الإسعاف في ........
... أحكام الأوقاف
جارٍ تحميل الكتاب…
الإسعاف في ........
... أحكام الأوقاف
الإسعاف
في أحكام الأوقاف
لبرهان الدين إبراهيم بن موسى الطرابلسي الحنفي
ولد سنة (853) وتوفي سنة (922) هـ
دراسة وتحقيق
الأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
كُلِّفتُ بتدريس مادة الوقف في الفقه الإسلامي للدراسات العليا، فرأيت أن يطّلع الطلبة على أبدع وأفضل كتاب عند علمائنا السابقين في الوقف، وهو «الإسعاف» للطرابلسي؛ لجمعه بين كتابي: الخصَّاف وهلال في الوقف، وهما العمدة في هذا الباب.
فيكونوا بذلك درسوا الوقف من أعظم مصادره، وأكثرها اعتماداً عند الفقهاء، وتعرَّفوا على قواعده وأُسسه ومبادئه من كتبه الأصيلة.
ولمّا كان كتاب: «الإسعاف» نادر الوجود، ولم أقف له إلا على طبعة قبل أكثر من (100) سنة حيث طبع في سنة (1902 م) في مصر، وتعدُّ مثل هذه الطبعة كالمخطوطات في قيمتها، فإني حصلت على نسختين مخطوطتين آخرتين، فصحّحت الكتاب على هذه النسخ الثلاث، ووضعت له علامات
الترقيم المناسبة، وفقّرت مسائله، وخرَّجت أحاديثه، ووثّقت نصوصه، وعلّقت عليه على عجالة.
وقدَّمت بين يديه بدراسة عن الكتاب والمؤلّف، فترجمتُ للطَّرابلسي، وحقَّقت صحّة نسبة الكتاب له وحرَّرت اسم الكتاب.
ووجدتُ من المناسب أُقدِّم بين يدي الكتاب بدراسةٍ شاملةٍ مختصرةٍ عن الوقف وأحكامه؛ لأنَّ الكتاب يُفصِّل ويُفرِّع كثيراً جدّاً، وهذا لا يتسّير فهمُه لمن لم يدرس الوقف قبلها وحصل لدية صورةً كليّة عن الوقف.
فصرفت همتي إلى جمع أهم ما ذُكر في الوقف في متون المذهب: كالقُدُوريّ، وضممت له اختصاراً فعلته للكتاب الماتع النافع: «أحكام الوقف» لفضيلة الشيخ مصطفى الزّرقا.
وأضفتُ بعدها كلاماً في استثمار الوقف اختصرته من بحث للدكتور محمد الزحيلي، حتى يجمع الطالب تصور الوقف وكيفية الاستفادة منه والإطلاع على قواعد ومسائله من كتبه المعتمدة.
ويعتبر الوقف من أهم طرق معالجة المشكلة الاقتصادية، وإيجاد الموارد المالية الكافية لنفقات الدَّولة من صحّة وتعليم وغيرها، وهذا ما فَعَلَته الدول الإسلامية المتعاقبة، فكانت الأوقاف مشهورة فيها، وعليها الاعتماد في توفير النفقات في العديد للدولة.
وهذا ما تنبّه له الغرب في التخفيف من أعباء النفقات العامة، فإنَّ إحصائيات القطاع الخيري سنة 198 م بالولايات المتحدة الأمريكية، والتي تساهم في مجموع نفقات الدولة بما يعادل: 56% من مجموع النفقات الصحية، و 26% من مجموع النفقات التعليمية، و 12% من مجموع الخدمات الاجتماعية، و 12% من مجموع الخدمات المدنية، ومن هذا المنطق فإنَّ المجتمعات الغربية تعير اهتماماً بالقطاع الخيري (¬1).
وأسال الله أن يتقبل هذا العمل ويجعله خالصاً لوجهه، ويرزقنا الصدق في القول والعمل، وأن يغفر لي ولوالدي وأجدادي وشيوخي وأزواجي وللمسلمين والمسلمات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
الأحد 23/ 2/2015 م عمان /صويلح
¬
(¬1) ينظر: فقه استثمار الوقف في الإسلام ص 7.
الفصل الأول
دراسة عن الوقف واستثماره
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: دراسة فقهية عن الوقف.
المبحث الثاني: دراسة عن الاستثمار للوقف.
المبحث الأول
دراسة فقهية عن الوقف
المطلب الأول
تعريف الوقف ومشّروعيته
أولاً: تعريفه:
لغةً: وقفَهُ: حبسهِ، وقَفَ دارَه أو أرضه على ولدهِ؛ لأنَّه حَبْسُ المِلْك عليه. وقيل للموقوف: وَقْفٌ تسميةً بالمصدر؛ ولذا جُمع على أوقاف، قالوا: ولا يُقال: أوقفه إلا في لغة رديّة. وقيل: يُقال: وقفَه فيما يُحْبَس باليدِ، وأوقفه فيما لا يُحبس بها (¬1).
وشرعاً: حبس العين على حكم ملك الله (، أو حبسُ العين عن التمليك والتصدُّق بالمنفعة عند أبي يوسف ومحمد (.
وعند أبي حنيفة (: حبسُ العين على ملك الواقف والتصدّقُ بالمنفعة (¬2).
¬
(¬1) ينظر: المغرب 2: 366.
(¬2) ينظر: التبيين 1: 325.
ثانياً: مشّروعية الوقف:
فعموم الآيات القرآنية مُرغِّبةٌ في الإنفاق في سبيل الله، كقوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} آل عمران: 92، وكقوله تعالى: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} البقرة: 177 إلى آخر الآية.
وأمَّا السنة، فالأدلة كثيرة منها:
1.عن أبي هريرة (، قال (: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (¬1).
2.وعن أبي هريرة (، قال (: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً عَلَّمَهُ ونشره، وولداً صالحاً تركه، أو مصحفاً ورَّثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحّته وحياته تلحقه من بعد موته» (¬2).
¬
(¬1) في صحيح مسلم3: 1255، وموطأ مالك 1: 74، وسنن أبي داود 3: 117، وغيرها.
(¬2) في سنن ابن ماجه1: 88، وحسنه المنذري، وصحيح ابن خزيمة4: 121، وشعب الإيمان5: 121.
3.وعن أبي هريرة (، قال (: «من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده، كان شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة» (¬1).
4.وقال النبي (: «أما خالد فقد احتبس أدراعه في سبيل الله» (¬2).
5.وعن أنس (: «قَدِمَ النبي (المدينة، وأمر ببناء المسجد، فقال: يا بني النجار، ثامنوني، فقالوا: لا نطلب ثمنه، إلا إلى الله» (¬3): أي فأخذه فبناه مسجداً.
6.وعن عثمان (، قال (: «من حفر بئر رومة فله الجنة، قال: فحفرتها» (¬4). وفي رواية: «لما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء، وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة، وكان يبيع منها القربة بمُدٌ، فقال له النبي (: تبيعها بعين في الجنة؟ فقال: يا رسول اللّه ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان (فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم ثم أتى النبي (فقال: أتجعل لي ما جعلت له؟ قال (: نعم، قال: جعلتها للمسلمين» (¬5).
¬
(¬1) في صحيح البخاري4: 28، والسنن الكبرى للنسائي 4: 320، وصحيح ابن حبان 10: 529.
(¬2) في صحيح البخاري4: 41 معلقاً.
(¬3) في صحيح البخاري3: 20، وصحيح مسلم1: 123.
(¬4) في صحيح البخاري5: 13 معلقاً، وسنن الدارقطني5: 355، وغيرها.
(¬5) في المعجم الكبير2: 41.
7.وعن أنس (: «كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً، وكان أحب أمواله إليه بَيْرَحاء (¬1)، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله (يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} آل عمران: 92 قام أبو طلحة إلى رسول الله (، فقال: يا رسول الله، إنَّ الله تعالى يقول في كتابه: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} آل عمران: 92، وإن أحبَّ أموالي إلي بَيْرَحاء، وإنَّها صدقة لله أرجو برها، وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث شئت، فقال (: «بخ، ذلك مال رائح، ذلك مال رائح، قد سمعت ما قلت فيها، وأرى أن تجعلها في الأقربين»، قال: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه» (¬2).
8.وعن ابن عمر (: «أنَّ عمر بن الخطاب (أصاب أرضاً بخيبر، فأتى النبيّ (يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله، إنّي أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال (: إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها، قال: فتصدق بها عمر (أنَّه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدّق بها في الفقراء، وفي القربى وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السّبيل، والضَّيف لا جناح على مَن وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متمول» (¬3).
¬
(¬1) بَيْرَحاء: وهو اسم ومال وموضع بالمدينة، كما في لسان العرب 2: 412.
(¬2) في صحيح البخاري3: 102.
(¬3) في صحيح البخاري3: 198، وصحيح مسلم3: 1255.
المطلب الثاني
ركن الوقف وألفاظه وحكمه
أولاً: ركن الوقف:
هو الإيجاب فقط من الواقف بصيغته المعتبرة، فلا يحتاج إلى قَبول الموقوف عليه.
وإن كان الوقف لأشخاص معينين ثم مِن بعدهم للفقراء، فردَّ الأشخاص الوقف ارتدَّ في حقهم، وانصرف إلى الفقراء، ولا يعتبر القَبول بعد الردّ، ولا الردّ بعد القَبول.
وأما الأشخاص غير المعينين: كالفقراء، وكذا الجهات الخيرية، فإنَّ الوقف عليها يصدر مبرَماً، ولا يملك أحدٌ ردَّه (¬1).
ثانياً: ألفاظ الوقف:
1.الصريح: وهو ما لا يحتا ج إلى نيّة، حيث اشتهر استعماله في
¬
(¬1) ينظر: أحكام الأوقاف للرزقا ص 38.
معنى الوقف، فينصرف إلى معنى الوقف بمجرد ذِكْرِه، وهما لفظان: الحبس، والوقف.
2.الكناية: وهو ما يحتمل الوقف وغيره، فيحتاج إلى النية لإرادته: كالنذر، والتصدق، وجعل المال للفقراء، أو في سبيل الله (¬1).
ثالثاً: حكم الوقف:
وهو الأثر المترتب عليه شرعاً، فإذا صدر الوقف مستوفياً جميع شرائطه، فإنَّ ملكية الواقف تسقط عن المال الموقوف ـ على رأي الصاحبين المفتى به ـ سقوطاً أبدياً، وتصبح ثمرته للموقوف عليه من جهة أو أشخاص على حسب شرط الوقف (¬2).
(((
¬
(¬1) ينظر: أحكام الأوقاف للزرقا ص40.
(¬2) ينظر: أحكام الأوقاف ص105.
المطلب الثالث
شروط الوقف
وهي نوعان: شروط صحة، وشروط نفاذ:
أولاً: شروط الصحة:
وهي ما يتوقف عليه انعقاد الوقف من الاعتبارات بعد وجود أركانه المتقدمة؛ إذ لا فرق في باب الوقف بين الانعقاد والصحة، أو بين البطلان والفساد؛ لأنَّ باطل الوقف وفاسدّه واحد، وتفصيلها كالآتي:
1.أن تكون صيغة الوقف جازمة بالعقد، فلا ينعقد بالوعد، ولا يكون الوعد فيه ملزماً، ولا يصح الوقف مع خيار الشرط عند محمد؛ لعدم التنجيز.
2. أن تكون الصيغة منجزة، فلا تكون معلقة أو مضافة للمستقبل؛ لأنَّ الوقف من التمليكات.
3.أن لا يكون في صيغة الوقف شرطٌ يؤثر في أصل الوقف، ويُنافي مقتضاه، بأن يقول: أرضي هذه صدقةٌ موقوفةٌ على أنَّ لي أصلُها، فيبطل
الوقف، وهذا في القياس، واستحساناً: يصح الوقف ويلزم وتبطل الشُّروط المنافية له.
4.أن تكون الصِّيغة مفيدةً التأبيد للوقف، بأن تخلو صيغة الوقف من التَّوقيت فلو قال: عقاري هذه صدقةٌ موقوفةٌ سَنةً على المساكين على أن يرجع إلى ملكي بعدها، فإن صرّح بالرجوع يبطل الوقف، وإن لم يُصرّح بالرّجوع يصح الوقف مؤبداً ويلغو التوقيت، أو أن تدل الصيغة على التأبيد، فعند محمد (يشترط ذكر التأبيد صراحة أو دلالة، بأن يذكر جهة لا تنقطع كالفقراء، وعند أبي يوسف (لا يشترط ذلك، بل خلو الصّيغة عمّا يُنافي التّأبيد؛ لأنَّ دلالة الوقف تدل على التأبيد، وعليه الفتوى.
5. أن يكون الواقف عاقلاً، فلا يصحُّ وقف المجنون والمعتوه والصغير غير المميز.
6. أن يكون الواقف بالغاً، فلا يصحُّ وقف الصغير المميز، ولو مأذوناً من وليه؛ لأنَّه لا يملك أن يتبرع من ماله بشيء.
7.أن يكون غير محجور لسفه، فلا يصحّ وقف المحجور لسفه، ولو أجازه وصيه؛ لأنَّه ليس أهلاً للتبرع.
8.أن لا يرتد عن الإسلام بعد الوقف، فلو ارتد بطل وقفه، ولو عاد إلى الإسلام لا يعود الوقف إلا بعقد جديد؛ لأنَّ الوقف في معنى القربة الدائمة لله تعالى.
9. أن يكون الموقوف مالاً متقوماً: بأن يكون منتفعٌ به شرعاً.
10.أن يكون الموقوف مملوكاً في ذاته، فلا يصحّ وقف المباحات قبل إحرازها، وأما كونه مملوكاً للواقف فمن شرائط النفاذ، وإن وقف ما لا يملك ثم ملكه لا يصح، ـ كما سيأتي ـ.
11.أن يكون الموقوف معلوماً حين الوقف، فلا يصح وقف الشيء المجهول، كقوله: وقفت شيئاً من مالي.
12.أن يكون الموقوف عقاراً أو منقولاً تعارف الناس وقفه والتعامل فيه: كالفأس والمصاحف والكتب والنقود والملابس.
وأصل المذهب أن يكون الموقوف ممّا لا يُنقل ولا يُحول: كالعقار ونحوه، فلا يجوز وقف المنقول مقصوداً؛ لأنَّ التأبيد شرط جوازه، ووقف المنقول لا يتأبّد؛ لكونه على شرف الهلاك، فلا يجوز وقفه مقصوداً إلاّ إذا كان تبعاً للعقار.
وقال أبو يوسف: إذا وقف ضيعة ببقرها وعمالها، وكذا سائر آلات الحراثة جاز؛ لأنَّه تبعٌ للأرض في تحصيل ما هو المقصود, وقد يثبت من
الحكم تبعاً ما لا يثبت مقصوداً, ومحمّد معه فيه؛ لأنَّه لما جاز إفراد بعض المنقول بالوقف عنده، فلأن يجوز الوقف فيه تبعاً أولى (¬1).
وقال مُحمّد: يجوز حبس الخيل والسِّلاح، ومعناه وقفه في سبيل الله (, وأبو يوسف معه فيه على ما قالوا، وهو استحسان، والقياس: أن لا يجوز، وجه الاستحسان: الآثار المشهورة فيه؛ قال النبيّ (: «وأما خالد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله» (¬2)، ويدخل في حكمه الإبل; لأنَّ العرب يجاهدون عليها، وكذا السلاح يحمل عليها.
وعن محمد: أنَّه يجوز وقف ما فيه تعامل من المنقولات: كالفأس والقَدُوم (¬3) والمنشار والجنازة وثيابها والقدور والمراجل والمصاحف، وعند أبي يوسف: لا يجوز؛ لأنَّ القياسَ إنَّما يترك بالنصّ, والنصُّ ورد في الكراع والسلاح فيقتصر عليه، ومحمّد يقول: القياس قد يترك بالتَّعامل كما في الاستصناع, وقد وجد التعامل في هذه الأشياء، وعن نصير بن يحيى: أنَّه وقف كتبه إلحاقاً لها بالمصاحف, وهذا صحيح؛ لأنَّ كلَّ واحد يمسك للدِّين تعليماً وتعلماً وقراءة, وأكثر فقهاء الأمصار على قول محمد, وما لا تعامل فيه لا يجوز عندنا وقفه (¬4).
¬
(¬1) ينظر: الهداية6: 216، واللباب 1: 334.
(¬2) سبق تخريجه.
(¬3) القَدُوم: هو المنحات، وهو من آلات النجار. ينظر: المصباح المنير 2: 492.
(¬4) ينظر: العناية6: 216 - 217.
13.أن يكون الموقوف متميّزاً غير مشاع إذا كان مسجداً أو مقبرةً، فأبو يوسف يرى صحة وقف الحصة الشائعة إلا في المسجد، فيتفق مع أبي حنيفة ومحمد في صحّة وقف المشاع؛ لأنَّ المسجد يجب أن يكون خالصاً لله تعالى.
ولا يشترط خلو الموقوف عن الشواغل: كالأمتعة أو الزرع، فيصحّ الوقفُ ويبقى الزَّرع بأَجر المثل حتى يستحصد، وأمّا الشَّجر فإن وقف مع الأرض صَحَّ، وإن استثناه من الوقف بطل الوقفُ؛ لأنَّ استثناء الشَّجر هو استثناءٌ له بمواضعه من الأرض، فيصير من الوقف المجهول.
14.أن يكون الموقوف عليه قربةً في نظر الشرع ونظر الواقف، فلا يصح الوقف بالمنكرات والمحرمات: كالميسر ونوادي الفحش والنواح والغناء وفنون اللهو والمبتدعين والحربيين (¬1).
15. أن تكون جهة البر في الموقوف عليه دائمة الوجود: كالفقراء، وإن وقف على قوم محصورين لا يصح الوقف؛ لأنَّهم ينقطعون، وعلى قول أبي يوسف (: يصحّ ويجعل بعدهم للفقراء.
¬
(¬1) ينظر: أحكام الأوقاف ص43 - 71.
ثانياً: شرائط النفاذ:
وهو ما يتوقف عليه اعتبار الوقف مُبْرَماً ماضياً غير محتاج إلى إجازة أحد ورضاه، وهما يرجعان إلى الواقف والمال الموقوف، وتفصيلها كالآتي:
1.أن لا يكون الواقف محجوراً عليه لِدَين، فلا يصح أن يتصرف في ماله أيّ تصرّف يضرّ بغرمائه، ومن ذلك التبرعات: كالوقف.
أما المَدين الذي لم يَحجر عليه قضاء، ففي أصل المذهب وقفه صحيح، لكن أفتى أبو السعود بأنَّه لا يصح ولا يلزم، والقضاة ممنوعون من الحكم وتسجيل الوقف بمقدار ما شغل بالدين، ومعنى هذا: أنَّ المَدين يعتبر محجوراً عن الوقف من نفسه بالأمر السلطاني، دون حاجة إلى حجر قضائي فيما يعادل الدَّين من أمواله غير ما وقفه منها وَفْرٌ يفي بالدَّين، نفذَ الوقف، وإلا توقف على إجازة الدائنين، وهذا ما استقرت عليه فتاوي المتأخرين من الفقهاء (¬1).
وقال ابن عابدين (¬2): «وحاصله: أنَّ القاضي إذا منعه السلطان عن الحكم به كان حكمه باطلاً؛ لأنَّه وكيل عنه، وقد نهاه الموكل صيانة لأموال الناس ... وينبغي ترجيح بطلان الوقف بذلك للضرورة».
¬
(¬1) ينظر: في أحكام الأوقاف للزرقا ص82.
(¬2) في رد المحتار4: 399.
2.أن يكون الواقف غير مريض مرض الموت، وهو المرض الذي يعجز الرَّجل عن ممارسة أعماله المعتادة خارج البيت، والمرأة عن أعمالها المعتادة داخل البيت، ويتصل به الموت دون أن يستمر سنة كاملة على حال واحدة من غير ازدياد.
فالمريض المَدين ينفذ الوقف فيما يزيد عن ماله من الدين، والمريض غير المَدين وقفه مقيد نفاذه بثلث ماله، وفيما زاد على ذلك يتوقف على إجازة الورثة كالوصية، وإن وقف المريض على وارث لا يجوز، ولو كان يخرج من ثلث المال إلا بإجازة باقي الورثة.
3.أن يكون الواقف غير مرتد عن الإسلام، فإنَّه متوقف، فإذا عاد إلى الإسلام نفذ وقفه.
4.أن يكون الموقوف مملوكاً للواقف حين الوقف، فوقف الفضولي صحيح موقوف.
ويشترط لصحة الوقف أن يكون الواقف مالكاً للموقوف عند الوقف، فإن مَلَكَ الواقف الموقوف بعد أن وقفه، فإنَّ وقفه عندئد لا يكون صحيحاً، ومَن اشترى أرضاً بخيار شرط للبائع ووقفها المشتري ثم أمضى البائع البيع كان الوقف باطلاً.
5.أن لا يكون الموقوف مرهوناً لا فكاك له، فإنَّ الراهن إذا كان له مال آخر يمكن وفاء الدين منه، ينفذ وقفه في المرهون، ويجبر قضاءً على وفاء الدين، ويفك المرهون الموقوف.
6.أن لا يكون الموقوف محجوزاً قضاءً لوفاء حقّ، فلا ينفذ فيه الوقف، ولو كان للمالك المحجوز عليه مال آخر؛ لأنَّ الحجر عمل إداري لسلطة قضائية انصبت على المال، فعزلته عن سلطة ماله لوفاء الحق الذي عليه (¬1).
(((
¬
(¬1) ينظر: أحكام الأوقاف ص72 - 103.
المطلب الرابع
عمارة الوقف
الواجبُ أن يبدأ من ناتج الوقف إلى تعمير الموقوف إذا احتيج إليه، سواء شرط الواقف ذلك أم لا؛ ليبقى ما كان على ما كان، ولأنَّ في ذلك إبقاء للوقف وإدامته، ولا تجوزُ الزِّيادة عليه (¬1).
وإذا وقفَ داراً على سكنى شخص بعينه، فالإعمار والإصلاح على مَن وقفت إليه السُّكنى؛ لأنَّه هو المنتفع بها، وَلِيكون الغرم على مَن له الغنم، فإن امتنعَ من الإعمار أو كان فقيراً، يقوم القاضي بتأجيرها وعمَّرَها من أُجرتها؛ لأنَّ فيه إبقاء الوقف على ما قصده الواقف، فإذا عُمِّرَت وأُصلحت يردُّها القاضي إلى مَن وقفت له السُّكنى؛ رعاية لحقّه، ولا يجبر الممتنع على العمارة؛ لأنَّ فيه إتلاف ماله.
ولا تصحّ إجارة مَن له السكنى؛ لأنَّه غير ناظر ولا مالك، لكنَّ القاضي يؤجِّرها له أو لغيره، فيعمِّرها بأجرتها قدر ما تبقى على الصفة
¬
(¬1) ينظر: البحر 5: 225.
التي وقفها الواقف، ولا يزيد على ذلك إلا برضا مَن له السكنى؛ لأنَّها بصفتها صارت مستحقّة له، فترد إلى ما كانت عليه (¬1).
وإذا انهدم شيءٌ من بناء الوقف وآلته، فإنَّ القاضي يصرفه في إعمار الوقف إن احتاج الوقف إليه، وإن استغنى الوقف عن المنهدم، أَمْسَكَه حتى يحتاج إلى عمارتِه فيصرفه فيها؛ لأنَّه لا بد من العمارة، وإلا فلا يبقى فلا يحصل صرف الغلة إلى المصرف على التأبيد، فيبطل غرض الواقف فيصرفه للحال إن احتاج إليه، وإلا يمسكه حتى يحتاج إليه كي لا يتعذر عليه أوان الحاجة (¬2).
ولا يقسمَ المنهدم بين مستحقِّي الوقف؛ لأنَّهم ليس لهم حقّ في العين ولا في جزء منها، وإنَّما حقّهم في المنافع فلا يصرف إليهم غير حقّهم، وإن تعذر إعادة عينه بيع وصرف ثمنه إلى العمارة؛ لأنَّ البدلَ يقوم مقام المبدل فيصرف مصرف البدل (¬3).
(((
¬
(¬1) ينظر: التبيين3: 327 - 328.
(¬2) ينظر: التبيين3: 328.
(¬3) ينظر: التبيين3: 328.
المطلب الخامس
الوقف لنفسه
وللمسجد وغيرها
أولاً: الوقف لنفسه:
يجوز جعل الواقفُ غلّةَ الوقف لنفسه؛ لأنَّه شَرَطَ في الوقف ما هو قربة، فإنَّ نفقةَ الرَّجل في نفسه صدقة بالحديث؛ فعن طاوس (: «ألم ترَ أنَّ حجراً المدري أخبرني أنَّ في صدقة النبيّ (يأكل منها أهلها بالمعروف غير المنكر» (¬1)، ولا شكَّ أنَّ ذلك كان مشروطاً في الوقف؛ لأنَّه كان لا يأكل من غيرِ شرطٍ.
¬
(¬1) في مصنّف ابن أبي شيبة 7: 283.
وهذا قول أبي يوسف (¬1)، ومشايخ بلخ أخذوا بقول أبي يوسف، وقالوا: يجوز الوقف والشرط جميعاً، وذكر الصدر الشهيد: أنَّ الفتوى عليه؛ ترغيباً للناس في الوقف؛ لأنَّه سيكون بعده لفقراء المسلمين.
وعند محمد: لا يجوز؛ لأنَّ الوقفَ تبرّعٌ على وجهِ التَّمليك بطريقِ التَّقرُّب إلى اللهِ (، فاشتراطُه الكلّ أو البعض لنفسه يُبطله؛ لأنَّ التمليكَ من نفسِهِ لا يَتحقَّق، فصار كالصدقة المنفّذة, فإنَّه لا يجوز أن يُسلِّم قدراً من ماله للفقير على وجهِ الصدقةِ بشرط أن يكون بعضُه له (¬2).
ثانياً: وقف المسجد والسقاية والخان والرباط والمقبرة:
إذا بنى مسجداً، يزول عن ملكه بالإفراز والإذن، ومعنى الإفراز: هو أن يفرزَه عن ملكه بطريقه بأن يجعل له طريقاً، ويميّزه بجميع الوجوه عن ملكه، فلو كان العلو مسجداً والسفل حوانيت غير متعلقة بالمسجد أو بالعكس لا يزول ملكه؛ لتعلّق حقّ العبد به، والإذن يكون بأن يصلي فيه، وإذا صلَّى فيه واحدٌ زال ملكه عند أبي حنيفة، وعند محمد صلاة جماعة، والقبض يكون فيه بالصلاة، فإنَّه صدقة، وقبض كلّ شيء على حسب ما يليق به.
¬
(¬1) ولا يجوز على قياس قول محمد (، وهو قول هلال الرازي (، قال الإمام قاضي خان (نقلاً عن الفقيه أبي جعفر (: وليس في هذا عن محمد (رواية ظاهرة، وأخذ به في الفتاوى الصغرى نقلاً عن شيخ الإسلام واعتمده النسفيّ وأبو الفضل الموصليّ (، كما في اللباب1: 336.
(¬2) ينظر: العناية6: 325 - 326.
واشتُرط الإفراز؛ لأنَّه لا يخلص لله (إلا به؛ لأنَّه ما دام حقّ العبد متعلّقاً به لم يتحرَّر لله (.
وأما الصلاة فيه؛ فلأنَّه يشترط التسليم عند أبي حنيفة ومحمد، فإذا تعذَّر يقام تحقُّق المقصود مقامه أو يشترط فيه تسليم نوعه، وذلك في المسجد بالصلاة فيه، ولا يشترط فيه قضاء القاضي، ولا التعليق بالموت عند أبي حنيفة؛ لحصول المقصود به، بخلاف الوقف؛ لأنَّ المقصودَ من الوقفِ أن يتصدَّقَ بالغَلّة، ويحبس الأصل (¬1).
وقال أبو يوسف: يزول ملكُه عنه بقوله: جعلته مسجداً؛ لأنَّ الوقف عنده إزالة الملك وإسقاطه إلى غير مالكه فيصحّ بمجرد القول، ولأنَّ التسليمَ عنده ليس بشرط؛ لأنَّه إسقاط لملك العبد، فيصير خالصاً لله (بسقوط حقّ العبد (¬2).
والسِّقايةُ ـ موضع يتخذ لسقي الناس ـ والخانُ ـ ينزل به المسافرون ـ والرِّباطُ ـ ما يبنى للفقراء ـ والمقبرةُ، يزول ملك الواقف فيها عند أبي يوسف بمجرد القول، وقال مُحمّد: إذا سَقَى النَّاس من السِّقاية وسَكنوا الخان والرِّباط ودَفنوا في المقبرةِ زال الملك؛ اعتباراً للقبض اللائق، وعند أبي حينفة بحكم الحاكم؛ لأنَّه لم ينقطع عن حقّ العبد; ألا ترى أنَّ له أن
¬
(¬1) ينظر: التبيين3: 329.
(¬2) ينظر: التبيين3: 330.
ينتفع به، فيسكن في الخان، وينزل في الرباط، ويشرب من السقاية, ويدفن في المقبرة، فيشترط حكم الحاكم أو الإضافة إلى ما بعد الموت كما في الوقف على الفقراء, بخلاف المسجد; لأنَّه لم يبق له حق الانتفاع به، فخلص لله تعالى من غير حكم الحاكم (¬1).
(((
¬
(¬1) ينظر: الهداية6: 238.
المطلب السادس
ثبوت الوقف
أولاً: الإقرار بالوقف:
إذا أقر الإنسان في حال صحته بأنَّه وقف مالاً معيناً من أمواله وقفاً صحيحاً، ثبت وقفه بإقراره، ويقضى به، فيصبح ملزماً للواقف ولورثته من بعده إذا كان إقراره مستوفياً شرائط اعتباره، بأن يكون الواقف غير محجور عليه لسفه أو دَين، ولا مديناً بدَين مستغرق لماله.
وإذا أقرّ في مرض موته بأنَّه قد وقف عقاره الفلاني، يثبت الوقف بإقراره هذا، ويكون في حكم ما لو أنشأ الوقف في مرض موته، فتسري عليه أحكام وقف المريض.
وإذا أقر ورثة المتوفّى بأنَّ مورثهم قد وقف عقاره في حال حياته صحّ الإقرار، ويثبت به الوقف فيما عدا الدَّين والوصية.
وإذا أقرّ أَجنبي بأنَّ العقار الذي في يدِه ليس في الحقيقةِ له، وإنّما هو وقف، ينظر: فإن عيّن في إقرارِه مالكاً وأسند إليه الوقف، بأن قال: هي
ملك فلان وقفها، وجعلني متولياً عليها، فإنَّه يرجع إلى فلان إن كان حيّاً أو إلى ورثته إن كان ميتاً، فإن صدَّقوا ما قال ثبت الوقف، وإن أنكروا الوقف لم يثبت، وإذا صدَّقوه في الوقف وأنكروا جعل الولاية له، لا تثبت لذي اليد المقرّ ولاية، بل ينزع الوقف من يده، وأما إذا كان فلان ورثته أمواتاً أو لا وارث له، أو كان المقرّ إنَّما أقرّ بالوقف من مالك مجهول، فإنَّ الوقف يثبت بذلك.
ثانياً: الشهاد بالوقف:
الأصل في الشهاة لإثبات الحقوق أنَّها يشترط فيها لصحة تحملها معاينة الشاهد للأمر المشهود به، ويشترط لصحة أدائها سبق الدعوة وطلب المدعي.
وتقبل الشهادة بالتسامع في إثبات أصل الوقف، وهو كونه موقوفاً، ولو كانت مبنية على التسامع دون المعاينة، بأن شاع خبر هذا الوقف بسبب الضرورة.
وألحق بأصل الوقف المصرف الأصلي، وهو كل مصرف مما تتوقف عليه صحة الوقف: أي جهة البر الدائمة.
وتُقبل الشَّهادةُ حسبةً على منكر الوقف أو غاصبه؛ لإثبات وقفيّة المال، ويثبت بها الوقف، ويُنزع من يد ذي اليد الذي يزعم ملكيته وإن لم يسبق بدعوى؛ لأنَّه من حقوق الله تعالى (¬1).
(((
¬
(¬1) ينظر: أحكام الأوقاف للزرقا ص111 - 124.
المطلب السابع
السجلات العقارية
(الدفتر الخاقاني)
بحث متأخرو الفقهاء عن القوة الإثباتية في قيود الدفتر الخاقاني، وهو سجل أنشيء في عهد السلاطين المتأخرين من آل عثمان، وخاصة السلطان سليمان والسلطان مراد الثالث، سجلت فيه جميع الأراضي والقرى والمزارع ونحوها، مما له ارتباط خيري أو تتعلق به مصالح العموم مع الحقوق المتعلقة بها، وجعل لكل عقار صحيفة على نسق السجلات العقارية الحديثة، وحفظ ذلك السجل في العاصمة القطسنطينية، في مكان محكم، من دونه أربعة أبواب حديدية، ووكل به حرس ووكيل أمناء بمسؤولية رهيبة عن حفظه، فإذا طرأ تبدل على حالة العقار ببيع أو وقف أو وارث أو غير ذلك من الأسباب، وقضي بذلك، يصدر فرمان سلطاني بموجبه، ويرسل بالطريق الرسمي إلى أمين الدفتر الخاقاني، فيفتح بمراسم مخصوصة، ويسجل في حاشية صحيفة العقار
خلاصة ما قضى به الفرمان السلطاني من تعديل القيد، ويحفظ أصل الفرمان في إضبارة خاصة، وقد سمي هذا السجل أيضاً: دفتر الحديد.
وإذا هذا الترتيب قد جعل قيود هذا الدفتر موثوقة مأموناً عليها كل تصنيع أو تزوير، فاعتبرها متأخرو الفقهاء أقوى البينات الخطية التي يعتمد عليها القضاء، بلا حاجة إلى إثبات مضمونها (¬1).
(((
¬
(¬1) ينظر: أحكام الأوقاف للزرقا ص128 - 129.
المطلب الثامن
انتقاض الوقف
من الحالات التي ينتقض فيها الوقف ويعود للموقوف ملكاً ما يلي:
1.إذا اشترى إنسان عقاراً، ووقفه على جهة أو جعله مسجداً، فظهر له شفيع وقضي له بأخذه بحق الشفعة، ولا يجب على الواقف أن يشتري بالثمن الذي يأخذه من الشفيع عقاراً آخر، ويقفه مكان الأوّل.
2.إذا وقف إنسان مالاً على زعم أنَّه ملكه بأن اشتراه مثلاً، فظهر له مستحق، وأثبت ملكيته له، فينقض ويرجع الواقف على بائعه بالثمن، ولا يجب عليه أن يقف مالاً آخر مكان الأول الذي استحقّ.
3.إذا وقف الإنسان مالاً، ثم ظهر عليه دَين سابق لا وفاء له إلا ببيع الموقوف، ينقض الوقف، ويُوفى الدَّين.
4. إذا قضى القاضي بإبطال الوقف؛ لنقصان شرائطه في مذهبه.
5.إذا طغى الماء أو الزِّلزال على أرض الوقف، فأصبحت عديمة النَّفع يبطل الوقف وتعود إلى ملكِ الواقف أو ورثتِه، وكذا إذا احترق حانوت الوقف ولم يُمكن إيجار عرصته أو استبدالها أو الانتفاع بها.
6.إذا استبدل بعقار الوقف سواه بأحد مسوغات الاستبدال، فإنَّه يخرج عن الوقفية، فإذا كان قد استبدل به عقار مثله، حلّ الثاني محلّه، وإذا بيع بالنقود يشترى بالثمن عقاراً يحل محله في الوقفيّة.
7.إذا غصب الموقوف غاصب، وعجز المتولي عن استرداده، ورضي الغاصب أن يصالح عنه على بدل يدفعه إلى جانب الوقف، ساغ للمتولي أخذ البدل عنه، ويملك الغاصب الموقوف قضاءً، ويشتري بثمنه ما يحلّ محله في الوقفية (¬1).
(((
¬
(¬1) ينظر: أحكام الأوقاف للزرقا ص134 - 135.
المطلب التاسع
شروط الواقفين في الوقف
أولا: الشروط الممنوعة:
1.شرط يخالف قواعد الشرع، كما لو شَرَطَ أن لا يتدخل الحكام في أمور الوقف، أو شَرَطَ استثمار غلّة الوقف بالطرق المحرمة: كالربا، أو شَرَطَ إنفاق شيء من غلة الوقف في السبل المكروهة شرعاً، فكل هذه الشروط وأمثالها باطلة.
2.شرط يضرّ بمصلحة الوقف وصيانته، كما لو شرط الواقف أن لا يعمر الوقف إذا احتاج إلى التعمير، أو شرط أن لا يستبدل بعقار الوقف إذا خرب ولم يمكن تعميره والانتفاع به، فالشرط باطل.
3.شرط يضرّ بمصلحة الموقوف عليه وحقوقه، كما لو شرط أن لا يؤجر عقار وقفه بأكثر مما عيّن، فالشرط لغو، ويجب أن يؤجّر بأجر المثل.
4.شرط لا فائدة منه شرعاً، كما لو شرط الواقف أن يتصدق بشيء من غلة الوقف على مَن يسأله في مسجد كذا، فهذا الشرط لغو، وللقيِّم أن يصرف إلى سائل آخر؛ لعدم عبرة مكان السؤال، وإنَّما العبرة للفقر والاحتياج.
ثانياً: الشروط الجائزة:
فهي الشروط التي ليس في أصلها مخالفة مبدأ شرعي أو ضرر أو عبث، بل هي في ذاتها يتعلق بها غرض صحيح للواقف، على أنَّ مخالفة شرط الواقف عندما تصبح مخالفته مما تدعو إليه ضرورة المحافظة على حياة الوقف، أو حسن الانتفاع به، إنَّما تدخل في حقوق الولاية العامة وصلاحيتها في تدبير مصالح المجتمع، على وفق ما توجبه قواعد السياسة الشرعية ومقتضى الحال، وهي:
1.شرط يؤول إلى تعطيل استثمار الوقف أو قلّة الثمرة، كما لو نص الواقف على منع الاستبدال بعقار الوقف، فإنَّه يعمل بشرطه هذا ما أمكن، فإذا تخرب جاز استبداله.
2.شرط في مصارف الوقف قد يؤول إلى التعذر، كما لو وقف مدرسة وشَرَطَ أن يكون طلابها أو مدرسوها من قطر أو عرق معيّن كالمصريين، فإنَّه يعمل به ما أمكن، فإن لم يوجد مَن أوقف عليهم جاز صرفه لغيرهم.
3.شرط يؤول إلى غبن القائمين بأعمال الوقف الضرورية في أجورهم، كما لو شرط الواقف لمتولي الوقف أو لإمام المسجدأجراً محدداً، وكان أقل من أجر المثل المعتاد لهذا العمل، وكان في غلة الوقف سعة جاز للقاضي إبلاغ الرواتب إلى أجور أمثالهم.
4.شرط مخالفته أسهل لتحقيق المقصود وغرض الواقف، كما لو شَرَطَ للمستحقين أرزاقاً عينية من خبز أو لحم بمقدار معيّن كل يوم، فللمتولي الخيار في أن يدفع لهم قيمة ذلك من النقد ... .
ومستند هذه المخالفة: أنَّه راجع إلى أنَّ مخالفة شرط الواقف إلى خير منه جائزة.
ثالثاً: الشروط اللازمة:
وهي شروط تعبر عن إرادة الواقف في تعيين المال الموقوف، وواجبات العاملين، وكيفية توزيع غلة الوقف في المصارف المشروعة، وليس لها علاقة باستثمار الوقف أو نحوه مما يتصور فيه طروء عوارض تستدعي مخالفة شرط الوقف، كما لو شرط الواقف في الوقف على الأولاد والذرية أن توزع غلّة الوقف بالتساوي بين جميع الذرية.
والقاعدة في الوقف: أنَّ شرط الواقف كنصّ الشارع، وتعدُّ الدستور الفقهي المتبع في شروط الواقفين، فيلزم العمل به، ويعتبر القواعد الأصولية في فهمه، ومنها:
1.إنَّ عرف الواقف في زمانه هو المعتبرُ في فهم مراده دون أصل اللغة، فيحمل كلام كل واقف وحالف وعاقد على لغته وعرفه، وإن خالفت لغة الشرع وعرفه.
2. يحمل كلام الواقف على حقيقة معناه، فإن لم يمكن فعلى المجاز، فإن لم يمكن يهمل، فلو وقف الإنسان على أولاده ومن بعدهم فإلى الفقراء، لا يتناول سوى أولاده الصلبيين دون أحفاده؛ لأنَّ حقيقة معنى الأولاد تقع على الصلبيين، إلا إذا قامت قرينة على قصده للمجاز.
3.إذا تعارض في صكِّ الوقفيّة شرطان، ولم يمكن التَّوفيق بينهما، عُمِل بالمتأخر منهما، وأُهمل المتقدّم، كما لو وقف على ذريتِهِ بالتَّساوي بين الذُّكور والإناث في النَّصيب، ثمّ قال فيما بعد: على الفريضة الشرعيّة بينهم، كان نسخاً للأوّل، فتستحقُّ الأُنثى نصف ما يستحقُّه الذَّكر.
4.إذا تعلّق الاستحقاق بأحد الأوصاف، فمَن توفرت فيه عدّة أوصاف منها، استحقّ عدّة أنصباء بالجهات المختلفة، كما لو وقف أرضاً على قرابته وأرضاً على جيرانه، وكان بعض جيرانه قريبه، فإنَّه يستحقّ من الوقفين بالوصفين.
5.إذا ذُكرت عدّة متعاطفات وذكر معها وصفٌ صالح للجميع، فإنَّ الوصف يرجع إلى ما يقارنه فقط، لا إلى الجميع، سواء تقدّم أو
تأخر، كما لو قال: وقفت على أولادي وأولاد أولادي الذكور، فإنَّ قيد الذكورة إنَّما يصرف إلى أولاد الأولاد.
6.الشرط والاستثناء بعد المفردات المتعاطفة يرجعان إلى الكلّ لا إلى الأخير فقط، وهذا عكس حكم الوصف، كما لو قال: وقفت هذه الأرض على أولادي وأقاربي وجيراني إن كان من طلبة العلم، كان طلب العلم قيداً للجميع.
7.الضمائر تعود إلى أقرب المذكورات قبلها، إلا إذا دلّت قرائن أنَّ غرض الواقف على خلاف ذلك، فلو كُتِب: إنَّ الواقف قد وقف على ابنه فلان وعلى أصهاره المحتاجين، فإنَّ الضمير المضاف إليه في أصهاره يعود إلى الابن لا إلى الواقف.
8.العطف بعد المتضايفين يعتبر عطفاً على المضاف لا على المضاف إليه، كما لو قال: وقفت على بني زيد وعمرو، دخل في الوقف عمرو مع بني زيد، ولم يدخل أبناء عمرو (¬1).
رابعاً: تغيير الشروط:
من القواعد المقررة: أنَّ شروط الواقف الجائزة هي كأصل الوقف لا يصح الرجوع عنها، ولا التغيير والتبديل فيها، فلو شرط الواقف
¬
(¬1) ينظر: أحكام الأوقاف للزرقا ص142 - 161.
صرف ريع وقفه بين أولاده على الفريضة الشرعية في الميراث، أي للذكر ضعف ما للأنثى، فليس له تغيير هذا الشرط وصرف الريع بالتساوي بين الذكور والإناث.
وإنَّ خروج الأمر من يد الواقف وامتناع رجوعه عن شيءٍ من الشروط التي أبرم الوقف عليها إنَّما هو فيما إذا لم يحتفظ الواقف في صك الوقفية بحق التغيير والتبديل في شروط الوقف، فإذا اشترط لنفسه أو لغيره حق التعديل في الشروط جاز.
والنواحي التي يمكن للواقفين ان يشترطوا لأنفسهم حق التعديل فيها، هي ما أطلق عليها بعض متأخري الفقهاء والموثقين اسم الشروط العشرة، وهي: الزيادة والنقصان، والإدخال والإخراج، والإعطاء والحرمان، والتغير والتبديل، والإبدال والاستبدال، ويلحق بعضهم شرطي: التخصيص والتفضيل. وكل هذه الشروط يدخل في التغيير والتبديل، وإنَّ التبديل عين التغيير، وكذا الإبدال عين الاستبدال، فكلها تؤول في المعنى إلى شرطين: تغيير الشروط، واستبدال الموقوف.
ومن القواعد العامة التي يجب مراعاتها في كل من الشروط العشرة، ما يلي:
1.لا يعتبر شيء من هذه الشروط إلا إذا كان مشروطاً في صلب الوقف.
2.يجوز أن يشترط الواقف هذه الشروط العشرة وما في معناها لنفسه ولغيره من متوَلٍّ أو سواه.
3.إذا اشترط الواقف لغيره شيئاً من سلطة التعديل في الشروط لا يملك الغير ذلك إلا في حياة الواقف.
4.إن اشتراط حق تعديل الشروط واستبدال الموقوف، يقع على مرة واحدة، سواء أكان مشروطاً للواقف نفسه أو لغيره، إلا إذا اشترط له حقّ تكرار التعديل كلما شاء.
5. الشروط العشرة المتقدمة جميعاً من تغيير وتعديل إنَّما موضوعها مصارف الوقف لا الولاية عليه، فإذا شرط الواقف لغيره حقّ التّغيير والتّبديل فليس للمشروط له أن يغيّر في شروط التّولية التي قرَّرها الواقف، ولا يملك إخراج الناظر الذي له حق التولية والنظر بشرط الواقف، أما الواقف فيملك ذلك.
6.إنَّ الشروط العشرة المذكورة وما في معناها تسقط بالإسقاط، فلو قال الواقف: أبطلت أو أسقطت ما اشترطته لنفسي يبطل حقه (¬1).
(((
¬
(¬1) ينظر: أحكام الأوقاف للزرقا ص162 - 175.
المطلب العاشر
اعتبار غرض الواقف
إنَّ لكل واقف غرضاً عاماً من وقفه يظهر من موضوع الوقف، فغرض الواقف في وقفه على أولاده ونسله تحقيق البر الدائم لجيمع الذرية بمنفعة تجري عليهم باستمرار، وفي الوقف على مدرسة علمية غرضه إحياء العلم ونشره وتخريج العلماء، وفي الوقف على الفقراء غرضه إسعاف هؤلاء بالنفقة الحيوية.
وكثيراً ما يكون في عبارات وشروط الواقفين غموض وإبهام، فالنظر الفقهي يقضي بأن يحكَّم في ذلك غرض الواقف عندما لا تستطيع القواعد الأصولية تعيين أحد الاحتمالات، فما كان منها أقرب إلى غرض الواقف وجب ترجيحه والعمل به دون سواه؛ لأنَّه أقرب أن يكون مراده، ومن أمثلته:
لو جاء في صكّ الوقف أو الواقف: «وقف على ولده أحمد، وعلى من يحدث له من الأولاد، ثم على أولادهم ... الخ». ثم وُلِدَ للواقف
أولاد آخرون، فإنَّ الضمير في كلمة «له» يرجع إلى الواقف لا إلى ولده أحمد، وإن كان الأصل في عود الضمير أن يعود إلى أقرب مذكور، وهو هنا أحمد، لكن هذا يخالف غرض الواقف من حرمان بقية أولاده.
ولو وقف الإنسان على أولاده وأولاد أولاده وأولاد أولاد أولاده ثم من بعدهم على جهة خير، دخلت بطون ذريته كلها في الوقف؛ إذ الثلاث مبدأ الجمع الذي لا نهاية له، وهذا الموافق لغرض الواقف من تقديم ذريته على الفقراء (¬1).
(((
¬
(¬1) ينظر: أحكام الأوقاف للزرقا ص176 - 182.
المطلب الحادي عشر
ثبوت شروط الواقفين
أولاً: الإقرار:
1.إذا أقر الواقف بأصل الوقف وبشروطه فيه بإقرار واحد، كما لو قال: إني كنت وقفت عقاري هذا على نفسي، ومن بعدي على أولادي وذريتي بالتساوي، فإنَّ إقراره هذا كما يثبت به أصل الوقف تثبت به جميع الشروط التي أقر بها على وقف إقراره؛ لأنَّ مَن ينشئ الوقف على مَن ذكرهم بالشروط التي بيّنها، فله أن يقرّ بها؛ لأنَّ من ملك إنشاء الحق ملك الإقرار به.
ويلحظ أنَّ أصل الوقف والشروط كليهما يجب أن يكون ثبوتهما معاً بهذا الإقرار، فإن كان أصل الوقف ثابتاً قبلاً مع شروط معيّنة ثم أقر بشروط أخرى لاحقة، فإنَّ إقراره المتأخر لا يعتبر؛ لأنَّه رجوع عن الشروط السابقة، وإقرار على الغير، فلا يقبل، كما لو أقر بأنَّه وقف على ذريته بالتساوي ثم أقر بأنَّه إنَّما وقف عليهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
2.يقبل إقرار الموقوف عليه بشيء من الشروط في الوقف على نفسه دون غيره؛ لأنَّ الإقرار حجة قاصرة، كما لو كان الوقف على ذرية الواقف جميعاً ذكوراً وإناثاً، ومن بعدهم على الفقراء، فاعترفت إحدى إناث الذرية بأنَّ شرط الواقف على الذكور دون الإناث، يُحْرَمُ المُقِرُّ من الاستحقاق بمقتضى إقراره، ولا يسري ذلك على من لم يصدقه من بقية المستحقين.
وهذا مختلفٌ عن الإسقاط، بأن يقول: أسقطت حقي في هذا الوقف، فهو إنشاء للحال مع قيام سبب الاستحقاق الدائم، والوقف ليس من الحقوق القابلة للاستحقاق كالإرث، فلا يصح إسقاطه وإبطاله ولا التنازل عنه لغيره؛ لأنَّه يستحقه بشرط الواقف، وهو شرط ثابت لازم ناشيء عن إرادة غيره، لا سلطة له عليه، فله بعد الإسقاط أن يعود إلى المطالبة (¬1).
ثانياً: الشهادة:
يثبت أصل الوقف بالشهادة ويثبت بها شروط الواقف، سواء أكان إثبات الشروط مصاحباً لإثبات أصل الوقف أو منفرداً؛ لأنَّ الشهادة حجّة متعدية.
¬
(¬1) ينظر: أحكام الأوقاف للزرقا ص185 - 189.
وتختلف الشهادة في أصل الوقف عن الشهادة على شروط الوقف في أمرين:
1. أنَّها لا تقبل شهادة الحسبة على الشروط التي تثبت حقوقاً خاصة لأناس موقوف عليهم؛ لأنَّ شهادة الحسبة إنَّهما شرعت لصيانة الحقوق والحرمات العامة.
2.أنَّها لا تقبل الشهادة في إثبات شروط الواقف بالتسامع كما تقبل في إثبات أصل الوقف؛ لضرورته في إحياء الأوقاف القديمة.
ثالثاً: صكوك الوقف:
فالوقفية تعتبر في نظر القضاة حجة كافية لإثبات أصل الوقف، وهي حجة في إثبات ما تضمنته من شروط الواقف، فكل ما فيها من الشروط يعتبر ثابتاً، فيستحق الموقوف عليهم بمقتضاه، ويقضى لهم بموجبه، مهما تقادم عهد الوقفية.
والثبوت بالوقفيات يؤول في الحقيقة إلى الثبوت بالطريقتين السابقتين: الإقرار والشهادة؛ وذلك لأنَّ صك الوقفية نفسها إنَّما يثبت بأحدهما، فإنَّ تسجيله في سجل المحكمة يستند إما إلى إقرار الواقف، وإما إلى إثباته عليه بالشهادة، والقضاء به عند الإنكار (¬1).
¬
(¬1) ينظر: أحكام الأوقاف للزرقا ص194 - 197.
رابعاً: التعامل:
وهو توارد العمل على أمر واحد في الوقف من ثلاثة قُوَّام عليه متعاقبين.
فلو جرى المتولون في وقف الجامع على أن يُسكنوا إمامه داراً معينة من دور الوقف مجاناً علاوة على مرتبه، يعتبر في الوقف تعاملاً على سكنى الإمام هذه الدار مجاناً.
وليس في أصل المذهب تحديد لعدد القوّام الذين يثبت بعملهم تعامل في الوقف، واستقر اجتهاد القضاة على ما قلنا.
ويتعلق التعامل بالحقوق والمصارف لا عبارات شروط الوقف وصيغها اللفظية؛ لأنَّ التعامل من قبيل التسامع، وشروط الوقف لا تثبت بالتسامع، فيثبت بالتعامل طريقة عملية في الوقف، تقوم مقام شرط الواقف نفسه.
والتعامل لا يعتبر إلا إذا توفر شرطان:
1.عدم وجود شروط ثابتة في وقفيات معتبرة تخالفه.
2.أن يكون القوّام المتعاملون إنما تولوا على الوقف تولياً صحيحاً بنصب القاضي إياهم نصباً صحيحاً، أو مَن له صلاحية النصف شرعاً (¬1).
¬
(¬1) ينظر: أحكام الأوقاف للزرقا ص199 - 205.
المطلب الثاني عشر
انقطاع الشروط
يعتري شروط الواقفين الانقطاع، ومعناه: أن يتعذّر العمل بالشروط لأحد سببين:
1.جهالة الشروط، وهي انقطاع ثبوت الشرط، وتسمى بالوقف المنقطع، وحينئذٍ يتوقف في أمره، فلا يعطى أحد ممكن يدعي فيه حقاً ما لم يبرهن على استحقاقه
بالوسائل المقبولة، وإلا صرف للفقراء.
2.فقدان الموقوف عليه، وهي انقطاع شرط المصرف، وتسمى بالشرط المنقطع، ويأخذ حكم الوقف المنقطع في صرفه إلى الفقراء ما دام منقطعاً، وله حالان:
أ. منقطع الأول، بأن لم يوجد من يتناوله الشرط منذ ابتداء الوقف، كما لو قال الإنسان: جعلت أرضي هذه صدقة موقوفة لله (أبداً على ورثة فلان، على قدر مواريثهم منه، وكان فلان المسمّى حياً، فإنَّ غلة
الوقف تصرف إلى الفقراء ما دام حياً، ولا شيء لورثته قبل موته؛ لأنَّهم لا يسمون ورثة فلان إلا من بعد موته، والعبرة لمن سيكون وراثاً عند الموت.
ب. منقطع الوسط: بأن وجد المستحقّ المشروط، ثم فُقِد، كما لو وقف على أولاده الحاضرين ومَن سيحدث له من الأولاد، ثم من بعد أولاده جميعاً فعلى جهة برّ عَيَّنها، فاستحق أولاده الوقف ثم ماتوا ثم حدث له أولاد، فإنَّ الوقف بين موت الحاضرين وحدوث الحادثين منقطع الوسط تصرف غلّته إلى الفقراء.
وممكن أن يكون الانقطاع في التولية في الأول والوسط، كما لو شرط الواقف التولية للأعلم أو للأسَنّ من أولاده الذكور، وليس له حين الوقف أولاد، أو ليس له سوى الإناث.
وحكم الانقطاع في شرط التولية: أنَّه يعود إلى القاضي الشرعي بمقضتى صلاحيته العامة في نَصْب متولّ على الوقف لأجل إدارته، حيث يرجع إلى القاضي بحكم ولايته العامة (¬1).
(((
¬
(¬1) ينظر: أحكام الأوقاف للزرقا ص209 - 219.
المبحث الثاني
دراسة عن الاستثمار للوقف
تمهيد:
إنَّ الوقف من مبتكرات الشريعة الغراء، وأحد المنجزات التشريعية لتحقيق التكافل الاجتماعي، وتأمين المصادر المالية لأعمال الخير، وأصبح أحد معالم الحضارة الإسلامية، وجمع بين التنظيم الدنيوي والحرص على استمرار الثواب للواقف، وبقاء الأجر بعد الوفاة، واستفادت الأجيال المتلاحقة من ميراث السابقين الخيرية عن طريق الوقف.
وتعتمد آلية الوقف حقيقة على المحافظة على رأس المال، وصرف الغلة والربح والثمرة للموقوف عليهم في مختلف وجوه الخير والمصالح العامة، واقتضى ذلك أن يظهر ناظر الوقف ليحافظ على أصل الوقف، ويتولى عمارته وصيانته، ويقوم بالإشراف على تنميته، ليكمل الواجب الملقى عليه في توزيع ثمراته وريعه، وهذا هو المنطلق الأساسي للاستثمار المالي والاقتصادي لأموال الأوقاف بحسب الحال والظروف والإمكانيات.
لذلك أوجد العلماء والفقهاء والنُظّار على الوقف صيغاً متعددة لاستثمار الوقف محلياً ودولياً، وحافظ الوقف على وجوده واستمراره عبر التاريخ ومرور السنين (¬1).
وكان القاضي توبة بن نمر الذي تولى قضاء مصر سنة (115 هـ) أول قاض تسلم الأحباس (الأوقاف) في زمن هشام بن عبد الملك (125 هـ)، وقال توبة رحمه الله تعالى: «ما أرى مرجع هذه الصدقات (الأوقاف) إلا إلى الفقراء والمساكين، فأرى أن أضع يدي عليها، حفظاً لها من التواء (الهلاك) والتوارث» (¬2) (وضع اليد عليها من الورثة)، وقال الكندي (¬3) عن توبة: «أول قضاة مصر تسلم الأحباس إلى ديوانه توبة بن نمر سنة ثمان عشرة ومئة، ثم قال: فلم يمت توبة حتى صار الأحباس ديواناً عظيماً».
وجوهر الوقف، ومقصده الأساسي، هو استمرار المنفعة والثمرة والغلة؛ لأنَّ من خصائص الوقف تأبيد الانتفاع به، واستمراره إلى المستقبل، فالأصل فيه الاستمرار في العطاء والنفع، وإنَّما حبس الوقف من أجل استغلاله مع المحافظة على الأصول.
فالعلاقة بين الوقف والاستثمار علاقة أساسية ومتينة، والاستثمار يشمل: أصول الأوقاف، وبدل الوقف، وريع الوقف وغلته.
¬
(¬1) ينظر: استثمار المعاصر للوقف للزحيلي ص 2.
(¬2) الولاة والقضاة للكندي ص 250، وينظر: الدولة الأموية للصلابي 2: 447، وغيرها.
(¬3) في الولاة والقضاة ص 250.
والهدف الاقتصادي المباشر لاستثمار أموال الأوقاف: هو تأمين الدخل المرتفع بقدر الإمكان لصرفه في مواطنه المحددة، دون التهاون في الأصل والعين الموقوفة، وهذا يوجب أيضاً التوسع في الاستغلال وإعادة الاستثمار.
وينتج أنَّ القصد من استثمار الموقوف هو استغلاله واستعماله بطريقة تدر ريعاً إضافياً يستفيد منه الوقف والموقوف عليه، وذلك بحسب العين الموقوفة، فقد تكون مما لا يجوز استثماره: كالمسجد، والمقبرة، والآلات والأواني المخصصة للاستعمال، وقد يكون مما لا يمكن استثماره لنص الواقف: كالمستشفى التي يعالج بها مجاناً، وقد يكون الاستثمار حتمياً في النقود عند من أجاز وقفها، والتي توسعت في عصرنا الحاضر، فيكون استثمارها بالمضاربة أو التجارة بالمرابحة، ومثلها الأسهم وصكوك الاستثمار الإسلامية، وقد يكون الموقوف لا ينتفع به إلا باستثماره والاستفادة من ريعه الثابت: كالعقارات التي تؤجر، فيكون استثمارها بالإجارة أو المساقاة للأراضي الزراعية، والإدارة للمصانع.
وإنَّ الوقف بحد ذاته هو استثمار لتنمية الموارد لتغطية الجهات الموقوف عليها: كالمساجد، ودور العلم، والفقراء؛ لأنَّ الوقف تحبيس للأصل، وتسبيل للمنفعة، والمنفعة بحد ذاتها هي الاستثمار، أو نتيجة الاستثمار، لأنَّ المنفعة الناجمة عن العين المحبوسة لا تكون إلا عن طريق الاستثمار والجهد فيه، لأنَّ الاستثمار يقوم على ركنين: المال الأصلي، والجهد المبذول فيه، وكل ذلك يرجع إلى تحقيق المصلحة الراجحة التي يتوجب على الناظر أو القاضي
أو مؤسسة الوقف أن يقوم بها، وقياساً على وجوب استثمار أموال اليتامى، للشبه الكبير بين الأمرين في الحفاظ عليها، والحرص على تنميتها واستثمارها، وخاصة أنَّ حاجات الموقوف عليهم تتزايد مع تزايد السكان، مما يقتضي أن يواكبه تزايد مماثل على الأقل في تنمية موارد الوقف وغلته.
والهدف من الاستثمار عامة: هو الحفاظ على تنمية المال وزيادته، والحفاظ على ديمومة تداول المال وتقلبه، وتحقيق الرفاهية للجميع، وتحريك الأموال فيما يعود بالنفع على الأفراد والمجتمع والأمة.
وحذَّر الفقهاء من تعطيل المال الموقوف، كما حذروا من الإخلال والاختلاف في جني منافعه وتأمينها، وأوجبوا على الواقف وعلى من ولاّه إجارة الوقف.
وإذا تعطل الوقف أو اختلت منافعه، فإن كان بسبب مضمون: كإتلاف مال الوقف، فيجب أخذ الضمان والتعويض وشراء مال مماثل للأول؛ ليكون وقفاً مكانه، لئلا يتعطل غرض الواقف، أو يضيع حق الموقوف عليهم، وإن كان بسبب غير مضمون وبقي شيء من الوقف فلا ينقطع الوقف في الأصح، وينتفع به إدامة للوقف في عينه، فإن بلي الموقوف: كحُصر المسجد وأخشابه، فتباع ويصرف ثمنها في مصالح الموقوف عليه، أو يشتري بثمنها مِثْلاً للتالف، ويصبح وقفاً (¬1).
¬
(¬1) ينظر: الاستثمار المعاصر للوقف للزحيلي ص 6 - 8.
وإنَّ وسائل الاستثمار عامة متنوعة، وتختلف بحسب المال المستثمر، وبحسب الأماكن، وتطور الزمان.
وكان الاستثمار في العهود الأولى محصوراً بأنواع محددة، ومع مرور الأيام ابتكر العلماء ونظّار الوقف وسائل جديدة لاستثمار الوقف حسب الحاجة، لأنَّ الحاجة أم الاختراع.
وفي العصر الحاضر أوجد العلماء والمفكرون والفقهاء وسائل حديثة ومتطورة لاستثمار الوقف، وحققت نتائج باهرة، ولا يزال الابتكار مستمراً، والتطور قائماً.
لذلك نعرض أولاً وسائل استثمار الوقف الفقهية التاريخية، ثم نعرض ثانياً وسائل استثمار الوقف المعاصرة (¬1).
(((
¬
(¬1) ينظر: الاستثمار المعاصر للوقف للزحيلي ص 9.
المطلب الأول
وسائل استثمار الوقف الفقهية التاريخية
عرض الفقهاء صوراً عديدةً لاستثمار الوقف تتناسب مع زمنهم، ونعرضها باختصار:
أولاً: إجارة الوقف:
وهي الصيغة المتداولة والمنتشرة منذ مطلع العهود الفقهية الأولى، وحتى اليوم، وستبقى للمستقبل، وهي الأكثر شيوعاً في عقارات الأوقاف، سواء كانت أبنية أم أرضاً زراعية، أو أرض فضاء.
والإجارة: عقد على منفعة مباحة معلومة مدة معينة بأجر معلوم، أو هي تمليك منافع مباحة لشيء مدة معلومة بعوض.
فناظر الوقف يؤجر العين الموقوفة، ويُملّك منافعها لشخص ما (وهو المستأجِر) مدة معلومة مقابل عوض معلوم؛ ليعود به على الموقوف عليهم، ويوزعه عليهم حسب شرط الواقف.
والإجارة مشروعة باتفاق الفقهاء، وتحقق الهدف من الوقف بحبس الأصل وبقاء العين، ثم الحصول على الأجرة والثمرة؛ لينتفع بها الموقوف عليهم، وتتم إجارة الوقف من الموقوف عليه أو المتولّي.
وظهرت أنواع أخرى ومتطور لإجارة الوقف على مرِّ التاريخ ونعرضها تباعاً.
1.الحُكر:
هو عقد إجارة يقصد به استبقاء الأرض الموقوفة مقررة للبناء والغرس أو
لأحدهما بيد شخص لقاء أجر محدد، فهو إجارة طويلة للعقار ونحوه، فيعطي المستأجِر حقاً بالقرار المرتب الدائم لمدة طويلة على الأرض الموقوفة، ويسمى حق الحُكر أو المقاطعة، بأن يقيم المستأجر مشروعاً زراعياً أو صناعياً على أرض موقوفة بما لا يضر بمصلحة الوقف، وصورته: أن يعقد القاضي أو ناظر الوقف عقداً مع آخر يسمى المستحكر، الذي يدفع لجانب الوقف فوراً مبلغاً يقارب قيمة الأرض، ويلتزم بمبلغ آخر ضئيل يستوفى سنوياً لجهة الوقف، ويكون للمستحكر حق الغرس والبناء وسائر وجوه الانتفاع، وينتقل هذا الحق لورثته من بعده.
واشترط الفقهاء لجواز الحُكر للوقف: أن يكون العقار أو البناء خراباً وقد بطل الانتفاع به، وأن لا يوجد للوقف غلة يمكن بها إعادة عمارته به،
وأن تكون أجرته تعادل أجرة الوقف، ويكون لناظر الوقف حق تعديل مقدار الأجرة إذا غَلت الأجور أو رخصت؛ لتبقى مساوية لأجرة المثل.
وأجاز الفقهاء في الحُكر أن تستمر الإجارة حتى تهدم المنشآت التي أقامها المستأجر، وبطلان نفعها، وعندئذ يحق لناظر الوقف تأجير الموقوف من جديد إلى مستأجر آخر؛ ليعيد إليه صلاحيته للانتفاع به.
2.المُرْصَد:
وهو في إجارة عقار الوقف، وهو دَين يثبت على الوقف لمستأجر عقار مقابل ما ينفقه بإذن المتولّي على تعميره وبنائه عند عدم وجود غلة في الوقف، ثم يؤجر منه بأجرة مخفضة ريثما يستوفي ما له من دَين على الوقف، ثم تبقى ملكية البناء للوقف، وحق المستأجر بالاستمرار بالتصرف والانتفاع من الوقف له ولورثته.
3.الكَدِك:
هو زيادة يضعها المستأجِر في عقار الوقف المستأجَر زيادة متصلة، أي هو الأشياء الثابتة في الحوانيت الموقوفة، وتتصل بها اتصال قرار ودوام، لعلاقتها الثابتة بالعمل الذي يمارس في هذا العقار، وجرت العادة أن ينشئ مستأجر عقار الوقف هذا الكَدِك فيه من ماله لنفسه على حسب حاجته بإذن متولّي الوقف، وقد يسمى الكَدِك «سكنى» في الحوانيت والمحلات التجارية، ويسمى «كرداراً» في الأراضي الزراعية.
4.القميص:
هو حق لمستأجر دار الرحى الموقوفة، يخوله البقاء فيها، لما له فيها من أدوات الطحن وآلاته ولوازمه.
5.مشد المسكة:
حق لمستأجر الأرض الموقوفة في البقاء بسبب ما له فيها من حراثة وسماد، إذ يتضرر إذا أُخرج منها.
6.حق الإجارتين:
هو ما ينشأ عن عقد إجارة مديدة بإذن القاضي الشرعي على عقار الوقف المتوهن الذي تعجز غلة الوقف عن إعادته إلى حالته من العمران السابق، ويدفع المستأجر أجرة معجلة تقارب قيمة العقار، وتؤخذ لتعميره، وأجرة مؤجلة ضئيلة سنوية يتجدد العقد عليها لتدفع كل سنة، ويكون للمستأجر حق البقاء، وذلك كمخرج من عدم جواز بيع الوقف، ولا إجارته مدة طويلة، وللحصول على غلة وأجرة، ومن هنا سميت بالإجارتين، وتدفع الأجرة المؤجلة للموقوف عليهم، وذلك وسيلة لاستثمار الوقف.
وحق الإجارتين يشبه الحُكر والإحكار، لكن يستغل المبلغ المعجل المساوي لقيمة عقار الوقف في الإجارتين في ترميم وإصلاح ذلك العقار نفسه.
7.القيمة:
حق مستأجِر البساتين الموقوفة في البقاء فيها كذلك مع دفع أجرة، لما له من أصول المزروعات التي تدوم أكثر من سنة: كالفصفصة، أو عمارة الجدار المحيطة التي أنشأها المستأجِر.
8.حق القرار:
وهو أن يأذن القاضي أو الناظر لمستأجر الوقف بالبناء في الأرض الموقوفة، ويكون ما ينفقه في البناء دَيناً على الوقف يستوفيه من أجرة الوقف بالتقسيط، على أن يكون للمستأجر حق القرار «البقاء» على عقار الوقف، ويكون البناء ملكاً للوقف، وتكون الإجارة لمدة متفق عليها، ويحق للمستأجر خلالها التنازل لآخر ببيع حقه عليه، وهو أساس الخلو الذي شاع وانتشر.
ثانياً: الاستبدال في الوقف:
هو بيع العين الموقوفة التي انعدمت منفعتها بشكل كامل أو غالب، ثم شراء عين أخرى وجعلها وقفاً بدلاً منها، فهو نقل الوقف من عين إلى أخرى، وذلك بقصد الحرص على استثمار الوقف، والحصول على الغلة والمنفعة والثمرة منه حسب قصد الواقف ... ، فجاز ذلك في معظم الحالات ما دام يحقق مصلحة للوقف، خاصة إذا تعذر الانتفاع بالوقف كاملاً، أو بما
لا يفي بمؤونته، لكن مع إذن القاضي؛ احتياطاً للوقف، ومنعاً من سوء التصرف مِن الاستبدال.
والمقصود من استبدال عقار وقفي بالبيع والشراء هو الحرص على الانتفاع بالوقف واستثماره، وذلك بتعمير موقوف آخر، وأن يكون الاستبدال لصالح الوقف، وأن يكون البدل أفضل بالمواصفات والريع، مع الحرص على تحقيق المنفعة المقصودة أصلاً من الموقوف.
ثالثاً: المزارعة:
هي دفع الأرض لمن يزرعها على أن يكون له جزء من إنتاجها، ويكون البذر من مالك الأرض أو ناظر الوقف.
فإذا كانت الأرض الزراعية موقوفة، فإما أن تسلم للموقوف عليهم يزرعونها بأنفسهم، ويتقاسمون الإنتاج الزراعي فيما بينهم، بحسب الاتفاق، وبحسب الحصص، وإما أن يدفعها الناظر أو المتولّي لشخص آخر يزرعها، ويأخذ حصة متفقاً عليها من الإنتاج، ويتسلم الناظر أو المتولّي حصة الوقف، ويوزعها على الموقوف عليهم، أو يبيع الإنتاج، ويوزع ثمنه على الموقوف عليهم بحسب شرط الواقف.
ويمكن لإدارة الوقف أن تستثمر الأراضي الزراعية مباشرة مع استخدام التقنيات الزراعية الحديثة المؤدية إلى زيادة الإنتاج، وتحسين الجودة، وانخفاض التكاليف، مع حسن اختيار أنواع الزروع والمحاصيل والأشجار
المثمرة التي تدر إنتاجاً طيباً، مع قلة حاجتها للنفقات عليها، مثل: استعمال وسائل الري الحديثة، والتسميد، وآلات الحراثة والحصاد، وصنوف البذار والفسائل المتميزة، وحماية المزروعات والثمار بوسائل مكافحة الحشرات الحديثة، والمبيدات المصنعة، مما يضمن أعلى قدر من الإنتاجية بأقل قدر من التكاليف، مع الاهتمام والتخطيط لاستخدام أحدث وسائل التخزين للمنتجات، والتبريد، والفرز والتعبئة والنقل والبحث عن الأسواق.
رابعاً: المساقاة:
هي سقي الشجر وخدمته على جزء معلوم مشاع من ثمره لمدة معلومة: كسنة وأكثر.
فإذا كانت الأرض مزروعة بالشجر: كالنخيل والعنب والتفاح، فإنَّ الناظر أو المتولّي يدفعها إلى شخص؛ ليقوم على رعاية الشجر بالسقي والخدمة، ويتقاسمان الثمرة فيما بينهما بحسب الاتفاق، وما يستلمه الناظر أو المتولّي يوزعه على الموقوف عليهم، أو يبيعه، ويوزع ثمنه على الموقوف عليهم.
والمساقاة استثمار عام في البساتين المشجّرة عامة وأراضي الوقف خاصة، وهي وسيلة فقهية قديمة، ولا يزال المسلمون يتعاملون بها طوال التاريخ وحتى اليوم، وهي في حقيقتها شركة تشبه المضاربة، ويمكن تطبيقها على البساتين الموقوفة.
خامساً: المغارسة:
هي دفع الأرض لمن يغرسها بالشجر، ثم يتعهدها حتى تثمر، وله نسبة معينة من ثمرتها، وتسمى المناصبة مِن زرع النَصْب، وهو فسيلة الشجر.
فإن كانت الأرض الزراعية موقوفة، فإنَّ الناظر أو المتولّي يدفعها لشخص آخر ليزرعها، وينصب الشجر فيها، ويقوم عليها بالسقاية والرعاية كالمساقاة، ويتقاسمان الثمرة فيما بينهما بحسب الاتفاق، وما يستلمه الناظر أو المتولّي يوزعه على الموقوف عليهم، أو يبيعه ويوزع ثمنه على الموقوف عليهم.
والمغارسة مشروعة كالمساقاة، وهي وسيلة استثمار عامة للوقف وغيره، ووسيلة فقهية قديمة، وشرح الفقهاء أحكامها.
ويمكن أن تتم المزارعة والمساقاة والمغارسة بصيغة معاصرة، وهي صيغة المشاركة المستمرة، بأن تتفق المؤسسة الوقفية مع المستثمر على إنشاء شركة للانتاج الزراعي على أن يقوم المشروع على الأرض الموقوفة لمدة طويلة لا تقل عن 25 سنة بالشروط المتعارف عليها في مثل هذه الشركات، وبما يعود بالنفع والخير على الموقوف عليهم.
سادساً: المضاربة:
المضاربة شركة، وهي عقد بين طرفين يقدّم أحدهما المال، ويقدّم الآخر العمل، ويتقاسمان الربح بحسب الاتفاق.
وهي وسيلة استثمار قديمة، أجمع الفقهاء على مشروعيتها وبحثوها بإسهاب وتفصيل، وتقع بين الأشخاص عادة على النقود، أي الأثمان من الدراهم والدنانير، ويمكن أن تدخل أموال الوقف مشاركة في مشروع تجاري أو صناعي أو زراعي، وفي الشركات المساهمة، والمشاركة في الصناديق الاستثمارية المباحة، والمشاركة في المحافظ الاستثمارية، كمحفظة المتاجرة بالأسهم (¬1).
(((
¬
(¬1) ينظر: الاستثمار المعاصر للوقف للزحيلي 10 - 16.
المطلب الثاني
الوسائل المستحدثة
لاستثمار الوقف
ظهرت في العصر الحاضر على يد العلماء والفقهاء عقود جديدة في المعاملات المالية المعاصرة، وفي طرق الاستثمار.
ويمكن استخدام هذه الوسائل المستحدثة المعاصرة في أموال الوقف، بأن يتم التعامل بها لاستثمار مال الوقف لكسب أحسن للغلة والريع له، ليستفيد منها الموقوف عليهم، وينتفع منها المجتمع والأمة، ولذلك نفتح المجال أمام الوقف للاستثمار عن طريقها داخلياً ودولياً، مثل: المشاركة المنتهية بالتمليك، والإجارة المنتهية بالتمليك، والاستصناع الموازي، والمساهمات في رؤوس أموال الشركات: كالأسهم والصكوك وسندات المقارضة، والاستثمار لدى المؤسسات المالية الإسلامية، مثل: المصارف الإسلامية، ومؤسسات الاستثمار الإسلامي، ومؤسسات صناديق الاستثمار الإسلامي، وما في حكم ذلك.
وعُرضت هذه الصيغ على مجامع الفقه الإسلامي فأجازتها، ووضعت لها الضوابط الشرعية التي تحكم التعامل معها، والتي تحتاج إلى صياغتها في شكل دليل شرعي؛ لتكون مرشداً في التطبيق العملي، ونعرضها باختصار:
أولاً: سندات المقارضة:
وهي وسيلة لتوفير التمويل اللازم لإعمار الممتلكات الوقفية، وأول ما صدر فيها القانون الأردني المؤقت رقم 10 لسنة 1980م، وذلك بطرح هذه السندات على الجمهور؛ ليشتركوا فيها بدفع مبلغ محدد من المال؛ ليستفاد منه في إعمار الأراضي الوقفية واستثمارها للإيجار والسكن وغيره، وهو إحياء عملي للأراضي الوقفية المجمدة أو المهجورة بدون الاستفادة منها، ويتم تطبيقها عن طريق المضاربة أو القراض لتحقيق الربح وتوزيعه على المشاركين والموقوف عليهم.
وحظيت سندات المقارضة باهتمام واسع لدى الفقهاء وعلماء الاقتصاد، ودُرست في مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة في دورته الثالثة، ثم خصص لها ندوة مستقلة في الدورة الرابعة لاستكمال دراستها، وأخذ بها البنك الإسلامي للتنمية بجدة.
ويجري العمل في صيغة سندات المقارضة بطرح عدد معين من السندات للاكتتاب العام، وتخصص حصيلة هذه السندات لمشروع معين، ويكون جميع المكتتبين شركاء في دخل المشروع، على أن يخصص جزء من الريع سنوياً لإطفاء عدد من السندات بدفع ثمنها لتصبح ملكاً لمؤسسة
الوقف، بحيث يتم إطفاء جميع السندات تدريجياً، وبعد إطفاء جميع السندات يصبح المشروع ملكاً للأوقاف، وقد يتبرع المساهمون أو بعضهم بسنداتهم للوقف، بقصد الأجر والثواب، وهذا ما طبقته عملياً وزارة الأوقاف بالأردن، وعملت «سوق الأوقاف التجاري» في عمان.
ثانياً: الاستصناع:
الاستصناع لغةً: هو طلب عمل الصنعة من المصانِع فيما يصنعه.
واصطلاحاً: هو بيع عين موصوفة في الذمة، لا بيع العمل، وقد يشترط فيها العمل من المصانِع.
ولم يطبق الاستصناع على الأوقاف إلا في العصر الحاضر، نظراً لعدم توفر السيولة النقدية عند الأوقاف لتأمين استثمار واستغلال الأراضي الوقفية، ولذلك اتجه المشرفون على الوقف إلى المصارف الإسلامية لتمويل الاستثمارات على الأراضي الوقفية بموجب عقد استصناع، بحيث تقدم الأوقاف كافة المواصفات والمقاييس المطلوبة لإقامة المشروع، وتقوم الجهة التمويلية بالعمل الموكل إليها من خلال أجهزة متخصصة تابعة لها، أو بالاستعانة بغيرها من الجهات المتخصصة للقيام بهذا العمل.
وتقوم الأوقاف باستلام العمل بعد التأكد من مطابقته للمواصفات والمقاييس والشروط المطلوبة، بالاستعانة بخبراء ومتخصصين، وتدفع الثمن للجهات الممولة على شكل أقساط محددة القيمة والمواعيد، بناءً على
الريع المتوقع لاستغلال المشروع، وتوزع قسماً من الريع أثناء ذلك على الموقوف عليهم، وبعد انتهاء الأقساط توزع الريع كاملاً عليهم.
ثالثاً: الاستصناع الموازي:
يعتمد الاستصناع «العادي» على طرفين، المستصنع والصانع، بأن يطلب شخص من آخر سلعة مصنعة بأوصاف خاصة بمبلغ معين، أما الاستصناع الموازي فيقوم على ثلاثة أطراف، كأن تطلب شركة من مصرف أو من وزارة الأوقاف أن تصنع لها سلعة، أو بناء بأوصاف معينة، لقاء مبلغ من المال، وبما أنَّ المصرف أو وزارة الأوقاف لا تصنع حقيقة الأمر المطلوب، فإنَّها تعقد استصناعاً موازياً للأول، فتتفق مع نجار لاستصناع المطلوب السابق بأوصافه وشروطه، أو تتفق مع مقاول لبناء شقق أو أبنية بالأوصاف التي طلبتها الشركة سابقاً، لقاء مبلغ أقل من المتفق عليه مع الشركة، ثم يستلم المصرف أو الوزارة الشيء المصنوع أو البناء، وتسلمه إلى الشركة، ويكون الفرق بين السعرين ريعاً وربحاً للأوقاف.
ويمكن أن تكون صيغة الاستصناع والاستصناع الموازي لأصول ثابتة لتقديم الخدمات والمنافع: كاستصناع عقارات لأجل الإجارة، واستصناع آلات ومعدات لأجل الإجارة، واستصناع أصول ثابتة بدلاً من المستهلكة.
رابعاً: المشاركة المتناقصة المنتهية بالتمليك:
وهي نوع من المشاركة يعطي بموجبه الممول للشريك الحق في الحلول محله في ملكية المشروع، إما دفعة واحدة، أو على دفعات، حسب ما تقتضيه الشروط المتفق عليها.
وهذه الصيغة أقرتها العديد من المؤتمرات الفقهية والندوات العلمية المتخصصة وهيئات الفتوى للبنوك الإسلامية؛ لموافقتها للأحكام الفقهية المقررة في هذا الخصوص، وذلك على أساس إجراء ترتيب منظم لتوفير جزء من الدخل المتحصل ليدفع أقساطاً لسداد قيمة الحصة المتنازل عنها، ليصبح العقار كاملاً للوقف مع الزمن، ويصرف الجزء الباقي من الريع على الموقوف عليهم، فإن تمت الملكية للوقف – بعد انتهاء الأقساط - صار الريع كاملاً للموقوف عليهم.
وصورتها: أن تقوم شركة، تُقَدِّم فيها الأوقاف الأرض اللازمة لإقامة المشروع عليها، وتُقَدِّم المصارف الإسلامية مثلاً، أو شركة ما، التمويل المالي اللازم، على أن يتضمن العقد وعداً ملزماً من جانب الممول ببيع حصته للأوقاف، وتقسم الأوقاف حصتها من الربح إلى قسمين: الأول: للإنفاق على الموقوف عليهم، والثاني: تخصصه لتسديد ما قدّمه الممول، لتصبح الأرباح في المستقبل كاملة للموقوف عليهم، ويشارك المستثمر الممول برأس مال نقدي، وبالإدارة، ويحصل على عوض عن جهوده الإدارية، ويمكن أن تؤجر الأرض على المشروع بأجرة المثل، وتعود الأجرة إلى المؤسسة الوقفية،
ويحسب الإيجار ضمن التكاليف الإدارية للمشروع، وتبدأ المؤسسة الوقفية في شراء نصيب المستثمر عن طريق الأقساط الميسرة الشهرية أو السنوية، ويبدأ نصيب المستثمر من رأس المال ومن الأرباح بالتناقص، ويتزايد نصيب المؤسسة الوقفية حتى تصل حصة المستثمر إلى الصفر، وتستقل المؤسسة الوقفية بالمشروع وتنتهي الملكية الكاملة لها.
ويمكن تنويع صيغ المشاركة المتناقصة في العقارات الوقفية في الفنادق، والشقق الفندقية، والمجمعات التجارية الكبيرة، والمنتجعات السياحية بشرط الالتزام بالأحكام الشرعية في الحلال والحرام.
خامساً: الإجارة المتناقصة المنتهية بالتمليك، والبيع التأجيري:
وذلك بأن تتفق الأوقاف على أن تؤجر أرضها لجهة تمويلية، شخصاً أو مصرفاً إسلامياً، بأجرة سنوية معينة، على أن يقوم الممول بالبناء على هذه الأرض، بشرط أن يتضمن العقد وعداً ملزماً من المستأجر الممول ببيع البناء للوقف، ويتقاضى الثمن على أقساط سنوية يتم دفعها إليه من الأجرة التي تأخذها الأوقاف، ثم يصبح البناء كاملاً ـ مع الأرض ـ للأوقاف التي توجه الغلة والريع للموقوف عليهم.
وتكون قيمة القسط السنوي أقل من قيمة أجرة الأرض السنوية، ويكون عدد السنوات التي سيبقى فيها المستأجر الممول مستغلاً للبناء مساوياً لعدد الأقساط التي ستدفع، وهذا ما يميزها عن الحكر الذي لا
يتضمن وعداً ملزماً من المستأجر الممول ببيع البناء الذي بناه إلى الأوقاف، وإنما يبقى له حق القرار الدائم كما سبق، وتم تطبيق ذلك في الأردن وغيره.
سادساً: التمويل بالمرابحة:
وذلك بأن تتفق وزارة الأوقاف مع جهة ممولة على إقامة مبان ومنشآت على قطعة أرض وقفية (وهي كثيرة)، ويتم الاتفاق مبدئياً على كلفة البناء، ونسبة الربح للممول، ثم تقوم الوزارة بتسديد هذه القيمة للممول على أقساط من دخل هذا المشروع، مع تقديم الضمانات اللازمة لتسديد القيمة، ويكون البناء للأوقاف تستفيد مبدئياً من جزء من أجرته وريعه، ثم يصبح البناء والدخل كاملاً للأوقاف.
كما يمكن لمؤسسة الأوقاف أن تساهم بالتمويل في الأصول غير الثابتة عندها، كالنقود الفائضة عندها، وذلك في قطاع النقل والمواصلات: كشراء أسطول للنقل البري، أو امتلاك شاحنات وحافلات لتديرها، وَتَدر ريعاً كبيراً، وكذلك يمكنها المشاركة في امتلاك المعدات الثقيلة بهدف تشغيلها مباشرة أو القيام بتأجيرها، مثل معدات الحفر والردم، ومعدات شق الطرق ورصفها، ومعدات حفر آبار المياه وآبار النفط، وكذلك المشاركة في شركات الصيانة مثل صيانة المباني والمطارات والموانئ، وفي قطاع التجارة منفردة، أو بالارتباط مع المصارف الإسلامية عن طريق المشاركة الدائمة كشريك ممول من أموال الأوقاف، وتمَّ تطبيق ذلك في الأردن وغيرها.
سابعاً: صيغ أخرى لاستثمار الوقف:
1.التمويل بإضافة وقف جديد إلى الوقف القديم، ويمكن بتوسعة الأصول الوقفية القائمة: كإضافة طوابق عليا إضافية على بناء ما، وتوسيع دائرة الممتلكات الوقفية عن طريق شراء أصول جديدة تبرعاً من الأفراد، أو الجمعيات الخيرية، أو بقيام التجار بإقامة مشروعات وقفية، أو بفتح نوافذ في المصارف الإسلامية لأبواب البر فتجمع تبرعاتهم، وتستثمرها في أصول وقفية جديدة، وذلك عن طريق الصكوك، أو الأسهم الوقفية، وصناديق الوقف.
2.الاقتراض للوقف: وذلك بإذن القاضي لتقدير المصلحة في ذلك، وتكون الاستدانة عند الحاجة: كشراء البذور مثلاً، واستئجار العمال للزراعة أو غيره، ويدخل في ذلك الاستقراض لعمارة الوقف؛ لإعادته إلى ما كان عليه قبل الهدم.
3.الإيداع المصرفي للنقود في حسابات الاستثمار لتحصل على عائد، وتكون عند الحاجة، ولفترات قصيرة، حتى لا تتعرض النقود للتآكل والنقص بسبب التضخم النقدي.
4.المتاجرة بالأسهم المباحة في الشركات المساهمة بالشراء والبيع؛ وذلك لأنَّ السهم صك قابل للتداول ويمثل حصة شائعة في الشركة، ويتم عرضه للمتاجرة، وتمت تجربة ذلك بالسودان.
5.إدارة استثمار الوقف: وذلك بإحدى الصيغ التالية:
أ – الإدارة المباشرة، وذلك بالإشراف والمتابعة والإدارة والرقابة والقيام بجميع الأعمال اللازمة لتشغيل المشروع وبيع منتجاته وخدماته بعد إعداد كادر وظيفي يتمتع بالخبرة الكافية.
ب- الوكالة بأجر، وذلك بأن توكِّل مؤسسة الأوقاف هيئة أو جهة مختصة بالإدارة والتشغيل لإدارة مشاريعها مقابل أجر.
جـ- بيع حق الاستثمار، وذلك بأن تمنح مؤسسة الوقف حق استثمار مشاريعها إلى جهة متخصصة، مقابل بدل محدد تدفعه للأوقاف ولمدة معينة، ويقوم المستثمر بالمسؤولية الكاملة، والعمل على اختيار المشروع المتفق مع طبيعة الوقف.
6.الصناديق الوقفية: وهي تجربة وقفية حديثة ومشجعة وجادة سبقت إليها الأمانة العامة للأوقاف بالكويت، وتبعتها مؤسسات ودول أخرى، وتم إنشاء صناديق وقفية بقيمة دينار كويتي، وديناران، وخمس دنانير، لأهداف عدة منها: رعاية المعوقين، والتنمية الصحية، وحفظ القرآن وعلومه، ورعاية المساجد، والتنمية العلمية، ورعاية الأسرة، وغير ذلك.
7.الأسهم الوقفية: وهو ما أطلقته وزارات الأوقاف وهيئات أو أمانات الأوقاف، وتتمثل في المساهمة في وقف خيري بشراء سهم أو عدة أسهم حسب القدرة، ويستثمر وينفق ريعه على أوجه الخير المحددة وفقاً
للسهم وحسب رغبة المساهم، ويتحدد نصيب صاحب السهم في مشروع وقفي معين دون أن يكون له الحق في سحب هذه الأسهم أو التدخل في طريقة استثمارها (¬1).
(((
¬
(¬1) ينظر: الاستثمار المعاصر للوقف للزحيلي ص 16 - 21.
الفصل الثاني
دراسة عن المؤلف والكتاب
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: دارسة عن المؤلف.
المبحث الثاني: دارسة عن الكتاب.
المبحث الأول
دراسة عن المؤلف
المطلب الأول
اسمه ونسبه ونسبته
ولقبه ومذهبه وولادته
أولاً: اسمه:
اتفق مَن ترجمه له (¬1) على اسمه واسم أبيه وجدِّه وجدِّ أَبيه: وهو إبراهيم بن موسى بن أبي بكر بن الشيخ علي.
ثانياً: نسبته:
ذكروا (¬2) نسبته: الطرابلسي، وبعضهم (¬3) ذكر نسبه أيضاً: الدمشقي.
¬
(¬1) ينظر: الضوء اللامع 1: 178، والطبقات السنية 1: 73، وشذرات الذهب 10: 150، والكواكب السائرة 1: 113، والدر المختار 4: 475، ومعجم المؤلفين 1: 117، والأعلام 1: 76.
(¬2) ينظر: الضوء اللامع 1: 178، والطبقات السنية 1: 73، وشذرات الذهب 10:
150، والكواكب السائرة 1: 113، والعقود الدرية 1: 159، والدر المختار 4: 475، ومعجم المؤلفين 1: 117، والأعلام 1: 76، وغيرها.
(¬3) ينظر: الكواكب السائرة 1: 113.
ثالثاً: مذهبه:
اتفقوا (¬1) على مذهبه الفقهي: وهو المذهب الحنفي.
رابعاً: لقبه:
ذكر بعضهم (¬2) لقبه، وهو: برهان الدين.
خامساً: ولادته:
بيَّنوا أنَّه ولد (853هـ ـ 1449م) (¬3) بطرابلس الشام.
فتلخص ممّا سبق أنَّه إبراهيم بن موسى بن أبي بكر بن الشيخ علي الطرابلسي الدمشقي الحنفي، برهان الدين، المولود (853هـ).
(((
¬
(¬1) ينظر: الضوء اللامع1: 178، والطبقات السنية1: 73، وشذرات الذهب10: 150، والكواكب السائرة1: 113، والدر المختار4: 475، و العقود الدرية1: 159، ومعجم المؤلفين1: 117، والأعلام1: 76، وغيرها.
(¬2) ينظر: العقود الدرية1: 159، والأعلام1: 76، والكواكب السائرة1: 113، وشذرات الذهب10: 150
(¬3) ينظر: الأعلام1: 76، و معجم المؤلفين1: 117.
المطلب الثاني
شيوخه
أخذ الطرابلسي العلم في دمشق عن جماعة من العلماء، منهم:
1.الصّلاحُ الطَّرابلسيّ:
وهو محمد بن محمد بن يوسف، ولد (833هـ) بطرابلس، ونشأ فيها فحفظ القرآن والشاطبية وألفية الحديث والمختار وأصول الأخسيكتي، ولازم الأمين الأقصرائي وأخذ عنه: «شرح المجمع» لابن فرشتا وبعض كلٍّ من «شرح الكنز» للفخر الزيلعي، و «الهداية» و «تحفة الحريص شرح التلخيص» للعلاء بن بلبان و «شرحي المغني» للسراج الهندي وللقاغاني، وشروح «المنار» للقوام الكاكي ولأكمل الدين وللمصنف، و «المنار» و «الكنز» و «التوضيح» و «التلويح» و «العضد» و «حاشيته السعدية» و «شرح العقائد» و «ابن عقيل على الألفية» و «الكشاف»، وصار مدار الفتوى في مذهب الحنفية عليه .. (¬1).
¬
(¬1) ينظر: الضوء اللامع10: 29.
قال الغزيّ (¬1) وابن العماد (¬2): «وكان منقطعاً في خلوة بالمؤيدية عند الشيخ صلاح الدين الطَّرابلسي». وقال السَّخاوي (¬3): «لازمه ورغب له عن تصوفه بالمؤيدية لما أعطي مشيخة الأشرفية».
2.الشّرفُ بن عيد:
قال السَّخاوي (¬4): «وقدم معه القاهرة حين طلب لقضائها».
3.الدِّيَمي:
وهو عثمان بن محمد بن عثمان بن ناصر المصري الشافعي، فخر الدين، ولد (821هـ)، قرأ على النور الوراق المالكي في ابن عقيل، وكذا حضر في العربية عند الزين طاهر، حفظ عشرين ألف حديث، (ت908هـ) (¬5)، قال السَّخاوي (¬6): «أخذ عن الديمي شرح ألفية العراقي للناظم».
¬
(¬1) في الكواكب السائرة1: 113.
(¬2) في شذرات الذهب10: 150.
(¬3) في الضوء اللامع1: 178. وينظر: الطبقات السنية1: 73،
(¬4) في الضوء اللامع1: 178. وينظر: الطبقات السنية1: 73.
(¬5) ينظر: الضوء اللامع5: 140، والنور السافر ص46، والأعلام4: 214.
(¬6) في الضوء اللامع1: 178، وينظر: الطبقات السنية1: 73، والكواكب السائرة1: 113
4.السِّنباطيّ:
وهو عبد الحق بن محمد بن عبد الحق بن أحمد، الشافعي، ولد (842هـ)، وحفظ العمدة والألفيتين والشاطبيتين والمنهاج الأصلي وتلخيص المفتاح والجعبرية في الفرائض والخزرجية، وعرض على خلق كالجلال المحلي وابن الهمام وابن الديريّ وأبي الفضل المغربيّ والولي السنباطيّ والبدر البغداديّ، (ت931هـ) (¬1)، قال السَّخاويّ (¬2): «وعن السنباطيّ أشياء».
5.السَّخاويّ:
وهو محمد بن عبد الرحمن بن محمد الشَّافِعِيّ، شمس الدِّين، ولد (831هـ)، قال اللَّكنويّ: «قد طالعت من تصانيفه: «فتح المغيث»، و «المقاصد الحسنة»، و «ارتياح الأكباد بفقد الأولاد»، وكلُّها نفيسةٌ جداً مشتملةٌ على فوائد مطربة»، (ت902هـ) (¬3). قال السَّخاويّ (¬4): «وكذا
¬
(¬1) ينظر: الضوء اللامع4: 37، والنور السافر ص141، وشذرات الذهب10: 248.
(¬2) في الضوء اللامع1: 178. وينظر: الطبقات السنية1: 73.
(¬3) ينظر: التعليقات السنية ص69، والضوء اللامع 8: 2 - 32، والنور السافر ص18 - 23، البدر الطالع 2: 184 - 187، الأعلام 7: 67 - 68.
(¬4) في الضوء اللامع1: 178. وينظر: الطبقات السنية1: 73، والكواكب السائرة1: 113.
سمع عليَّ «شرح معاني الآثار» و «الآثار» لمحمد بن الحسن وغيرهما، وعلَّق عنّي بعض التآليف».
6.أبو السُّعود الغراقي:
وهو محمّد بن محمد بن محمّد بن علي بن يوسف الشّافعيّ، ولد (795هـ) بالغراقة، نشأ بها فقرأ القرآن وصلى به وتلا لأبي عمرو على الزينبن اللبان الدمشقي وحفظ العمدة والمنهاجين الفرعي والأصلي وألفيتي الحديث والنحو والزهر البسام فيما حوته عمدة الأحكام من الأنام نظم البرماوي والجعبرية في الفرائض والحاجبية (¬1)، قال السخاوي (¬2): «سمع على أبي السعود الغراقي».
7.الرّضا الأوجاقي:
وهو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عز الدين، ولد (799هـ)، وحفظ القرآن والعمدة والتنبيه وألفية النحو، (889هـ) (¬3).
قال السَّخاوي (¬4): «سمع على ... الرضا الأوجاقي»
¬
(¬1) ينظر: الضوء اللامع9: 253.
(¬2) في الضوء اللامع1: 178.
(¬3) ينظر: الضوء اللامع9: 199.
(¬4) في الضوء اللامع1: 178.
المطلب الثالث
رحلته وثناء العلماء عليه
أولاً: رحلته:
ولد في طرابلس الشَّام، وأخذ بدمشق عن جماعةٍ، وانتقل إلى القاهرة وتوفي بها (¬1)، فهو نزيل القاهرة بعد دمشق (¬2)، ونزل في المدرسة المؤيّدية من القاهرة (¬3) ـ كما سبق ـ مع شيخه الصلاح الطرابلسيّ.
والمدرسة المؤيديّة: انتهت عمارتُها في سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة، وبلغت النَّفقة عليها أربعين ألف دينار (¬4)، أنشأها الملك المؤيّد تحت القلعة بالمؤيديّة (¬5).
¬
(¬1) ينظر: الأعلام1: 76، ومعجم المؤلفين1: 117.
(¬2) ينظر: الدر المختار4: 475.
(¬3) ينظر: الضوء اللامع1: 178، والكواكب السائرة1: 113
(¬4) ينظر: حسن المحاضرة2: 272، وتاريخ الخلفاء ص357.
(¬5) ينظر: رفع الإصر عن قضاة مصر2: 284.