استيعاب الفقهاء للحديث ..
... واختلافهم في أصوله
جارٍ تحميل الكتاب…
استيعاب الفقهاء للحديث ..
... واختلافهم في أصوله
استيعاب الفقهاء للحديث
واختلافهم في أصوله
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
ملخص البحث:
من الشبهات التي تثار حول أئمة المذاهب الفقهية أنَّ من الأسباب الرئيسية لحصول الاختلاف بينهم في الفروع الفقهية هو عدم وصول الحديث لبعضهم، وهذا كلام ليس دقيق أبداً يحتاج لتحرير، فإنَّ هؤلاء الأئمة بلغوا الدرجة العليا في الحديث، ودرجة المجتهد المستقل بالمعنى الأكمل لا يستحقها إلا مَن وصل إلى أعلى المراتب في الحديث، والحديث مادة الاجتهاد الخصبة ولا يجتهد من لم يبلغ الذروة في معرفته.
فبدأت بحثي ببيان الفهم الصحيح لمقولة: «إذا صح الحديث فهو مذهبي»، ثُمَّ استطردت في بيان كيفية استيعاب المذاهب للحديث، وأنَّ عدم عمل الفقهاء بالحديث وتركهم له، له أسباب عديدة، وليس راجعاً لعدم وصوله لهم، ولكن لأنَّهم عندما طبقوا عليه قواعدهم في التصحيح والعمل، لم يكن صالحاً فتركوه، فإنَّ عامة مباحث الحديث مبنية على الاجتهاد، الذي يحتاج إلى أصول محكمةٍ وأنظار للمجتهد من أجل حلها، والاختلاف فيها كبير وواسع، وهذا الاختلاف أدى إلى الاختلاف في كثير من الفروع الفقهية، ثُمَّ فصلت الكلام في أصول الحديث المختلف فيها بين الأئمة مع أمثلة تظهر أثر الاختلاف فيها وثمرته، ثُمَّ ختمت البحث بأهم النتائج التي توصلت لها.
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمّد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، ومَن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فإنَّ السنة النبوية أصلٌ معتبرٌ من أصول التشريع، والأخذِ بها أمرٌ متفقٌ عليه وغيرُ مختلفٍ فيه بين المذاهب الفقهية المعتبرة؛ لقوله - جل جلاله -: {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ} النساء: 59، وقوله - جل جلاله -: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} النحل: 44، وغيرهما من الأدلة الظاهرة في ذلك.
وإنَّما كان النِّزاع والاختلاف بين الفقهاء في قضايا متعلِّقة بفهم السنة ونقلها وتحريرها، وعامة مباحث السنة النبوية مبنية على الاجتهاد: اجتهاد في كون الحديث متواتر أو مشهور أو آحاد، وفي اتصال سنده وانقطاعه، وفي حال كل رجل من رجاله، وفي تراكيب ألفاظه، وفي التوفيق بينه وبين غيره، فهل هو منسوخ، أو معارض بأقوى منه، أو راويه خالف روايته، أو خالف العمل به الصحابة، أو أنَّه حكاية حال،
أو مؤول على صورة معينة، وغير ذلك من الوجوه التي تحتاج إلى أصول محكمةٍ وأنظار للمجتهد من أجل حلها.
قال العلامة محمد عوامة - رحمه الله -: «اتفق جمهور العلماء على أنَّ شروط الحديث الصحيح خمسة: وهي: اتصال السند، وثبوت عدالة الراوي، وثبوت ضبطه، وسلامة السند والمتن من الشذوذ، وسلامتهما أيضاً من العلة القادحة.
وأما الاتصال، فقد وقع الاختلاف بين المحدثين أنفسهم في صورة تحقق شرط الاتصال، وذلك في المسألة المعروفة عندهم بمسألة اللقاء بين الراوي وشيخه، فالإمام البخاري وغيره يشترطون ثبوت اللقاء بينهما ولو مرة واحدة، والإمام مسلم وغيره يشترطون إمكان اللقاء بينهما لا ثبوته، وعلى هذا فما يصححه مسلم ومن معه بناء على هذا المفهوم للاتصال لا يعتبره البخاري صحيحاً ....
وأما ثبوت العدالة للراوي، ففيها اختلاف كبير جداً من حيث كونه مسلماً لم يثبت فيه جرح فيكون عدلاً، أو يكفي في التعديل إمام واحد أم اثنين، أو الأمر الذي يصلح جارحاً مسقطاً للعدالة ...
ومن يعدله إمام من الأئمة المحدثين أو الفقهاء قد يجرحه إمام آخر من المحدثين أو الفقهاء أيضاً، والرجال المتفق على عدالتهم أو ضعهم أقل من الرواة المختلف فيهم بكثير .... وهكذا تحقق الاختلاف
في الشروط الأخرى للحديث الصحيح عند المحدثين ... » (¬1)، وهذا يؤكد لنا أنَّ عامة مباحث الحديث مختلفٌ فيها، وأنَّ التصحيح والقبول والتضعيفَ والردَّ مرجعها للاجتهاد، مما يوسع مجال الاختلاف في الفقه.
والمجتهدون يتميزون عن بعضهم البعض في القدرة على الجمع بين الأحاديث المتعارضة ظاهراً واستخراج عللها، فالمجتهد الأقدر هو من كان اجتهاده أدق وأقوى وأصوله أضبط في تحقيق هذا.
وترتب عليه اختلاف كبير وواسع في فهم السنة ونقلها وتحريرها، وهذا الاختلاف أدى بطبيعة الأمر إلى الاختلاف في كثير من الأحكام الفرعية؛ لهذا يعد اختلاف الفقهاء في أصول الحديث من أبرز أسباب الاختلاف، لا كما يدعي البعض أنَّ عدم وصول الحديث إلى بعض الفقهاء من الأسباب التي أدت إلى الاختلاف بينهم، فهذا كلام لا أصل له، ويحتاج لتحرير، وهذا الذي دفعني لإفراد هذا الموضوع بالبحث.
ومشكلةُ البحث وأهميته تظهر في الإجابة عن الأسئلة الآتية:
هل يباح لنا أن نستدرك على الأئمة وأن نرد فروعهم بحجة مخالفة ظاهر الحديث؟
¬
(¬1) انتهى من أثر الحديث ص24.
وهل يعد عدم وصول الحديث سبباً من الأسباب التي أدت إلى الاختلاف بين الفقهاء، أم هو مجرد تخيل ووهم؟
وهل يعد اختلاف الفقهاء في أصول الحديث من أهم أسباب الاختلاف بينهم في الفروع الفقهية؟
ولم أقف في حدود علمي على دراسة خاصة في هذا البحث.
هذا وقد خلص البحث بتوفيق الله - عز وجل - إلى تمهيد ومبحثين وخاتمة:
تمهيد: في التقليد للحديث الصحيح:
والمبحث الأول: في استيعاب المذاهب للأحاديث.
والمبحث الثاني: في أصول الحديث المختلف فيها.
والخاتمة.
• • •
تمهيد: في التقليد للحديث الصحيح:
شاعت في هذا العصر مقولة عن الإمام الشافعي - رحمه الله -: «إذا صح الحديث فهو مذهبي»، وفَهِمَ عامّة المعاصرين هذه المقولة فهماً خاطئاً وحملوها على غير محملها، فكانت سبباً للاستدراك على الأئمة، ورد قولهم؛ لظاهر حديث وقفوا عليه، وأصبحت طريقاً للتَّرجيح بين المذاهب بغير طريقِ رسم المفتي، وكذلك سبيلاً لترك التقيّد بمذاهب المقتدين أصلاً، حتى صار هذا الكلام مغمزةً في كثيرٍ من المسائل الواردة عن الأئمة أنَّها تُخالف الحديث، وسبباً في ردّ كثيرٍ من فروعهم، وفهمها الصحيح هو:
1. إنَّ مَن ذكر هذا القول من الأقدمين ذكره على سبيل الثناء والرفعة لهؤلاء الأئمة، لا لانتقاصهم بالطعن فيما ورد عنهم من مسائل أنَّها تخالفُ النُّصوص.
قال العلامة محمد العربي بن التباني: (¬1): «جُلّ العلماء الذين ذكروه: كالحافظ ابن عبد البر:، إنَّما ذكروه وعدّوه من مناقبهم،
¬
(¬1) في الاجتهاد ص112.
والجماعون المتشبعون بما لم يعطوا يذكرونه لثلبهم وثلب أتباعهم، فهذا صاحب مجلة ((المنار))، زعم أنَّ المذاهب الأربعة فيها مئات المسائل مخالفة للكتاب والسُّنَّة، ولم يُبرهنّ على مسألة واحدة في المذاهب الأربعة مخالفة للكتاب والسُّنَّة، فضلاً عن المئات التي أرسلها في الدَّعوى الجوفاء، والكلام لا ضريبة عليه، فأي فرع من فروع الأئمة جاء الحديث مخالفاً له ... فهذا لا يتفوّه به إلا سيئ العقيدة في أئمة الدين المشهود لهم بالخيرية من سيد المرسلين، وفي أتباعهم حملة الشَّريعة إلينا».
2. إنَّ هذا الكلام ليس للعوام، وإنَّما لأهل النظر المشتغلين بعلوم الشريعة ممَّن بلغوا مرتبةَ الاجتهاد ولو في المذهب أو في هذه المسألة، وعلى ذلك أَطبقت كلمةُ العلماء.
قال الإمامُ ابنُ الصلاح:: «فليس كلّ فقيه يسوغُ له أن يستقل بالعمل بما رآه حجّة من الحديث ... وروينا عن ابن خزيمة ـ الإمام البارع في الحديث والفقه ـ، أنَّهُ قيل له: هل تعرف سنةً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحلال والحرام لم يودعها الشَّافعيُّ: كتابه؟ قال: لا، وعند هذا أَقول: مَن وَجَدَ من الشَّافعيين حديثاً يُخالف مذهبَه نظر: فإن كَمُلَت آلات الاجتهاد فيه، إمّا مطلقاً، وإمّا في ذلك الباب، أو في تلك المسألة، كان له الاستقلال بالعمل بذلك الحديث، وإن لم تكمل فيه آلته، ووجدَ حزازة في قلبه من مخالفة الحديث بعد أن بحث، فلم يجد لمخالفته عنه جواباً
شافياً، فلينظر هل عمل بذلك الحديث إمام مستقل؟ فإن وجده، فله أن يتمذهب بمذهبه في العمل بذلك الحديث، ويكون ذلك عذراً له في ترك مذهب إمامه في ذلك» (¬1).
وقال الإمامُ النوويُّ: (¬2): «إنَّما هذا ـ يعني كلام الشافعيّ: ـ فيمن له رتبة الاجتهاد في المذهب، وشرطه أن يغلب على ظنه أنَّ الشافعيّ: لم يقف على هذا الحديث، أو لم يعلم صحّته، وهذا إنَّما يكون بعد مطالعة كتب الشّافعيّ كلّها، ونحوها من كتب الأصحاب الآخذين عنه، وما أشبهها، وهذا شرطٌ صعب، قلَّ مَن يتّصف به، وإنَّما اشترطوا ما ذكرنا؛ لأنَّ الشَّافعيّ: ترك العمل بظاهر أحاديث كثيرة رآها، ولكن قام الدَّليل عنده على طعن فيها، أو نسخها، أو تخصيصها، أو تأويلها، ونحو ذلك».
وقال الإمام تقي الدين السُّبكي: (¬3): تعقيباً على قولهما: «وهذا الذي قالاه ليس رداً لما قاله الشَّافعيّ:، ولا لكونه فضيلة امتاز بها عن غيره، ولكنَّه تبيين لصعوبة هذا المقام، حتى لا يغتر به كلّ أحدٍ، والإفتاء في الدِّين كلّه كذلك، لا بدَّ من البحث والتَّنقير عن الأدلة الشرعيَّة حتى
¬
(¬1) معنى قول الإمام المطلبي إذا صح الحديث فهو مذهبي ص106 - 107.
(¬2) في المجموع 1: 105.
(¬3) في معنى قول الإمام المطلبي ص108 - 109.
ينشرح الصَّدر للعمل بالدَّليل الذي يحصل عليه، فهو صعبٌ، وليس بالهيِّن كما قالاه، ومع ذلك ينبغي الحرصُ عليه وطلبه» (¬1).
3. أن يكون هذا الحديث صحيحاً عند إمام المذهب بالشروط المفصّلة في أصوله، فلا شكّ أنَّ إمامه كان له اطلاع واسع على متون السنة إلا أنَّه لم يعمل ببعضها لعوارض ظهرت له: كالنسخ والشذوذ والتأويل وغيرها، قال العلامة عبد الوهاب الحافظ: (¬2): «لا بُدَّ ... مصححاً عنده ـ إمام المذهب ـ بالشروطِ التي اشترطها، لا عند مَن روى الحديث».
4. إنَّ هذا اللفظ بهذه الصيغة واردٌ عن الإمام الشافعي: فحسب؛ إذ أنَّه فيه عبّر أنَّ أصل مذهبه هو الحديث الصحيح، ومع ذلك يردّه إن كان منسوخاً: كحديث الحجامة السابق، أو مخصصاً، أو مؤولاً.
أمّا غيره فلهم ألفاظ قريبة منه: كقول الإمام أبي حنيفة - رحمه الله -: «إذا جاء الحديث فعلى الرأس والعين» (¬3)، وقول الإمام مالك - رحمه الله -: «ما من
¬
(¬1) ومن أراد زيادة التفصيل فليراجع البحر المحيط 8: 345 - 346 وحاشية الجمل 2: 67.
(¬2) في الاجتهاد ص174 - 175.
(¬3) ينظر: الميزان الكبرى 1: 66. ومقدمة معنى قول الإمام المطلبي ص8 عن مناقب الإمام أبي حنيفة - رحمه الله -: للموفق المكي1: 77.
أحد إلا ومأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا صاحب هذه الروضة» (¬1)، وهذا تأكيد منهم على أنَّهم يلتزمون ويتحرّون في استنباط الأحكام الفقهية سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إلا أنَّهما لهما قواعدهما في قبول الحديث النبوي الشريف.
• • •
¬
(¬1) ينظر: مقدمة معنى قول الإمام المطلبي ص9 عن مختصر المؤمل ص33.
المبحث الأول
في استيعاب المذاهب للأحاديث
إنَّ عدد الأحاديث في الكتب الفقهية بالآلاف، حيث يعتبرون كل ما صحّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من (8 - 12) ألف حديث، وأحاديث الفقه جزءٌ منها على اختلاف في تقديرها، في حين نجد المسائل الفقهية تعد بالملايين، فدونك «الفتاوى العالمكرية»، و «المحيط البرهاني»، وغيرها.
وهذه المسائل ليست مبنية على أحاديث خاصة، وإنَّما على قواعد للأبواب اعتني في بنائها على القرآن والسنة وآثار الصحابة - رضي الله عنهم -، فالمسائل التي دليلها صريح ومباشر قليلة جداً، وجلّ المسائل مبنية على القواعد والأصول.
وبالتالي عندما تطرح فكرة عدم وصول الحديث أساس للخلاف بين الفقهاء، فإنَّ النقاش يكون في هذا النزر اليسير؛ لأنَّ أصول الأبواب تحتاج في بنائها لأحاديث مستفيضة ومشهورة يعلمها، لا يخفى مثلها على المجتهدين، فيكون التحقيق استبعاد مثل هذه الفكرة من أن تكون ذا
تأثير بالغ لو سلمنا بتحققها، وإنَّما يظهر الاختلاف واضح بسبب البناء الأصولي.
كما أنَّ سبب عدم وصول الحديث للأئمة ذكره بعضهم وسكت عنه آخرون، فلم يكن مرضياً من الجميع، بخلاف الاختلاف الأصولي فإنَّه محل اتفاق.
وهذا السبب محل شكّ بخلاف غيره فإنَّه محل جزم، والشكُّ فيه يأتي من كونه شهادة على النفي، وشهادة النفي لا تقبل، كما هو مفصَّل في كتب القضاء.
فيمكن أن يكون ادّعاء عدم وصول الحديث في مسألة معينة مجرد تخيل ووهم عند القائل لا في نفس الأمر؛ لأسباب عديدة، منها:
* الأول: أئمة المذاهب هم أئمة الحديث وحفاظه:
إنَّ أئمة المذاهب الفقهية بلغوا الدرجة العليا في الحديث؛ لأنَّ درجة المجتهد المستقل بالمعنى الأكمل لا يستحقها إلا مَن وصل إلى أعلى المراتب في الحديث، وشهرة مالك والشافعي وأحمد في ذلك معروفة لا يناقش فيها، وأبو حنيفة - رحمه الله - شأنه مثل شأنهم عند أهل العلم والإنصاف، فكيف يكون مجتهداً إن لم يكن كذلك عند أهل العقل، وكيف يجتهد ومادة الاجتهاد الخصبة هي الحديث إن لم يبلغ في معرفته
ذروته، قال الحافظ الذهبي - رحمه الله - (¬1): «أبو حنيفة، فقيه الملة، عالم العراق، عني بطلب الآثار، وارتحل في ذلك، وأما الفقه والتدقيق والرأي، إليه المنتهى، والناس عليه عيال في ذلك، طلب الحديث وأكثر منه في سنة مئة وبعدها».
وقال الحسن بن صالح - رحمه الله -: «كان أبو حنيفة - رحمه الله - شديد الفحص عن الناسخ من الحديث والمنسوخ، فيعمل بالحديث إذا ثبت عنده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه، وكان عارفاً بحديث أهل الكوفة وفقه أهل الكوفة، شديد الاتباع لما كان عليه الناس ببلده، وقال: كان يقول: إنَّ لكتاب الله - جل جلاله - ناسخاً ومنسوخاً، وإنَّ للحديث ناسخاً ومنسوخاً، وكان حافظاً لفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأخير الذي قبض عليه مما وَصَل إلى أهل بلده» (¬2).
وقال أبو يوسف - رحمه الله -: «ما رأيت أعلم بتفسير الحديث من أبي حنيفة - رحمه الله -، وكان أبصرَ بالحديث الصحيح مني» (¬3)، وقد قال يحيى بن معين - رحمه الله -: «ما رأيت في أصحاب الرأي أثبت في الحديث ولا أحفظ ولا أصحّ رواية من أبي يوسف - رحمه الله -» (¬4).
¬
(¬1) في سير أعلام النبلاء 6: 396.
(¬2) ينظر: أثر الحديث ص121.
(¬3) ينظر: أثر الحديث الشريف ص119 عن الخيرات الحسان ص25و61.
(¬4) ينظر: أثر الحديث الشريف ص119 عن مناقب الذهبي ص40.
وقال ابن المبارك - رحمه الله -: «ما تكلم أبو حنيفة - رحمه الله - بشيء إلا بحجة من كتاب الله أو سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -» (¬1).
وقال الإمام أبو حنيفة - رحمه الله -: «عجباً للناس يقولون: أفتي بالرأي! ما أفتى إلا بالأثر» (¬2).
وقال الفضيل بن عياض - رحمه الله -: «كان أبو حنيفة - رحمه الله - إذا وردت عليه مسألة فيها حديث صحيح اتبعه، وإن كان عن الصحابة والتابعين فكذلك، وإلا قاس فأحسن القياس» (¬3).
وقال الإمام أبو حنيفة - رحمه الله -: «ليس لأحدٍ أن يقول برأيه مع كتاب الله تعالى ولا مع سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا ما أجمع عليه الصحابة - رضي الله عنهم -، وأما ما اختلفوا فيه فنتخير من أقوالهم أقربه إلى كتاب الله والسنة ونجتهد، وما جاوز ذلك فالاجتهاد بالرأي يوسع الفقهاء من عرف الاختلاف وقاس وعلى هذا كانوا» (¬4).
فانظر كيف كان أئمة الجرح والتعديل والحفظ في زمن الإمام أبي حنيفة - رحمه الله - يرجعون إليه، فشعبة - رحمه الله - يراسله، والأعمش - رحمه الله - يطلب قوله
¬
(¬1) ينظر: عقود الجمان ص175.
(¬2) ينظر: عقود الجمان ص174.
(¬3) ينظر: عقود الجمان ص172.
(¬4) ينظر: عقود الجمان ص175.
في كيفية أداء المناسك ليعمل به، ويحيى بن سعيد القطان ووكيل بن الجراح يعملوا بقوله، وابن المبارك على مذهبه، ويحيى بن معين يفتي بقوله (¬1).
قال يحيى بن معين: «ثقة، ما سمعت أحداً ضعفه، هذا شعبة بن الحجاج يكتب له أن يحدث ويأمره، وشعبة شعبة» (¬2).
وقال علي بن مسهر - رحمه الله -: «خرج الأعمش إلى الحج فشيعه أهل الكوفة وأنا فيهم، فلما أتى القادسية رأوه مغموماً فسألوه عن ذلك، فقال أعلي بن مسهر شيعنا؟ قالوا: نعم، قال: ادعوه لي! فدعوني وكان يعرفني بمجالسة الإمام أبي حنيفة - رحمه الله - فقال لي: ارجع إلى المصر ـ يعني الكوفة ـ وسل أبا حنيفة أن يكتب لي المناسك! فرجعت وسألته فأملى عليّ ثُمَّ أتيت بها الأعمش» (¬3).
وقال يحيى بن سعيد القطان - رحمه الله -: «لا نكذب الله تعالى ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة - رحمه الله - ولقد أخذنا بأكثر أقواله، وقال يحيى بن معين: وكان يحيى بن سعيد - رحمه الله - يذهب في الفتوى قول الكوفيين ويختار قول أبي حنيفة - رحمه الله - من أقوالهم ويتبع رأيه من بين أصحابه» (¬4).
¬
(¬1) ينظر: مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث ص98 - 99.
(¬2) ينظر: عقود الجمان ص202.
(¬3) ينظر: عقود الجمان ص181.
(¬4) ينظر: عقود الجمان ص195.
وقيل لمسعر - رحمه الله -: «لم تركت رأي أصحابك وأخذت برأي أبي حنيفة؟ فقال: أنا فعلت ذلك لصحة رأيه، فأتوا بأصح منه لأرغب عنه إليه» (¬1).
وقال أبو يوسف - رحمه الله -: «سفيان الثوري أكثر متابعة لأبي حنيفة - رحمه الله - مني» (¬2).
وقال ابن خلدون - رحمه الله -: «ويدلّ على أنَّ أبا حنيفة - رحمه الله - من كبار المجتهدين في علم الحديث اعتماد مذهبه بينهم بين معاصريه من الأئمة والتعويل عليه واعتباره ردّاً وقبولاً» (¬3).
وقال محمد بن سماعة - رحمه الله -: «إنَّ أبا حنيفة - رحمه الله - ذكر في تصانيفه نيفاً وسبعين ألف حديث، وانتخب الآثار من أربعين ألف حديث» (¬4).
وقال يحيى بن نصر - رحمه الله -: «دخلت على أبي حنيفة - رحمه الله - في بيت مملوء كتباً، فقلت: ما هذه؟ قال: هذه أحاديث كلها، وما حدثتُ به إلا اليسير الذي ينتفع به» (¬5).
¬
(¬1) ينظر: عقود الجمان ص196.
(¬2) ينظر: عقود الجمان ص191.
(¬3) ينظر: أثر الحديث ص118.
(¬4) ينظر: أثر الحديث الشريف ص117 عن مناقب القاري 2: 474.
(¬5) ينظر: أثر الحديث ص117 عن عقود الجواهر 1: 31.
وانظر كيف ذكره من ألفوا في طبقات الحفاظ من حفاظ الحديث: كالذهبي، وابن عبد الهادي، وابن ناصر الدين، وابن المبرد الحنبلي، والسيوطي، والبَدَخْشي، وغيرهم، وأنَّه كان من أول مَن تكلَّم في الجرح والتعديل فطعن في جابر الجعفي وقبل النقاد كلامه فيه (¬1)، لكنَّه كان محدّثاً على طريق الفقهاء لا المحدثين.
* الثاني: المذاهب علوم واسعة مستوعبة للحديث:
إننا عندما نتكلم عن المذاهب نتكلّم عن علوم مستقرّة لها قواعد، وهي من أوسع علوم الدنيا؛ لأنَّها تمثل الإسلام التطبيقي العملي، وقد نالت خدمة لم ينلها علم قط، وبالتالي لم نعد نتكلم عن فتاوى لشخص هل فاته الحديث أو لا كما يظنّه بعضهم، بل عن علم بناه مئات الآلاف من العلماء من الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى يوم الدين، ونسبته إلى رجل من بينهم؛ لكثرة جهده في تنقيحِه وتحقيقِه ونقلِه.
فمثلاً المذهب الحنفي أساسه يعود للصحابي الجليل عبد الله ابن مسعود - رضي الله عنه -، فإن فاته شيءٌ من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد كان يترك قوله لقول عمر - رضي الله عنه - فسيعرفه من الفاروق - رضي الله عنه -، وإن فاتهما فعليُّ بن أبي طالب
¬
(¬1) ينظر: مكانة أبي حنيفة في الحديث ص58 - 80.
- رضي الله عنه - سيعوِّضه؛ لأنَّه استمر في إكمال بنيان علم أهل الكوفة عندما نقل الخلافة إليها وبقي لأربع سنوات خليفة للمسلمين، وإن فاتهم فقد حل فيها (70) بدرياً و (1500) صحابياً، وإن فاتهم فكبار التابعين كانوا في الكوفة وسافروا في البلاد وجمعوا من كل صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن فات أحدهم فلن يفوت الآخرين، وهكذا الحال مع تابعي التابعين، فوجد في مرحلة التكوين في المذهب مئات العلماء إن لم يكن آلافاً وضعوا أسسه وقواعده، والمذهب مكون من الكلّ، وفوت الحديث عند الصحابة والتابعين وتابعيهم - رضي الله عنهم - أمر في غاية البعد.
وهذا يردُّ لك أقوى دليل اعتمد عليه مَن ذكر هذا السَّبب، وهو أنَّ بعضَ الصَّحابة - رضي الله عنهم - كانت تفوتهم بعض الأحاديث، حيث إنَّ بحثنا هنا عن مذهب وعلم وليس عن شخص، فردُّ مسألة في المذهب المكوَّن من جمع من الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين وتابعيهم بهذا السبب ليس دقيقاً، كما لاحظت.
* الثالث: البناء المدرسي للمذهب الحنفي والمالكي:
إنَّ الفقه الحنفي والمالكي بُني بناءً مدرسياً طبقة عن طبقة من الصحابة والتابعين، لا رجل عن رجل، كما في الأسانيد، وبالتالي لهم طريق أخرى تضاف لطريقة المحدثين في الوصول لأقوال النبي - صلى الله عليه وسلم -
وأفعاله، وهذا يبعد فكرة عدم وصول الحديث لهم؛ لوجود هذا الطريق الوثيق من عشرات من الصحابة - رضي الله عنهم - ومئات من التابعين في النقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلو فات أحدهم لن يفوت الكل.
قال الأعمش - رحمه الله -: «قال لي حبيب بن أبي ثابت ـ وهو كوفي أيضاً ـ أهل الحجاز وأهل مكة أعلم بالمناسك، قال الأعمش - رحمه الله -: فقلت له: فأنت عنهم ـ أي تكون نائباً عنهم في المناظرة ـ وأنا عن أصحابي ـ أي أهل الكوفة ـ لا تأتي بحرف إلا جئتك فيه بحديث» (¬1).
وقال يحيى بن آدم - رحمه الله - ـ أحد شيوخ البخاري في صحيحه ـ: «جمع أبو حنيفة حديث بلده كله، ونظر فيه إلى آخر ما قبض عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -» (¬2).
وقال أبو يوسف - رحمه الله -: «كان أبو حنيفة - رحمه الله - إذا صَمَّم على قول دُرْتُ على مشايخ الكوفة: هل أجد في تقوية قوله حديثاً أو أثراً؟ فربما وجدت الحديثين والثلاثة، فأتيته بها، فمنها ما يقول فيه: هذا غير صحيح، أو غير معروف، فأقول له: وما علمك بذلك مع أنَّه يوافق قولك؟ فيقول: أنا عالم بعلم أهل الكوفة» (¬3).
¬
(¬1) ينظر: أثر الحديث ص120 عن الحلية ص5: 47.
(¬2) ينظر: أثر الحديث الشريف ص121 عن إنجاء الوطن ص10.
(¬3) ينظر: أثر الحديث ص119 عن الخيرات الحسان ص61.
* الرابع: رحلة كبار التابعين في طلب الحديث:
إنَّ الناظر في أحوال كبار التابعين: كالنخعي، والشعبي، ومسروق، وسعيد بن جبير، وابن المسيب، وغيرهم، يجد أنَّهم رحلوا في طلب العلم، قال الشَّعبي - رحمه الله -: «ما رأيت أحداً أطلب للعلم في أفق من الآفاق من مسروق - رحمه الله -» (¬1)، وقال سعيد بن المسيب - رحمه الله -: «إن كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد» (¬2).
وبالتالي اعتبار أنَّ الرحلة في طلب الحديث كانت في زمن الشافعي وأحمد أمر بعيد غير مسلَّم، وإنَّما جمع الأحاديث للحفاظ وأهل الاجتهاد فريضة لم يقصر في أدائها في زمن من الأزمان، فلا عبرة لما يقال: إنَّ مذهب الشافعي وأحمد بني على الحديث أكثر من غيره بسبب الرحلة في طلب الحديث في زمنهم، بل إنَّ طلب الحديث كان عند من سبقهم كما هو عندهم، ويمكن تصحيح المعلومة بأنَّ من قبلهم بنا مذهبه على الأحاديث بطريق النقل المدرسي أكثر من الأحاديث بطريق رواية الرجال، في حين أنَّ الشافعي وأحمد بنيا مذهبهما على الحديث بطريق الأسانيد أكثر من طريق المدرسة، والله أعلم.
¬
(¬1) ينظر: مقدمة نصب الراية ص305.
(¬2) ينظر: جامع بيان العلم ص94.
* الخامس: المجمع العلمي والحديثي في مكة والمدينة:
كانت مكة والمدينة ملتقى العلماء من كلِّ حدب وصوب يقصدونها؛ لأداء المناسك، وينتفعون بها بجمع علم جم من أئمة الأمصار كافّة، فأبو حنيفة - رحمه الله - يذكرون أنَّه حجّ واعتمر أكثر من خمسين مَرّة، ومعلومٌ أنَّهم في كلّ مرّة يُمكن أن يمكثوا أشهراً.
ولم يقتصر الأمر على هذا، فإنَّ أبا حنيفة - رحمه الله - لما ضايقه بنو أمية في الكوفة وأرادوا أن يجبروه على القضاء ذهب لمكة والمدينة ومكث سنوات، فيكون بذلك جمع علم وحديث هذين المصرين، وأخذ علم وحديث كافة الأمصار من العلماء الذي يقصدون الحرمين، وهذا ما حصل مع مالك - رحمه الله -؛ إذ مُكثه في المدينةِ أغناه عن الرحلة لكافة البلاد لجمع الحديث؛ لأنَّ علماء عامّة البقاع يقصدون المدينة لزيارة الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وفي هذا ردٌّ على مَن يظنٌّ أنَّ علماء كلّ بلد لم يكن لهم اطّلاع على علم وحديث البلاد الأُخرى، ثُمَّ حصل هذا الجمع فقط في عصر الإمام الشافعي.
* السادس: تمسك أصحاب أبي حنيفة - رحمه الله - بفقهه مع رحلتهم في طلب الحديث:
رحل أصحاب أبي حنيفة - رحمه الله - إلى البلاد لطلب الحديث، ورغم ذلك تمسكوا بمذهب شيخهم أكثر فأكثر وردّوا على مسائل غيرهم،
وقابلوا الأحاديث التي سمعوها منهم بأحاديث أخرى تؤيد مسلك إمامهم - رحمه الله -، فانظر إلى أبي يوسف - رحمه الله - رغم رحلته وطلبه للحديث لم يقبل بمذهب الأوزاعي حتى ألَّف كتاب: «الرد على الأوزاعي» ردّ فيه عليه وانتصر لشيخه أبي حنيفة - رحمه الله -، وألَّف كتاباً آخر في بيان قول ابن أبي ليلى مع قول أبي حنيفة واختار قول شيخه ورجحه.
وانظر إلى محمد بن الحسن سافر للمدينة لسماع «الموطأ» على مالك - رحمه الله -، وفي روايته له بعد ذكره للأحاديث عن مالك - رحمه الله - إن كان يخالفها، فإنَّه يذكر رأيه ويُبيّن مستنده، وألَّف كتاباً كاملاً مطبوع في أربع مجلدات في الردّ على أهل المدينة، واسمه: «الحجة على أهل المدينة»، انتصر فيه لمسائل أبي حنيفة وبيّن أدلتها، فلولا أنَّ الكوفة ومدرستها فيها الغناء الكامل في الحديث، لرأيتهم تأثروا بحديث غيرهم ورجَّحوا أقوالهم على أقوال إمامهم.
* السابع: الاعتماد على عمل الصحابة - رضي الله عنهم - في قبول الحديث ورده:
إنَّ الحنفية اعتمدوا على عمل الصحابة - رضي الله عنهم -، فهو يمثل الترجمان الصحيح لما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من المعان المقصودة للأحاديث، ويعتبر آخر ما استقرّت عليه الشريعة من أحكام، فهو يمثل المحكم فيما ورد عن الحضرة النبوية - صلى الله عليه وسلم -، فيقدمونه على بعض الأحاديث لذلك؛ ولأنَّ
عمل الصحابة - رضي الله عنهم - بالحديث وروايتهم له ـ ونقصد من بلغوا درجة الاجتهاد منهم ـ يمثل تصحيحاً منهم للحديث، ولم يكن معهوداً عندهم الاصطلاحات المتأخرة في التَّصحيح، وإنَّما يعتبر بالعمل والفتوى والرواية، حتى كان الحديث المشهور عند الحنفية هو حديث الآحاد الذي تلقاه السلف بالقبول: أي صححه كبار الصحابة والتابعين وعملوا وأفتوا به، حيث ترتفع درجته إلى حيز المتواتر.
وبالتّالي تركهم لبعض الأحاديث ليس لأنَّها لم تصل لهم، ولكنَّها تحتاج مع الرواية إلى عمل من السلف ـ وهم مجتهدي الصحابة وكبار التابعين ـ، فما لم يعملوا به منها، فهي محلّ نظر في صحّتها في نظرهم إن جاءت بمعنى مخالف لما عملوا به، فتردُّ أو تؤل على معنى خاصّ.
* الثامن: للفقهاء مدرسة حديثية في تصحيح الحديث:
إننا نلاحظ أنَّ للفقهاء مدرسة متكاملة في قبول الأحاديث وردّها لا يسيرون فيها على طريق المحدثين، قال الجصاص - رحمه الله - (¬1): «لا أعلم أحداً من الفقهاء اعتمد طريق المحدثين ولا اعتبر أصولهم».
¬
(¬1) في شرح مختصر الطحاوي4: 244 عن دراسة عن اللباب1: 26.
فمثلاً: إن جاء حديث آحاد في مسألة تعمّ بها البلوى: أي تقع كثيراً ويحتاج الناس إلى حكمها، فإنَّ الحنفية لا تقبله؛ لأنَّ حاجة الناس للمسألة كثيراً تقتضي أن يروى بطرق مشهورة أو متواترة؛ لأنَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بلَّغ الشريعة، والصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يبذلون كلَّ جهدهم في نشرها، فخفاء الحديث مع شدة الحاجة له تشير إلى مشكلة فيه من ضعف: كحديث: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (¬1)، فالوضوء يحصل كل يوم مرات من المسلم، فعدم اشتهار الحديث مع كثرة الحاجة له يرشد إلى عدم صحة مخرجه.
التاسع: بناء الأبواب الفقهية على القرآن والأحاديث المشهورة والمتواترة:
إننا نلاحظ أنَّ أبا حنيفة - رحمه الله - بنى أبواب فقهه على ظواهر القرآن والأحاديث المتواترة والمشهورة، فمثلاً: الأصل في اعتماد الذكاة للمأكول، قوله - جل جلاله -: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} المائدة: 3، وكلُّ ما لم يكن مذكى لا يؤكل إلا بشروط الصيد الواردة في أحاديث عديدة، والأصل فيما يؤكل وما لا يؤكل الحديث المشهور: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كلِّ ذي ناب من السباع، وعن كلّ ذي مخلب من الطير» (¬2)، والأصل في كتاب القضاء هو
¬
(¬1) في سنن أبي داود 1: 25، وسنن ابن ماجه 1: 139.
(¬2) في صحيح مسلم 3: 1543، وسنن أبي داود 2: 383.
حديث: «البيّنةُ على المدعي واليمين على مَن أنكر» (¬1)، وحديث: «إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة فالقول قول البائع أو يترادَّان» (¬2)، وكل حديث يأتي مخالف للمشهور والمتواتر لا يقبل إلا بحمله على معنى معين، فلم يقبلوا أحاديث الضب والضبع وغيرها لمخالفتها للحديث المشهور، ولم يقبلوا حديث الشاهد واليمين؛ لمخالفته الحديث المشهور، وهكذا.
وبالتالي عدم قبولهم للأحاديث ليس لعدم اطلاعهم عليها، ولكن لتواتر وشهرة أحاديث معينة عندهم في كل باب، اعتمدوا عليها في تأصيل المسائل وتقعيد الأصول، ورواية غيرها من الأحاديث لم يبلغ مرتبتها من القوة حتى يعتمد عليه.
* العاشر: عدم الوقوف على دليل المجتهد قطعاً:
فإننا لم نقف على أدلة الأئمة جزماً، فما نقل لنا عنهم بالدرجة الأولى هي الفروع، وما نرى من أدلة في كتب مذهبهم فهي من وضع علماء المذهب استدلوا بها للإمام لا غير، فضعفها لا يدلّ على ضعف دليل الإمام.
¬
(¬1) عن ابن عباس - رضي الله عنهم - في السنن الصغير للبيهقي 4: 188.
(¬2) عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المعجم الكبير 10: 174.
قال الكيرانوي (¬1): «ينبغي أن يعلم أنَّ ضعف أدلة المقلدين وأجوبتهم ليس دليلاً على ضعف مذهب الإمام؛ لأنَّه يمكن أن يكون ذلك؛ لقصور أفهام المقلدين وعدم وصولهم إلى كنه قول الإمام ومأخذه، فلا ينبغي أن يعتقد بضعف أدلة المقلدين وأجوبتهم ضعف مذهب الإمام، بل ينبغي أن يطلب له دليل أو جواب آخر، ولا يترك التقليد لمجرد توهم ضعف المذهب؛ لأنَّ حكم الضعف على مذهب المجتهد من شأن المجتهد دون المقلد».
الحادي عشر: التعليل بالأصول لا بعدم وصول الحديث:
إنَّهم يعللون للمسائل في كتب الأصول والفروع في سبب اختيار المجتهد لها، ولا يقولون: قال كذا لعدم وصول الحديث له، فدل على أنَّه ليس سبب في اختياراتهم واختلافاتهم.
فبعد هذا العرض والنقل المستفيض يتبين لنا بكل وضوح أنَّ عدم عمل الفقهاء بالحديث وتركهم له، له أسباب عديدة، وليس راجعاً لعدم وصوله لهم، ولكن لأنَّهم عندما طبقوا عليه قواعدهم في التصحيح والعمل، لم يكن صالحاً فتركوه، وهذا ما يقرِّره الحافظ الصالحي إذ
¬
(¬1) في فوائد في علوم الفقه ص6، كما في التمذهب ص113.
يقول (¬1): «اعتذر بترك أبي حنيفة - رحمه الله - أحاديث الآحاد لعدم اطلاعه على بعضها، وفيه بعد».
• • •
¬
(¬1) في عقود الجمان ص397.
المبحث الثاني
في أصول الحديث
المختلف فيها
اكتفي بالإشارة إلى بعض الأصول التي اختلف فيها الفقهاء والتي بني عليها خلاف كبير بينهم في الفروع الفقهية:
* الأصل الأول: اعتبار الحديث متواتراً فيكون حجة كاملة للعمل:
المثال الأول: عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم» (¬1)، فاشترط الحنفية المحرم لسفر المرأة مطلقاً في الحج وفي غيره، قال الطحاوي - رحمه الله - (¬2): «فإنَّ الحجةَ عليهم في ذلك ما قد تواترت به الآثار التي قد ذكرناها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهي حجة على كل من خالفها»، في
¬
(¬1) في صحيح البخاري 3: 19، ومسند أحمد 18: 73.
(¬2) في شرح معاني الآثار2: 116.
حين تساهل الشافعية والمالكية وأجازوا سفرها لحج الفرض بصحبة النساء الثقات (¬1).
المثال الثاني: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت» (¬2)، فاعتبر الحنفية أحاديث فرضية الاستماع والإنصات للخطيب متواترة، قال الطّحاوي - رحمه الله - (¬3): «تواترت الروايات عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنَّ من قال لصاحبه: أنصت، والإمام يخطب يوم الجمعة، فقد لغا»، فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى وجوب الاستماع والإنصات، حتى قال الحنفية: كل ما حرم في الصلاة حرم في الخطبة، فيحرم الأكل، والشرب، والكلام، ولو تسبيحاً، أو رد سلامٍ، أو أمراً بمعروفٍ، أو نهياً عن منكرٍ، وخالف الشافعية، فقالوا: إنَّ الاستماع والإنصات أثناء الخطبة سنة، ولا يحرم الكلام، بل يكره، وجوزوا التنفل بركعتين تحية المسجد (¬4).
¬
(¬1) ينظر: الموسوعة الفقهية 25: 38.
(¬2) في صحيح البخاري 2: 13، والسن الكبرى للنسائي 2: 285، ومسند أحمد 12: 285.
(¬3) في شرح معاني الآثار1: 367.
(¬4) ينظر: الموسوعة الفقهية: 4: 89.
* الأصل الثاني: اعتبار النقل المتوارث في مدرسة الكوفة من المتواتر والاحتجاج به:
المثال الأول: أحاديث الإسفار بالفجر، منها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أسفروا بالفجر، فإنَّه أعظم للأجر» (¬1)، وقد صرح بتواتره السيوطي والمناوي (¬2)، قال الطحاوي - رحمه الله - (¬3): «وقد رويت عن عمر - رضي الله عنه - آثار متواترةٌ تدل على أنَّه قد كان ينصرف من صلاته مسفراً»، فهي متوارثة بالتواتر عند الحنفية، فقالوا بالإسفار بالفجر، وخالفهم الشافعية والمالكية والحنابلة، فقالوا بالتغليس، واحتجوا بأحاديث في التغليس (¬4).
المثال الثاني: اعتبار أحاديث الإقامة مثنى مثنى من المتواتر في المدرسة: قال الطحاوي - رحمه الله - (¬5): «فتصحيح معاني هذه الآثار يوجب أن يكون الإقامة مثل الأذان سواء على ما ذكرنا؛ لأنَّ بلالاً - رضي الله عنه - اختلف فيما أمرَّ به من ذلك، ثُمَّ ثبت هو من بعد على التثنية في الإقامة بتواتر الآثار في ذلك، فعُلِم أنَّ ذلك هو ما أُمرَّ به»، فجعل أبو حنيفة - رحمه الله - الإقامة مثل
¬
(¬1) في سنن الترمذي 1: 289، وصحيح ابن حبان 4: 357.
(¬2) ينظر: نظم المتناثر للكتاني ص 81.
(¬3) في شرح معاني الآثار1: 180.
(¬4) ينظر: الموسوعة الفقهية 31: 365 - 366.
(¬5) في شرح معاني الآثار1: 136
الأذان، وخالفه أبو يوسف ومحمد والشافعية والمالكية والحنابلة وجعلوها مفردة (¬1).
* الأصل الثالث: اعتبار الحنفية للحديث المشهور:
وهو حديث الآحاد الذي تلقاه السلف بالقبول، دون غيرهم من الفقهاء، فهو أصلٌ خاصٌ بهم.
المثال الأول: الأحاديث المشهورة في شفعة الجار: قال الجصاص - رحمه الله - (¬2): ««الجار أَحقُّ بسقبه» (¬3) و «جارُ الدار أحقُّ بشفعةِ الدار» (¬4) وغيرها مرويةٌ عن عشرةٍ من الصحابة - رضي الله عنهم -، فاتفق هؤلاء الجماعة على الرِّواية عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وما نعلم أحداً دفع هذه الأخبار مع شيوعِها واستفاضتها في الأمة, فمَن عدل عن القول بها كان تاركاً للسنة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ... ؛ لأنَّها في حيز المتواتر المستفيض الذي لا تجوز معارضته
¬
(¬1) ينظر: الموسوعة الفقهية 6: 7.
(¬2) في أحكام القرآن2: 279
(¬3) في صحيح البخاري2: 787، والسقب: ما قرب من الدار، ويقال صقب.
(¬4) فعن سمرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «جارُ الدار أَحقّ بدار الجار أو الأرض» في سنن أبي داود 3: 286.
بأخبار الآحاد»، فاعتبر الحنفية شفعة الجوار، وخالف الشافعية والمالكية والحنابلة فلم يعتبروها (¬1).
المثال الثاني: الحديث المشهور في رفع اليدين: وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ترفع الأيدي في سبعة مواطن: في افتتاح الصلاة، وفي التكبير للقنوت في الوتر، وفي العيدين، وعند استلام الحجر، وعلى الصفا والمروة، وبجمع، وعرفات، وعند المقامين، وعند الجمرتين» (¬2)، قال السَّرَخْسيّ - رحمه الله - (¬3): «إنَّ الآثار لَمَّا اختلفت في فعلِ النبي - صلى الله عليه وسلم - ـ أي في الرَّفع عند الرُّكوع والقيام ـ يتحاكم إلى الحديث المشهور»، فبنى عليه الحنفية عدم جواز الرفع إلا عند تكبيرة الإحرام، وهو المشهور عن الإمام مالك - رحمه الله -، وخالف
¬
(¬1) ينظر: الموسوعة الفقهية 26: 139 - 140.
(¬2) هذا اللفظ هو المشهور في كتب الحنفية مرفوعاً، لكنَّه عن إبراهيم النَّخَعي - رحمه الله - في شرح معاني الآثار2: 178، وآثار أبي يوسف ص 105، وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن: حين يفتتح الصلاة، وحين يدخل المسجد الحرام فينظر إلى البيت، وحين يقوم على الصفا، وحين يقوم على المروة، وحين يقف مع الناس عشية عرفة وبجمع، والمقامين حين يرمي الجمرة» في المعجم الكبير للطبراني 11: 385، وينظر: قرة العينين برفع اليدين في الصلاة للبخاري ص 59.
(¬3) في المبسوط1: 15.
الشافعية والحنابلة، فقالوا: إنَّ رفع اليدين عند تكبيرة الركوع وعند الرفع منه سنة ثابتة (¬1).
المثال الثالث: الحديث المشهور في بطلان الصلاة بالكلام مطلقاً: وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام النّاس، إنَّما هو التسبيحُ والتكبيرُ وقراءةُ القرآن» (¬2)، أخذ به الحنفية ومنعوا من الدُّعاء بما يشبه كلامَ النّاس في الصَّلاة، وتركوا العمل بحديث الآحاد: «ليسأل أحدُكم رَبَّه حاجتَه كلَّها حتى شِسْع نعله إذا انقطع» (¬3)، فقالوا: إنَّه يسن الدُّعاء في التشهد الأخير بعد الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بما يشبه ألفاظ القرآن، أو بما يشبه ألفاظ السنة، ولا يجوز الدعاء بما يشبه كلام الناس: كأن يقول: اللهم زوجني فلان، أو أعطني كذا من الذهب والفضة والمناصب، وهو قول الحنابلة، وأما المالكية والشافعية: فذهبوا إلى أنَّه يسن الدعاء بعد التشهد وقبل السلام بخيري الدين والدنيا (¬4).
¬
(¬1) ينظر: الموسوعة الفقهية 23: 130.
(¬2) في صحيح مسلم1: 381.
(¬3) في صحيح ابن حبان3: 177، والمعجم الأوسط5: 373.
(¬4) ينظر: الموسوعة الفقهية 20: 265 - 266.
* الأصل الرابع: ردُّ حديث الآحاد فيما تعم فيه البلوى:
والمراد بما تعم فيه البلوى: هو ما تمسُّ الحاجةُ إليه في عمومِ الأحوال، أو يحتاج إليه الكلُّ حاجةً متأكدةً مع كثرةِ تكرُّرِه (¬1)، قال الجصاصُ - رحمه الله - (¬2): «إنَّ لنا أَصلاً في قَبول الأَخبار وشرائط نعتبرها فيه متى خرج الخبر عنها لم نقبله، وهو أنَّ ما كان بالناس إلى معرفتِهِ حاجةٌ عامّة، فغيرُ جائزٌ ورودُه من جهةِ الآحاد».
المثال الأول: حديث الآحاد في الوضوء من لحوم الإبل: وهو ما روي عن جابر بن سمرة - رضي الله عنه -: «إنَّ رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يا رسول، الله أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم توضأ من لحوم الإبل» (¬3)، فترك الحنفية العمل بهذا الحديث؛ لكونِّه من أخبار الآحاد فيما تعم به البلوى، كما صرح الكاساني فقال (¬4): «ولو ثبت ... فالمراد من الوضوء غسل اليد، ولهذا خصَّ لحم الإبل في رواية؛ لأنَّ له من اللزوجة ما ليس لغيره»،
¬
(¬1) ينظر: كشف الأسرار 3: 17، والتقرير والتحبير2: 296.
(¬2) في الفصول1: 402.
(¬3) في صحيح ابن حبان3: 431.
(¬4) في بدائع الصنائع1: 33.
فقالوا: إنَّه أكل لحم الإبل لا ينقض الوضوء، وهو قول المالكية والشافعية، أما الحنابلة فقالوا: إنَّه ينقض الوضوء؛ عملاً بهذا الحديث (¬1).
المثال الثاني: حديث الآحاد في التستر بالخط: وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا صلَّى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد، فلينصب عصاً، فإن لم يكن معه عصاً، فليخطط خطاً، ثُمَّ لا يضرّه ما مرَّ أمامه» (¬2)، قال الكاساني (¬3): «ولكنَّ الحديث غريب، ورد فيما تعم به البلوى، فلا نأخذ به»؛ لذلك ترك الحنفية العمل بهذا الحديث، فقالوا: لا يجزئ إلقاء السترة أو الخط؛ ولأنَّ المقصود أن يبدو للناظر فيمتنع من المرور بين يديه، وما دون غلظ الإصبع بقدر ذراع لا يبدو للناظر من بعد (¬4)، فلا فائدة فيه؛ ويشهد لهم ما روي عن سبرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ليستتر أحدكم في صلاته ولو بسهم» (¬5)، وعن موسى بن طلحة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصلِ ولا يبال مَن مرَّ وراء
¬
(¬1) ينظر: الموسوعة الفقهية 35: 310.
(¬2) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - في سنن أبي داود1: 240، وصحيح ابن حبان6: 125، وصحيح ابن خزيمة2: 13.
(¬3) في البدائع2: 218، وينظر: المبسوط1: 192.
(¬4) ينظر: المبسوط1: 191.
(¬5) في المعجم الكبير7: 114، ومصنف ابن أبي شيبة 1: 249.
ذلك» (¬1)، وهو قول المالكية أيضاً، فقالوا: لا يصح التستر بخط يخطه في الأرض، وخالفهم الشافعية والحنابلة، فقالوا بجواز الإلقاء والخطّ، وهو الراجح عند متأخري الحنفية: كالكمال بن الهمام (¬2).
المثال الثالث: حديث الآحاد في الجهر بالبسملة عند القراءة في الصلاة: فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم» (¬3)، فإنَّه لما شَذّ ـ أي ورد بطريق آحاد ـ مع اشتهار الحادثة وعموم البلوى بها لم يعمل به؛ لأنَّ شهرة الحادثة تقتضي شهرة ما يثبت به حكم الحادثة، فإذا لم يشتهر النقل عنهم والاحتجاج على أنَّه منقطع (¬4)، لذلك ترك الحنفية العمل بهذا الحديث، وقالوا: تسن قراءة البسملة سراً في الصلاة السرية والجهرية، وهو قول الحنابلة، وخالفهم الشافعية، فقالوا: إنَّ السنة الجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية في الفاتحة وفي السورة بعدها، والمشهور عند المالكية: كراهة استفتاح القراءة في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم مطلقاً في أم القرآن وفي السورة التي بعدها سراً وجهراً (¬5).
¬
(¬1) في صحيح مسلم 1: 358.
(¬2) ينظر: الموسوعة الفقهية 24: 180.
(¬3) في المستدرك 1: 357، 356.
(¬4) ينظر: نور الأنوار 2: 27 - 28، ومرآة الأصول 2: 23 - 24
(¬5) ينظر: الموسوعة الفقهية 16: 181 - 182.
* الأصل الخامس: قبول الحديث المرسل عند الحنفية والمالكية والحنابلة:
قال السرخسي - رحمه الله - (¬1): «الحديث مرسل بالطريق الذي رواه، ولكنَّ المراسيل حجة عندنا كالمسانيد أو أقوى من المسانيد؛ لأنَّ الراوي إذا سمع الحديث من واحد لا يشق عليه حفظ اسمه فيرويه مسنداً، وإذا سمعه من جماعة يشق عليه حفظ الرواية فيرسل الحديث، فكان الإرسال من الراوي المعروف دليل شهرة الحديث»، وخالفهم الشافعية فلم يقبلوه إلا بشروط، قال أبو داود: ((وأما المراسيل، فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى، مثل سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، حتى جاء الشافعي - رحمه الله - فتكلم فيه))، وقال الطبري - رضي الله عنه -: ((لم يزل الناس على العمل بالمرسل وقبوله، حتى حدث بعد المئتين القول برده)) (¬2).
مثاله: مرسل أبي العالية - رحمه الله - وغيره: «إنَّ أعمى تردَّى في بئر، والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي بأصحابه، فضحك من كان يصلِّي معه، فأمرَّ من كان ضحك منهم أن يعيد الوضوء والصَّلاة» (¬3)، فَقَبِلَهُ الحنفية، وقالوا: بنقض
¬
(¬1) في المبسوط30: 143.
(¬2) ينظر: مقدمة نصب الراية ص297 - 298، وغيرها.
(¬3) في سنن الدارقطني1: 267.
الوضوء بالقهقهة في الصلاة، قال الكاساني - رحمه الله - (¬1): «خبر القهقهة ... من المشاهير، مع أنَّه ما ورد فيما لا تعمّ به البلوى؛ لأنَّ القهقهةَ في الصَّلاة ممَّا لا يغلب وجوده». وخالفهم المالكية والشافعية والحنابلة، فقالوا بعدم نقض الوضوء بالقهقهة (¬2).
* الأصل السادس: تقديم عموم القرآن على حديث الآحاد عند التعارض:
المثال الأول: حديث الآحاد في عدمِ صحّةِ صلاة من لم يقرأ الفاتحة: فعن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة لمَن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (¬3)، فهو معارض لعموم قوله - جل جلاله -: {فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} المزمل: 20، فقُدِّمَ القرآن عند التعارض، قال الجصاص - رحمه الله - (¬4): «وذلك نسخ، وغيرُ جائز نسخ القرآن بأَخبار الآحاد»، فقال الحنفية بأنَّ قراءة الفاتحة في الصلاة واجبة وليست بفرض، وإنَّما الفرض هو قراءة آية من القرآن من الفاتحة أو من غيرها، فتكون صلاة من لم يقرأ الفاتحة صحيحة
¬
(¬1) في البدائع1: 34.
(¬2) ينظر: الموسوعة الفقهية 17: 120.
(¬3) في صحيح البخاري 1: 263، وصحيح مسلم 1: 295، وغيره.
(¬4) في أحكام القرآن1: 31.
لكن ناقصة؛ دلَّ على ذلك ما روي عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَن صَلَّى صلاةً لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداجٌ يقولها ثلاثاً» (¬1): أي ناقصة، فالحديث يدل على نقصان الصلاة بدون قراءة الفاتحة لا على بطلانها من أصلها، فهو نصٌ على نفي الكمال، فلا دلالة فيه على عدم الجواز بدون الفاتحة، بل على النقص (¬2)، وخالفهم المالكية والشافعية والحنابلة، فقالوا: بفرضية الفاتحة في كل ركعة في الصلاة، مستدلين بحديث الآحاد (¬3).
المثال الثاني: حديث الآحاد في اشتراط تعدد الرضعات المحرمات: فعن عائشة - رضي الله عنها -: «كان فيما أنزلَ من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثُمَّ نسخن بخمس رضعاتٍ معلومات يحرمن، فتوفى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وهنّ فيما يقرأ في القرآن» (¬4)، فهو معارض لعموم قوله - جل جلاله -: وَأُمَّهَاتُكُمُ {اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ} النساء: 23، قال الجصاص - رحمه الله - (¬5): «ولا يجوز قبول أخبار الآحاد عندنا في تخصيص حكم الآية الموجبة للتحريم بقليل الرضاع؛ لأنَّها آية محكمةٌ ظاهرةُ المعنى بينةُ
¬
(¬1) في صحيح مسلم 1: 295.
(¬2) ينظر: المشكاة ص178.
(¬3) ينظر: الموسوعة الفقهية 25: 288.
(¬4) في صحيح مسلم2: 1075، وسنن أبي داود1: 629.
(¬5) في أحكام القرآن2: 178.
المراد لم يثبت خصوصها بالاتفاق, وما كان هذا وصفه، فغير جائز تخصيصه بخبر الواحد ولا بالقياس».
فقال الحنفية بثبوت حرمة الرضاع مطلقاً ولو بمصّة؛ لأنَّه مهما قلَّ فقد نشأ منه جزءٌ مناسبٌ، ولكن لَمّا كان النمو بالرَّضاع أَمراً غيرَ ظاهر أُسند الحكم بالتحريم إلى سببه، وهو الرَّضاع، ويشهد لهم ظاهر حديث: «يحرمُ من الرضاع ما يحرمُ من النّسب» (¬1)، حيث أطلق الرضاع ولم يذكر عدداً، وهو قول المالكية، وخالفهم الشافعية والحنابلة، فأثبتوا حرمة الرضاع بخمس رضعات (¬2).
المثال الثالث: حديث الآحاد فيما يتعلّق بالسجود: «أُمرت أن أسجد على سبعةِ أعظمٍ: على الجبهة، وأشار بيده على كلاهما، واليدين، والرُّكبتين، وأطراف القدمين» (¬3) فهو معارض لعموم قوله - جل جلاله -: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} الحج: 77، فالآيةُ مقتصرة على ما يتمّ به السجود وهو الجبهة، وبها يتحقق السجود، والزيادة عليها بحديث آحاد لا يجوز، وهذا ما قال به الحنفية، وخالفهم الشافعية وغيرهم.
¬
(¬1) في صحيح البخاري 2: 935، وصحيح مسلم2: 1072.
(¬2) ينظر: الموسوعة الفقهية 23: 244.
(¬3) فعن ابن عباس - رضي الله عنهم - في صحيح البخاري1: 280، وصحيح مسلم1: 354.
* الأصل السابع: عملُ الراوي من الصحابة - رضي الله عنهم - بخلاف المرويّ يسقط اعتباره:
إن عمل الرّاوي بعدما روى حديثاً بخلاف ما رواه؛ فالعبرة عند الحنفية بما رأى لا بما روى؛ لأنَّ الراوي العدل المؤتمن إذا رَوَى حديثاً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمل بخلافه دلَّ ذلك على شيءٍ ثبت عنده من نسخٍ أو مُعارضةٍ أو تخصيصٍ، أو لكونِهِ غيرِ ثابت أو غير ذلك من الأسباب (¬1).
المثال الأول: حديث السيدة عائشة - رضي الله عنها - في الصيام عن الميت: وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن مات وعليه صيام صام عنه وليه» (¬2)، فقد خالفت - رضي الله عنها - ما روت وأفتت بعدم إجزاء الصوم عن الميت؛ فعن عمرة بنت عبد الرحمن، قلت لعائشة - رضي الله عنها -: «إنَّ أُمي توفيت وعليها صيام رمضان، أيصلح أن أقضي عنها؟ فقالت: لا، ولكن تصدقي عنها مكان كلّ يوم على مسكين خيرٌ من صيامك» (¬3)، فدلَّ هذا على نسخه، قال مالك - رحمه الله - بلاغاً: «ولم أسمع عن أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - ولا من التابعين ولا بالمدينة
¬
(¬1) ينظر: عقود الجمان ص399.
(¬2) في صحيح البخاري 2: 690.
(¬3) رواه الطحاوي وسنده صحيح، كما في إعلاء السنن 9: 155 عن الجوهر النقي 1: 210.
أنَّ أحداً منهم أَمرَّ أحداً أن يصومَ عن أحدٍ ولا يُصلي عن أحد» (¬1)، وقال ابنُ الهُمام - رحمه الله - (¬2): «وهذا مما يؤيد النسخ، وأنَّه الأمر الذي استقرَّ الشرع عليه آخراً».
فقال الحنفية والمالكية والشافعية بعدم جواز الصيام عن الميت، وقال الحنابلة: من مات وفي ذمته صيام رمضان لم يؤده، فلا تجوز النيابة عنه في ذلك؛ لأنَّ هذه العبادات لا تدخلها النيابة حال الحياة فبعد الموت كذلك، أما ما أوجبه على نفسه بالنذر من صوم وتمكن من الأداء ولم يفعل حتى مات، سن لوليه فعل النذر عنه (¬3).
المثال الثاني: حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في ولوغ الكلب في الإناء: وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا شرب الكلب من إناء أحدكم فليغسله سبعاً» (¬4)، فأفاد لزوم غسل الإناء من شرب الكلب سبع مرات، لكنَّ رواي الحديث خالف مرويه؛ فعن عطاء - رحمه الله - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - في الإناء يلغ فيه الكلب أو الهر، قال: «يغسل ثلاث مرات» (¬5)، فثبت بذلك نسخ السبع؛ لأنّا نحسن الظن به - رضي الله عنه -، فلا نتوهم عليه أن يترك ما سمعه إلاّ إلى مثله، فقال
¬
(¬1) ينظر: نصب الراية 3: 30.
(¬2) في فتح القدير2: 359.
(¬3) ينظر: الموسوعة الفقهية 21: 146.
(¬4) في صحيح مسلم 1: 234، وصحيح البخاري 1: 75، وغيرهما.
(¬5) في شرح معاني الآثار 1: 22.
الحنفية: بوجوب غسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب ثلاثاً إحداهن بالتراب، وخالفهم المالكية، فقالوا: يندب غسل الإناء سبعاً ولا تتريب مع الغسل، وقال الشافعية والحنابلة: يجب غسل الإناء سبعاً إحداهن بالتراب (¬1).
المثال الثالث: حديث السيدة عائشة - رضي الله عنها - في نكاح المرأة بغير ولي: وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل» (¬2)، فأفاد أنَّه لا تصحّ عبارة المرأة في النكاح، لكنَّ عائشة - رضي الله عنها - عملت بخلاف ما روت، فزوّجت بنت أَخيها عبد الرحمن - رضي الله عنه -؛ فعن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه - رضي الله عنهم -: «إنَّ عائشة - رضي الله عنها - زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - زوّجت حفصة بنت عبد الرحمن المنذر بن الزبير وعبد الرحمن - رضي الله عنه - غائب بالشام، فلما قدم عبد الرحمن - رضي الله عنه -، قال: ومثلي يصنع هذا به، ومثلي يُفتات عليه، فكلمت عائشة - رضي الله عنها - المنذر بن الزبير، فقال المنذر - رضي الله عنه -: فإنَّ ذلك بيدِ عبد الرَّحمن، فقال عبد الرحمن: ما كنت لأرد أمراً قضيته، فقرَّت حفصة عند المنذر، ولم يكن ذلك طلاقاً» (¬3).
¬
(¬1) ينظر: الموسوعة الفقهية 35: 129 - 130.
(¬2) في سنن أبي داود 1: 634، وسنن الترمذي 3: 407، وحسنه.
(¬3) في الموطأ 2: 555، وشرح معاني الآثار 3: 8، قال ابن حجر في الدراية 2: 60: إسناده صحيح.
فقال الإمام أبو حنيفة - رحمه الله - بجواز مباشرة الحرة البالغة العاقلة عقد نكاحها ونكاح غيرها مطلقاً، إلا أنَّه خلاف المستحب؛ فأسقط - رحمه الله - الاحتجاج بظاهر الحديث الذي يبطل نكاحها، وحمله على نفي الكمال؛ لئلا تنسب إلى الوقاحة.
وقال المالكية، والشافعية، والحنابلة، والصاحبين: إنَّ المرأة لا تزوج نفسها ولا غيرها ولا ولاية لها في عقد النكاح (¬1).
* الأصل الثامن: مخالفةُ بعضِ الصحابة - رضي الله عنهم - العملَ بالحديث إذا كان ظاهراً لا يحتمل الخفاءَ عليهم، يورث الطعن فيه:
واحترز به عما لا يحتمل الخفاء عليهم، فإنَّه لا يوجب جرحاً في الحديث.
المثال الأول: حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - في حد الزنا: وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «البكرُ بالبكرِ جلدُ مئة، ونفي سنة» (¬2)، فظاهر الحديث يفيد أنَّ النفي من الحدّ، وقد عمل عمر - رضي الله عنه - بخلافه وترك الحديث فيما روى
¬
(¬1) ينظر: إعلاء السنن11: 82، والموسوعة الفقهية 14: 191 - 193.
(¬2) في صحيح مسلم 3: 1316، وسنن أبي داود 2: 459، وسنن ابن ماجة 2: 852، وغيرها.
سعيد بن المسيب - رضي الله عنه -، قال: «غرَّب عمر - رضي الله عنه - ربيعة بن أمية في الخمر إلى خيبر، فلحق بهرقل فتنصَّر، فقال عمر - رضي الله عنه -: لا أُغرب بعده مسلماً» (¬1)، فلو كان النفي حَدّاً لَمّا حلف عمر - رضي الله عنه - على تركه، فعُلِم أنَّ النفي منه كان سياسةً لا حَدّاً، وحديث الحدود كان ظاهراً لا يحتمل الخفاء على الخلفاء الذين نصبوا لإقامة الحدود.
وعن عليّ - رضي الله عنه -: «حسبهما من الفتنة أن ينفيا» (¬2)، قال اللكنوي - رحمه الله - (¬3): «فترك عمر - رضي الله عنه - العمل به أسقطه عن درجةِ الاعتبار؛ ولذا لم يعملوا به، ولم يدخلوا النفي في الحدّ، بل جعلوه من أُمور السياسة».
فقال الحنفية: إنَّ نفي الزاني البكر ليس واجباً، وليس حداً كالجلد، وإنَّما هو عقوبة تعزيرية يجوز للإمام أن يجمع بينه وبين الجلد إن رأى في ذلك مصلحة، وخالفهم الشافعية والمالكية والحنابلة، فقالوا: إنَّه يجمع مع الجلد نفي الزاني البكر، فاعتبروا النفي حداً كالجلد، إلا أنَّ المالكية يفرقون بين الرجل والمرأة، فيقولون بتغريب الرجل دون المرأة؛ لأنَّ المرأة محتاجة إلى حفظ وصيانة، فلا يجوز تغريبها إلا بمحرم، وهو
¬
(¬1) في المجتبى 8: 319، وسنن النسائي الكبرى 3: 231، ومصنف عبد الرزاق 7: 314.
(¬2) في مصنف عبد الرزاق 7: 312، 315.
(¬3) في الهسهسة ص65.
يفضي إلى تغريب من ليس بزان ونفي من لا ذنب له (¬1).
المثال الثاني: حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في حد السرقة بعد القطع: وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا سرق السارق فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجلَه، فإن عاد فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجله» (¬2)، فإنَّه يفيد قطع جميع أطراف السارق، وهذا مخالفٌ لعمل الصحابة - رضي الله عنهم -؛ فعن عليٍّ - رضي الله عنه -، قال: «إذا سَرَقَ السارقُ قطعت يده اليمنى، فإن عاد قُطِعتُ رجلُه اليُسرى، فإن عادَ ضُمِّنَ السجن حتى يحدثَ خيراً، إنّي استحيي من اللهِ - جل جلاله - أن أَدعه ليس له يدٌ يأَكل بها ويستنج بها، ورجل يمشي عليها» (¬3)، وعن ابنَ عبّاس - رضي الله عنهما -: «كتب إلى نجدة الحروري بمثل قول عليّ - رضي الله عنه -، وإنَّ عمرَ - رضي الله عنه - استشارهم في سارق فأجمعوا على مثل قولِ عليّ - رضي الله عنه -» (¬4)، وعن عمر - رضي الله عنه -، قال: «إذا سرق فاقطعوا يده، ثمّ إن عاد فاقطعوا رجلَه ولا تقطعوا يده الأخرى وذروه يأكل بها ويستنج بها، ولكن احبسوه عن المسلمين» (¬5).
¬
(¬1) ينظر: الموسوعة الفقهية 17: 140 - 141.
(¬2) في سنن الدارقطني3: 181، قال الزيلعيّ في نصب الراية3: 368،372: «في سنده الواقدي، وفيه مقال».
(¬3) في سنن الدارقطني 4: 99، 4: 237، ومسند أبي حنيفة1: 347، وآثار محمّد، وسندُه جيد.
(¬4) في مصنف ابن أبي شيبة5: 491.
(¬5) في مصنف ابن أبي شيبة5: 490.
قال ابنُ الهمام - رحمه الله - (¬1): «إنَّ هذا قد ثبتَ ثبوتاً لا مردَّ له، وبعيدٌ أَن يقطعَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - السارقَ أربعةً ثُمَّ يقتله ولا يعلمه مثل عليٍّ وعمر وابنِ عبّاس من الصحابة - رضي الله عنهم - الملازمين له - صلى الله عليه وسلم -، ولو غابوا لا بُدّ من علمِهم عادةً، فاتباع عليّ - رضي الله عنه - إما؛ لضعف ما مرَّ، أو لعلمِه بأنَّ ذلك ليس حَدّاً مستمراً بل من رأي الإمام»، وبه أخذ الحنفية والحنابلة في إحدى الروايتين وهي المذهب عندهم، فقالوا: إنَّ من سرق بعد أن قطعت يده اليمنى تقطع رجله اليسرى، فإن عاد بعد ذلك فليس عليه قطع، بل يحبس ويضرب حتى تظهر توبته أو يموت.
وخالفهم الشافعية والمالكية، فقالوا: إنَّ من سرق بعد أن قطعت يده اليمنى في السرقة الأولى تقطع رجله اليسرى، فإن عاد للمرة الثالثة قطعت يده اليسرى، فإن سرق مرةً رابعةً قطعت رجله اليمنى، فإن عاد بعد ذلك حبس حتى تظهر توبته أو يموت (¬2).
* الأصل التاسع: إعراضُ الأئمةِ من الصَّدرِ الأَوّل عن الحديث وترك المحاجّة به عند الحاجة يوجب تركه:
فيشترط لاعتبار الحديث أن لا يكون متروك المحاجة به عند ظهور الاختلاف بين الصحابة - رضي الله عنهم -، فإنَّهم إذا تركوا المحاجة به مع وقوع
¬
(¬1) في فتح القدير5: 396.
(¬2) ينظر: الموسوعة الفقهية 24: 340 - 341.
الاختلاف فيما بينهم، يكون مردوداً عند بعض الحنفية المتقدمين وعامة المتأخرين؛ لأنَّ الصحابة - رضي الله عنهم - هم الأصل في نقل الدين، ولم يتهموا بترك الاحتجاج بما هو حجّة والاشتغال بما ليس بحجّة، مع أنَّ عنايتَهم بالحججِ أَقوى من عناية غيرهم، فترك المحاجة والعمل به عند ظهور الاختلاف بينهم، دليل ظاهر على سهوٍ ممَّن رواه بعدهم أو أنَّه منسوخ (¬1).
مثاله: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - في وجوب الزّكاة في مال الصبي: وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا مَن ولى يتيماً له مال فليتجر فيه ولا يتركه حتى تأكله الصدقة» (¬2)، فإنَّ الصحابة - رضي الله عنهم - لما اختلفوا فيما بينهم في وجوب الزكاة في مال الصبيّ وتكلموا بالرأي ولم يلتفتوا إلى الحديث، كان ذلك دليل انقطاعه (¬3)، فقال الحنفية: إنَّ الزكاة لا تجب في مال الصغير، إلا أنَّه يجب العشر في زروعه وثماره، وزكاة الفطر عنه، وخالفهم الشافعية والمالكية والحنابلة، فقالوا: بوجوب الزكاة في مال الصغير (¬4).
¬
(¬1) ينظر: عقود الجمان ص401.
(¬2) في سنن الترمذي 3: 32، وقال: في إسناده مقال. وسنن البيهقي الكبير 6: 2، وسنن الدارقطني 2: 109.
(¬3) ينظر: نور الأنوار 2: 27 - 28، ومرآة الأصول 2: 23 - 24، وإفاضة الأنوار ص186.
(¬4) ينظر: الموسوعة الفقهية 23: 232 - 233.
* الأصل العاشر: عدم قبول رواية الصحابي الذي لم يبلغ الدرجة الكاملة في الاجتهاد فيما يخالف القياس عند الحنفية.
وهذا إلا عند الضرورة لانسداد باب الرأي، فحينئذ يترك الحديث ويعمل بالقياس.
مثاله: ما روي في الوضوء مما مست النار؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «الوضوءُ مما مسَّت النار ولو من ثور أقط، فقال له ابن عباس - رضي الله عنهما -: يا أبا هريرة، أنتوضأ من الدهن؟ أنتوضأ من الحميم؟ فقال أبو هريرة - رضي الله عنه -: يا ابن أخي، إذا سمعت حديثاً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا تضرب له مثلاً» (¬1): أي إن ادهنا أنتوضأ، وإن توضأنا بماء ساخن أنتوضأ بماء بارد، فقد رد ابن عباس - رضي الله عنهما - خبر أبي هريرة - رضي الله عنه - بالقياس.
قال إبراهيم النخعي - رحمه الله -: «لم يكونوا يأخذون من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - إلا كذا وكذا» (¬2)، وفي لفظ: «كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - ويدعون» (¬3).
¬
(¬1) في سنن الترمذي 1: 114، وسنن ابن ماجة 1: 10.
(¬2) في مصنف عبد الرزاق 8: 245، وتاريخ دمشق 67: 360.
(¬3) في أصول السرخسي 1: 341.
فقال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم: بعدم وجوب الوضوء بأكل شيء مما مست النار، وخالفهم عمر بن عبد العزيز والحسن والزهري وأبي قلابة وأبي مجلز (¬1).
* الحادي عشر: عدم مخالفة الحديث لقاعدة الباب التي هي خلاصة الأدلة القرآنية والحديثية وآثار الصحابة - رضي الله عنهم -.
قال الإمام الكوثري - رحمه الله - (¬2): ((ومن شروط قبول الأخبار عند الحنفية مسندة كانت أو مرسلة: أن لا تشذّ عن الأصول المجتمعة عندهم، وذلك أنَّ هؤلاء الفقهاء بالغوا في استقصاء موارد النصوص من الكتاب والسنة وأقضية الصحابة - رضي الله عنه -، إلى أن أرجعوا النظائر المنصوص عليها والمتلقاة بالقبول إلى أصل تتفرع هي منه وقاعدة تندرج تلك النظائر تحتها، وهكذا فعلوا في النظائر الأخرى، إلى أن أتمّوا الفحص والاستقراء، فاجتمعت عندهم أصول ـ موضع بيانها كتب القواعد والفروق ـ يعرضون عليها أَخبار الآحاد، فإذا نَدَّت الأَخبار عن تلك الأصول وشَذَّت، يَعدُّونها مناهضةً لما هو أَقوى ثُبوتاً منها، وهو الأصل المؤصَّل من تتبعِ مواردِ الشرعِ الجاري مَجْرَى خبر الكافة)).
¬
(¬1) ينظر: الموسوعة الفقهية 43: 395.
(¬2) في مقدمة نصب الراية ص298.
مثاله: حديث الآحاد في انتقاض الوضوء بمس الفرج: وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من مس ذكره فليتوضأ» (¬1)، فإنَّه مخالفٌ لقاعدة الباب عن الحنفية من نقض الوضوء بالخارج النجس، وهو أيضاً شاذ؛ لعموم البلوى، قال الكاساني (¬2): «إنَّه خبرٌ واحد فيما تعمّ به البلوى فلو ثبت لاشتهر»، وخالفه حديث قيس بن طلق - رضي الله عنه -، قال حدثني أَبي، قال: «كنّا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتاه أعرابي، فقال: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إنَّ أحدنا يكون في الصلاة فيحتك فيصيب يده ذكره، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وهل هو إلا بضعة منك أو مضغة منك» (¬3)، فكان أولى بالقبول.
فقال الحنفية: لا ينتقض الوضوء بمس الفرج، لكن يندب غسل اليد جمعاً بين الحديثين، وخالفهم المالكية والشافعية والحنابلة، فقالوا: ينتقض الوضوء بمس الفرج، ولا فرق بين ذكر الرجل وقبل المرأة عند الشافعية والحنابلة، أما المالكية ففرقوا وقالوا: ينتقض الوضوء بمس الذكر فقط، فلا نقض بمس المرأة فرجها إلا إن قبضت عليه أو أدخلت يدها فيما بين الشفرين (¬4).
¬
(¬1) فعن بسرة بنت صفوان رضي الله عنها في سنن الترمذي1: 126، وحسنه، وسنن أبي داود1: 55.
(¬2) في البدائع1: 30.
(¬3) في صحيح ابن حبان3: 403، واللفظ له، والمنتقى1: 18، والمجتبى1: 101
(¬4) ينظر: الموسوعة الفقهية 32: 85 - 86.
* الثاني عشر: إن كان الحديث حكاية حال، بأن يكون خاص بحادثة، فلا يقاس غيره عليه.
مثاله: حديث عائشة - رضي الله عنها -: «أنَّ أبا حذيفة بن عتبة تبنى سالماً، وإنَّ سهلةَ بنت سهيل كانت تحت أبي حذيفة - رضي الله عنهم -، فجاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسول الله، إنا كنا نرى سالماً ولداً، وكان يدخل عليَّ وليس لنا إلاّ بيتٌ واحد، فماذا تَرَى في شأنه؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أَرضعيه، فأَرضعته خمس رضعات، فحرم بهنّ، وكان بمنزلة ولدها من الرضاعة» (¬1).
فظاهر الحديث يفيد أنَّ إرضاع الكبير يحرم كما هو الحال في الصغير، ولكنَّ هذا مخالف لعمل عامة الصحابة - رضي الله عنهم -؛ لذلك كان حكاية حال؛ لأنَّه خاص بسالم - رضي الله عنه -؛ لمخالفته للآثار الأخرى (¬2)؛ فعن عليّ - رضي الله عنه - قال: «لا رضاع بعد الفصال» (¬3)، وعن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - قال: «لا رضاع بعد الفصال»، وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: «لا نعلم الرضاع إلا ما أرضع في
¬
(¬1) في المستدرك 2: 177، وصححه، وصحيح ابن حبان 10: 28، والمنتقى 1: 173.
(¬2) ويؤيد ذلك ما روي مرفوعاً: فعن عليّ - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا رضاع بعد الفصال» في مصنف عبد الرزاق6: 464.
(¬3) في مصنف عبد الرزّاق 6: 416، وسنن البيهقي الكبير7: 461.
الصغر» (¬1)، وعن عمر - رضي الله عنه -، قال: «لا رضاع بعد الفصال» (¬2)، بناءً عليه فإنَّ رضاع الكبير لا أثر له في ثبوت المحرمية، وهو ما أخذ به الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
وخالفت عائشة - رضي الله عنها - وعطاء والليث، فقالوا: بثبوت المحرمية برضاع الكبير، وأنكر جماعة أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - على عائشة - رضي الله عنها - ولم تأخذ واحدة منهن بقولها في ذلك، وهو قول شاذٌّ لا يجوز العمل به؛ لمخالفته ما اتفق عليه الفقهاء من أهل المذاهب، فذكرته للتنبيه على هذا (¬3).
ومن كل ما سبق تبين لنا بوضوح أنَّ الخلاف في السنة قائمٌ على الأصول التي اختلف الفقهاء في قَبولها وردِّها، وليست المسألة مسألة وصول حديث كما يظنه بعضهم، وما ذكر فيه كفاية.
• • •
¬
(¬1) وغيرها في مصنف عبد الرزاق7: 465.
(¬2) في مصنف ابن أبي شيبة 3: 550.
(¬3) ينظر: الموسوعة الفقهية 22: 245 - 246.
الخاتمة:
وفي ختام هذا البحث نخلص إلى هذه النتائج ونلخصها في النقاط الآتية:
أولاً: إنَّ السنة النبوية أصل معتبر من أصول التشريع، والأخذِ بها أمرٌ متفقٌ عليه وغيرُ مختلفٍ فيه بين المذاهب الفقهية المعتبرة؛ وإنَّما كان النِّزاع بينهم في قضايا متعلِّقة بفهم السنة ونقلها وتحريرها، فإنَّ عامة مباحث الحديث مبنية على الاجتهاد، الذي يحتاج إلى أصول محكمةٍ وأنظار للمجتهد من أجل حلها، والاختلاف فيها كبير وواسع، وهذا الاختلاف أدى إلى الاختلاف في كثير من الفروع الفقهية.
ثانياً: إنَّه لا يجوز لنا الطعن فيما ورد عن الأئمة من مسائل بحجة أنَّها تخالفُ ظواهر الأحاديث.
ثالثاً: إنَّ غالبية المسائل الفقهية ليست مبنية على أحاديث خاصة، وإنَّما على القواعد والأصول للأبواب التي اعتني في بنائها على القرآن والسنة وآثار الصحابة - رضي الله عنهم -، فالمسائل التي دليلها صريح ومباشر قليلة جداً.
رابعاً: إنَّ ادّعاء عدم وصول الحديث في مسألة معينة إلى بعض الفقهاء وأنَّه من الأسباب التي أدت إلى الاختلاف بينهم، مجرد تخيل ووهم لا أصل له من الصحة، فإنَّ عدم عمل الفقهاء بالحديث وتركهم له، له أسباب عديدة، منها أنَّهم عندما طبقوا عليه قواعدهم في التصحيح والعمل، لم يكن صالحاً فتركوه.
خامساً: إنَّ أئمة المذاهب الفقهية بلغوا الدرجة العليا في الحديث؛ لأنَّ درجة المجتهد المستقل بالمعنى الأكمل لا يستحقها إلا مَن وصل إلى أعلى المراتب في الحديث، ولا يجتهد من لم يبلغ الذروة في معرفته لمادة الاجتهاد الخصبة ـ وهي الحديث ـ.
سادساً: إننا لم نقف على أدلة الأئمة جزماً، فما نقل لنا عنهم بالدرجة الأولى هي الفروع، وما نرى من أدلة في كتب مذهبهم فهي من وضع علماء المذهب استدلوا بها للإمام لا غير، فضعفها لا يدلّ على ضعف دليل الإمام.
• • •
المراجع:
1. الإبانة الكبرى: لأبي عبد الله عبيد الله بن محمد العُكْبَري المعروف بـ (ابن بَطَّة العكبري) (ت: 387هـ)، ت: رضا معطي، وعثمان الأثيوبي، ويوسف الوابل، والوليد بن سيف النصر، وحمد التويجري، دار الراية للنشر والتوزيع، الرياض.
2. أثر اختلاف المتون والأسانيد في اختلاف الفقهاء: للدكتور ماهر ياسين الفحل، شاملة.
3. أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة الفقهاء - رضي الله عنهم -: لمحمد عوامة، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط4، 1418هـ.
4. الاجتهاد لمحمد بن عربي البيانوي.
5. أحكام القرآن: لأحمد بن علي الرازي الجصاص (305 - 370هـ)، دار الفكر.
6. أصول السرخسي: لمحمد بن أحمد السرخسي (ت 590هـ)، ت: أبو الوفاء الأفغاني، دار المعرفة، بيروت. 1342هـ.
7. إعلاء السنن: لظفر أحمد العثماني التهانوي (1310 - 1394هـ)، ت: حازم القاضي، دار الكتب العلمية، ط1، 1997م.
8. إفاضة الأنوار على متن أصول المنار: لمحمد علاء الدين الحصني (ت1088هـ)، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط2، 1399هـ.
9. البحر المحيط في أصول الفقه: لمحمد بن بهادر الزركشي (ت794هـ)، ت: الدكتور عمر الأشقر، ط1، 1989م، الكويت، وأيضاً: طبعة دار الكتبي.
10. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: لأبي بكر بن مسعود الكاساني (ت587هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت. ط2، 1402هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتب العلمية.
11. تاريخ دمشق: لعلي بن الحسن أبي محمد بن هبة الله، المعروف بـ (ابن عساكر) (499 - 571هـ)، دار الفكر، دمشق.
12. التقرير والتحبير شرح التحرير: لأبي عبد الله، محمد بن محمد الحَلَبِيّ الحنفي شمس الدين المعروف بـ (ابن أمير الحاج) (825 - 879هـ)، دار الفكر، بيروت، ط1، 1996مـ.
13. التمذهب: لعبد الفتاح بن صالح اليافعي، مؤسسة الرسالة، ناشرون، ط1، 2006م.
14. جامع بيان العلم: ليوسف بن عبد البر (ت463هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، 1398هـ.
15. الجوهر النقي على سنن البيهقي: لأبي الحسن علاء الدين علي بن عثمان بن إبراهيم بن مصطفى المارديني الشهير بـ (ابن التركماني) (ت750هـ)، دار الفكر.
16. الدراية في تخريج أحاديث الهداية: لأبي الفضل أحمد بن علي ابن حَجَر العَسْقَلاني (773 - 852هـ)، دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ طبع.
17. سنن ابن ماجه: لمحمد بن يزيد بن ماجه القزويني (207 - 273هـ)، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت.
18. سنن أبي داود: لسليمان بن أشعث السجستاني (202 - 275هـ)، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.
19. سنن الترمذي: لمحمد بن عيسى الترمذي (209 - 279هـ)، ت: أحمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
20. سنن الدَّارَقُطْنِي: لأبي الحسن علي بن عمر الدَّارَقُطْنِي (306 - 385هـ)، ت: السيد عبد الله هاشم، دار المعرفة، بيروت، 1386هـ.
21. السنن الصغرى: لأحمد بن حسين البيهقي (ت458هـ)، ت: الدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي، مكتبة الدار، المدينة المنورة، ط1، 1410هـ.
22. سنن النَّسَائيّ الكبرى: لأحمد بن شعيب النَّسَائِي (ت303هـ)، ت: الدكتور عبد الغفار البنداوي وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ.
23. سير أعلام النبلاء: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذَّهَبِي شمس الدين (673 - 748هـ)، ت: شعيب الأرناؤوط ومحمد نعيم العرقسوي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط9، 1413هـ.
24. شرح مختصر الطحاوي لأبي بكر الجصاص (ت370هـ)، ت: د. سائد بكداش وآخرون، طبعة دار البشائر، ط1، 2010هـ.
25. شرح معاني الآثار: لأحمد بن محمد بن سلامة الطَّحَاوي (229 - 321هـ)، ت: محمد زهري النجار، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1399هـ.
26. صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان: لمحمد بن حِبَّان التميمي (354هـ)، ت: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1414هـ.
27. صحيح ابن خزيمة: لمحمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي (ت311هـ)، ت: الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، 1390هـ.
28. صحيح البخاري: لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البُخَارِيّ (194 - 256هـ)، ت: الدكتور مصطفى البغا، دار ابن كثير واليمامة، بيروت، ط3، 1407هـ.
29. صحيح مسلم: لمسلم بن الحجاج القُشَيْريّ النَّيْسَابوريّ (ت261هـ)، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
30. عقود الجمان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان: لمحمد بن يوسف الصالحي (ت942هـ)، مكتبة الإيمان، المدينة المنورة.
31. فتح القدير للعاجز الفقير على الهداية: لمحمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السكندري السيواسي كمال الدين الشهير بـ (ابن الهمام) (790 - 861هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، وأيضاً: طبعة دار الفكر.
32. فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب (حاشية الجمل على شرح المنهج): لسليمان الجمل، دار الفكر.
33. الفصول في الأصول: لأحمد بن علي الرازي الجصاص (305 - 370هـ)، الطبعة الثانية لوزارة الأوقاف الكويتية.
34. قرة العينين برفع اليدين في الصلاة: لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري (ت: 256هـ)، ت: أحمد الشريف، دار الأرقم للنشر والتوزيع، الكويت، ط1، 1404 هـ - 1983م.
35. كشف الأسرار شرح أصول البَزْدَوي: لعبد العزيز بن أحمد البخاري الحنفي علاء الدين (ا730هـ)، طبعة اسطنبول، 1308هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتاب الإسلامي.
36. المبسوط: لأبي بكر محمد بن أبي سهل السرخسي توفى بحدود (500هـ)، 1406هـ، دار المعرفة، بيروت.
37. المجتبى من السنن: لأبي عبد الله أحمد بن شعيب النسائي (215 - 303)، ت: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط2، 1406هـ.
38. المجموع شرح المهذب: لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النَّوَوِيّ الشَّافِعِيّ (631 - 676هـ)، ت: محمود مطرحي، بيروت، دار الفكر، ط1، 1417هـ.
39. مرآة الأصول في شرح مرقاة الوصول: لمحمد بن فرامُوز بن علي ملا خسرو (ت885هـ)، مطبعة الحاج محرم أفندي البوسنوي، 1291هـ.
40. المستدرك على الصحيحين: لمحمد بن عبد الله الحاكم (ت405هـ)، ت: مصطفى عبد القادر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ.
41. مسند أبي حنيفة: لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (336 - 430هـ)، ت: نظر محمد الفاريابي، مكتبة الكوثر، الرياض، ط1، 1415هـ.
42. مسند أبي داود الطيالسي: لسليمان بن داود (ت204هـ)، دار المعرفة، بيروت.
43. مسند أحمد بن حنبل: لأحمد بن حنبل (164 - 241هـ)، مؤسسة قرطبة، مصر.
44. المشكاة في أحكام الطهارة والصلاة والزكاة: للدكتور صلاح أبو الحاج، عمان، مؤسسة الوراق، 2005م.
45. المصنف في الأحاديث والآثار: لعبد الله بن محمد بن أبي شَيْبَةَ (159 - 235هـ)، ت: كمال الحوت، ط1، مكتبة الرشد، الرياض، 1409هـ.
46. المصنف: لعبد الرزاق بن همام الصنعاني (126 - 211هـ)، ت: حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط2، 1403هـ.
47. المعجم الأوسط: للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (260 - 360هـ)، ت: طارق بن عوض الله، دار الحرمين، القاهرة، 1415هـ.
48. المعجم الكبير: لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطَّبَرَاني (260 - 360هـ)، ت: حمدي السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، ط2، 1404هـ.
49. معنى قول الإمام المطلبي: لعلي بن عبد الكافي السبكي (ت756هـ)، ت: علي نايف بقاعي، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط1، 1413هـ.
50. مقدمة نصب الراية: لمحمد زاهد بن الحسن الكوثري (ت1371هـ)، ضمن مقدمات الكوثري، دار الثريا، دمشق، ط1، 1997م.
51. مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث: لمحمد عبد الرشيد النعماني، ت: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب، ط4، 1416هـ.
52. المنتقى من السنن المسندة: لعبد الله بن علي بن الجارود (ت307هـ)، مؤسسة الكتاب الثقافية، بيروت، ط1، 1408هـ.
53. الموسوعة الفقهية الكويتية: لجماعة من العلماء، تصدرها وزارة الأوقاف الكويتية.
54. موطأ مالك: لمالك بن أنس الأصبحي (93 - 179هـ)، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، مصر.
55. الميزان الشعرانية المدخلة لجميع أقوال الأئمة المجتهدين ومقلديهم في الشريعة المحمدية (الميزان الكبرى): لعبد الوهاب بن أحمد الشعراني (ت973هـ)، دار العلم للجميع، ط1.
56. نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية: لعبد الله بن يوسف الزَّيْلَعِي (ت762هـ)، ت: محمد يوسف البنوري، دار الحديث، مصر، 1357هـ.
57. نظم المتناثر من الحديث المتواتر: لأبي عبد الله محمد بن أبي الفيض جعفر بن إدريس الحسني الإدريسي الشهير بـ الكتاني (ت: 1345هـ)، ت: شرف حجازي، دار الكتب السلفية، مصر، ط2.
58. نور الأنوار شرح المنار: لأحمد بن أبي سعيد الصديقي الميهوي الحنفي المعروف بـ (ملا جيون) (ت1130هـ)، المطبعة الأميرية ببولاق، مصر، 1316هـ.
59. الهسهسة بنقض الوضوء بالقهقهة: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، مطبع دبدبة أحمدي، لكنو، 1303هـ، وأيضاً: بتحقيق: د. صلاح محمد أبو الحاج، تحت الطبع.
• • •