأمة وفي مقدمتهم الإمام الشافعي استأنسوا بالآية مع فعل الرسول - رضي الله عنهم - في الدلالة على الاستحباب والسنية في قراءة القرآن بالترتيل، ولم نقف على قول واحد منهم ذكر أن الآية تدل على الوجوب، وقد ذكرت فصلاً مستقلاً في ذكر أقوال الأئمة في المذاهب الأربعة في ذلك، وكيف أنهم نصوا على الاستحباب وذكروا الآية من أدلة ذلك، وزيادة التفصيل هناك.
الثالث: في تصريح الإمام علي القاري في عدم دلالة الآية على ذلك، إذ قال (¬1): (({وَرَتِّل القُرْآن تَرْتِيلا} عن مجاهد: أي ترسل فيه ترسلاً، والمعنى تمهل في المبنى ليتبين لك المعنى كما قال تعالى: {وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ} (¬2) و {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} (¬3)، وعن الضحاك: انبذه
¬
(¬1) في المنح الفكرية (ص20).
(¬2) طه: 114.
(¬3) القيامة: 16.
حرفاً حرفاً. وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: بيّنه تبييناً. وقال بعض العلماء: أي تلبَّث وتثبَّت في قراءته وافصل الحرف من الحرف الذي بعده ولا تستعجل، فيتداخل بعض الحرف في بعض. ولا يخفى أن الآية بهذه المعاني لا دلالة فيها على المدعى ـ أي الوجوب ـ.
وكذا ما ذكره ابن المصنِّف من قوله سبحانه: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} (¬1)، وغير المكث بالترتيل، وهو غير مستقيم بحسب التفسير والتأويل.
وكذا في قوله تعالى: {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} أي أنزلنا بالترتيل أي بالتجويد، فإنه أنزله بأفصح اللغات، بل معناه: بيناه تبييناً وفصلناه تفصيلاً كما دل عليه صدر الآية)).
وقالوا: {وَرَتِّل} فعل أمر، وهو هنا للوجوب؛ لأن الأصل في الأمر أن يكون للوجوب ما لم تصرفه عنه قرينة، ولم توثر قرينة هنا تصرفه عن الوجوب إلى غيره فيبقى على الأصل وهو الوجوب.
ويمكن الجواب عن ذلك بوجوه منها:
الأول: هذا الإدعاء غريب للغاية، فقد مرَّ معنا أن المفسرين لم يفسروا هذه الآية في أنها تفيد أحكام التجويد، فكيف يدعى أن ما لا
¬
(¬1) الاسراء: 106.
دلالة فيه على الحكم يفيد الأمر فيه الوجوب في ذلك الحكم.
الثاني: أنها مذكورة في آيات منسوخة كما نصَّ الطبري (¬1)، وقتادة (¬2)، والزرقاني (¬3)، وغيرهم، قال الزرقاني: (({يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً. نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} (¬4)، فإنها منسوخة بقوله سبحانه في آخر هذه السورة: {نَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ ... } الخ (¬5)، وبيان ذلك أن الآية الأولى أفادت وجوب قيامه من الليل نصفه أو أنقص منه قليلاً أو أزيد عليه، أما الثانية فقد أفادت أن الله تاب على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في هذا بأن رخَّص لهم في ترك هذا القيام المقدر ورفع عنهم كل تبعة في ذلك الترك، كما رفع التبعات عن المذنبين بالتوبة إذا تابوا ولا ريب أن هذا الحكم الثاني رافع للحكم الأول، فتعين النسخ)).
¬
(¬1) في تفسير الطبري (29: 126).
(¬2) في الناسخ والمنسوخ (ص50).
(¬3) في مناهل العرفان (2: 193).
(¬4) المزمل:1 - 4.
(¬5) المزمل:20.
الثالث: أنه ليس كل أمر يفيد الوجوب، بل قد يفيد غيرها من المعان كالاستحباب، مثل: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} (¬1)، والإرشاد، مثل: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُم} (¬2)، والتأديب، مثل: {وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} (¬3)، والإباحة، مثل: {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَات} (¬4)، وغيرها من المعاني: كالوعد والوعيد والامتنان والإنذار والإكرام والسخرية والتكوين والتعجيز والتسوية بين شيئين والاحتياط والدعاء والمسألة والالتماس والتمني والاحتقار والاعتبار والتنبيه والتحسير والتلهيف والتعبير والخبر والتحكيم والتفويض والتعجب والمشورة وقرب المنزلة والإهانة والتحذير والإخبار عما يؤول إليه أمرهم وإرادة الأمثال وإرادة الامتثال لأمر آخر (¬5).
¬
(¬1) النور: 33.
(¬2) الطلاق: 2.
(¬3) البقرة: 237.
(¬4) المؤمنون: 51.
(¬5) وزيادة التفصيل في البحر المحيط (2: 357 - 363)، والأحكام للآمدي (1: 132)، ومنهاج الأصول (2: 245)، والوجيز (139 - 142)، وجمع الجوامع (1: 372)، ومفتاح الوصول إلى علم الأصول (1: 276)، وإرشاد الفحول (ص97)، ومفتاح الأصول إلى بناء الفروع على الأصول (21 - 22)، والنهي وأثره في الفقه (ص2)،وتقريب الوصول إلى علم الأصول (ص83)، وشرح البدخشي (2: 19 - 19)، وميزان الأصول (1: 206)، وأصول الفقه للزحيلي (1: 220)، وأصول الفقه للخضري (ص195).
وقد وجدنا أئمة الفقهاء والعلماء الكبار حملوها من بين هذه المعاني العديدة على الاستحباب والسنية.
الرابع: أن هناك اختلافاً طويلاً عريضاً في كتب أصول الفقه في إفادة الأمر المطلق عن القرينة، هل يفيد الوجوب أم الندب أم التوقف أم الطلب أم الإباحة أم التفصيل بين أوامر الله تعالى وأوامر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أم الاشتراك بين الوجوب والندب أم الاشتراك بين الوجوب والندب والإباحة أم الاشتراك بين الوجوب والندب والإباحة والإرشاد والتهديد أم الاشتراك بين الوجوب والندب والإباحة والكراهة والتحريم أم الاشتراك بين التعجيز والتكوين أم الاشتراك بين جميع الوجوه أم الاقتضاء أم لا يدل على شيء (¬1).
ثانياً: السنة:
فقد ذكروا الأحاديث التي سبق أن سقناها في المبحث الخاص بالأحاديث الواردة في الترتيل، فبالإمكان الرجوع إليها، ولا حاجة إلى تكرار ذكرها هنا.
¬
(¬1) وزيادة التفصيل والبيان وبسط الأدلة في البحر المحيط (2: 370)، وشرح الإبهاج (2: 25)، ونهاية السول (2: 253)، والمستصفى1: 419)، والتهميد (1: 147)، وكشف الأسرار (1: 53)، وشرح البدخشي (2: 24)، ومفتاح الوصول (1: 272)، وإحكام الفصول (1: 79)، وشرح اللمع (1: 124)، والمحصول (2: 66)، وحاشية الدمياطي (9)، وقرة العين) (ص23)، والناظر وجنة المناظر (90 - 125)، وتقريب الوصول (82)، وغيرها.
وهي أيضاً لا تفيد شيئاً ممَّا ادَّعوه؛ إذ مجمل ما ورد في الأحاديث أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ القرآن وهو يراعي أحكام التجويد، ويرغب في ذلك وفي تحسين الصوت في القراءة، وهذا الأمر ثابت بالقطع المتمثل بالتواتر الوارد في القراءات القرآنية المشهورة، فهي كلها مأخوذة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالهيئة التي هي عليها من الأحكام والتجويد وغيرها، وعليه فلا شيء جديد في الأحاديث فيما نريد سوى الاستئناس بها مع هذا التواتر في كيفية قراءة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والترغيب في الترتيل وتحسين الصوت.
وكذلك فإن الشراح كالنووي والعيني وابن حجر والسهارنفوري وغيرهم ممن شرحوا كتب السنن في شرحهم لتلك الأحاديث فلم يذكروا أن فيها دلالة على الوجوب، وقد ذكرت نبذاً من كلامهم عليها؛ لتفسير بعض المعاني الواردة فيها، وليطلع القارئ الكريم على عدم تطرقهم لما ادعاه المعاصرون، ومَن أراد زيادة الإطلاع يمكنه أن يراجعها.
ثالثاً: الإجماع:
ادعوا: أنه قد أجمعت الأمة من عهد نزول القرآن إلى وقتنا هذا على وجوب قراءة القرآن قراءة مجوَّدة سليمة من التحريف، بريئة من الزيادة والنقص، مراعىً فيها ما يجب مراعاته في القراءة من القواعد والأحكام،
لا خلاف بين المسلمين في كل عصر. وأن نقل القرآن بأصواته وحركاته وسكناته وهيئاته ومده وإدغامه على مر العصور؛ ليؤكد اتفاق المسلمين من عهد الصحابة ومن بعدهم إلى يومنا هذا على قراءة القرآن الكريم مرتلاً مجوداً، ولا شكّ أن الصحابة قد قرؤوه بهذه الصورة تلقياً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ويمكن الجواب عن كلامهم هذا بما يلي:
الأول: أنهم لم يستطيعوا أن يذكروا اسم عالم واحد من العلماء الكبار الذي عهد عنهم نقل الإجماعات في كتبهم في أنه نص على إجماع الأمة على الوجوب.
الثاني: أن ما ذكروه من الكلام لا خلاف فيه، ولكن الخلاف في أن هذا الحفظ الذي عهد من الأمة للقرآن بكل أحكامه، ومنها التجويد، هل يدل على الوجوب؟ فإذا كان كلامهم صحيحاً فإن ما وصل إلينا من أفعال الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة، وقد حافظت الأمة على هيئته فهو واجب، بناءً على ما ذكروا، وعليه فلا يوجد من أفعال الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة ما يفيد غير الوجوب كالسنة والاستحباب، وهذا لم يقل به أحد، ولا يمكن أن يقول به أحد من العقلاء؛ لأنه ينتقض بالتفصيل الوارد في أفعال الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة - رضي الله عنهم - بين واجب وسنة ومستحب ومباح وغيرها في جميع كتب الشريعة.
الثالث: أنه قد نقل الإجماع على عكس ما ادعوه، فقد ذكر الإمام المحدث الفقيه محيي الدين النووي الإجماع على سنية واستحباب الترتيل كما سبق في فصل الإجماع.
الرابع: أنه ينتقض الإجماع الذي ادعوه بنصّ أئمة المذاهب والعلماء والفقهاء على سنية واستحباب الترتيل كما مر في فصل أقوال الأئمة والفقهاء في استحباب الترتيل.
* * *
الخاتمة:
بعد عرض الآيات والأحاديث والآثار التي استدل فيها في مسألة حكم التجويد تبيَّن أنها تفيد سنية واستحباب التجويد قراءة وتعلماً، وأنها لا ترقى للدلالة على الوجوب والفرضية الذي يحتاج إلى أمر بالفعل مع منع ونهي عن الترك بترتيب عقاب عليه، وهذا لم يتوفر فيما ورد من النصوص في هذه المسألة، بل غاية ما فيها هو الترغيب، وهذا يستفاد منه السنية والاستحباب، كما فصلنا هذا في تمهيد هذا البحث.
واقتصار إفادة هذه النصوص على السنية والاستحباب هو ما ذهب إليه أئمة الدين وفقهاء الملة كما سبق في فصل أقوال الأئمة، وليس هذا فحسب بل نص الإمام النووي على الإجماع في السنية في هذا المسألة كما مر في فصل الإجماع.
وتزداد النفس اطمئناناً إلى هذا الحكم في هذه المسألة بعد أن ذكرت أدلة القائلين بالوجوب من المعاصرين وبعض من حمَّل بيت الجزري في ((المقدمة الجزرية)) ما لا يحتمل من الشراح، وتفنيدها دليلاً دليلاً وبيان أنه لا وجه للاستدلال فيه لمن دقق النظر، وأمعن الفكر.
وهناك أمر ينبغي التنبيه عليه وهو أن القول بسنية واستحباب قراءة القرآن بالترتيل وتعمله ليس انتقاصاً من القرآن الكريم وحفظه وحقه علينا، فإن مَن عنده الرغبة والهمة في تعلمه وترتيله تزداد عندما يعلم بأن قراءته - صلى الله عليه وسلم - كانت هكذا، وترغيبه في ذلك، ووعده بالأجر العظيم لمن يتقن قراءة القرآن ويعطيه حقه من تمام المد والإدغام والإخفاء وغيرها وجعله مع السفرة الكرام البررة، ولا شك أنها منزلة عالية يرغب فيها كل من علمها، وكذلك وعده - صلى الله عليه وسلم - للمسلم بالارتقاء والصعود في الجنة بقراءته المتقنة المجودة وحفظه.
كما أن في القول بالوجوب والفرضية تأثيم للمسلمين من حيث يعلمون أو لا يعلمون؛ إذ المسلم لا يعذر في دار الإسلام بمعرفة أحكام الشريعة، ومن علم أنه واجب وقصَّر في التعلم لحقه الوزر؛ لأنه لم يقم بأوامر الله تعالى، وإن كان هذا العلم مخالفاً للواقع من الاستحباب والسنية.
وكم هم الذي يتقنون قراءة القرآن ويراعون أحكام ترتيله، إنهم فئة ضئيلة جداً، والباقون يقرؤون القرآن بلا إجادة لتجويده، فحالهم على هذا القول الإثم والوزر العظيم؛ لعدم قيامهم بما وجب عليهم.
فانظر رحمني ورحمك الله كم في هذا الحكم من تحميل للمسلمين ما لا يطيقون وتأثيمهم من حيث يشعرون ولا يشعرون، وكم في الحكم
بالاستحباب والسنية من رفع الحرج عن المسلمين {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} (¬1)،وإبعاد الوزر عنهم، ورفع للهمم وترغيب للمسلمين بالإقبال على تعلم كتاب الله تعالى وإتقانه.
* * *
¬
(¬1) البقرة: 286.
المراجع
1. الإبهاج في شرح المنهاج لعلي السبكي (756هـ) وولده تاج الدين (ت771هـ). دار الكتب العلمية. بيروت.
2. إحكام الفصول في أحكام الأصول لأبي الوليد الباجي. ت: د. عبد الله الجبوري. مؤسسة الرسالة. ط1. 1989م.
3. أحكام القرآن لأحمد بن علي الرازي الجصاص (ت370هـ). دار الفكر.
4. الإحكام في أصول الفقه لسيف الدين الآمدي. مؤسسة الحلبي. 1967م.
5. الآداب الشرعية والمنح المرعية لمحمد بن مفلح المقدسى الحنبلي (ت673هـ). مؤسسة قرطبة.
6. إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري لأحمد بن محمد القسطلاني، دار الكتاب العربي، بيروت، 1323هـ.
7. إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول لمحمد بن علي الشوكاني. دار الفكر.
8. أسنى المطالب شرح روض الطالب لإسماعيل بن المقري اليمني. دار الكتاب الإسلامي.
9. أصول الفقه الإسلامي للدكتور وهب الزحيلي. دار الفكر. ط1. 1986م.
10. أصول الفقه الإسلامي لمحمد الخضري بك. دار القلم. بيروت. ط1. 1987م.
11. الأم لمحمد بن إدريس الشافعي (ت204هـ). دار المعرفة. بيروت ط2. 1393هـ.
12. الاتقان في علوم القرآن لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت911هـ). دار الكتب العلمية. بيروت.
13. البحر المحيط في أصول الفقه لمحمد بن بهادر الزركشي (ت794هـ). ت: د. عمر الأشقر. ط1. 1989م. الكويت.
14. بذل المجهود في حل أبي داود للعلامة خليل أحمد السهارنفوري (ت 1346هـ). دار الكتب العلمية. بيروت.
15. بغية الكمال شرح تحفة الأطفال لأسامة بن عبد الوهاب. مكتبة التوعية الإسلامية. مصر. ط1. 1410هـ.
16. التبيان في آداب حملة القرآن ليحيى بن شرف النووي. الوكالة العامة للتوزيع. دمشق. ط1. 1403هـ.
17. التبيان في تفسير غريب القرآن لأحمد بن محمد الهائم (ت815هـ). د. فتحي الدابولي. دار الصحابة للتراث بطنطا. القاهرة. ط1. 1992مـ.
18. تجويد القرآن الكريم: أسسه وتطبيقاته ورموز ضبطه. للشيخ عامر سعيد. الكويت.
19. التسهيل لعلوم التنزيل لمحمد بن أحمد بن جزيء الكلبي 741 - 793هـ، دار الفكر.
20. تفسير ابن كثير لإسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي ت774هـ، دار المفيد، بيروت.
21. تفسير البيضاوي للقاضي البيضاوي (ت685هـ). دار صادر. مع حاشية الشهاب.
22. تفسير الجلالين لجلال الدين المحلي والسيوطي. دار الحديث. القاهرة. ط1.
23. تفسير الطبري لمحمد بن جرير الطبري (ت310هـ). دار الفكر. بيروت. 1405هـ.
24. تفسير القرطبي لمحمد بن أحمد القرطبي (ت671هـ). ت: أحمد البردوني. دار الشعب. القاهرة. ط2. 1372هـ.
25. تفسير النسفي لعبد الله بن أحمد بن محمود النسفي (ت701هـ).
26. تقريب الوصول إلى علم الأصول لأبي قاسم محمد بن أحمد بن جزيء (ت741هـ). ت: د. عبد الله الجبوري. 1990م. بغداد.
27. التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب الكوذاني (ت510هـ). ت: مفيد أبو عمشه. جامعة أم القرى. السعودية.
28. التمهيد في معرفة التجويد للحسن العطار (ت569هـ) ت: د. غانم قدوري. ط1. 1420. دار عمار. عمان.
29. التوضيح شرح التنقيح لصدر الشريعة عبيد الله المحبوبي (ت747هـ). دار الكتب العربية الكبرى. 1327هـ.
30. جامع الترمذي لمحمد بن عيسى (279هـ). ت: أحمد شاكر. دار إحياء التراث العربي. بيروت.
31. جمع الجوامع لتاج الدين عبد الوهاب السبكي. مطبعة مصطفى البابي الحلبي. 1937. مصرز
32. الجوهرة النيرة شرح مختصر القدوري لأبي بكر بن علي الحَدَّادِيّ (ت800هـ). المطبعة الخيرية. ط1. 1322هـ.
33. حاشية الدمياطي على شرح جلال الدين المحلي على الورقات في أصول الفقه لإمام الحرمين الجويني. 1331هـ.
34. حاشيته ابن القاسم العبادي على تحفة المحتاج. دار إحياء التراث العربي.
35. حق التلاوة لحسني شيخ عثمان. دار العدوي. عمان. ط3. 1401هـ.
36. الدر المنثور لعبد الرحمن السيوطي (ت911هـ). دار الفكر. بيروت. 1993م.
37. دروس مهمة في شرح الدقائق المحكمة في شرح المقدمة الجزرية في الأحكام التجويدية لسيد لاشين أبو الفرح. إدارة تحفيظ القرآن الكريم. المدينة المنورة. ط1. 1422هـ.
38. الدقائق المحكمة شرح المقدمة الجزرية لأبي يحيى زكريا الأنصاري. 1367هـ. مطبعة مصطفى البابي. مصر.
39. روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني لمحمود الألوسي (ت1270هـ). دار إحياء التراث. بيروت.
40. السلسلبيل الشافي في أحكام التجويد الوافي لعثمان سعيد حسن سمور، ت: أحمد حسين علي. ط3. 1407هـ.
41. سنن أبي داود لسليمان بن أشعث السجستاني (ت275هـ).ت: محيي الدين عبد الحميد. دار الفكر. بيروت.
42. سنن البَيْهَقِي الكبير لأحمد البَيْهَقِي (ت458هـ). ت: عبد القادر عطا. 1414هـ. مكتبة دار الباز. مكة المكرمة.
43. سنن الدَّارَقُطْنِي لعلي بن عمر الدَّارَقُطْنِي (ت385هـ). ت: السيد عبد الله هاشم. دار المعرفة. بيروت. 1386هـ.
44. سنن النَّسَائيّ الكبرى لأحمد بن شعيب النَّسَائِي (ت303هـ). ت: د. عبد الغفار البنداوي وسيد كسروي حسن. ط1. 1411هـ. دار الكتب العلمية. بيروت.
45. سنن سعيد بن منصور لسعيد بن منصور (ت227).ت: د. سعد أل حميد. دار العصيمي. الرياض. ط1. 1414هـ.
46. شرح البدخشي مناهج العقول على منهاج الوصول في علم الأصول لمحمد بن الحسن البدخشي. دارالكتب العلمية. بيروت. ط1. 1984هـ.
47. شرح اللمع لأبي إسحاق الشيرازي. ت: عبد المجيد التركي. ط1. 1988م. دار المغرب الإسلامي.
48. شرح صحيح مسلم ليحيى بن شرف النووي (ت676). ط2. دار إحياء التراث العربي. بيروت.
49. شرح طيبة النشر في القراءات العشر لشهاب الدين أحمد بن محمد الجزري (ت825هـ). ت: أنس مهرة. دار الكتب العلمية. بيروت. ط1. 1418هـ.
50. صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان لمحمد بن حِبَّان التميمي (354هـ). ت: شعيب الأرناؤوط. مؤسسة الرسالة. بيروت. ط.2. 1414هـ.
51. صحيح ابن خزيمة لمحمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي (ت311هـ).ت: د. محمد مصطفى الأعظمي. 1390هـ. المكتب الإسلامي. بيروت.
52. صحيح البخاري لمحمد بن إسماعيل الجعفي البُخَارِيّ (ت256هـ). ت: د. مصطفى البغا. ط3. 1407هـ. دار ابن كثير واليمامة. بيروت.
53. صحيح مسلم لمسلم القُشَيْريّ (ت261هـ). ت: محمد فؤاد عبد الباقي. دار إحياء التراث العربي. بيروت.
54. طيبة النشر في القراءات العشر للجزري. ت: أنس مهرة. دار الكتب العلمية. بيروت. ط1. 1418هـ.
55. عمدة القاري شرح صحيح البخاري لبدر الدين محمدو العيني (ت855هـ). دار إحياء التراث العربي. بيروت.
56. غذاء الألباب شرح منظومة الآداب لمحمد بن أحمد السفاريني. مؤسسة قرطبة.
57. فتح الباري شرح صحيح البُخَاري لأحمد بن علي ابن حَجَر العَسْقَلانِي (ت852هـ). ت: محمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب. 1379هـ. دار المعرفة. بيروت.
58. فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير لمحمد بن علي الشوكاني. دار الفكر. بيروت.
59. فتح القدير للعاجز الفقير على الهداية لابن الهمام (ت861هـ). دار إحياء التراث العربي. بيروت.
60. فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب لسليمان الجمل. دار الفكر.
61. فواتح الرحموت بشرح مُسَلَّم الثُّبُوت لعبد العلي محمد بن نظام الدِّين الأَنْصَارِيّ. دار العلوم الحديثة. بيروت.
62. القاموس المحيط والقابوس الوسيط الجامع لما ذهب من كلام العرب شماطيط لطاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي (ت817هـ). مؤسسة الرسالة. ط2. 1407هـ.
63. قرة العين بشرح ورقات إمام الحرمين لأبي عبد الله ابن محمد الحطاب. مكتبة مصطفى البابي. مصر.
64. كشاف القناع عن متن الإقناع لمنصور بن يونس بن إدريس البهوتي (ت1051هـ)، دار الكتب العلمية.
65. كشف الأسرار شرح الصنف على المنار للنسفي (ت710هـ). دار الكتب العلمية. بيروت. ط1. 1986م.
66. كيف تجود القرآن وترتله ترتيلا لمحمد عبد العزيز الهلاوي، مكتبة القرآن.
67. كفاية المستفيد في فن التجويد للحاج محيي عبد القادر الخطيب. مكتبة النهضة. بغداد. ط6. 1963م.
68. لسان العرب لابن منظور (ت711هـ). ت: عبد الله الكبير ومحمد حسب الله وهاشم الشاذلي. دار المعارف ..
69. المجتبى للنسائي (215 - 303).ت: عبد الفتاح أبو غدة. مكتب المطبوعات الإسلامية. حلب. ط2. 1406.
70. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي (ت807هـ). 1407هـ. دار الريان للتراث ودار الكتاب العربي. بيروت.
71. المجموع شرح المهذب ليحيى بن شرف النووي (ت676هـ).ت: محمود مطرحي. بيروت. دار الفكر. ط1. 1417هـ.
72. المحرر الوجيز لابن عطية ت546هـ، ت: عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1413هـ.
73. مختصر فتح الرحمن العظيم في تجويد أحكام القرآن الكريم للدكتور أحمد حسين. ط6. 1421هـ.
74. المرشد في علم التجويد للشيخ زيدان محمود العقرباوي. دار الفرقان. عمان. ط2. 1415هـ.
75. المستدرك علىلصحيحين للحاكم (ت405هـ).ت: مصطفى عبد القادر. دار الكتب العلمية. بيروت. ط1. 1411.
76. المستصفى من علم الأصول لمحمد بن محمد الغزالي، دار العلوم الحديث، بيروت.
77. مسلم الثبوت لمحب الله بن عبد الشكور البهاري (ت1119هـ). المطبعة الحسينية المصرية. 1326هـ.
78. مسند أحمد بن حنبل لأحمد بن حنبل (ت241هـ). مؤسسة قرطبة. مصر.
79. المصقول في علم الأصول للكوبي. ت. عبد الرزاق بيمار. ط1. 1981م. الجمهورية العراقية. وزارة الأوقاف.
80. المصنف في الأحاديث والآثار لابن أبي شَيْبَةَ (ت235هـ) ت: كمال الحوت. ط.1. مكتبة الرشد. الرياض.1409ه
81. مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى لمصطفى السيوطي الرحيباني ت1243هـ، المكتب الإسلامي.
82. معالم التنْزيل في علم التفسيرللفراء (ت516هـ). ت: خالد العك ومروان سوار. دار المعرفة. بيروت. 1407هـ.
83. المعجم الكبير للطَّبَرَاني (ت360هـ).ت: حمدي السلفي. ط2. 1404هـ مكتبة العلوم والحكم. الموصل.
84. المعجم المفهرس لألفاظ القُرآن لمحمَّد فؤاد عبد الباقي. دار الكتب العلمية. 1996م.
85. معجم مفردات ألفاظ القُرْآن للراغب الأصفهاني (502هـ). تحقيق: نديم مرعشلي. دار الفكر.
86. المغني لموفق الدين عبد الله بن أحمد المعروف بابن قدامة (ت620 هـ)، دار إحياء التراث العربي.
87. مفاتيح الغيب (التفسير الكبير) لفخر الدين الرازي (544 - 606هـ). دار الغد العربي، القاهرة، ط1، 1412هـ.
88. مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول لمحمد التلمساني (ت771هـ). ت: عبد الوهاب عبد اللطيف. دار الكتب العلمية. بيروت. 1983م.
89. مفتاح الوصول إلى علم الأصول لأحمد كاظم البهادلي. العراق.
90. المقدمة الجزرية لأبي الخير محمد الجزري. الطبعة الأخيرة. 1367هـ. مطبعة مصطفى البابي. مصر.
91. الملخص المفيد في علم التجويد لمحمد أحمد معبد، جمعية الصالحين لتحفيظ القرآن الكريم، ط7، 1415هـ.
92. مناهل العرفان في علوم القرآن لمحمد عبد العظيم الزرقاني. دار الفكر. بيروت. ط1. 1996م.
93. المنتقى شرح الموطأ لسليمان بن خلف الباجي الأندلسي (474هـ). دار الكتاب الإسلامي.
94. المنح الفكرية شرح المقدمة الجزرية للقاري (ت1014هـ). 1367هـ. مطبعة مصطفى البابي. مصر.
95. منهاج الوصول إلى علم الأصول للقاضي البيضاوي (ت685هـ). دار الكتب العلمية. بيروت.
96. المنير في أحكام التجويد للدكتور أحمد شكري وآخرون. مكتبة الفؤاد. عمان. ط1. 1422هـ.
97. الموسوعة الفقهية الكويتية لجماعة من العلماء. تصدرها وزارة الأوقاف الكويتية.
98. الموضح في التجويد لعبد الوهاب القرطبي (ت461هـ). ت: د. غانم قدوري. ط1. 1421هـ. دار عمار. عمان.
99. موطأ مالك لمالك بن أنس (93 - 179هـ). ت: محمد فؤاد عبد الباقي. دار إحياء التراث العربي. مصر.
100. ميزان الأصول في نتائج العقول في أصول الفقه لمحمد بن أحمد السمرقندي (ت539هـ). ت: د. عبد الملك السعدي. طباعة وزارة الأوقاف العراقية. ط1. 1407هـ.
101. الناسخ والمنسوخ لقتادة بن دعامة (ت117هـ). ت: د. حاتم الضامن. مؤسسة الرسالة. بيروت. 1404هـ.
102. الناظر وجنة المناظر لابن قدامة. دار الكتب العلمية. بيروت. مع نزهة الخاطر.
103. النبع الريان في تجويد كلام الرحمن لأبي الهيثم محمد محمد آل مطر. دار رمادي للنشر. الدمام. ط1. 1418هـ.
104. النشر في القراءات العشر لمحمد بن محمد بن الجزري (ت833هـ). دار الكتب العلمية. بيروت.
105. نهاية السول لجمال الدين الآسنوي (ت772هـ). دار الكتب العلمية. بيروت. ط1. 1984م.