إسعاد المفتي على ........
. شرح عقود رسم المفتي
جارٍ تحميل الكتاب…
إسعاد المفتي على ........
. شرح عقود رسم المفتي
إسعاد المفتي
على شرح عقود رسم المفتي
لخاتمة المحققين محمد أمين ابن عابدين الحنفي
ولد سنة (1198 هـ) وتوفي سنة (1252 هـ)
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
الأردن، عمان
مع
حاشية فضيلة الشيخ المفتي محمد رفيع العثماني
مركز أنوار العلماء للدراسات
(
الإهداء
أهدي أجرَ وثوابَ هذه العمل إلى والدتي الغالية العزيزية، الطيبة العفيفة، المخلصة المؤمنة، الصابرة الصادقة، التقية النقية .......
صاحبة القلب الكبير ......
وصاحبة الهمّة العالية، المتفانية في القيام بواجب أبنائها وأسرتها ....
سائلين المولى الكريم:
أن يعافيها من مرضها ....
ويجعله طهورا لها ...
ويثبتها على دينها ...
ويثيبها خير الثواب على صبرها .....
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي علّمنا ما لا علم لنا به، وشَرَّفنا بصحبةِ أصحاب المصنّفات من الأوائل، الذين علا صيتُهم، وارتفع نجمُهم، وانتشر نفعُهم، والصَّلاة والسَّلام على خيرِ الخلق، سيّد الأوّلين والآخرين، الحبيب المصطفى، وعلى آله وصحابته إلى يوم الدين.
وبعد:
إنَّ تكوين الملكة الفقهيّة التي يقدر بها المرء على فهم الفقه ومعايشته وتعليمه والإفتاء به تحتاج إلى ثلاثة أمور:
الأول: دراسة الفروع الفقهيّة المختلفة من الأبواب المتعدّدة.
والثاني: دراسة علم الأصول الذي يتعرّف به كيف استخرج الفقه من الأدّلة الشرعيّة.
والثالث: دراسة رسم المفتي، وهو العلم الذي يبحث في كيفيّة تطبيق الفقه والعمل به.
وبدون ضبط العلوم الثلاثة لا يمكن أن يُستفاد من الفقه على الوجه المعتبر،
والأوّلان علمان مشهوران، وفيهما من المؤلّفات ما لا يحصى، وتدرّسان في المدارس الدينيّة وفي المؤسّسات الأكاديميّة المختلفة بصورة عامة.
أما العلم الثالث فهو منسيٌّ في الدراسات الأكاديميّة، مما جعل الدراسة في الفقه نظرية، والضعف فيمَن يتخرّجون منها ظاهرٌ، حيث إنَّهم يجهلون الأداة التي يطبق بها الفقه، فكيف يستفيدون منه ويفيدون مجتمعهم.
وأما في المدارس الدينيّة فهو يُدرَّس ويُعرف، ممَّا جعل الخريجين منها أضبط للعلم الشرعي من غيرهم، ويدرسون فيه هذا الكتاب العظيم الذي بين أيدينا.
وسبب الغفلة عن هذا العلم مع أنَّه روح الفقه: هو أنَّه الجانب التطبيقيّ والعمليّ للفقه، وكان عند سلفنا الصالح يتلقّاه الطالبُ من أستاذِه بالمصاحبةِ بدون أن يقرأ فيه شيئاً، فيحصل له بالتجربة والملازمة للشيخ، كيف يفهم العبارة؟ وكيف يميّيز بين المسائل صحيحها من سقيمها؟ وكيف يعرف الراجح؟ وكيف يتعرّف على مناهج الكتب والمؤلفين؟ ومتى يتغيّر الحكم بالضرورة والبلوى؟ وكيف يفهم العرف وتغيّر الزمان؟ وكيف يضبط أصول الأبواب ومباني المسائل؟
وتاريخ الرّسم يرجع لأوّل التّشريع: إذ الكلام في هذا العلم مؤسس في القرآن من اعتبار الضرورة: چ ? ? ? ?? چ [الأنعام: 119]، والتيسير: چ ? ? ? ? ? ? ? ? چ [البقرة: 185]، ورفع الحرج: چ ھ ھ ھ ھ ے ے ? چ [الحج: 78].
والسنةُ النبويّةُ طافحةٌ بتطبيقاته من حديث طهارة سؤر الهرة: ((إنَّها ليست بنجس، إنَّما هي من الطوّافين عليكم أو الطوّافات)) (¬1)، وقوله (: ((يسّروا ولا تعسّروا)) (¬2)، وقوله (: ((الدين يسر)) (¬3)، وقول السيدة عائشة رضي الله عنها: ((ما خيِّر رسول الله (بين أمرين إلاّ اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً)) (¬4)، وغيرها.
وكلام أئمّتنا في ترجيح المفتى به يرجع إليه كثيراً من اعتبار قواعده المعروفة: الضرورة والعرف والمصلحة وتغيّر الزمان والحاجة وعموم البلوى، ولكنَّهم يعبّرون عنها عادة بالاستحسان، فيتركون القياس لهذه الأسباب التي هي مبادئ هذا العلم؛ لأنَّه لا يمكن تطبيق الفقه بدون مراعاة هذه القواعد، ويختلف اصطلاح العلماء في التعبير عنها.
هذه القواعد لرسم المفتي هي الأصول التي يرجع إليها المجتهد في المذهب في التخريج والترجيح والإفتاء، فهي تمثل قواعده التي يُعتمد عليها في التعامل مع الأحكام كما يتعامل المجتهد المطلق مع قواعد الأصول من القرآن والسنة والإجماع والقياس.
وما بين أيدينا من هذا هو مجرد شذرات وفوائد مذكورة هنا وهناك،
¬
(¬1) في سنن الترمذي 1: 153، وقال: حسن صحيح، وسنن أبي داود 1: 67، وموطأ مالك 1: 22، وغيرها.
(¬2) في صحيح البخاري 5: 2269، وصحيح مسلم 3: 1359، وغيرها.
(¬3) في صحيح البخاري 1: 23.
(¬4) في صحيح البخاري 7: 101، وصحيح مسلم 4: 1813، وغيرها.
وأوسعها عند المتقدِّمين هو كلام قاضي خان في مقدمة ((فتاواه)) المشهورة، وهي في أسطر معدودة، ثم ما جاء في مقدمة ((جامع المضمرات)) للكادوري وغيرهم.
واهتمّ المتأخرون بتقييد هذه الفوائد؛ بسبب توسّع العلوم، وكثرة الاختلاف أكثر من المتقدمين، وصاروا يصرّحون بها كثيراً في مؤلفاتهم: كابن نجيم، والشرنبلاليّ، وإسماعيل النابلسيّ، والبيريّ، ولكن بقيت فوائد متفرّقة يخبر عنها عند الحاجة.
ولم يتسنّ لأحدٍ أن يجمعها ويرتّبها كما فعل خاتمة المحققين ابن عابدين، حيث جمعها في منظومته المسمّاة ((عقود رسم المفتي)) وشرحها، فهي أوسع ما كتب في هذا العلم إلى يومنا هذا، وفيها أرسى أسسه وقواعده.
وأهمية الكتاب: تنبع من أنّه الكتاب الوحيد المجموع في هذا العلم عن علمائنا السابقين، وأنّه لخاتمة المحققين ابن عابدين، شمس الفقه عند المتأخّرين، من خلا الزمان من أمثاله، ولم يخلف بعده مثله، وأنّه جمع فيه ما تفرّق في الكتب من أسس هذا العلم.
والمشكلة لدراسة هذا العلم: أنَّ الطريق ما زال طويلاً في تحقيق مباحث هذا العلم وإخراجه إلى الوجود إكمالاً للمشوار الذي بدأ به ابن عابدين في منظومته وشرحها، وفي رسالته ((نشر العرف))؛ حيث أنَّها أقرب إلى أن تكون فوائد مجموعة من أن تكون قواعد وأصول محقّقة ومنقّحة، فنحتاج في هذا العلم للإجابة عن كثير من الأسئلة، منها:
ما هي ضابطة الضرورة المغيّرة للأحكام؟
وما هو ضابط الحاجة المبيحة للانتقال إلى قول آخر؟
وما هو التيسير والحرج المؤثّر في الأحكام؟
وما هي المصلحة المعتبرة في الأحكام؟
وما هي علاقة العرف وتغيّر الزمان بالأحكام؟
وما هي البلوى المرادة باختلاف الأحكام؟
وما هي طبقات الكتب في الترجيح؟
وما هي درجات المسائل في الأخذ والاعتبار؟
وما هي منازل العلماء في التصحيح؟
وما هي المناهج التي سارت عليها الكتب في التصحيح؟
فإنَّ كلَّ هذه الموضوعات في عمومات وفوائد متفرِّقة، وتحتاج إلى دراسة شافية وافية في كتب مذهبنا، نستخرج منها ضوابط يستطيع الطالب أن يعتمد عليها في فهمه، والمفتي في إفتائه، والقاضي في حكمه.
وبالتَّالي كان الواجب علينا الاهتمام بهذه العلم وصرف الهمم له، حتى ننقل الفقه من مرحلةِ النّظريّة في هذا الزمان لدى الأفراد والمجتمعات والدول إلى العمل والتطبيق، ولكي نسدّ فراغ قلّة التلمذة على المشايخ، والتَّلقّي للعلوم من أفواههم، ونتمكَّن بها من الانتفاع بالإسلام على الوجه الصَّحيح.
ولنتمكن من ترسيخ قواعد علم صحيح أسَّسه أئمّتنا في العمل، عوضاً عن
بعض الاصطلاحات المعاصرة غير المنقّحة: كفقه الواقع، وفقه الموازنات، وفقه الأقليات، وغيرها مما يمكن أن تبنى على أصول معتبرة.
وتحقيقاً لهذا المراد، فإنني سعيتُ سعياً حثيثاً في عملي في هذا الكتاب إلى تحقيق أمرين:
أوَّلاهما: تحشيةُ الكتاب وتحقيقُه وتنقيحُه:
وفي إخراج هذا الكتاب كان عملي تصحيح عباراته بمقابلته على نسخ مطبوعة ومخطوطة، وتوثيق عامّة نصوصه مبالغة ً في تصحيحه.
وعلّقت عليه بحاشية سمّيتها:
إسعاد المفتي على شرح عقود رسم المفتي
فريدةٌ في بابها، لم يُنسج على منوالها، في تحقيقِ الطَّبقات، والتمييزُ بين مدرسة مُحدّثي الفقهاء ومدرسة الفقهاء بما يفسّر حال مدرستي المتقدِّمين والمتأخرين، وعلّقت فيها على العديد من مسائله بما يرفع الإشكال ويوضح المقال، مع زيادة فوائد يحتاجها المقام، وكلُّ هذا أثناء تدريسي للكتاب مرّات ومرّات في دورات عقدت في مركز أنوار العلماء في عمّان.
ومن الدراسات على هذا الكتاب: حواشي للشيخ المظاهري أطال فيه النفس وملأه بالفوائد اللطيفة، فجزاه الله خير الجزاء على جهوده في خدمة دينه، لكنَّه مشى على طريق مدرسة محدّثي الفقهاء، فلم ينقّح مسائل الكتاب وعباراته المشكلة فيما يتعلَّق بهذا الأمر، حيث إنَّ خاتمة المحققين ابن عابدين رغم شهرته
بالتحقيق والتنقيح لمسائل العلم إلا أنَّه لم يحقّق مسألتين كان لهما الأثر في فقهه عامّة وفي رسالته هذه خاصة:
الأولى: الكلام في الطبقات، فاضطرب كلامه فيها؛ فمرّة جعل الصاحبين مجتهداً في المذهب ومرّة مجتهداً مطلقاً كما في أواخر الكتاب، ولكن من تأخّروا حقّقوا شأن هذه الطبقات: كالمرجانيّ، واللكنويّ، والكوثريّ، والمطيعيّ، وغيره ـ كما سيأتي في التعليقات ـ.
والثانية: التّرجيح والاستنباط عند المتأخّرين من الحديث، حيث أقرّ ابنَ الهمام عليه، ولم يقرّ الشرنبلاليّ مثلاً، وكان كلامه في هذا المبحث سواء في ((شرح عقود رسم المفتي)) أو ((نشر العرف)) محتاجاً إلى التحقيق والتنقيح، علماً أنَّه لم يُسلِّم لعامّة أهل مدرسة محدّثي الفقهاء منهجهم، ونقّح المسائل على طريقة الفقهاء، فأعاد الفقه إلى سابق عهده، وهذا من أبرز ما تميّزت به حاشيته المشهورة.
وجمع شيخنا محمد رفيع العثمانيّ فوائد متفرّقة من دروسه أثناء تدريسه للكتاب، فعلّقها على الكتاب وكلَّف أحد الطلاب بالترجمة للعلماء الواردين فيه، فترجم لهم، وقدّم الشيخ المبارك الكتاب إليّ في زيارته لعمّان قبل عشر سنوات، فأحببت زيادة في النَّفع أن أثبت جميع تعليقات الشيخ ما عدا التراجم؛ لأني ترجمت لأعلامه بما فيه الكفاية، ولأنَّها من أحد الطلاب وليست من الشيخ، فكانت هذه الطبعة محتوية على حاشية شيخنا العثمانيّ، حيث وضعت في آخر كلّ تعليقة للشيخ عبارة: (حاشية العثمانيّ)، تمييزاً لها عن تعليقات العبد الفقير.
وكنت بعد أن زيَّنت الكتاب بالحواشي أرسلته إلى شيخنا الفاضل قاسم
الطائي الحنفي، فأضاف إليه بعض تعليقاتٍ جمعها، فأثبتها وميَّزتُها بوضع عبارة: (أفاده شيخنا قاسم الطائي) في آخرها.
وثانيهما: تقديم دراسات تعالج موضوعات الكتاب:
سبق معنا أنَّ علم رسم المفتي يحتاج إلى كثير من الكتابة والتقرير، وهناك مسائل في الكتاب تحتاج إلى بسط وتفصيل طويل يصعب كتابة مثله في الهامش، فأفردت بعض المباحث التي يحتاجها هذا العلم بدراسات مستقلة قدّمتها قبله، سائلا المولى (أن ييسر لي الوقت حتى أكمل مباحث هذا العلم تحقيقاً وتنقيحاً بما يجعله علماً مستقلاً له شروطه وقواعده ومسائله التي يتميّز بها عن غيرها.
وهذه الدراسات التي قدّمتها على الكتاب هي:
الدراسة الأولى: ترجمة مؤلفه خاتمة المحققين ابن عابدين، فبعد أن ترددت أيّاماً في كتابة ترجمة مستقلة له، رأيت أنَّ نشرَ ترجمة ابنه علاء الدين له أفضل في هذه المرحلة، فإنَّها مليئة بالفوائد، وهو خير مَن يتحدّث عن والده؛ لمعرفته به وصحبته له وسيره على منواله، فلم أرغب بحرمان الطلبة من خيرها بنشرها مع تعليقات طفيفة عليها من كتب التراجم الأخرى.
والدراسة الثانية: في كيفية تكوين الملكة الفقهيّة، التي تعدّ من الأسس الكبرى في قواعد رسم المفتي.
والدراسة الثالثة: في الفتوى وطرق معالجة الجرأة عليها، لمن لم يكن أهلاً لسلوك طريق العلم ويضبط قواعد الرسم.
والدراسة الرابعة: في بيان طرق معرفة الفقيه المعتبر، الذي يعتمد عليه في الفتوى، وتلقّي العلم، بحيث يتعامل مع الفقه بقواعد الرسم.
والدراسة الخامسة: في بيان أنَّ التمذهب هو طريق العلم والفتوى، وأنَّه لا سبيل للدَّارس لدرك هذا العلم من غير سلوك هذه المذاهب المعتبرة.
والدراسة السادسة: في دفع التعصب عن أهل المذاهب الفقهية المعتبرة، وأنَّه فرية بلا مرية، سعى إليها أعداء الله من أجل إبعاد الناس عن دين الله (.
والدراسة السابعة: في بيان وظائف المجتهد، حيث أوصلتها إلى عشرة وظائف، وكل واحدة منها تشتمل على درجات في تحقيقها بحسب ملكتهم الفقهيّة، يتمكنون خلالها من تطبيق علم رسم المفتي.
والدراسة الثامنة: في التقسيم الزماني لطبقات المجتهدين، بما يتوافق مع الاستقراء التاريخي لشأن العلماء، وقيامهم بالوظائف المختلفة في الاجتهاد.
والدراسة التاسعة: في بيان أنَّ الحقّ عند الله واحد، وهو أنَّه الأساس الذي بنى عليه علماؤنا أحد أبرز قواعد رسم المفتي، وهي عدم جواز العمل بالقول المرجوح.
والدراسة العاشرة: في بيان الاعتماد على النقل المتوارث عند الحنفية؛ لأنَّه يمثل أقوى طرق الاستدلال في المذهب، وعليه بني عامّة مسائل أبي حنيفة (، وهذا سبب رئيسيّ في عدم الترجيح بغير طريق رسم المفتي.
والدراسة الحادية عشر: في بيان معنى: (إذا صح الحديث فهو مذهبي)، ونهي الأئمة عن تقليدهم، وهي من أهم المقولات التي كانت سبباً في ترك طريقة الفُقهاء في رسم المفتي، والتَّرجيح والتَّصحيح والاجتهاد من الحديث.
والدراسة الثانية عشر: في بيان أسباب الالتزام بالمذاهب الأربعة على مدار تاريخ الإسلام، وهذا عملاً منهم بقواعد رسم المفتي.
والدراسة الثالثة عشر: في أهمية الالتزام بالمذاهب الفقهية، وهو ما قرَّره كبار المحقِّقين من العلماء.
وفي الختام أسال الله (أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يُجنبنا الخطأ والزَّلل، وأن يغفر لنا ولوالدينا ومشايخنا وأزواجنا وذريّاتنا، وللمسلمين والمسلمات، وصلَّى الله على سيدنا مُحمّدٍ وعلى آلِه وصحبِه وسلَّم.
وكتبه
الدكتور صلاح أبو الحاج
الأستاذ المشارك في جامعة العلوم الإسلامية
عمان، الأردن
والمفتي في موقع مركز أنوار العلماء الدولي للدراسات
في صويلح بتاريخ 28\ 9\2013 الموافق 22\ذي القعدة\ذ 1434 هـ
الدراسة الأولى
ترجمة خاتمة المحقّقين ابن عابدين
لابنه علاء الدين (¬1)
تمهيد:
قبل الولوج في مباحث رسم المفتي علينا أن نترجم لمَن جمع أشتات هذا العلم في هذه المؤلَّف العظيم، وهو من أشهر العلماء البارزين الذين رزقهم الله قبولاً عجيباً، واشتهر ذكرُهم في البلادِ وبين العباد، فلم يَعُد مُنتسبٌ للعلوم الشَّرعيّة لا يُعرفُه، حتى توافق العلماء على وصفِه بخاتمةِ المحقِّقين؛ لما كان له من الفضلِ الكبيرِ في تحقيقِ مسائل العلم وتحريرها، فكان مَن جاء بعده عالةً عليه فيها.
ورغبتُ أن أقوم له بترجمةٍ شافيةٍ وافيةٍ تُبيّن حالَه وعلوَّ مقامه، ثمّ رأيتُ ترجمةً رائعةً له بقلم ابنِه علاء الدِّين غاية في اللطف، فيها فوائد عديدة، يُمكن
¬
(¬1) في قرة عين الأخيار 7: 419 - 425.
فواتها إن ترجم غيره لأبيه، فأحببتُ في هذه المرحلة أن أقتصر على ترجمةِ ابنه؛ لعظيم نفعِها، وتشهيراً لها بين الطلبة والكَمَلة، وفي قادم الأيّام نسأل الله أن ييسر
لنا أَمرنا بحيث تكون لنا وقفةٌ طويلةٌ بترجمةٍ شاملةٍ له.
والآن أترك القارئ الكريم مع عبارات ابنه علاء الدين في ترجمتِه مع زيادةِ فوائد لطيفة من كُتُب التَّراجم الأُخرى في الهامش:
علاّمةُ زمانه على الإطلاق، مَن انتهت إليه الرئاسة باستحقاق، الإمام المتقن، والعلامة المتفنن، العلامة الثاني، مَن لا يوجد له ثاني، الحسيب النَّسيب، الفاضل الأديب، الجامع بين شرقي العلم والنَّسب، والمستمسك بمولاه بأقوى سبب، والجامع بين الشَّريعة والحقيقة، وعلوم المعقول والمنقول، والتصوّف والطريقة، أعلم العلماء العاملين، أفضل الفضلاء الفاضلين، سيدي وعمدتي علامة الأنام، مرجع الخاصّ والعامّ (¬1).
¬
(¬1) ووصفه البيطار في حلية البشر1: 1230 فقال: ((الشيخ الإمام العالم العلامة، والجهبذ الفهامة، قطب الديار الدمشقية، وعمدة البلاد الشامية والمصرية، المفسر المحدث الفقيه النحوي اللغوي البياني العروضي الذكي النبيه، الدمشقي الأصل والمولد، الحسيب النسيب الشريف الذات والمحتد، ابن السيد عمر الشهير بـ (ابن عابدين) الحسيني، إمام الحنفية في عصره، والمرجع عند اختلاف الآراء في مصره، صاحب التآليف العديدة والتصانيف المفيدة ... وفضائله لا تنكر وشمائله لا تحصى ولا تحصر، وعباداته وورعه وإقباله على الله يقضي له بالسعادة والفوز عند مولاه)).
وقال الشطي في أعيان دمشق ص252: ((الشيخ الإمام العالم العلامة، المحقق المدقّق، الفقيه النحوي الفرضي الحيسوبي، الأديب الشاعر المتفنّن، حلاّل المشكلات، وكشّاف المعضلات، فقيه البلاد الشامية، وبدر العصابة الحسينية)).
وقال ص255: ((وجملة القول في صاحب الترجمة: أنَّه علامة فقيه فهامة نبيه، عذب التقرير، متفنن في التحرير، لم ينسج عصره على منواله ... )).
[اسمه ونسبه]:
والدي المرحوم الشيخ السيد الشريف محمد أمين عابدين ابن السيد الشريف عمر عابدين ابن السيد الشريف عبد العزيز عابدين ابن السيد الشريف أحمد عابدين ابن السيد الشريف عبد الرحيم عابدين ابن السيد الشريف نجم الدين ابن السيد الشريف العالم الفاضل الولي الصالح الجامع بين الشريعة والحقيقة، إمام الفضل والطريقة، محمد صالح الدين الشهير بـ (عابدين) ابن السيد الشريف نجم الدين السيد الشريف حسين ابن السيد الشريف رحمة الله ابن السيد الشريف أحمد الثاني مصطفى الشهابي ابن السيد الشريف أحمد الثالث ابن السيد الشريف محمود ابن السيد الشريف أحمد الرابع ابن السيد الشريف عبد الله ابن السيد الشريف عز الدين عبد الله الثاني ابن السيد الشريف قاسم ابن السيد الشريف حسن ابن السيد الشريف إسماعيل ابن السيد الشريف حسين النتيف الثالث ابن السيد الشريف أحمد الخامس ابن السيد الشريف إسماعيل الثاني ابن السيد الشريف محمد ابن السيد الشريف إسماعيل الأعرج ابن الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمد الباقر ابن الإمام زين العابدين ابن الإمام حسين ابن البتول، هي الزهراء فاطمة بنت الرسول (، وعليها وعلى جميع آله وصحبه آمين.
[ولادته ونشأته]:
فإنَّه رحمه الله تعالى ولد في سنة ثمان وتسعين بعد المئة والألف (1198هـ)،
في دمشق الشام، ونشأ في حجر والده.
[دراسته]:
وحفظ القرآن العظيم عن ظهر قلب وهو صغير جداً، وجلس في محل تجارة والده؛ ليألف التجارة، ويتعلّم البيع والشراء، فجلس مرّة يقرأ القرآن العظيم فمرَّ رجلٌ لا يعرفه فسمعه وهو يقرأ، فزجره وأنكر قراءته وقال عنه: لا يجوز لك أن تقرأ.
أولاً: لأنَّ هذا المحل محلّ التَّجارة والنَّاس لا يسمعون قراءتك، فيرتكبون الإثم بسببك، وأنت أيضاً آثم.
وثانياً: قراءتك ملحونة.
فقام من ساعته وسأل عن أقرأ أهل العصر في زمنه، فدلَّه واحدٌ على شيخ القراء في عصره وهو الشيخ سعيد الحموي، فذهب لحجرته وطلب منه أن يُعلّمه أحكام القراءة بالتجويد، وكان وقتئذٍ لم يبلغ الحلم، فحفظ ((الميدانيّة)) و ((الجزريّة)) و ((الشاطبيّة))، وقرأها عليه قراءة إتقان وإمعان حتى أتقن فنَّ القراءات بطرقها وأوجُهها.
ثمّ اشتغل عليه بقراءة النحو والصرف وفقه الإمام الشافعيّ، وحفظ ((متن الزبد))، وبعض المتون من النحو والصرف والفقه وغير ذلك.
ثمّ حضر على شيخه علاّمة زمانه وفقيه عصره وأوانه السيد محمد شاكر السالمي العمري ابن المقدّم سعد، الشهير والده بـ (العقّاد الحنفي)، وقرأ عليه علم المعقول والحديث والتَّفسير، ثمّ ألزمه بالتحوّل لمذهب سيدنا أبي حنيفة النعمان، الإمام الأعظم عليه الرحمة الرضوان، وقرأ عليه كتب الفقه وأصوله حتى برع وصار علامة زمنه في حياة شيخه المذكور.
وألَّف حاشيتين على ((شرح المنار)) للعلائي كبرى وصغرى، سمَّى إحداهما: ((نسمات الأسحار على إفاضة الأنوار شرح المنار))، والثانية: لم يخطر لي اسمها؛ لأنَّها فُقِدت عند مفتي مصر الشيخ التميمي رحمه الله تعالى.
وألَّف ثبتاً لأسانيد شيخه سمَّاه: ((العقود اللآلي في الأسانيد العوالي)).
و ((شرح الكافي في العروض والقوافي)) وكتب في آخر هذا الشرح: تمَّ في سنة خمس عشرة ومائتين وألف (1215هـ)، وكان سِنّه سبع عشرة سنة.
ورسالة سمَّاها: ((رفع الاشتباه عن عبارة الأشباه)).
وحاشية على ((شرح النبذة)) سمَّاها: ((فتح رب الأرباب على لبّ الألباب شرح نبذة الإعراب))، وغير ذلك، في حياة شيخه المرقوم.
ثمّ تُوفِّي شيخُه المرقوم في اليوم الرابع من محرم الحرام سنة اثنتين وعشرين ومئتين وألف (1222هـ)، وكان يقرأ عليه ((البحر)) و ((الهداية)) وشرحها، و ((الهداية)) وشروحها، وكانت وفاته في أثناء قراءته الكتب المذكورة (¬1).
وكان جملة مَن حضر مع سيدي الوالد على شيخه المذكور أكبر التلامذة، وهو علاّمة زمانه، وفقيه عصره وأوانه، فقيه النفس الشيخ محمد سعيد الحلبي الشامي، فأتمَّ سيدي الوالد قراءته الكتب المذكورة عليه، وحضر معه لإتمام الكتب المذكورة بقية التلامذة والطلبة الذين كانوا يداومون على الشيخ محمد شاكر المذكور.
[مؤلفاته:]
ثمّ شرع في تأليف ((رد المحتار على الدر المختار)) (¬2).
¬
(¬1) وفي حلية البشر1: 1231، وأعيان دمشق ص252 - 253: ((وقرأ عليه في الفقه ((الملتقى)) و ((الكنز)) و ((البحر)) لابن نجيم و ((صدر الشريعة)) و ((الدراية)) و ((الهداية)) وبعض شروحها وغير ذلك، ثم شرع في قراءة ((الدر المختار)) على شيخه المذكور مع جماعة، من جملتهم علامة زمانه وفقيه عصره وأوانه: الشيخ سعيد الحلبي، وبقي ملازماً له إلى أن اخترمته المنية، ولم تتم قراءة ((الدر)) فأتمَّه مع بعض مَن حضر معه من إخوانه على الشيخ سعيد الحلبي المذكور، ضاعف الله تعالى لنا وله الأجور، وقرأ على الشيخ سعيد غير ذلك من الفقه وغيره من الفنون، وحين أتمّ ((الدرّ)) عليه استجازه فأجازه بخطّه وختمه)).
(¬2) في أعيان دمشق ص254 - 255: ((طبع كثير من مؤلفاته، وعمّ نفعها، واشتهر فضلها، وكان أعظمها نفعاً وأكثرها شهرة حاشيته على الدرّ المختار، في خمس مجلدات كبار، فقد أضحى المعوّل في فقه الحنفية عليها، والمرجع في حلّ المشكلات إليها ... ولو لم يكن له من الفضل سوى حاشيته المنوّه بها، التي سارت بها الركبان، وتنافست فيها الناس زماناً بعد زمان، لكفته فضيلة تذكر، ومزية تشكر، فالله يتغمّده برحمته، ويسكنه فسيح جنّته، ويجزيه عن المسلمين خيراً كثيراً)).
وفي أثنائها ألّف ((العقود الدرّيّة في تنقيح الفتاوى الحامديّة)) (¬1).
وله من المؤلَّفات حاشية على ((حاشية الحلبيّ المداريّ)) سمَّاها: ((رفع الأنظار عما أورده الحلبيّ على الدرّ المختار)).
و ((حاشية على البيضاويّ)) (¬2).
و ((حاشية على المطوّل)).
و ((حاشية على شرح الملتقى)).
و ((حاشية على النهر)) إلا أنَّهما لم يجردا من الهوامش.
و ((حاشية على البحر)) سمَّاها ((منحة الخالق على البحر الرائق)).
وله مجموع جمع فيه من نفائس الفوائد النثرية والشعرية (¬3)، وعرائس النكات والملح الأدبية، والألغاز والمعميات، وما يروق النّاظر، ويسرّ الخاطر.
¬
(¬1) في أعيان دمشق ص254: ((فإنَّه كالحاشية مطبوع مشهور، يرجع إليه ويعتمد عليه)).
(¬2) في حلية البشر1: 1231: ((التزم أن لا يذكر فيها شيئاً ذكره المفسّرون)).
(¬3) في حلية البشر1: 1232: ((وله قصيدة في مدح النبي (قد أرسلها ضمن مكتوب للحضرة الشريفة النبوية صحبة ركب الحاج الشريف سنة عشرين ومائتين وألف (1220هـ)، لكي تقرأ أمام الحضرة الشريفة المحمدية، وهي:
لبيك يا قمرية الأغصان ... فلقد صدعت القلب بالألحان
لبيك يا من بالبكا أشبهتني ... لكن بلا فقد من الخلان
نوحي فنوحي في بحار مدامعي ... تعلو سفينته لدى الطوفان
وترنمي واحيي فؤاد معذب ... بتذكر الأحباب في نيران
إن رمت كتمان الهوى متكلفاً ... هيجت مني بالبكا أشجاني
ومجموع آخر ذكر فيه تاريخ علماء العصر وأفاضلهم (¬1)، جعله ذيلاً لـ ((تاريخ المرادي))، الذي هو ذيل لتاريخ جدّه لأمِّه العلاّمة المحبيّ، الذي هو ذيل لريحانة الخفاجي.
وله: ((العقود اللآلي في الأسانيد العوالي)) المتقدّم ذكره.
وشرح رسالة البركوي في الحيض والنفاس، سمّاه: ((منهل الواردين من بحار الفيض على ذخر المتأهلين لمسائل الحيض)).
و ((شرح منظومته رسم المفتي)) (¬2).
و ((الرحيق المختوم شرح قلائد المنظوم في الفرائض)).
¬
(¬1) في أعيان دمشق 253: ((لم نطلع عليه)).
(¬2) في أعيان دمشق ص255: ((وشرح منظومته المسمّاة بعقود رسم المفتي)).
وكتاب: ((تنبيه الولاة والحكام)) (¬1).
وله رسائل عديدة ناهزت الثلاثين في جملة فنون (¬2).
منها: ((نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف)) (¬3).
و ((رسالة في النفقات)) (¬4) لم يسبق لها نظير اخترع لها ضابطاً مانعاً.
و ((الفوائد العجبية في إعراب الكلمات الغربية)) (¬5).
و ((إجابة الغوث في أحكام النقباء والنجباء والأبدال والغوث)) (¬6).
و ((العلم الظاهر في نفع النسب الطاهر)) (¬7)، وذيلها.
و ((تنبيه الغافل والوسنان في أحكام هلال رمضان)) (¬8).
¬
(¬1) في حلية البشر1: 1231: ((تنبيه الولاة والحكام في حكم شاتم خير الأنام أو أحد أصاحبه الكرام)).
(¬2) في حلية البشر 1: 1230: ((وله من الرسائل في تحرير المسائل نيف وثلاثون رسالة معلومة في ثبته فمن أرادها فليراجعها)).
(¬3) في أعيان دمشق ص255، اسمها: نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف.
(¬4) في أعيان دمشق ص254، اسمها: تحرير النقول في نفقة الفروع والأصول.
(¬5) هكذا اسمها في أعيان دمشق ص254.
(¬6) في أعيان دمشق ص255، اسمها: إجابة الغوث ببيان حال النقباء والنجباء والأبدال والأوتاد والغوث.
(¬7) هكذا اسمها في أعيان دمشق ص255.
(¬8) في أعيان دمشق ص254، اسمها: تنبيه الغافل والوسنان على أحكام هلال رمضان.
و ((الإبانة في الحضانة)) (¬1).
و ((شفاء العليل وبل الغليل في الوصية بالختم والتهاليل)) (¬2).
و ((رفع الانتقاض ودفع الاعتراض في قولهم: الأيمان مبنية على الألفاظ لا على الأغراض)) (¬3).
و ((تحرير العبارة فيمن هو أولى بالإجارة)) (¬4).
((وإعلام الأعلام في الإقرار العامّ)) (¬5).
وجملة رسائل في الأوقاف.
و ((تنبيه الرقود)) (¬6).
و ((سلّ الحسام الهنديّ)) (¬7).
¬
(¬1) في أعيان دمشق ص254، اسمها: الإبانة عن أخذ الأجرة على الحضانة.
(¬2) في أعيان دمشق ص254، اسمها: شفاء العليل في حكم الوصية بالختمات والتهاليل، وعليها تقاريظ من علماء عصره.
(¬3) في أعيان دمشق ص254، اسمها: دفع الاعتراض على قولهم الأيمان مبنية على الألفاظ لا على الأغراض.
(¬4) في أعيان دمشق ص254، اسمها: تحرير العبارة فيمن هو أحق بالإجارة.
(¬5) في أعيان دمشق ص254، اسمها: إعلام الأعلام بأحكام الإقرار العام.
(¬6) في أعيان دمشق ص255، اسمها: تنبيه الرقود على مسائل المفقود.
(¬7) في أعيان دمشق ص254، اسمها: سل الحسام الهندي لنصرة مولانا خالد النقشبندي.
و ((غاية المطلب)) (¬1).
و ((الفوائد المخصصة)) (¬2).
و ((تحبير التحرير)) (¬3).
و ((تنبيه ذوي الأفهام)) (¬4).
و ((رفع الاشتباه)) (¬5).
و ((تحرير النقول)).
و ((العقود الدرية)) (¬6).
و ((غاية البيان)) (¬7).
¬
(¬1) في أعيان دمشق ص254، اسمها: غاية المطلب في اشتراط الواقف عود نصيب العقيم إلى درجته الأقرب فالأقرب.
(¬2) في أعيان دمشق ص254، اسمها: الفوائد المخصصة بأحكام كي الحمصة.
(¬3) في أعيان دمشق ص255، اسمها: تحبير التحرير في إبطال القضاء بالفسخ في الغبن الفاحش بلا تغرير.
(¬4) في أعيان دمشق ص254 - 255 رسالتان بهذا الاسم: الأولى: تنبيه ذوي الأفهام على بطلان الحكم بنقض الدعوى بعد الإبراء العام. والثانية: تنبيه ذوي الأفهام على أحكام التبليغ خلف الإمام.
(¬5) في أعيان دمشق ص255، اسمها: رفع الاشتباه عن عبارة الأشباه.
(¬6) في أعيان دمشق ص254، اسمها: العقود الدرية في قول الواقف على الفريضة الشرعية.
(¬7) في أعيان دمشق ص254، اسمها: غاية البيان في أنَّ وقف الاثنين على أنفسهما وقف لا وقفان.
و ((الدرر المضيئة)) (¬1).
و ((رفع التردّد)) (¬2) وذيلها.
و ((الأقوال الواضحة الجلية)) (¬3).
و ((إتحاف الذكي النبيه)) (¬4).
و ((مناهل السرور)) (¬5).
و ((تحفه المناسك في أدعية المناسك))، وغير ذلك (¬6).
وله: مجموع أسئلة عويصة (¬7).
¬
(¬1) في أعيان دمشق ص253: الدرة المضية شرح الأبحر الشعرية.
(¬2) في أعيان دمشق ص254، اسمها: رفع التردد في عقد الأصابع عند التشهد.
(¬3) في أعيان دمشق ص254، اسمها: الأقوال الواضحة الجلية في مسألة نقض القسمة ومسألة الدرجة الجعلية.
(¬4) في أعيان دمشق ص254، اسمها: إتحاف الذكي النبيه بجواب ما يقوله الفقيه.
(¬5) في أعيان دمشق ص255، اسمها: مناهل السرور لمبتغي الحساب بالكسور.
(¬6) منها: منة الجليل لبيان إسقاط ما على الذمة من كثير وقليل، كما في أعيان دمشق ص254، وفيه بعد ذكره الرسائل ص255: فهذه سبع وعشرون رسالة مطبوعة منشورة مأخوذة بالقبول.
(¬7) في أعيان دمشق ص255، اسمها: أجوبة محققة عن مسائل متفرقة.
وله: في مدح شيخه مقامات كمقامات الحريري.
وله: ((نظم الكنز)).
وله: ((قصّة المولد الشّريف النبوي)).
وأمّا تعاليقه على هوامش الكتب وحواشيها، وكتابته على أسئلة المستفتين، والأوراق التي سوَّدها بالمباحث الرائقة والرقائق الفائقة، فلا يكاد أن تُحصى ولا يُمكن أن تستقصى.
وبالجملة فكان شغلُه من الدُّنيا التَّعلُّم والتَّعليم، والتَّفهم والتَّفهيم، والإقبال على مولاه، والسَّعي في اكتساب رضاه، مقسّماً زمنه على أنواع الطاعات
والعبادات والإفادات، من صيام وقيام، وتدريس وإفتاءٍ وتأليفٍ على الدوام.
[تصوُّفه:]
وكان له ذوقٌ في حلِّ مشكلات القوم، وله بهم الاعتقاد العظيم، ويُعاملهم بالاحترام والتَّكريم.
وأَخَذَ طريق السَّادة القادرية، عن شيخه المذكور ذي الفضل والمزية، حتى أخبر عنه مَن يوثق بصلاحه ودينه ممَّن صحبه في سفره من تلامذته: إنِّي ما وجدتُ عليه شيئاً يُشينُه في دنياه ولا في دينه.
[أخلاقُه:]
وكان حسن الأخلاق والسِّمات، ما سمعته في سفري معه في طريق الحجّ تكلَّم بكلمةٍ أغاظ بها أحداً من رفقائِه وخدمِه، أو أحداً من النَّاس أجمعين، اللهم إلا رأى منكراً فيغيره من ساعته على مقتضى الشريعة المطهرة العادلة.
[بيانُ أحواله:]
- وكانت ترد إليه الأسئلة من غالب البلاد، وانتفع به خلقٌ كثيرٌ من حاضرٍ وبادٍ.
- وكان رحمه الله تعالى جعل وقت التَّأليف والتَّحرير في الليل فلا يَنام منه إلا ما قلّ، وجعل النهار للدروس وإفادة التَّلامذة وإفادةَ المستفتين.
- ويُلاحظ أَمر دنياه شريكه من غير أن يتعاطى بنفسه.
- وكان في رمضان يختمّ كلّ ليلة ختماً كاملاً مع تدبّر معانيه، وكثيراً ما يستغرق ليله بالبكاء والقراءة، ولا يدع وقتاً من الأوقات إلا وهو على طهارة، ويُثابر الوضوء.
- وكان رحمه الله تعالى حريصاً على إفادةِ النَّاس وجبر خواطرهم، مكرماً للعلماء والأشراف وطلبة العلم، ويواسيهم بماله.
- وكان كثير التصدُّق على ذوي الهيئات من الفقراء الذين لا يسألون النَّاس إلحافاً.
- وكان غيوراً على أهل العلم والشرف، ناصراً لهم، دافعاً عنهم ما استطاع.
- وكان مهاباً مطاعاً، نافذ الكلمة عند الحُكّام وأعيان النّاس، يأكل من مال تجارته بمباشرة شريكه مدّة حياته.
- وكان رحمه الله تعالى ورعاً دَيّناً عفيفاً، حتى أنَّه عُرض عليه خمسون كيساً من الدَّراهم لأجلّ فتوى على قول مرجوح فردَّها ولم يقبل، وقد امتنع عن شراء العقارات الموقوفة التي عليها كدك أو محاكرة أو قيمة أو بالإجارتين.
- وكان وقف جدِّه لأم أبيه مشروطاً نظره للأرشد من ذريّة الواقف، فامتنع من توليتِه وسلَّمه لأخيه.
- ولم يتفق له قَبول هدية من ذي حاجة أو مصلحة.
- وكان رحمه الله تعالى طويل القامة، شَثْن ـ أي غليظ ـ الأعضاء والأنامل، أبيض اللون، أسود الشَّعر، فيه قليل الشيب لو عدّ شيبُه لعدّ، مقرون الحاجبين، ذا هيبة ووقار، وهيئة مستحسنة ونضار، جميل الصورة، حسن السريرة، يتلألأ وجهه نوراً، حسن البشر والصحبة، مَن اجتمع به لا يَكاد ينساه لطلاوة كلامه، ولين جانبه وتمام تواضعه على الوجه المشروع.
- كثيرُ الفوائد لمَن صاحبه والمفاكهة، ومجلسُه مشتملٌ على الآداب وحسنُ المنطق والإكرام للواردين عليه من أهلِهِ ومحبّيه وتلامذتِهِ ومصاحبيه، كلُّ مَن جالسه يقول في نفسه: أنا أعزُّ عنده من ولدِه.
- مجلسُه محفوظٌ من الفحشِ والغيبةِ والتكلُّم بما لا يعني، لا تخلو أوقاته من الكتابة والإفادة والمراجعة للمسائل.
- صادق اللهجة ذا فراسة إيمانيّة، وحكمة لقمانيّة، متين الدِّين، لا تأخذه في الله لومة لائم، صدّاعاً بالحقِّ ولو عند الحاكم الجائر، تهابُه الحُكّام والقضاة وأهل السِّياسة.
- كانت دمشق في زمنه أعدل البلاد، وللشَّرع بها ناموسٌ عظيم، لا يتجاسر أحدٌ على ظلم أحدٍ ولا على إثبات حقٍّ بغير وجه شرعيٍّ، ولا في غالب البلاد القريبة منها، فإنَّه كان إذا حُكم على أحد بغير وجه شرعي جاءه المحكوم عليه بصورة حجة القاضي، فيفتية ببطلانه ويراجع القاضي فينفذ فتواه.
- وقلَّ أن تقع واقعةٌ مهمةٌ أو مشكلةٌ مدلهمةٌ في سائر البلاد أو بقيةُ المدن الإسلامية أو قراها إلا ويُستفتى فيها مع كثرة العلماء الأكابر والمفتين في كلِّ مدينة.
- وكانت أعراب البوادي إذا وصلت إليهم فتواه لا يختلفون فيها مع جهلهم بالشريعة المطهرة.
- وكانت كلمتُه نافذةٌ وشفاعتُه مقبولةٌ وكتاباته ميمونة، ما كتب لأحد شيئاً إلا وانتفع به؛ لصدق نيّتِه وحسن سريرته، وقوّة يقينه، وشدّة دينه، وصلابتة فيه.
- وكان رحمه الله تعالى مغرماً بتصحيحِ الكتب والكتابةِ عليها، فلا يدع شيئاً من قيدٍ أو اعتراضٍ أو تنبيهٍ أو جوابٍ أو تتمّة فائدةٍ إلا ويكتبُه على الهامش، ويكتب المطالب أيضاً.
- وكانت عنده كتب من سائرِ العلوم لم يجمع على منوالها.
- وكان كثير منها بخطِّ يده، ولم يدع كتاباً منها إلا وعليه كتابته.
- وكان السَّببُ في جمعه لهذه الكتب العديمة النَّظير والده، فإنَّه كان يشتري له كلَّ كتاب أراده ويقول له: اشتر ما بدا لك من الكتب وأنا أدفع لك الثمن، فإنَّك أحييت ما أمته أنا من سيرة سلفي، فجزاك الله تعالى خيراً يا ولدي، وأعطاه كتب أسلافه الموجودة عنده من أثرهم الموقوفة على ذراريهم، وعندي بعض منها، ولله تعالى الحمد.
- وكان رحمه الله تعالى حريصاً على إصلاحِ الكتب، لا يمرّ على موضع منها فيه غلطٌ إلا أصلحه، وكتب عليه ما يُناسبه.
- وكان حسن الخطّ حسن القشط، قلَّ أن يُرى مَن يكتب مثله على الفتاوى، وعلى هوامش الكتب في الجودة وحسن الخطّ، وتناسق الأسطر وتناسبها، ولا يكتب على سؤال رفع إليه إلا أن يغيره غالباً.
- وكان رحمه الله تعالى فقيه النَّفس، انفرد به في زمنه، بحّاثاً ما باحثه أحد إلا وظهر عليه، وقد حكى تلميذه صاحب الفضلية العلامة محمد أفندي جابي زاده، قاضي المدينة المنورة: إنَّ شيخ الإسلام عارف عصمت بك ـ مفتي السلطنه بدار الخلافة العلية ـ، قال له: إنّي كنتُ أؤمل أن تطلب لي الإجازة من شيخك للتبرّك.
وكان تلميذه العلامة الشيخ محمد أفندي الحلواني ـ مفتي بيروت ـ يقول لي: ما سمعت مثل تقرير سيدي والدك في درسه، حتى إنّي كثيراً ما أجتهد في مطالعة الدرس، وأُطالع عليه سائر الحواشي والشُّروح والكتابات على الدَّرس، وأَظنُّ
من نفسي أنّي فهمت سائر الإشكالات وأجوبتها، وحين أحضر الدرس يقرِّر شيخنا الدرس ويتكلَّم على جميع ما طالعته مع التَّوضيح والتَّفهيم، ويزيدنا فوائد ما سمعنا بها ولا رأيناها، ولم يخطر على فكرِ أحدٍ ذكرها.
- وكان رحمه الله تعالى بارّاً بوالديه.
ومات والده في حياته سنة سبع وثلاثين بعد المئتين والألف (1237ه)، وصار يقرأ كلّ ليلةٍ عند النوم ما تيسّر من القرآن العظيم، ويهديه ثوابه مع ما تقبل له من الأعمال، حتى رأى والده في النوم بعد شهر من وفاته، وقال له: جزاك الله تعالى خيراً يا والدي على هذه الخيرات التي تهديها إلي في كلّ ليلة.
وكانت جدّةُ سيِّدي أمّ والده من بنات الشيخ المحبيّ صاحب التاريخ المشهور، وله أوقاف على ذريّته جارية إلى الآن، وأتناول حصّتي منها.
وأمّا والدة سيدي فقد توفِّي في حياتها، وكانت صالحةً صابرةً تقرأ من الجمعةِ إلى الجمعة مئة ألف مرة سورة الإخلاص، وتهب ثوابها لولدها سيدي الوالد، وتُصلِّي كلَّ ليلة خمس أوقات قضاءً احتياطاً، وكانت كثيرة الصَّلاة والصِّيام، عاشت بعده سنتين صابرةً محتسبةً لم تفعل ما تفعله جهلة النِّساء عند فقد أولادهنّ، بل كان حالُها الرِّضا بالقضاء والقدر، وتقول: الحمد الله على جميع الأحوال.
وكانت من سلالةِ طاهرة من ذرّيّة الحافظ الداوديّ المحدِّث الشهير.
وكان عمُّها الشيخُ محمّد بن عبد الحيّ الداوديّ صاحب التأليفات الشهيرة: منها: ((حاشية المنهج))، و ((حاشية ابن عقيل))، ومجموع ((الفوائد)) وغيرها.
وعلى ما سمعتُ واشتهر أنَّ نسبتَهم إلى حضرة سيدنا العبّاس، إلا أنَّه ليس بدرجة الثُّبوت، وليس عندهم نسبٌ عليه شهادة العلماء والنُّقباء، كما جرت عادة أَصحاب الأنساب.
وكان سيِّدي رحمه الله تعالى قد عرض عليه شيخه بنتَه للزَّواج، فمنعه والده من زواجها، وقال له: أخاف عليك من غصبِ شيخِك وعقوقِه إن أَغضبت ابنتَه يوماً ما، وهذا ممَّا لا تخلو منه الجبلة الإنسانية غالباً.
وكان والده رحمه الله تعالى شفوقاً عليه ويحبه محبّة تامّة، حتى أنَّه لمّا حجّ سيدي سنة خمس وثلاثين امتنع والده من دخول داره الجوانية مدّة غياب سيدي،
ولم ينم على فراش تلك المدّة، وهي أربعةُ أشهر، بل بقي نائماً في داره البرانية.
وكان سيدي رحمه الله تعالى ورعاً في سائرِ أحواله، وعلى الخصوص في حال إحرامه في حجّتِه المذكورة، فإنَّه تحرَّى للطعام غاية التحرّي، مع قلّة تناول الطَّعام إلا بقدر الضرورة.
وكان رحمه الله تعالى كثير البرّ والصَّلة لأرحامه، يواسيهم بأفعاله وماله، بالخصوصِ شقيقه العلامة الفاضل الفقيه الصُّوفي التقيّ الصالح السيد عبد الغني، وكان يعتنى ويتفرّس الخير بأكبر أولاده، وهو العالم العلاّمة العمدة الفهامة الشيخ السيد أحمد أفندي، أمين الفتوى بدمشق حالاً، ويهتم بتربيته، ويقول ـ أي ابن عابدين ـ لوالده: دع لي من ولدك السيد أحمد وأنا أُربيه وأعلمه، فعلَّمه القرآن العظيم، وأقرأه مسلسلات العلامة ابن عقيلة، وأجازه إجازةً عامةً حتى صار من أفاضل عصره، وله تأليفات عديدة، منها: ((شرح مولد ابن حجر))
شرحه شرحاً لم يسبق على منوال، و ((شرح على الحال)) الذي ألف صاحب السماحة والفضيلة جندي زاده أمين أفندي العباسي، رئيس ديوان تمييز ولاية سوريا.
ونشأ له ولدان نجيبان فاضلان:
أحدهما: السيد محمد أبو الخير (¬1)، مسود الفتوى بدمشق، وخطيب جامع برسبابي الشهير بجامع الورد ومدرسه.
وثانيهما: السيد راغب إمام الجامع المذكور.
وكان سيدي رحمه الله تعالى ذهب مرّة مع شيخه السيد محمد شاكر المذكور لزيارة بعض علماء الهند وصلحائها، الشيخ محمد عبد النبيّ لمّا ورد دمشق، فلمّا دخلا عليه جلس شيخ سيدي وبقي سيدي واقفاً في العتبة بين يدي شيخه، حاملاً نعله بيده كما هو عادته مع شيخه، فقال الشيخ محمد عبد النبيّ لشيخ سيدي مُرْ هذا الغلام السيد فليجلس، فإنّي لا أجلس حتى يجلس فإنَّه ستقبل يده وينتفع بفضله في سائر البلاد، وعليه نور آل بيت النبوة، فقال له الشيخ محمد شاكر: اجلس يا ولدي.
¬
(¬1) في أعيان دمشق 252: ((إنَّ الترجمة أخذت من ترجمة حفيد أخيه العالم الفاضل الشيخ أبو الخير أفندي، الذي وضعها في آخر الثبت الذي كتبه ابن عابدين لشيخه السيد شاكر العقاد، المطبوع في دمشق سنة 1302ه، وفيه ص255: طبع الرسائل أبو الخير أفندي، الذي لم يألُ جهداً في نشر ما لعمِّه المترجَم من الآثار المفيدة)).
وكذلك وقع له مع شيخه المذكور إشارةٌ نظير هذه من الإمام الصُّوفي الشهير والوليُّ الكبير الشيخ طه الكردي ـ قدّس سره ـ، ومن ذاك الوقت زاد اعتناءُ الشيخ به، والتفاتُه إليه بالتَّعليم.
وكان شيخه المذكور كثيراً ما يأخذه معه ويحضره دروس أشياخه، حتى أنَّه أخذه وأحضره درس شيخه العلامة العامل الوليّ الصالح شيخ الحديث الشيخ محمد الكزبريّ، واستجازه له فأجازه وكتب له إجازة عامّة على ظهر ((ثبته))، مؤرخةٌ في افتتاح ليلة غرة سنة عشر ومئتين وألف (1210هـ).
وترجمه سيِّدي المرحوم في ((ثبته)) ترجمةً حسنةً، فراجعها، ورثاه أيضاً سيِّدي عند وفاته، ليلةَ الجمعة لتسع عشرة ليلة خلت من رّبيع الأوَّل سنة إحدى وعشرين ومئتين وألف (1221هـ)، بقصيدةٍ مؤرخاً وفاته فيها، ومطلُعها:
خطب عظيم بأهل الدين قد نزلا ... فحسبنا الله في كلّ الأمور ولا
وبيت التاريخ:
إمام (¬1) الكزبري نجم أفلا ... قليل جلقُه ما زال منسدلا
وكذلك أحضره درس العالم العلاّمة، الشيخ الكبير المحدّث، الشيخ أحمد العطار، واستجازه له فأجازه، وكتب له إجازةً عامّة على ظهرِ ((ثبتِه)) بخطِّه مؤرخةً في منتصف محرم الحرام سنة ست عشرة ومئتين وألف (1216هـ).
¬
(¬1) قوله: إمامنا الكزبري ... الخ، هكذا بالأصل، والشطر الأول ناقص ما يتم به الوزن والتاريخ فليحرر اهـ، مصححه.
وقد ترجمه سيدي المرحوم الوالد، في ثبته ((عقود اللآلي)) ترجمة حسنةً فراجعها، ورثاه عند وفاته مع غروب الشمس نهار الخميس التاسع من ربيع الثاني سنة ثمان عشرة ومئتين وألف (1218هـ) بقصيدة مؤرخاً وفاتُه بها، ومطلعها:
ليقدح الجهل في البلدان بالشرر ... وليسكن العلم في كتب وفي سطر
وقد أخذ سيدي عن مشايخ كثيرين:
منهم الشيخ الأمير الكبير المصريّ، وأجازه إجازة عامّة كتبها له بخطِّه الشَّريف وختمها بختمِهِ المنيف، وأَرسلها له مؤرخةً في غرّة رمضان المعظّم قدرُه من شهور عام ثمانية وعشرين بعد الألف والمئتين من الهجرة النبويّة (1228هـ).
وكذا أخذ عن مشايخ كثيرين يطول ذكرهم هنا من شاميين ومصريين وحجازيين وعراقيين وروميين.
وكان له عمٌّ من أهل الصلاح، ومظنّة الولاية، ومن أهلِ الكشف، اسمُه الشيخ صالح اسم على مسمَّى، حتى أنَّه بشَّر أمَّه به قبل ولادته، وهو الذي سمَّاه محمد أمين حين كان في بطنِ أمِّه، ويضعه في حال صغره في حجره، ويقول له: أعطيتك عطية الأسياد في رأسك.
وكان رحمه الله تعالى له خيرات عامّة: منها تعمير المساجد، وافتقاد الأرامل والفقراء.
وكانت تسعى إليه الوزراء والأمراء والموالي والعلماء والمشايخ والكبراء والفقراء وذا الحاجات، وعظمت بركتُه وعمَّ نفعُه، وكَثُر أخذ الناس عنه.
وغالب مَن أخذ عنه وقرأ عليه أكابرُ النّاس وأشرافُهم وأجلاؤهم من الموالي والعلماء الكبار والمفتين والمدرسين وأصحاب التآليف والمشاهير، وقصده النَّاس من الأقطار الشاسعة للقراءة عليه والأخذ عنه.
[تلاميذه:]
فممَّن قرأ عليه وأخذ عنه:
1. شقيقه العلامة الفاضل الفقيه الصُّوفي: السيد عبد الغني المذكور.
2. ومنهم: ولد أخيه المذكور: الشيخ أحمد أفندي أمين الفتوى بدمشق حالاً صاحب التآليف الشهيرة.
3. ومنهم: ابن ابن عمّه الشيخ صالح ابن السيد حسن عابدين.
4. ومنهم: صاحب الفضيلة والسماحة، العالم العلاّمة، عمدة الموالي العظام: جابي زاده السيد محمد أفندي قاضي المدينة المنورة سابقاً.
5. ومن أصحاب بايه إسلامبول الحائز للنشيان العالي المجيدي من الرتبة الثانية من تشرفت في حضرته بايه إسلامبول، وافتخرت فيه على مَن نالها بفضائله وعلمه الذي أقرّت به الفحول، وبكمال علومه وقدره مع فضله زاد فيه، رفعة وعزّ النشيان العالي المجيدي من الرتبة الثانية التي افتخرت فيها أعاظم الرجال، وهي فيه فاقت وتبخترت على أكابر أهل الكمال، فإنَّه أخذ عنه سائر العلوم وبه انتفع.
6. ومنهم: العالم العلامة، الزّاهد العابد، الورع التقي النَّقي، فقيه النفس: الشيخ يحيى السردست، أحد أفاضل الصُّوفية في زمنه، فإنَّه عنه أخذ، وبه انتفع، وعليه تخرّج.
7. ومنهم: العالم العلاّمة، العمدة الفهّامة، فقيه العصر: الشيخ عبد الغني
الغنيميّ الميدانيّ شارح ((القدروي)) و ((عقيدة الطحاوي))، فإنَّه عنه أخذ وبه انتفع وعليه تخرّج.
8. ومنهم: العالم العلاّمة، والعمدة الفهّامة: الشيخ حسن البيطار، فإنَّه قرأ عليه ((العقود الدرّيّة))، وعليه تخرّج في مذاهب السَّادة الحنفية.
9. ومنهم: ولد المرقوم العالم العلاّمة: الشيخ محمد أفندي البيطار، فإنَّه عنه أخذ وبه انتفع، وعليه تخرّج، وهو أمين فتوى دمشق الشام حالاً.
10. ومنهم: العالم العلاّمة: أحمد أفندي الاسلامبوليّ محشّي ((الدرر))، فإنَّه عنه أخذ وبه انتفع وعليه تخرّج.
11. ومنهم: الشيخ الفاضل والعالم الكامل فرضيُّ دمشق ورئيسُ حسابها: السيد حسين الرسامة، فإنَّه عن أخذ وبه انتفع وعليه تخرّج.
12. ومنهم: العالم العلاّمة، القدوة الفهّامة، صاحب التآليف المفيدة، والتَّصانيف النَّفيسة في المعقول والمنقول: الشيخ يوسف بدر الدين المغربي، فإنَّه عنه أخذ، وبه انتفع، وعليه تخرَّج.
13. ومنهم: العلامة الفاضل الشيخ عبد القادر الجابي.
14. ومنهم: الشيخُ محمّد الجقلي.
15. ومنهم: الشيخُ محمَّد أفندي المنير أحد أصحاب بايه أزمير المجردة.
16. ومنهم: العلامة الفاضل: الشيخ عبد القادر الخلاصي، شارح ((الدرّ المختار)) و ((الألفيّة)) لابن مالك وغيرهما.
17. ومنهم: عمدة الموالي الكرام: علي أفندي المراديّ، مفتي دمشق الشَّام.
18. ومنهم: العالم العلامة، العمدة الفهامة، نخبة الموالي الفخام: عبد الحليم ملا قاضي الشام وقاضي عسكر أنا طولي.
19. ومنهم: الشيخ حسن بن خالد بك.
20. ومنهم: الشيخ محمد تلو.
21. ومنهم: الشيخ محيي الدين اليافي.
22. ومنهم: الشيخ أحمد المحلاويّ المصريّ، شيخ القرّاء في زمنه.
23. ومنهم: الشيخ عبد الرحمن الجمل المصريّ.
24. ومنهم: الشيخ أيوب المصريّ.
25. ومنهم: الشيخ الملا عبد الرزاق البغداديّ أحد مشاهير علماء بغداد وأفاضلها.
26. ومنهم: الشيخ مصلح قاضي جنين.
27. ومنهم: الشيخ أحمد البزري قاضي صيدا.
28. ومنهم: أخوه: الشيخ محمد أفندي مفتيها.
29. ومنهم: الشيخ محمد أفندي الآتاسي مفتي حمص، وأخوه أمين فتواه.
30. ومنهم: الشيخ أحمد سليمان الأرواديّ.
وغيره ممن يطول ذكرهم ولا يحصى عددهم من أفاضل وأعيان، فإنَّهم انتفعوا به وأخذوا عنه وعليه تخرّجوا.
مات رحمه الله تعالى ضحوة يوم الأربعاء الحادي والعشرين من ربيع الثاني سنة (1252هـ)، وكانت مدّة حياته قريباً من أربع وخمسين سنة.
ودُفِن بمقبرة في باب الصَّغير في التربة الفوقانية، لا زالت سحائب الرَّحمة تبلّ ثراه في البكرة والعشية، وكان قبل موته بعشرين يوماً قد اتخذ لنفسه القبر الذي دفن فيه، وكان فيه بوصية منه لمجاورته لقبر العلامتين: الشيخ العلائيّ شارح ((التنوير))، والشيخ صالح الجينينيّ إمام الحديث ومدرِّسه تحت قبه النِّسر، وهذا ممَّا يدل على حبِّه للشارح العلائي، لا سيما وقد حشّى له شرحيه على ((الدر)) و ((الملتقى))، وشرحه على ((المنار))، وسمَّاني باسمه وأرّخ ولادتي على ظهر كتابه ((الدرّ المختار)) في ليلة الثلاثاء لثلاثة مضين من شهر ربيع الثاني (1244هـ) رحمه الله تعالى العزيز االغفار، وقد مدحه بقصيدة، وهي قوله:
علاء الدين يا مفتي الأنام ... جزاك الله خيراً على الدوام
لقد أبرزت للفتيا كتاباً ... مبيناً للحلال وللحرام
لقد أعطيت فضلاً لا يضاهى ... وعلماً وافراً كالصبِّ طام
فكنت به ... فريد ... العصر حتماً ... كمثل البدر في وفن التمام
وكان بك الزمان خصيب عيش ... وطيباً ذا حبور وابتسام
وفاق بدرك المختار عقد ... لفقه أبي حنفة ذو انتظام
بألفاظ ترين الصعب سهلاً ... ومطروحاً على طرف الثمام
إذا ما قلت قولاً قيل فيه ... على قول إذا قالت حذام
صغير الحجم حاوي الجل ممّا ... تنقح في ربى الكتب العظام
فكل الصيد في جوف الفرا إن ... تقل ذا لست تخشى من ملام
حوى اسماً قد أتى طبق المسمى ... وما تأتي كذا كل الأسامي
وكانت له جنازةٌ حافلةٌ ما عهد نظيرها، حتى أنَّ جنازتَه رُفِعت على رؤوس الأصابع من تزاحم الخلق، وخوفاً من وقوعها وإضرار النّاس بعضُهم بعضاً، حتى صار حاكم البلدة وعساكره يفرِّقون النَّاس عنها، وصار النَّاس عموماً يَبكون نساءً ورجالاً، كباراً وصغاراً، وصلَّي عليه في جامع سنان باشا، وغصّ بهم المسجد حتى صلّوا في الطريق.
وصلّى عليه إماماً بالناس الشيخ سعيد الحلبي، وصُلَّي عليه غائبة في أكثر البلاد، ولم يترك أولاداً ذكوراً غير هذا الحقير، العاجز الفقير، الملتجئ إلى عناية مولاه القدير، جامع هذه التَّكملة، جعلها الله تعالى خالصة لوجهه الكريم، ورحم الله تعالى روحه، ونور مرقده وضريحه، وجزاه الله تعالى عني وعن المسلمين خيراً، نفعني به وبعباده الصالحين في الدنيا والآخرة.
(((
الدِّراسة الثَّانية
نظراتٌ في تكوين الملكة الفقهية (¬1)
إنَّ نواحي الفقه التي يحتاجها كلٌّ متفقه ليبلغ الدرجة العليا فيه، ويُكوِّن الملكةَ الفقهيّة التامّة التي تساعدُه في التطبيقِ والفتوى والقضاءِ والاجتهادِ فيما جَدّ من مسائلَ والترجيحِ بين أقوالِ أئمةِ المذهب ثلاثة جوانب؛ إذ لا غنى لمَن يسعى إلى طلبِ الكمال في علم الفقه عنها، وهي:
الأول: دراسة المسائل الفقهية من مصادرها الأصلية:
¬
(¬1) إنَّ أصل هذه البحث دراسة قدَّمتها عن الإمام اللكنوي في مؤتمر عُقد في مدنية ((لكنو)) سنة 2011 م بعنوان: علماء فرنكي محل، وسميته: ((نظرات في تكوين الملكة الفقهية وإسهامات الإمام اللكنوي فيها))، ورأيت اختصارها؛ لتعلُّقها برسم المفتي.
فيبدأ بقراءة متن من المتون المعتمدة في المذهب الحنفي: كـ ((القدوري)) مثلاً، ثمّ يتدرج بدراسة شرح على متن معتمد آخر أوسع: كـ ((شرح الوقاية))، أو ((الاختيار لتعليل المختار))، أو ((رمز الحقائق شرح كنز الدقائق))، ثمَّ يترقّى إلى قراءة ((الهداية)) للوقوف على فلسفة الفقه وكيفيةِ بناء المسائل والأصول التي استندت إليها، ثم يتوسّع في الفروعِ بقراءة ((الدرّ المختار)) مع ((حاشيته)) لابن عابدين، فهي الغاية والكمال في التحقيق والتدقيق ولا غنى للطالب والعالم في فهم الفقه ومعرفة الفروع والراجح عنها.
وما سبق تفصيله يُبَيِّنُ المنهج بالنسبة للقراءات العامّة في المتون وشروحها،
وقد علمت المقام الرفيع لها في ضبط المذهب والتمكّن منه، وهذا لا يعني غنى الطالب عن الكتب المتخصصة في كلِّ بابٍ من الأبوابِ للتمكّن منه وضبطِهِ، ومن ذلك:
1.قراءة في الأصول بأن يكون هناك قراءة عامّة في الأصول يعتمد فيها على ((خلاصة الأفكار شرح مختصر المنار)) لقاسم بن قطلوبغا، يُضاف إليه كثيرٌ من التحقيقات والفوائد المجموعة من كتب الأصول يتمكَّن الطالبُ فيها من تكوين تصوُّر جيدٍ في علمِ الأصول ومعرفة مسائله وضبط قواعده والإطلاع على حقيقته، ثمّ يقوم بقراءة الكتاب البديع الواضح: ((نور الأنوار شرح المنار)) لملا جيون اللكنويّ، وينبغي لهذه القراءة في الأصول أن تكون بعد ((القُدُوريّ))؛ لأنَّ أصول الحنفية هي قراءة أُخرى في الفروع الفقهية ولكن من جهة بناء هذه المسائل على الدليل، فالمناسبُ أن يكون الطالبُ على معرفةِ بهذه المسائل؛ ليتمكَّن هاهنا
من الوقوفِ على وجهِ الاستدلالِ عليها، فَفَهْمُ الفروعِ في مجلسِ الفقه وفي الباب المذكورة فيه مع نظيراتها أدقّ من فهمها في مجلس الأصول، والله أعلم.
2.قراءة في العبادات بطريقة مفصّلة، ومن أفضل الكتب التي تحقِّقُ هذه الغاية كتاب: ((مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح))، فهو يشتمل على كثيرٍ من التحقيقاتِ الدقيقةِ والتفريعاتِ اللطيفةِ التي لا غنى للدارس عنها، لكنَّه يحتاج إلى تدقيق نظر من أُستاذ متبصِّر أثناء قراءته؛ لاشتماله على فروعٍ غيرِ معتمدةٍ وترجيحاتٍ غيرِ راجحةٍ؛ بسببِ تأثّر مؤلّفها الشرنبلاليّ (بالمدرسةِ المتأخرةِ في الترجيح بالحديثِ دون التأصيل الفقهي والنقلِ المدرسيّ؛ ولهذا لا ينصح أن تكون أوّل قراءات الطلبة في الفقه هي ((نور الإيضاح))؛ إذ الأَحرى أن يتربَّى الطالبُ على المتون المعتمدة؛ لتتكون لديه ملكة فقهية أقرب إلى أصل مذهب الحنفية، وأيضاً بسبب اشتماله على كثيرٍ من الفروعِ التي يصعبُ إملاؤها ابتداءً على المبتدئ في الفقه.
وهذه القراءة في ((المراقي)) ينبغي أن تكون الغاية منها إطّلاع الطالب على كثير من التفريعاتِ الفقهيّةِ بمراجعة المسائل في الطحطاويّ وغيرها من الكتب الموسّعة، وكذلك الوقوفُ على الخلاف الفقهي في المذهب في كلِّ مسألةٍ منها لينظر الطالب في مدارك الاجتهاد في المسائل وبنائها، وأيضاً محاولة الترجيح بين هذه الأقوال المختلفة وكيفيةِ التوصُّل إلى الراجح من بينها، فهذا ميدانٌ واسعٌ وطريقٌ صعبٌ لا بُدّ للدارس من تمرُّسٍ في دراسته والنظر فيه، ويُمكن تحقيقِ ذلك من خلالِ دراسةِ ((المراقي))؛ لأنَّه كتاب مخدومٌ جداً ومشهورٌ بين الطلبةِ والكَمَلة، وهو أيضاً من كتب المدرسةِ المتأخرة في الترجيح في المذهب.
وأمّا التمكّن في الحجِّ فيحتاج إلى كتاب ((لباب المناسك)) لرحمة الله السندي مع ((شرحه)) لملا علي القاري، فإنَّه أكثر الكتب اعتماداً في بابه، مع ترتيب بديع، وفروع رائقة، تُمكن الطالبَ من ضبط هذا الباب، وهكذا في بقية الأبواب.
وعلى كلٍّ فعلى الدارسِ أن يحرصَ كثيراً جداً على التوسعِ في قراءةِ الفروعِ الفقهيّة، والإكثارِ من قراءةِ الكتبِ المعتمدة، فلا تكون قراءته في كلِّ باب لأقل من ثلاثة كتبٍ مع أُستاذ متخصِّص، ضابط للعلم، فإنَّ الأساسَ المتين في تكون الملكة الفقهية هو كثرةُ الإطلاع على الفروع المعتمدة في المذهب، ولا يُمكن لغيرها أن يقوم مقامها، فَمن أكثر منها مع شيخ رشيد وذكاء شديد وصل إلى الغاية في هذا العلم الشريف.
فكما يحتاج الطالب في بعضِ دراسته إلى أُستاذ لضبط كتب الجادة والتمكن منها، فإنَّه يحتاج إلى التوسع في المسائل والأبواب إلى جهد خاصّ بحيث يحاسب نفسه على كلِّ لحظة يُضيِّعُها في غيرِ طلبه العلم، فيكون هذا العلم لذةً له في هذه الدُّنيا.
الثاني: ضبطُ علم رسم المفتي:
أي قواعد الإفتاء، وهذا العلم ينبغي أن يَنال الاهتمام الثاني من الدارس؛ إذ يمثل الجانب العمليّ التطبيقيّ للفقه، فلا سبيل لنا للترجيح بين الأقوال الفقهية إلا به، ولا فهم الخلاف الحاصل بين علماء المذهب إلا من خلاله، ولا إعمال الفقه في الواقع بدونه، فهو أقربُ ما يكون بالروح للفقه؛ إذ بدونه لا حياة له.
وفي ظنِّي أنَّ هذا التراجعَ الذي حَصَلَ لعلم الفقه في هذا الزمان حتى أصبح علماً نظرياً في حياتنا الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والعسكريّة والقضائيّة لهو عائد لأمرين:
1.ترك الدراسة المتعمّقة المتمكنة في الفقه، كما سبق.
2.إهمال علم رسم المفتي، فمَن لم يضبطه ويُدركه لن يتمكَّن من تطبيقِ الفقه واختيارِ الأنسب للواقع وفهم كيفيةِ التعاملِ معه.
لذلك أقول: إنَّ دراسةَ الفروع كما مَرَّ تُكوِّن (50) % من علم الفقيه، و (50) % هي قواعدُ رسم الإفتاء، وهي على قسمين: جانب نظري لقواعد الإفتاء يمثل (25) % من علم الفقه، وجانب عملي: وهو المعرفة الحقيقية المتبصّرة بالواقع الذي يريد الإفتاء به وتنظيمه وترتيبه على أجمل طريقة وأحسنِ سلوك تمثل (25) % من علم الفقه؛ لذلك كَثُرَ قولُهم: مَن لم يكن عالماً بأهلِ زمانه فهو جاهل.
وهذا العلم يُمثِّلُ الحلقة ما بين المسائل الفقهيّة المدوّنة في الكتب وما بين الواقع المعاش للناس في كافّة مناحي الحياة، فمَن فقده فهو فاقدٌ للعلم حكماً؛ إذ لا خير في علمٍ بلا عمل، وفاقدُه فاقدٌ للعمل به لنفسه ولغيره.
وأهمية هذا العلم حملت العلماء المتأخرين في المذهب الحنفي ـ بسبب توسعِ المذهب وكثرة الخلافات والترجيحات فيه ـ أنهم يعطونه اهتماماً خاصّاً لا سيما علماء ما بعد الألف هجري، فكثُر ذكرهم للقواعد المتعلّقة به في طيّات كتبِهم، حتى جاء ابنُ عابدين فجمع كثيراً من قواعدِه المتناثرة هنا وهناك في منظومته المشهورة التي بين أيدينا، فكانت أوسع ما كتب فيه، ومحاولة أوليّة لجمع شتات
هذا العلم، إلا أنَّها جمعت فوائد متناثرة فيه، ولم تخرجه ليكون علماً كاملاً له شروطه وأركانه وضوابطه ومسائله وموضوعاته بحيث تُمَكِّن الطالبَ من فهمه وضبطه.
وأحوج ما نحتاج إليه في هذه الأيام هو إظهارُ رسم المفتي في علمٍ مستقلٍّ
له قواعدُه وأسسُه ومبادئه، متيسِّرُ الدراسة لكلِّ المتفقهة، ويكون أحد البرامج المقرَّرة في المدارس الشرعيّة وكليّات الشريعة، وبدون ذلك سنبقى في دراستنا الشرعية أقرب إلى النظرية من التطبيق.
وهذا العلمُ هو الأصولُ التي يعتمدُ عليها المجتهدُ في المذهبِ في الترجيح والتفريع والتطبيق والإفتاء، كما يعتمد المجتهدُ المستقلّ على أصولِ الفقه لاستخراج الأحكام من الكتاب والسنة والآثار والترجيح بينها، فكما لا غنى للمجتهد المطلق عن أصول الفقه ـ فهي القواعد التي تُمَكّنه من القيامِ بعلمه واستفراغ جهده في استنباط الأحكام، وهي آلته في ذلك ـ فكذلك العالم في المذهب، فإنَّ رسمَ المفتي هي الأداة التي يتمكَّن بها من القيام بعمله، وبذل جهده في إنزال الفقه على الواقع، والخروج من دائرة الخلاف، وتلبية حاجات مجتمعه، فهي الوسيلة لذلك.
وكما أنَّ أُصولَ المجتهد المطلق تدور في محاور رئيسيّة فيها العديد من القواعد الأصوليّة وهي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فكذلك فإنَّ أصولَ المجتهد في المذهب لها محاور رئيسيةٌ مليئةٌ بقواعدِ الإفتاء، وهذه المحاور: هي
الضرورة والعرف والتيسير، فهذه هي الأُصول الكبرى في رسم المفتي التي يرتكز عليها المفتي في فهمه وضبطِهِ وتطبيقِهِ للفقه.
ويحتاج الطالبُ في ضبطِ ومعرفةِ هذا العلم العظيم إلى أُمور، وهي:
1.الإطلاع الواسع على الفروع الفقهيّة وتعليلاتها الأصوليّة ولا يدّخر في ذلك جهداً، فهذا حقيقة أهم الأسباب في تكوين ملكة في هذا العلم؛ لأنَّه ما لم يفهم الدارس مبنى المسائل والأبواب الفقهيّة لا يُمكنه أن يلاحظَ العرفَ والضرورةَ والتيسيرَ المعتبر عند الفقهاء أثناء التعامل في تطبيق الفقه، فإنَّ مَن يكثر من متابعة مسائل الفقهاء يُعاين أنَّ الفروعَ متفاوتةٌ في اعتبار الضرورة والتيسير المتّبع فيها، وهذا ما يحتاجه الدارس من ضبطِ ما اعتبره الفقهاء وما لم يعتبروه.
وقد ضلّ كثيرون حين لم ينتبهوا لهذه النكتة، فلم يتتبعوا الفروع الفقهيّة ولم يعتنوا بدراستها، وأَفتوا بدون مراعاةِ هذه القواعد فضلوا وأَضلوا؛ لأنَّهم لم يقفوا على الحدودِ التي حَدَّها الفقهاء في الأبواب المختلفة، وهذا الفرق بين العقليّة الفقهيّة المنضبطة المراعية لحدود الشريعة، وبين العقليّة العاميّة المراعية لهوى النفس ورغباتها، فيكون مقدار مراعاة هذه الضوابط معتمدٌ على المزاجِ والهوى بدون مراعاةِ لحدود الشرع.
ولو صحّ هذا لما احتجنا إلى الشريعة في حياتنا، ولأُمرنا باتباع عقولنا وهوانا، ولكنَّ حكمة الله (في شرعه اقتضت أن توجد فيها أسرارٌ تخفى في نفسِها على العقل، وإن كانت تدرك بآثارها له فيما بعد، وقد لاحظها الفقهاء وبنوا
مسائلهم عليها، فمَن تتبّع فروعَها عرفَها، وأَمكنَه أن يُطبّقَ هذه القواعد عليها بصورةٍ تتوافق مع أصلِ التشريع والحِكَمِ البالغة فيه.
2.دراسة ما كُتِب في هذا العلم، ومنه الفصل المذكور في ((المدخل إلى دراسة الفقه الإسلامي)) للعبد الفقير، و ((أصول الإفتاء)) للشيخ تقي العثماني، و ((شرح عقود رسم المفتي))، و ((نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف)) لخاتمة المحققين ابن عابدين.
ولا نغفل عن التَّنبيه بضرورةِ دراسةِ ما كُتِبَ في رسم المفتي مع أُستاذٍ مُتمرّسٍ بالفقه؛ حتى تتحقَّق الفائدة المرجوة والفهم المستقيم، وإلا يُخشى أن تُحمَلَ كثيرٌ من قواعدِ العلمِ على غيرِ محملِها.
3.دراسةُ طبقات الفقهاء، وبدون معرفتها لن يتمكَّن من إنزال الفقهاء منزلتهم الصحيحة، فيقدِّم الأدنى ويؤخّر الأعلى، ولا يستطيع الترجيح بين الأقوال المختلفة؛ لأنَّ الوقوفَ على منازل الفقهاء أَقوى سبيل للتَّرجيح بين أقوالهم، فمَن لا يعرفُها فلا سبيل له لهذا.
ويؤكِّد هذا المعنى الإمام اللكنوي (¬1) فيقول: ((إنَّ مَن لا يعرف مراتب الفقهاء ودرجاتهم، يقع في الخبط بتقديم مَن لا يَستحقُ التَّقديم، وتأخيرُ مَن يليقُ بالتَّقديم، وكم من عالم من علماء زماننا ومَن قبلنا لم يَعلمْ بطبقات فقهائنا، فرجَّح أقوال مَن هو أدنى، وهَجَرَ تصريحات مَن هو أعلى، وكم من فاضل ممّن عاصرنا
¬
(¬1) في النافع الكبير ص7.
وممّن سبقنا اعتمد على جامعي الرَّطب واليابس، واستند بكاتبي المسائل الغريبة والرِّوَايَات الضَّعيفة كالنَّاعس)).
ومدارُ الفقه على الاجتهاد، وقوّةُ الاجتهادِ راجعةٌ إلى قوّةِ المجتهد، فكلّما كان المجتهدُ أعلى درجةً سيكون اجتهادُه كذلك إجمالاً، وبدون معرفةِ مراتب المجتهدين لا تُنَزَّلُ اجتهاداتهم منزلتها ويُقدَّم عليها غيرُها.
وكلامنا في طبقات المجتهدين في المذهب؛ لأنَّ الاعتبارَ والاعتماد على اجتهادهم منذ أكثر من ألفِ سنة، والبحثُ في المجتهدين المستقلين بحث نظري لا طائل تحته؛ لأنَّ الفقه أَصبح علماً واضح المعالم، بيِّن القواعد، راسخ البنيان، لا يُمكنُ هدمُه من أجلِ أن نجرّبَ من جديدٍ هل هذا الاجتهادُ مناسبٌ أو غير مناسب؟! فقد نُقِّح بعد أن قامَ باستخراجِهِ فحول أئمّة علماء هذه الأمّة في عصورِ الخيريّةِ والسلفِ، وأَقرّهم كلُّ أهل النظر والفهم، وفَرَّعوا عليه ورَتَّبوا بما لا نظير له في علومِ الدين والدنيا، حتى أصبحَ من المستحيل إعادةُ صرح شامخ في الفقه بمنزلته؛ ولذلك لم يعترف العلماء بالاجتهاد المطلق لغير أصحاب المذاهب ولا يوجد كتب معتبرة في الفقه لغير المذاهب الأربعة.
وهذا من فضل الله (على الأمّة حتى لا يبقى الدين أُلعوبة في يد المتهوّسين وأشباه العلماء، وهو سبيله القويم في حفظ هذا الدين؛ إذ لم يرزق القبول لاجتهاد غير هؤلاء الأئمّة المشهورين، قال الإمام اللكنوي (¬1): ((والحاصلُ: أنَّ مَن ادَّعى بأنَّهُ قَدْ انقطعت مَرتبة الاجتهاد المطلق المستقل بآخر الأئمةِ انقطاعاً
¬
(¬1) المصدر السابق ص14 - 16.
لا يُمكنُ عَوده فقد غَلِطَ وخَبط، فإنَّ الاجتهاد رحمة من الله سبحانه، ورحمة الله لا تقتصر على زمان دون زمان، ولا على بشر دون بشر.
ومَن ادَّعى انقطاعها في نفس الأمر مع إمكان وجودها في كُلّ زمان، فإن أراد به أنَّهُ لم يُوجد بعد الأربعة مُجتهدٌ اتفق الجمهور على اجتهاده، وسَلَّموا استقلاله: كاتفاقهم على اجتهادهم، فهو مُسلَّم، وإلا فقد وُجدَ بعدهم أيضاً أرباب الاجتهاد المستقل: كأبي ثور البَغْدَادِيّ، وداود الظاهري، ومحمد بْن إِسْمَاعِيل الْبُخَارِيّ، وغيرهم، على ما لا يَخفى على من طالع كُتُبِ الطَّبقاتِ)).
وطالما أنَّ البحثَ الحقيقيَّ هو بحثُ الاجتهاد المذهبيّ، فأفضل تقسيم للطبقات هو التقسيمُ الزمانيّ ـ كما فعله العبدُ الفقير ـ، وأمّا تقسيمُ ابن كمال باشا فهو محلٌّ نظر كبير في أقسامه وتقسيم الفقهاء فيه، وإنَّما يستفاد منه في جعله بياناً لوظائف المجتهد في المذهب إجمالاً، والله أعلم.
وينبغي التنبيه على أنَّ التمكُّن من ضبطِ طبقات الفقهاء يَحتاج إلى دراساتٍ وأبحاثٍ في كتبِ الفروع بطريقةٍ متعمّقةٍ، وكذلك يحتاج إلى قراءةٍ خاصّةٍ من الدارس في كتبِ تراجم الفقهاء وطبقاتهم؛ فلا بُدّ أن يكون له عناية فائقة بقراءةٍ ذاتيّةٍ فيها؛ للوقوف على أحوالهم وشيوخهم وتلاميذهم ومسائلهم التي انفردوا فيها والمقام الذي بلغوه في العلم والفقه والاجتهاد، ومتابعة التعقبات التي ذكرها أهل الشأن في هذا الميدان.
ومن الضروري جدّاً أن يحفظ الطالبُ تواريخَ وفاتهم؛ حتى يتمكَّن من معرفة أَعصارهم ومَن تقدّم منهم زماناً على الآخر؛ ليلاحظ طبقة كلّ منهم،
وكذلك لمعرفةِ مقدارِ تأثرِ المتأخرِ بالمتقدِّم، وليتمكَّن من الترجيحِ بين ما نُقل عنهم من مسائل وترجيحات، قال الإمام اللكنوي (¬1): ((إنَّ فَنَّ التَّاريخ فنٌ شريفٌ وعلمٌ لطيفٌ يجبُ فيه التَّثبت والتَّنقيح، والتَّساهل فيه أيضاً مذمومٌ وقبيح)).
4.دراسة طبقات المسائل من ظاهرة رواية ونوادر ونوازل حيث يتمكَّن الطالب من خلالها التمييز بين أَصل المذهب والمبنيّ عليه، فيكون المفرَّعُ عليه منضبطاً على قاعدةِ أصل المذهب، فإنَّ فهمها جيداً ورعايتها تُمَكِّنُ من بناء غيرها على أصل المذهب كذلك، وتُحرِّرَه من أن يكون مُتقيداً بالمُخَرَّجِ من الفروعِ على أصلِ المذهبِ إذا تَغيَّرَ أصل التخريج من عرفٍ أو ضرورةٍ، وهذا أمرٌ في غاية الأهمية.
وكذلك يتمكَّن من تقديم مسائل ظاهر الرواية على غيرها من مسائل غير ظاهر الرواية والنوادر والنوازل والفتاوى عند تعارضها.
5.دراسة طبقات الكتب، وهو مختلف عن طبقات المسائل، فقد يحتوي الكتاب الواحد على عدّةِ طبقاتٍ من المسائل جمعها المؤلف في كتابه.
والمصنفون في العادة حين ألَّفوا كتبهم سَلَكوا منهجاً وطريقةً في تأليفهم لها من اقتصارهم على المسائل المعتمدة مثلاً، أو جمع المسائل الغريبة والنادرة، أو التمييز بين الغثّ والسَّمين في الفتاوى، أو الجمع والاستقصاء بدون تمييز.
¬
(¬1) المصدر السابق ص 58.
ومَن يُكثر القراءة في الكتب يتعرَّف على مناهج أصحابها، ودرجة اعتماد مسائلهم، ومنزلة كتبهم بالنسبة لغيرها، ومدى اعتماد الفقهاء عليها واعتبارهم لها بكثرة نقلهم عنها على سبيل التقرير لا الردّ والنكير.
وأكثر ما يُمكِّن الطالب من إدراكِ طبقات الكتب هو البحثُ والتنقيب، وذلك بمراجعة المسألة الفقهيّة في عامّة الكتب بحيث يلاحظ تعامل الفقهاء معها وكيفيّة عرضهم لها وترجيحهم فيها فيقدّر المقام لكلِّ كتاب منها.
فمعرفة الكتب المعتمدة من غيرِ المعتمدةِ أمرٌ مهمٌّ في التمييزِ بين الكتب، وينبغي التنبّه أنَّ عدَّ الكتاب من الكتب غير المعتبرة لا يعني عدم الاستفادة منه، بل الأخذ منه بحيطةٍ وحذرٍ لعالمٍ متبصِّرٍ حافظٍ للمذهب وعارف بالمسائل المعتمدة.
وهذا ما يؤكده الإمام اللكنوي بقوله (¬1): ((إنَّ الفقهاء جعلوا ((القُنْيَة))، و ((الحاوي)) من الكتب الغير المعتبرة، ومع ذلك أجازوا النَّقل عنها، وأخذ ما فيها، بشرط أن لا يُخالف ما فيهما ما في الكتب المعتبرةِ، وأَباحوا الاعتماد عَلَى ما فيهما من المسائل إذا وافقت الأصول المعتمدةِ، وهذا إنَّما يَحصلُ لمن له سعة علم ونظر، وقوة حفظ وبصر، فَيباح لَهُ الأخذ عَنْ مثل هَذِهِ الكتب غير المعتبرة.
وأما من ليس له علم ولا فهم، ولا له امتياز بين الحسن والشَّوم، والهدهد والبوم، ولا له عرفان بصحّة ما فيها وسقمها، وصوابها وخطأها، ومعروفها ومنكرها، وجلّ مَقصده إنَّما الجمع والتَّرتيب، والسَّجع والتأليف، من غير التزام
¬
(¬1) تذكرة الراشد ص 98 - 99.
الصحّةِ وتمييز الثِّقة عن غير الثِّقة، فَلَا يَحلُّ لَهُ النَّقل بكلِّ ما فيها من دون تنبيه على ما فيها)).
ولا بُدَّ من الوقوف على أسباب عدم اعتماد الكتب؛ ليتمكّن من خلالها معرفة الكتب غير المعتمدة التي لم يُصرّح الفقهاء باعتمادها وعدمه، وبدون معرفة الأسباب يجعل حكم عدم الاعتماد واحدٌ في كلّ كتاب نصّوا على عدم اعتماده، وهذا خطأ كبير؛ لأنَّ عدمَ الاعتماد قد يرجع لسبب: كالاختصارِ الشديد للكتاب، أو فقد الكتاب، لا أنَّ مسائلَه ضعيفةٌ في نفسها، فالأمرُ يحتاج إلى مراجعةِ الشروح والحواشي لفهمها مثلاً.
ويجب التيقّظ إلى أنَّ هذه الكتب المختصرة المعتمدة لا يُفتى بها إلا بعد نظر وفكر ومراجعة للحواشي والشروح، وقد نبَّه الإمام اللكنوي إلى هذا فقال (¬1): ((أما الكتب المختصرة بالاختصارِ المُخلّ، فلا يُفتى منها إِلا بعد نظر غائر، وفكر دائر، وليس ذلك لعدم اعتبارها؛ بل لأنَّ اختصارها يوقع المفتي في الغلط كثيراً)).
وقال: ((وكذا لا يَجترأ على الإفتاء من الكتبِ المختصرةِ، وإن كانت مُعتمدةٍ، ما لم يَستعن بالحواشي والشرح، فلعلّ اختصاره يوصله إلى الورطة الظلماء)) (¬2).
الثالث: معرفة أدلّة المسائل الفقهيّة، وهذا الأمر له جانبان:
¬
(¬1) في النافع الكبير ص30.
(¬2) المصدر السابق ص26.
1.معرفة الأدلّة الإجماليّة للمسائل الفقهيّة بدارسةِ علم أُصول الفقه حقّ الدِّراسة والتمكُّن منه وضبطِ مسائله؟
وفي نفس الأمر هذا هو الأمر الأهم في معرفة أدلّة المسائل، ولكن بسبب جعل هذا العلم نسياً منسياً، وقع تشكك كبير في المسائل الفقهيّة.
وفي ظني على قدر الضبط والتمكُّن من مسائل الأُصول ـ لا سيما مبحث السنّة ـ يزداد يقين الطالب بالمسائل الفقهية وقوّةِ الاستدلال لها وعظمةِ المجتهد الصادرة عنه.
وأقتصر هاهنا على فكرةٍ واحدةٍ مجملةٍ تُبيِّنُ هذا، وهي أنَّ للفقهاءِ طريقاً خاصّاً في الوصول للجانب الفقهي في حياة النبي (، وهو طريق النقل المدرسيّ، بأن يروي أقوال النبيّ (وأفعاله طبقة عن طبقة حتى تصل إلى إمام مذهب، وهذا ما يُسمّى: (علم أهل المدينة) عند المالكيّة، ويقول فيه ربيعة الرأي شيخ مالك: ((ألف عن ألف خير من واحد عن واحد)) (¬1): أي أنَّ طريق نقل الطبقات مُقدَّم على طريق نقل الآحاد المشهورة عند المحدّثين، وهذا النقل هو المعتمد في مدرستي الحنفيّة والمالكيّة.
ومَن وقف على حيثيّاته حصل له غنية كبيرة عن كثير من الاستدلال، وتحصل له طمأنينة أكيدة في استناد المذاهب الفقهيّة إلى هدي النبيّ (وأصحابه الكرام (.
¬
(¬1) ينظر: الحجوي، الفكر السامي 2: 458.
ومَن لم يفهمه ولم يعرفه سيبقى في حيرةٍ عجيبةٍ من كثيرٍ من المسائلِ المنقولةِ عن أئمّةِ الفقهاء، فيدخل في الشكّ والريب، وليس هو حَقّ في نفسه، وإنَّما لجهل منه بطريق القوم، ويكفيك عبارة الإمام الأصوليّ الجصّاص (¬1): ((لا أعلم أحداً من الفقهاء اعتمد طريق المحدّثين ولا اعتبر أصولهم)).
فإذن هناك طريقة واضحةٌ بيّنةٌ للفقهاء في تمحيصِ الأدلّةِ واعتمادها مقرّرةٌ في كتبِ الأصول، مَن لم يضبطها سيبقى في حيص بيص، لا سيما إذا حاكمهم بطريقةِ المحدِّثين، وهذا خطأٌ شائعٌ في هذا الزمان، والله أعلم.
وما حصل من ظهورِ مدرسةٍ متأخّرة عند الحنفيّة يُسمّون: (فقهاء المحدّثين) ففي تقديري سببُه: عدم اطّلاعهم الكافي على حقيقةِ النَّقلِ المدرسيّ عند مجتهدي الحنفيّة، وعدم انتباههم إلى أصول الحنفيّة الخاصّة في تمحيص ما ورد عن النبيّ (ـ بطرقٍ فَصّلَها عيسى بن أبان وذكرها الجصّاصُ في ((الفصول في علم الأصول))، وقد توسّعت فيها في عدّة أبحاث ـ، وهذا مما دعى هذه المدرسة أن تحاكي طريقة المحدّثين، فتخالف بعض فروع الحنفيّة، وتصحّح في الفقه بناء على الحديث لا على التأصيل الفقهيّ في بعض المسائل، والإمام اللكنويّ من هذه المدرسة؛ ولذا وصفه الكوثريُّ بقوله (¬2): ((له بعض آراء شاذّة، لا تُقبل في المذهَب)).
¬
(¬1) في شرح مختصر الطحاوي4: 244.
(¬2) في المقدمات ص333.
وعلى كلٍّ فهي مدرسة لها وجودها في المذهب تمثّل اتجاهاً أيّد المذهب الحنفيّ حتى بطريق المحدّثين، فجزاهم الله خير الجزاء.
2.معرفة أدلّة المسائل التفصيليّة، ونعني به الوقوف على الدليل من القرآن، أو السنّة، أو الإجماع، أو القياس، أو الاستحسان، أو الاستصحاب، أو قول الصحابيّ، أو غيرها، بخصوص كلّ مسألة من مسائل الفقه.
وهذا الأمر في هذا الزمان خاصة أصبحنا بحاجة ماسّة له؛ بسبب التشكيك الكبير في مسائل أئمّة المذاهب بأنَّه لا دليل عليها، فكان لازماً على الطّالب أن يقفَ على دليل خاصٍّ لا سيما من القرآن والسنّة لمسائل مذهبه الفقهيّ؛ ليكون على بصيرةٍ في ذلك، وليطمئنَّ قلبه، وليتمكَّن من تقديمِهِ عند الإجابة، وليبرهن أمام الموافقين والمخالفين على قوّةِ دليلِ فروع مذهبه، حتى يمنع التقوُّلَ على أئمة الحقّ.
وبعد هذه الافادات في كيفيّة تكوين الملكة الفقهيّة، نحتاج إلى أن نتعرَّف على الفتوى تعريفاً وصوراً؛ لأنّها ما تدور عليه الملكة، ونتعرف أنَّ الجرأةَ عليها تكون لفاقد الملكة الفقهيّة.
(((
الدراسة الثالثة
الفتوى وطرق معالجة الجرأة عليها
تمهيد:
نتعرف في هذه الصحفات على معنى الفتوى وأنواعها، وأنَّ الجرأة عليها لمَن ليس أهلاً لها أمر عظيم لا يتجاسر عليه إلا كلّ جبّار عنيد، فهو متقوّل على الله
(ورسوله (بغير علم، وهذه كبيرة من الكبائر، وأثره في ضياع المجتمع وفساده كبير؛ إذ به تستحلّ المحرّمات، وتحرّم المباحات، ويعيش الناس في ضنك شديد.
وإنَّ طريق قرآننا وسنّة نبيّنا (ترك هذه الجرأة، وهذا ما سلكه الصحابة والتابعون وأئمّة هذا الدين (، وتواتر عنهم التحذير من هذا الأمر الخطير، وقد اتبعوا طرقاً ومناهج للخروج من هذا السبيل: كتربية أنفسهم وتلامذتهم على قول: لا أدري، وعدم تولي الإفتاء إلا مَن كان أهلاً، وتحمّل الجهات المسؤولة مسؤوليتها في تتبع المفتين وأحوالهم، والتزام منهجيّة واضحة للمفتي في كل مذهب فقهيّ بمراعاة قواعده وضوابطه.
ونُطالع في واقعنا جرأة على دين الله (لا مثيل لها، فكلّ ناعق يتكلّم بما
شاء فيما شاء من أحكام شرع الله (من غير علم ولا معرفة، فمن أعجب ما نرى إذا ما طرحت مسألة شرعيّة يتسابق الحاضرون للخوض فيها، وكأنَّ أحكام الدين مشاعة ومباحة ومبتذلة لكلِّ أحدٍ من غير ضبط ولا قيد.
فيقول أحدُهم: من وجهة نظري كذا، ويقول آخر: من وجهة نظري كذا، وهكذا، وكأنَّ الدين الذي نزل على سيّدنا محمّد (في القرآن والسنّة صار عبارة عن وجهات نظر!.
فإنَّ مَن يسلك هذا الطَّريق قد نصَّب نفسَه مُشرِّعاً بدل الحقّ (؛ لما تواتر عن رسولِ الله (: ((مَن كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار)) (¬1) وغيره، وأيّ افتراء أعظمُ على الله (ورسوله (من الكلام في دين الله (بغير علم.
وأمرُ الفتوى في دين الله (عظيمٌ وخطيرٌ؛ لتعلّق فلاح المسلم في دنياه وأخراه به؛ لأنَّ انتظامَ الحياة البشريّة بطريقة سويّة مترتِّب على التزام المرء بأحكام ربّه (، وكذا تحقيق رضا الله (ودخول جنّته.
ولما يتعلّق بها من المخاطر الجسيمة من ضياع الدين والعرض والنفس؛ إذ بتخبّط الناس في الفتيا وولوجها ممّن ليسوا أهلاً لها فأحلّوا الحرام وحرّموا الحلال حتى أباحَ بعضهم صوراً من الزنا، وآخرون صوراً من الرِّبا، وأجاز آخرون قتل النَّفس وأخذ المال لأدنى سبب.
ففي هذا البحث نقف على معنى الفتوى ومشكلة الجرأة عليها.
أولاً: الفتوى لغة واصطلاحاً:
الفتوى لغةً: اشتقاقُها من الفتى؛ لأنَّها جوابٌ في حادثة أو إحْداثُ حُكْمِ أو تقويةٌ لبيانٍ مُشكْل (¬2)، وهي اسم من أفتى العالم إذا بيَّن الحكم، واستفتيته سألته أن يفتي، والجمع الفتاوي بكسر الواو على الأصل، وقيل: يجوز الفتح للتخفيف (¬3).
¬
(¬1) في صحيح مسلم 4: 2298.
(¬2) ينظر: المغرب2: 122.
(¬3) ينظر: المصباح 2: 462.
واصطلاحاً: بيانُ الحكم الشَّرعي عند السّؤال، وقد يكون بغير سؤال ببيان حكم النّازلة؛ لتصحيح أوضاع الناس وتصرّفاتهم (¬1).
والاقتصار في التّعريف على أنَّه البيان للحكم الشرعي كافٍ، وما بعده يكون شرحاً للتعريف من حيث أنَّ البيان ممكن أن يكون بالسؤال أو غيره، وهو متوافق مع المعنى اللغويّ السابق، فليس بشرط أن يكون ناتجاً عن سؤال، وإنَّما هو البيان مطلقاً.
وقال شيخنا العثماني (¬2): ((فمعنى الكلمة في اصطلاح اليوم: الجواب عن مسألة دينيّة. وإنَّما اخترنا الدينيّة دون الشرعيّة؛ لأنّ المفتي لا يجيب عن الأحكام الشَّرعية العملية فحسب، بل ربّما يجيب عن مسائل دينيّة اعتقاديّة، وعن معنى الأحاديث، وكيفيّة إسنادها وما إلى ذلك من المسائل التي تتعلَّق بالدين وعلومه)).
وهذا على المعنى العام، لكنَّ المشهور في بلادنا أنَّها خاصة ببيان الحكم الشرعيّ، والله أعلم.
وقَسَّمَ شيخنا العثماني الفتوى إلى ثلاثة أقسام:
الأولى: فتوى تشريعيّة: وهي التي صدرت من الشارع إما بوحي متلوّ في القرآن الكريم أو بوحي غير متلوّ في سنّة النبي الكريم (في الجواب عن سؤال أو
¬
(¬1) ينظر: قرار رقم (153) (2/ 17) فقرة (أولاً) لمجلس مجمع الفقه الإسلامي.
(¬2) في أصول الإفتاء ص9 معارف.
بيان نازلة في عهد النبي ( ... {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} النساء: 127.
والثانية: الفتوى الفقهية: ما يبوح بها فقيه من الفقهاء لا كجواب عن سؤال في حادثة مخصوصة، وإنَّما عند تفريعه للفروع، أو في جواب سؤال عام من غير علاقته بجزئيّة معيّنة ...
والثالثة: الجواب عن السُّؤال في واقعةٍ معيّنةٍ بتنزيل الفقه الكلّي على الموضع الجزئيّ، مثل أن يسأل عن رجل معيّن ترك والديه وزوجة وابناً وبنتاً، فكيف تقسّم تركته بين ورثته؟ وأكثر ما يطلق لفظ الإفتاء على هذا النوع (¬1).
وهو تقسيمٌ لطيف، مطابقٌ للواقع من تفسيرِ ما صدر عن المجتهدين من
مسائل، وما نجيب به عند السَّؤال، إلا أنَّه ينبغي حذف القسم الأول منه؛ لأنَّ كلَّ ما صدر عن الشَّارع الحكيم سواء كان في القرآن أو الحديث من فتاوى، تحتاج قبل العمل به إلى نظر المجتهد من حيث النسخ أو التأويل أو المعارض أو البيان.
وبالتّالي دخلت في ضمن القسم الثاني؛ لأنَّها أصبحت من الاجتهادات الفقهيّة فيما سبق ذكره، وذِكر هذا القسم موهمٌ للغاية، حيث يجعل الاجتهاد على نوعين: ما يكون صادقاً، وما يكون مشكوكاً، فما صدر بوحي يعتبر، والصادر عن المجتهد محلُّ تردد، فهل يوافق المنصوص أو يخالف ...
¬
(¬1) ينظر: أصول الإفتاء ص9 - 12 معارف.
وهذا أمرٌ خطيرٌ للغاية، بل الكلُّ سواءٌ في لزوم العمل به؛ لأنَّ الظنَّ يدخلها جميعاً؛ لاحتياجها جميعاً للاجتهاد، ألا ترى أنَّه إن كان وحياً بحديث نحتاج إلى الاجتهاد بثبوتِه وعدمِه، والاجتهاد في التَّوفيق بينه وبين غيره، وفهم معناه إلى غير ذلك من الاجتهادات التي لا تُخرجُه عن الظنّ الموجود في فتاوى المجتهد، وكذلك إن كان وارداً في القرآن، ألا يحتاج إلى فهم المقصود منه، والجمع بينه وبين بقيّة الأدلّة، وغيرها من الأمور الاجتهاديّة التي تلحقه، وتلحقه بالظنّ عند الفقيه.
فلم يبق في الحقيقةِ عندنا إلا الأمور الاعتقاديّة التي يكفر جاحدها، والتي تُعدُّ من المعلوم في الدين بالضرورة، مثل اعتقاد أنَّ الظهرَ أربع ركعات، وصيام رمضان، وأشباهها، والباقي كلُّها داخل في دائرة الظنّ، ممَّا يجعله مدرجاً في القسم الثاني، والله أعلم وعلمه أحكم.
ثانياً: الجرأة على الفتوى:
بمعنى الإقدام على إجابة السائل عن حكم شرعيّ من غير تثبّت وتدبّر (¬1).
الأوّل: منعُ الجرأة على الفتوى في القرآن:
في القرآن الكريم نهي عن الجرأة على الفتوى تُرشد إليها الآيات الدالّة على أنَّ علم الإنسان قليل ومحدود كقوله (: {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلا} الإسراء:
¬
(¬1) ينظر: فيض القدير1: 205.
85، وقوله (: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيم} يوسف: 76، وقوله (: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} طه: 114.
فطالما أنَّ علم الإنسان قليلٌ يجب عليه أن لا يتكلّم فيما لا يعلم؛ لا سيما أنَّ الله (أمره بالسؤال والرُّجوع إلى أهل الاختصاص في كلّ علم وفنّ، فقال (: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُون} النحل: 43.
فلم يعد مستحسناً عند ذوي العقول الخوض فيما لا يعلم، لا سيما في دين الله (؛ لأنَّه افتراء على الله (؛ لقوله: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُون} النحل: 116 وقوله (: {قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُون} يونس: 59.
قال الإمام الزمخشري (¬1): ((كفى بهذه الآية زاجرةً زجراً بليغاً عن التجوّز فيما يسأل من الأحكام، وباعثة على وجوب الاحتياط فيها، وأن لا يقول أحد في شيء جائز أو غير جائز إلا بعد إتقان وإيقان، ومَن لم يوقن فليتق الله (وليصمت، وإلا فهو مفترٍ على الله تعالى)).
والتجرؤ على الفتوى يوصل للإفتاء بغير علم، وهذا من الكبائر؛ لأنَّه
يتضمن الكذب على الله (ورسوله (، ويتضمَّن إضلال الناس، قال (: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ
¬
(¬1) في الكشاف 3: 31.
بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُون} الأعراف: 33؛ إذ قرنه بالفواحش والبغي والشرك (¬1).
الثاني: منع الجرأة على الفتوى في السنة:
ولم يقف النهي على هذا التجرؤ على نصوص القرآن، بل إنَّ السنّة النبوية مشحونة بالعديد من الأحاديث المرشدة إلى ذلك، منها: قوله (: ((مَن أُفتي بفُتيا غير ثَبت، فإنَّما إثمه على الذي أفتاه)) (¬2)، وقوله (: ((إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا)) (¬3).
وروي عنه (: ((أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار)) (¬4)، أي: أقدمكم على دخولها؛ لأنَّ المفتي مبيِّنٌ عن الله (حكمه، فإذا أفتى على جهل أو بغير ما علمه أو تهاون في تحريره أو استنباطه فقد تسبّب في إدخال نفسه النار لجرأته على المجازفة في أحكام الجبّار (¬5).
¬
(¬1) الموسوعة الفقهية الكويتية32: 23.
(¬2) في سنن ابن ماجه1: 20، ومسند أحمد2: 321، وسنن الدارمي1: 69، والمستدرك1: 183.
(¬3) في صحيح البخاري1: 50، وصحيح مسلم4: 2058.
(¬4) رواه ابن عدي عن عبد بن جعفر مرسلاً، كما في كشف الخفاء1: 51.
(¬5) ينظر: فيض القدير1: 205.
وبيَّن (أنَّ طريقَ العلم السؤال لا التهجّم عليه، فقال (: ((ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنَّما شفاء العيّ السؤال)) (¬1)، قال الشيخ عطية صقر (¬2): ((هذه بعض النصوص التى تدلّ على أنَّ الإنسان مهما بلغ من العلم فلن يحيط بكلّ شيء علماً، وأنَّ الجاهلَ بالحكم يجب عليه أن يسأل المختصّين، ومَن أفتى بغير علم فقد كذب على الله (وعلى الرسول (، ضَلَّ فى نفسه طريق الحقّ، وأضلّ غيرَه عنه ... ولهذا لا يجوز لأحد أن يفتي بغير علم ...
والنبي (سُئل عن الروح وعن أهل الكهف وعن ذي القرنين، فلم يجب حتى نزل عليه الوحي، غير عابئ بما يقوله المشركون والأعداء عندما تأخّر الوحي عن الإجابة، ولَمَّا سُئل عن خير البقاع وشرها قال: حتى أسأل جبريل.
فعن ابن عمر (: ((إنَّ رجلاً سأل النبي (: أيّ البقاع شرّ؟ قال: لا أدري حتى أسأل جبريل. فسأل جبريل، فقال: لا أدري حتى أسأل ميكائيل، فجاء فقال: خير البقاع المساجد، وشرّها الأسواق)) (¬3)، وهو بهذا يقف عند حدِّ علمه، ويرسم للناس مَن بعده الطريق الأمثل لنشر العلم والإجابة على الأسئلة.
الثالث: منع الجرأة على الفتوى عند الصحابة (:
فمَن أراد سلوك طريق السلف من الصحابة وتابعيهم (في هذا الباب،
¬
(¬1) في سنن أبي داود1: 93، وسنن البيهقي الكبير1: 277، وسنن الدارقطني1: 189.
(¬2) في فتاوى الأزهر10: 197.
(¬3) في صحيح ابن حبان4: 476.
فسيجد أنَّ فعلَهم وقولَهم يَدلّ على اجتناب الخوض في أمر دون علم فيه، والتهيّب من أمر الفتوى؛ قال البَرَاء بن عازِب (: ((لقد رأيتُ ثلاثمئة من أهل بدر ما منهم من أحد إلا وهو يحبّ أن يكفيه صاحبه الفتوى)) (¬1).
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى (قال: ((أدركت عشرين ومئة من الأنصار من أصحاب رسول الله (يسأل أحدهم عن المسألة، فيردّها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول))، وفي رواية: ((أدركت عشرين ومئة من أصحاب النبي (فما كان منهم محدّث إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه الحديث، ولا مفتٍ إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه الفتيا)) (¬2).
فهؤلاء الذين ربَّاهم خيرُ الخلق سيّدُنا محمّد (، كانوا ينظرون إلى خطورة أمر الفتوى، ويحترزون عنه مع أهليتهم له؛ خشية الخطأ، وخوفاً من الله (بالتكلّم في دينه بغير علم، وقارن حالهم بحال أهل زماننا: كما فعل الإمام الكوثري ((¬3): ((ولولا خوف السلف من إثم كتم العلم لَمَا كانوا يتصدّون للإفتاء بالمرّة، وفي هذا الصدد روايات كثيرة عن رجال الصدر الأول تدلّ على مبلغ احترازهم من تبعة الإفتاء.
ولكن نرى الناس اليوم على خلاف ذلك يتزاحمون على الفتيا ويتسابقون في حمل التبعة، فما من مجلة أو صحيفة في البلد إلا وفيها فتاوى عن مسائل، وكذلك
¬
(¬1) في الفقيه والمتفقه2: 165.
(¬2) في الزهد لابن المبارك1: 19، وسنن الترمذي5: 504، والمجموع1: 73.
(¬3) في المقالات في مقال خطورة التسرع في الإفتاءص228.
ليس لطائفة اللامذهبية مجلس وعظ وتذكير إلا وفيه افتئات على الفتوى في التوحيد والفقه، حتى أنَّ الكاتب البسيط لا يرى بأساً أن يفتي الناس في أعوص المسائل وأكثرها تشعّباً ... )).
وقول هؤلاء العظام من السلف كفعلهم من التحذير في التجرؤ على دين الله (؛ فعن ابن مسعود وابن عباس (: ((مَن أفتى عن كلِّ ما سُئِلَ فهو مجنون)) (¬1)، وهذا الجنون نابعٌ من أنَّه سيهلك نفسه وغيره بفتاواه؛ لأنَّ الرشيدَ مَن يُنزل الأمور منزلتها، ومن ذلك عدم كلامه إلا عن علم، فحال مَن يتكلَّم بغير علم كحال مَن فقد عقله وجنَّ.
قال الحكماء: ((مِن العلم أن لا تتكلم فيما لا تعلم بكلام مَن يعلم، فحسبك خجلاً من نفسك وعقلك أن تنطق بما لا تفهم، وإذا لم يكن إلى الإحاطة بالعلم من سبيل فلا عار أن تجهلَ بعضه، وإذا لم يكن في جهل بعضه عار فلا تستحي أن تقول: لا أعلم فيما لا تعلم)) (¬2).
الرّابع: منع الجرأة عن الفتوى عند الأئمة:
هذه المكانة العظيمة للإفتاء والخطر الجسيم في حمل عبئها بوصفها بياناً لحكم الله (في أمور الدِّين والدُّنيا، جَعلت أهل الفتوى يتحرَّجون كلَّ التحرّج عند استفتائهم؛ مخافة تبعات الفتوى الثقيلة، ويتدافعونها عن أنفسهم؛ لما مرَّ من
¬
(¬1) ينظر: المجموع1: 73، وأصول الإفتاءص3.
(¬2) ينظر: فيض القدير1: 205.
التحذير الشديد في القرآن والسنة وآثار الصحابة (من القول على الله (بغير علم، وهذه بعض عباراتهم الدالة على ذلك:
فعن أبي يوسف (سمعت أبا حنيفة (يقول: ((لولا الخوف من الله (ما أفتيت أحداً لكون المهنأ لهم والوزر علينا)) (¬1).
وقال ابن المنكدر (: ((المفتي يدخل بين الله (وبين خَلْقه، فلينظر كيف يفعل، فعليه التوقّف والتحرّز لعظم الخطر))، وقال: ((يريدون أن يجعلونا جسراً يمرّون علينا على جهنم، فمَن سُئل عن فتوى فينبغي أن يصمتَ عنها ويدفعها إلى مَن هو أعلم منه بها، أو مَن كُلِّفَ الفتوى بها، وذلك طريقة السلف)) (¬2).
وقال أبو حَصِين الأَسَدي (: ((إنَّ أحدَكم ليفتي في المسألة، ولو وردت على عمر بن الخطاب (لجمع لها أهل بدر)) (¬3).
وكان الإمام مالك (إذا سُئل عن مسألة كأنَّه واقف بين الجنة والنار، وعَلَّقَ عليها الخطيب البغداديّ (¬4) فقال: ((ويحقّ للمفتي أن يكون كذلك، وقد جعله السائل الحجّة له عند الله (، وقلَّدَه فيما قال، وصار إلى فتواه من غير مطالبة ببرهان ولا مباحثة عن دليل، بل سَلَّم له وانقاد إليه، إنَّ هذا لمقام خطر وطريق وعر)).
¬
(¬1) ينظر: الجواهر المضية2: 342.
(¬2) ينظر: فيض القدير1: 205 - 206.
(¬3) ينظر: الفقيه والمتفقه2: 168.
(¬4) في الفقيه والمتفقه2: 168.
وقال الإمام سحنون (: ((أشقى النَّاس مَن باع آخرته بدنيا غيره)).
وقال المحدّث سفيان (: ((أدركتُ الفقهاءَ وهم يَكرهون أن يجيبوا في المسائل والفتيا حتى لا يجدوا بُدّاً من أن يفتوا))، وقال: ((أعلم الناس بالفتيا أسكتهم عنها وأجهلهم بها أنطقهم فيها)).
وبكى الإمامُ ربيعة (فقيل: ما يُبكيك؟ فقال: ((استفتي مَنْ لا علم له وظهر في الإسلام أمر عظيم))، وقال: ((وَلَبَعْضُ مَن يفتي ههنا أحقُّ بالسجن من السرّاق)) (¬1).
ثالثاً: طرق معالجة الجرأة على الفتوى:
بعد هذا الاستطراد في بيان عظم أمر الفتوى وخطورته، لا بُدَّ أن تكون لنا وقفة متأنيّة في ذكر بعض الطرق الناجعة للخروج من هذه الجرأة التي أوقعت الأمة في مزالق ومهالك، ومنها:
أولاً: ترويض النفس على قول: ((لا أدري)):
وذلك بتعظيم مخافة الله (في القلب، وترك غرور النفس والتواضع، فإنَّ من أكبر مداخل هذا هو التكبّر والتعالي؛ وليكن شعارك دائماً في كل ما لا تعرف هو شعار السابقين من سلف هذه الأمة وخلفها، وهو قول: ((لا أدري))، و ((الله أعلم)).
¬
(¬1) ينظر: الآداب الشرعية2: 63.
فعن الإمام الشَّعبي (أنَّه قال: ((لا أدري نصفُ العلم)) (¬1)، وقيل: لولا خشية التَّكاسل والتَّباطؤ عن طلبِ العلم لقلنا: إنَّها العلم كلُّه، وقال ساجقلي زاده (¬2): ((ولعلَّ وجه كونه نصف العلم: أنَّ مَن جهل شيئاً وجهل جهله به كان مجهوله من أمرين، وهذا هو الجهل المركّب، ومن قال: لا أدري علم جهله به، وبقي علمه بذلك الأمر)).
ومن الآثار الواردة عن الصحابة (في حثِّهم على القول ((لا أدري))، و ((الله أعلم)):
عن ابن عمر (قال: ((العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنّة ماضية، ولا أدري)) (¬3).
وعن ابن عبَّاس (قال: ((إذا ترك العالم لا أدري أُصيبت مقاتلُه)) (¬4).
وعن ابن مسعود (قال: ((مَن عَلِمَ منكم علماً فليقل به، ومَن لم يعلم فليقل: اللهُ أعلم، فإنَّ مِن العلم إذا سُئِل الرجل عن ما لا يعلم أن يقول: الله أعلم)) (¬5).
¬
(¬1) ينظر: الفقيه والمتفقه2: 170، والمدخل2: 184، وسنن الدارمي1: 74.
(¬2) في ترتيب العلوم ص203.
(¬3) في المعجم الأوسط1: 299.
(¬4) في المدخل إلى السنن الكبرى2:187.
(¬5) في مسند الشاشي1: 450، ودلائل النبوة للبيهقي2: 196، وسنن الدارمي1: 73.
وعن علي (قال: ((يا بَرْدَها على الكبد، إذا سُئل الرجل عمَّا لا يعلم أن يقول: الله أعلم)) (¬1).
وعَلَّقَ الحافظ السخاويّ بعد ذكر هذه الآثار (¬2) فقال: ((وقد كثر إغفال لا أدري، وترك الحوالة على مَن يدري، فعمَّ الضرر بذلك، نسأل الله التوفيق والسلامة)).
وما سلكه صحابة رسول الله (تبعهم عليه أئمّة الدين؛ فتوقّف الإمام أبو حنيفة (في مسائل عديدة ولم يجب، وسُئِل الإمام مالك (عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري، وربَّما كان يُسأل عن خمسين مسألة، فلا يُجيبُ في واحدة منها (¬3).
وهذه كلُّها صور مشرقة عن السلف، ترينا إلى أي حدٍّ كانوا يخشون الفتوى بغير علم، على الرغم من الأمر بتبليغ الدعوة والتحذير من كتم العلم، رجاء أن تكون نبراساً لكلِّ مَن عنده بعض العلم أن يقف عند حَدّه، ولمَن عنده رغبة في نشر العلم أن يكون متثبّتاً فيما يقول، وألا يتعصَّب أحدٌ لرأي اجتهاديٍّ عرفه (¬4).
ثانياً: أن تتولّى الجهات المسؤولة تتبّع حال المفتين:
فتقرّ مَن كان أهلاً، وتمنع غيرَه، وهذه سنةٌ مضت من عهد الصحابة (،
¬
(¬1) في مسند أحمد4: 81، والمستدرك1: 166.
(¬2) في المقاصد الحسنة1: 238.
(¬3) ينظر: أدب المفتي لابن الصلاح ص79، والمجموع1: 41.
(¬4) ينظر: فتاوى الأزهر10: 197.
فقد كان عمر (لا يسمح لأي من الصحابة بتحديث الناس وتعليمهم؛ إذ نهى الصحابي الجليل أبا هريرة (عن التحديث، فقال له: ((لتتركنَّ الحديث عن رسول الله (أو لألحقنّك بأرض دوس)). وقال لكعب (: ((لتتركنّ الحديث أو لألحقنّك بأرض القردة)) (¬1).
وهذا النهي من سيدنا عمر (؛ لأنَّه في ذلك الوقت كان كبار الصحابة (أحياء، وسيدنا أبو هريرة (متأخّر في إسلامه بالنسبة لهم، فهم أولى بالتحديث والفتوى منه، حتى إذا ما جاء عهد سيدنا عثمان (جلس أبو هريرة (للتحديث والتعليم.
وهذا الأمر كان متّبعاً في عهد بني أمية، حتى في موسم الحجّ يُمنع أن يفتي الناس إلا مَن وثق في علمه ودينه، قال ابن كيسان: ((اذكرهم في زمان بني أميّة يأمرون بالحجّ صائحاً يصيح لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح)) (¬2).
وأيضاً حرص بنو العباس وغيرهم على هذا، قال ابنُ وهب (: ((حججت سنة ثمان وأربعين ومئة وصائح يصيح: لا يفتي الناس إلا مالك بن أنس وابن الماجشون)) (¬3).
وهذا الفعل من الدول الإسلاميّة المتتابعة؛ لما فيه المصلحة العظيمة على
¬
(¬1) في تاريخ أبي زرعة1: 286، والبداية والنهاية8: 106، وتاريخ ابن عساكر19: 117، كما في سير أعلام النبلاء2: 600 - 601، قال الأرناؤوط: إسناده صحيح.
(¬2) ينظر: طبقات الشيرازي ص57.
(¬3) ينظر: طبقات الشيرازي ص52.
مجتمعاتها، ودرءاً للفساد والفحشاء الذي يعمّ لو ترك الأمر هكذا؛ لأنَّ أهل الهوى إن لم يعاقبوا على هواهم فسيفسدون على الناس حياتهم، إذ لا بُدَّ للحقّ من قوّة تدافع عنه وتنصره؛ فعن سيدنا عثمان (: ((إنَّ الله (يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)) (¬1).
لذلك صرَّحَ كبارُ العلماء بوجوب ذلك على إمام المسلمين، فذكروا قول الخطيب البغدادي (: ((ينبغي للإمام أن يتصفَّحَ أحوال المفتين، فمَن صَلُحَ للفتيا أقرّه، ومَن لا يصلح منعه، ونهاه أن يعود، وتوعَّده بالعقوبة إن عاد، وطريق الإمام إلى معرفة مَن يصلح للفتوى: أن يسأل علماء وقته، ويعتمد أخبار الموثوق به))، وأقرّوه عليه: كالنووي (¬2)، وغيره.
وقال الفقيه الماورديّ ((¬3): ((وأما جلوس العلماء والفقهاء في الجوامع والمساجد والتصدّي للتدريس والفتيا، فعلى كلّ واحد منهم زاجرٌ من نفسه، أو لا يتصدّى لما ليس له بأهل فيضلّ به المستهدي ويزلّ به المسترشد ... ، وللسلطان فيهم من النظر ما يوجبه الاختيار من إقراره أو إنكاره)).
¬
(¬1) ينظر: الجد الحثيث ص60، قال السرخسي في شرح السير الكبير 1: 169: ((فإنَّ امتناع الناس مما لا يحل لمخافة العقوبة أكثر من امتناعهم خوفاً من الله (، وبه ورد الأثر: إنَّ الله يزع بالسلطان فوق ما يزع بالقرآن)).
(¬2) في المجموع1: 74.
(¬3) في الأحكام السلطانية ص237.
ثالثاً: التزام قواعد وضوابط الفتوى المتبعة في كلِّ مذهب فقهي:
فلا يحلّ لكلِّ أحد أن يفتي بما شاء من أي مذهب شاء دون مراعاة ضوابطه وقيوده المنصوص عليها في كتبه، فعلم الفقه كغيره من العلوم له أسسه التي بني عليها، والتي لا يجوز لمَن يتكلّم فيه أن يتناساها أو يتجاهلها.
ومعلومٌ أنَّ المفتي على صورتين:
الأولى: أن يكون مجتهداً مطلقاً، فيجيب السائل باجتهاده من الكتاب والسنّة، وهذا النوع من الاجتهاد عند أهل السنة إجمالاً ظهر فيه علماء كثر على مدار التاريخ الإسلامي، لكن الذين اعترفت لهم الأمّة وتلقّت اجتهادهم بالقبول من بين كلّ هؤلاء هم الأئمّة الأربعة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعيّ، وأحمد (فحسب، وحصول مثل هذا الاجتهاد للمتأخّرين متعسّر جداً.
الثاني: أن يكون ملتزماً مذهباً فقهيّاً، يحفظ مسائله، ويضبط فروعه، ويدرك أصوله، بأن درسَه على المشايخ الكبار، وأجازوه بالإفتاء فيه، فهو حافظٌ وناقلٌ أمينٌ لاجتهاد أصحاب هذا المذهب، ويمكن أن يترقَّى به الأمر فيتمكَّنَ من الاجتهاد فيما يجدّ من مسائل على قواعد وضوابط مذهبه.
وهذا النوع من الاجتهاد والإفتاء هو ما مشت عليه الأمة في قرونها بعد الأئمّة الأربعة، فكان أصحابُ المذاهب هم المفتون في الدول الإسلاميّة المتعاقبة، وهم مَن يتولّى القضاء والتدريس وغيرها من الأمور الدينيّة في الدول.
وما وسع أمّتنا من الإفتاء والاجتهاد المذهبي في عصورها الذهبية عندما كانت دولتها ممتدة الأطراف وكان الحكم لها في الأرض لا شكّ أنَّه يسعنا،
وَيُمَكِّنُنا من إرجاع عزّتنا وكرامتنا ومجدنا؛ إذ لا سبيل إلى ذلك إلا بالرجوع إلى ديننا القويم، والتمسك بأحكامه الصحيحة، وطريق ذلك الالتزام والتمسّك بالمذاهب الفقهية المشهورة، فهي تمثّل الدين الصحيح، الذي حمل رسالة الوسطيّة والسماحة.
فعلى كلِّ مَن يتصدَّر للإفتاء أن يلتزم مذهباً فقهيّاً ويراعي ضوابطه وأحكامه فيما يفتي بعد أن يكون مؤهلاً لذلك، ولا سبيل للخروج من هذه الفوضى والاضطراب الدينيّ والفقهيّ والجرأة على دين الله إلا بمراعاة ذلك، وهذا ما أقرَّه المؤتمر الإسلاميّ المنعقد في عمان 4 - 6/ 6/2005م، إذ نصّوا على ما يلي:
((إنَّ الاعتراف بالمذاهب الفقهيّة في الإسلام يعني الالتزام بمنهجيّة معيّنة في الفتاوى: فلا يجوز لأحد أن يتصدّى للإفتاء دون مؤهّلات شخصيّة معيّنة يحدّدها كلّ مذهب، ولا يجوز الإفتاء دون التقيّد بمنهجيّة المذاهب، ولا يجوز لأحد أن يدّعي الاجتهاد ويستحدث مذهباً جديداً، أو يقدّم فتاوى مرفوضة تخرج المسلمين عن قواعد الشريعة وثوابتها وما استقرّ من مذاهبها)).
وهذا ما أكّدته قمّة منظمة المؤتمر الإسلاميّ المنعقدة في مكّة 7 - 8/ 12/2005 في بيانها الختاميّ، ومنه: ((التنديد بالجرأة على الفتوى ممّن ليس أهلاً لها، ممّا يعد خروجاً على قواعد الدين وثوابته وما استقرّ من مذاهب المسلمين، وهذا يوجب التأكيد على ضرورة الالتزام بمنهجيّة الفتوى كما أقرّها العلماء)) (¬1).
¬
(¬1) ينظر: إجماع المسلمين ص23 - 26.
وهذه المنهجيّة في الفتوى وعدم الجرأة فيها إن اتُبٍعت تحقّق أهداف ((رسالة عمّان))، ففي كتاب ((إجماع المسلمين)) (¬1): ((وهدف محاورها الثلاثة (حول التكفير والمذاهب والفتاوى):
1. وقف تكفير المسلمين بعضهم لبعض بسبب خلافات عقائديّة ثانويّة (حقيقيّة أو خياليّة)، وفي ذلك التكفير حرمانهم بصورة إجراميّة من حقوقهم وإباحة قتلهم وخلق الفتنة في الأمّة.
2. اعتراف كلّ المسلمين بعضهم ببعض، ونتيجة لذلك توحيد الأمّة وبالتالي تقويتها.
3. وقف أو على الأقلّ تعرية الفتاوى غير الصحيحة على أيدي الجهلاء الذي هم غير مؤهّلين لذلك، والتي تضلّل الناس بكل أنواع الأفكار الخاطئة والمدمّرة التي ينتج عنها أشكال من السلوك والأفعال الخاطئة ... )).
وقد فصَّل ما سبق ذكره وأبانه ووضحه فضيلة شيخنا المفتي العثمانيّ فقال: ((إنَّ الإسلام لا يعترف بنظام الكهنوت الموجود في المسيحية وغيرها من الأديان، فالحكم كله لله (ولرسوله (، أما العلماء فإنَّهم لا يشرّعون الأحكام، وإنَّما يشرحون ما ثبت من القرآن الكريم والسنّة النبويّة المطهّرة، وبالرغم من نفي نظام الكهنوت، فإنَّه لا بُدّ لشرح أحكام الشريعة من مؤهلات تمكن الشارح من الفهم الصحيح لنصوص القرآن والسنّة.
¬
(¬1) إجماع المسلمين ص37 - 38.
فالمفتي في الإسلام ليس مشرِّعاً للأحكام، وإنَّما هو شارحٌ ومبيِّنٌ لما شرعه الله (في كتابه أو في سنّة نبيِّه (، ولما استقرّت عليه الشريعة عبر القرون، وبعبارة العلاّمة ابن قيم الجوزية (: إنَّه موقّع عن الله (.
فلا يجوز الإفتاء لكل مَن هبّ ودبّ، فإنَّها مسؤولية عظيمة لا يؤدّيها إلا مَن تبحّر في العلوم الإسلامية من التفسير والحديث والفقه والعقائد وأصولها، كلّ ذلك لدى أساتذة مهرة ورثوا هذا العلم جيلاً بعد جيل، وكذلك يجب لمَن يتصدَّر للإفتاء أن يكون عنده معرفة تامّة بأحوال أهل زمانه وأعرافهم المتبعة.
والطريق المتوارث الذي عملت به هذه الأمة عبر القرون أنَّ مجرّدَ دراسة العلوم الشرعيّة لم تعتبر كافية في تأهيل المرء للإفتاء، حتى يتدرَّبَ لذلك لدى مفتٍ موثقٍ من علماء عصره، فإنَّ الإفتاءَ يحتاج إلى بصيرة دينية ومَلَكة فقهية لا تكاد تحصل بمجرَّد دراسة الكتب، وإنَّما يجب لذلك تجربة عملية.
وهذا مثل الطبيب الذي لا يسمح له بمعالجة المرضى بمجرد دراسة علم الطبّ، وإنَّما يشترط لذلك أن يتدرَّب على ذلك عمليّاً لدى طبيب ماهر له تجربة واسعة في هذا المجال، وهذا المعنى أكّد عليه العلماء الذين ألّفوا كتباً في أصول الفتوى، وليراجع مثلاً: ((آداب الفتوى)) للنوويّ، و ((شرح عقود رسم المفتي)) في ((رسائل ابن عابدين)).
ومن المؤسف أنَّ هذه النقطة أغفلها اليوم كثير من الناس، فكلّ مَن اشتهر اسمه كزعيم سياسيّ أو كقائد لحركة من الحركات فإنَّه لا يبالي بإصدار فتاوى، ولو لم تكن عنده كفاءة مطلوبة في العلوم الشرعيّة، وإنَّ الناس يغترون بشهرته
فيعتبرون فتواه حكماً شرعيّاً، ولو كان مخالفاً لما استقرّت عليه الأمّة طوال القرون، فلا بُدّ من نبذ مثل هذه الفتاوى الشاذّة التي لا تزيد المسلمين إلا شقاقاً وخلافاً، والتي تمزِّق جمع المسلمين وتكسر قوّتهم، وتعضد مؤامرات أعدائهم)) (¬1).
رابعاً: أن لا يفتي إلا مَن كان أهلاً للفتيا:
بأن يكون ممَّن ضبط العلم ودرسَه على المشايخ العظام؛ ليكون ممَّن يندرج في حديث رسول الله (: ((إنَّ العلماء هم ورثة الأنبياء)) (¬2).
وقد ذكروا في قواعد المفتي والمستفتي: ((لا يجوز الإفتاء لكلّ مَن تعلَّمَ الفقه لدى الأساتذة حتى تحصل له ملكة فقهيّة، وهذه المَلَكة يعرف بها أصول الأحكام وقواعدها وعللها ويميِّز الكتب المعتبرة من غيرها، ودليل حصول هذه المَلَكة أن يأذن له مشايخه المهرة بالإفتاء)) (¬3).
قال الإمام مالك (: ((ما أفتيتُ حتى شَهد لي سبعون أنّي أهلٌ لذلك))، وفي رواية: ((ما أفتيت حتى سألت مَن هو أعلم مني: هل يراني موضعاً لذلك؟))، وقال أيضاً: ((ولا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلاً لشيء حتى يسأل مَن هو أعلم منه)) (¬4).
وهذه النقطة لطولها نخصّها بالدراسة اللاحقة.
¬
(¬1) ينظر: إجماع المسلمين ص203 - 204.
(¬2) في سنن أبي داود2: 341، وسنن الترمذي5: 48، وصحيح ابن حبان1: 289.
(¬3) ينظر: أصول الإفتاء ص28.
(¬4) ينظر: المجموع1: 73 - 74.
الدّراسة الرّابعة
معرفة الفقيه المفتي المعتبر
تمهيد:
إنَّ ضبط مَن هو العالم الفقيه الذي يعتمدُ عليه في الفتوى أمرٌ مهمٌّ للغاية، وقد بذلت جهدي في وضع ضوابط عامّة له؛ إذ لم أقف على دراسة خاصّة بذلك.
وينبغي التَّفريق بين العلم والوعظ، فليس كلُّ واعظ عالم، ولا بُدّ من الاعتراف لأهل العلم الشرعيّ عامّة والفقه خاصّة بالتخصّص، بعدم التعدِّي من الآخرين غير المؤهّلين للكلام والإفتاء في العلوم الشرعيّة؛ لأنَّه إخبار عن حكم الله (، ولا يملكه إلا مَن دَرَسَ وضَبَطَ وتخصَّصَ وتأهَّلَ لهذا العلم الشريف.
والاعتراف للعالم بعلمه في الفقه ينبغي أن يتقيّدَ بأن يكون من أهل الورع والتقوى ممَّن يعمل بعلمه، وأن يكون عالماً وضابطاً لما يقوله ويعلّمه، وملتزماً بقواعد العلم من خلال تقيّده بأحد المذاهب الأربعة المعتمدة، وأن لا يخرج في فتاواه عنها، ولا يأخذ بالشاذّ والضعيف في العلم.
وهذه أقلُّ الضوابط لمَن ينبغي عدّه في زمرة العلماء الفقهاء، ومَن دونه فعلمه وكلامه كسراب بقيع، يحسبه الظمآن ماء؛ لأنَّ العالم هو التقيّ الضابط لما