الاعتماد على النقل المتوارث ...
.. في مدرسة الكوفة الفقهية
جارٍ تحميل الكتاب…
الاعتماد على النقل المتوارث ...
.. في مدرسة الكوفة الفقهية
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
الاعتماد على النقل المتوارث
في مدرسة الكوفة الفقهية
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* نشر في مجلة الأصول للدراسات الإسلامية في جامعة ساقريا.
خلاصة البحث:
تناول البحث دراسة مسألة مهمة يدور عليها الاستدلال في المذهب، وهي قضية بناء المذهب على الفقه المدرسي الموروث من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم -، إذ تبيّن من خلال الدراسة والتنقيب أن المذهبَ الحنفيَّ يوافق المذهب المالكيّ في اعتماد واعتبار لعمل أهل المدينة وتقديمه على حديث الآحاد إلى حدّ ما؛ إذ هذان المذهبان بنيا على الفقه الموروث من شيوخهم وشيوخ شيوخهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، بسبب توطن جلّ الصحابة - رضي الله عنهم - فيهما، ونشأة العلم وترعرعه بهما، وأثبتا في البحث الاتصال القوي من طبقة إلى طبقة حتى وصل هذا الفقه إلى أبي حنيفة - رضي الله عنه -، ومَن ثم قعّده وأصله ورتبه، حتى صار مذهباً له معالمه الواضحة البينة، التي ظهرت من بدأت من زمن ابن مسعود - رضي الله عنه - واستمرت في التطور والتقعيد إلى زمن أبي حنيفة، وإذا وضحت هذه الحقيقة فإننا بذلك نكون قد حللنا أعقد مشكلة في الاستدلال للمذهب الحنفي، وهي التوارث: أي أن مدرسة المدينة ومدرسة الكوفة اعتمدتا في فقههما على النقل المتوارث جيلاً بعد جيل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما اختلف فيه، فكل منهما يقدم ما نقل مجتهدي الصحابة - رضي الله عنهم - الذي حلوا في بلده، ومَن بعدهم من الفقهاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويحتجّ به.
Research Summary
The study discussed the important issue which is the reasoning of the Hanafi school. It is the doctrine on the issue of building a legacy of the Principles of the ... school and their companions may Allah be pleased with them. It is clear from the study and exploration that the Hanafi school and the Maliki school agreed to adopt Almathhab and to consider the work of the people of Al-Madina to be submitted to a certain extent. They are both based on the inherited fiqh from the elders and the elderly sheikh's hospitality to the Prophet peace be upon him. And because most Sahaba may Allah be pleased with their two And the emergence and development of the science The research demonstrated the strong communication layer to layer so that the doctrine of Abu Hanifa And then get together, origin, and
the rank Doctrine has become so obvious features of Evidence
Began emerging from the time of Ibn Masood may Allah be pleased with him and have continued to develop to the
time of Abu Hanifa may Allah be pleased with him If this fact, we made clear that we have solved the most complicated problem in the reasoning of the doctrine of the Hanafi It inheritance: the school, Al-Madina and school in Kufa, adopted on the transfer Al-fiqh inherited generation after generation of the Messenger of Allah may Allah bless him and disagreed with it All of them provide the transfer Mojtahdi companions may Allah be pleased with them, who lived in the country, followed by
scholars from the Messenger of Allah and peace be upon him and invoked.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحابته، ومَن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
إن مَن يكثر الاشتغال بفقه السادة الحنفية يلمح بكلّ وضوح وجلاء أنهم بنوا جلّ المسائل على آثار الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - لا سيما الذين توطنوا وعاشوا في الكوفة، فكثيراً ما يرد في كتبهم الفقهية للاستدلال على بعض الأحكام أنهم قالوا به للتوارث، أي لما ورثه شيوخ المدرسة أبو حنيفة وأصحابه عن شيوخهم من التابعين والصحابة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
بل إن منشأ اعتماد أكثر مسائلهم في الاستنباط والتفريع هو ما تلقوه عن الصحابة - رضي الله عنهم - في الكوفة، فهو مذهب تأسس وبني على فقه وآثار السلف - رضي الله عنهم - في تلك البقعة التي كانت عاصمة الإسلام، ومهد علومه المختلفة في مرحلة تكوين المذهب ونشأته.
لذلك يمكننا القول: إنه مذهب مدرسي تكّون من اجتهادات والصحابة والتابعين وتابعيهم، وعمل الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه - هو النقل عنهم والتقعيد لمسائله والتفريع والتأصيل لها، فهو مذهب متوارث جيلاً بعد جيل من الترتيب والتهذيب إلى يومنا هذا.
وهذا الذي نقوله ليس فهماً لنا، وإنما ظاهر وواضح عند علماء المذاهب عبر القرون، وما طعن الطاعنون في مسائل المذهب من حيث الاستدلال إلا لخفاء هذه الحقيقة الجلية عنهم، وعزوبها عن أنظارهم.
فالمذهب الحنفي والمذهب المالكي مذهبان بنيا على الفقه المتوارث عن الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم -، فهما مدرستان أساسهما آثار الصحابة واجتهاداتهم، وهذه الحقيقة مشهورة جداً بالنسبة للمذهب المالكي فيما يسمّى عندهم إجماع أهل المدينة، وقد ألفت فيه بحوث عديدة وطبع بعضها في دار البحوث للدراسات، دبي، والأمر لا يختلف في المذهب الحنفي من حيث المبدأ إلا أنه يسمّى التوارث في كتب السادة الحنفية، وليس الإجماع.
ويدلّ على ذلك العديد من عبارات علماء المذهب الحنفي، ومنهم مثلاً الإمام القدوري (ت428هـ) عند احتجاجه في مسألة خلافية بين الحنفية والمالكية، إذ قال (¬1): «وقولهم: إن أهل المدينة يفعلون وينقلون لا
¬
(¬1) التجريد 1: 411.
يصحّ؛ لأن أهل الكوفة يفعلون وينقلون، ومَن انتقل إلى الكوفة من الأئمة أكثر ممن بقي بالمدينة».
ورغم كل هذه الأهمية لهذا الموضوع فإنني لم أقف على دراسة فيه، لذلك سأفصل الكلام في إثبات هذه الحقيقة بالتركيز على المكانة العلمية الرفيعة للكوفة.
وسعياً في تحقيق ذلك فسيكون الكلام في حال الصحابة - رضي الله عنهم - الذين نزلوا في الكوفة وما قاموا به من نشر للعلم، ثم في كيفية نقل فعلهم وأقوالهم وتواترها جيلاً بعد جيل إلى أن وصلت إلى إمام الأئمة أبي حنيفة - رضي الله عنه - الذي نقل فقه إلينا بطرق متواترة أو مشهورة.
فمَن يدقِّق النظر يجد أن فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقوله المنقول من خلال مدرسة الكوفة ظفر بعناية فائقة في كل طبقة من الطبقات حتى وصل إلينا، بلا شكّ في رجل من السند، أو وهم راوٍ، أو تدليس شيخ، أو اضطراب لفظ وسند، أو انقطاع، أو نقل حديث بالمعنى، أو غيرها مما يقع في الحديث النبوي الشريف؛ لأنه نقل من طريق الفقهاء الكبار الضابطين في كل طبقة البالغ عددهم حدّ التواتر، بخلاف ما يكون مروياً بطرق بعض الرواة، وبطرق آحاد.
بسبب ذلك وجدنا الإمام مالك - رضي الله عنه - لا يعير بالاً لحديث مخالف لعمل أهل المدينة، ليس لأن فعل أهل المدينة مقدّم على كلام رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -، فلا عاقل يقول بذلك، بل لأنه - رضي الله عنه - يسعى التثبت فيما نقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فالكل راجع له - صلى الله عليه وسلم -، ومسترشد بقوله، فما نقل بطرق متواترة من فعل وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصحابة - رضي الله عنهم - المقيمين بالمدينة، ومن التابعين ومن بعدهم - رضي الله عنهم - جزماً أقوى مما نقل بطرق آحاد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمكن أن الراوي نسي أو أخطأ أو غير معنى أو غير ذلك مما يطول (¬1).
وهذا الأمر بتمامه حاصل بالكوفة، فهي حاضرة الإسلام بعد المدينة المنورة، وفيها حلّ كبار الصحابة - رضي الله عنهم - وفقهوا أهلها وحمل عنهم التابعين ومَن بعدهم وعلى رأسهم الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -، فكل ما يخالف العمل المتوارث المنقول من فعل وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - بالطرق المتظافرة نجد الإمام أبو حنيفة لا يتركه لحديث حفظ راويه أو نسي، كما كان يفعل أئمة مدرسة الكوفة من قبله، فها هو الإمام إبراهيم النَّخَعيّ - رضي الله عنه - يحتجّ بذلك العمل المتوارث من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين نزلوا في الكوفة في مسألة، فيقول: «هبط الكوفة ثلاثمئة من أصحاب الشجرة، وسبعون من أهل بدر، لا نعلم أحداً منهم قصر، ولا صلَّى الركعتين اللتين قبل المغرب» (¬2).
¬
(¬1) وتمام الكلام في عمل أهل المدينة في الكتب المتخصصة في ذلك مثل: عمل أهل المدينة، و خبر الواحد إذا خالف عمل أهل المدينة، و المسائل التي بناها الإمام مالك على عمل أهل المدينة، وغيرها من مطبوعات مركز البحوث في دولة الإمارات.
(¬2) ينظر: طبقات ابن سعد 6: 9.
فهذه الحقيقة واضحة لكل مشتغل بالمذهب الحنفي والاستدلال له، فكل مسألة خالف فيها أبو حنيفة غيره وأعوزه الحديث فيها، وجدنا أنه قد قال بها ابن مسعود - رضي الله عنه - أو علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أو غيرهم من الصحابة - رضي الله عنهم - الذي حلّوا في الكوفة، وكان عمل فقهاء أهل الكوفة المعتمدين عليها، حتى وصل للإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -، فاعتماده - رضي الله عنه - على هذا النقل المستفيض عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغنيه عن حديث الآحاد فيها.
وحاصل الكلام أن مدرسة المدينة ومدرسة الكوفة اعتمدتا في فقههما على النقل المتوارث جيلاً بعد جيل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما اختلف فيه، فكل منهما يقدم ما نقل مجتهدي الصحابة - رضي الله عنهم - الذي حلوا في بلده، ومَن بعدهم من الفقهاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويحتج به، وهذا وإن كان مصرحاً به في كتب المالكية ومنها «الموطأ»، إلا أننا نلاحظ الأمر نفسه متبع في كتب الأحناف ضمناً لمن يراجع كتب الاستدلال لهم ككتاب «إعلاء السنن»، وغيره، بخلاف ما عند الشافعية من الاعتماد على نقل الثقة عن غيره إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهذا هو سبيل الإمام الشافعي - رضي الله عنه - للظفر بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لتأخره زماناً عن الإمام أبي حنيفة والإمام مالك، وتنقله بين البلاد، فلمّا لم يحصل له ما حصل لهما من النقل المدرسي المتوارث، ولا ضير عليه في ذلك؛ لأن كلاً منهما أصل الأصول المعتبرة في استخراج الفروع ونقل فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى غدا كلّ واحد منها
لإحكام قواعده راجح في ذاته إذا نظرنا لمسائله من خلال أصوله، مرجوح لمقلّد غيره إذا نظر له من خلال أصول غيره.
وتوضيحاً لما أجمل نبسط الكلام في مدرسة الكوفة واهتمامها بنقل فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالطرق المعتبرة المعتمدة ببيان حال صحابته - صلى الله عليه وسلم - في الكوفة وأصحابهم وأصحاب أصحابهم، فنقول وبالله التوفيق:
بناء الكوفة:
إن بعد افتتاح العراق في خلافة الفاروق - رضي الله عنه - بنيت الكوفة سنة سبع عشرة للهجرة، بناها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على يد سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - (¬1)، وأسكن حولها الفصّح من قبائل العرب (¬2)، فعمر - رضي الله عنه - أول مَن مصَّر الأمصار: الكوفة، والبصرة، والجزيرة، والشام، ومصر، والموصل، وأنزلها العرب، وخط الكوفة والبصرة خططاً للقبائل، وهو أول مَن استقضى القضاة في الأمصار، وهو أول مَن دوَّن الديوان، وكتب الناس على قبائلهم، وفرض لهم الأعطية من الفيء، وقسَّم القسوم بين الناس، وفرضَ لأهل بدر وفضلهم على غيرهم، وفرض للمسلمين على أقدارهم، وتقدمهم في الإسلام (¬3).
¬
(¬1) ينظر: وفيات الأعيان 1: 207، وغيرها. قال ابن جرير: في سنة 15هـ مَصَّرَ سعدُ الكوفة، فليحرر. ينظر: تاريخ الخلفاء 1: 131، وغيره.
(¬2) ينظر: مقدمة نصب الراية ص301، والمدخل إلى الفقه الإسلامي ص86، وغيرها.
(¬3) ينظر: الطبقات الكبرى 5: 255، وغيرها.
الطبقة الأولى: الصحابة:
أولاً: عدد الصحابة - صلى الله عليه وسلم - الذين توطنوا الكوفة:
فاق عدد الصحابة الذي حلَّوا بالكوفة ألف وخمسمئة بينهم كبار المجتهدين والفقهاء كعلي وابن مسعود وأبي موسى الأشعري وغيرهم، فعن قتادة قال: «دخل الكوفة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ألف وخمسون منهم ثلاثون بدريون» (¬1)، قال الإمام الكوثري - رضي الله عنه - (¬2): «بينما ترى محمد بن الربيع الجيزي - رضي الله عنه - والسيوطي - رضي الله عنه - لا يستطيعان أن يذكرا من الصحابة - رضي الله عنهم - الذين نزلوا مصر إلا نحو ثلاثمئة صحابي، تجد العجلي يذكر أنه توطَّن الكوفة وحدها من الصحابة - رضي الله عنهم -، نحو ألف وخمسمئة صحابي، بينهم نحو سبعين بدرياً، سوى مَن أقام بها، ونشر العلم بين ربوعها، ثم انتقل إلى بلد آخر، فضلاً عن باقي بلاد العراق».
وهذا التوطن من هذا الجم الكبير من الصحابة - رضي الله عنهم - في الكوفة لا سيما من الكبار منهم كان له الأثر البالغ في تفقيه أهلها، والارتقاء بهم، وهذا محسوس لكل دارس متتبع ذلك؛ لأنه واقع ملموس في زمن الصحابة - رضي الله عنهم - ومن بعدهم، فعن قتادة عن خيثمة ابن أبي سبرة الجعفي - رضي الله عنه - قال: «أتيت المدينة فسألت الله تعالى أن ييسر لي جليساً صالحاً، وقال
¬
(¬1) ينظر: الإرشاد 2: 533، وغيره.
(¬2) في مقدمة نصب الراية ص304.
إبراهيم: سألت الله أن يرزقني جليس صدق، فيسَّر لي أبا هريرة - رضي الله عنه - فجلست إليه، فقلت: إني سألت الله أن ييسر لي جليساً صالحاً فوفقت لي، فقال: ممن أنت؟ فقلت: من أهل الكوفة جئت لألتمس الخير والعلم. قال حماد: فقال: تسألني وفيكم علماء أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - وابن عمه عليّ بن أبي طالب، وفيكم سعد بن مالك مجاب الدعوة، وفيكم عبدالله بن مسعود صاحب وسائد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونعليه، وفيكم حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعمار بن ياسر الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وسلمان صاحب الكتابين، قال قتادة: الكتابان الإنجيل والفرقان» (¬1).
فإن الصحابة - رضي الله عنهم - هم الذين نقلوا لنا هذا الدين عن صاحب الرسالة - صلى الله عليه وسلم -، وهم أعرف الناس بالإسلام، وأكثرهم فهماً لها؛ لأنهم عايشوا نزول القرآن، وتعلموا أحكامه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفقهوا مسائله، قال الإمام الشافعي - رضي الله عنه - عنهم - رضي الله عنهم -: «أدوا إلينا سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وشاهدوه والوحي ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عامّاً وخاصّاً، وعَزْماً وإرشاداً، وعرفوا من سننه ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا
¬
(¬1) ينظر: حلية الأولياء 4: 120، وغيرها.
في كل علم واجتهاد، وورع وعقل، وأمر استدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد، وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا» (¬1).
ففقه مدرسة الكوفة مبنيّ على ما نقله وقال به صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي مقدمتهم ابن مسعود - رضي الله عنه -، وهذه ميزة له لا تعدوها ميزة؛ لأنه لا يشك عالم عاقل في أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا من أكثر الخلق تتبعاً لآثار النبي - صلى الله عليه وسلم - في قولهم وسلوكهم، وأشدّ الناس أمانة على دين الله تعالى، فمن يتمسك بهديهم، فهو على هدى؛ لأنه سائر على شرع الله - جل جلاله -.
وقد بينت كتب التراجم الخاصة بالصحابة - رضي الله عنهم - كـ «الإصابة» لابن حجر وغيره الصحابة الذين نزلوا في الكوفة، ولا يمكننا في هذا المقام ذكرهم وحصرهم، وإنما نكتفي بالإشارة في ذكر مشاهيرهم وعرض بعض أسماء غيرهم:
ثانياً: تراجم مجتهدي الصحابة - رضي الله عنهم - الذين سكنوا الكوفة:
1.سعد بن أبي وقاص:
وهو فاتح العراق، وباني الكوفة، وأول والٍ عليها من قبل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، ثم عزل، ووليها من قبل عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وآخرهم موتاً، وكان أحد الفرسان، وأول مَن
¬
(¬1) ينظر: عبد الله بن مسعود ص247، وغيره.
رمى بسهم في سبيل الله، وأحد الستة أهل الشورى، وقال عمر - رضي الله عنه -: «إن أصابته الإمرة فذاك، وإلا فليستعن به الوالي»، وكان مجاب الدعوة مشهوراً بذلك.
روى عن النبي كثيراً، وروى عنه بنوه إبراهيم وعامر ومصعب وعمر ومحمد وعائشة، ومن الصحابة عائشة وابن عباس وابن عمر وجابر بن سمرة - رضي الله عنهم -، ومن كبار التابعين سعيد بن المسيب وأبو عثمان النهدي وقيس بن أبي حازم وعلقمة والأحنف وآخرون، توفي سنة (51هـ) (¬1).
2.عمار بن ياسر - رضي الله عنهم -:
تولى إمارة الكوفة بعد سعد - رضي الله عنه -، فكتب عمر - رضي الله عنه - إلى أهل الكوفة: «أما بعد: فإني قد بعثت إليكم عماراً أميراً، وعبد الله قاضياً ووزيراً، وإنهما من نجباء أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وممّن شهد بدراً فاسمعوا لهما وأطيعوا فقد آثرتكم بهما على نفسي» (¬2)، وكان بعثهما ليعلموا أهلها القرآن، ويفقهوهم في الدين، ويجيبوا عن أسئلتهم فيما يقع لهم، قال الشعبي - رضي الله عنه -: «سئل عمار عن مسألة، فقال: هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا. قال: فدعونا حتى يكون، فإذا كان تجشَّمناه لكم».
¬
(¬1) ينظر: الإصابة 3: 73 - 74، وتاريخ الخلفاء 1: 153، وغيرها.
(¬2) ينظر: طبقات الشيرازي ص24، وغيره.
وهو ممَّن قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (اهتدوا بهدي عمّار) (¬1)، وعن عمر بن الحكم - رضي الله عنه -: «كان عمار يعذّب حتى لا يدري ما يقول، وكذا صهيب - رضي الله عنهم -، وفيهم نزلت: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (¬2)».
روى عنه: عليّ، وابن عباس، وأبو موسى الأشعري، وأبو أمامة الباهلي، وجابر بن عبد الله، ومحمد بن الحنفية، وعلقمة، وزرّ، وأبو وائل، وهمام بن الحارث، وغيره - رضي الله عنهم -.
وكان سلوكه في اقتفاء حال النبي - صلى الله عليه وسلم - منارة يقتدي بها أهل الكوفة في التواضع وغيره، فعن عبد الله بن أبي الهذيل - رضي الله عنه -: «رأيت عماراً اشترى قتاً (¬3) بدرهم، وحمله على ظهره، وهو أمير الكوفة»، توفي سنة (37هـ) (¬4).
3.عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -:
فقيه الكوفة (¬5)، وأحد أذكياء العالم (¬6)، وهو من أوائل مَن أسلم قال
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان 15: 328، والمستدرك 3: 79، وجامع الترمذي 5: 668.
(¬2) النحل:41.
(¬3) القت: وهو الرطبة من علف الدواب. ينظر: هامش السير 1: 423، وغيرها.
(¬4) ينظر: سير أعلام النبلاء 1: 406 - 428، وغيرها.
(¬5) ينظر: طبقات المحدثين 1: 24، وغيرها.
(¬6) ينظر: سير أعلام النبلاء 1: 462، وغيرها.
ابن مسعود - رضي الله عنه -: «لقد رأيتني سادس ستة، وما على ظهر الأرض مسلم غيرنا» (¬1)، وهو أول مَن جهر بالقرآن بمكة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬2)، وكان من أشد الناس ملازمة للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فعن أبي موسى - رضي الله عنه -، قال: «قدمت أنا وأخي من اليمن، فمكثنا حيناً، وما نحسب ابن مسعود وأمَّه إلا من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لكثرة دخولهم وخروجهم عليه» (¬3)، ورخص له النبي - صلى الله عليه وسلم - بما لم يرخص لغيره، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إذنك عليَّ أن ترفع الحجاب، وأن تستمع سوادي - أي سري - حتى أنهاك) (¬4).
وكان - رضي الله عنه - من أكثر الصحابة - رضي الله عنهم - ملازمة للنبي - صلى الله عليه وسلم - فعن القاسم بن عبد الرحمن - رضي الله عنه - قال: «كان عبد الله يُلبس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعليْه، ثم يمشي أمامه بالعصا، حتى إذا أتى مجلسه نزع نعليه فأدخلهما في ذراعه، وأعطاه العصا، وكان يدخل الحجرة أمامه بالعصا» (¬5)، هذا الأمر جعله من أكثر الصحابة - رضي الله عنهم - حالاً وصفة للنبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى قال عنه حذيفة - رضي الله عنه -: «كان
¬
(¬1) في حلية الأولياء 1: 126، والمستدرك 3: 313، وصححه، ووافقه الذهبي، قال الشيخ شعيب: وهو كما قالا. ينظر: هامش السير 1: 464.
(¬2) في سيرة ابن هشام 1: 314، والإصابة 6: 215، قال الشيخ شعيب: رجاله ثقات. ينظر: هامش السير 1: 466.
(¬3) سنن النسائي الكبرى 5: 103، وصحيح البخاري 3: 1373، وغيرها.
(¬4) في صحيح مسلم 4: 1708، وصحيح ابن حبان 15: 545، وغيرها.
(¬5) ينظر: سير أعلام النبلاء 1: 469 - 470، وغيره.
أقرب الناس هدياً، ودَلاً، وسمتاً، برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن مسعود، حتى يتوارى منّا في بيته، ولقد علم المحفظون (¬1) من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - أن ابن أم عبد هو أقربهم إلى الله زلفى» (¬2).
ونال - رضي الله عنه - من فيض النبوة وعلمها ما فاق به غيره، فعن أبي الأحوص - رضي الله عنه - قال: «كنا في دار أبي موسى مع نفر من أصحاب عبد الله، وهم ينظرون في مصحف، فقام عبد الله، فقال أبو مسعود: ما أعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك بعده أعلم بما أنزل الله من هذا القائم، فقال أبو موسى: أما لئن قلت ذاك لقد كان يشهد إذا غبنا، ويؤذن إذا حجبنا» (¬3). وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: «لقد قرأت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بضعاً وسبعين سورة، ولقد عَلِمَ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إني أعلمهم بكتاب الله، ولو أعلم أنّ أحداً أعلم منِّي لرحلت إليه، قال شقيق: فجلست في حلق أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فما سمعت أحداً يرد ذلك عليه ولا يعيبه» (¬4).
وعن يحيى بن سعيد أن رجلاً سأل أبا موسى الأشعري - رضي الله عنه - فقال: «إني مصصت عن امرأتي من ثديها لبناً، فذهب في بطني، فقال أبو موسى: لا أراها إلا قد حرمت عليك. فقال عبد الله بن مسعود: انظر
¬
(¬1) في سير أعلام النبلاء 1: 470: المتهجدون، وقال الذهبي: لعله المجتهدون.
(¬2) في جامع الترمذي 5: 673، وقال: حديث حسن صحيح.
(¬3) في صحيح مسلم 1: 1912، وغيره.
(¬4) في صحيح مسلم 4: 1912، وغيره.
ماذا تفتي به الرجل؟! فقال أبو موسى: فماذا تقول أنت؟ فقال عبد الله بن مسعود: لا رضاعة إلا ما كان في الحولين. فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء ما كان هذا الحبر بين أظهركم» (¬1).
ولا أعظم من أن يشهد بفضله - رضي الله عنه - ومكانته مشكاة النبوة، ومما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (رضيت لأمتي ما رضي لهم ابن أم عبد، وكرهت لأمتي ما كره ابن أم عبد) (¬2). وقال - صلى الله عليه وسلم -: (تمسّكوا بعهد ابن أم عبد) (¬3). وقال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن سرَّه أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد) (¬4). وقال - صلى الله عليه وسلم -: (خذوا القرآن من أربعة: من ابن أم عبد فبدأ به ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وسالم مولى أبي حذيفة) (¬5).
فأي فقه يكون صادراً ممَّن لازم النبي - صلى الله عليه وسلم - منذ بدء الإسلام، ولم يكن يحتجب عنه، وكان مشهوراً بالعلم والفضل، حتى شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم -
¬
(¬1) في موطأ مالك 2: 607، وسنن البيهقي الكبير 6: 233، وسنن النسائي الكبرى 4: 71، ومسند أحمد 1: 463، وغيرها.
(¬2) في المعجم الأوسط 7: 70، ومسند البزار 5: 354، وفيه: لا نعلم أسند منصور عن القاسم عن أبيه عن عبد الله إلا هذا الحديث ولا نعلم رواه مسنداً إلا عمرو بن أبي قيس.
(¬3) في مصنف ابن أبي شيبة 7: 433، صحيح ابن حبان 15: 328، والمستدرك 3: 79، وجامع الترمذي 5: 668، والسنة 2: 580، وغيرها.
(¬4) في صحيح ابن حبان 15: 542، واللفظ له، والمستدرك 2: 247، والأحاديث المختارة 1: 385، وغيرها.
(¬5) في صحيح مسلم 4: 1913، واللفظ له، وصحيح البخاري 3: 1385، وغيرهما.
بذلك، لهو أحرى بالقبول والتلقي والعمل من غيره، فهو - رضي الله عنه - من أعلى الصحابة - رضي الله عنهم - مكانة في العلم والفقه، بحيث لا يستغني عنه مثل عمر - رضي الله عنه - في فقه ويقظته (¬1)؛ لذلك قال عمر - رضي الله عنه - عنه: «كُنَيف ملئ فقهاً» (¬2). وفي رواية: «علماً» (¬3). وقال علي - رضي الله عنه -: «علم القرآن والسنة» (¬4). وقال الشعبي - رضي الله عنه -: «ما كان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أفقه صاحباً من ابن مسعود» (¬5). وما ورد في فضل ابن مسعود - رضي الله عنه - في كتب السنة شيء كثير جداً (¬6)، وليس هنا محل استقصاؤه وإنما التنبيه على علمية وفضل هذا الصحابي الذي قام عليه فقه الكوفة.
فابن مسعود - رضي الله عنه - عُني بتفقيه أهل الكوفة، وتعليمهم القرآن من سنة بناء الكوفة إلى أواخر خلافة عثمان - رضي الله عنه - عناية لا مزيد عليها، إلى أن امتلأت الكوفة بالقراء، والفقهاء المحدثين، بحيث أبلغ بعض ثقات
¬
(¬1) ينظر: مقدمة نصب الراية ص301 - 302، وغيرها.
(¬2) في مصنف ابن أبي شيبة 6: 384، والمعجم الكبير 9: 85، وفي مجمع الزوائد 9: 291: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(¬3) في مصنف عبد الرزاق 10: 13، وآثار أبي يوسف ص133، والمعجم الكبير 9: 349، في مجمع الزوائد 6: 303،: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح إلا أن قتادة لم يدرك عمر ولا ابن مسعود.
(¬4) ينظر: طبقات الشيرازي ص24، وغيره.
(¬5) ينظر: المصدر السابق ص25، وغيره.
(¬6) ينظر: مقدمة نصب الراية ص301 - 302.
أهل العلم (¬1) عدد من ... تفقه ... عليه، وعلى أصحابه، نحو أربعة آلاف عالم (¬2)، قال الإمام السَّرَخسي (¬3): «كان - رضي الله عنه - بالكوفة وله أربعة آلاف تلميذ يتعلمون بين يديه حتى روي أنه لمَّا قدم علي - رضي الله عنه - الكوفة وخرج إليه ابن مسعود - رضي الله عنه - مع أصحابه حتى سدوا الأفق، فلمَّا رآهم علي - رضي الله عنه - قال: ملأت هذه القرية علماً وفقهاً».
فتلاميذه - رضي الله عنه - كانوا علماء الكوفة، الذي يرشدون الناس إلى خيرهم في دنياهم وآخرتهم، ومنارة للمستنيرين بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال سعيد بن جبير - رضي الله عنه -: «كان أصحاب عبد الله سُرُج هذه القرية» (¬4)، ومن أمثلة شدّة عنايته - رضي الله عنه - بتعليم أصحابه ما ورد عن علقمة - رضي الله عنه -: «كنا عند عبد الله، فجاء خبَّاب بن الأرت - رضي الله عنه - حتى قام علينا، في يده خاتم من ذهب، فقال: أكل هؤلاء يقرؤون كما تقرأ؟ فقال عبد الله: إن شئت أمرت بعضهم يقرأ، قال: أجل، فقال: اقرأ يا علقمة. فقال فلان: أتأمُره أن يقرأ وليس بأقرئنا؟ قال عبد الله: إن شئت حدثتك بما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قومه وقومك. قال علقمة: فقرأت خمسين آية من سورة مريم، فقال عبد الله:
¬
(¬1) هو الإمام السرخسي في المبسوط 16: 68.
(¬2) ينظر: مقدمة نصب الراية ص302.
(¬3) في المبسوط 16: 68.
(¬4) ينظر: طبقات الشيرازي ص81، وطبقات ابن سعد 6: 10، وغيرها.
ما قرأ إلا كما أقرأ. ثم قال عبد الله: ألم يأن لهذا الخاتم أن يطرح؟ فنزعه، ورمى به، وقال: والله لا تراه علي أبداً» (¬1).
ومعلوم أن علم العالم يظهر بتلاميذه الذين يقومون بنقل مسائله ونشرها بين الناس، فلولا التلاميذ يضيع فقه الإمام كائناً من كان، فهم حلقة نقله إلى الآخرين (¬2)، يوضح ذلك قول الإمام الشافعي: «الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به» (¬3)، وقد كان ابن مسعود - رضي الله عنه - من النفر القلائل من الصحابة - رضي الله عنهم - الذين تيسر لهم التلاميذ الكثر، فقاموا بنقل علمهم وفقهم الذي ورثوه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال علي بن المديني: «لم يكن من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد له أصحاب يقولون بقوله في الفقه إلا ثلاثة: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس - رضي الله عنهم -» (¬4).
وقال محمد بن جرير: «لم يكن أحد له أصحاب معروفون، حرَّروا فتياه ومذاهبه في الفقه غير ابن مسعود - رضي الله عنه - وكان يترك مذهبه وقوله لقول
¬
(¬1) قال الشيخ شعيب في هامش السير 1: 471: رجاله ثقات.
(¬2) ينظر: المدخل إلى الفقه الإسلامي ص181.
(¬3) ينظر: وفيات4: 127 - 128، وطبقات الشيرازي ص75 - 76، والأعلام6: 115، وغيرهم.
(¬4) ينظر: ابن مسعود - رضي الله عنه - ص279، وغيره.
عمر - رضي الله عنه -، وكان لا يكاد يخالفه في شيء من مذاهبه، ويرجع من قوله إلى قوله» (¬1).
بسبب ذلك نجد التابعي الكبير مسروق - رضي الله عنه - يقول: «شاممت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجدت علمهم انتهى إلى ستة: نصفهم أهل الكوفة (¬2): إلى عمر، وعلي، وعبد الله، ومعاذ، وأبي الدرداء، وزيد بن ثابت، فشاممت هؤلاء الستة فوجدت علمهم انتهى إلى عليّ وعبد الله» (¬3).
فعمر - رضي الله عنه - لم يتوطَّن الكوفة، ولكن شيخ الكوفة ابن مسعود - رضي الله عنه - كان يتابعه في اجتهاداته، ويترك اجتهاده لاجتهاد عمر - رضي الله عنه -، مما جعل فتاوى عمر - رضي الله عنه - مصدراً أساسياً في فقه أهل الكوفة، ويدرك ذلك كلّ مشتغل بالاستدلال لمسائل أهل الكوفة، فإنها تكون موافقة لقول عمر - رضي الله عنه -.
لهذا قال الإمام الكوثري (¬4): «وبهذا يكون حتى علم عمر - رضي الله عنه - قد غذيت به الكوفة وكان مستنداً لهم في فقههم، فإن كان ذلك يكون قد
¬
(¬1) ينظر: مقدمة نصب الراية ص305، والمدخل إلى الفقه الإسلامي ص89، وابن مسعود - رضي الله عنه - ص279، وغيرها.
(¬2) ينظر: طبقات الشيرازي ص25، وغيره.
(¬3) في المعجم الكبير 9: 94، والجرح والتعديل 7: 27، وسير أعلام النبلاء 1: 493، وصفوة الصفوة 1: 403 والطبقات الكبرى 2: 351، وعلل المديني ص42، ومجمع الزوائد 9: 160، وينظر: ابن مسعود - رضي الله عنه - ص279، والمدخل إلى الفقه الإسلامي 89، وغيرها.
(¬4) في مقدمة نصب الراية ص305.
اجتمع لهم علم أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فحقّ لهم أن يبنوا لمن خلفهم هذا البنيان الفقهي الشامخ الذي بهروا به الأبصار.
وكان بين فقهاء الصحابة مَن يوصي أصحابه بالالتحاق إلى ابن مسعود، إقراراً منهم بواسع علمه، كما فعل معاذ بن جبل - رضي الله عنه -، حيث أوصى صاحبه عمرو بن ميمون الأودي - رضي الله عنه - باللحاق بابن مسعود - رضي الله عنه - بالكوفة»؛ لأنه كان من أعظم فقهاء الصحابة أجمعين، توفي - رضي الله عنه - بالمدينة سنة (32هـ) (¬1). وسيأتي مزيد التفصيل في ذكر تلاميذ هذا الصحابي الجليل - رضي الله عنه - فيما بعد.
4.علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -:
وهو رابع الخلفاء الراشدين الذي قال فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إنه مَن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، فتمسكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كلَّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) (¬2).
¬
(¬1) ينظر: مشاهير علماء الأمصار 1: 10، وغيرها.
(¬2) في صحيح ابن حبان 1: 179، والمستدرك 1: 174، والمسند المستخرج 1: 35، وجامع الترمذي 5: 44، وسنن الدارمي 1: 57، وغيرها.
وقد تربَّى - رضي الله عنه - في بيت النبوة، وتزوج قرة عين المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، لذلك قال - صلى الله عليه وسلم - فيه: (علي مني، وأنا من علي) (¬1)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) (¬2).
وكان - رضي الله عنه - من كبار علماء ومجتهدي الصحابة - رضي الله عنهم -، حتى بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن ليعلم ويفتي أهلها، فعن علي - رضي الله عنه - قال: (بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن فقلت: يا رسول الله، تبعثني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء؟! قال: فضرب بيده في صدري، ثم قال: اللهم اهد قلبه وثبت لسانه. قال: فما شككت بعد في قضاء بين اثنين) (¬3). وقال فيه - صلى الله عليه وسلم -: (أنا مدينة العلم وعليّ بابها) (¬4)، وقال عمر - رضي الله عنه -: «علي أقضانا» (¬5).
¬
(¬1) في جامع الترمذي 5: 636، وحسنه، وسنن ابن ماجة 1: 44، ومصنف ابن أبي شيبة 6: 371، ومسند أحمد 4: 165، ومسند أبي يعلى 1: 293، والمعجم الكبير 4: 16، وغيرها.
(¬2) في صحيح مسلم 4: 1870، وصحيح البخاري 3: 1359، وغيرها.
(¬3) في سنن ابن ماجة 2: 774، ومسند البزار 3: 125، ومسند عبد بن حميد 1: 61، قال السيوطي في تاريخ الخلفاء ص170: أخرجه الحاكم وصححه.
(¬4) في المستدرك 3: 137، وصححه، والمعجم الكبير 11: 65، قال السيوطي في تاريخ الخلفاء ص170: هذا حديث حسن على الصواب. لا صحيح كما قال الحاكم، ولا موضوع كما قاله جماعة منهم ابن الجوزي والنووي، وقد بينت حاله في التعقبات على الموضوعات.
(¬5) في المستدرك 3: 345، ومصنف ابن أبي شيبة 6: 138، ومسند أحمد 5: 113، وغيرها.
وعن سعيد بن المسيب - رضي الله عنه -: «كان عمر يتعوذ من مُعْضلة ليس فيها أبو الحسن» (¬1). وعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: «إذا حدثنا ثقة علي بفتيا لا نعدوها» (¬2). وعن عائشة - رضي الله عنها - أن علياً ذكر عندها فقالت: «أما إنه أعلم من بقي بالسنة» (¬3). وقال: «علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أعلم أهل المدينة بالفرائض علي بن أبي طالب» (¬4). وعن سعيد بن المسيب - رضي الله عنه -: «لم يكن أحد من الصحابة يقول سلوني إلا علي» (¬5).
وقال مسروق - رضي الله عنه -: «انتهى العلم إلى ثلاثة: عالم بالمدينة، وعالم بالشام، وعالم بالعراق. فعالم المدينة علي بن أبي طالب، وعالم العراق عبد الله بن مسعود، وعالم الشام أبو الدرداء. فإذا التقوا سأل عالم العراق وعالم الشام عالم المدينة، ولم يسألهما» (¬6).
¬
(¬1) ينظر: فتح الباري 13: 343، وتهذيب الكمال 20: 485، وتهذيب التهذيب 7: 296، وصفوة الصفوة 1: 314، والاستعياب 3: 1103، والطبقات الكبرى 2: 339، والإصابة 4: 568، وتاريخ الخلفاء ص171 وغيرها.
(¬2) ينظر: الطبقات الكبرى 2: 338، وفتح الباري 7: 73، وتاريخ الخلفاء ص171.
(¬3) ينظر: تاريخ الخلفاء ص171، وغيرها.
(¬4) في الاستيعاب 3: 1105، وتاريخ الخلفاء ص171، وغيرها.
(¬5) ينظر: تاريخ الخلفاء ص171، وفيض القدير 4: 357، وفتح الباري 8: 599، وتهذيب التهذيب 7: 297 وتهذيب الكمال 20: 487، وغيرها.
(¬6) ينظر: المصدر السابق ص23، وغيره.
وبانتقال عالم المدينة - رضي الله عنه - إلى الكوفة اجتمع علمه - رضي الله عنه - وعلم ابن مسعود - رضي الله عنه - لأهلها؛ إذ أن باب مدينة العلم، لم يكن بأقل عناية بالعلم من ابن مسعود - رضي الله عنه -، فوالى تفقيههم، إلى أن أصبحت الكوفة لا مثيل لها في أمصار المسلمين، في كثرة فقهائها، ومحدثيها، والقائمين بعلوم القرآن، وعلوم اللغة العربية فيها، بعد أن اتخذها علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، عاصمة الخلافة، وبعد أن انتقل إليها أقوياء الصحابة - رضي الله عنهم - وفقهاؤهم، توفي سنة (40هـ) (¬1).
وهذا المذكور من حال علي وابن مسعود - رضي الله عنه - غيض من فيض، إذ لا يتسع المقام الإحاطة بحالهما، وإنما المراد التنبيه والإشارة إليه؛ لأن على علمهما المنقول عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واجتهادهما وفقههما اعتمد فقه أهل الكوفة، فما من مسألة يطول فيها الكلام على المذهب الحنفي الممثل لمدرسة الكوفة إلا وتجد أنهم يحتجون بما يروى عن علي - رضي الله عنه - أو ابن مسعود - رضي الله عنه -؛ لما عرف من حالهما، وفضلهما، قال الإمام السَّرَخسي - رضي الله عنه - (¬2) في مسألة استدل فيها الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه - بقول إبراهيم النخعي - رضي الله عنه -: «وما ذكر هذا على سبيل الاحتجاج بقول إبراهيم؛ لأن أبا حنيفة - رضي الله عنه - كان لا يرى تقليد التابعين، وكان يقول هم رجال ونحن رجال، ولكن ظهر
¬
(¬1) ينظر: المدخل إلى الفقه الإسلامي ص88، وغيره.
(¬2) في المبسوط 11: 2.
عنده أنّ إبراهيم فيما كان يُفتي به يعتمدُ قول عليّ وابن مسعود - رضي الله عنهم -، فإن فقه أهل الكوفة دار عليهما، وكان إبراهيم أعرف الناس بقولهما، فما صح عنه فهو كالمنقول عنهما، فلهذا حشا الكتاب من أقاويل إبراهيم - رضي الله عنه -».
5.أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه -:
وهو ممن ولي إمرة الكوفة والبصرة لعمر - رضي الله عنه -، وجاهد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحمل عنه علماً كثيراً، واستعمله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعاذاً على زَبيد، وعَدَن، واستعمله عثمان - رضي الله عنه - على الكوفة، وكان عمر - رضي الله عنه - إذا رآه قال: «ذكِّرنا ربنا يا أبا موسى»، فيقرأ عنده. وكان أبو موسى - رضي الله عنه - هو الذي فقَّه أهل البصرة وأقرأهم، سكن الكوفة وتفقه به أهلها حتى استعمله عثمان عليهم بعد عزل سعيد بن العاص (¬1).
وقال أنس - رضي الله عنه - بعثني الأشعري - رضي الله عنه - إلى عمر - رضي الله عنه - فأتيته فسألني عنه، فقلت: «تركته يعلم الناس». قال: «أما أنه كيس فلا تسمعها إياه» (¬2). وقال أبو البختري: سئل علي - رضي الله عنه - عن أبي موسى - رضي الله عنه -، فقال: «صبغ في
¬
(¬1) ينظر: الإصابة 4: 211 - 213، وسير أعلام النبلاء 2: 380 - 381، وغيرها.
(¬2) قال الشيخ شعيب في هامش السير 2: 390: رجاله ثقات، أخرجه ابن سعد 4: 108، وابن عساكر 506 - 507.
العلم صبغة». وقال الأسود بن يزيد: «لم أر بالكوفة أعلم من عليّ وأبي موسى» (¬1)، توفي بالكوفة سنة (42هـ) (¬2).
وقال الشعبي: «يؤخذ العلم عن ستة: عمر، وعبد الله، وزيد، يشبه علمهم بعضه بعضاً، وكان عليّ، وأبيّ، وأبو موسى يشبه علمهم بعضه بعضاً، يقتبس بعضهم من بعض» (¬3).
6.حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه -:
وهو من نجباء أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو صاحب السرّ، بعثه عمر - رضي الله عنه - على المدائن، فقرأ عهده عليهم، فقالوا: سل ما شئت، قال: طعاماً آكله، وعلف حماري هذا ما دمت فيكم من تِبْن. فأقام فيهم ما شاء الله، ثم كتب إليه عمر: اقدم. فلما بلغ عمر قدومه، كمن له على الطريق؛ فلما
¬
(¬1) ينظر: سير أعلام النبلاء 2: 388، وغيرها.
(¬2) ينظر: طبقات الفقهاء 1: 25، وتاريخ الخلفاء 1: 156، وسير أعلام النبلاء 2: 382، وغيرها.
(¬3) ينظر: سير أعلام البلاء 2: 389، و غيرها.
رآه على الحال التي خرج عليها، أتاه فالتزمه، وقال: أنت أخي، وأنا أخوك. قال أبو إسحاق: «كان حذيفة يجيء كل جمعة إلى الكوفة» (¬1).
والكلام في فضله ومكانته طويل، أكتفي منه بقول علي - رضي الله عنه -: «عَلِمَ المنافقين، وسأل عن المعضلات، فإن تسألوه تجدوه بها عالماً» (¬2)، توفي بالمدائن سنة (36هـ).
7.سلمان الفارسي - رضي الله عنه -:
وهو من مشاهير الصحابة - رضي الله عنهم - الذي ورد في حكمته وفضله آثار عديدة يضيق المكان عن بسطها، نقتصر منها على ما قاله حميد بن هلال: «أُوخي بين سلمان وأبي الدرداء، فسكن أبو الدرداء الشام، وسكن سلمان الكوفة، وكتب أبو الدرداء إليه: سلامٌ عليكم. أما بعد، فإن الله رزقني بعدك مالاً وولداً، ونزلت الأرض المقدسة. فكتب إليه سلمان: اعلم أن الخير ليس بكثرة المال والولد، ولكن الخير أن يعظم حلمُك، وأن ينفعك علمُك، وإن الأرض لا تعمل لأحد، اعمل كأنك ترى، واعدُد نفسَك من الموتى»، توفي بالمدائن سنة (36هـ) (¬3).
8.البراء بن عازب - رضي الله عنه -:
¬
(¬1) ينظر: سير أعلام النبلاء 2: 366، وغيرها.
(¬2) قال الشيخ شعيب في هامش السير 2: 363: رجاله ثقات.
(¬3) ينظر: سير أعلام النبلاء 1: 548، 554 وغيرها.
وهو ممن استصغر يوم بدر، وشهد خمسة عشر غزوة، وما قدم النبي المدينة حتى قرأ سوراً من المفصل، وكان ممَّن بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن مع علي - رضي الله عنه -، ثم رجع معه، فأدركوا حجة الوداع سنة عشر (¬1). قال الذهبي (¬2): «الفقيه الكبير أبو عمارة الأنصاري الحارثي المدني نزيل الكوفة من أعيان الصحابة - رضي الله عنهم -»، توفي سنة (72هـ).
ثالثاً: ذكر بعض الصحابة - رضي الله عنه - الذين نزلوا الكوفة:
سبق أن ذكرنا أنه نزل الكوفة ما فاق عن الألف والخمسمئة صحابي، ولا يمكننا في هذا المقام ذكرهم وبيان حالهم، وإنما نمثل بذكر بعضهم:
1. الأغلب بن جثم بن عمرو العجلي الراجز المشهور. قال ابن قتيبة - رضي الله عنه -: «أدرك الإسلام فأسلم، وهاجر ثم كان ممن سار إلى العراق مع سعد
فنزل الكوفة واستشهد في وقعة نهاوند» (¬3).
2. أنس بن الحارث بن نبيه، وقال ابن منده: «عداده في أهل الكوف». وقال البخاري: «قتل مع الحسين ابن علي» (¬4).
¬
(¬1) ينظر: التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة 1: 211، وغيرها.
(¬2) في سير أعلام النبلاء 3: 194 - 195.
(¬3) ينظر: الإصابة 1: 98، وغيرها.
(¬4) ينظر: المصدر السابق 1: 121، وغيرها.
3. أهبان بن أوس الأسلمي، قديم الإسلام صلى القبلتين، ونزل الكوفة، ومات بها في ولاية المغيرة، قال البخاري: «له صحبة يعد في أهل الكوفة» (¬1).
4. بشير بن معبد أبو معبد الأسلمي، قال ابن حبان: «له صحبة، عداده في أهل الكوفة». وقال البخاري: «له صحبة، حديثه في الكوفيين» (¬2).
5. بُلَيْل بن بلال بن أحيحة الأنصاري، ذكره خليفة فيمن نزل الكوفة من الصحابة. وقال العدوي: «شهد أحداً وما بعدها» (¬3).
6. ثابت بن قيس بن الخطيم الأنصاري الظفري، وقال أبو عمر: «هو مذكور في الصحابة، استعمله سعيد ابن العاصي على الكوفة لما طلبه عثمان لشكوى أهل الكوفة منه» (¬4).
7. جابر بن سمرة بن جنادة العامري السوائي، أخرج له أصحاب الصحيح، وعن جابر - رضي الله عنه - قال: «جالست النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر من مائة مرة». قال ابن السكن: «نزل الكوفة، وابتنى بها داراً، وتوفي فيها سنة 74هـ» (¬5).
¬
(¬1) ينظر: المصدر نفسه 1: 141، وغيرها.
(¬2) ينظر: نفس المصدر 1: 314، وغيرها.
(¬3) ينظر: الإصابة 1: 329، وغيرها.
(¬4) ينظر: المصدر السابق 1: 393، وغيرها.
(¬5) ينظر: الإصابة 1: 431، وغيرها.
8. جابر بن طارق بن أبي طارق الأحمسي البجلي، وكان من أهل القادسية، سكن الكوفة (¬1).
9. جرير بن عبد الله بن جابر البجلي الصحابي الشهير، وكان جرير جميلاً، قال عمر - رضي الله عنه -: «هو يوسف هذه الأمة»، وقدمه عمر في حروب العراق على جميع بجيلة، وكان لهم أثر عظيم في فتح القادسية، ثم سكن جرير الكوفة وأرسله علي - رضي الله عنه - رسولاً إلى معاوية - رضي الله عنه -، ثم اعتزل الفريقين وسكن قرقيسيا حتى مات سنة (ت51هـ) (¬2).
10. جعدة بن خالد بن الصمة الجشمي، قال ابن السكن: ((إنه نزل الكوفة)) (¬3).
11. جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي، ثم العلقي، أبو عبد الله، سكن الكوفة، ثم البصرة، قدمها مع مصعب بن الزبير، وروى عنه أهل المصرين (¬4).
12. الحارث بن سويد التميمي (أبو عائشة) يقال: أدرك الجاهلية، ونزل الكوفة (¬5).
¬
(¬1) ينظر: المصدر السابق 1: 432، وغيرها.
(¬2) ينظر: المصدر نفسه 1: 475، وغيرها.
(¬3) ينظر: نفس المصدر 1: 483، وغيرها.
(¬4) ينظر: الإصابة 1: 509، وغيرها.
(¬5) ينظر: المصدر السابق 2: 157، وغيرها.
13. حبة بن خالد الخزاعي، صحابي، نزل الكوفة (¬1).
14. حُبْشي بن جنادة بن نصر السَّلولي، صحابي، شهد حجة الوداع، ثم نزل الكوفة، يكنى أبا الجَنُوب، روى عنه أبو إسحاق السبيعي وعامر الشعبي، وصرح بسماعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال العسكري: «شهد مع علي مشاهده» (¬2).
15. الحجاج بن عبد الله الثقفي، ذكره خليفة فيمن نزل البصرة، ثم الكوفة من الصحابة - رضي الله عنهم - (¬3).
16. حذيفة بن أُسيد الغفاري، أبو سريحة، شهد الحديبية، وذكر فيمن بايع تحت الشجرة، ثم نزل الكوفة، روى عنه الشعبي وغيره، توفي سنة (42هـ) (¬4).
17. حصين بن سبرة، له إدراك، وسمع من عمر - رضي الله عنه -، نزل الكوفة، روى عنه إبراهيم التيمي، ذكره البخاري أيضاً (¬5).
¬
(¬1) ينظر: المصدر نفسه 2: 14، وغيرها.
(¬2) ينظر: الإصابة 2: 13، وغيرها.
(¬3) ينظر: المصدر نفسه 2: 33، وغيرها.
(¬4) ينظر: المصدر السابق 2: 43، وغيرها.
(¬5) ينظر: نفس المصدر 2: 174، وغيرها.
18. حنظلة بن الربيع بن صيفي، روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكتب له وأرسله إلى أهل الطائف فيما ذكر ابن إسحاق، وشهد القادسية، ونزل الكوفة (¬1).
19. خباب بن الأرتَّ بن جندلة التميمي، أبو عبد الله، سبي في الجاهلية، فبيع بمكة فكان مولى أم أنمار الخزاعية، وكان من السابقين الأولين، روى الباوردي أنه أسلم سادس ستة، وهو أول من أظهر إسلامه، وعُذِبَ عذاباً شديداً لأجل ذلك، وشهد المشاهد كلها، وآخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين جبر بن عتيك، روى عنه أبو أمامة وابنه عبد الله بن خباب وأبو معمر وقيس بن أبي حازم ومسروق وآخرون، وعن زيد بن وهب قال: «لما رجع عليّ - رضي الله عنه - من صفين مرَّ بقبر خباب - رضي الله عنه -، فقال: رحم الله خباباً، أسلم راغباً، وهاجر طائعاً، وعاش مجاهداً، وابتلى في جسمه أحوالاً، ولن يضيع الله أجره»، وشهد خباب بدراً، وما بعدها، ونزل الكوفة ومات بها سنة (37هـ) (¬2).
20. دُكَين بن سعيد الخثعمي، وهو معدود فيمن نزل الكوفة من الصحابة - رضي الله عنهم - (¬3).
¬
(¬1) ينظر: المصدر نفسه 2: 134، وغيرها.
(¬2) ينظر: الإصابة 2: 285، وغيرها.
(¬3) ينظر: الإصابة 2: 390، وغيرها.
21. زياد بن حُدَير الأسدي، نزيل الكوفة، له إدراك، وكان كاتباً لعمر - رضي الله عنه - على العشور (¬1).
22. سالم بن عبيد الأشجعي، من أهل الصفة، ثم نزل الكوفة، وروى له من أصحاب السنن (¬2).
23. سبرة بن الفاكه المخزومي، صحابي، نزل الكوفة (¬3).
24. سعد بن إياس بن أبي إياس، أبو عمرو الشيباني، أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم -، نزل الكوفة (¬4).
25. سلمان بن ربيعة بن يزيد الباهلي، أبو عبد الله، له صحبة، روى عنه كبار التابعين كأبي وائل وأبي ميسرة وأبي عثمان النهدي وسويد بن غفلة، وشهد فتوح الشام، ثم سكن العراق، وولي غزو أرمينية في زمن عثمان، فاستشهد قبل الثلاثين أو بعدها، وقال ابن حبان: «وهو أول مَن استقضي على الكوفة، وكان رجلاً صالحاً يحج كل سنة» (¬5).
¬
(¬1) ينظر: نفس المصدر 2: 641، وغيرها.
(¬2) ينظر: الإصابة 3: 10، وغيرها.
(¬3) ينظر: المصدر السابق 3: 31، وغيرها.
(¬4) ينظر: المصدر نفسه 3: 254 وغيرها.
(¬5) ينظر: نفس المصدر 3: 139، وغيرها.
26. سلمة بن سلامة الثعلبي، من أهل الكوفة (¬1).
27. سلمة بن يزيد بن مشجعة الجعفي، نزل الكوفة (¬2).
28. سمعان بن هبيرة بن مساحق الأسدي، أبو السمالّ، الشاعر، له إدراك، ونزل الكوفة (¬3).
29. شريك بن طارق بن سفيان الحنظلي، ذكره الواقدي وخليفة بن خياط وابن سعد فيمن نزل الكوفة من الصحابة - رضي الله عنهم - (¬4).
30. شَكَل بن حميد العبسي، صحابي، نزل الكوفة (¬5).
31. شيبان بن مالك الأنصاري السَّلَمي، قال مسلم وابن حبان: «له صحبة»، وقال البغوي: «سكن الكوفة» (¬6).
32. صخر بن العَيْلة بن عبد الله البجلي الأحمسي، قال البغوي: «سكن الكوفة» (¬7).
¬
(¬1) ينظر: الإصابة 3: 149، وغيرها.
(¬2) ينظر: المصدر السابق 3: 156، وغيرها.
(¬3) ينظر: المصدر نفسه 3: 264، وغيرها.
(¬4) ينظر: نفس المصدر 3: 346، وغيرها.
(¬5) ينظر: الإصابة 3: 253، وغيرها.
(¬6) ينظر: المصدر السابق 3: 368، وغيرها.
(¬7) ينظر: الإصابة 3: 416، وغيرها.
33. صفوان بن عَسَّال المرادي، له صحبة، وقال البغوي: «سكن الكوفة»، وقال ابن أبي حاتم: «كوفي له صحبة مشهور» (¬1).
34. ضرار بن الأزور الأسدي، أبو الأزور، قال البخاري وأبو حاتم وابن حبان: «له صحبة». وقال البغوي: «سكن الكوفة» (¬2).
35. طارق بن أشيم بن مسعود الأشجعي، قال البغوي: «سكن الكوفة» (¬3).
36. طارق بن شهاب بن عبد شمس البجلي الأحمسي، أبو عبد الله، رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو رجل، قال البغوي: «ونزل الكوفة» (¬4).
37. طارق بن عبد الله المحاربي، صحابي، نزل الكوفة، وروى عنه أبو الشعثاء وربعي بن خراش وأبو ضمرة (¬5).
38. طارق بن علقمة بن أبي رافع، قال البغوي: «سكن الكوفة» (¬6).
39. عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي، أبو معاوية، شهد الحديبية، وروى أحاديث شهيرة، ثم نزل الكوفة، توفي سنة ست أو سبع وثمانين (¬7).
¬
(¬1) ينظر: المصدر السابق 3: 436، وغيرها.
(¬2) ينظر: المصدر نفسه 3: 481، وغيرها.
(¬3) ينظر: نفس المصدر 1: 507، وغيرها.
(¬4) ينظر: الإصابة 3: 510، وغيرها.
(¬5) ينظر: المصدر السابق 3: 511، وغيرها.
(¬6) ينظر: نفس المصدر 3: 512، وغيرها.
(¬7) ينظر: المصدر نفسه 4: 18، غيرها.
40. عبد الله بن أبي عقيل الثقفي، ذكر الطبري أنه نزل الكوفة، وكان أحد الأمراء الأربعة الذين توجّهوا في خلافة عمر - رضي الله عنه - للأحنف بمرو الشاهجان (¬1).
الطبقة الثانية: أصحاب ابن مسعود وعلي - رضي الله عنهم -:
تمهيد:
إن مؤسس مدرسة الكوفة هم صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين رووا فعله وقوله إلى أهل الكوفة، وعلى رأسهما ابن مسعود - رضي الله عنه - وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وبانيها هم التابعون من تلاميذ الصحابة - رضي الله عنهم - الذي حلّوا فيها وفي مقدمتهم علقمة والأسود ومسروق وشريح - رضي الله عنهم -، فإنهم حافظوا على ما ورثوه من فقه الصحابة - رضي الله عنهم -، وما نقلوه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأضافوا إليه ما جدَّ من فروع بنوها على ما عرفوه، وهكذا الحال فيمن بعدهم كما سيأتي، وهذه كلمة جامعة من المؤرخ الذهبي توضح ذلك، إذ قال (¬2): «أفقه أهل الكوفة علي وابن مسعود - رضي الله عنهم -، وأفقه أصحابهما علقمة، وأفقه أصحابه إبراهيم، وأفقه أصحاب إبراهيم حماد، وأفقه أصحاب حماد أبو
¬
(¬1) ينظر: الإصابة 4: 180، وغيرها.
(¬2) في سير أعلام النبلاء 5: 236.
حنيفة، وأفقه أصحابه أبو يوسف، وانتشر أصحاب أبي يوسف في الآفاق، وأفقههم محمد، وأفقه أصحاب محمد أبو عبد الله الشافعي».
قال المحدث الكبير الشعبي - رضي الله عنه -: «ما كنت أعرف فقهاء الكوفة إلا أصحاب عبد الله - رضي الله عنه - قبل أن يقدمَ علينا علي - رضي الله عنه -، ولقد كان أصحاب عبد الله - رضي الله عنه - يسمون قناديل المسجد أو سرج المصر» (¬1).
وقال إبراهيم التيمي - رضي الله عنه -: «كان فينا ستون شيخاً من أصحاب عبد الله» (¬2)، وليس المقصد من كلامهم حصرهم، وإنما بيان أرفعهم وأعلاهم مكانة من المشهورين المعروفين، وإلا فقد فاق أعدادهم آلاف على ما سيأتي.
أولاً: صفات أصحاب ابن مسعود وعلي - رضي الله عنهم -:
وفي الصفة العامة للعلماء الكبار الذين ربَّاهم ابن مسعود - رضي الله عنه - يقول الحافظ الشعبي: «ما رأيت أحداً كان أعظم حلماً، ولا أكثر علماً، ولا أكف عن الدماء من أصحاب عبد الله، إلا ما كان من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» (¬3)، ولا غرابة في ذلك؛ لأنهم تعلموا وتأدبوا على أفضل الخلق بعد الأنبياء، وهم صحابة الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -، وفي طليعتهم علي - رضي الله عنه -
¬
(¬1) ينظر: سير أعلام النبلاء 4: 309، وغيرها.
(¬2) ينظر: طبقات ابن سعد 6: 10، وغيرها.
(¬3) ينظر: المصدر السابق 6: 11 - 12، وغيرها.
الذي تربى في حجر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وابن مسعود - رضي الله عنه - الذي وصفه حذيفة - رضي الله عنه - كما مرَّ: «إنه أقرب الناس هدياً ودلاً وسمتاً برسول الله - صلى الله عليه وسلم -».
فلم يكن علمهم الذي ورثوه عن الصحابة - رضي الله عنهم - مقتصراً على ألفاظ مجردة جافة، بل شمل الخلق والسلوك مع القول والفعل، فكانوا أعظم من حمل الإسلام عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بكل ما فيه من قول وعمل وعقيدة وسلوك، وكانوا أحرص الناس على ذلك في حياتهم، حتى كتب الله لهم القبول، ونشر علم هذه المدرسة الممثلة للإسلام الحق بمعنى الكلمة إلى أرجاء الأرض، فأصبح عامة المسلمين في بقاع الأرض يتعبدون الله على ما ورثوه عن مدرسة الكوفة، وشمل ذلك الدول المتعاقبة في الإسلام في الحكم والتطبيق في القضاء وغيره لفقه هذه المدرسة الأمينة العظيمة العريقة.
ثانياً: ذكر أسماء بعض أصحابهما:
إن من أراد الاستفاضة في معرفة أصحاب ابن مسعود وعلي - رضي الله عنهم - فليراجع «الطبقات الكبرى» لابن سعد، فإنه أورد أسماء الذين رووا عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، وترجم لهم، وأحاط بشيء من أخبارهم، وقد قسمهم إلى عدّة طبقات، أذكرهم هاهنا كما فعل العلامة عبد الستار
الشيخ (¬1) على سبيل الإجمال والإيجاز ليتبيَّن لنا كم كان العلم الذي نشره عبد الله والصحابة عامة، ثم مدى إقبال أولئك العظماء على الصحابة - رضي الله عنهم - ليأخذوا عنهم ما حفظوه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
1) طارق بن شهاب. 2) قيس بن أبي حازم. 3) رافع بن أبي رافع. 4) سويد بن غفل. 5) الأسود بن يزيد. 6) مسروق بن الأجدع. 7) سعيد بن نمران. 8) النزّال بن سبرة. 9) زهرة بن حميضة. 10) معدي يكرب. 11) علقمة بن قيس. 12) عبيدة بن قيس. 13) أبو وائل. 14) زيد بن وهب. 15) عبد الله بن سَخْبرة. 16) يزيد بن شريك. 17) أبو عمرو الشيباني. 18) زر بن حبيش. 19) عمرو بن شرحبيل. 20) عبد الرحمن ابن أبي ليلى. 21) عبد الله بن عكيم. 22) عبد الله بن أبي الهذيل. 23) حارثة بن مُضَرّب. 24) عبد الله ابن مسلمة. 25) مرّة بن شراحيل. 26) عبيد بن نضلة. 27) عمرو بن ميمون. 28) المعرور بن سويد. 29) همّام بن الحارث. 30) الحارث بن الأزمع. 31) الأسود بن هلال. 32) سليم بن حنظلة. 33) النعمان ابن حميد. 34) عبد الله بن عتبة. 35) أبو عطية الوادعي. 36) عامر بن مطر. 37) عبد الله بن خليفة. 38) عبد الرحمن بن يزيد. 39) الحارث بن سويد. 40) الحارث بن
¬
(¬1) في كتابه النافع الماتع: ابن مسعود عميد حملة القرآن، وكبير فقهاء الإسلام ص282 - 284.
قيس. 41) الحارث الأعور. 42) عمير بن سعيد. 43) سعيد بن وهب. 44) هبيرة بن يريم. 45) عمرو بن مسلمة. 46) أبو الزعراء. 47) أبو عبد الرحمن السلمي. 48) عبد الله بن معقل. 49) عبد الرحمن بن معقل. 50) سعد بن عياض. 51) أبو فاخته. 52) الربيع بن عميلة. 53) قيس بن السكن. 54) الهزيل بن شرحبيل. 55) الأرقم بن شرحبيل. 56) أبو الكنود الأزدي. 57) شداد بن معفل. 58) جبة بن جوين. 59) خمير بن مالك. 60) عمرو بن عبد الله. 61) عبد الله بن سنان. 62) زاذان أبو عمرو الكندي. 63) عباد بن عبد الله. 64) كميل ابن زياد. 65) قيس بن عبد. 66) حصين بن قبصة. 67) أبو القعقاع الجرمي. 68) أبو رزين. 69) عرفجة. 70) عبد الرحمن بن عبد الله. 71) شتيرين شكل. 72) أبو الأحوص. 73) الربيع بن خُثَيم. 74) أبو العبيدين. 75) حريث بن ظهير. 76) حسام أبو سعيد. 77) قبيصة بن برعة. 78) صلة بن زفر. 79) أبو الشعثاء المحاربي. 80) المستورد بن الأحنف. 81) عامر بن عبدة. 82) ابن معيز السعدي. 83) شداد بن الأزمع. 84) عبد الله بن ربيعة. 85) عتريس بن عرقوب. 86) عمرو بن الحارث. 87) ثابت بن قطبة. 88) أبو عقرب الأسدي. 89) عبد الله بن زياد. 90) خارجة بن الصَّلْت. 91) سَحيم بن نوفل. 92) عبد الله بن مرداس. 93) الهيثم بن شهاب. 94) مروان أبو عثمان. 95) أبو حيان. 96) أبو يزيد. 97) عبيدة ابن ربيعة. 98) الأخنس. 99) أبو
ماجد الحنفي. 100) أبو الجعد. 101) سعد بن الأخرم. 102) ضرار الأسدي. 103) أبو كنف. 104) عم مهاجر بن شماس. 105) أبو ليلى الكندي. 106) الخشف بن مالك. 107) المنهال. 108) نُفَيع. 109) عدسة الطائي. 110) سليمان بن شهاب. 111) مؤثرة بن غفارة. 112) وألان. 113) عميرة بن زياد. 114) أبو الرضراض. 115) أبو زيد. 116) وائل بن مهاثة. 117) بلاز ابن عصمة. 118) وائل بن ربيعة. 119) الوليد بن عبد الله. 120) عبد الله بن حلام. 121) فلفلة الجعفي. 122) يزيد بن معاوية. 123) أرقم بن يعقوب. 124) حنظلة بن خويلد. 125) عبدالرحمن بن بشر. 126) البراء بن ناجية. 127) تمام بن حذلم. 128) حوط العبدي. 129) عمرو بن عتبة. 130) قيس بن عبد. 131) قيس بن حبتر. 132) العنبس بن عقبة. 133) لقيط بن قبيصة. 134) حصين بن عقبة. 135) شبرمة بن الطفيل. 136) عبد الرحمن بن خنيس. 137) عمير. 138) كردوس بن عباس. 139) سلمة ابن صهيبة. 140) عبدة النهدي. 141) أبو عبيدة بن عبد الله. 142) خثيمة بن عبد الرحمن. 143) سلمة ابن صهيب. 144) مالك بن عامر. 145) عبد الله بن سخبرة. 146) خلاس بن عمرو. 147) الربيع بن خيثم. 148) عتبة بن فرقد. 149) زياد بن جرير. 150) زيد بن صوحان.
ثالثاً: ترجمة مشاهير أصحابهما:
بعد ذكر مجموعة من أصحابهما، يحسن بنا أن نُسَلِّطَ الضوءَ على أبرز هؤلاء الأصحاب بذكر شيء من أحوالهم، يكون فيه تمام التصور لهذا الحلقة من حلقات مدرسة الكوفة:
1.علقمة بن قيس النخعي - رضي الله عنه -، أبو شبل الكوفي، وهو أبرز من نقل علم ابن مسعود - رضي الله عنه -، حتى شهد له ابن مسعود بذلك فقال - رضي الله عنه -: «لا أعلم شيئاً إلا وعلقمة يعلمه». وقال عثمان - رضي الله عنه -: ((علقمة أعلم بعبد الله)). وقال ابن المديني: «أعلم الناس بعبد الله علقمة والأسود وعبيدة والحارث». وقال داود بن أبي هند: «قلت للشعبي: أخبرني عن أصحاب عبد الله كأني أنظر إليهم. قال: كان علقمة أبطن القوم به، وكان مسروق قد خلط منه ومن غيره، وكان الربيع بن خيثم أشد القوم اجتهاداً، وكان عبيدة يوازي شريحاً في العلم والقضاء».
وقال ابن سعد (¬1): «عن إبراهيم عن علقمة، قال: كان عبد الله يشبه بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في هديه ودَله وسَمته، وكان علقمة يشبّه بعبد الله ... فعن أبي معمر قال: دخلنا على عمرو بن شرحبيل فقال: انطلقوا بنا إلى أشبه الناس هدياً وسمتاً بعبد الله فدخلنا على علقمة ... فعن إبراهيم: إن علقمة قرأ على عبد الله. فقال: رَتل. فداك أبي وأمي، فإنه زين القرآن». فهذه النصوص تفيدنا أن شيئاً من علم ابن مسعود - رضي الله عنه - لم يضيع؛ لحرص
¬
(¬1) في الطبقات الكبرى 3: 154، 6: 89.
أمثال علقمة - رضي الله عنه - على أخذ علمه المأخوذ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفقهه الذين بناه عليه.
بل إن سعة علم علقمة جعلته مقدماً على بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العلم، قال قابوس ابن أبي ظبيان قلت لأبي: «كيف تأتي علقمة وتدع أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - قال: يا بني، إن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا يسألونه».
ولم يكن علمه مقتصراً على ابن مسعود وعلي والصحابة الذين حلّوا في الكوفة - رضي الله عنهم - فقط، بل شمل غيرهم من كبار فقهاء الصحابة في البلاد الأخرى، فإن له رحلة إلى أبي الدرداء - رضي الله عنه - بالشام، وإلى عمر، وزيد، وعثمان بن عفان وعائشة - رضي الله عنهم - بالمدينة، وهو ممن جمع علوم الأمصار، توفي بالمدينة في سنة (62هـ) (¬1).
2.مسروق بن الأجدع الهمداني - رضي الله عنه -، معمّر مخضرم، أدرك الجاهلية، روى عن عمر، وعلي، وعبد الله، وخباب، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عمرو، وعائشة - رضي الله عنهم -، وله رحلات واسعة في العلم، حتى قال الشعبي عنه: «ما رأيت أحداً أطلب للعلم في أفق من الآفاق من مسروق».
¬
(¬1) ينظر: طبقات الحفاظ 1: 20، وتهذيب الكمال 20: 300 - 308. والتقريب ص337، وطبقات الشيرازي ص79، والطبقات الكبرى 6: 86، ومقدمة نصب الراية ص304 - 305، وغيرها.
وهذا الكلام ينقض ما توهمه بعضهم من أن الرحلة في طلب الحديث والعلم كان في عصر الشافعي وأحمد - رضي الله عنهم -، مما أوصلهم إلى تضعيف ردّ كثير من مسائل من سبقهما بحجة أن الحديث لم يصلهما؛ لتقصير في طلبه، وهذه فرية بلا مرية، سيأتي تفصيل ردها.
وكان عالماً عابداً خاشعاً متواضعاً زاهداً، فعن أبي إسحاق: «حج مسروق فما نام إلا ساجداً على وجهه». وعن مسروق قال: «كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بنفسه». وروي أن مسرق أخذ بيد ابن أخ له، فارتقى على كناسة بالكوفة، فقال: ألا أريكم الدنيا؟! هذه الدنيا: أكلوها فأفنوها، ولبسوها فأبلوها، وركبوها فأضنوها، سفكوا فيها دماءهم، واستحلوا فيها محارمهم، وقطعوا في أرحامهم».
وكان من أعلم الناس بالفقه والقضاء، قال الشعبي - رضي الله عنه -: «كان مسروق - رضي الله عنه - أعلم بالفتوى»، وقال مسروق: «لأن أقضي بقضية فأوافق الحق أو أصيب الحق أحب إلي من رباط سنة في سبيل الله».
ونختم الكلام في ترجمته بكلمة لطيفة منه تبيِّن أن ديننا دين اتباع لا ابتداع، وأن مدرسة الكوفة ما نالت ما عليه من المجد والرفعة إلا بهذا الاتباع لسنن مَن قبلهم، فهذا مسروق، وهو أحد أعلامها يقول عند موته: «اللهم لا أموت على أمر لم يسنّه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا أبو بكر ولا
عمر، والله ما تركت صفراء ولا بيضاء عند أحد من الناس غير سيفي هذا، فكفنوني به»، توفي سنة (63هـ) (¬1).
3.الحارث بن عبد الله الأعور الهَمْداني - رضي الله عنه -، ويسمّى راوية علي - رضي الله عنه -، كما كان يسمى سعيد ابن المسيب - رضي الله عنه - راوية عمر - رضي الله عنه -، وما ذلك إلا لحرصهما على تتبع لكل ما كان يصدر عن هذين الصحابيين من قول وفعل.
وكان يعد من أكابر علماء الكوفة، قال ابن سيرين - رضي الله عنه -: «أدركت الكوفة وهم يقدمون خمسة مَن بدأ بالحارث ثنى بعبيدة ومن بدأ بعبيدة ثنى بالحارث ثم علقمة الثالث ثم مسروق ثم شريح - رضي الله عنهم -»، توفي سنة (65هـ) (¬2).
4.عبيدة بن عمرو (¬3) المرادي السلماني، أبو مسلم - رضي الله عنه -، وهو من كبار فقهاء التابعين من أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود - رضي الله عنه - سمع عمر
¬
(¬1) ينظر: الإرشاد 2: 534، والطبقات الكبرى 6: 76 - 78، وتقريب التهذيب ص460، وطبقات الشيرازي ص80، وتسمية فقهاء الإمصار 1: 128، ومقدمة نصب الراية ص305، وابن مسعود ص290 - 292، وكشف الظنون 1: 430، وأبجد العلوم 2: 180، وغيرهم.
(¬2) ينظر: النجوم الزاهرة 1: 185، وتهذيب الكمال 5: 244 - 252، وطبقات الشيرازي ص81، والتقريب ص86، وغيرهم.
(¬3) وقال ابن قتيبة: هو عبيدة بن قيس، والأشهر الأول، كما في التدوين في تاريخ قزوين 1: 118 - 119.
وعلياً والزبير ابن العوام، قال ابن سيرين: «قدمت الكوفة وبها خمسة من العلماء: عبيدة وعلقمة ومسروق والحارث والضحاك».
وكان عالماً كبيراً بصيراً بمعرفة الفرائض، حتى أن مثل القاضي شريح المعروف بكمال اليقظة في الفقه، وأحكام القضاء، كان يسأله في الفرائض، قال أبو إسحاق - رضي الله عنه -: «كان يقال: ليس بالكوفة أعلم من عبيدة بالفريضة والحارث الأعور، وكان عبيدة يجلس في المسجد، فإذا ورد على شريح فريضة فيها حد رفعها إلى عبيدة، ففرض»، توفي سنة (72هـ) (¬1).
5.عمرو بن ميمون الأودي - رضي الله عنه -، من قدماء أصحاب معاذ بن جبل - رضي الله عنه -، معمِّر مخضرم، أدرك الجاهلية، روى عن عمر وعبد الله وسمع من معاذ باليمن في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وروى عن أبي مسعود الأنصاري، وعبد الله بن عمرو، وسلمان بن ربيعة، والربيع بن خيثم، وحجّ مئة عمرة وحجة، توفي سنة (74هـ) (¬2).
6.عبد الله بن حبيب السلمي الكوفي - رضي الله عنه -، مقرئ الكوفة الإمام العلم، عرض القرآن على عليّ - رضي الله عنه -، وهو عمدته في القراءة، وقد فرَّغ
¬
(¬1) ينظر: الإرشاد 2: 534 - 535، وطبقات الشيرازي ص80، والتدوين في تاريخ قزوين 1: 118 - 119، ومقدمة نصب الراية ص304، وابن مسعود ص288، وغيرها.
(¬2) ينظر: الطبقات الكبرى 6: 117، ومقدمة نصب الراية ص304، وغيرها.
نفسه لتعليم القرآن لأهل الكوفة بمسجدها، أربعين سنة، ومنه تلقى السبطان الشهيدان القراءة بأمر أبيهما، وعاصم تلقى قراءة عليٍّ - رضي الله عنه - عنه، وهي القراءة التي يرويها حفص عن عاصم، وقراءة عاصم بالطريقين في أقصى درجات التواتر في جميع الطبقات، وعرض السلمي أيضاً على عثمان - رضي الله عنه - وزيد بن ثابت - رضي الله عنه -.
قال أبو عمرو الداني: «أخذ القراء عرضاً عن عثمان وعلي وزيد وأبي وابن مسعود. أخذ عنه القرآن: عاصم بن أبي النجود، ويحيى بن وثاب، وعطاء بن السائب، وعبد الله بن عيسى، ومحمد بن أبي أيوب، والشعبي، وإسماعيل ابن أبي خالد، وعرض عليه الحسن والحسين رضي الله عنهما».
قال أبو إسحاق: «كان أبو عبد الرحمن السلمي يقرئ الناس في المسجد الأعظم أربعين سنة»، فهذه النصوص تفيدنا أن علم أهل الكوفة الذي ورثوه عن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن مقتصراً على الفقه والحديث والسلوك فحسب، بل شمل كيفية قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - للقرآن، فمن أهل الكوفة أبرز مَن عرف بالتلقي للقرآن، ومَن إليه المنتهى في قراءته، توفي سنة (74هـ) (¬1).
¬
(¬1) ينظر: سير أعلام النبلاء 4: 267 - 268، ومعرفة القراء الكبار 1: 52 - 53، ومقدمة نصب الراية ص304، وابن مسعود ص294 - 295، وغيرها.
7.الأسود بن يزيد بن قيس النخعي - رضي الله عنه -، مُعَمِّر مخضرم، روى عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وسلمان، وأبي موسى، وعائشة - رضي الله عنهم -، حج ثمانين، ما بين حجة وعمرة وهو ابن أخ علقمة، وكان خال إمام أهل العراق، إبراهيم النخعي، وهو من قالت فيه عائشة رضي الله عنها: «ما مات رجل بالعراق أكرم عليَّ من الأسود».
وكان مع علمه الوفير عابداً زاهداً، قال الذهبي - رضي الله عنه -: «ورد أنه كان يصلي في اليوم والليلة سبعمئة ركعة». عن علي بن مدرك: «إن علقمة كان يقول للأسود: لم تعذب هذا الجسد؟! فيقول: إنما أريد له الراحة»، توفي سنة (74هـ) (¬1).
8.شريح بن الحارث الكندي الكوفي، أبو أمية - رضي الله عنه -، مُعَمِّر مخضرم، وَلي قضاء الكوفة في عهد عمر وعثمان وعلي ومعاوية - رضي الله عنهم - ستين سنة إلى أيام الحجاج فاستعفى، وله مئة وعشرون سنة، فمات بعد سنة، وهو الذي يقول فيه عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -: «قم يا شريح! فأنت أقضى العرب».
¬
(¬1) ينظر: العبر 1: 86. والتقريب ص50، وطبقات الشيرازي ص79، ومقدمة نصب الراية ص305، وابن مسعود ص289 - 290، وغيرها.
فناهيك بقاضٍ يكون مَرْضيَّ القضاء في عهد الراشدين، وفي الدولة الأموية طول هذه المدة، وقد غَذَّى بأقضيته الدقيقة، فقه أهل الكوفة، ودربهم على الفقه العلمي.
فهذا أشهر قضاة الإسلام، المشهود لهم بالمكانة السامية الرفيعة، من أهل الكوفة، ومن ناشري الفقه في ربوعها؛ إذ أن مَن كان بهذه المنزلة تكون أقضيته مشهورة متداولة بين العامة والخاصة، قال ابن سيرين: «إن شيوخ أهل الكوفة أربعة: عبيدة السلماني، والحارث الأعور، وعلقمة بن قيس، وشريح وكان أحسنهم»، توفي سنة (80هـ) (¬1).
9.زر بن حُبَيْش بن حباشة الأسدي، أبو مريم - رضي الله عنه -، معمِّر مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، ولم ير النبي - صلى الله عليه وسلم -، مقرئ الكوفة مع السلمي، كان يؤم الناس في التراويح، وهو ابن مئة وعشرين سنة، وهو راوية قراءة ابن مسعود، ومنه أخذها عاصم. وكان زرٌّ - رضي الله عنه - من أعرب الناس، وكان ابن مسعود - رضي الله عنه - يسأله عن العربية، توفي سنة (83هـ) بوقعة دير الجماجم (¬2).
¬
(¬1) ينظر: طبقات الحفاظ 1: 27، وفيات الأعيان 2: 460 - 463، ومرآة الجنان 1: 158 - 159، والعبر 1: 89 وطبقات الشيرازي ص80 - 81، والأعلام 3: 236، ومقدمة نصب الراية ص305، وغيرهم.
(¬2) ينظر: سير أعلام النبلاء 1: 166، ومقدمة نصب الراية ص304، والأعلام 3: 75، وغيرها.
10.سويد بن غَفَلة المَذحِجي، أبو أمية الجُعْفي - رضي الله عنه -، مخضرم، من كبار التابعين، ولد عام الفيل، قدم المدينة يوم دفن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان مسلماً في حياته، ثم نزل الكوفة، وصحب أبا بكر - رضي الله عنه -، ومن بعده، توفي سنة (80هـ) (¬1).
11.عبد الرحمن بن أبي ليلى - رضي الله عنه -، أدرك مئة وعشرين من الصحابة - رضي الله عنهم - كما مرّ، وولي القضاء، قال الذهبي (¬2): «من أئمة التابعين وثقاتهم»، توفي سنة (83هـ) (¬3).
12.شقيق بن سلمة الأسدي أسد خزيمة الكوفي، أبو وائل - رضي الله عنه -، أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يره، وحدث عن عمر، وعثمان، وعلي، وعمار، ومعاذ، وابن مسعود، وأبي الدرداء، وأبي موسى، وحذيفة وعائشة، وخباب، وأسامة بن زيد، والأشعث بن قيس، وسلمان بن ربيعة، وسهل بن حنيف، وشيبة بن عثمان، وعمرو بن الحارث المصطلقي، وقيس بن أبي غرزة، وأبي هريرة، وأبي الهياج الأسدي - رضي الله عنهم -، وخلق سواهم. وقال أبو عبيدة: «أعلم أهل الكوفة بحديث ابن مسعود - رضي الله عنه -».
¬
(¬1) ينظر: تقريب التهذيب ص201، ومقدمة نصب الراية ص304، وغيره.
(¬2) في الميزان 4: 311.
(¬3) ينظر: ميزان الاعتدال 4: 311، ومقدمة نصب الراية ص305، وغيرها.
قال الأعمش: «قال لي إبراهيم النخعي: عليك بشقيق فإني أدركت الناس وهم متوافرون وإنهم ليعدونه من خيارهم»، ووصفه الذهبي: «بالإمام الكبير شيخ الكوفة، وكان من أئمة الدين»، توفي سنة (82هـ) (¬1).
13.عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي - رضي الله عنه -، كان من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة روى عن علي وابن مسعود - رضي الله عنهم - (¬2).
14.قيس بن أبي حازم الأحمسي البجلي الكوفي - رضي الله عنه -، وقد جاوز المئة، سمع أبا بكر وطائفة من البدريين، وكان من علماء الكوفة، توفي سنة (97هـ) (¬3).
فحاصل الكلام مما سبق أن هؤلاء التابعين الذين صحبوا صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الكوفة وغيرها كانوا شديدي الملازمة لهم، وحريصين على اقتفاء أثرهم وهديهم في كل أمرهم، فلم يفوتهم شيء من قولهم ولا فعلهم ولا سلوكهم إلا وحملوه ونقلوه إلى مَن بعدهم، وفي مقدمة هؤلاء الصحابة علي وابن مسعود - رضي الله عنهم -؛ لأنهم أشهر من توطّن الكوفة وعلم أهلها، ولم يقتصر علم هؤلاء التابعين على من حلَّ من الصحابة - رضي الله عنهم -
¬
(¬1) ينظر: طبقات الحفاظ 1: 28، وسير أعلام النبلاء 4: 161 - 163، وغيرها.
(¬2) ينظر: النجوم الزاهرة 1: 199، وغيرها.
(¬3) ينظر: العبر 1: 115، وغيرها.
بالكوفة، بل رحلوا إلى البلاد وجمعوا علم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها، وفي مقدمتها مكة والمدينة، فدين الله حفظ بهؤلاء الثقات الأثبات من الفقهاء فيما نقلوا، وفيما أفتوا، قال الإمام الكوثري (¬1): «وأكثر هؤلاء لقوا عمر وعائشة - رضي الله عنهم - أيضاً، وأخذوا عنهما، وهؤلاء كانوا يفتون بالكوفة، بمحضر الصحابة - رضي الله عنهم -، فجمعوا فقه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحديثهم».
وقال العلامة عبد الستار الشيخ (¬2): «وإن الناظر في صفات هؤلاء العظماء يجد فيها: التقوى والورع، والزهادة في الدنيا وإيثار الآخرة، والخوف من عذاب الله ورجاء عفوه وثوابه، والعلم الواسع والعمل العريض، والتمسك بهدي الصالحين، وحمل الناس على سلوك سبيل الراشدين».
وإن هذا لمما يتمِّم صورة عبد الله، ذلك أن التلاميذ صورة لمعلِّمهم، كما أن أخلاق الناس دليل على مضامين المبدأ الذي تربّوا عليه، وكأن ابن مسعود - رضي الله عنه - كان إناء من مسك يتضوّع منه رائحته العطرة متمثلاً بهؤلاء الأصحاب النجباء، فكنت ترى في كل ناحية منهم رأساً وسيداً، وفي كل صوب منهم معلِّماً ومرشداً، وفي كل جهة منهم رائداً وهادياً، فرضي الله عنهم وجمعنا بهم في مستقر رحمته».
¬
(¬1) في مقدمة نصب الراية ص305 - 306.
(¬2) في ابن مسعود ص298.
الطبقة الثالثة: أصحاب أصحابهما - رضي الله عنهم -:
فهذا الدين محفوظ بنص كتاب الله - جل جلاله -، وحفظته أئمة عدول في كلّ جيل من العلماء العاملين المنصفين، فقد تتلمذ على أصحاب علي وابن مسعود - رضي الله عنهم - خيرة القوم من أهل الكوفة الذين لا يحصون عدداً، ولا نملك في هذا المقام إلا الإشارة إليهم وذكر مشاهيرهم.
ومما يلفت الانتباه إلى كثرة العلماء في الكوفة في تلك الحقبة أن الذين خرجوا مع عبد الرحمن ابن محمد بن الأشعث على الحجاج الثقفي في دير الجماجم سنة (83هـ) من الفقهاء والقراء خاصة ممن أدرك صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال الإمام الجصَّاص (¬1): «وخرج عليه من القراء أربعة آلاف رجل، هم خيار التابعين، وفقهاؤهم، فقاتلوه مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث».
وهذا يوضح العدد الهائل من العلماء والفقهاء المخلصين والمجاهدين في الكوفة رعاية لدين الله - جل جلاله -، ودفعاً للظلم وأهله، قال الإمام الكوثري - رضي الله عنه - (¬2): «فإذا نظرت إلى علماء سائر الأمصار يعدُّ من أحسنهم حالاً من يهاجر أباه، ومن يقبل جوائز الحكام، ويساير أهل
¬
(¬1) في أحكام القرآن 1: 71.
(¬2) في مقدمة نصب الراية ص 306 - 307.
الحكم، وقَلَّ بينهم مَن يخطر له على بال مقاومة الظلم، وبذل كل مرتخص وغال في هذا السبيل، فبذلك أصبحت أحوال الكوفة في أمر الدِّين والخُلُق والفقه وعلم الكتاب والسنة واللغة العربية ماثلة أمام الباحث المنصف، فيحكم بما تمليه النَّصَفة في الموازنة بين علماء الأمصار.
وهذا مما يجعل للكوفة مركزاً لا يسامى على توالي القرون، ولولا ذلك لما كانت الكوفة معقل أهل الدين، يفرّ إليها المضطهدون، طول أيام الجور في عهد الأموية».
ومن مشاهير هذه الطبقة:
1. سعيد بن فيروز الطائي، أبو البختري - رضي الله عنه -، وكان من كبار فقهاء الكوفة، روى عن ابن عباس وطبقته. قال سلمة بن كهيل - رضي الله عنه -: «كان أبو البختري كثير الحديث يرسل حديثه». وقتل مع مَن قتل مع ابن الأشعث سنة (83هـ) (¬1).
2. إبراهيم بن يزيد التيمي (أبو أسماء) - رضي الله عنه -، الإمام القدوة الفقيه عابد الكوفة، حدث عن أبيه يزيد بن شريك التيمي، وكان أبوه يزيد من أئمة الكوفة أيضاً يروي عن عمر وأبي ذر والكبار، أخذ عنه أيضاً الحكم وإبراهيم النخعي، وحديثه في الدواوين الستة، توفي سنة (92هـ) (¬2).
¬
(¬1) ينظر: شذرات الذهب 1: 92، والطبقات الكبرى 6: 293، وغيرها.
(¬2) ينظر: سير أعلام النبلاء 5: 60، والتقريب ص35، وغيرها.
3. سعيد بن جبير بن هشام - رضي الله عنه -، جمع علم ابن عبّاس - رضي الله عنه - إلى علمه حتى أن ابن عباس - رضي الله عنه - كان يقول حينما رأى أهل الكوفة يأتونه ليستفتوه: أليس فيكم ابن أم الدهماء؟ يعني ابن جبير. يذكرهم ما خصه الله من العلم الواسع، بحيث يغني علمه أهل الكوفة، عن علم ابن عباس - رضي الله عنه -. فعن مؤذن بني وداعة - رضي الله عنه - قال: «دخلت على ابن عباس وهو متكئ على مرفقة من حرير وسعيد بن جبير عند رجليه وهو يقول له انظر كيف تحدث عني، فإنك قد حفظت عني حديثاً كثيراً»
ولم يقتصر علمه على أهل مكّة، وعلى رأسهم ابن عباس - رضي الله عنه -، بل شمل علم أهل المدينة، وفي مقدمتهم ابن عمر - رضي الله عنه -، فعن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - قال: «كنا إذا اختلفنا بالكوفة في شيء كتبته عندي حتى ألقى ابن عمر - رضي الله عنه - فأسأله عنه». وقال ابن المسيب: «سأل رجل ابن عمر - رضي الله عنه - عن فريضة قال: سل سعيد بن جبير - رضي الله عنه - فإنّه يعلم منها ما أعلم ولكنه أحسب منّي». فانظر عظم هذه الشهادة من ابن عمر - رضي الله عنه - لابن جبير - رضي الله عنه - تدرك ما عليه من العلم والمكانة السامية. ولذلك قال الإمام أحمد - رضي الله عنه -: «قتل الحجّاج سعيداً وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه».
وهذا العلم الذي جمعه لم يبخل به على غيره، بل كان يدرسه صباحاً ومساءً، قال أبو شهاب - رضي الله عنه -: «كان سعيد بن جبير - رضي الله عنه - يقص لنا كل يوم مرتين بعد صلاة الفجر وبعد العصر».
وكثرة دروسه وطلابه لم تشغله عن الانهماك في العبادة، حتى أنه - رضي الله عنه - كان يختم القرآن في كل ليلتين. توفي سنة (95هـ) (¬1).
4. ربعي بن حراش - رضي الله عنه -، أحد علماء الكوفة وعبادها، قيل: إنه لم يكذب قط وشهد خطبة عمر - رضي الله عنه - بالحديبية، وحلف أن لا يضحك حتى يعلم أفي الجنة هو أم في النار. توفي سنة (99هـ) (¬2).
5. سالم بن أبي الجعد الغطفاني - رضي الله عنه -، قال أبو نعيم: «وكان ثقة كثير الحديث». وقال منصور - رضي الله عنه -: «كان سالم إذا حدَّث حدَّث فأكثر، وكان إبراهيم إذا حدث جزم، فقلت لإبراهيم، فقال: إن سالماً كان يكتب». توفي سالم في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة (100، أو 101هـ) (¬3).
¬
(¬1) ينظر: الطبقات الكبرى 6: 257 - 259، والعبر 1: 112، والتقريب ص174، وطبقات الشيرازي ص82، والأعلام 3: 145، وغيرها.
(¬2) ينظر: العبر 1: 121، وشذرات الذهب 1: 121، وغيرها.
(¬3) ينظر: الطبقات الكبرى 6: 291، وغيرها.
6. عامر بن أبي موسى الأشعري (أبو بردة) - رضي الله عنه -، فقيه أهل الكوفة وقاضيها، قضى في الكوفة بعد شريح - رضي الله عنه -، وله مكارم ومآثر مشهورة، توفي سنة (103هـ) (¬1).
7. يحيى بن وثاب الأسدي الكوفي - رضي الله عنه -، القارئ العابد أحد الأعلام، روى عن ابن عباس، وابن عمر، وعن مسروق، وعبيدة السلماني، وزر، وأبي عبد الرحمن السلمي، وأبي عمرو الشيباني، وعلقمة، والأسود، وقرأ على بعضهم. قال الطبري - رضي الله عنه -: «كان مقرئ أهل الكوفة في زمانه»، توفي سنة (103هـ) (¬2).
8. عامر بن شراحيل الشعبي - رضي الله عنه -، وهو من مشاهير علماء هذه الأمة حتى أنه درس بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم -، فعن ابن سيرين - رضي الله عنه - قال: «قدمت الكوفة وللشعبي حلقة عظيمة وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ كثير»، بل شهد له كبار الصحابة بالعلم الوافر، فعن ابن عمر - رضي الله عنه - لما رآه يحدث بالمغازي: «لهو أحفظ لها منّي، وإن كنت قد شهدتها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -»، وقد استفتي وأفتى بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم -، قال ابن سيرين - رضي الله عنه - لأبي بكر الهذلي - رضي الله عنه -: «الزم الشعبي فلقد رأيته يستفتى وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالكوفة».
¬
(¬1) ينظر: طبقات الحفاظ 1: 43، وشذرات الذهب 1: 136، وغيرها.
(¬2) ينظر: معرفة القراء الكبار 1: 62 - 63، والتقريب ص527، وغيرها.
ونال من الدرجة العالية الرفيعة حتى شهد له العلماء بأنه أعلم أهل الأرض قاطبة، قال عاصم ابن سليمان: «ما رأيت أحداً كان أعلم بحديث أهل الكوفة والبصرة والحجاز والآفاق من الشعبي». وقال أبو حصين - رضي الله عنه -: «ما رأيت أعلم من الشعبي». وقال مكحول - رضي الله عنه -: «ما رأيت أعلم بسنة ماضية من عامر الشعبي - رضي الله عنه -». وقال الزهري - رضي الله عنه -: «العلماء أربعة: ابن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن بالبصرة، ومكحول بالشام».
ولم يكن علمه مقتصراً على معرفة المغازي والحديث بل شمل الفقه وغيره، قال أبو مجلز - رضي الله عنه -: «ما رأيت أحدا أفقه من الشعبي - رضي الله عنه -». ولد سنة (29هـ)، وتوفي سنة (104هـ) (¬1).
فلو لم يحل بالكوفة إلا مثل الشعبيّ - رضي الله عنه - لكفاها علماً وحديثاً وفقهاً، فلا يعقل مدينة يوجد فيها أعلم أهل الأرض بالحديث، ثم يقول المستغربون: إن الحديث لم يكن منتشراً فيها. وما هذا الكلام منهم إلا لأن الله - جل جلاله - طمس على قلوبهم {وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ} (¬2). وإلا فإن مَن ينظر إلى حال هؤلاء الأئمة وما قاموا به من واجب في
¬
(¬1) ينظر: حلية الأولياء 4: 310، ومرآة الجنان 1: 244، وفيات الأعيان 3: 12 - 16، وطبقات الشيرازي ص82، والتقريب ص230، والعبر 1: 127، والأعلام 4: 18، وغيرهم.
(¬2) التوبة: من الآية87.
التعلم والتعليم وحفظ دين الله - جل جلاله - لا يشك لحظة في نشرهم لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حلهم وإقامتهم.
9. سعد بن عبيدة السلمي الكوفي (أبو حمزة) - رضي الله عنه -، الإمام الثقة، من علماء الكوفة، وكان زوج ابنة أبي عبد الرحمن السلمي، حدث عن ابن عمر والبراء بن عازب والمستورد بن الأحنف، وحدث عنه: زبيد اليامي وإسماعيل السدي ومنصور والأعمش وفطر بن خليفة وحصين، وثقه النسائي وغيره، مات في الكهولة في حدود سنة بضع ومئة (¬1).
10. طلحة بن مصرف اليامي الهمداني الكوفي - رضي الله عنه -، كان يسمى سيد القراء، قال أبو معشر: «ما ترك بعده مثله». توفي سنة (112هـ) (¬2).
11. الحكم بن عتيبة الكندي الكوفي - رضي الله عنه -، الإمام الكبير عالم أهل الكوفة، حدث عن أبي جحيفة السوائي، وشريح القاضي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبي وائل شقيق بن سلمة، وإبراهيم النخعي، وسعيد ابن جبير - رضي الله عنهم - وغيرهم، وحدث عنه منصور والأعمش ومسعر بن كدام ومالك بن مغول والأوزاعي وحمزة الزيات وشعبة - رضي الله عنهم - وآخرون. قال أحمد بن حنبل
¬
(¬1) ينظر: الطبقات الكبرى 6: 298، وسير أعلام النبلاء 5: 9، والتقريب ص172، وغيرها.
(¬2) ينظر: شذرات الذهب 1: 145، وغيرها.
- رضي الله عنه -: هو من أقران إبراهيم النخعي - رضي الله عنه - ولدا في عام واحد، توفي سنة (113هـ) (¬1).
12. محارب بن دثار السدوسي الكوفي - رضي الله عنه -، الفقيه قاضي الكوفة، وكان ثقة حجة، حدث عن ابن عمر وجابر بن عبد الله وعبد الله بن يزيد الخطمي والأسود بن يزيد وجماعة. حدث عنه: زبيد اليامي ومسعر وشعبة والثوري وقيس بن الربيع وعدد كثير. قال سفيان: «ما يخيل إلي أنني رأيت أحداً أفضله على محارب بن دثار». وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين. قال إدريس: «رأيت الحكم وحماد بن أبي سليمان في مجلس حكم محارب بن دثار أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله». توفي سنة (116هـ) (¬2).
13. القاسم بن عبد الرحمن بن الصحابي عبد الله بن مسعود الهذلي (أبو عبد الرحمن الكوفي) - رضي الله عنه -، الإمام المجتهد قاضي الكوفة، وحدث عن أبيه وعبد الله بن عمر وجابر بن سمرة ومسروق وطائفة، روى عنه: الأعمش ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى والمسعودي ومسعر بن كدام وآخرون، وثقه يحيى ابن معين وغيره، وقال محارب بن دثار: ((صحبناه
¬
(¬1) ينظر: طبقات الحفاظ 1: 51، وسير أعلام النبلاء 5: 208، والتقريب ص115، وغيرها.
(¬2) ينظر: سير أعلام النبلاء 5: 217 - 218، والتقريب ص454، وغيرها.
إلى بيت المقدس ففضلنا بكثرة الصلاة وطول الصمت والسخاء». قال ابن عيينة: قلت لمسعر: من أشد من رأيت توقياً للحديث؟ قال: القاسم بن عبد الرحمن». توفي سنة (116هـ) (¬1).
14. إبراهيم بن يزيد بن الأسود النَّخَعيّ - رضي الله عنه -، فقيه أهل الكوفة ومفتيها هو والشعبي في زمانهما، جمع أشتات علوم هاتين الطبقتين، بعد أن تفقه على علقمة - رضي الله عنه -، قال أبو نعيم: «أدرك إبراهيم أبا سعيد الخدري، وعائشة - رضي الله عنهم -، ومَن بعدهما، من الصحابة - رضي الله عنهم -». وقال الشعبي - رضي الله عنه - حين بلغه موته: «نعي العلم ما خلف بعده مثله، فإنه نشأ في أهل بيت فقه فأخذ فقههم، ثم جالسنا فأخذ صفو حديثنا إلى فقه أهل بيته فمن كان مثله».
وأهل النقد يعدون مراسيل النخعي صحاحاً، بل يفضلون مراسيله على مسانيد نفسه كما نصّ على ذلك ابن عبد البر في «التمهيد»، ويقول الأعمش: «ما عرضت على إبراهيم حديثاً قط إلا وجدت عنده منه شيئاً»، وقال الأعمش أيضاً: «كان إبراهيم صيرفي الحديث، فكنت إذا سمعت الحديث من بعض أصحابنا عرضته عليه». وقال إسماعيل بن أبي خالد: «كان الشعبي، وأبو الضحى، وإبراهيم، وأصحابنا يجتمعون في المسجد، فيتذاكرون الحديث، فإذا جاءتهم فتْيا، ليس عندهم
¬
(¬1) ينظر: سير أعلام النبلاء 5: 195 - 196، وغيرها.
منها شيء، رموا بأبصارهم إلى إبراهيم النخعي». وقال ابن جبير: «تستفتوني، وفيكم إبراهيم النخعي».
وقال الأعمش - رضي الله عنه -: «ما رأيت إبراهيم يقول برأيه في شيء قط». فعلى هذا يكون كلّ ما يروى عنه من الأقوال في أبواب الفقه في «آثار أبي يوسف»، و «آثار محمد بن الحسن»، و «المصنف» لابن أبي شيبة، وغيرها أثراً من الآثار.
والحق أنه كان يروي ويرى، فإذا روى فهو الحجّة، وإذا رأى واجتهد، فهو البحر الذي لا تعكره الدّلاء؛ لتوفر أسباب الاجتهاد عنده بأكملها، بل هو القائل: «لا يستقيم رأي إلا برواية، ولا رواية إلا برأي»، وهي الطريقة المثلى في الأخذ بالحديث والرأي.
وعن الحسن بن عبيد الله النَّخعيّ، قال: قلت لإبراهيم - رضي الله عنه -: «أكلّ ما أسمعك تفتي به سمعته؟ فقال لي: لا. قلت: تفتي بما لم تسمع؟! فقال: سمعت الذي سمعت، وجاءني ما لم أسمع، فقسته بالذي سمعت»، وهذا هو الفقه حقاً.
وهو مع حفظه الواسع في الحديث فإنه كان يعدُّ من كبار الفقهاء على الإطلاق، وهو فقيه طبقته في الكوفة، فقد تفقه كما سبق على علقمة - رضي الله عنه -، وتخرج من بين يديه حماد بن أبي سليمان، وهؤلاء هم سلسلة التفقيه الذهبية في مدرسة الكوفة الفقهية، قال عبد الرحمن بن زيد: «لما ماتت
العبادلة عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهم - صار الفقه في جميع البلاد إلى الموالي، فقيه مكة: عطاء، وفقيه اليمن: طاووس، وفقيه اليمامة: يحيى بن أبي كثير، وفقيه البصرة: الحسن، وفقيه الكوفة: إبراهيم النخعي، وفقيه الشام: مكحول، وفقيه خراسان: عطاء الخراساني إلا المدينة فإن الله - جل جلاله - مَنّ عليها بقرشي فقيه غير مدافع سعيد بن المسيب - رضي الله عنه -».
وهذا الفقه الذي حواه هو وكبار شيوخ عصره تعاهدوا به المتفقهة في الليل والنهار؛ ليخرجوا حفظة لهذا الدين العظيم، فكان ممن أخذ العلم عنه وعن الشعبي - رضي الله عنهم -: الحارث بن أبي يزيد العكلي والمغيرة بن مقسم الضبي وزياد بن كليب والقعقاع بن حكيم والأعمش ومنصور بن أبي المعتمر، قال فضيل: كنا نجلس أنا وابن شبرمة والحارث العكلي والمغيرة والقعقاع بن يزيد بالليل نتذاكر الفقه فربما لم نقم حتى نسمع النداء لصلاة الفجر (¬1). توفي سنة (95هـ) (¬2).
وهاهو إبراهيم النخعي - رضي الله عنه - من كبار محدثي هذه الأمة، وهو أحد أعلام مدرسة الكوفة الفقهية، بل هو سند هذه المدرسة في كثير من
¬
(¬1) ينظر: طبقات الشيرازي ص85، وغيرها.
(¬2) ينظر: طبقات الحفاظ 1: 36، وحلية الأولياء 4: 222 - 225، وطبقات الفقهاء 1: 40، 83، شذرات الذهب 1: 103، والوفيات 1: 25، والتقريب ص35، والأعلام 1: 76، ومقدمة نصب الراية ص307 - 308.
مسائلهم وفروعهم، وهذا برهان آخر على فساد نظرية المعاصرين من اعتماد مدرسة الكوفة على الرأي؛ لقلة الحديث فيها، وهذا بيِّن البطلان، فكيف يكون فقه ورأي بلا حديث؟ وها هم أعلام فقهاء هذه المدرسة يعدّون من حفاظ الحديث.
الطبقة الرابعة: طبقة شيوخ الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -:
إن هذه الطبقات متداخلة جداً، وليس المقصود من التقسيم أن الطبقة السابقة لم يلتق بأصحابها الإمامُ أبو حنيفة - رضي الله عنه - ولم يأخذ منهم؛ لأنه تتلمذ على شيوخها كما هو ثابت، وإنما المراد التقسيم الزمني إجمالاً تقريباً للطالبين وتسهيلاً للقارئين في الوقوف على علماء وفقهاء مدرسة الكوفة الفقهية الذين نقلوا هذا الدين جيلاً عن جيل بحدِّ متواتر في المشاهير من الأئمة.
فهذه الطبقة لا تقل عدداً ولا علماً عمَّن سبقها، ففيها شيوخ لازمهم الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه - ملازمة تامّة كحماد بن أبي سليمان - رضي الله عنه - وغيره، وسنعرض فيها أيضاً لكبار علماء هذه الطبقة، ومنهم:
1. الحكم بن عيينة - رضي الله عنه -، قال يحيى بن أبي كثير - رضي الله عنه -: «لا أحد أفقه منه». توفي سنة (115هـ) (¬1).
2. حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار الأسدي القرشي (أبو يحيى الكوفي) - رضي الله عنه -، الإمام الحافظ فقيه الكوفة ومفتيها مع حماد، وهو أكبر منه.
روى عن: أنس بن مالك وحكيم بن حزام وزيد بن أرقم وابن عباس وابن عمر وغيرهم - رضي الله عنهم -، وروى عنه: حمزة بن حبيب الزيات والأعمش والثوري - رضي الله عنهم -.
قال أبو بكر بن عياش: «كان بالكوفة ثلاثة ليس لهم رابع: حبيب، والحكم، وحماد أصحاب الفتيا، ولم يكن أحد بالكوفة إلا يذل لحبيب».
قال ابن المديني: «له نحو مئتي حديث». وقال العجلي: «كوفي تابعي ثقة مفتي الكوفة، قبل حماد ابن أبي سليمان - رضي الله عنه -». توفي سنة (119هـ) (¬2).
3. علقمة بن مرثد الحضرمي الكوفي (أبو الحارث) - رضي الله عنه -، الإمام الفقيه الحجة، حدث عن أبي عبد الرحمن السلمي، وطارق بن شهاب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وسعد بن عبيدة، وأمثالهم، حدث عنه: غيلان بن
¬
(¬1) ينظر: طبقات الشيرازي ص83، وغيرها.
(¬2) ينظر: سير أعلام النبلاء 5: 289، وطبقات الحفاظ 1: 51. والعبر 1: 150، وشذرات الذهب 1: 156، وطبقات الشيرازي ص84، وغيرها.
جامع، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وشعبة، وسفيان الثوري، ومسعر بن كدام، والمسعودي، وآخرون. قال الإمام أحمد - رضي الله عنه -: «هو ثبت في الحديث». توفي سنة (120هـ) (¬1).
4. عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، أبو إسحاق - رضي الله عنه -، شيخ الكوفة وعالمها ومحدّثها، رأى علياً، وغزا الروم زمن معاوية، وروى عن عدي بن حاتم، وابن عباس، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وعبد الله ابن عمرو بن العاص، وأبي جحيفة السوائي، وسليمان بن صرد، وعمارة بن رويبة الثقفي، وعبد الله ابن يزيد الأنصاري، وعمرو بن الحارث الخزاعي، وغيرهم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال ابن ناصر الدين: «كان أحد أئمة الإسلام، والحفاظ المكثرين». وقال الذهبي: «وكان - رضي الله عنه - من العلماء العاملين ومن أجلة التابعين». توفي سنة (127هـ) (¬2).
5. عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي الكوفي (أبو حصين) - رضي الله عنه -، الإمام الحافظ. قال عبد الرحمن ابن مهدي - رضي الله عنه -: «لا ترى حافظاً يختلف على أبي حصين». وقال: «لم يكن بالكوفة أثبت من أربعة، فبدأ بمنصور وأبو حصين وسلمة بن كهيل وعمرو بن مرة قال: وكان منصور أثبت أهل
¬
(¬1) ينظر: سير أعلام النبلاء 5: 205، وغيرها.
(¬2) ينظر: سير أعلام النبلاء 5: 393، وشذرات الذهب 1: 174، وغيرها.
الكوفة». وقال العجلي - رضي الله عنه -: «أبو حصين كان شيخاً عالياً، وكان صاحب سنة». توفي سنة (127هـ) (¬1).
6. معبد بن خالد الجدلي الكوفي (أبو القاسم) - رضي الله عنه -، العابد قاضي الكوفة، وأحد الأثبات حدث عن جابر ابن سمرة، والمستورد بن شداد، وحارثة بن وهب، ومسروق، وعبد الله بن شداد، وجماعة. روى عنه: مسعر، وحجاج بن أرطاة، وشعبة، والثوري، وغيرهم. وثقه غير واحد. توفي سنة (128هـ) (¬2).
7. جامع بن شداد المحاربي (أبو صخرة) - رضي الله عنه -، الإمام الحجة، أحد علماء الكوفة، حدث عن صفوان بن محرز، وحمران بن أبان، وأبي بردة بن أبي موسى، وجماعة، حدث عنه: الأعمش ومسعر، وشعبة، وسفيان، وشريك، وآخرون، وثَّقه أبو حاتم وغيره، وهو من أقران الأعمش، توفِّي سنة (128هـ) (¬3).
8. منصور بن المعتمر السلمي (أبو عتاب الكوفي) - رضي الله عنه -، أحد الأعلام، روى عن ربعي بن حراش، والحسن، والشعبي، والزهري، وسعيد بن جبير،
¬
(¬1) ينظر: تهذيب الكمال 19: 403 - 407، وتاريخ دمشق 38 - : 405، وسير أعلام النبلاء 5: 412 - 413، وغيرها.
(¬2) ينظر: سير أعلام النبلاء 5: 205، وغيرها.
(¬3) ينظر: المصدر السابق 5: 205 - 206، وغيرها.
ومجاهد، وخلق. وروى عنه أبو حنيفة، والأعمش، وأيوب، وإسرائيل، وحماد بن زيد، وشعبة، وخلق.
كان أحفظ أهل الكوفة، صام أربعين سنة وقامها، وعمي من البكاء. قال ابن مهدي: «لم يكن بالكوفة أحفظ منه». وقال ابن معين: «من أثبت الناس». وقال العجلي: «كان أثبت أهل الكوفة، وكأن حديثه القدح لا يختلف فيه أحد، رجل صالح متعبد أكره على القضاء بالكوفة فقضى عليها شهرين».
قال عبد الرحمن بن مهدي - رضي الله عنه -: «حفاظ الكوفة أربعة: عمرو بن مرة، ومنصور، وسلمة بن كهيل، وأبو حصين - رضي الله عنهم -». وروى من الحديث أقل من ألفين، توفي سنة (132هـ) (¬1).
9. عبد الملك بن عمير القرشي (أبو عمرو الكوفي) - رضي الله عنه -، ويعرف بالقبطي، الحافظ، رأى علياً وأبا موسى الأشعري - رضي الله عنهم -، وحدث عن جندب البجلي، وجابر بن سمرة، وجبر بن عتيك وعمرو بن حريث، وعطية القرظي، والنعمان بن بشير، وأم عطية، وربعي بن حراش، وغيرهم، وعمَّر دهراً طويلاً وصار مسند أهل الكوفة، قال النسائي - رضي الله عنه - وغيره:
¬
(¬1) ينظر: طبقات الحفاظ 1: 66، وسير أعلام النبلاء 5: 402 - 412، وشذرات الذهب 1: 189، وغيرها.
«ليس به بأس». وقال أبو حاتم - رضي الله عنه -: «صالح الحديث». توفي سنة (136هـ) (¬1).
10. عطاء بن السائب الثقفي الكوفي، أبو السائب - رضي الله عنه -، الإمام الحافظ، محدث الكوفة، حدث عن عبد الله بن أبي أوفى، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبي وائل، ومرة الطيب، وعمرو بن ميمون الأودي، ومجاهد، وأبي البختري الطائي، وذر بن عبد الله، وأبي عبد الرحمن السلمي، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن بريدة، وعكرمة، والحسن، وأبي ظبيان، وسالم البراد، وخلق كثير، وكان من كبار العلماء، لكنه ساء حفظه قليلاً في أواخر عمره، توفي سنة (136هـ) (¬2).
11. الأجلح بن عبد الله الكندي (أبو جحيفة) - رضي الله عنه -، من مشاهير محدثي الكوفة، روى عن الشعبي وطبقته. توفي سنة (145هـ) (¬3).
12. عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي الكوفي (أبو محمد) - رضي الله عنه -، الامام الحافظ، حدث عن أنس بن مالك، وسعيد بن جبير، وعطاء، وأنس بن سيرين، وأبي الزبير، وغيرهم، قال عبد الرحمن بن مهدي: «كان شعبة يعجب من حفظ عبد الملك». وقال سفيان: «حفاظ الناس إسماعيل بن
¬
(¬1) ينظر: سير أعلام النبلاء 5: 438 - 439، ومشاهير علماء الأمصار 1: 110، وغيرها.
(¬2) ينظر: التقريب ص331، وسير أعلام النبلاء 6: 110، وغيرها.
(¬3) ينظر: شذرات الذهب 1: 216، العبر 1: 203، وغيرها.
أبي خالد، وعبد الملك بن أبي سليمان، ويحيى بن سعيد الانصاري». توفي سنة (145هـ) (¬1).
13. إسماعيل بن أبي خالد البَجَليّ الأَحْمَسيّ الكوفي (أبو عبد الله) - رضي الله عنه -، الحافظ الإمام الكبير، كان محدث الكوفة في زمانه مع الأعمش، بل هو أسند من الأعمش، حدث عن عبد الله بن أبي أوفى، وأبي جحيفة، وعمرو بن حريث المخزومي، وغيرهم - رضي الله عنهم -. وقال سفيان - رضي الله عنه -: «إسماعيل أعلم الناس بالشعبي وأثبتهم فيه». وقال أبو حاتم: «لا أقدم عليه أحداً من أصحاب الشعبي». وقال مروان بن معاوية - رضي الله عنه -: «كان إسماعيل يسمى الميزان». وقال الشعبي - رضي الله عنه -: «ابن أبي خالد يزدرد العلم ازدراداً». وقال يحيى بن معين: «ثقة». وكذا وثقه ابن مهدي وجماعة، قال يعقوب بن شيبة - رضي الله عنه -: «ثقة ثبت». توفي سنة (146هـ) (¬2).
14. سليمان بن مهران الأعمش الأسدي الكاهلي الكوفي (أبو محمد) - رضي الله عنه -، رأى أنس بن مالك - رضي الله عنه - وكلَّمه وأبا بكرة، أحد الأعلام، وهو من كبار علماء الكوفة يقارن بالزهري في الحجاز.
¬
(¬1) ينظر: سير أعلام النبلاء6: 108 - 109، وغيرها.
(¬2) ينظر: سير أعلام النبلاء 6: 176 - 177، والتقريب ص46، وغيرها.
روى عن عبد الله بن أبي أوفى، وزيد بن وهب، وأبي وائل، وزر بن حبيش، ومجاهد وخلق. وروى عنه أبو حنيفة، وأبو إسحاق السبيعي، وشعبة، والسفيانان، وخلائق.
وكان - رضي الله عنه - من أبرز علماء أمة سيدنا محمَّد الذين حفظ الله - جل جلاله - بهم دينه، قال ابن المديني - رضي الله عنه -: «حفظ العلم على أمة محمد بالكوفة أبو إسحاق السبيعي، والأعمش - رضي الله عنهم -». وكان من العدول الأثبات المحدثين الحفاظ، قال العجلي - رضي الله عنه -: «كان ثقةً ثبتاً في الحديث، وكان محدث أهل الكوفة في زمانه». و قال الذهبي - رضي الله عنه -: «كان محدِّث الكوفة وعالمها».
ومن يطالع كتب الصحاح والسنن يجد أن كثيراً من الأحاديث فيها مروية من طريقه، قال ابن المديني - رضي الله عنه -: «للأعمش نحو ألف وثلاثمئة حديث».
وشمل علمه علوماً مختلفة حتى وصفه يحيى القطان - رضي الله عنه -: «بأنه علامة الإسلام». ومن تلك العلوم القراءة والفرائض والحديث، قال ابن عيينة - رضي الله عنه -: «كان أقرأهم لكتاب الله، وأعلمهم بالفرائض، وأحفظهم للحديث».
وعلمه الواسع، وملازمته للكبار زادته ورعاً وتقوى وعبادة، قال الخريبي - رضي الله عنه -: «ما خلف أعبد منه». وقال وكيع - رضي الله عنه -: «كان الأعمش قريباً من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى».
ولد سنة (61هـ)، وتوفي سنة (148هـ) (¬1).
فهذه البقعة الطيبة المباركة تعاهدها الله - جل جلاله - بأمثال هذا النبراس، من حفظة دينه، وحفاظ أمّة نبيّه محمد - صلى الله عليه وسلم -، فها هو الزهري عالم الحجاز يوازيه عالم من أهل الكوفة في الحديث وحفظه، وبذلك يتبيَّن ضعف النظرية العصرية التي تقول: انتشر الحديث في الحجاز بخلاف الكوفة؛ لأن من الثابت تاريخياً - كما بين أيدينا - أن الكوفة جمعت من الحفاظ والمحدثين كما في بلاد الحجاز إن لم تزد عليها، وهل يكون انتشار الحديث إلا بكثرة المحدثين والحفاظ، وهذا يوضح أن أمثال هذه النظرية مجرد خيال وأوهام، ليس لها في الواقع وجود.
15. حماد بن أبي سليمان الأشعري شيخ أبي حنيفة وصاحب إبراهيم النخعي - رضي الله عنهم -، سمع أنس بن مالك وسعيد بن المسيب - رضي الله عنهم - وطائفة، قال الذهبي: «فقيه الكوفة، كان سَرِيّاً محتشماً، يفطّر كلَّ ليلة في رمضان خمسمئة إنسان».
وقيل لإبراهيم - رضي الله عنه -: مَن لنا بعدك؟ قال: حماد - رضي الله عنه -. وهذه الكلمة صدرت من هذا الإمام الجليل - رضي الله عنه - لشدّة ملازمة حماد - رضي الله عنه - له، وأخذه كلَّ علمه - رضي الله عنه -، قال أبو الشيخ: «وجه إبراهيم النَّخَعيّ حماداً يوماً يشتري له لحماً بدرهم، في زنبيل، فلقيه أبوه راكباً دابة، وبيد حماد الزنبيل، فزجره،
¬
(¬1) ينظر: العبر 1: 209، وطبقات الحفاظ 1: 74، والإرشاد 2: 561، وغيرها.
ورمى به من يده، فلما مات إبراهيم جاء أصحاب الحديث، والخراسانية يدقون على باب مسلم بن يزيد - والد حماد - فخرج إليهم في الليل بالشمع، فقالوا: لسنا نريدك، نريد ابنك حماداً. فدخل إليه، فقال: يا بني، قم إلى هؤلاء، فقد علمت أن الزنبيل أدى بك إلى هؤلاء» (¬1). فهكذا كانت ملازمة بعضهم لبعض، وخدمة بعضهم لبعض، أوان الطلب، وبهذا نالوا بركة العلم.
وهذه الملازمةُ الصادقةُ رفعت درجته، وخصَّته بجمع فقه الإمام النخعي - رضي الله عنه -، وقال العجلي - رضي الله عنه -: «كان أفقه أصحاب إبراهيم - رضي الله عنه -». وصارت تغبط الكوفة لكون حماد فيها، قال شعبة - رضي الله عنه -: سمعت الحكم - رضي الله عنه - يقول: «ومَن فيهم مثل حماد - رضي الله عنه - يعني أهل الكوفة».
فبلغ من الفقه والنبوغ ما فاق به أقرانه وشيوخه كالشعبي - رضي الله عنه -. قال أبو إسحاق الشيباني - رضي الله عنه -: «حماد بن أبي سليمان أفقه من الشعبي، ما رأيت أفقه من حماد».
واعتزازه بفقه الكوفة الذي تلقاه عن شيوخها، وثقته العالية به، وانتشاره في ربوعها، وتمرّس الطلبة بالفقه، وتمكنهم منه؛ لأخذهم من الفقهاء أمثال حماد - رضي الله عنه -، جعله - رضي الله عنه - يقول كما روي عن مغيرة - رضي الله عنه - قال: «حجّ حماد بن أبي سليمان فلما قدم أتيناه فقال: أبشروا يا أهل الكوفة
¬
(¬1) مقدمة نصب الراية ص309 عن تاريخ أصبهان.
رأيت عطاءً وطاوساً ومجاهداً فصبيانكم، بل صبيان صبيانكم أفقه منهم» (¬1).
قال الإمام الكوثري - رضي الله عنه - (¬2): «إنما قال هذا تحديثاً بالنعمة، ورداً على بعض شيوخ الرواية، ممن لم يؤت نصيباً من الفقه، حيث كان يفتي في مسجد الكوفة، غلطاً، ويقول: لعل هناك صبياناً يخالفوننا في هذه الفتاوى، وماذا يفيد تقدم السنّ في الرواية لمن حرم الدراية؟ ويريد بالصبيان الذين لم تتقادم أسنانهم من أهل العلم كحماد وأصحابه - رضي الله عنهم -، فحمّاد - رضي الله عنه - يفوق هؤلاء في الفقه، وكذلك خاصّة أصحابه، وإن كنت في ريب من ذلك فقارن بين ما توارث من هؤلاء وهؤلاء في الفقه، ثم احكم بما شئت، وليس الكلام في الرواية المجرّدة».
وكانت الرئاسة في الفقه لحماد - رضي الله عنه - بعد إبراهيم - رضي الله عنه - قال محمد بن سليمان الأصبهاني: «لما مات إبراهيم اجتمع خمسة من أهل الكوفة، فيهم عمر بن قيس الماصر، وأبو حنيفة، فجمعوا أربعين ألف درهم، وجاؤوا إلى الحكم بن عتيبة - رضي الله عنه -، فقالوا: إنا قد جمعنا أربعين ألف درهم، نأتيك
¬
(¬1) في الكامل 2: 236، والميزان 2: 366، وضعفاء العقيلي 1: 302، وسير أعلام النبلاء 5: 234، وغيرها.
(¬2) في مقدمة نصب الراية ص309 - 310.
بها، وتكون رئيسنا، فأبى عليهم الحكَم، فأتوا حماد بن أبي سليمان، فقالوا، فأجابهم» (¬1).
ووثَّقه في الحديث كبار النقاد، فقال شعبة - رضي الله عنه -: «كان صدوق اللسان». وقال النسائي - رضي الله عنه -: «ثقة». رغم عدم متابعته للرواة في جمع طرق الحديث وحفظها؛ لأن هذه من الصنعة الحديثية التي لا تهمّ الفقيه، ولا تنفعه، والاشتغال بها له مضيعة للوقت والجهد بخلاف الراوي. توفي سنة (120هـ) (¬2).
الطبقة الخامسة: طبقة أقران الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -:
وفي هذه الطبقة نعرض لمشاهير الفقهاء والعلماء من أقران الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - ممن أفتوا ودرسوا وقضوا في عهد إمامته في الفقه، مما يظهر أن الفقه في عصر الإمام كان منتشراً وشائعاً في تلك البلدة الطيبة، والعلماء فيها متنافسون فيه، وهذا يؤدي إلى تحقيق مسائله، وتدقيق أصوله، وتمحيص قواعده؛ لأن المفتي سيتكلم في بلاد علم وفقه، فعليه
¬
(¬1) في ضعفاء العقيلي 1: 304.
(¬2) ينظر: سير أعلام النبلاء 5: 234، وشذرات الذهب 1: 157، وتهذيب الكمال 7: 269 - 279، والعبر 1: 151، وطبقات الشيرازي ص84، والتقريب ص118. قال الذهبي في الميزان 2: 365: ولولا ذكر ابن عدي له في كامله لما أوردته، وقال ابن معين وغيره: ثقة.