الأفهام السنية .......
.... في الثقافة الإسلامية
جارٍ تحميل الكتاب…
الأفهام السنية .......
.... في الثقافة الإسلامية
الأفهام السنية
في الثقافة الإسلامية
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج ... الدكتور معاذ سعيد حوا
عميد كلية الفقه الحنفي ... الأستاذ المساعد في كلية الفقه الحنفي
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على فضله ورحمته، وجزيل الشُّكر على مننه ومغفرته، والصّلاة والسّلام على سيد الخلق، نبينا وحبيبنا ورسولنا محمّد، عليه أفضل الصلاة وأتمّ التّسليم، وعلى آله وصحبه الكرام، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
كنت درَّستُ مادة الثقافة الإسلامية قبل عشر سنوات، ولكن كانت لطلبة البكالوريوس، فكان للمدرس الخيار في أن يدرسهم ما هو الأنسب؛ لأنّ الامتحان النهائي يحدده المدرس، ولذلك في حينها اقتصرت على كتابة مقدمات في معنى الثقافة، ثم درَّست الطلاب ما يتعلق بعلم الحال، وهو ما يلزم المسلم في حاله من أحكام شرعية؛ لأنها الأنسب لهم؛ لعدم اختصاص الطلبة بدراسة الشريعة، وهذا في الحقيقة هو الأفضل في التدريس للطلاب من غير طلبة الشريعة، بدل أن يأخذوا موضوعات ثقافية لا فائدة كبيرة فيها.
ولكن بعد فتح برنامج الدبلوم المتوسط في كلية الفقه الحنفي، كانت مادة الثقافة الإسلامية إلزامية لهم فيه رغم أنهم طلبة شريعة، مع أنه يجب اقتصارها على غير طلبة الشريعة كما في البكالوريوس، لكن هذا هو الواقع.
في الأيام السابقة اشتكى لي بعض الطلبة وجود إشكاليات في المادة متعارضة مع ما يدرسون من مواد أخرى سواء كان في الجانب الفقهي أو العقدي، فتحققت من الأمر، فظهر صدقه، فذكر في الكتاب مثلاً تقسيم التوحيد الثلاثي، وهو متعارض مع منهج أهل السنة.
فكان لزاماً حل هذه المشكلة، وتجهيز مادة مناسبة للطلبة غير متعارضة مع ما يدرسون من مواد أخرى، ولم يكن طريق لذلك إلا إعداد مادة خاصة بهذا المساق.
ورغبتُ مع ذلك بتقديم مادة علمية نافعة لهم، متوافقة مع مناهج كليتنا الموقرة، فما كان من أمور ثقافية عامة استفدتها منه، وما كان من موضوعات علمية وعقدية وتربوية استفدتها من مناهج الكلية الأخرى لكن باختصار يتناسب مع الكتاب.
وزيادة في الفائدة طلبت من الدكتور محمد النجار أن يقدم لي ملخصاً في العقائد من كتابه مع الدكتور حمزة البكري، فقدم مادة اختصرتها في الجانب العقدي.
وكنت طلبت من الدكتور معاذ حوا أن يزودني بما كتب فيما يتعلق بموضوعات مادة الثقافة فزودني بعدة ملفات في خصائصها والجانب التربوي ورد الشبهات والنظم الإسلامية، وقد أثبت جزءاً كبيراً منها ضمن مادة الكتاب مع اختصار وتهذيب وترتيب.
وحرصاً على إكمال الفائدة للطلبة أثبتُ أسئلة السَّنوات السَّابقة في نهايةِ كلِّ وحدةٍ من وحدات الكتاب مع إجاباتها؛ لتكون جزءاً من المادة يُدرس فيما لم نتعرَّض إليه في موضوعات الكتاب؛ لأن التكرار ظاهرة واضحة في الأسئلة.
وأرجو من الله - عز وجل - أن تكون هذه المادة بعد هذا الجهد فيها متوافقةً مع منهج أهل السنة، وأصبحت تحتوي مادة علمية أصيلة وخصبة في ثناياها، لذلك سميتها:
«الأفهام السنية في الثقافة الإسلامية»
راجياً من الله - عز وجل - أن يتقبلها بقبول حسن، وأن ينفع بها أخوتنا الطلبة، وأن يرزقنا الصدق في القول والعمل، وأن يغفر لنا خطايانا، ويتجاوز عن سيئاتنا، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
في صويلح، عمان، الأردن ... الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
في 19ـ6ـ 2019م ... عميد كلية الفقه الحنفي
الوحدة الأولى
مقدّمات متعلّقة بالثقافة الإسلامية
تمهيد:
غدا مصطلح الثقافة من أهم المصطلحات وأكثرها تردُّداً على الألسنة حتى أنشئت وزارات الثقافة في كثير من البلاد (¬1)، وأصبحت قضية عالمية اهتمت بها هيئة الأمم المتحدة من خلال إحدى منظماتها البارزة، وهي منظمة اليونسكو، وقضية عربية قومية اهتمت بها جامعة الدول العربية، وعُقِدت لها المؤتمرات العديدة (¬2).
وعلى الرغم من هذه الأهمية للثقافة إلا أن مصطلحها لا زال يعتريه كثير من الخصوصية أو النسبية والمفاهيم الذاتية، ومن هنا نجد في كل كتاب تعريفاً، ولكل كاتب في الثقافة مفهوماً خاصاً (¬3)؛ لأنه في طور التأسيس والتقعيد، فلا بدّ من نقاش ونزاع وجدال شديد قبل أن تتضح الصورة النهائية له، والتي ستجعل منه علماً مستقلاً له تعريفه وخصائصه ومقوماته ومصادره التي يتميّز بها عن سائر
¬
(¬1) ينظر: في الثقافة ص5، بتصرف.
(¬2) ينظر: الثقافة الإسلامية د. عزمي طه وآخرون ص18 - 19 بتصرف.
(¬3) ينظر: في الثقافة ص5.
العلم، فهو ما زال في طور الولادة والنشوء، وعَمَلُنا في هذا الكتاب محاولةٌ جادةٌ لرسم المعالم الحقيقية لهذا العلم بمجاوزة هذا الطور، سائلين الله - عز وجل - أن يوفقنا في ذلك.
والثقافة هي القضيةُ المحورية في الأمة التي تبيِّن معالمها، وتعطيها التصوّرات الصحيحة عن العالم والكون، وتُميزها عن باقي الأمم، وتُنير لها الطريق إلى الارتقاء بنفسها إلى مصافّ الحضارات، وتجعل منها أمةً ذات همّ وهمّة عاليةٍ، تُحاكي ما حولها بعقلٍ متفتح وقلب واعٍ وروح إيمانية قوية؛ لذلك وصفها الكتاب بعبارات عديدة تُبين دورها، ومنها:
* الثقافة: نظرية في السلوك تُميز جماعة من النَّاس عن الجماعات الأخرى تقوم بما تقوم به من العقائد واللغة والتاريخ والقيم والمبادئ والسلوك والمقدسات والقوانين والفكر والتجارب، وهي علاقة متبادلة تجدِّد السُّلوك الاجتماعي للفرد بأسلوب الحياة السائد في المجتمع، وتُحدِّد أسلوب الحياة بسلوك الفرد.
فهي باختصار طريقة الحياة التي طوَّرها الإنسان في المجتمع وفقاً للفكر الذي يدينون به، متضمنةً طرقهم في التفكير وأساليبهم الحياتية في المجالات المادية (¬1).
* الثقافة هي الصورة الحيّة للأمة، فهي التي تحدّد ملامح شخصيتها وقوام وجودها، وهي التي تضبط سيرها في الحياة، وتحدِّد اتجاهها فيها، إنّها عقيدتها التي
¬
(¬1) ينظر: في الثقافة ص8 - 9.
تؤمن بها، ومبادئها التي تحرص عليها، ونظمها التي تعمل على التزامها، وتراثها الذي تخشى عليه الضَّياع والاندثار، وفكرها الذي تودّ له الذيوع والانتشار ... فإذا اهتزت هذه الصُّورة أو اضطربت ملامحها، أو طمسها الركام المتكاثف فوقها، لم يكن للأمة بسبب ذلك شخصية تميزها أو سمات تنفرد بها، بل تصبح تبعاً لغيرها، حتى تنتهي إلى الاضمحلال، وتؤول إلى الزَّوال، وتلك هي الكارثة التي تخشى كلُّ أمة حيّة أن تحلّ بها، فتمحق وجودها، وتطمس حياتها (¬1).
* الثقافة هي روح الحضارة، وهي عقلُها، وهي الذوق العام السائد فيها، وهي جماع الأنساق التي تجعل حضارة ما تصطبغ بلون معيّن، فهي الصبغة التي تلون دم الحضارة بلونها (¬2).
وبهذا يظهر لنا أن القضية الحيوية للإنسان هي الثقافة التي يحملها؛ إذ لا بُدّ للمرء أن يدرِك حقيقة وجوده وموقفه في هذا الكون؛ ليكون على بيّنة من أمره في كلّ اتجاه وتصرف وسلوك.
فالمنهج السلوكي متوقِّفٌ على الفهم الحقّ لحياة الإنسان، وبما أن الإسلام هو المنهج الحقّ وأنَّ السَّعادة َمرهونةٌ بالتزامه، فإن فهم الأحكام الشرعية والتثقف بالثقافة الإسلامية من أعظم الفروض وأوجب الواجبات، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن يرد اللهُ به خيراً يفقهه في الدين» (¬3). (¬4)
¬
(¬1) ينظر: في الثقافة ص11 - 12.
(¬2) ينظر: محاضرات ص13.
(¬3) في صحيح البخاري1: 37.
(¬4) ينظر: نظرات ص9 - 10.
وعلينا أن نجهد أنفسنا لنحمل ثقافتنا الصحيحة المميزة لنا عن الأمم الأخرى؛ لأنّ مفهوم الثقافة الغربية يختلف كل الاختلاف عن مفهوم الثقافة الإسلامية، فالثقافة الغربية حبيسة المادية، تستقي أصولها من الملموسات والمقيدات، وتعتمد على المشاهدة والملاحظة والتجربة والاستقراء العلمي والعملي، وما عدا ذلك فإنّها لا تعترف به، بل إنها تعتبره من الأساطير والخزعبلات والتخمينات، وبذلك يصبح لها الدين شيئاً مستكرهاً ويتهم المتدين الموحد والمؤمن بأنهم أصحاب عقليات تعتقد في المغيبات بوجود إله واحد دون أن تعمل الفكر العقلي بالدراسة والتحقيق المنهجيّ والعلميّ (¬1).
وهذه النظرة لا تنسجم أبداً مع تطلعات المسلم للحياة وفهمه للكون؛ فعلى المسلم الاستزادة من الثقافة الإسلامية لتنمو عقليته، ولتصبح قادرة على قياس كلّ فكر من الأفكار، وليكون الإسلام وحده المقياس العام للأفكار عن الحياة، ولتكون ميول النفس كلها على أساس الدين، فعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لن يستكمل مؤمن إيمانه حتى يكون هواه تبعاً لما جئتكم به» (¬2)، حتى يكون للمسلم شخصية متميزة عن غيرها (¬3).
وقبل الولوج في مكونات الشخصية الإسلامية من جهة العقل والروح والجوارح يحسن بنا عرض تعريف الثقافة اللغوية والاصطلاحية ومناقشتها
¬
(¬1) ينظر: نحو الثقافة ص19 - 20.
(¬2) في المدخل 1: 152، وفي روضة المحدثين ر3092: حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به» قال فى الفتح 13: 289: صححه النووي.
(¬3) ينظر: نظرات ص9 - 10 بتصرّف.
لتحديد المفهوم الصحيح الثقافة التي نريد، مع ذكر مميزاتها ومقوماتها وأهدافها وكل ما يتعلّق بتوضيح صورة ومعالم هذا المصطلح، في المطالب الآتية:
المطلب الأول: تعريف الثقافة:
ونتكلم عنه في النقاط الآتية:
* أولاً: تعريفها اللغوي:
يدور معنى الثقافة اللغوي على معانٍ منها: إدراك الشيء، وتقويم المعوج وتسويته، وتنمية الفكر والمواهب، والتأديب والتهذيب، وعرّفها المجمع اللغوي: جملة العلوم والمعارف والفنون التي يطلب الحذق بها (¬1).
* ثانياً: تعريف الثقافة العامة:
اختلفت الأنظار في تصوُّر الثقافة على مناحي منها:
1.أنّها طريقة الحياة، فهي كلُّ نواحي النشاط العادي كالعمل والعبادة والزواج والاحتفالات وكلُّ ما يصدق عليه أنه من العادات والتقاليد.
2.أنّها نتاج الفكر، فهي كلُّ نواحي النّشاط الفكري كالفلسفة والعلم والأدب بفروعه المختلفه (¬2).
3.أنّها المحيط الذي يُشكل فيها الفرد طباعه وشخصيته (¬3).
¬
(¬1) ينظر: الثقافة الإسلامية ص11 - 12.
(¬2) ينظر: الثقافة الإسلامية ص16 بتصرف.
(¬3) ينظر: الثقافة الإسلامية ص13 - 14.
4.أنها رصيد العقائد والمشاعر والسلوك الذي يميز الأمة عن غيرها (¬1).
5.أنها أسلوب الحياة السائد في مجتمع من المجتمعات (¬2).
وبهذا يتبين أن وراء كل الثقافات أنظمة وأفكار وعقائد وتصورات تنبثق عنها وتتصل بها اتصال الفروع بالجذور، والثقافات ما هي إلا مظاهر خارجية لعقيدة أو فلسفة تؤمن بها الشعوب، وبالتالي من الثقافات ما هو صالح ومنها ما هو فاسد، فالثقافات الرّاشدة هي التي يُشكّل سلوكها من تشريعات الإسلام الفقهية والعقدية والسلوكية (¬3).
وكما ترى في هذه التعريفات فإن من الصَّعب أن يجد الإنسان تعريفاً جامعاً متفقاً عليه للثقافة للأسباب التالية:
1.اختلاف تخصص واهتمام من يعرّف الثقافة، فعالم الاجتماع حين يعرّفها يعطيها معنى يختلف عن المعنى الذي يعطيه لها عالم السياسة أو الاقتصاد أو عالم النفس.
2.اختلاف المدارس الفكرية والاتجاهات الثقافية العالمية حول تعريف الثقافة نظراً لاختلاف وجهات نظر كلّ واحدة منها، مثل المدرسة الرأسمالية، والمدرسة الماركسية، والمدرسة الإسلامية (¬4).
¬
(¬1) ينظر: محاضرات ص12.
(¬2) ينظر: المرتكزات الأساسية ص18 عن مشكلة الثقافة ص71.
(¬3) ينظر: الثقافة الإسلامية ص16 بتصرف.
(¬4) ينظر: دراسات ص10.
ورغم ذلك فإن التعريف المختار للثقافة أنّها التَّصورات الكلية المكتسبة المؤثرة في سلوك الفرد وفهمه.
فهي العلومُ والمعارفُ التي استفادها الإنسان من بيئته ومن حوله وتاريخه ولغته ودينه ودراسته للنتاج الفكري، بحيث كونت لديه الفهم لمظاهر الحياة المحيطة به، وأثرت في طريقته في الحياة وسلوكه فيها.
* ثالثاً: تعريف الثقافة الإسلامية:
لم تستعمل كلمة الثقافة بمعناها الاصطلاحي الواسع في كتبنا ومراجعنا القديمة، وإنما جاء هذا التعبير وليد الدراسات العصرية التي تأثر فيها المسلمون بكثير من المسميات التربوية الغربية.
فمن أجل هذا لا زالت الثقافة تخوض في البحث عن ذاتها، وتحديد موضوعاتها التي تميزها عن غيرها من الدراسات، ولا زالت تواجه مشكلة أساسية في التعريف (¬1)، كما سبق، واختلف المؤلفون في تعريف الثقافة بحسب نظرتهم لحقيقتها، ومن ذلك:
1.معرفة مقومات الدين الإسلامي بتفاعلاتها في الماضي والحاضر، والمصادر التي استقيت منها هذه المقومات بصورة نقية مركزة.
ويعني هذا التعريف دراسة العلوم الإٍسلامية من الفقه والعقيدة والحديث والتزكية والسيرة وغيرها، وبهذا تكون الثقافة الإسلامية مرادفة للدراسات الإسلامية، أو العلوم الإسلامية، أو التربية الإسلامية.
¬
(¬1) ينظر: في الثقافة ص9.
2.معرفة التحديات المعاصرة المتعلّقة بمقومات الأمة الإسلامية، ومقوّمات الدين الإسلامي بصورة مقنعة موجهة.
ويقوم هذا التعريف على دراسة الموضوعات العصرية الجديدة ورد الشبهات ودراسة الاستشراق والتيارات الفكرية الحديثة والمذاهب الفكرية المعاصرة وغيرها، فالثقافة عند أصحاب هذا الاتجاه علم جديد له موضوعاته الخاصة التي تميزه عن غيره من العلوم الإسلامية؛ لذلك عرّفها بعضهم: هي علم دراسة التصورات الكلية والمستجدات والتحديات المتعلقة بالإسلام والمسلمين بمنهجية شمولية مترابطة (¬1).
ولعلّ من المآخذ على هذا التعريف أنه قَدّم التحديات قبل بناء الذات للفرد المسلم، ويعذر في تقديمها؛ لأننا نعيش حالة الضعف العربي الإسلامي التي تقدّم الشكّ وتفرض التحدث لطبيعة الحال، والأنسب في تعريف الثقافة الإسلامية: العلم الذي يبحث بالمرتكزات الأساسية للفكر الإسلامي لبناء الذات ومواجهة التحديات المعاصرة (¬2).
3.رصيد الأمة من العقيدة والمشاعر والسلوك المستمد من الإسلام الذي يميز الأمة الإسلامية عن غيرها من الأمم (¬3).
4.الفهم العام للحياة بشؤونها المختلفة من منظور إسلامي.
¬
(¬1) ينظر: الثقافة الإسلامية ص18 - 21بتصرف.
(¬2) ينظر: المرتكزات الأساسية ص20 بتصرف.
(¬3) ينظر: محاضرات ص12.
وذلك يعني أن يكون عند المسلم تصور عام عن موقف الإسلام من أي قضية تطرح في الساحة سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو فكرية أو سياسية أو غير ذلك، فإذا وجد المسلم الذي يملك من الفطانة والفهم ما يجعله يعرض إسلامه وحكم هذا الإسلام في أي قضية تُثار أمامه ولا يهزم أمام أي تحدٍّ معادٍّ لفكره فهو المثقف المسلم.
ثم تتفاوت درجات هذه الثَّقافة ومستوياتها بحسب الإحاطة بالمفهوم الإسلامي، ومدى القدرة على الاستيعاب لشمول هذا الدين، ومدى ما يتمتع به كل فرد من المواهب والطاعات والاستعدادات الفطرية (¬1).
5.مجموعة من المعارف التي تسهم في تكوين الرؤية الإنسانية للإنسان وتؤدّي دورها في صياغة معالم شخصيته الذاتية وأفكاره وسلوكياته (¬2).
6.المعرفة التي تؤخذ عن طريق الإخبار والتلقي والاستنباط.
وهذه المعرفة ذات معان متعلقة بوجهة نظر الأمة في الحياة كالفن واللغة والتفسير والفلسفة ونحوها (¬3).
7.معرفة عملية مكتسبة تنطوي على جانب معياري مستمد من شريعة الإسلام ومؤسس على عقيدته، وتتجلى في سلوك الإنسان الواعي في تعامله في الحياة الاجتماعية مع الوجود (¬4).
¬
(¬1) ينظر: ثقافة المسلم ص15.
(¬2) ينظر: المرتكزات الأساسية ص18 عن جهود الايسيسكو في مجال التنمية الثقافية ص99.
(¬3) ينظر: دراسات ص10.
(¬4) ينظر: الثقافة الإسلامية د. عزمي طه وآخرون ص70.
وبعد هذه الجولة في هذه التعريفات التي تكون لدى القارئ الكريم الصورة العامة عن الثقافة لدى الكتاب فيها، فإننا نختار أن الثقافة الإسلامية هي: التصوّرات الكلية المكتسبة من الفقه والعقيدة والتزكية، المؤثرة في سلوك الفرد وفهمه.
ونقصد بالتصورات الكلية ما يبقى منطبعاً في الذهن بعد دراسة الفرد
للأحكام المتعلقة بدينه من الفقه والعقيدة والتزكية، والتي يكون لها أعظم الأثر في تغيير سلوكه وفهمه لما يجري حوله من أحداث وتصرفات.
* رابعاً: موضوع الثقافة الإسلامية:
موضوعها هو ذات الإسلام، ويشمل:
1.مفاهيم العقيدة الإسلامية، عن الإله والإنسان والكون والحياة الدنيا والآخرة، وأركان الإيمان وآثارها.
2.النظم الإسلامية: من نظام اجتماعي وسياسي واقتصادي وأخلاقي وقضائي وعقوبات وغيرها.
3.القضايا الفكرية والمشكلات المعاصرة.
4.التحديات والمذاهب الهدامة التي تواجه الثقافة الإسلامية.
5.الشبهات التي أثيرت حول الإسلام والرد عليها (¬1).
وإننا إذا أردنا أن نقرب صورة الثقافة الإسلامية التي ظهرت في هذا
¬
(¬1) ينظر: الواضح في الثقافة الإسلامية ص22.
العصر بما هو معروف في تاريخنا وحضارتنا، فإننا نجدها أقرب ما تكون إلى ما يسمّى عند علمائنا الكرام بعلم الحال الذي يتعلق بدراسة فروض العين في حياة المسلم، بحيث لا يصدر عنه تصور أو سلوك إلا موافقاً لمراد الله - جل جلاله -، وزيادة في تفصيل ذلك نقول:
إنّ علم الحال: هو الواجب على المسلم تعلّمه؛ إذ تعلّم العلوم الدينية
والدنيوية المختلفة يندرج في الأحكام الفقهية المشهورة:
1.فرض عين: وهو بقدر ما يحتاج إليه لدينه، وهو مقدار ما يحتاج إلى إقامة الفرائض، ومعرفةِ الحلال والحرام في أحوال نفسه.
2.فرض كفاية: وهو ما إذا قام به البعض سقط الحرج عن الباقين، مثل تعلم ما زاد عليه لنفع غيره.
قال الزَّرنوجيّ (¬1): «إن حفظَ ما يقع في بعض الأحايين فرضٌ على سبيل الكفاية إذا قام به البعض في البلدة سقط عن الباقين، فإن لم يكن في البلدة مَن يقوم به اشتركوا جميعاً في المأثم، فيجب على الإمام أن يأمرهم بذلك ويجبر أهل البلدة عليه كعلم الطب والفلك وغيرهما».
فهو يشمل كلّ علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا: كالطب، والحساب، والنحو، واللغة، والكلام، والقراءات، وأسانيد الحديث، وقسمة الوصايا والمواريث، والكتابة، والمعاني، والبديع، والبيان، والأصول، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وأصول الصناعات والفلاحة: كالحياكة والسياسة والحجامة (¬2).
¬
(¬1) في تعليم المتعلم ص23.
(¬2) ينظر: رد المحتار1: 42.
3.مندوب: وهو التبحّر في الفقه وعلم القلب، كتعلم ما لا يحتاج إليه ليعلّمه مُحتاجاً إليه كالفقير يتعلّم كتاب الزكاة والمناسك؛ ليُعَلِّمَ مَن عليه الزكاة والحجّ، وهو أفضلُ من نفل العبادة، قال - جل جلاله -: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة:11]، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أفضل الصدقة أن يتعلَّمَ المرءُ المسلمُ علماً، ثم يعلّمه أخاه المسلم» (¬1)، وفي «التاتارخانية»: «ما عُبدَ اللهُ بشيءٍ أَفضل من فقهٍ في دين، وفقيهٌ واحدٌ أشدُّ على الشيطان من ألفِ عابدٍ، ولكلِّ شيءٍ عماد، وعمادُ هذا الدِّين الفقه».
4.حرام: وهو علم الحرام الذي لا يقع في حال أحد، فلا يخاف وقوع أكثر الناس فيه، وهو تعلّم السحر والفلسفة في قطر لم يفشيا فيه، ولا يخاف على أكثر الناس وقوعهم فيهما، ومنه مجادلة الفرق الضالة والفلاسفة في قطر لم تفش عقائدهم فيه، ومنه علم الموسيقى (¬2).
5.مكروه: وهو التعلّم ليباهي به العلماء، ويماري به السفهاء، ويأكل أموال الأغنياء، ويستخدم الفقراء؛ لأنه سبب يتوصّل به إلى ما هو حرام، فيكون حراماً (¬3)، فعن كعب بن مالك - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن طلب العلم ليجاري به العلماء أو ليماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار» (¬4). وعن أبي
¬
(¬1) في سنن ابن ماجه1: 89، وفي فيض القدير2: 37: قال المنذري: إسناده حسن لو صح سماع الحسن منه.
(¬2) ينظر: ترتيب العلوم ص111 - 112.
(¬3) ينظر: شرح ابن ملك على الوقاية ق122/أ.
(¬4) في سنن الترمذي5: 32، والصمت 1: 105، والغيبة والنميمة1: 15، والدينار1: 62.
هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن تعلّم علماً ممّا يبتغى به وجه الله - عز وجل - لا يتعلّمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة»: يعني ريحها (¬1).
6. مباح: وهو تعلُّمُ الزائد على ذلك للزينة والكمال؛ لأنه كلّما ازداد علم العالم تزداد زينته (¬2).
ومدار هذا التقسيم انقسام المعلوم كذلك، إذ قيل: إن العلم تابع للمعلوم، فما يكون من المعلوم واجباً فعلمه واجب، وقال ساجقلي زاده (¬3): «اعلم أن حكمَ العلم كحكم المعلوم فإن كان المعلوم فرضاً أو واجباً أو سنّة فعلمُه كذلك إذا توقّف المعلوم على ذلك العلم، وإنّما قيّدنا به؛ لأنه إذا لم يتوقَّف عليه لا يكون حكم العلم حكم المعلوم، فإن تجويدَ القرآن قدر ما يخلص عن اللحن الجلي فرض عين، لكن العلم المدون المسمّى بعلم التجويد ليس بفرض عين، بل فرض كفاية، وسبب ذلك أن تجويد القرآن لا يتوقّف على معرفة ذلك الفنّ، بل يمكن تحصيله بمشافهة الشيخ المجوّد، وإن كان المعلوم حراماً قطعياً أو مكروهاً تحريمياً أو تنزيهياً، فعلمه كذلك إن لم يكن المرء ولا غيره مظنّة وقوعه في ذلك المعلوم ... ».
والذي يهمنا هاهنا في ثقافة المسلم بالدرجة الأولى هو القسم الأول، وهو فرض العين، وهو علم ما كلّفه الله - جل جلاله - عبده في الحال الذي هو فيه، وما كلَّفه
¬
(¬1) في سنن أبي داود2: 346، وسنن ابن ماجه1: 92، ومسند أحمد2: 338، وصحيح ابن حبان1: 279، والمستدرك1: 160، وصححه.
(¬2) ينظر: الأشباه4: 125، وغمز العيون4: 125، وتحفة الملوك ص313، وهدية الصعلوك ص255.
(¬3) في ترتيب العلوم ص90.
ثلاثة أنواع: اعتقاد وفعل وترك ... من معرفة مسائل الإيمان وما فرض من الأخلاق والأفعال، وما حرم منهما (¬1).
فهو شامل لكل ما يحتاج المرء في الحال لأداء ما لزمه من المفترض عليه عيناً علمه: كالطهارة لأداء الصلاة، فإن أراد التجارة يفترض عليه تعلّم ما يحترز به عن الربا والعقود الفاسدة، وإن كان له مال يفترض عليه تعلم زكاة جنس ماله؛ ليتمكن به من الأداء، وإن لزمه الحجّ يفترض عليه تعلّم ما يؤدّي به الحجّ؛ لأن الله - جل جلاله - حكم ببقاء الشريعة إلى يوم القيامة، والبقاء بين الناس يكون بالتعلم والتعليم، فيفترض التعليم والتعلم جميعاً (¬2).
وقال الزرنوجي (¬3): «اعلم أنه لا يفترض على كلِّ مسلم طلب كلّ علم، وإنما يفترض عليه طلب علم الحال، بأن يطلب علم ما يقع له في حاله في أي حال كان، فيفترض عليه تعلّم ما لا بُدّ له من أحكام الطهارة والصلاة ممّا يقع له، ويجب عليه بقدر ما يؤدي به الواجب ... ، ومثل ذلك تعلم أحكام الصيام والزكاة إن كان له مال، والحجّ إن وجب عليه، وكذلك البيوع إن كان يتَّجر. وكذلك يفرض عليه علم أحوال القلب، من التوكل والإنابة والخشية والرضا، فإنه واقع في جميع الأحوال .. »؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم ومسلمة» (¬4).
¬
(¬1) ينظر: ترتيب العلوم ص95.
(¬2) ينظر: الكسب ص66، والمبسوط 30: 361.
(¬3) في تعليم المتعلم ص19 - 20.
(¬4) في سنن ابن ماجه 1: 81، والمعجم الأوسط4: 245، والمعجم الصغير1: 36، والمعجم الكبير10: 195، ومعجم الإسماعيلي2: 652، ومسند أبي يعلى5: 223، ومسند الشهاب1: 136، وغيرها. قال أحمد: لا يثبت عندنا في هذا الباب شيء، قال البزار: كل ما يروى فيها عن أنس غير صحيح، وقال البيهقي متنه مشهور وإسناده ضعيف، وروي من أوجه كلها ضعيفة، قال العراقي: قد صحح بعض الأئمة بعض طرقه، وقال المزي: إن طرقه تبلغ رتبة الحسن. قال السخاوي: وقد ألحق بعض المحققين: ومسلمة؛ وليس لها ذكر في شيء من طرقه وإن كانت صحيحة المعنى. كما في تخريج أحاديث الأحياء1: 55 - 57، وكشف الخفاء2: 56 - 57، وقال السيوطي في تبييض الصحيفة ص298: وعندي إنه بلغ رتبة الصحيح؛ لأني وقفت له على نحو خمسين طريقاً وقد جمعتها في جزء.
وإنما يتعيّن تعلّم الأحكام الظاهرة دون الدقائق والمسائل التي لا تعمّ بها البلوى (¬1)، مما لا رخصة لمكلف في جهله (¬2).
لذلك قال البركوي (¬3): «اتفق الفقهاء على فرضية علم الحال على كل من آمن بالله واليوم الآخر من نسوة ورجال ... ».
وإذا تأكدت هذه الفرضية لعلم الحال بالنقول الوافرة، والبراهين الساطعة، فينبغي بيان ما تشمل من العلم، وهو ثلاثة على العموم: العقيدة، والتزكية، والفقه، قال العزّ بن عبد السلام: «العلم الذي هو فرض لازم ثلاثة أنواع» (¬4):
1.علم العقيدة:
والذي يتعيّن عليك منه مقدار ما تعرف به أصول الدين فيجب عليك أولاً
¬
(¬1) في أسنى المطالب4: 182.
(¬2) في الفوائد المكية ص12.
(¬3) في ذخر المتأهلين ص65.
(¬4) ينظر: تفسير حقي 5: 199.
أن تعرف المعبود، ثم تعبده وكيف تعبد مَن لا تعرفه بأسمائه وصفات ذاته، وما يجب له وما يستحيل في نعته، فربما تعتقد شيئاً في صفاته يُخالف الحقّ فتكون عبادتك هباء منثوراً (¬1).
بالتالي كان تصحيح الاعتقاد داخلاً في علم الحال ... (¬2)، قال النووي (¬3): «فرض العين ... فيما يتعلق بالعقائد يكفي فيه التصديق بكل ما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واعتقاده اعتقاداً جازماً سليماً من كلّ شكّ، ولا يتعيّن على مَن حصلَ له هذا تعلّم أدلة المتكلمين، هذا هو الصحيح الذي أطبق عليه السلف والفقهاء والمحققون، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يطالب أحداً بشيء سوى ما ذكرناه،».
2.علم السلوك والتزكية:
وهو ما يتعلّق بالقلب ومساعيه، فيفترض على المؤمن علم أحوال القلب من التوكل والإنابة والخشية والرضا، فإنه واقع في جميع الأحوال، واجتناب الحرص والغضب والكبر والحسد والعجب والرياء وغير ذلك ... ؛ إذ فرضية علمها متحقّقة في كلّ زمان ومكان في كل شخص (¬4).
وبالتالي يفترض تعلم علم أحوال القلب، وكذلك سائر الأخلاق نحو: الجود والبخل، والجبن، والجرأة، والتكبّر، والتواضع، والعفّة، والإسراف، والتقتير، وغيرها، فإن الكبرَ والبخلَ والجبنَ والإسرافَ حرام، ولا يمكن التحرّز
¬
(¬1) ينظر: تفسير حقي 5: 199.
(¬2) في بريقة محمودية 6: 234.
(¬3) في المجموع 1: 49.
(¬4) ينظر: تفسير حقي 5: 199.
عنها إلا بعلمها وعلم ما يضادها، فيفترض على كلّ إنسان علمها ... (¬1)
قال السيوطي: «التصوفُ علم الحال لا علم المقال، وهو أن يتخلّق بمحاسن الأخلاق التي وردت السنة النبوية بها؛ ولهذا قالوا: التصوف ارتكاب كلّ خلق سنّي، وترك كلّ خلق دني» (¬2).
وسئل سهل عن معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، فقال: يعني علم الحال. قيل: وما علم الحال؟ قال: من الباطن الإخلاص، ومن الظاهر الاقتداء، فمَن لم يكن ظاهره إمام باطنه، وباطنه كمال ظاهره، فهو في تعب من البدن (¬3).
3.علم الفقه:
وهو ما يجب عليك فعله من الواجبات الشرعية، فيجب عليك لتؤديه على جهة الشرع كما أمرت به، وكذا علم كلّ ما يلزمك تركه من المناهي الشرعية لتتركه، وذلك شامل للعبادات والمعاملات، فكلّ مَن اشتغل بالبيع والشراء، وأيضاً بالحرفة فيجب عليه علم التحرز عن الحرام في معاملاته، وفيما يكسبه في حرفته ... (¬4).
وبالتالي تعلم المكلّف ما لا يتأدّى الواجب الذي تعين عليه فعله إلا به:
¬
(¬1) ينظر: تعليم المتعلم ص21 - 23.
(¬2) ينظر: سراج الظلمات ص50.
(¬3) ينظر: تفسير التستري 1: 210.
(¬4) ينظر: تفسير حقي 5: 199، وقريب منه منقول عن الغزالي في روضة الطالبين وعمدة السالكين ص48.
ككيفية الوضوء والصلاة ونحوهما ... ثم الذي يجب من ذلك كله ما يتوقف أداء الواجب عليه غالباً دون ما يطرأ نادراً، فإن وقع وجب التعلّم حينئذٍ ...
أما البيع والنكاح وشبههما مما لا يجب أصله فإنه يحرم الإقدام عليه إلا بعد معرفة شرطه.
وكذا يقال في صلاة النافلة يحرم التلبس بها على مَن لم يعرف كيفيتها ... ويلزمه معرفة ما يحلّ وما يحرم من المأكول والمشروب والملبوس ونحوها ممّا لا غنى له عنه غالباً، وكذلك أحكام عشرة النساء إن كان له زوجة ... ونحو ذلك (¬1).
ونخلص ممّا سبق أنه يفترض على المسلم في ثقافته الإسلامية الأصيلة طلب علم الحال، وهو ما كَلَّفَ اللهُ - جل جلاله - عبدَه في الحال الذي هو فيه سواء أكان عقيدةً أم سلوكاً أم فقهاً، وأن لا يغفل بالاهتمام بمستحب العلوم وفروض الكفاية منها على فرض العين كما يفعل أهل زماننا بالانشغال بعلم التجويد مثلاً مع استحبابه عن علم الحال من العقائد والفقه والسلوك، وقد قيل: أفضل العلم علم الحال، وأفضل العمل حفظ الحال، وليعلم أن المسلم لا يعذر بالجهل في دار الإسلام.
المطلب الثاني: مصطلحات ذات صلة بالثقافة:
سبق أن ذكرنا أن الثقافة هي التي تميز كلّ أمة عن الأخرى، فالاتجاهات الثقافية في العالم من رأسمالية واشتراكية وإسلامية وغيرها كل منها مبني على وجهة نظر معينة عن الحياة، وباختلاف وجهة النظر هذه اختلفت كل أمة عن الأخرى في الاتجاه والسلوك والغاية، ولما كانت الأمة الإسلامية هي خير الأمم
¬
(¬1) في المجموع 1: 49.
كان التفريق بين العلم والثقافة، ومن ثمّ الحضارة والمدنية من الضرورات المهمة في حياتها، حتى تعرف الأمة الإسلامية ما يجوز لها أخذه عن الآخرين وما ينبغي أن تتركه، وإلا وقفت موقف الحائر لا تدري ما تأخذ من الثقافات والمعارف وما تدع، وقد تحرّم الحلال وتحلّل الحرام، أو أن تبيح كل شيء، أو أن تحرّم كل شيء يأتي من عند الآخرين (¬1).
* أولاً: صلة العلم بالثقافة:
قيل: الثقافة كلفظ مفرد مطلق: الأخذ من كلِّ علم بطرف، ولا يراد بها التعمق في دراسة علم من العلوم؛ ولذلك يقولون: تعلم شيئاً عن كلِّ شيء لتكون مثقفاً، وتعلم كل شيء عن شيء لتكون عالماً (¬2).
وعلى هذه المقولة تقتصر الثقافة على ما يلزم الإنسان في حياته العامة من كلّ علم، في حين أن العلم هو التخصص والتميز في علم من العلوم وحرفة من الحرف، فهذه المعرفة الثقافية من كلّ علم تساعد صاحبها على بناء حياته بناءً صحيحاً بالاستفادة من العلوم، والرجوع إلى المتخصصين فيها، وكذلك إلى تكوين صورة ذهنية جيدة في فهم الأمور والوصول إلى الحقائق على أتمّ وجه.
وهذا على وجه العموم، وأما على وجه الخصوص، فالعلم: مجموعة من الحقائق النظرية المتسقة في حقل من حقول المعرفة تَمَّ التوصل إليها عن طريق منهج ملائم في البحث وجرى التحقق من صدقها (¬3).
¬
(¬1) ينظر: نظرات ص10.
(¬2) ينظر: المرتكزات الأساسية ص18.
(¬3) ينظر: الثقافة الإسلامية د. عزمي طه وآخرون ص52.
فالتاريخ علم والتربية علم والنحو والصرف والبلاغة كلها علوم والفقه والتفسير والاقتصاد أيضاً علوم، وهي تدخل في مجموعة العلوم الإنسانية، وهي العلوم التي يكون موضوعها الإنسان وباعتباره كائناً اجتماعياً تصدر عنه أنواع شتى من أنواع السلوك، ومقابلها العلوم الطبيعية وهي العلوم التي موضوعاتها موجودات الكون الطبيعي مثل الفيزياء والكيمياء والأحياء وغيرها (¬1).
فالثقافة والعلم كلاهما معرفة، لكن الثقافة معرفة عملية، غايتها العمل أو الفعل أو التطبيق أو السلوك، في حين أن العلم معرفة نظرية، غايتُها الوصول إلى الحقيقة فقط.
والثقافةُ والعلمُ كلاهما مكتسب: أي يحصل عليهما الإنسانُ بعد أن لم يكونا لديه، لكن طرق اكتساب الثقافة تختلف عن طرق اكتساب العلم، فالعلمُ يصل إليه العلماء نتيجة دراسة منظمة وتطبيقهم منهجاً ملائماً في البحث، ثم هم ينقلون ما وصلوا إليه إلى الآخرين من خلال طرق منهجية ومنظمة.
أما الثقافة فطرق اكتسابها عديدة، وبعضها لا تكون قائمة على منهج محدد، فنحن نكتسب جانباً من الثقافة من طريق التقليد لآبائنا ولغيرنا في الأسرة والمجتمع، وأحياناً عن طريق التعليم المنظم، وأحياناً عن طريق المحاولة والخطأ أو التعلم الذاتي أو غيرها.
والحقّ أن الثقافة كما تمارس في واقع المجتمعات والحضارات المختلفة يختلف الجانب المعياري فيها من مجتمع لآخر، على سبيل المثال الجانب المعياري في
¬
(¬1) ينظر: الثقافة الإسلامية د. عزمي طه وآخرون ص 51 - 52 بتصرف.
الثقافة الإسلامية مستمد من الشريعة الإسلامية ومؤسس على عقيدتها، والثقافة الغربية الحديثة الجانب المعياري فيها مستمد من القوانين الوضعية السائدة فيها، ومؤسس على معتقدات الاتجاه العلماني في المجتمعات الغربية، وهكذا ... لذلك كانت الثقافات تختلف من مجتمع لآخر، ومن حضارة لأخرى، وهذا على خلاف العلم الذي هو واحد في جميع المجتمعات؛ لأنه يضم حقائق تم اختبار صدقها بطرق موضوعية مقنعة للجميع على اختلاف مجتمعاتهم.
وبالرغم من هذه الاختلافات بين الثقافة والعلم، فإن الصلة بينهما وثيقة، وذلك يأتي من حرص الإنسان بعامة على البحث عن الثقافة الصحيحة: أي المعرفة العملية الصحيحة في التعامل مع الوجود المحيط به، وهذه لا تكون إلا إذا كانت مبنية على معرفة نظرية صحيحة: أي على العلم، ومن هنا نستطيع القول بأن الثقافة مرتبطة بالعلم ومبنية عليه في العديد من جوانبها، وأن العلم يُشكل مصدراً من مصادر الثقافة، كما يُمكن القول أن تقدم العلم بعامة سيؤدي إلى تغيير الثقافة (¬1).
* ثانياً: صلة الثقافة بالحضارة والمدنية:
الحضارة والمدنية من المصطلحات التي اختلف حول مفهوميهما الكُتّاب في العالم العربي الإسلامي، فبعضهم يستخدم اللفظين على أنهما مترادفان، وآخرون يعطون الحضارة معنى أوسع من معنى المدنية، وفئة ثالثة يقصرون الحضارة على الجانب الفكري والمعنوي والمدنية على الجانب المادي.
والحضارةُ مصطلحٌ نشير به إلى المنجزات الإنسانية المتراكمة لأمّة من
¬
(¬1) ينظر: الثقافة الإسلامية د. عزمي طه وآخرون ص 54 - 56 باختصار.
الأمم أو مجتمع من المجتمعات خلال حقبة زمنية معيّنة في مجال المنجزات المادية: أي آلات، وأدوات، ومباني، وجسور، ومصانع، وفي مجال المنجزات غير المادية: أي علوم، وقيم، ونظم، وآداب، وفنون، ونظرية (¬1).
وبعبارة أخرى الحضارة هي جماع كلّ من الثقافة: أي النتاج الفكري والقيمي والفني، والمدنية: أي النتاج المادي والوسائل (¬2).
وعوامل عديدة تؤثر في ظهور الحضارات أبرزها: الشريعة والعلم، فالشريعة سواء كانت ربانية أو وضعية هي التي تحدد انطلاقة الحضارة؛ لأنها تحدد الأهداف العامة للحضارة وترسم معالمها الرئيسة، وأمّا العلم فإن استقراء تاريخ الحضارات يُخبرنا أنه ما من حضارة قامت على الجهل، وإنّما على العلم، وأن المجتمع الذي يريد إنشاء حضارة خاصّة به يبدأ بالعلم، يجمعه من داخل المجتمع وخارجه وييسره للناس ... (¬3).
وبهذا يتضح لنا أنّ المدنية مصطلح يدلّ على المنجزات المادية المختلفة، فمصطح الحضارة أشمل من المدنية، فالحضارة تشمل الإنجازات المادية وغيرها كما سبق.
وعلاقة الثقافة بالحضارة والمدنية: أن الشَّريعة توجه العلم وجهة معينة، فيتولد لدينا معرفة عملية تطبق ويُمارسها الناس في الحياة الاجتماعية في تعاملهم مع الوجود المحيط بهم: أي تتولد ثقافة ذات طابع وخصائص معيّنة، وهذه
¬
(¬1) ينظر: الثقافة الإسلامية د. عزمي طه وآخرون ص 56 - 58 باختصار.
(¬2) ينظر: محاضرات ص14.
(¬3) ينظر: الثقافة الإسلامية د. عزمي طه وآخرون ص58 باختصار.
الثقافة هي سلوك يصل في بعض الأوقات إلى تكوين منجزات، سواء كان هذا الإنجاز مادياً، أو غير مادي، وهذا المنجزات الناتجة عن الممارسة الثقافية هي التي تصنع الحضارة.
ومثال ذلك أنه لما جاء الإسلام وآمن الناس به، وعلموا في ضوء هذه الشريعة كيف يتعاملون مع جوانب الوجود المختلفة: مع الله - عز وجل -، ومع الذات، ومع الآخرين، ومع الزمان، ومع الأفكار، ومع الكون الطبيعي، ومع الأدوات والوسائل، ومع الغيب، أي أنهم بدأوا بممارسة الثقافة الإسلامية في حياتهم الاجتماعية، ثمّ استمرت ممارسة هذه الثَّقافة من قبل الأجيال حتى تكون هذه الحضارة الإسلامية العظيمة ...
ومن هنا يتضح أنّ الثقافة مرحلة تسبق ظهور الحضارة، بل يمكن القول أنه لا بُدّ أن يمارس المجتمع ثقافة معينة ليتسنى له أن يصنع حضارة.
أمّا علاقة الثقافة بالمدنية أي بالجانب المادي من الحضارة، فإنها ستكون جزءاً متضمنا في علاقة الثقافة بالحضارة، فالمدنية شأنها شأن الحضارة في الحاجة إلى الثقافة لتتجسد منجزات مادية (¬1).
ويُمكن تلخيص علاقة الثقافة بالحضارة بعلاقة الشجرة بثمرها حيث تشكل الثقافة الجذور، والساق القيم الثابتة والمبادئ الراسخة، وتمثل الحضارة الثمار والأغصان حيث النتائج والأشكال، فالثقافة هي الركيزة التي تقيم الحضارة عليها صرحها.
¬
(¬1) ينظر: الثقافة الإسلامية د. عزمي طه وآخرون ص 56 - 58 باختصار وتصرف كبير.
وبتعبير آخر: المدنية والحضارة هما جسد الثقافة، والعلم روحها، فالثقافة هي مَن نحن، والمدنية هي ما نستعمل، والحضارة ما نبني، وتلك المعادلة الحقيقة الصحيحة للعلاقة العضوية الوثيقة بين الثقافة والمدنية والحضارة والعلم في مسيرتها في المفهوم الإسلامي (¬1).
* ثالثاً: صلة الثقافة بالفكر الإسلامي:
الفكر لغة: التأمل وإعمال العقل في المعلوم للوصول إلى المجهول، والتفكير هو إعمال العقل في مشكلة للتوصل إلى حلها.
واصطلاحاً: هو إعمال العقل وإمعان النظر في الأمور المعنوية والمادية بهدف الوصول إلى حقيقتها (¬2).
وأمرنا الله - عز وجل - بالتفكير والتدبر والتأمل وإعمال العقل في العديد من آيات الذكر الحكيم، ومنها:
قوله - عز وجل -: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار} [آل عمران:191].
وقوله - عز وجل -: {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون} [الأعراف:176].
وقوله - عز وجل -: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون} [يونس:24].
وقوله - عز وجل -: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون} [الرعد:3].
¬
(¬1) ينظر: الثقافة الإسلامية ص45.
(¬2) ينظر: الواضح في الثقافة الإسلامية ص31.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون} [النحل:12].
والفكر الإسلامي هو رسالة الإسلام ممثلة بالقرآن الكريم والسنة المطهرة الموضحة من خلال مذاهبه العظيمة في بيان مقصود الله - عز وجل -، في جوانب الحياة المتعددة سواء كانت فقهية في المذهب الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي أو عقدية في المذهب الماتريدي والأشعري أو سلوكية وأخلاقية في الطرق التربوية المختلفة، وما نتج عن هذا الفكر الرباني من حضارة ومدنية ومعارف وغيرها.
فالفكر الإسلامي فكر عالمي لجميع البشرية، قال - عز وجل -: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [سبأ:28]، فكان أتباع هذا الدين من جميع الأجناس، فما من دولة إلا ودخلها الإسلام، وما من أمة إلا اعتنق أفرادها أو جماعاتها للإسلام، وكانوا من حملة رايته، ونشر دعوته في العالمين.
والعلاقة وثيقة بين الثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي، حتى أطلق كل منها على الآخر في كثير من الأحيان، فمساق الثقافة الإسلامية يسمى بمساق الفكر الإسلامي في بعض الدول؛ لما بينهما من التداخل، وإن كان مصطلح الثقافة أكثر شيوعاً كمقرر جامعي؛ لسعة مفهوم الثقافة وشمولها جوانب متعددة، فيمثل جانب السلوك والتطبيق بخلاف الفكر فيقتصر على الجوانب النظرية الفكرية.
ولأن الثقافة تمثل نظرة تركيبية شمولية عن الإسلام بوصفه عقيدة وشريعة ومنهج حياة، وتظهر مدى ارتباط نظم الحياة الإسلامية ببعضها البعض، فتكون وحدة الحياة السلوكية في المجتمع المسلم.
وتظهر ثمرة علاقة الفكر الإسلامي بالثقافة من خلال:
1.إبراز معالم الشخصية الإسلامية، التي أساسها العقيدة والفقه والتزكية.
2.تحمل الدارس مسؤولياته في إعمال الفكر والنظر والتأمل في حقائق الكون؛ لزيادة إيمانه وتوسيع معارفه.
3.التأكيد على عدم انفصال الثقافة عن الفكر الإسلامي (¬1).
* رابعاً: صلة الثّقافة بالتّربية:
التربيةُ لغةً: مصدر له عدة اشتقاقات لغوية، هي ربا يربو، بمعنى زاد ونما، وربى يربي، بمعنى نشأ وترعرع، ورب يرب، بمعنى أصلح ورعى.
واصطلاحاً: هي توفير الفرص الملائمة لنمو الفرد نمواً متكاملاً ومتوازناً في جميع نواحي شخصيته الجسمية والعقلية والعاطفية والاجتماعية، حتى يستطيع ممارسة أنماط سلوكية مختلفة، تمكنه من التكيف مع الحياة والمجتمع (¬2).
وتظهر علاقة الثقافة بالتربية فيما يلي:
1.تُعدُّ الثقافة مؤثراً رئيسياً في التربية، فهي الوعاء التربوي العام؛ لما للثقافة من أثر واضح وبيّن على سلوك الفرد والمجتمع.
2.الثقافة أعم من التربية؛ إذ التربية تمثل الجانب السلوكي للفرد، في حين أن الثقافة تشمل الجوانب المتعددة للفرد.
¬
(¬1) ينظر: الواضح في الثقافة الإسلامية ص32ـ33.
(¬2) ينظر: الواضح ص29.
3.تتصف كلّ من الثقافة والتربية بالخصوص، فكما أن لكل أمة ثقافتها الخاصة التي تعبر عن فكرها ووجهة نظرها، فكذلك التربية.
4.عدم انفكاك المناهج التربوية عن الثقافة الإسلامية، فلا نقبل مناهج تربوية مخالفة لثقافتنا (¬1).
المطلب الثالث: أهمية الثقافة وأهدافها وغايتها:
إنّ الثَّقافةَ هي روح الأمة، فإن فقدت الأمة ثقافتها ماتت وذابت في غيرها، وهذا ما حدث لكثير من الثقافات القديمة.
والصراعُ الثقافي هو أساسُ كلّ الصراعات سواء كانت عسكرية أم اقتصادية أم سياسية (¬2).
لذلك ينبغي أن نتعرف على أهمية دراسة الثقافة ومعرفتها، وأهمية تطبيقها في حياة الإنسان على مستوى الفرد وعلى مستوى المجتمع، فدراسة الثقافة دون تطبيقها أمر لا يظهر أهمية الثقافة، فهذا المفهوم لا يتمّ إلا إذا تجلّت هذه المعرفة العملية في سلوك الإنسان، وتطبيق الثقافة الإسلامية وتجسيدها في سلوكنا وممارساتنا يحتاج إلى معرفتها أولاً من خلال دراسة منهجية علمية.
إذن فدراسة الثقافة الإسلامية دراسة علمية أمرٌ واجبٌ له ضرورته وأهميته، وهذا كلُّه مقدمة ضرورية ولازمة للأمر التَّالي والأهم، وهو تطبيقُ الثقافة الإسلامية وتجسيدها في سلوكنا وممارساتنا في جميع تعاملاتنا في حياتنا،
¬
(¬1) ينظر: الواضح ص30.
(¬2) ينظر: محاضرات ص15.
وبالالتزام في ذلك نحقِّق الأهداف والغايات التالية:
1.إصلاح الفرد والمجتمع بالخضوع والانقياد لله تعالى بمعرفة عقيدة توحيد الله وتنزيهه، والإيمان بالحساب والعقاب والثواب والصراط، والتزام مكارم الأخلاق كاحترام الصدق والعمل به، والوفاء بالعهد، والأمانة وذم الرذائل التي أمر الإسلام بالابتعاد عنها كالكذب والخيانة، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (¬1)، وتطبيق الأحكام العملية المتعلقة بأفعال المكلفين: كالصلاة والزكاة وأحكام المعاملات كالبيوع والعمل والتجارة والزراعة وجواز الهبة والوصية وغيرها (¬2).
2.إنقاذ البشرية، قال - جل جلاله -: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين} [الأنبياء:107] فهي تراعي مصالح العباد بدرء المفاسد عنهم، حتى قال بعض الفقهاء: «إن الشَّريعة كلها مصالح: إمّا درء مفاسد، أو جلب مصالح»؛ ولذلك قرَّر الفقهاء القاعدة الشرعية: «(درء المفاسد أولى من جلب المصالح»، فإذا تعارضت مفسدة ومصلحة قدم دفع المفسدة؛ لأن اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات (¬3).
3.عبادة الله والتزام أوامره، فقد بيَّن القرآن الكريم غاية التشريع الإسلامي عندما بيَّن الغاية من خلق الإنسان، وهي التي ذكرها المولى - عز وجل -: {وَمَا
¬
(¬1) في سنن البيهقي الكبير 10: 191، ومسند الشهاب2: 192.
(¬2) ينظر: تاريخ التشريع الإسلامي للقطان ص25، وتاريخ الفقه الإسلامي لأبي العينين ص14.
(¬3) ينظر: قواعد الأحكام1: 9، وشرح القواعد الفقهية ص205.
خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون} [الذاريات:56]، وعبادتهم لربهم يكون في مقابل إحسانه إليهم بالنعم الكثيرة، وما أباحه لهم لتحقيق الغاية القصوى من خلقهم وهي عبادته سبحانه (¬1).
4.الفوز بسعادة الدنيا والآخرة، وسعادة الدنيا بالعيش تحت ظلال الإسلام وأحكامه، وترسيخ مفاهيمه بين الناس، فمعلوم أنه لا تتحقّق السعادة في الدنيا بمال ولا جاه ولا نساء ولا بنين، وإنما تنال برضا المولى - جل جلاله - الذي يكون بالتزام أوامره واجتناب نواهيه المتمثّلة بالأحكام الفقهيّة لا باتباع الهوى، قال - جل جلاله -: {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم} [الملك:22]، وقوله - جل جلاله -: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُون} [الجاثية:18]، وسعادة الآخرة: هي حياة المستقرّ التي ينال بها الصالحون جزاء أعمالهم الحسنة في الدنيا، قال - جل جلاله -: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِير} [البروج:11] (¬2).
5.تكوين شخصية مستقلة متميزة نستطيع أن نطلق عليها الشخصية الإسلامية، وهي شخصية فريدة تتجلى في عدد من الصفات التي لا توجد إلا عند الأفراد أو المجتمعات التي تطبق الثقافة الإسلامية، فلا تختلط في نفسه المفاهيم والطروحات المختلفة التي تعرض أمامه في ساحات الحياة وميادينها المتشعبة.
¬
(¬1) ينظر: المبادئ الشرعية ص41.
(¬2) الدر المختار 1: 26، والمدخل إلى دراسة الفقه ص27، والتعريف بالفقه الإسلامي ص10 - 11.
6.إعداد أمّة عزيزة كريمة؛ لأنها لا تخضع ولا تذل إلا لله سبحانه وتعالى خالق كلّ شيء.
7.إنشاء أفراد فضلاء رحماء فيما بينهم متوادّين متناصحين، تسود بينهم الأخوة الحقيقية المجردة عن المصالح المؤقتة والأهواء الشخصية في مجتمع فاضل متعاون على البر والتقوى.
8.صنع حضارة إسلامية مزدهرة وقوية مرّة أخرى؛ لتوفر دواعي ذلك من الهمّ للإسلام، والهمة العالية، والخلق الكريم (¬1).
9.حماية الأمة من الذوبان، وذلك من خلال التركيز على ما يميزها عن غيرها.
10.الوصول إلى الوحدة التي لم ولن تتحقق إلا من خلال الإسلام، وذلك من خلال القواسم الثقافية المشتركة.
11.التزود بأقوى سلاح في صراع الثقافات، ممّا يجعل الناسَ من كلّ الأديان يدخلون في دين الله - جل جلاله - أفواجاً، ولا نجد المسلمين ينتقلون إلى أديان أخرى.
12.حلّ مشكلات الأمة، وتحقيق التقدّم الشامل من خلال تطبيق الإسلام بكلّ جوانبه (¬2).
¬
(¬1) ينظر: الثقافة الإسلامية د. عزمي طه ص76 - 77 بتصرف شديد.
(¬2) ينظر: محاضرات ص15.
13.إيجاد الوعي العلمي الصحيح بحقيقة الإسلام وشموله لكافة متطلبات الحياة.
14.المساهمة في إيجاد المسلم الصالح الذي يعمر هذا الكون وفق شرع الله - جل جلاله -.
15.تنمية شعور الولاء للأمة الإسلامية والإلحاح على أهميتها ومكانتها ورسالتها العظيمة في الحياة.
16.تصحيح الفكرة الخاطئة التي أشاعها أعداء الإسلام في نسبة انحطاط المسلمين إلى تمسكهم بدينهم، وإثبات العكس من ذلك، وأن سبب تأخر العالم الإسلامي إنما هو نكوصه عن تعاليم هذا الدين، وتفريطه في الالتزام بهديه وتوجيهاته الخاصة والعامة (¬1).
* ... * ... *
¬
(¬1) ينظر: ثقافة المسلم ص16.
الوحدة الثّانية
مصادر الثقافة الإسلامية
ونعرض المصادر للثقافة في المطالب الآتية:
المطلب الأول: القرآن الكريم:
القرآن الكريم دستور الخالق لإصلاح الخلق، وقانون السماء لهداية الأرض، أنهى إليه منزله كلّ تشريع، وأودعه كلّ نهضة وناط به كلّ سعادة، وهو حجة الرسول، وآيته الكبرى يقوم في فم الدنيا شاهداً برسالته ناطقاً بنبوته، دليلاً على صدقه وأمانته.
وهو ملاذ الدين الأعلى، يستند الإسلام إليه في عقائده وعباداته وحكمه وأحكامه وآدابه وأخلاقه وقصصه ومواعظه وعلومه ومعارفه، وهو عماد لغة العرب الأسمى تدين له اللغة في بقائها وسلامتها، وتستمد علومها منه على تنوعها وكثرتها وتفوق سائر اللغات العالمية به في أساليبها ومادتها (¬1).
¬
(¬1) ينظر: مناهل العرفان 1: 10.
ونتكلم عن القرآن في النقاط الآتية:
* أولاً: معنى القرآن لغة واصطلاحاً:
القرآن: لغة: مصدر قرأ، فقرأت الكتاب قراءةً وقُرآناً، ومنه سُمِّيَ القرآن، قال ابن الأثير: «الأصل في هذه اللفظة: الجمع، وكل شيء جمعته فقد قرأته، وسُمِّي القرآن؛ لأنَّه جمع القَصص، والأمر، والنَّهي، والوعد، والوعيد، والآيات والسُّور بعضها إلى بعض، وهو مصدر كالغُفران والكُفران» (¬1)، وقد ورد لفظ القرآن في آيات عديدة منها: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [النساء:82]، {وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ} [الأعراف:204].
واصطلاحاً: المُنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، المكتوب في المصاحف، المنقول عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، نقلاً متواتراً بلا شُبهة (¬2).
واحترز بقوله: المُنزل؛ عن غير الكتب السَّماوية، وعن الوحي الذي ليس بمتلو؛ لأنَّ المراد من المُنزل ما أنزل نظمه ومعناه، والوحي الذي ليس بمتلو لم ينزل إلا معناه.
وبقوله: على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ عما أُنزل على غيره من الأنبياء عليهم السَّلام من التَّوراة والإنجيل والزَّبور أو نحوها.
وبقوله: المكتوب في المصاحف؛ عما نُسِخت تلاوته وبقيت أحكامه: كآية الرَّجم، فعن عمر - رضي الله عنه -: «لولا أن يقول النَّاس زاد عمر في كتاب الله لكتبت آية
¬
(¬1) ينظر: لسان العرب 5: 3563.
(¬2) ينظر: أصول البزدوي 1: 5، والمنار 1: 22.
الرَّجم بيدي» (¬1).
وبقوله: المنقول عنه نقلاً متواتراً؛ عمّا اختصّ بمثل مصحف أُبيّ وغيره مما نقل بطريق الآحاد، نحو قوله: فَعِدَّة من أيام أخر متتابعات (¬2).
وبقوله: بلا شبهة؛ عما اختص بمثل مصحف ابن مسعود - رضي الله عنه - مما نقل بطريق الشُّهرة، وهذا على قول الجصَّاص ظاهر، فإنَّه جعل المشهور أحد قسمي المتواتر، وعلى قول غيره يكون قوله: نقلاً متواتراً، احترازاً عن المشهور والآحاد، وقوله: بلا شبهة؛ تأكيداً، وهذا الموضع صالح للتأكيد؛ لقوة شبه المشهور بالمتواتر (¬3).
* ثانياً: أشهر أسماء القرآن:
للقرآن أسماء كثيرة، أبرزها القرآن، وله أسماء أخرى مشهورة، ومنها:
1.الفرقان؛ لأنَّ الله فرَّق به بين الحق والباطل، والهدى والضَّلال، والإيمان والكفر، والمؤمن والكافر (¬4)، قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان:1].
2.الكتاب، وكَتَبَ بمعنى جمع وضم كما في قرأ، ومن الآيات التي ورد
¬
(¬1) في صحيح البخاري 6: 2503.
(¬2) فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: «نزلت فعدَّة من أيام أخر متتابعات فسقطت متتابعات» في مصنف عبد الرَّزاق 4: 241، وسنن الدَّارقطني 1: 162، وصححه.
(¬3) ينظر: كشف الأسرار للبخاري 1: 22 - 24، وكشف الأسرار للنَّسفي 1: 11 - 12، ونور الأنوار 1: 11 - 13، وفتح الغفار 1: 9 - 111، وشرح ابن العيني ص8 - 9، وغيرها.
(¬4) ينظر: هذا القرآن ص31 - 35.
فيها: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِين} [البقرة:2]، {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} [آل عمران:7].
3.الذِّكر؛ لما فيه من المواعظ والزَّواجر والموقظات التي تُذَكِّر قارئه، وتوقظ قلبه، وتصله بالله، وتزجره عن المعاصي، ومن الآيات التي ورد فيها: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون} [الحجر:9]، {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ} [النحل:44].
4. المصحف؛ لأنَّه كان متفرقاً في صحائف أولاً فجمعوه بين الدَّفتين وسمّوه به، ويجوز أن يسمى غيره بهذا الاسم إذا وجد هذا المعنى (¬1).
وأشهر اسمين لكتاب الله هما: القرآن والكتاب، وقد عرفنا إشارة القرآن للجمع اللفظي للقرآن، وإشارة الكتاب للجمع الكتابي له (¬2).
* ثالثاً: كيفية نزول القرآن:
نزل القرآن بالوحي، وهو عبارة عن تجلي الحقّ لجبريل - عليه السلام - أو للنبي - صلى الله عليه وسلم - بصفة الكلام النفسي، وهو عبارة عن هذا اللفظ والمعنى، غير أنّ اللفظ في ذلك التّجلي ليس متجسداً، بل هو معنى عبر عنه في هذا العالم لضيقه عن التعبير بتلك العبارة، كما يعبر عن رؤية اللبن في المنام بالعلم.
فيحصل له إدراك اللفظ والمعنى من ذلك التّجلي، والصفة القديمة والكلام الإلهي في ذلك التجلي منزه عن الصوت والحرف.
¬
(¬1) ينظر: كشف الأسرار للبخاري 1: 22، وفتح الغفار 1: 10.
(¬2) ينظر: هذا القرآن ص28 - 29:
وللوحي عدة صورة:
1. ما يكون مكالمة بين العبد وربه، كما كلم الله موسى تكليما.
2. ما يكون إلهاماً يقذفه الله في قلب مصطفاه على وجه من العلم الضروري لا يستطيع له دفعاً، ولا يجد فيه شكاً.
3.ما يكون مناماً صادقاً يجيء في تحققه ووقوعه، كما يجيء فلق الصبح في تبلجه وسطوعه.
4.ما يكون بوساطة أمين الوحي جبريل - عليه السلام -، وهو ملك كريم، وهو أشهر الأنواع وأكثرها، ووحي القرآن كله من هذا القبيل، وهو المصطلح عليه بالوحي الجلي قال - عز وجل -: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِين. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِين. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِين} [الشعراء:193 - 195]، وملك الوحي يهبط على أساليب شتى:
أ. يظهر للنبي - صلى الله عليه وسلم - في صورته الحقيقية الملكية.
ب. يظهر في صورة إنسان يراه الحاضرون، ويستمعون إليه.
ج. يهبط على النبي - صلى الله عليه وسلم - خفية فلا يرى، ولكن يظهر أثر التغير والانفعال على صاحب الرسالة، فعن عائشة رضي الله عنها أن الحارث بن هشام سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه علي فيفصم عني، وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول، قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً» (¬1).
¬
(¬1) في صحيح البخاري2: 283.
* رابعاً: حكمة نزول القرآن منجماً:
1.تثبيت فؤاد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتقوية قلبه، وذلك من وجوه؛ لأن في تجدد الوحي وتكرار نزول الملك به من جانب الحق إلى رسوله سروراً يملأ قلب الرسول وغبطة تشرح صدره، قال - عز وجل -: {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} [الفرقان:32]. 2.التدرج في تربية هذه الأمة الناشئة، علماً وعملاً؛ لتيسير حفظ القرآن على الأمة العربية، وتسهيل فهمه عليهم.
3.الإرشاد إلى مصدر القرآن، وأنه كلام الله وحده وأنه لا يمكن أن يكون كلام محمد، ولا كلام مخلوق سواه (¬1).
* خامساً: جمع القرآن وتدوينه:
ونعرضه في النقاط الآتية:
الأولى: صورتا حفظ القرآن:
1. الحفظ في الصّدور:
إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بلغ من حرصه على استظهار القرآن وحفظه أنه كان يحرك لسانه فيه في أشدّ حالات حرجه وشدّته وهو يعاني ما يعانيه من الوحي وسطوته وجبريل في هبوطه عليه بقوته يفعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - كل ذلك استعجالاً لحفظه وجمعه في قلبه مخافة أن تفوته كلمة أو يفلت منه حرف، وما زال كذلك حتى طمأنه ربُّه بأن وعده أن يجمعه له في صدره وأن يسهل له قراءة لفظه وفهم معناه فقال له
¬
(¬1) ينظر: المرشد الوجيز1: 38.
- عز وجل -: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِه. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَه. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَه. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَه} [القيامة:16 - 19]، وقال له: {وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه:114].
ومن هنا كان جمع القرآن في قلبه الشريف، وكان يقرؤه على الناس على مكث كما أمره مولاه، وكان يحيي به الليل ويزين الصلاة، وكان جبريل يعارضه إياه في كلّ عام مرّةً، وعارضه إياه في العام الأخير مرتين، قالت عائشة وفاطمة رضي الله عنهما: سمعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن جبريل كان يعارضني القرآن في كل سنة مرّةً، وإنه عارضني العام مرّتين، ولا أراه إلا حضر أجلي» (¬1).
وأمَّا الصَّحابة - رضي الله عنهم - فقد كان كتاب الله - عز وجل - في المحل الأول من عنايتهم يتنافسون في استظهاره، وحفظه ويتسابقون إلى مدارسته وتفهمه، فبلغ حفاظ القرآن في حياة الرسول جماً غفيراً منهم الأربعة الخلفاء وطلحة وسعد وابن مسعود وحذيفة وسالم مولى أبي حذيفة وأبو هريرة وابن عمر وابن عباس وعمرو بن العاص وابنه عبد الله ومعاوية وابن الزبير وعبد الله ابن السائب وعائشة وحفصة وأم سلمة، وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو الدرداء ومجمع بن حارثة وأنس بن مالك وأبو زيد - رضي الله عنهم - (¬2).
قال ابن الجزري (¬3): «إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على خطّ المصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة».
¬
(¬1) في صحيح البخاري4: 203.
(¬2) ينظر: مناهل العرفان 1: 242.
(¬3) في النشر في القراءات العشر1: 6.
2.الحفظ في السّطور:
حظي بأوفى نصيب من عناية النبي وأصحابه فلم تصرفهم عنايتهم بحفظه واستظهاره عن عنايتهم بكتابته ونقشه، ولكن بمقدار ما سمحت به وسائل الكتابة وأدواتها في عصرهم، فها هو ذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد اتخذ كتاباً للوحي كلما نزل شيء من القرآن أمرهم بكتابته مبالغة في تسجيله وتقييده، وزيادة في التوثق والضبط والاحتياط في كتاب الله تعالى حتى تظاهر الكتابة الحفظ ويعاضد النقش اللفظ.
وكان هؤلاء الكُتّاب من خيرة الصحابة فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية وأبان بن سعيد وخالد بن الوليد وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وثابت بن قيس وغيرهم.
فعن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال: «كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نؤلف القرآن من الرقاع» (¬1)، وكان هذا التأليف عبارة عن ترتيب الآيات حسب إرشاد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان هذا الترتيب بتوقيف من جبريل - عليه السلام - (¬2).
الثانية: أسباب عدم جمع القرآن في مصاحف في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -:
1.أنه لم يوجد من دواعي كتابته، فالمسلمون وقتئذٍ بخير، والقراء كثيرون، والتعويل لا يزال على الحفظ أكثر من الكتابة.
2.أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بصدد أن ينزل عليه الوحي بنسخ ما شاء الله من آية أو آيات.
¬
(¬1) في سنن الترمذي5: 734، وصحيح ابن حبان1: 320.
(¬2) ينظر: مناهل العرفان 1: 247.
3.أن القرآن لم ينزل مرّةً واحدة بل نزل منجماً في مدى عشرين سنة أو أكثر.
4.أن ترتيب آياته وسوره ليس على ترتيب نزوله؛ لأن نزوله كان على حسب الأسباب، أما ترتيبه فكان لغير ذلك من الاعتبارات (¬1).
الثالثة: جمع القرآن في زمن أبي بكر - رضي الله عنه -:
دارت رحى الحرب بين المسلمين وأهل الردة من أتباع مسيلمة الكذاب، وكانت معركة حامية الوطيس استشهد فيها كثير من قراء الصحابة وحفظتهم للقرآن، وينتهي عددهم إلى السبعين في اليمامة.
وهال ذلك المسلمين وعز الأمر على عمر - رضي الله عنه - فدخل على أبي بكر - رضي الله عنه - وأخبره الخبر، واقترح عليه أن يجمع القرآن خشية الضياع بموت الحفاظ وقتل القراء، فتردد أبو بكر أول الأمر (¬2).
فعن زيد - رضي الله عنه - قال: «أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة: أي عقب استشهاد القراء السبعين في واقعة اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر - رضي الله عنه -: إن عمر أتاني، فقال: إن القتل قد استحر: أي اشتد يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن، فيذهب كثيرٌ من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف نفعل ما لم يفعله رسول الله، قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد
¬
(¬1) ينظر: مناهل العرفان 1: 248.
(¬2) في مناهل العرفان 1: 249.
كنت تكتب الوحي لرسول الله، فتتبع القرآن فأجمعه، فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله، قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحدٍ غيره {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} [التوبة:128]، حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر» (¬1).
وبلغ الصحابة - رضي الله عنهم - في الحيطة والحذر أنهم لم يقبلوا شيئاً من المكتوب حتى يشهد شاهدان عدلان أنه كتب بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حيث قدم عمر - رضي الله عنه - فقال: «من كان تلقى من رسول الله شيئاً من القرآن، فليأت به وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يُقبل من أحدٍ شيئاً حتى يشهد شاهدان» (¬2).
وعن أبي بكر - رضي الله عنه - قال لعمر ولزيد: «اقعدا على باب المسجد، فمَن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه» (¬3).
الرابعة: نسخ القرآن في زمن عثمان - رضي الله عنه -:
اتسعت الفتوحات في زمن عثمان، واستبحر العمران، وتفرق المسلمون في
¬
(¬1) في صحيح البخاري6: 71.
(¬2) في تاريخ المدينة لابن شبة2: 705.
(¬3) في المصاحب لابن أبي داود1: 51.
الأمصار والأقطار، ونبتت ناشئة جديدة كانت بحاجة إلى دراسة القرآن، وطال عهد الناس بالرسول - صلى الله عليه وسلم - والوحي والتنزيل، وكان أهل كلّ إقليم من أقاليم الإسلام يأخذون بقراءة مَن اشتهر بينهم من الصحابة - رضي الله عنهم -، فأهل الشام يقرؤون بقراءة أبي بن كعب، وأهل الكوفة يقرؤون بقراءة ابن مسعود، وغيرهم يقرأ بقراءة أبي موسى الأشعري.
فعن أنس - رضي الله عنه -: «أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصة فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كلِّ صحيفة أو مصحف أن يحرق» (¬1).
فكان بينهم اختلاف في حروف الأداء، ووجوه القراءة بطريقة فتحت باب الشقاق والنزاع في قراءة القرآن أشبه بما كان بين الصحابة قبل أن يعلموا أن القرآن نزل على سبعة أحرف، بل كان هذا الشقاق أشدّ لبعد عهد هؤلاء بالنبوة
¬
(¬1) في صحيح البخاري6: 183.
وعدم وجود الرسول - صلى الله عليه وسلم - بينهم يطمئنون إلى حكمه، ويصدرون جميعاً عن رأيه، واستفحل الداء حتى كفر بعضهم بعضاً، وكادت تكون فتنة في الأرض وفساد كبير.
فعن أبي قلابة: «لما كانت خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون، حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين، حتى كفر بعضهم بعضاً، فبلغ ذلك عثمان فخطب، فقال: أنتم عندي تختلفون، فمَن نأى عني من الأمصار أشدّ اختلافاً» (¬1).
والأحرف السبعة التي نزل بها القرآن لم تكن معروفة لأهل تلك الأمصار، ولم يكن من السهل عليهم أن يعرفوها كلها، حتى يتحاكموا إليها فيما يختلفون،
إنما كان كل صحابي - رضي الله عنه - في إقليم يقرئهم بما يعرف فقط من الحروف التي نزل عليها القرآن، ولم يكن بين أيديهم مصحف جامع يرجعون إليه فيما شجر بينهم من هذا الخلاف والشقاق البعيد.
لهذه الأسباب والأحداث رأى عثمان بثاقب رأيه وصادق نظره أن يتدارك الخرق قبل أن يتسع على الراقع وأن يستأصل الداء قبل أن يعز الدواء، فجمع أعلام الصحابة وذوي البصر منهم وأجال الرأي بينه وبينهم في علاج هذه الفتنة ووضع حدّ لذلك الاختلاف، وحسم مادة هذا النزاع.
فأجمعوا أمرهم على استنساخ مصاحف يرسل منها إلى الأمصار، وأن يؤمر الناس بإحراق كل ما عداها وألا يعتمدوا سواها، وبذلك يرأب الصدع ويجبر
¬
(¬1) في المصاحف1: 95.
الكسر وتعتبر تلك المصاحف العثمانية الرسمية نورهم الهادي في ظلام هذا الاختلاف.
ومما تواضع عليه هؤلاء الصحابة - رضي الله عنهم - أنهم كانوا لا يكتبون في هذه المصاحف إلا ما تحققوا أنه قرآن وعلموا أنه قد استقرّ في العرضة الأخيرة، وما أيقنوا صحّته عن النبي مما لم ينسخ، وتركوا ما سوى ذلك نحو قراءة: فامضوا إلى ذكر الله بدل كلمة: «فاسعوا»، ونحو: وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا بزيادة كلمة صالحة إلى غير ذلك.
وإنما كتبوا مصاحف متعددة؛ لأن عثمان - رضي الله عنه - قصد إرسال ما وقع الإجماع عليه إلى أقطار بلاد المسلمين، وهي الأخرى متعددة وكتبوها متفاوتة في إثبات وحذف وبدل وغيرها؛ لأنه قصد اشتمالها على الأحرف السبعة، وجعلوها خالية من النقط والشكل تحقيقاً لهذا الاحتمال أيضاً، فكانت بعض الكلمات يقرأ رسمها بأكثر من وجه عند تجردها من النقط والشكل، نحو: فتبينوا من قوله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات:6]، فإنها تصلح أن تقرأ: «فتثبتوا» عند خلوها من النقط والشكل، وهي قراءة أخرى، وكذلك كلمة: «ننشزها» من قوله تعالى: {وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا} [البقرة:259]، فإن تجردها من النقط والشكل كما ترى يجعلها صالحة عندهم أن يقرؤوها «ننشرها» بالراي وهي قراءة واردة أيضاً (¬1).
¬
(¬1) ينظر: مناهل العرفان 1: 258.
* سادساً: المكي والمدني من القرآن:
المكي ما نزل قبل هجرته إلى المدينة، وإن كان نزوله بغير مكة، والمدني ما نزل بعد هذه الهجرة وإن كان نزوله بمكة.
نتكلَّم هاهنا عن الضوابط التي يعرف بها المكي والمدني، وهي:
1.كلُّ سورة فيها لفظ: «كلا» فهي مكية، وقد ذكر هذا اللفظ في القرآن ثلاثاً وثلاثين مرّة في خمس عشرة سورة كلها في النصف الأخير من القرآن.
2.كلُّ سورة فيها سجدة، فهي مكية لا مدنية.
3.كلُّ سورةٍ في أولها حروف التَّهجي فهي مكية سوى سورة البقرة وآل عمران، فإنهما مدنيتان بالإجماع، وفي الرعد خلاف.
4.كلُّ سورةٍ فيها قصص الأنبياء والأمم السابقة فهي مكية سوى البقرة.
5.كلُّ سورةٍ فيها قصّة آدم وإبليس فهي مكية سوى البقرة أيضاً.
6.كلُّ سورةٍ فيها {يَاأَيُّهَا النَّاسُ}، وليس فيها {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} فهي مكية.
7.كلُّ سورةٍ من المفصل فهي مكية، فعن ابن مسعود قال: «نزل المفصل
بمكّة، فمكثنا حججاً نقرؤه، ولا ينزل غيره» (¬1)، لكن يرد على هذا أن بعض سور المفصل مدني نزل بعد الهجرة اتفاقاً كسورة النَّصر، فإنّها كانت من أواخر ما نزل
¬
(¬1) في المعجم الأوسط6: 258.
بعد الهجرة، فالأولى أن يحمل كلام ابن مسعود - رضي الله عنه - هذا على الكثرة الغالبة من سور المفصل لا على جميع سور المفصل.
والمفصل هي السور الأخيرة من القرآن الكريم مبتدأة من سورة الحجرات على الأصحّ، وسميت بذلك لكثرة الفصل فيها بين السور.
8.كلُّ سورةٍ فيها الحدود والفرائض فهي مدنية.
9.كلُّ سورةٍ فيها إذن بالجهاد وبيان لأحكام الجهاد فهي مدنية.
10. كلُّ سورةٍ فيها ذكر المنافقين فهي مدنية ما عدا سورة العنكبوت،
والتحقيق أن سورة العنكبوت مكية ما عدا الآيات الإحدى عشرة الأولى منها، فإنها مدنية (¬1).
* سابعاً: أول وآخر ما نزل من القرآن:
1.أول ما نزل من القرآن:
إنّ أول ما نزل صدر سورة: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق} [العلق:1] إلى قوله سبحانه: {عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم} [العلق:5]، فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد،
¬
(¬1) ينظر: مناهل العرفان1: 198.
ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني، فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق. خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَق. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَم} [العلق:1 - 3]» (¬1).
2.آخر ما نزل من القرآن:
آخر ما نزل على الإطلاق قول الله تعالى: {وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون} [البقرة:281]؛ لما تحمله هذه الآية في طياتها من الإشارة إلى ختام الوحي والدين.
وليس آخر ما نزل من القرآن قوله سبحانه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة:3]، مع أنها صريحة في أنها إعلام بإكمال الله لدينه في ذلك اليوم المشهود الذي نزلت فيه، وهو يوم عرفة في حجة الوداع بالسنة العاشرة من الهجرة، والظاهر أن إكمال دينه لا يكون إلا بإكمال نزول القرآن، وإتمام جميع الفرائض والأحكام؛ لأن هناك قرآناً نزل بعد هذه الآية حتى بأكثر من شهرين (¬2).
* ثامناً: أنواع تفسير القرآن:
التفسير لغة: الإيضاح والتبيين، ومنه قوله - عز وجل -: {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان:33].
¬
(¬1) في صحيح البخاري 1: 7.
(¬2) ينظر: مناهل العرفان 1: 103.
واصطلاحاً: علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية.
وعلم التفسير هو علم يبحث فيه عن أحوال الكتاب العزيز من جهة نزوله وسنده وأدائه وألفاظه ومعانيه المتعلقة بالألفاظ والمتعلقة بالأحكام.
ويقسم التفسير إلى ثلاثة أقسام:
الأول: تفسير بالرّواية، ويسمى التفسير بالمأثور:
وهو ما جاء في القرآن أو السنة أو كلام الصحابة - رضي الله عنهم - بياناً لمراد الله تعالى من كتابه مثال ما جاء في القرآن قوله سبحانه: {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة:187]، فإن كلمة من الفجر بيان وشرح للمراد من كلمة الخيط الأبيض التي قبلها.
ومثال ما جاء في السنة شرحاً للقرآن أنه فسّر الظلم بالشرك في قوله سبحانه: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُون} [الأنعام:82] وأيد تفسيره هذا بقوله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم} [لقمان:13].
وتفسير الصحابة قال الحاكم: «إن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل له حكم المرفوع» كذلك أطلق الحاكم وقيده بعضهم بما كان في بيان
النزول ونحوه مما لا مجال للرأي فيه وإلا فهو من الموقوف.
واشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة: الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن
الزبير، وأكثر الصحابة - رضي الله عنهم - تفسيراً ابنُ عبَّاس - رضي الله عنهم -؛ لأنه ترجمان القرآن، ولتأخر الزمان به حتى اشتدت حاجة الناس إلى الأخذ عنه بعد اتساع الإسلام.
وما يُنقل عن التَّابعين ففيه خلاف العلماء منهم مَن اعتبره من المأثور؛ لأنهم تلقوه من الصحابة - رضي الله عنهم - غالباً ومنهم مَن قال: إنه من التفسير بالرأي.
والتابعون ثلاث طبقات:
أ. طبقة أهل مكة، فقد كانوا أعلم الناس بالتفسير؛ لأنهم أصحاب ابن عباس - رضي الله عنهم - كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وسعيد بن جبير، وطاوس.
ب. طبقة أهل المدينة، منهم: زيد بن أسلم، وأبو العالية، ومحمد بن كعب القرظي.
ج. طبقة أهل العراق، منهم: مسروق بن الأجدع، وقتادة بن دعامة، وأبو سعيد الحسن البصري، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني، ومرة الهمذاني الكوفي.
ومن كتب التفسير بالمأثور:
أ. «تفسير ابن جرير»؛ لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، (ت310هـ).
ب. «تفسير أبي الليث السمرقندي» (ت375هـ).
ج. «الدر المنثور في التفسير بالمأثور»؛ لجلال الدين السيوطي، (ت911هـ).
د. «تفسير ابن كثير»؛ لعماد الدين إسماعيل القرشي الدمشقي (ت774هـ).
هـ. «معالم التنزيل» للحسين بن مسعود البغوي (ت516هـ).
الثاني: تفسير بالدراية، ويسمى التفسير بالرأي:
والمراد بالرأي هنا الاجتهاد، فإن كان الاجتهاد موفقاً: أي مستنداً إلى ما يجب الاستناد إليه، بعيداً عن الجهالة والضلالة، فالتفسيرُ به محمودٌ، وإلا فمذموم، والأمور التي يجب استناد الرأي إليها في التفسير أربعة:
1.النقل عن رسول الله مع التحرز عن الضعيف والموضوع.
2.الأخذ بقول الصحابي - رضي الله عنه -.
3.الأخذ بمطلق اللغة مع الاحتراز عن صرف الآيات إلا ما لا يدلّ عليه الكثير من كلام العرب.
4.الأخذ بما يقتضيه الكلام، ويدل عليه قانون الشرع، وهذا النوع هو الذي دعا به النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس - رضي الله عنهم - في قوله: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (¬1).
ومن منهج المفسرين بالرأي:
1.أن يطلب المعنى من القرآن، فإن لم يجده طلبه من السنة؛ لأنها شارحة للقرآن، فإن أعياه الطلب رجع إلى قول الصحابة - رضي الله عنهم -، فإنهم أدرى بالتنزيل وظروفه.
2.إن لم يظفر بما سبق وجب عليه أن يجتهد وسعه متبعاً ما يأتي:
¬
(¬1) في صحيح البخاري1: 41، وصحيح ابن حبان15: 531.
أ. البدء بما يتعلق بالألفاظ المفردة من اللغة والصرف والاشتقاق.
ب. إرداف ذلك بالكلام على التراكيب من جهة الإعراب والبلاغة.
ح. ملاحظة سبب النزول.
دـ. مراعاة المقصود من سياق الكلام.
هـ. مطابقة التفسير لما هو معروف من علوم الكون.
ومن كتب التفسير بالرأي:
أ. «تفسير الجلالين»؛ لجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي.
ب. «أنوار التنزيل وأسرار التأويل»؛ لناصر الدين بن سعيد البيضاوي.
ج. «مفاتيح الغيب» لفخر الدين محمد بن عمر الرازي.
د. «إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم»؛ لأبي السعود العمادي الحنفي.
هـ. «مدارك التنزيل وحقائق التأويل»؛ لأبي البركات عبد الله النسفي الحنفي.
الثالث: تفسير بالإشارة، ويسمى التفسير الإشاري:
التفسير الإشاري: هو تأويل القرآن بغير ظاهره لإشارة خفية تظهر لأرباب السلوك والتصوف، ويمكن الجمع بينها وبين الظاهر والمراد أيضاً، وقد اختلف العلماء في التفسير المذكور فمنهم مَن أجازه، ومنهم مَن منعه.
قال التفتازاني: «وأما ما يذهب إليه بعض المحققين من أنّ النصوص على ظواهرها، ومع ذلك ففيها إشارات خفية إلى دقائق تنكشف لأرباب السلوك يمكن التوفيق بينها وبين الظواهر المرادة، فهو من كمال الإيمان ومحض العرفان»
ومن هنا يعلم الفرق بين تفسير الصوفية المسمى بالتفسير الإشاري، وبين تفسير الباطنية الملاحدة، فالصوفية لا يمنعون إرادة الظاهر بل يحضون عليه، ويقولون لا بد منه أولاً؛ إذ مَن ادعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم الظاهر، وأما الباطنية فإنهم يقولون: إن الظاهر غير مراد أصلاً، وإنما المراد الباطن، وقصدهم نفي الشريعة.
ونقل السيوطي (¬1): عن ابن عطاء الله: اعلم أن تفسير هذه الطائفة لكلام الله وكلام رسوله بالمعاني الغريبة ليس إحالة للظاهر عن ظاهره، ولكن ظاهر الآية مفهوم منه، ما جاءت الآية له ودلّت عليه في عرف اللسان، ولهم أفهام باطنة، تُفهم عند الآية والحديث لمن فتح الله قلبه، وقد جاء في الحديث: «لكل آية ظهر وبطن» (¬2)، فلا يصدنّك عن تلقي هذه المعاني منهم أن يقول لك ذو جدل ومعارضة هذا إحالة لكلام الله وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فليس ذلك بإحالة، وإنما يكون إحالة لو قالوا: لا معنى للآية إلا هذا وهم يقولون ذلك، بل يقررون الظواهر على ظواهرها مراداً بها موضوعاتها ويفهمون عن الله ما ألهمهم».
¬
(¬1) في الإتقان في علوم القرآن4: 227.
(¬2) فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أنزل القرآن على سبعة أحرف، لكل آية منها ظهر وبطن» في صحيح ابن حبان1: 276، وشرح مشكل الآثار8: 87، والمعجم الأوسط1: 235.
ومثال التفسير الإشاري في قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُون} [البقرة:55]: «ومن مقام الإشارة في الآيات {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى} [البقرة:55] القلب لن يؤمن الإيمان الحقيقي حتى يصل إلى مقام المشاهدة والعيان، {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ} [البقرة:55] الموت الذي هو الفناء في التجلي الذاتي وأنتم تراقبون أو تشاهدون، ثم بعثناكم بالحياة الحقيقية والبقاء بعد الفناء لكي تشكروا نعمة التوحيد والوصول بالسلوك في الله - عز وجل - ... » (¬1).
وشروط قبول التفسير الإشاري:
1.ألا يتنافى مع ما يظهر من معنى النظم الكريم.
2.ألا يدعى أنه المراد وحده دون الظاهر.
3.ألا يكون تأويلاً بعيداً سخيفاً: كتفسير بعضهم قوله تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين} [العنكبوت:69] بجعل كلمة لمع ماضياً، وكلمة المحسنين مفعوله.
4. ألا يكون له معارض شرعي أو عقلي.
5.أن يكون له شاهد شرعي يؤيده.
ومن كتب التفسير الإشاري:
أ. «غرائب القرآن ورغائب الفرقان»؛ لنظام الدين الحسن محمد النيسابوري.
¬
(¬1) ينظر: روح المعاني1: 268.
ب. «روح المعاني» لشهاب الدين السيد محمد الألوسي البغدادي الحنفي.
ج. «تفسير التستري»؛ لسهل بن عبد الله التستري (ت383هـ).
د. «تفسير ابن عربي» لمحيي الدين بن عربي الصوفي، (ت638هـ).
هـ. «لطائف الإشارات» لعبد الكريم بن هوازن القشيري، (ت465هـ) (¬1).
* تاسعاً: وجوه إعجاز القرآن:
1.لغته وأسلوبه؛ لأن القرآن جاء بهذا الأسلوب الرائع الخلاب الذي اشتمل على تلك الخصائص العليا، وقد مرّ التحدي للعرب بمراحل:
أنه قال لهم أول ما تحداهم {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاَّ يُؤْمِنُون. فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِين} [الطور:34].
فلما انقطعوا مد لهم في الحبل وقال: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِين. فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُون} [هود:14].
فلما عجزوا هذه المرة أيضاً طاولهم مرّة أخرى وأرخى لهم الحبل إلى آخره وقال: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين. فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِين} [البقرة:24]، فكان عجزهم بعد ذلك أشنع وأبشع.
2.طريقة تأليفه؛ لأن القرآن لم ينزل جملة واحدة، وإنّما نزل مفرقاً منجماً على
¬
(¬1) ينظر: مناهل العرفان2: 81.
أكثر من عشرين عاماً على حسب الوقائع والدواعي المتجددة، بلا تعارض وتناقض.
3.علومه ومعارفه؛ لأنّ القرآن قد اشتمل على علوم ومعارف في هداية الخلق إلى الحق، بلغت في نباله القصد ونصاعة الحجة وحسن الأثر.
4.سياسته في الإصلاح؛ لأن القرآن انتهج طريقاً عجيباً في إصلاحه، وسلك سياسة حكيمة وصل بها من مكان قريب إلى ما أراد من هداية الخلق.
5.أنباء الغيب فيه؛ لأن القرآن قد اشتمل على أخبار كثيرة من الغيوب التي لا علم لمحمد - صلى الله عليه وسلم - بها، ومن ذلك قصص عن الماضي البعيد المتغلغل في أحشاء القدم، وقصص عن الحاضر الذي لا سبيل لمحمد - صلى الله عليه وسلم - إلى رؤيته ومعرفته فضلاً عن التحدث به، وقصص عن المستقبل الغامض الذي انقطعت دونه الأسباب وقصرت عن إدراكه الفراسة والألمعية والذكاء.
6.وفاؤه بحاجات البشر «الإعجاز التشريعي»؛ لأنّ القرآن الكريم جاء بهدايات تامّة كاملة تفي بحاجات البشر في كل عصر ومصر، ومنها:
أ. التشريع العقائدي عن طريق إرشاد الخلق إلى حقائق المبدأ والمعاد.
ب. تشريع العبادات عن طريق إرشاد الخلق إلى ما يزكي النفوس.
ج. تشريع الأخلاق عن طريق إرشاد الخلق إلى فضائلهم.
د. تشريع السياسة أو الحكم الدولي عن طريق تقرير العدل المطلق.
هـ. تشريع المعاملات عن طريق التنظيم المالي للعقود المختلفة.
و. التشريع الحربي عن طريق تهذيب الحرب ووضعها على قواعد سليمة لها.
7.موقف القرآن من العلوم الكونية «الإعجاز العلمي»؛ لأنّ القرآن روعيت فيه بالنسبة إلى العلوم الكونية اعتبارات خمسة لا يصدر مثلها عن مخلوق فضلاً عن رجل أميّ نشأ في الأميين وهو محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهي:
أ. أنه لم يجعل تلك العلوم الكونية من موضوعه، وذلك لأنها خاضعة لقانون النشوء والارتقاء، وفي تفاصيلها من الدِّقة والخفاء ما يعلو على أفهام العامة، فلا يقصد القرآن مطلقاً من ذكر هذه الكونيات أن يشرح حقيقة علمية في الهيئة والفلك أو الطبيعة والكيمياء، ولا أن يحل مسألة حسابية أو معادلة جبرية أو نظرية هندسية.
ب. أنّ القرآن دعا إلى هذه العلوم ما دعا إليه من البحث والنظر والانتفاع بما في الكون من نعم وعبر، قال - عز وجل -: {قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [يونس:101].
ج. أنّ القرآنَ حين عرض لهذه الكونيات، أشعرنا أنها مربوبة له تعالى، ومقهورة لمراده، {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [فاطر:41].
د. أنّ القرآن حين يعرض لآية كونية في معرض من معارض الهداية يتحدث عنها، حديث المحيط بعلوم الكون، الخبير بأسرار السموات والأرض.
هـ. أنّ القرآن أجمل التفاصيل بحيث يختلف الخلق في معرفة تفاريع الكون
ودقائقه باختلاف ما لديهم من مواهب ومسائل وعلوم وفنون (¬1).
* * *
* عاشراً: ترجمة القرآن:
وهي أنواع:
1.الترجمة الحرفية: هي التي تراعى فيها محاكاة الأصل في نظمه وترتيبه، فهي تشبه وضع المرادف مكان مرادفه، وبعض الناس يُسمي هذه الترجمة لفظية.
2.الترجمة التفسيرية: هي التي لا تراعى فيها تلك المحاكاة أي محاكاة الأصل في نظمه وترتيبه، بل المهم فيها حسن تصوير المعاني والأغراض كاملة.
وهذان النوعان يمنعان في الترجمة للقرآن لما يأتي، ولا فرق بين الحرفية والتفسيرية إلا شكلي بمراعاة ترتيب الأصل ونظامه في الأولى دون الثانية، وهما محرمتان لما يلي:
1.محاولة هذه الترجمة فيها ادعاء عمل لإمكان وجود مثل أو أمثال للقرآن، وذلك تكذيب شنيع؛ لقوله سبحانه: {قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ} [يونس:15].
¬
(¬1) ينظر: مناهل العرفان 1: 232ـ 405.
2.أن محاولة هذه الترجمة تشجع الناس على انصرافهم عن كتاب ربهم مكتفين ببدل أو أبدال يزعمونها ترجمات له.
3.أنّ الأمةَ أجمعت على عدم جواز رواية القرآن بالمعنى، وترجمة القرآن بهذا المعنى الحرفي تساوي روايته بالمعنى.
وعبر فقهاؤنا الحنفية عن المنع من ترجمة القرآن بالكتابة، فقال: يمنع كتابة القرآن بالفارسية، وهو كناية عن سائر اللغات، قال المرغيناني: «يمنعُ من كتابةِ القرآنِ بالفارسيَّةِ بالإجماع؛ لأنّه يؤدي إلى الإخلالِ بحفظِ القرآن؛ لأنا أُمرنا بحفظِ النَّظمِ والمعنى؛ لأنَّه ربّما يؤدِّي إلى التَّهاون».
3. الترجمة لتفسير القرآن، هي تفسير معاني القرآن إلى لغات أخرى،، فلما كانت في الحقيقة تفسيراً للقرآن، فكما يفسر باللغة العربية، يمكن تفسيره بلغة آخرى.
ومن فوائدها:
أ. رفع النقاب عن جمال القرآن ومحاسنه لمن لم يستطع أن يراها بمنظار اللغة العربية من المسلمين الأعاجم وتيسير فهمه عليهم بهذا النوع من الترجمة.
ب. دفع الشبهات التي لفقها أعداء الإسلام، وألصقوها بالقرآن وتفسيره كذباً وافتراء.
ج. تنوير غير المسلمين من الأجانب في حقائق الإسلام وتعاليمه خصوصاً في هذا العصر القائم على الدعايات (¬1).
¬
(¬1) ينظر: مناهل العرفان1: 130ـ 133.
* * *
المطلب الثاني: السنة النبوية:
ونتحدث عنها في النقاط الآتية:
* أولاً: معنى السنة لغة واصطلاحاً:
السُّنة لغةً: الطريقة، ومنها الحديث في مجوس هجر: «سُنوا بهم سُنَّة أهل الكتاب» (¬1): أي اسلكوا بهم طريقهم، يعني عاملوهم معاملة هؤلاء في إعطاء الأمان بأخذ الجزية منهم (¬2)، وفي الحديث: «مَن سَنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنةً» (¬3): أي مَن وضع طريقة حسنةً أو سيئةً (¬4).
¬
(¬1) في الموطأ 1: 278، ومسند الشَّافعي ص209، ومسند البزَّار 3: 264، ومصنف ابن أبي شيبة 6: 430، وسنن البيهقي الكبير 7: 172، وغيرها.
(¬2) ينظر: المغرب ص236، والمصباح المنير ص292، وأنيس الفقهاء 1: 105، والمطلع 1: 334.
(¬3) في صحيح مسلم4: 2058.
(¬4) ينظر: الميزان 1: 126.
واصطلاحاً: للسُّنة معاني عديدة على حسب موضوعها، فمثلاً عند الفقهاء: هي ما واظب عليه النَّبي - صلى الله عليه وسلم - مع التَّرك أحياناً بلا عذر (¬1).
وعند الأصوليين: قول النَّبي - صلى الله عليه وسلم - وفعله وتقريره وقول الصَّحابي - رضي الله عنه - وفعله.
وإدراج قول الصَّحابي وفعله في تعريف السُّنَّة عليه عامَّة كتب الحنفية، قال السَّرَخسي: «ما سَنَّه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصَّحابة بعده» (¬2).
ويشهد لذلك: عن العِرْباض بن سارية - رضي الله عنه -: قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسُنّة الخلفاء المهديين الرَّاشدين، تمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ، وإيّاكم ومُحدثات الأمور، فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة» (¬3)، وعن حذيفة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر و عمر» (¬4).
ومن خلال هذا التعريف للسُّنة فتكون على عدّة صور:
1.سُنَّة قولية: وهي الأحاديث التي قالها النَّبي - صلى الله عليه وسلم - في مختلف الأغراض والمناسبات، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّما الأعمال بالنِّيات» (¬5).
¬
(¬1) ينظر: فتح الغفار 2: 75، والميزان 1: 153.
(¬2) ينظر: أصول السرخسي 1: 113.
(¬3) في سنن أبي داود 2: 610، وسنن التِّرمذي 5: 44، وصححه، وسنن ابن ماجه 1: 15، ومسند أحمد 4: 126، وسنن الدارمي 1: 57، وصحيح ابن حبان 1: 178، والمعجم الكبير 18: 245.
(¬4) في سنن الترمذي 5: 609، وحسنه، وسنن ابن ماجه 1: 37، ومسند أحمد 5: 382.
(¬5) في صحيح البخاري 1: 1، وسنن أبي داود 1: 670.
2.سُنَّة فعلية: وهي الأعمال التي قام بها النَّبي - صلى الله عليه وسلم - على سبيل التَّشريع ولم يكن من خصائصه، مثل توضيح هيئة الصَّلاة ومناسك الحجّ، حيث أمر باتباع فعله فيهما بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «صلوا كما رأيتموني أُصَلِّي» (¬1)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لتأخذوا مناسككم» (¬2) (¬3).
3.سُنّة تقريرية: بأن يرى - صلى الله عليه وسلم - من أُمّته فعلاً أو قولاً فلم يُنكر النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وسكت، فهذا تقرير منه - صلى الله عليه وسلم -، لكن يشترط أن لا يكون سهواً، ولا طبعاً، ولا خاصة (¬4)، مثل: إقراره - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ - رضي الله عنه - طريقة القضاء والاستدلال (¬5).
4.سُنَّة الصَّحابة - رضي الله عنهم -: بأن لم يواظب عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بل واظب عليها الصَّحابة - رضي الله عنهم -، وهذا مما يُندب إلى تحصيله ويُلام على تركه، ولكنَّه دون ما واظب عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنَّ سُنَّة النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أقوى من سُنَّة الصَّحابة - رضي الله عنهم -، وأقوال الصَّحابة - رضي الله عنهم - حجّة فيكون أفعالهم سنة، كما في التَّراويح في رمضان (¬6).
* ثانياً: أقسام السّنة:
إنَّ للحنفية تقسيماً مختلفاً عن غيرِهم في قوَّةِ ورودِ السُّنةِ إلينا وثُبوتِها عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، يُراعي الجانب العملي الذي يهتمون به في فقههم؛ لاهتمامهم بمراعاةِ
¬
(¬1) في صحيح البخاري 1: 226.
(¬2) في صحيح مسلم2: 942.
(¬3) ينظر: أصول الفقه للمبتدئين ص150، وأصول الفقه للزُّحيلي 1: 450.
(¬4) ينظر: منافع الدقائق ص191.
(¬5) ينظر: أصول الفقه للمبتدئين ص150، وأصول الفقه للزحيلي 1: 450.
(¬6) ينظر: كشف الأسرار للبخاري 2: 309.
مراتبِ الأدلة في الثُّبوت والدَّلالةِ لإعطاء الحكم قوّته من الفرضيةِ والوجوبِ والسُّنيةِ والحرمةِ والكراهيّة، فلا يَقبلون في إثباتِ الأَركان مثلاً إلاّ دَليلاً قَطعياً، كما في الوضوءِ والصَّلاةِ والحَجِّ وغيرِها.
ومراعاتُهم لجانبِ المعنى في الاتصالِ والقَبولِ والتَّصحيحِ جَعَلَت عندهم قسماً مستقلاً لم يوجد عند المُحَدِّثين، وهو المشهور، فكانت القسمة عند الحنفية
ثلاثية: متواتر ومشهور وآحاد.
وعند المُحَدِّثين المتواتر لا يختلف حاله عن المتواتر عند الحنفية، إلا أن المشهور من أَقسام الآحاد عند المُحَدِّثين، فكانت القسمة ثنائية: متواتر وآحاد، ولكنهم يقسمون الآحاد إلى ثلاثة أقسام:
أ. المشهور (المستفيض): وهو ما تكون له طرق محصورة بأكثر من اثنين.
ب. العزيز: وهو أن يرويه اثنان.
ج. الغريب: وهو ما يتفرّدُ بروايته شخص واحد (¬1).
وهذا لا يُنقص أبداً من قدرِ المُحَدِّثين، فتقسيمهم متلائمٌ مع فنِّهم واشتغالهم بالرِّجال واعتمادهم عليهم في النَّقل لا على المعاني والأُصول والقَبول للأُمَّة، وكلُّ علم له اصطلاحاتُه وتقسيماتُه المتناسبةُ معه، والخطأُ في محاكمةِ علمٍ إلى علمٍ آخر بإنزالِ اصطلاحاته وتقديراته على غيره، ومحاسبته بذلك، وبيان أقسام السنة على النحو الآتي:
1. السنة المتواترة:
¬
(¬1) ينظر: ظفر الأماني ص67ـ69.
والتَّواتر لغةً: التتابع، يُقال: تواترت الخيل إذا جاءت يتبع بعضها بعضاً (¬1).
واصطلاحاً على حسب الأقسام الآتية:
أ. تواتر الإسناد «اللفظي»: ما بلغت رُواتُه في الكثرة مبلغاً أحالت
العادة تواطؤهم على الكذب، ويدوم هذا، فيكون أَوّله كآخِرِه، ووسَطُه كطرفَيْه (¬2).
وحكمه عند جمهور الأصوليين والمُحَدِّثين: هو أنَّ العلم الحاصل به علم اليقين كالعيان الذي يوجبه الحس من البصر والسَّمع، ومثاله: نقل القرآن، وأعداد الصَّلوات، وعدد الرّكعات.
ب. تواتر القدر المشترك «المعنوي»: وهو أن يكون مضمونه ما مذكوراً في كثيرٍ من الآحاد، كتواترِ المعجزة، فإنَّ مفرداتها وإن كانت آحاداً، لكنَّ القدر المشترك متواتر قطعاً (¬3)، كسخاء حاتم، فإنَّ أَخباره وإن كانت آحاداً، إلا أن سخاءه معلومٌ متواتراً (¬4).
¬
(¬1) ينظر: المصباح المنير ص647، والمغرب ص476.
(¬2) ينظر: مختصر الشريف الجرجاني في المصطلح ص30.
(¬3) ينظر: العرف الشذي1: 41.
(¬4) ينظر: فيض الباري،8.
وحكمه: إن كان ضرورياً فيكفر جاحدُه، وإن كان نظرياً فلا (¬1)؛ لأنَّ ما ثبت بحيث كان ممَّا يُعلم في الدِّين ضرورة، فلا شكّ بكفر جاحده، وما لم يصل هذا إلى هذا الحدّ بحيث فيه اختلاف واستدلال ونظر، فلا يصل بمَن يقوله إلى حدّ الضَّرورة، لكن عامَّة فروعِهِ لا تفيدُ العلم الضَّروريّ.
ج. التَّواترُ الطَّبقي «التَّوارث المدرسي»: وهو أن تأخذَ طبقةٌ عن طبقةٍ بلا إسناد، والقرآنُ متواترٌ بهذا التَّواتر (¬2)؛ لأنَّه تواتر على البسيطة شرقاً وغرباً، درساً وتلاوةً، حفظاً وقراءةً، وتلقَّاه الكافَّةُ عن الكافَّة، طبقة عن طبقة، فهذا لا يحتاجُ إلى إسنادٍ مُعيَّن، يكون عن فلانٍ عن فلان (¬3).
ويصدق عليه التَّوارث المدرسيُّ للعلم؛ ولذلك لقَّبه الكشميريّ (¬4) «بتواترِ الفقهاء».
وحكمه: يفيد العمل لا العلم فلا يكفر جاحده، وإنما يكون حجة يلزم العمل به.
د. التَّواترُ العمليُّ: وهو أن يتواتر العمل على أمرٍ ما بحيث يستحيل تكذيبهم، أو تواترُ العمل على شيءٍ من لَدُنِ صاحبِ الشَّريعة إلى يومنا هذا: كالسِّواك (¬5).
¬
(¬1) ينظر: العرف الشذي1: 41.
(¬2) ينظر: العرف الشذي1: 41.
(¬3) ينظر: فيض الباري.8.
(¬4) في العرف الشذي1: 41.
(¬5) ينظر: العرف الشَّذي1: 41.
وأوضحه الكاساني، فقال (¬1): «تواترٌ من حيث ظهور العمل به قرناً فقرناً من غيرِ ظهور المنع والنَّكير عليهم في العمل به، إلا أنَّهم ما رووه على التَّواتر؛ لأنَّ ظهورَ العمل به أَغناهم عن روايته, وقد ظَهَرَ العملُ بهذا مع ظهورِ القولِ أيضاً من الأئمةِ بالفتوى به بلا تنازع منهم».
ووجه افتراقه عن المعنوي: أنَّه عملي تطبيقي من الصَّحابة - رضي الله عنهم - والتَّابعين لمِا شاهدوه من فعل النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، بخلاف المعنوي، فهو يجمع المعنى المتفق فيما روي عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - في روايات مختلفة من فعله - صلى الله عليه وسلم - أو قوله.
ووجه افتراقه عن الطَّبقي: أنَّه عمليٌّ عام في جميع الطَّبقات من جميع المدارس بصورة مجملة، بخلاف الطبقي فهو متعلقٌ بنقل طبقات المدرسة، سواء كان ذلك النَّقل قولاً أو تطبيقياً.
ويُمكن القول إنَّ هذين القسمين عند الحنفية هما من أَفراد المشهور؛ لأنَّهم اعتمدوا على العمل والقَبول من الصَّحابة والتَّابعين - رضي الله عنهم - في تَرَقِّي الحديث إلى درجةٍ يكون بها مُعتبراً مُحتجّاً به في إثبات الرُّكن والشَّرط والزِّيادة على القرآن وتخصيصه، وهذا هو الحال بصورةٍ إجماليةٍ في المشهور.
وحكمه: التَّواتر العملي يوجب العمل قطعاً, فيجوز نسخ الكتاب العزيز به، كما يجوز بالمتواتر في الرِّواية، إلا أنَّهما يَفترقان من وجهٍ, وهو أنَّ جاحدَ المتواتر
¬
(¬1) البدائع7: 331.
في الرِّواية ـ أي الإسناد ـ يكفرُ، وجاحدُ المتواتر في ظهورِ العملِ لا يكفر، هذا ما صَرَّحَ به الكاسانيّ (¬1).
2.السُّنة المشهورة:
سُمِّيَ بذلك؛ لوضوحه، ويُسَمَّى المستفيض، يقال: استفاض: أي شاع، وخبرٌ مستفيضٌ: أي منتشرٌ بين النَّاس؛ لاشتهاره، من فاض الماء يفيض فيضاً (¬2)، ومعناها اصطلاحاً: هو حديث الآحاد الذي تَلَقَّاه السَّلف بالقَبول.
وبهذا لا يتمكن أَحدٌ من الإنكارِ على الفقهاءِ في عَدِّهم لأحاديث الآحاد مشهورةً أثناء استدلالهم؛ لأنَّ كلامهم في رفعها إلى هذه الدَّرجة غير راجع إلى
طرقِ الرِّواية، وإنَّما إلى العمل والقَبول.
وهذا الاعتبار للعمل والقَبول في تقوية الحديث غير خاصّ بالحنفية، وإنَّما مشهورٌ عند المالكية بـ «عمل أهل المدينة»، وأيضاً وجدنا كبار الحُفَّاظ من أهل الحديث يعتبرونه ويعتمدونه، فها هو الخطيب البغداديُّ عند كلامه على حديث معاذ - رضي الله عنه - في الاجتهاد ـ الآتي ذكره ـ يقول (¬3): «إنَّ أهل العلم قد تقبلوه واحتجوا به، فوقفنا بذلك على صحَّته عندهم، كما وقفنا على صحّة قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا وصية لوارث»، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في البحر: «هو الطَّهور ماؤه الحل ميتته»، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا اختلف المتبايعان في الثَّمن والسِّلعة قائمةً تحالفا وترادا»، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الدِّيَة على العاقلة»، وإن كانت هذه الأحاديث لا تَثبت من جهة الإسناد، لكن لما تَلَقَّتها
¬
(¬1) البدائع7: 331.
(¬2) ينظر: الحاشية للرهاوي 2: 618.
(¬3) في الفقيه والمتفقه1: 188.
الكافَّة عن الكافَّة غنوا بصحتها عندهم عن طلبِ الإسناد لها، فكذلك حديث معاذ - رضي الله عنه - لمَّا احتجوا به جميعاً غنوا عن طلب الإسناد له».
وحكم المشهور: أنه يوجب علم طمأنينة لا علم يقين، والطمأنينة (¬1): زيادة توطين وتسكين يحصل للنَّفس على ما أدركته، قال تعالى حكاية عن إبراهيم - عليه السلام -: {وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة:260]، وإن كان ظنيّاً فاطمئنانها رُجحان جانب الظَّنِّ بحيث يكاد يدخل في حدّ اليقين، وهو المراد هاهنا.
3. سُنَّة الآحاد:
وهو كل خبر يرويه الواحد أو الاثنان فصاعداً، لا عبرة للعدد فيه بعد أن
يكون دون المشهور والمتواتر (¬2).
وحكمه: إفادة غلبة الظَّنِّ بمدلولها، لا اليقين ولا الطَّمأنينة، وهي كافيةٌ في وجوب العمل دون العلم القطعي؛ لقوله - جل جلاله -: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون} [التوبة:122]، الطائفة: الواحد والاثنين فأكثر، فهذا يوجب العمل بخبر الواحد أو الاثنين، وإذا أُوجب ههنا أُوجب مطلقاً (¬3)، ولأنًّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
¬
(¬1) وأول من فصَّل وصرَّح أنَّ المتواتر يفيد علم اليقين وأنَّ المشهور يفيد علم الطمأنينة، هو الإمام الدَّبوسي، كما في تقسيم الأخبار ودلالتها عند السَّادة الحنفية ص 60.
(¬2) ينظر: أصول البزدوي 2: 370، والمنار 2: 619 - 620.
(¬3) ينظر: شرح ابن ملك 2: 620، وإفاضة الأنوار ص178.
قَبِل خبر الواحد؛ فعن أنس - رضي الله عنه -: «إنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أتي بلحم تُصُدِّقَ به على بريرة رضي الله عنها، فقال: هو عليها صدقة، وهو لنا هدية» (¬1)؛ إذ قبل قول بريرة في الصَّدقة.
* ثالثاً: حجية السُّنة الشَّريفة:
يجب العمل بالسُّنة كما يجب العمل بالقرآن؛ للأدلة الواردة في ذلك ومنها:
أ. قال تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:4]، فهذه الآية دلَّت على أنَّ قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما هو من جنس التَّشريع وحيٌ من الله تعالى كالقرآن الكريم يجب العمل به كالقرآن.
ب. الأمر بطاعته كطاعة الله تعالى بقوله: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء:59]، وأحياناً يقرن طاعته بطاعته تعالى بقوله: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} [النساء:80].
ج. الأمر باتباع وأخذ ما آتانا به بقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر:7].
د. وجوب تحكيمه - صلى الله عليه وسلم - في شؤون الأُمَّة وما يحصل بينهم مع قَبول حكمه بقوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [النساء:65].
هـ. وجوب ردِّ المنازعة التي تحصل بين النَّاس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما تُرد إلى كتاب الله تعالى بقوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا} [النساء:59].
¬
(¬1) في صحيح البخاري 2: 543.
و. نفي الخيار عن المسلم إذا أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما لا خيار له إذا أمر الله تعالى بقوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِينًا} [الأحزاب:36].
ز. التَّحذير من مخالفة أمره - صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم} [النور:63].
ح. منحه - صلى الله عليه وسلم - من الله - عز وجل - سلطة بيان كتابه العزيز بقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل:44].
* رابعاً: منزلة السُّنة في التَّشريع:
اتفقت الأُمَّة على أنَّ السُّنةَ تأتي بالاحتجاج بها بعد كتاب الله فيما إذا لم تجد الحكم فيه، أو جاء مجملاً، أو عاماً، أو مطلقاً، وبيَّنت السُّنةُ تفصيلَه، أو تخصيصَه، أو تقييدَه، أو نسخَه، فإن وجد الحكم في كتاب الله تعالى وجب الوقوف عنده، وإن لم يوجد فُتِّشَ عنه في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومما يستدل به على ذلك:
أ. حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه - عندما أوفده - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن ليكون قاضياً هناك قال له - صلى الله عليه وسلم -: «بمَ تقضي يا معاذ؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنَّة رسوله، قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهدُ فيه برأيي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الحمدُ لله الذي وفَّق رسولَ رسولِه بما يرضى به رسوله» (¬1).
¬
(¬1) في سنن أبي داود 3: 313، وسنن الترمذي 3: 616.
ب. رسالة عمر - رضي الله عنه - إلى أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -، قال فيه: الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في القرآن والسُّنة فتعرَّف الأمثال والأشباه ثم قس الأمور عند ذلك واعمد إلى أحبّها إلى الله وأشبهها فيما ترى (¬1).
ج. قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: ... فمَن عرض له منكم قضاء بعد اليوم، فليقض بما في كتاب الله، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، فليقض بما قضى به نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فليقض بما قضى به الصالحون .. (¬2).
د. عن الشَّعبي أنَّ عمر - رضي الله عنه - كتب إلى شريح: إذا جاءك شيء في كتاب الله فاقض به ولا يغلبنك عليه الرِّجال، وإذا جاءك ما ليس في كتاب الله تعالى فانظر في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاقض بها .... (¬3).
وبالتالي تكون السنة شارحة ومفصلة لمجمل القرآن، ومؤكدةً وموافقةً لما ورد في القرآن، ومؤسسة ومشرعة لأحكام جديدة لم ترد في القرآن، ومقيدة ومخصصة للقرآن.
المطلب الثّالث: الإجماع:
ونتحدث عنه في النقاط الآتية:
* أولاً: معنى الإجماع لغة واصطلاحاً:
¬
(¬1) في سنن البيهقي الكبير 10: 115، وسنن الدارقطني 4: 206، 207.
(¬2) في سنن النسائي الكبرى3: 469، وقال النسائي: هذا الحديث جيد جيد، والمجتبى 8: 230.
(¬3) في الأحاديث المختارة 1: 239، وقال المقدسي: إسناده صحيح، وسنن الدَّارمي1: 71، وسنن البيهقي الكبير10: 110.
الإجماع لغةً: العزم، قال الفراء: «الإجماع: الإعداد والعزيمة على الأمر»، قال تعالى: {فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا} [طه:64]، وأجمع أمره: أي جعله جميعاً بعدما كان متفرّقاً (¬1).
واصطلاحاً: هو اتفاق المجتهدين من أُمَّة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - في عصر من العصور على أمر شرعيّ (¬2).
والمراد بالاتفاق: الاشتراك في الاعتقاد أو القول أو الفعل.
وقيَّد بالمجتهدين؛ إذ لا عبرة باتفاق العوام، وعرَّف بلام الاستغراق احترازاً عن اتفاق بعض مجتهدي عصر.
واحترز بقوله: من أُمَّة محمد - صلى الله عليه وسلم - عن اتفاق مجتهدي الشَّرائع السَّالفة.
وقوله: في عصر؛ معناه زمان ما، قل أو كثر. وفائدته الاحتراز عما يرد على
من ترك هذا القيد من لزوم انعقاد الإجماع إلى آخر الزَّمان؛ إذ لا يتحقَّق اتفاق جميع المجتهدين حينئذٍ (¬3).
* ثانياً: أنواع الإجماع:
الأول: الصّريح:
¬
(¬1) ينظر لسان العرب 1: 681، وغيره.
(¬2) ينظر الميزان 3: 710، ومُسَلَّم الثُّبوت 2: 211، والتَّوضيح 2: 82، والمستصفى 1: 173، والإرشاد ص71.
(¬3) ينظر: التلويح على التوضيح 2: 82، والتَّقرير والتَّحبير 3: 80 - 81، وغيرها.
وهو التَّكلُّم بما يوجب اتفاق الكلّ على الحكم، بأن يقولوا: أجمعنا على هذا إن
كان ذلك الشَّيء من باب القول (¬1). ويُسمّى إجماعاً قولياً، أو الشُّروع في الفعل إن كان ذلك الشَّيء من باب الفعل، ويُسمّى إجماعاً فعلياً إذا اجتمعوا على فعل واحد، بأن فعلوا أجمعهم فعلاً واحداً (¬2)، وهذا القسم حجة عند جميع الفقهاء المجتهدين (¬3).
الثاني: السكوتي:
وهو التَّكلم بما يوجب اتفاق بعضهم على الحكم، وسكوت الباقين منهم بعد بلوغ الخبر إليهم، وعدم ردهم عليهم بعد مرور مدة التَّأمل (¬4)، أو الشُّروع في الفعل من بعضهم إن كان ذلك الشَّيء من باب الفعل، وسكوت الباقين، وهذا القسم حجة عند الحنفيّة (¬5)؛ لأنَّه كان رخصة؛ لأنَّه جعل إجماعاً ضرورة؛ لما فيه من نفي نسبة مجتهدي الأُمَّة إلى الفسق والتَّقصير في أمر الدِّين، فلو لم يثبت الإجماع بهذا يلزم تفسيق بعض الصَّحابة - رضي الله عنهم -، وهو منتف.
¬
(¬1) ينظر: نور الأنوار 2: 104، وغيره.
(¬2) ينظر: ميزان الأصول 2: 739، وغيره.
(¬3) ينظر: مكانة الإجماع وحجيته ص15، وغيره.
(¬4) ينظر: قمر الأقمار 2: 104، وغيره.
(¬5) وقال بحجيته أحمد وبعض من الشَّافعية، وعند الشَّافعي وأكثر من تبعه ليس بحجة، وبه قال عيسى بن أبان من الحنفية، والقاضي أبو بكر الباقلاني من الأشعرية وبعض المعتزلة وداود الظاهري، ينظر: حاشية الرَّهاوي ص837، وفتح الغفار بشرح المنار 3: 3 - 4، ومكانة الإجماع وحجيته ص 66.
* ثالثاً: حجيّة الإجماع:
مجموع الأُمَّة معصومٌ عن التَّواطؤ والاتفاق على ضلالة، أو على عمل مخالف للقرآن والسُّنة، أو عمل غير مرضي عنه من الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، فكما أنَّ أحكام الكتاب والسُّنة محفوظة من الخطأ والبطلان، ولا سبيل إلى تخطئتها، فكذلك ما انتهى إليه الإجماع من أحكام قطعيّة لا يحلّ لأحدٍ أن يُنكرها، بل يلزم العمل بها (¬1)؛ لما يلي:
أ. قال تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} [النساء:115]، فيها إنذار من الله - جل جلاله - لمن يخالف المجمع عليه لجماعة المؤمنين بنفس العذاب الذي سيلقاه من يخالف النَّبي - صلى الله عليه وسلم -.
ب. قال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} [آل عمران:110]، ففيها أنَّ الله تعالى خاطب الأُمَّة على العموم في كلِّ أعصرها، وكلّ الأحكام التي أجمعت عليها الأُمَّة سواء كانت من المأمورات أو المناهي، فعلاً أو تركاً واجتناباً، لا بُدَّ وأن تكون موافقة لمرضاة الله تعالى، ولو افترضنا خلاف ذلك؛ بأنَّ بعضَ ما تأمر به منكر، وما تَنهى عنه معروف؛ لأدَّى ذلك إلى أن تكون آمرةً بالمنكر وناهيةً عن المعروف، وهذا مضادٌّ لإخبار اللهِ تعالى في هذه الآية بكونها آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر، ومخرجة لصلاح النَّاس ونفعهم.
¬
(¬1) ينظر مكانة الإجماع وحجيته ص13 - 14، وغيره.
ج. عن عليّ - رضي الله عنه - قلت: يا رسول الله، إن نزل بنا أمر ليس فيه بيان أمر ولا نهي فما تأمرنا؟ قال: «شاوروا فيه الفقهاء والعابدين ولا تمضوا فيه رأي خاصة» (¬1).
د. عن جابر وغيره - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة» (¬2)، وحمل البخاري (¬3) الطائفة على أهل العلم.
* ... * ... *
المطلب الرّابع: القياس:
ونعرضه في النقاط الآتية:
* أوّلاً: معنى القياس لغة واصطلاحاً:
لغةً: تقدير الشَّيء على مثاله، فيقال: قس الشيء بغيره، وعلى غيره، فانقاس: أي قدّره على مثاله، ومن هنا سمي المقدار مقياساً (¬4).
¬
(¬1) قال الهيثمي في مجمع الزَّوائد 1: 428: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثقون من أهل التَّصحيح.
(¬2) في صحيح مسلم 1:137، وصحيح البخاري 2: 2666، وغيرهما.
(¬3) في صحيحه 2: 2666.
(¬4) ينظر: المصباح المنير ص521، ومباحث العلَّة في القياس عند الأصوليين ص15.