إرواء الظمآن ...........
............. فتح المنان
جارٍ تحميل الكتاب…
إرواء الظمآن ...........
............. فتح المنان
إرواء الظمآن
في اختصار مناهل العرفان في علوم القرآن
لمحمد عبد العظيم الزرقاني (ت 1367 هـ)
ويليه
فتح المنان
من التبيان في آداب حملة القرآن
لمحيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت 676 هـ)
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله منزل الفرقان وهادي الأنام، والصلاة والسلام على سيد العالمين، المبلغ لأي الذكر الحكيم، وعلى آله وصحبه أجمعين، حملة هذا القرآن العظيم، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين في الذَّبِّ عن دين ربِّ العالمين.
وبعد:
فإن إحدى المساقات في برنامج البكالوريوس والدبلوم المتوسط هي علوم القرآن، وقد كثرت التأليفات فيها بين المعاصرين بما لا يمكن حصره، ولكننا أحببنا أن يكون لكليتنا منهاج فيها متوافق مع بقية مناهجها، فلا يخالف في طياته طريق أهل السنة الفكري.
ويجمع في أوراقه زبدة وعصارة ما ينبغي للطالب أن يقف عليه من علوم القرآن معتمدين على أهل الثقة والعرفان، ومن المعلوم أن أشهر التأليفات عند المتقدمين فيه هي «الإتقان في علوم القرآن» للسيوطي، و «البرهان في علوم القرآن» للزركشي، وأوسعها «الزيادة والإحسان في علوم القرآن» لبعقيلة الحنفي.
ومن أفضل مؤلفات المتأخرين كتاب «مناهل العرفان في علوم القرآن» لمحمد عبد العظيم الزرقاني (ت 1367 هـ ـ 1948 م)، فقد شاع ذكره وانتشر صيته، لكن فيه إطالة وأبحاث يستغني عنها الدارس وتورث الملل.
فرأيت من المناسب أن أعتكف عليه اختصاراً وتهذيباً وترتيباً، فاستخلصت منه مائة وخمسين صحيفة مع أنّ أصله قارب ثمانمئة وخمسين صحيفة، ثم أضفتُ إليه فوائد اقتنصتها من «الإتقان» للسيوطي، و «الزيادة والإحسان» لبعقيلة الحنفي، و «علوم القرآن» لنور الدين عتر.
وذلك كان كل ما لم أوثقه فهو مأخوذ من «مناهل العرفان».
وسميته:
«إرواء الظمآن في اختصار مناهل العرفان في علوم القرآن»
ولما لم يتعرض الزَّرقانيّ لآداب حامل القرآن، وكان الكتاب المنظور إليه في هذا الباب كتاب الإمام النووي «التبيان في آداب حامل القرآن»، فقد صرفتُ عنان اهتمامي إليه، في إعادة ترتيبه وتهذيبه وتوثيقه، فاستخرجت منه زبدة نافعة تشمل على عامة ما فيه مما يتعلق بآداب القرآن، ذكرتها في المبحث الأخير من الكتاب.
وسميته:
«فتح المنان من التبيان في آداب حملة القرآن»
سائلاً المولى أن يتقبلهما كما تقبّل أصلهما، وأن ينفع بهما ويشيع ذكرهما في البلاد وبين العباد.
وكان هذا السفر في ثمانية عشر مبحثاً على النحو الآتي:
المبحث الأول: في معنى علوم القرآن.
والمبحث الثاني: في تدوين علوم القرآن.
والمبحث الثالث: في نزول القرآن.
والمبحث الرابع: في أول ما نزل وآخر ما نزل من القرآن.
والمبحث الخامس: في أسباب النزول.
والمبحث السادس: في نزول القرآن على سبعة أحرف.
والمبحث السابع: في المكي والمدني من القرآن الكريم.
والمبحث الثامن: في جمع القرآن وتاريخه.
والمبحث التاسع: في ترتيب آيات القرآن وسوره.
والمبحث العاشر: في كتابة القرآن ورسمه ومصاحفه.
والمبحث الحادي عشر: في القراءات والقراء.
والمبحث الثاني عشر: في التفسير والمفسرين وما يتعلق بهما.
والمبحث الثالث عشر: في ترجمة القرآن وحكمها تفصيلاً.
والمبحث الرابع عشر: في النسخ.
والمبحث الخامس عشر: في محكم القرآن ومتشابهه.
والمبحث السادس عشر: في أسلوب القرآن الكريم.
والمبحث السابع عشر: في إعجاز القرآن وما يتعلق به.
والمبحث الثامن عشر: في آداب القرآن.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
في صويلح، عمان، الأردن ... الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
بتاريخ 9 ـ 6 ـ 2019 م ... عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
تمهيد:
* أولاً: أنواع علوم القرآن:
ذكر السُّيوطي (ت 911 هـ) في «الإتقان» ثمانين نوعاً من علوم القرآن، ثم قال (¬1): «فهذه ثمانون نوعاً على سبيل الإدماج، ولو نوعت باعتبار ما أدمجته في ضمنها لزادت عن الثلاثمائة».
واستقصى بعقيلة الحنفي (ت 1150 هـ) في «الزيادة والإحسان في علوم القرآن» أنواع علوم القرآن، فأوصلها إلى أربعة وخمسين ومئة، فقال (¬2): «واخترعت كثيراً من الأنواع اللطيفة، والفوائد الشريفة، هذا على سبيل الإدماج والإجمال، ولو فصلتها، لزادت على أربعمائة نوع، وهذه الأنواع عليك تجلى، وعلى مسامعك تتلى:
النوع الأول: علم وحي القرآن وماهو.
الثاني: علم وحي القرآن وحقيقة الوحي.
الثالث: علم أنواع الوحي.
الرابع: علم بدء الوحي.
الخامس: علم صفة حال النبي - صلى الله عليه وسلم - حال ينزل عليه الوحي.
¬
(¬1) في الإتقان 1: 27.
(¬2) في الزيادة والإحسان 1: 90 ـ 99.
السادس: علم كيفية استعجال النبي - صلى الله عليه وسلم - بحفظ الوحي قبل أن يتممه جبريل - عليه السلام -، ونهي الله - عز وجل - له عن ذلك.
السابع: علم نزول القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا.
الثامن: علم معنى نزوله وإنزاله وتنزيله.
التاسع: علم أول ما نزل.
العاشر: علم آخر ما نزل.
الحادي عشر: علم أول من نزل بالقرآن.
الثاني عشر: علم اليوم الذي أنزل فيه القرآن، وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك الوقت.
الثالث عشر: علم مقدار فترة الوحي وحكمة الفترة.
الرابع عشر: علم المكي والمدني.
الخامس عشر: علم الآيات المحكمة في السور المدنية، والآيات المدنية في السور المكية.
السادس عشر: علم ما نزل بمكة وحكمه مدني وبالعكس.
السابع عشر: علم الأماكن التي أنزل فيها القرآن.
الثامن عشر: علم الأرضي والسمائي.
التاسع عشر: علم ما نزل نهاراً وما نزل ليلاً.
العشرون: علم الصيفي منه والشتائي.
الحادي والعشرون: علم الحضري والسفري.
الثاني والعشرون: علم الفراشي والنومي.
الثالث والعشرون: علم أسباب النزول.
الرابع والعشرون: علم ما نزل موافقاً لقول قائل.
الخامس والعشرون: علم ما تكرر نزوله.
السادس والعشرون: علم ما تأخر حكمه عن نزوله، وما تأخر نزوله عن حكمه.
السابع والعشرون: علم ما نزل مفرقاً وما نزل مجتمعاً.
الثامن والعشرون: علم ما نزل مشيعاً وما نزل مفرداً.
التاسع والعشرون: علم ما نزل على بعض الأنبياء وما لم ينزل.
الثلاثون: علم أسماء القرآن.
الحادي والثلاثون: علم أسماء سور القرآن.
الثاني والثلاثون: علم إعراب سور القرآن.
الثالث والثلاثون: علم معرفة إعراب القرآن.
الرابع والثلاثون: علم معاني الأحرف المقطعات التي في أوائل السور.
الخامس والثلاثون: علم الأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها ما هي.
السادس والثلاثون: علم الظاهر والباطن والحد والمطلع.
السابع والثلاثون: علم جمع القرآن وترتيبه.
الثامن والثلاثون: علم عدد السور والآيات والكلمات والحروف القرآنية.
التاسع والثلاثون: علم فضائل القرآن مجملاً.
الأربعون: علم فضائل السور مفصلاً.
الحادي والأربعون: علم أفضل القرآن وفاضله.
الثاني والأربعون: علم آداب القرآن وآداب تاليه.
الثالث والأربعون: علم إهداء ثواب القرآن للأنبياء وغيرهم.
الرابع والأربعون: علم الاقتباس من القرآن العظيم.
الخامس والأربعون: علم خواص القرآن.
السادس والأربعون: علم رسم الخط.
السابع والأربعون: علم ما اختلف فيه مصاحف أهل الأمصار بالإثبات والحذف.
الثامن والأربعون: علم ما اتفقت على رسمه مصاحف أهل العراق.
التاسع والأربعون: علم ما اختلفت فيه مصاحف أهل الحجاز والعراق والشام بالزيادة والنقصان.
الخمسون: علم نقط المصحف وشكله، ومن نقطه أولاً من التابعين، ومن كره ذلك، ومن ترخص فيه من العلماء.
الحادي والخمسون: علم أدب كتابة المصحف.
الثاني والخمسون: علم حفاظه ورواته.
الثالث والخمسون: علم القراء المشهورين بقراءة القرآن وأسمائهم.
الرابع والخمسون: علم رواة أئمة القراء.
الخامس والخمسون: علم رجال هؤلاء الأئمة الذين أدوا إليهم القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
السادس والخمسون: علم إسناد القراءة ومعرفة العالي والنازل من أسانيدها.
السابع والخمسون: علم المتواتر.
الثامن والخمسون: علم المشهور وعلم الآحاد.
التاسع والخمسون: علم الشاذ.
الستون: علم المدرج والموضوع.
الحادي والستون: علم المسلسل من القرآن.
الثاني والستون: علم المقبول من القراءة والمردود، وسبب الحصر في قراء معدودين.
الثالث والستون: علم حكمة الاختلاف في القراءة.
الرابع والستون: علم تعريف علم القراءة وموضعه، وفائدته.
الخامس والستون: علم حقيقة الحروف القرآنية وعددها.
السادس والستون: علم مخارج الحروف.
السابع والستون: علم صفات الحروف.
الثامن والستون: علم تراكيب الحروف، ومعرفة النطق بها مع التركيب.
التاسع والستون: علم تجويد القرآن.
السبعون: علم تحسين الصوت بالقراءة، والتغني بالقرآن.
الحادي والسبعون: علم كيفية تحمله.
الثاني والسبعون: علم كيفية الأخذ بالجمع في القراءة.
الثالث والسبعون: علم كيفية الاستعاذة.
الرابع والسبعون: علم البسملة.
الخامس والسبعون: علم التكبير.
السادس والسبعون: علم الوقف.
السابع والسبعون: علم ما يوقف به.
الثامن والسبعون: علم الوقف على مرسوم المصحف العثماني.
التاسع والسبعون: علم الموصول لفظاً والمفصول معنى.
الثمانون: علم فواصل الآي.
الحادي والثمانون: علم الإدغام والإظهار والإخفاء والإقلاب.
الثاني والثمانون: علم الإمالة والفتح وما بينهما.
الثالث والثمانون: علم المد والقصر.
الرابع والثمانون: علم تخفيف الهمز.
الخامس والثمانون: علم أحكام النون الساكنة والتنوين.
السادس والثمانون: علم هاء الكناية.
السابع والثمانون: علم أحكام الراء في التفخيم والترقيق
الثامن والثمانون: علم أحكام اللامات تفخيماً وترقيقاً.
التاسع والثمانون: علم أحكام ياءات الإضافة.
التسعون: علم ياءات الزوائد.
الحادي والتسعون: علم اختلاف القراء من أوجه القراءة.
الثاني والتسعون: علم توجيه القراءات.
الثالث والتسعون: علم قراءة النبي صلى الله عليه وسلم.
الرابع والتسعون: علم أحكام المصلي إذا أخطأ في القراءة.
الخامس والتسعون: علم آيات الأحكام المائة.
السادس والتسعون: علم محكمه ومتشابهه.
السابع والتسعون: علم خاصه وعامه.
الثامن والتسعون: علم مشتركه ومؤوله.
التاسع والتسعون: علم ظاهره وخفيه.
المائة: علم نصه ومشكله.
الحادي بعد المائة: علم مفسره ومجمله.
الثاني بعد المائة: علم منطوقه ومفهومه.
الثالث بعد المائة: علم مطلقه ومقيده.
الرابع بعد المائة: علم مقدمه ومؤخره.
الخامس بعد المائة: علم ما أوهم التناقض والتعارض.
السادس بعد المائة: علم معرفة وجوهه ونظائره.
السابع بعد المائة: علم وجوه مخاطباته.
الثامن بعد المائة: علم ناسخه ومنسوخه.
التاسع بعد المائة: علم حقيقته ومجازه.
العاشر بعد المائة: علم صريحه وكنايته.
الحادي عشر بعد المائة: علم تشبيه القرآن.
الثالث عشر بعد المائة: علم استعارته.
الثالث عشر بعد المائة: علم أحوال الإسناد والمسند إليه.
الرابع عشر بعد المائة: علم أحوال المسند وأحوال متعلقات الفعل.
الخامس عشر بعد المائة: علم حصره واختصاصه.
السادس عشر بعد المائة: علم خبره وإنشائه.
السابع عشر بعد المائة: علم فصله ووصله.
الثامن عشر بعد المائة: علم إيجازه وإطنابه ومساواته.
التاسع عشر بعد المائة: علم بديعه.
العشرون بعد المائة: علم فواتح السور.
الحادي والعشرون بعد المائة: علم خواتم السور.
الثاني والعشرون بعد المائة: علم مناسبات الآيات والسور.
الثالث والعشرون بعد المائة: علم الآيات والمتشاكلات المتقاربات.
الرابع والعشرون بعد المائة: علم لطائف القرآن وأسراره ونكته وفوائده.
الخامس والعشرون بعد المائة: علم أسرار تكرار قصص القرآن، وبيان الحكمة والسر في ذلك.
السادس والعشرون بعد المائة: علم إعجاز القرآن.
السابع والعشرون بعد المائة: علم مفردات القرآن.
الثامن والعشرون بعد المائة: علم معرفة العلوم المستنبطة من القرآن.
التاسع والعشرون بعد المائة: علم أقسام القرآن.
الثلاثون بعد المائة: علم جدل القرآن.
الحادي والثلاثون بعد المائة: علم مَن ذكر من الأنبياء عليهم السلام في القرآن العظيم صريحاً وبالإشارة.
الثاني والثلاثون بعد المائة: علم تاريخ الأنبياء عليهم السلام المذكورين في القرآن، وبيان المتقدم منهم والمتأخر.
الثالث والثلاثون بعد المائة: علم ما وقع في القرآن العظيم من الأسماء والكنى والألقاب.
الرابع والثلاثون بعد المائة: علم مبهمات القرآن.
الخامس والثلاثون بعد المائة: علم أسماء من نزل فيهم القرآن.
السادس والثلاثون بعد المائة: علم قصص الأنبياء عليهم السلام المذكورين في القرآن.
السابع والثلاثون بعد المائة: علم من ذكر في القرآن العظيم من الأمم والملوك غير الأنبياء عليهم السلام.
الثامن والثلاثون بعد المائة: علم أمثال القرآن.
التاسع والثلاثون بعد المائة: علم مواعظ القرآن.
الأربعون بعد المائة: علم حكم القرآن.
الحادي والأربعون بعد المائة: علم حقائق القرآن.
الثاني والأربعون بعد المائة: علم معرفة تفسيره وتأويله والحاجة إليه.
الثالث والأربعون بعد المائة: علم معرفة شروط المفسر وآدابه.
الرابع والأربعون بعد المائة: علم معاني الأدوات التي يحتاج إليها المفسر.
الخامس والأربعون بعد المائة: علم قواعد مهمة يحتاج المفسر إلى معرفتها.
السادس والأربعون بعد المائة: علم تفسير القرآن بالأحاديث الصحيحة.
السابع والأربعون بعد المائة: علم تفسير ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من التفاسير المصرح برفعها إليه.
الثامن والأربعون بعد المائة: علم معرفة غريبه.
التاسع والأربعون بعد المائة: علم الاستشهاد على القرآن بشعر العرب.
الخمسون بعد المائة: علم ما وقع فيه بغير لغة الحجاز.
الحادي والخمسون بعد المائة: علم ما وقع في القرآن العزيز بغير لغة العرب.
الثاني والخمسون بعد المائة: علم غرائب التفسير الغير مقبولة.
الثالث والخمسون بعد المائة: علم طبقات المفسرين.
الرابع والخمسون بعد المائة: علم آداب ختم القرآن».
* ... * ... *
* ثانياً: علوم القرآن اشتملت العلوم التي اعتنت بالقرآن:
القرآن الكريم دستور الخالق لإصلاح الخلق، وقانون السماء لهداية الأرض، أنهى إليه منزله كلّ تشريع، وأودعه كلّ نهضة وناط به كلّ سعادة،
وهو حجة الرسول، وآيته الكبرى يقوم في فم الدنيا شاهداً برسالته ناطقاً بنبوته، دليلاً على صدقه وأمانته.
وهو ملاذ الدين الأعلى، يستند الإسلام إليه في عقائده وعباداته وحكمه وأحكامه وآدابه وأخلاقه وقصصه ومواعظه وعلومه ومعارفه، وهو عماد لغة العرب الأسمى تدين له اللغة العربية في بقائها وسلامتها، وتستمد علومها منه على تنوعها وكثرتها وتفوق سائر اللغات العالمية به في أساليبها ومادتها.
وهو أولاً وآخراً القوة المحولة التي غيرت صورة العالم، ونقلت حدود الممالك وحولت مجرى التاريخ وأنقذت الإنسانية العاثرة، فكأنما خلقت الوجود خلقاً جديداً؛ لذلك كله كان القرآن الكريم موضع العناية الكبرى من الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته - رضي الله عنهم -، ومن سلف الأمة وخلفها جميعاً إلى يوم الناس.
هذا وقد اتخذت هذه العناية أشكالاً مختلفة فتارةً ترجع إلى لفظه وأدائه، وأُخرى إلى أسلوبه وإعجازه، وثالثة إلى كتابته ورسمه، ورابعة إلى تفسيره وشرحه إلى غير ذلك.
ولقد أفرد العلماء كلّ ناحية من هذه النواحي بالبحث والتأليف ووضعوا من أجلها العلوم، ودونوا الكتب، وتباروا في هذا الميدان الواسع أشواطاً بعيدة حتى زخرت المكتبة الإسلامية بتراث مجيد من آثار سلفنا الصالح وعلمائنا
الأعلام، وكانت هذه الثروة ولا تزال مفخرةً نتحدى بها أمم الأرض، ونفحم بها أهل الملل والنحل في كل عصر ومصر.
وهكذا أصبح بين أيدينا الآن مصنفات متنوعة وموسوعات قيمة فيما نسميه علم القراءات، وعلم التجويد، وعلم النسخ العثماني، وعلم التفسير، وعلم الناسخ والمنسوخ، وعلم غريب القرآن، وعلم إعجاز القرآن، وعلم إعراب القرآن، وما شاكل ذلك من العلوم الدينية والعربية، مما يعتبر بحقّ أروع مظهر عرفه التاريخ لحراسة كتاب هو سيد الكتب، وبات هذا المظهر معجزةً جديدةً مصدقةً؛ لقوله سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون} [الحجر:9].
ولقد أنجبت تلك العلوم الآنفة وليداً جديداً هو مزيج منها جميعاً، وسليل لها جميعا فيه مقاصدها وأغراضها وخصائصها وأسرارها، وقد أسموه «علوم القرآن»، وهو موضوع دراستنا في هذا الكتاب.
وننبه أنّ القرآن الكريم كتابُ هداية وإعجاز، من أجل هذين المطمحين نزل، وفيهما تحدَّث، وعليهما دلّ، فكلُّ علم يتصل بالقرآن من ناحية قرآنيته، أو يتصل به من ناحية هدايته، أو إعجازه، فذلك من علوم القرآن، وهذا ظاهر في العلوم الدينية والعربية.
أما العلوم الكونية وأما المعارف والصنائع وما جد أو يجد في العالم من فنون ومعارف كعلم الهندسة والحساب وعلم الفلك وعلم الاقتصاد والاجتماع وعلم الطبيعة والكيمياء وعلم الحيوان والنبات، فإن شيئاً من ذلك لا يعتبر من علوم القرآن؛ لأنّ القرآن لم ينزل ليدلل على نظرية من نظريات الهندسة مثلاً، ولا ليقرر
قانونا من قوانينها، وهكذا القول في سائر العلوم الكونية والصنائع العالمية، وإن كان القرآن قد دعا المسلمين إلى تعلمها وحذقها والتمهر فيها خصوصا عند الحاجة إليها؛ لأن هناك فرقاً كبيراً بين الشيء يحث القرآن على تعلمه في عموماته أو خصوصاته وبين العلم يدل القرآن على مسائله أو يرشد إلى أحكامه أو يكون ذلك العلم خادماً للقرآن بمسائله أو أحكامه أو مفرداته.
وطريقة القرآن في عرضه للهداية والإعجاز على الخلق، قد حاكم الناس إلى عقولهم وفتح عيونهم إلى الكون، وما في الكون من سماء وأرض وبر وبحر وحيوان ونبات وخصائص وظواهر ونواميس وسنن، وكان القرآن في طريقة عرضه هذه موفقاً كلّ التوفيق، بل كان معجزاً أبهر الإعجاز؛ لأن حديثه عن تلك الكونيات كان حديث العليم بأسرارها الخبير بدقائقها المحيط بعلومها ومعارفها.
* ... * ... *
المبحث الأول
في معنى علوم القرآن
يطلق العلم على المسائل المضبوطة بجهة واحدة.
ونعرض معنى علوم القرآن في النقاط الآتية:
* أولاً: معنى القرآن لغة واصطلاحاً:
نذكر معنى أشهر أسمائه في اللغة وهي: القرآن، والفرقان، والكتاب، والذِّكر، والمصحف:
القرآن: مصدر قرأ، فقرأت الكتاب قراءةً وقُرآناً، ومنه سُمِّيَ القرآن، قال ابن الأثير: «الأصل في هذه اللفظة: الجمع، وكل شيء جمعته فقد قرأته، وسُمِّي القرآن؛ لأنَّه جمع القَصص، والأمر، والنَّهي، والوعد، والوعيد، والآيات والسُّور بعضها إلى بعض، وهو مصدر كالغُفران والكُفران» (¬1)، وقد ورد لفظ القرآن في آيات عديدة منها: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [النساء:82]، {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ} [الأعراف:204].
ويُسمّى الفرقان، وهو مصدر، تقول: فرق، يفرق، فرقاً، وفرقاناً، وسُمِّيَ
¬
(¬1) ينظر: لسان العرب 5: 3563.
القرآن فرقاناً؛ لأنَّ الله فرَّق به بين الحق والباطل، والهدى والضَّلال، والإيمان والكفر، والمؤمن والكافر (¬1)، قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان:1].
قال الزَّرقانيّ: «إن هذين الاسمين هما أشهر أسماء النظم الكريم، بل جعلهما بعض المفسرين مرجع جميع أسمائه، كما ترجع صفات الله على كثرتها إلى معنى الجلال والجمال، ويلي هذين الاسمين في الشهرة هذه الأسماء الثلاثة: «الكتاب» و «الذكر» و «التنزيل»».
ويُسَمَّى الكتاب، وهو مصدر بمعنى المكتوب: أي كُلّ ما يكتب، ويطلق على الكتاب المُنَزَّل (¬2)، وَكَتَبَ بمعنى جمع وضم كما في قرأ، ومن الآيات التي ورد فيها: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِين} [البقرة:2]، {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} [آل عمران:7].
قال الخالدي (¬3): «أشهر اسمين لكتاب الله هما: القرآن والكتاب، وقد عرفنا إشارة القرآن للجمع اللفظي للقرآن، وإشارة الكتاب للجمع الكتابي له، وهناك حكمة تبدو لنا من تسميته بكل من القرآن والكتاب: أنَّهما يوحيان لنا بوسيلتين لحفظ القرآن، وهما: وسيلة القراءة والحفظ، ووسيلة الكتابة والتَّدوين ... ولقد ألهم الله المسلمين هاتين الوسيلتين لحفظ كلامه، حيث كانوا يحفظونه حفظاً متقناً، وكانوا يكتبونه في المصحف .. ».
¬
(¬1) ينظر: هذا القرآن ص31 - 35.
(¬2) ينظر: المصباح المنير ص525.
(¬3) في هذا القرآن ص28 - 29:
ويُسمّى الذِّكر، وهو مصدر، تقول: ذكرت، أذكر، ذكراً، ووجه تسمية القرآن ذكراً؛ لما فيه من المواعظ والزَّواجر والموقظات التي تُذَكِّر قارئه، وتوقظ قلبه، وتصله بالله، وتزجره عن المعاصي، ومن الآيات التي ورد فيها: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون} [الحجر:9]، {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ} [النحل:44].
ويسمّى: المصحف، والمصحف حقيقته مجمع الصُّحف، وسمّوا القرآن مصحفاً؛ لأنَّه كان متفرقاً في صحائف أولاً فجمعوه بين الدَّفتين وسمّوه به، ويجوز أن يسمى غيره بهذا الاسم إذا وجد هذا المعنى (¬1).
واصطلاحاً:
للقرآن تعاريف عديدة يتحقق المقصود بها، ومنها:
1.المُنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، المكتوب في المصاحف، المنقول عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، نقلاً متواتراً بلا شُبهة (¬2).
واحترز بقوله: المُنزل؛ عن غير الكتب السَّماوية، وعن الوحي الذي ليس بمتلو؛ لأنَّ المراد من المُنزل ما أنزل نظمه ومعناه، والوحي الذي ليس بمتلو لم ينزل إلا معناه.
وبقوله: على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ عما أُنزل على غيره من الأنبياء عليهم السَّلام من التَّوراة والإنجيل والزَّبور أو نحوها.
وبقوله: المكتوب في المصاحف؛ عما نُسِخت تلاوته وبقيت أحكامه: كآية
¬
(¬1) ينظر: كشف الأسرار للبخاري 1: 22، وفتح الغفار 1: 10.
(¬2) ينظر: أصول البزدوي 1: 5، والمنار 1: 22.
الرَّجم، فعن عمر - رضي الله عنه -: «لولا أن يقول النَّاس زاد عمر في كتاب الله لكتبت آية الرَّجم بيدي» (¬1).
وبقوله: المنقول عنه نقلاً متواتراً؛ عمّا اختصّ بمثل مصحف أُبيّ وغيره مما نقل بطريق الآحاد، نحو قوله: فَعِدَّة من أيام أخر متتابعات (¬2).
وبقوله: بلا شبهة؛ عما اختص بمثل مصحف ابن مسعود - رضي الله عنه - مما نقل بطريق الشُّهرة، وهذا على قول الجصَّاص ظاهر، فإنَّه جعل المشهور أحد قسمي المتواتر، وعلى قول غيره يكون قوله: نقلاً متواتراً، احترازاً عن المشهور والآحاد، وقوله: بلا شبهة؛ تأكيداً، وهذا الموضع صالح للتأكيد؛ لقوة شبه المشهور بالمتواتر (¬3).
¬
(¬1) في صحيح البخاري 6: 2503، وذكر أنَّ أية الرَّجم هي: الشَّيخ والشَّيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله، فعن كثير بن الصلت قال: كان بن العاص وزيد بن ثابت يكتبان المصاحف فمروا على هذه الآية، فقال زيد - رضي الله عنه -: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: الشَّيخ والشَّيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، فقال عمر - رضي الله عنه -: لما أُنزلت هذه أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت أكتبنيها، قال شعبة: فكأنَّه كره ذلك، فقال: عمر ألا ترى أنَّ الشَّيخ إذا لم يحصن جلد وأنَّ الشَّاب إذا زنى وقد أحصن رجم» في مسند أحمد 5: 183، وعلَّق عليه الأرنؤوط بقوله: رجاله ثقات رجال الشَّيخين غير كثير بن الصلت فقد روى له النَّسائي وهو ثقة، قال البخاري في صحيحه عن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال عمر: «لقد خشيت أن يطول بالنَّاس زمان حتى يقول قائل: لا نجد الرَّجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإنَّ الرَّجم حقّ على من زنى، وقد أحصن إذا قامت البينة أو كان الحمل أو الاعتراف، قال سفيان: كذا حفظت ألا وقد رجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجمنا بعده».
(¬2) فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: «نزلت فعدَّة من أيام أخر متتابعات فسقطت متتابعات» في مصنف عبد الرَّزاق 4: 241، وسنن الدَّارقطني 1: 162، وصححه.
(¬3) ينظر: كشف الأسرار للبخاري 1: 22 - 24، وكشف الأسرار للنَّسفي 1: 11 - 12، ونور الأنوار 1: 11 - 13، وفتح الغفار 1: 9 - 111، وشرح ابن العيني ص8 - 9، وغيرها.
2.ما نقل إلينا بين دفتي المصاحف تواتراً (¬1).
فخرج سائر الكتب والأحاديث الإلهية والنَّبوية والقراءة الشَّاذة (¬2).
3.النَّظم المُنزل على رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - المنقول عنه تواتراً (¬3).
والنَّظم: هو الموضوع لمعنى مفرداً كان أو مركباً (¬4).
4.اللفظ المنزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - المنقول عنه بالتواتر المتعبد بتلاوته.
وخرج بالمنزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لم ينزل أصلاً مثل كلامنا، ومثل الحديث النبوي، وما نزل على غير النبي كالتوراة والإنجيل.
وخرج بالمنقول تواتراً جميع ما سوى القرآن من منسوخ التلاوة والقراءات غير المتواترة.
* ثانياً: القرآن كلام الله - عز وجل - النفسي:
معلومٌ أنّ القرآن كلام الله، وأن كلام الله غيرُ كلام البشر ما في ذلك ريب، ومعلومٌ أيضاً أن الإنسان له كلامٌ قد يُراد به المعنى المصدري: أي التَّكلُّم، وقد يُراد به المعنى الحاصل بالمصدر أي المتكلَّم به، وكلٌّ من هذين المعنيين لفظيٌّ ونفسيٌّ،
فالكلامُ البشري اللفظي بالمعنى المصدري، هو تحريك الإنسان للسانه وما يُساعده في إخراج الحروف من المخارج.
¬
(¬1) ينظر: التنقيح 1: 46.
(¬2) ينظر: التوضيح 1: 46.
(¬3) ينظر: مرقاة الوصول ص33.
(¬4) ينظر: مرآة الأصول ص33.
والكلامُ اللفظيٌّ بالمعنى الحاصل بالمصدر هو تلك الكلمات المنطوقة التي هي كيفية في الصَّوت الحسي، وكلا هذين، ظاهرٌ لا يحتاج إلى توضيح.
أمَّا الكلام النفسي بالمعنى المصدري فهو تحضير الإنسان في نفسه بقوته المتكلمة الباطنة للكلمات التي لم تبرز إلى الجوارح، فيتكلَّم بكلمات متخيّلة يُرتبُها في الذِّهن، بحيث إذا تلفظ بها بصوتٍ حسيٍّ كانت طبق كلماته اللفظية.
والكلامُ النَّفسيُّ بالمعنى الحاصل بالمصدر هو تلك الكلمات النَّفسية والألفاظ الذَّهنية المترتبة ترتباً ذهنياً منطبقاً عليه الترتب الخارجي.
ومن الكلام البشري النفسي بنوعيه قوله تعالى: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ} [يوسف:77].
فعن أم سلمة رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد سأله رجل فقال: «إني لأحدث نفسي بالشيء لو تكلَّمت به لأحبطت أجري، فقال - صلى الله عليه وسلم -: لا يلقى ذلك الكلام إلا مؤمن» (¬1)، فأنت ترى أن النبي سمَّى ذلك الشَّيء الذي تحدَّثت به النَّفس كلاماً مع أنه كلمات ذهنية لم يَنطق بها الرَّجل مخافة أن يَحبط بها أَجره، وهذا الإطلاق من النبي - صلى الله عليه وسلم - يحمل على الحقيقة؛ لأنها الأصل، ولا صارف عنها.
كذلكم القرآن كلامُ الله، ولله المثل الأعلى، قد يُطلق ويُراد به الكلام النفسي، وقد يُطلق ويراد به الكلام اللفظي، والذين يطلقونه إطلاق الكلام النَّفسي هم المتكلمون فحسب؛ لأنهم المتحدثون عن صفات الله تعالى النَّفسية من
¬
(¬1) في المعجم الأوسط3: 371.
ناحية، والمقررون لحقيقة أن القرآن كلام الله غير مخلوق من ناحية أخرى.
أمّا الذين يطلقونه إطلاق الكلام اللفظي، فالأصوليون والفقهاء وعلماء العربية وإن شاركهم فيه المتكلمون أيضاً.
وإنما عني الأصوليون والفقهاء بإطلاق القرآن على الكلام اللفظي؛ لأنّ غرضهم الاستدلال على الأحكام، وهو لا يكون إلا بالألفاظ.
وكذلك علماء العربية يعنيهم أمر الإعجاز فلا جرم كانت وجهتهم الألفاظ،
والمتكلمون يعنون أيضاً بتقرير وجوب الإيمان بكتب الله المنزلة، ومنها القرآن وبإثبات نبوة الرسول بمعجزة القرآن، وبدهي أن ذلك كله مناطه الألفاظ.
ثمّ إن المتكلمين حين يطلقونه على الكلام النفسي يلاحظون أمرين:
1.أن القرآن علمٌ: أي كلام ممتاز عن كلّ ما عداه من الكلام الإلهي.
2.أنه كلامُ الله، وكلامُ الله قديمٌ غيرُ مخلوق، فيجب تنزهه عن الحوادث، وأعراض الحوادث، وقد علمت أن الكلام النفسي البشري يطلق بإطلاقين أحدهما على المعنى المصدري، وثانيهما على المعنى الحاصل بالمصدر، فكذلك كلام الله النفسي يطلق بإطلاقين أحدهما على نظير المعنى المصدري للبشر، وثانيهما على نظير المعنى الحاصل بالمصدر للبشر، وإنّما قلنا على نظير لما هو مقرَّر من وجوب تنزه الكلام الإلهي النفسي عن الخلق، وأشباه الخلق، فعرفوه بالمعنى الأول الشبيه بالمعنى المصدري البشري.
وقالوا: إنه الصفة القديمة المتعلقة بالكلمات الحكمية، من أول الفاتحة إلى
آخر سورة الناس، وهذه الكلمات أزلية مجردة عن الحروف اللفظية والذهنية والروحية، وهي مترتبةٌ غيرُ متعاقبة كالصورة تنطبع في المرآة مترتبة غير متعاقبة.
ومعنى «حكمية» أنها ليست ألفاظا حقيقية مصورة بصورة الحروف والأصوات.
ومعنى «أزلية» أنها قديمة.
ومعنى «مجردة» أي عن الحروف اللفظية والذهنية والروحية؛ لينفوا عنها أنها مخلوقة.
ومعنى «غير متعاقبة»؛ لأنَّ التعاقب يستلزم الزمان، والزمان حادث،
وأثبتوا لها الترتب ضرورة أنّ القرآن حقيقة مترتبة، بل ممتازة بكمال ترتبها وانسجامها.
قال بعقيلة الحنفيّ (¬1): «القرآن باعتبار الوجود الذهني محفوظ في الصدور، وباعتبار الوجود اللساني مقروء بالألسنة، وباعتبار الوجود الكتابي مكتوب في المصاحف، وباعتبار الوجود الخارجي وهو المعنى القائم بالذات المقدسة، ليس بالصدور، ولا بالألسنة، ولا في المصاحف».
* ثالثاً: معنى علوم القرآن كفن مدون وموضوعه وفائدته:
1.تعريف علوم القرآن:
مباحث تتعلق بالقرآن الكريم من ناحية نزوله وترتيبه وجمعه وكتابته وقراءته وتفسيره وإعجازه وناسخه ومنسوخه ودفع الشبه عنه ونحو ذلك.
¬
(¬1) في الزيادة والإحسان1: 103.
2.موضوعه:
هو مجموع موضوعات تلك العلوم المنضوية تحت لوائه وموضوع كل واحد منها هو القرآن الكريم من ناحية واحدة من تلك النواحي، فعلم القراءات مثلاً موضوعه القرآن الكريم من ناحية لفظه وأدائه وعلم التفسير موضوعه القرآن الكريم من ناحية شرحه ومعناه وهلم جرا.
3.فائدته:
ترجع إلى الثقافة العالية العامة في القرآن الكريم، وإلى التسلح بالمعارف القيمة فيه استعداداً لحسن الدفاع عن حمى الكتاب العزيز، ثم إلى سهولة خوض غمار تفسير القرآن الكريم به: كمفتاح للمفسرين.
* * *
المبحث الثاني
تدوين علوم القرآن
ونعرضه في النقاط الآتية:
* أولاً: علوم القرآن قبل التدوين:
كان الرسول وأصحابه يعرفون عن القرآن وعلومه ما عرف العلماء وفوق ما عرف العلماء من بعد، ولكن معارفهم لم توضع على ذلك العهد كفنون مدونة ولم تجمع في كتب مؤلفة؛ لأنهم لم تكن لهم حاجة إلى التدوين والتأليف.
أمّا الرسول - صلى الله عليه وسلم - فلأنه كان يتلقى الوحي عن الله وحده، والله تعالى كتب على نفسه الرحمة ليجمعنه له في صدره، وليطلقن لسانه بقراءته وترتيله، وليميطن له اللثام عن معانيه وأسراره، قال - عز وجل -: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِه. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَه. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَه. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَه} [القيامة:16 - 19].
والصحابة - رضي الله عنهم - علمهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانوا عرباً خلصاً متمتعين بجميع خصائص العروبة، ومزاياها الكاملة من قوة في الحافظة، وذكاء في القريحة وتذوق للبيان، وتقدير للأساليب، ووزن لما يسمعون بأدق المعايير، حتى أدركوا من علوم القرآن، ومن إعجازه بسليقتهم وصفاء فطرتهم ما لا نستطيع نحن أن ندركه مع رحمة العلوم وكثرة الفنون.
وكانوا مضرب الأمثال في نشر الإسلام وتعاليمه والقرآن وعلومه والسنة وتحريرها تلقينا لا تدوينا ومشافهة لا كتابة.
وفي خلافة عثمان - رضي الله عنه -، وقد اتسعت رقعة الإسلام واختلط العرب الفاتحون بالأمم التي لا تعرف العربية، وخيف أن تذوب خصائص العروبة من العرب من جراء هذا الفتح والاختلاف، بل خيف على القرآن نفسه أن يختلف المسلمون فيه إن لم يجتمعوا على مصحف إمام، فتكون فتنة في الأرض وفساد كبير؛ لهذا أمر - رضي الله عنه - أن يجمع القرآن في مصحف إمام، وأن تنسخ منه مصاحف يبعث بها إلى أقطار الإسلام، وأن يحرق النّاس كلّ ما عداها، ولا يعتمدوا سواها.
وبهذا العمل وضع عثمان - رضي الله عنه - الأساس لما نسميه علم رسم القرآن، أو علم الرسم العثماني، ثم جاء علي - رضي الله عنه - فلاحظ العجمة تحيف على اللغة العربية وسمع ما أوجس منه خيفة على لسان العرب، فأمر أبا الأسود الدؤلي أن يضع بعض قواعد لحماية لغة القرآن من هذا العبث والخلل، وخطّ له الخطط وشرع له المنهج،
وبذلك يُمكننا أن نعتبر أنّ عليّاً - رضي الله عنه - قد وضع الأساس لما نسميه علم النحو، ويتبعه علم إعراب القرآن على الخلاف في هذه الرواية.
ثمّ انقضى عهد الخلافة الرشيدة، وجاء عهد بني أمية، وهمة مشاهير الصحابة والتابعين متجهة إلى نشر علوم القرآن بالرواية والتلقين لا بالكتابة والتدوين، ولكن هذه الهمة في هذا النشر يصحُّ أن نعتبرها تمهيداً لتدوينها، كالخلفاء الأربعة وابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري وعبد الله بن الزبير ومجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة والحسن البصري وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم.
وهؤلاء جميعاً يعتبرون أنهم واضعو الأساس لما يُسمّى علم التفسير، وعلم أسباب النزول، وعلم الناسخ والمنسوخ، وعلم غريب القرآن، ونحو ذلك.
* ثانياً: عهد التدوين لعلوم القرآن:
ثم جاء عصر التدوين فألفت كتب في أنواع علوم القرآن، واتجهت الهمم قبل كلّ شيء إلى التفسير باعتباره أم العلوم القرآنية؛ لما فيه من التَّعرُّض لها في كثير من المناسبات عند شرح الكتاب العزيز، ومن أوائل الكاتبين في التفسير شعبة بن الحجاج وسفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح وتفاسيرهم جامعة لأقوال الصحابة والتابعين،
وهم من علماء القرن الثاني، ثم تلاهم ابن جرير الطبري (ت310هـ)، وكتابه أجل التفاسير وأعظمها؛ لأنه أول مَن عرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض، كما عرض للإعراب والاستنباط، وبقيت العناية بالتفسير قائمة إلى عصرنا هذا حتى وجدت منه مجموعة رائعة فيها المعجب والمطرب والموجز والمطول والمتوسط، ومنها التفسير بالمعقول والتفسير بالمأثور، ومنها تفسير القرآن كله وتفسير جزء وتفسير سورة وتفسير آية وتفسير آيات الأحكام إلى غير ذلك.
أما علوم القرآن الأخرى ففي مقدمة المؤلفين فيها علي بن المديني شيخ البخاري؛ إذ ألف في أسباب النزول، وأبو عبيد القاسم بن سلام؛ إذ كتب في الناسخ والمنسوخ وكلاهما من علماء القرن الثالث، وفي مقدمة من ألف في غريب القرآن أبو بكر السجستاني، وهو من علماء القرن الرابع، وفي طليعة من صنف في إعراب القرآن علي بن سعيد الحوفي، وهو من علماء القرن الخامس، ومن أوائل من كتب في مبهمات القرآن أبو القاسم عبد الرحمن المعروف بالسبيلي، وهو من
علماء القرن السادس، كذلك تصدر للتأليف في مجاز القرآن ابن عبد السلام، وفي القراءات علم الدين السخاوي، وهما من علماء القرن السابع.
وهكذا قويت العزائم وتبارت الهمم ونشأت علوم جديدة للقرآن، وظهرت مؤلفات في كلِّ نوع منها سواء في ذلك أقسام القرآن وأمثال القرآن وحجج القرآن وبدائع القرآن ورسم القرآن وما أشبهها مما يروعك تصوره.
المؤلفات في علوم القرآن:
ولا ريب أن تلك المجهودات الجبارة لا يتهيأ لإنسان أن يحيط بها ولو أفنى عمره، واستنفد وسعه؛ لهذا اشرأبت أعناق العلماء أن يعتصروا من تلك العلوم علماً جديداً يكون كالفهرس لها، والدليل عليها، والمتحدث عنها، فكان هذا العلم هو ما نسميه علوم القرآن بالمعنى المدون.
ولا نعلم أنّ أحداً قبل المائة الرابعة للهجرة ألَّف أو حاول أن يؤلف في علوم القرآن بالمعنى المدون؛ لأنّ الدواعي لم تكن موفورة لديهم نحو هذا النوع من التأليف، وإن كنا نعلم أنها كانت مجموعة في صدور المبرزين من العلماء على الرغم من أنهم لم يدونوها في كتاب ولم يفردوها باسم.
1. «فنون الأفنان في علوم القرآن» لابن الجوزي (ت 597هـ).
2. «المجتبى في علوم تتعلق بالقرآن» لابن الجوزي (ت 597هـ)
3. «جمال القراء» لعلم الدين السخاوي (ت641هـ).
4. «المرشد الوجيز فيما يتعلق بالقرآن العزيز» لأبي شامة (ت665هـ).
5. «البرهان في مشكلات االقرآن» لأبي المعالي عزيز بن عبدالملك المعروف بشيذلة.
قال السُّيوطيُّ (¬1) في وصف هذه الكتب: «وكلها بالنسبة إلى نوع من هذا الكتاب ـ أي الإتقان ـ، كحبة رمل في جنب رمل عالج، ونقطة قطر في حيال بحر زاخر»
6. «البرهان في علوم القرآن» لبدر الدِّين الزَّركشيّ (ت 794هـ).
7. «علوم التفسير» لمحمد بن سليمان الكافيجي (ت873هـ)، قال الكافيجي: لم أسبق إليه، لكن قال السيوطي (¬2): «كتبته عنه، فإذا هو صغير الحجم جداً، حاصل ما فيه بابان: الأول: في ذكر معنى التفسير والتأويل والقرآن والسورة والآية، والثاني: في شروط القول فيه بالرأي، وبعدهما خاتمة في آداب العالم والمتعلم، فلم يشف لي ذلك غليلاً، ولم يهدني إلى المقصود سبيلاً» (¬3).
8. «مواقع العلوم من مواقع النجوم» لجلال الدين البلقيني، قال السُّيوطي (¬4): «رأيته تأليفاً لطيفاً، ومجموعاً ظريفاً، ذا ترتيب وتقرير، وتنويع وتحرير».
9. «التحبير في علوم التفسير» للسيوطي (ت911هـ)، قال السُّيوطي (¬5):
¬
(¬1) في الإتقان1: 22.
(¬2) في الإتقان1: 16.
(¬3) ينظر: الزيادة والإحسان1: 84.
(¬4) في الإتقان1: 17.
(¬5) في الإتقان1: 18.
«ضمنته ما ذكر البُلقيني من الأنواع مع زيادة مثلها، وأضفت إليها فوائد سمحت القريحة بنقلها».
10. «الإتقان في علوم القرآن» للسيوطي (ت911هـ)، وهو عمدة الباحثين والكاتبين في هذا الفنّ.
قال السيوطي (¬1): «ورتبت أنواعه ترتيباً أنسب من ترتيب البرهان, وأدمجت بعض الأنواع في بعض، وفصلت ما حقّه أن يُبان، وزدت على ما فيه من الفوائد والفرائد, والقواعد والشوارد، ما يشنف الآذان»، وذكر أنواع العلوم فيه، ثم قال: «فهذه ثمانون نوعاً على سبيل الإدماج، ولو نوعت باعتبار ما أدمجته في ضمنها لزادت عن الثلاثمائة، وغالب هذه الأنواع فيها تصانيف مفردة، وقفت على كثير منها». ويعدّ من أفضل مَن ألف في علوم القرآن.
وقال بعقيلة الحنفي (¬2): «وأحسنها كتاب الإتقان ... ولما رأيت كتابه، وما اشتمل عليه من العلوم، ونفائس الفهوم، الذي لو لم يكن له إلا هذا الكتاب لكفاه شرفاً وفخراً، يعلو به مرتبةً وقدراً لفهوم، حداني ذلك إلى أن أحذو على منواله، وأنسج كتاباً على مثاله»
11. «الزيادة والإحسان في علوم القرآن» لمحمد بن أحمد بن سعيد المكي الحنفي، المعروف بعقيلة، (ت1150هـ)، قال بعقيلة الحنفي (¬3): «أودعت فيه جل مافي «الإتقان»، وزدت عليه قريباً من ضعفه من المسائل الحسان، واخترعت كثيراً
¬
(¬1) في الإتقان1: 27.
(¬2) في الزيادة والإحسان1: 83ـ 90.
(¬3) في الزيادة والإحسان1: 90.
من الأنواع اللطيفة، والفوائد الشريفة، هذا على سبيل الإدماج والإجمال، ولو فصلتها، لزادت على أربعمائة نوع».
12. «التبيان في علوم القرآن» لطاهر الجزائري، فرغ منه (1335هـ).
* ... * ... *
المبحث الثالث
في نزول القرآن
ونعرضه في النقاط التالية:
* أولاً: الفرق بين القرآن والحديث القدسي:
صفوة القول في هذا المقام أن القرآن أوحيت ألفاظه من الله اتفاقاً، وأن الحديث القدسي أوحيت ألفاظه من الله على المشهور، والحديث النبوي أوحيت معانيه في غير ما اجتهد فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -، والألفاظ من النبي - صلى الله عليه وسلم -.
بيد أن القرآن له خصائصه من الإعجاز والتعبد به ووجوب المحافظة على أدائه بلفظه ونحو ذلك، وليس للحديث القدسي والنبوي شيء من هذه الخصائص، والحكمة في هذا التفريق أن الإعجاز منوط بألفاظ القرآن.
وَيُفَرَّق بين القرآن والحديث القدسي بما يلي:
1.إنَّ القرآن نزل به جبريل - عليه السلام - إلى النَّبي - صلى الله عليه وسلم - لفظاً ومعنى، أما الحديث القدسي فقد نزل روح القدس ـ وهو جبريل - عليه السلام - ـ إلى النَّبي - صلى الله عليه وسلم - بمعناه؛ ولهذا سُمِّي قدسياً، وصياغة ألفاظه عن الله تعالى من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لذا سُمِّي حديثاً (¬1).
2.إنَّه نُقل القرآن تواتراً، وأما الحديث القدسي فليس متواتراً.
3.إنَّه تصحّ الصَّلاة بالقرآن، ولا تصح بالحديث القدسي.
4.إنَّ القرآن مُعجز، بخلاف الحديث القدسي.
5.إنَّه لا يجوز ترجمة القرآن نصاً، وفي الحديث القدسي يجوز.
6.إنَّ القرآن لا يمس إلا على طهارة (¬2)، بخلاف القدسي.
7.إنَّ القرآن يتعبّد بتلاوته، ولا يتعبّد بألفاظ الحديث القدسي.
8.إنَّ جاحد القرآن كافر، بخلاف جحود القدسي.
9.إنَّه لا يجوز رواية القرآن بالمعنى، وفي القدسي يجوز على الرَّاجح.
¬
(¬1) هنالك رأي آخر: أنَّ لفظه ومعناه من الله تعالى بواسطة المَلك يقذفه في روع النَّبي - صلى الله عليه وسلم - مثل: «يا
عبادي كلكم ضال إلا من هديته ... » في صحيح مسلم 4: 1994، فقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «إنَّ روح القدس نفث في رُوْعي: إنَّ نفساً لم تمت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب» في مسند الشَّافعي ص233.
(¬2) إنَّ مسألة عدم جواز مسّ المصحف إلا لمَن معه وضوء يغفل عنها كثيرون رغم صراحة القرآن فيها، في قوله: {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة:79]، وقول النَّبي - صلى الله عليه وسلم - لحكيم بن حزام - رضي الله عنه -: «لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر» في المستدرك 3: 552، وصححه، وإجماع الفقهاء على ذلك نَقله ابن عبد البرّ المالكي في الاستذكار 2: 472، وابن قدامة المقدسي الحنبلي في المغني 1: 168، وابن تيمية الحنبلي في الفتاوى الكبرى 1: 282، والنَّووي الشَّافعي في المجموع 2: 86، وتمام الأدلة في المشكاة ص100 - 102.
10.إنَّ القرآن مُقَسَّم إلى سور وآيات وأجزاء وأحزاب، ولا توجد هذه الأمور في القدسي (¬1).
* ثانياً: الحكم والأسرار في تنجيم القرآن:
1.تثبيت فؤاد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتقوية قلبه، وذلك من وجوه؛ لأن في تجدد الوحي وتكرار نزول الملك به من جانب الحق إلى رسوله سروراً يملأ قلب الرسول غبطة تشرح صدره، ولأن في التنجيم تيسيراً عليه من الله في حفظه وفهمه ومعرفة أحكامه، قا ل - عز وجل -: {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} [الفرقان:32]. 2.التدرج في تربية هذه الأمة الناشئة، علماً وعملاً؛ لتيسير حفظ القرآن على الأمة العربية، وتسهيل فهمه عليهم، وتمهيد لكمال تخليهم عن عقائدهم الباطلة وعباداتهم الفاسدة وعاداتهم المرذولة، وكشف حال أعداء الله المنافقين، وهتك أستارهم.
3.الإرشاد إلى مصدر القرآن، وأنه كلام الله وحده وأنه لا يمكن أن يكون كلام محمد، ولا كلام مخلوق سواه.
قال أبو شامة (¬2): «هذا سؤال قد تولى الله جوابه فقال - عز وجل -: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} [الفرقان:32]، فأجابهم الله تعالى بقوله: {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} [الفرقان:32]، لنقوي به قلبك، فإن الوحي إذا كان يتجدد في كلّ
¬
(¬1) المدخل لدراسة الفقه وأصوله ص47.
(¬2) في المرشد الوجيز1: 38.
حادثة كان أقوى للقلب، وأشدّ عناية بالمرسل إليه، ويستلزم من ذلك كثرة نزول الملائكة إليه، وتجدد العهد به، وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز، فيحدث له من السُّرور ما تقصر عنه العبارة، ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان، لكثرة لقائه جبريل». * ثالثاً: حقيقة الوحي:
الوحي: أن يعلم الله تعالى مَن اصطفاه من عباده كلّ ما أراد إطلاعه عليه من ألوان الهداية والعلم، ولكن بطريقة سرية خفية غير معتادة للبشر.
قال بعقيلة الحنفي (¬1): «والتحقيق في ذلك أن يكون تلقي جبريل الوحي عن الله - عز وجل - بنوع من التَّجلي، وهو أن يتجلى الحقّ - عز وجل - له بصفة الكلام، فيسمع ما أوحى الله - عز وجل - إليه من غير صوت ولا جهة ولا حرف في أيسر وقت، جميع القرآن المنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - لفظاً ومعنى، ثمّ هو يلقيه على النبي - صلى الله عليه وسلم - بتلك الكيفية، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يلقيه على الصحابة - رضي الله عنهم - بمثل ما أوحي إليه، بلفظه ومعناه.
وإنّما لا يمكن لبشر سماعه مثل ما سمعه النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لعدم كمال استعدادهم للتلقي الروحاني، وبقائهم على البشرية، بخلافه هو - صلى الله عليه وسلم -، فإنه هو في حال الوحي يصير روحاً نورانياً، فيسمع من جميع أجزاء جسده، كما هو شأن الأرواح، ولهذا السر شقّ عن صدره مراراً، وأخرجت منه العلقة البشرية، فصارت له القدرة على التلقي عن الحق - عز وجل -، فضلاً عن ذلك.
¬
(¬1) في الزيادة الإحسان1: 111ـ 113.
والحروف والأصوات إنما ظهرت لأجل كثافة العالم الجسماني، وعدم القدرة على التعبير بالعبارة الروحانية، فظهرت الحروف الكامنة، فإنها في العالم الروحاني معان كالمعاني في هذا العالم، ليس لها ظهور ولا تجسد.
فظهر من هذا التحقيق أن الوحي عبارة عن تجلي الحقّ لجبريل - عليه السلام - أو للنبي - صلى الله عليه وسلم - بصفة الكلام النفسي، وهو عبارة عن هذا اللفظ والمعنى، غير أنّ اللفظ في ذلك التّجلي ليس متجسداً، بل هو معنى عبر عنه في هذا العالم لضيقه عن التعبير بتلك العبارة، كما يعبر عن رؤية اللبن في المنام بالعلم.
وبما ذكر علم أن صفة الكلام متعقلّة، وأنها عبارة عن تجلي الله - عز وجل - على جبريل - عليه السلام - أو على النبي - صلى الله عليه وسلم - بصفة الكلام، فيحصل له إدراك اللفظ والمعنى من ذلك التّجلي، والصفة القديمة والكلام الإلهي في ذلك التجلي منزه عن الصوت والحرف».
* رابعاً: أنواع الوحي وكيفياته:
1. ما يكون مكالمة بين العبد وربه، كما كلم الله موسى تكليما.
2. ما يكون إلهاماً يقذفه الله في قلب مصطفاه على وجه من العلم الضروري لا يستطيع له دفعاً، ولا يجد فيه شكاً.
3.ما يكون مناماً صادقاً يجيء في تحققه ووقوعه، كما يجيء فلق الصبح في تبلجه وسطوعه.
4.ما يكون بوساطة أمين الوحي جبريل - عليه السلام -، وهو ملك كريم، وهو أشهر الأنواع وأكثرها، ووحي القرآن كله من هذا القبيل، وهو المصطلح عليه بالوحي
الجلي
قال - عز وجل -: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِين. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِين. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِين} [الشعراء:193 - 195]، وملك الوحي يهبط على أساليب شتى:
أ. يظهر للنبي - صلى الله عليه وسلم - في صورته الحقيقية الملكية.
ب. يظهر في صورة إنسان يراه الحاضرون، ويستمعون إليه.
ج. يهبط على النبي - صلى الله عليه وسلم - خفية فلا يرى، ولكن يظهر أثر التغير والانفعال على صاحب الرسالة، فيغط غطيط النائم، ويغيب غيبة كأنها غشية أو إغماء، استغراقاً في لقاء الملك الروحاني وانخلاع عن حالته البشرية العادية، فيؤثر ذلك على الجسم فيغط ويثقل ثقلا شديدا قد يتصبب منه الجبين عرقاً في اليوم الشديد البرد
ويكون وقع الوحي على الرسول كوقع الجرس إذا صلصل في أذن سامعه وذلك أشد أنواعه، وربما سمع الحاضرون صوتاً عند وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - كأنه دوي النحل، فعن عائشة رضي الله عنها أن الحارث بن هشام سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه علي فيفصم عني، وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول، قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً» (¬1).
* ... * ... *
¬
(¬1) في صحيح البخاري2: 283.
المبحث الرابع
في أول ما نزل وآخر ما نزل من القرآن
مدار هذا المبحث على النقل والتوقيف، ولا مجال للعقل فيه إلا بالترجيح بين الأدلة أو الجمع بينها فيما ظاهره التعارض منها.
ونعرض هذا المبحث في النقاط الآتية:
* أولاً: في أول ما نزل من القرآن:
وأصح الأقوال أن أول ما نزل صدر سورة: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق} [العلق:1] إلى قوله سبحانه: {عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم} [العلق:5]، فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان
يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني، فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق. خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَق. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَم} [العلق:1 - 3]» (¬1). * ثانياً: في آخر ما نزل من القرآن:
آخر ما نزل على الإطلاق فيه عشرة أقوال، وأولاها قول الله تعالى: {وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون} [البقرة:281]؛ لما تحمله هذه الآية في طياتها من الإشارة إلى ختام الوحي والدين.
ولماذا لا تكون آية المائدة آخر ما نزل من القرآن وهي قوله سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة:3]،
مع أنها صريحة في أنها إعلام بإكمال الله لدينه في ذلك اليوم المشهود الذي نزلت فيه، وهو يوم عرفة في حجة الوداع بالسنة العاشرة من الهجرة، والظاهر أن إكمال دينه لا يكون إلا بإكمال نزول القرآن، وإتمام جميع الفرائض والأحكام؛ لأن هناك قرآناً نزل بعد هذه الآية حتى بأكثر من شهرين، والأقرب أن يكون معنى إكمال الدين فيها يومئذ هو إنجاحه وإقراره وإظهاره على الدين كله، ولو كره
¬
(¬1) في صحيح البخاري 1: 7.
الكافرون، ولا ريب أن الإسلام في حجة الوداع كان قد ظهرت شوكته وعلت كلمته.
قال بعقيلة الحنفي (¬1): «واعلم أن كثيراً ما يذكر في الحديث: وهذه الآية آخر ما نزلت، ويراد به لم ينسخها شيء، لا أنه لم ينزل بعدها شيء من القرآن».
* ثالثاً: الأوائل والأواخر النسبية (¬2):
عني العلماء في بحوثهم بالأوليات المقيدة أي النسبية في موضوع معين، أو ناحية معينة، وبالآخر المقيد النسبي كذلك، وهو مأثور في أصله عن الصحابة والتابعين، ومن أمثلة أوّل ما نزل من القرآن مقيداً:
1. أوّل سورة نزلت بتمامها سورة الفاتحة.
2. أول ما نزل في تشريع الجهاد، قال - عز وجل -: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِير} [الحج:39] نزلت في السنة الثانية للهجرة. 3. أول ما نزل في تحريم الخمر، قال - عز وجل -: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة:219].
ومن أمثلة آخر ما نزل من القرآن مقيداً:
1.آخر ما نزل يذكر النساء خاصة، قال - عز وجل -: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} [آل عمران:195].
¬
(¬1) في الزيادة والإحسان1: 182.
(¬2) ينظر: علوم القرآن لنور الدين عتر ص37ـ 38، بتصرف.
2. آخر ما نزل في المواريث آية الكلالة، قال - عز وجل -: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ} [النساء:176].
3. آخر سورة نزلت بتمامها من القرآن، قال - عز وجل -: {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْح} [النصر:1].
* ... * ... *
المبحث الخامس
في أسباب النزول
تمهيد:
القرآن الكريم قسمان:
1.قسم نزل من الله ابتداء غير مرتبط بسبب من الأسباب الخاصة، إنما هو لمحض هداية الخلق إلى الحق، وهو كثيرٌ ظاهر لا يحتاج إلى بحث، ولا بيان.
2.قسم نزل مرتبطاً بسبب من الأسباب الخاصة، وهو موضوع بحثنا الآن،
غير أنا لا نريد أن نستعرض جميع الآيات التي جاءت على أسباب فذلك شأو بعيد،
وقد انتدب له جماعة أفردوه بالتأليف منهم علي بن المديني والواحدي والجعبري
وابن حجر والسيوطي الذي وضع فيه كتاباً حافلاً محرراً سمّاه «لباب النقول في أسباب النزول».
وإنما غرضنا في هذا المبحث أن يحيطك علماً بأسباب النزول من أطرافه الأحد عشر، وهي معنى سبب النزول، وفوائد معرفة أسباب النزول، وطريق هذه المعرفة، والتعبيرات عن سبب النزول، وحكم تعدد الأسباب، والنازل واحد، وتعدد النازل، والسبب واحد في النقاط التالية:
* أولاً: معنى سبب النزول:
هو ما نزلت الآية أو الآيات متحدثة عنه، مبينةً لحكمه أيام وقوعه: كالخلاف الذي شجر بين جماعة من الأوس وجماعة من الخزرج بدسيسة من أعداء الله اليهود حتى تنادوا السلاح السلاح ونزل بسببه تلك الآيات: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِين} [آل عمران:100].
* ثانياً: فوائد معرفة أسباب النزول:
أ. معرفة حكمة الله تعالى على التعيين فيما شرعه بالتنزيل.
ب. الاستعانة على فهم الآية ودفع الإشكال عنها، فعن عروة قال لعائشة رضي الله عنها: «أرأيت قول الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة:158]، فوالله ما على أحد جناح ألا يطوف بالصفا والمروة، قالت: بئسما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت لا جناح عليه ألا يطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل، فكان
مَن أهل يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله عن ذلك، قالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ} [البقرة:158] الآية قالت عائشة: وقد سَنَّ رسول الله الطواف بينهما فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما» (¬1).
ج. دفع توهم الحصر عما يفيد بظاهره الحصر، نحو قوله - عز وجل -: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ} [الأنعام:145].
د. تخصيص الحكم بالسبب عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ.
* ثالثاً: طريق معرفة سبب النزول:
هي النقل الصحيح، فلا يحل القول في أسباب النزول إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل، ووقفوا على الأسباب وبحثوا عن علمها.
وعلى هذا فإن روي سبب النزول عن صحابي فهو مقبول؛ لأن قول الصحابي فيما لا مجال للاجتهاد فيه حكمه حكم المرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وإن قاله التابعي فحكمه أنه لا يقبل إلا إذا صح واعتضد بمرسل آخر، وكان الراوي له من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة - رضي الله عنهم - كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير.
* رابعاً: التعبير عن سبب النزول:
¬
(¬1) في صحيح البخاري2: 187.
تختلف عبارات القوم في التَّعبير عن سبب النزول:
1. يُصرَّح فيها بلفظ السبب، فيقال: سبب نزول الآية كذا، وهذه العبارة نصٌّ في السببية لا تحتمل غيرها.
2.لا يُصرَّح بلفظ السبب، ولكن يؤتى بفاء داخلة على مادة نزول الآية عقب سرد حادثة، وهذه العبارة مثل تلك في الدلالة على السببية أيضاً، ومثاله: رواية جابر الآتية قريباً.
3.يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيوحى إليه، ويجيب بما نزل عليه، ولا يكون تعبير بلفظ سبب النزول، ولا تعبير بتلك الفاء، ولكن السببية تُفهم قطعاً من المقام كرواية ابن مسعود - رضي الله عنه - الآتية عندما سئل النبي عن الروح، وحكم هذه أيضاً حكم ما هو نصٌّ في السببية.
4.لا يصرح بلفظ السبب، ولا يؤتى بتلك الفاء، ولا بذلك الجواب المبني على السؤال، بل يقال: نزلت هذه الآية في كذا مثلاً، وهذه العبارة ليست نصاً في السببية، بل تحتملها وتحتمل أمراً آخر هو بيان ما تضمنته الآية من الأحكام، والقرائن وحدها هي التي تعين أحد هذين الاحتمالين أو ترجحه.
* خامساً: تعدد الأسباب والنازل واحد:
إذا جاءت روايتان في نازل واحد من القرآن، وذكرت كلٌّ من الروايتين سبباً صريحاً غير ما تذكره الأخرى، وله أربعة صور، وهي:
1.أن تكون إحداهما صحيحة، والأخرى غير صحيحة، فحكمها الاعتماد على الصحيحة، مثاله عن جندب قال: «اشتكى النّبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يقم ليلة أو ليلتين
فأتته امرأة فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك فأنزل الله: {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3)} [الضحى:1 - 3]» (¬1).
وعن حفص بن ميسرة عن أمّه عن أمّها وكانت خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن جروا دخل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فدخل تحت السرير، فمات فمكث النَّبيُّ أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي، فقال: يا خولة ما حدث في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جبريل لا يأتيني
فقلت في نفسي: لو هيأت البيت وكنسته فأهويت بالمكنسة تحت السرير فأخرجت الجرو فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ترعد لحيته، وكان إذا نزل عليه أخذته الرعدة، فأنزل الله: {وَالضُّحَى} إلى قوله {فَتَرْضَى (5)}» (¬2).
فنحن بين هاتين الروايتين نقدم الرواية الأولى في بيان السبب لصحّتها دون الثانية؛ لأن في إسنادها من لا يعرف، قال ابن حجر: «قصة إبطاء جبريل بسبب الجرو مشهورةٌ، لكن كونها سبب نزول الآية غريب، وفي إسناده مَن لا يعرف، فالمعتمد ما في الصحيح».
2.أن تكون كلتاهما صحيحة ولكن لإحداهما مرجح دون الأخرى، فحكمها أن نأخذ في بيان السبب بالراجحة دون المرجوحة، والمرجح أن تكون إحداهما أصحّ من الأخرى أو أن يكون راوي إحداهما مشاهداً للقصّة دون راوي الأخرى، مثاله:
فعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: «كنت أمشي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، وهو يتوكأ على عسيب، فمرّ بنفر من اليهود، فقال بعضهم: لو سألتموه، فقالوا: حدثنا عن
¬
(¬1) في صحيح البخاري6: 182.
(¬2) في المعجم الكبير24: 249.
الروح
فقام ساعة ورفع رأسه، فعرفت أنه يوحى إليه حتى صعد الوحي، ثم قال: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)} [الإسراء:85]» (¬1).
وعن ابن عبَّاس - رضي الله عنهم - قال: قالت قريش لليهود: «أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل،
فقالوا: اسألوه عن الروح، فسألوه فأنزل الله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} [الإسراء:85]» (¬2).
فهذا الخبر الثاني يدلّ على أنها بمكة، وأن سبب نزولها سؤال قريش إياه،
أما الأول فصريحٌ في أنها نزلت بالمدينة بسبب سؤال اليهود إياه، وهو أرجح من وجهين: أحدهما أنه رواية البخاري، وثانيهما أن راوي الخبر الأول، وهو ابن مسعود - رضي الله عنهم -، كان مشاهداً للقصة من أولها إلى آخرها، كما تدل على ذلك الرواية الأولى بخلاف الخبر الثاني، فإن رواية ابن عباس - رضي الله عنهم - لا تدل الرواية على أنّه كان حاضراً القصة ولا ريب أن للمشاهدة قوة في التحمل وفي الأداء وفي الاستيثاق ليست لغير المشاهدة، ومن هنا أعملنا الرواية الأولى وأهملنا الثانية.
3.أن تكون كلتاهما صحيحة ولا مرجح لإحداهما على الأخرى، ولكن يمكن الأخذ بهما معاً، فحكم هذه الصورة أن نحمل الأمر على تعدُّد السبب؛ لأنّه الظّاهر، ولا مانع يمنعه، قال ابن حجر: «لا مانع من تعدد الأسباب»، مثاله:
¬
(¬1) في صحيح البخاري1: 37، وسنن الترمذي5: 304، وسنن النسائي الكبرى10: 156.
(¬2) في سنن الترمذي5: 304، وسنن النسائي الكبرى10: 167.
فعن ابن عبّاس - رضي الله عنهم - أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي بشريك بن سحماء
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «البينة أو حد في ظهرك، فقال يا رسول الله: إذا وَجد أحدنا مع امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة، فنزل جبريل - عليه السلام -، وأنزل عليه: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنفُسُهُمْ} [النور:6]» (¬1).
وعن سهل بن سعد أن عويمراً أتى عاصم بن عدي، وكان سيد بني عجلان فقال: «كيف تقولون في رجل وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه، أم كيف يصنع سل لي رسول الله عن ذلك، فأتى عاصم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله، فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسائل وعابها، فقال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأل رسول الله عن ذلك، فجاءه عويمر، فقال يا رسول الله: رجل وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع فقال رسول الله: قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبك، فأمرهما رسول الله بالملاعنة بما سمى الله في كتابه فلاعنها» (¬2).
فهاتان الروايتان صحيحتان، ولا مرجح لإحداهما على الأخرى، ومن السَّهل أن نأخذ بكلتيهما؛ لقرب زمانيهما على اعتبار أن أول مَن سأل هو هلال بن أمية، ثم قفاه عويمر قبل إجابته فسأل بواسطة عاصم مرّة وبنفسه مرة أُخرى فأنزل الله الآية إجابة للحادثين معاً، ولا ريب أن إعمال الروايتين بهذا الجمع أولى من إعمال إحداهما وإهمال الأخرى؛ إذ لا مانع يمنع الأخذ بهما على ذلك الوجه.
¬
(¬1) في صحيح البخاري3: 178.
(¬2) في صحيح البخاري6: 99.
4.أن تكون كلتاهما صحيحة ولا مرجح، ولا يمكن الأخذ بهما معاً؛ لبعد الزمان بين الأسباب، فحكمها أن تحمل الأمر على تكرار نزول الآية بعدد أسباب النزول التي تحدثت عنها هاتان الروايتان أو تلك الروايات؛ لأنه إعمال لكلِّ رواية ولا مانع منه، قال الزركشي: «وقد ينزل الشيء تعظيماً لشأنه وتذكيراً عند حدوث سببه خوف نسيانه». ومثاله:
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف على حمزة حين استشهد وقد مثل به فقال: لأمثلن بسبعين منهم مكانك، فنزل جبريل - عليه السلام - والنبي - صلى الله عليه وسلم - واقف بخواتيم سورة النحل: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ} [النحل:126]» (¬1).
وعن أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: «لما كان يوم أحد أُصيب من الأنصار أربعة وستون، ومن المهاجرين ستة منهم حمزة، فمثلوا به فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوماً مثل هذا لنربين: أي لنزيدن عليهم، فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ} [النحل:126] الآية» (¬2).
فالرواية الأولى تفيد أنّ الآية نزلت في غزوة أحد، والثانية تفيد أنها نزلت يوم فتح مكة، على حين أن بين غزوة أحد وغزوة الفتح الأعظم بضع سنين، فبعد أن يكون نزول الآية كان مرة عقيبهما معاً، وإذن لا مناص لنا من القول بتعدّد نزولها مرّة في أحد، ومرة يوم الفتح.
¬
(¬1) في شرح معاني الآثار3: 183، والمستدرك3: 218، والمعجم الكبير3: 143.
(¬2) في سنن الترمذي5: 299، وحسنه، وسنن النسائي الكبرى10: 145.
وهناك حكمة عالية في هذا التكرار، وهي تنبيه الله لعباده، ولفت نظرهم إلى ما في طي تلك الآيات المكررة من الوصايا النافعة، والفوائد الجمة التي هم في أشد الحاجة إليها.
* سادساً: تعدُّد النازل والسبب واحد:
قد يكون أمراً واحداً سبباً لنزول آيتين أو آيات متعدّدة على عكس ما سبق، ولا مانع من ذلك؛ لأنه لا يُنافي الحكمة في إقناع الناس وهداية الخلق، وبيان الحقّ عند الحاجة، بل إنه قد يكون أبلغ في الإقناع، وأظهر في البيان، مثاله:
فعن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالساً في ظل شجرة، فقال: إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا جاء فلا تكلموه، فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق العينين، فدعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: علام تشتمني أنت وأصحابك، فانطلق الرجل، فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا: حتى تجاوز عنهم، فأنزل الله: {يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِير} [التوبة:74]» (¬1).
¬
(¬1) في مسند أحمد4: 231، والأحاديث المختارة10: 181.
وفي رواية بهذا اللفظ، وفيها: «فأنزل الله: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُون. اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُون} [المجادلة:18 - 19]» (¬1).
* ... * ... *
المبحث السادس
في نزول القرآن على سبعة أحرف
هذا مبحث طريف وشائق غير أنه مخيف وشائك، أما طرافته وشوقه فلأنه يرينا مظهراً من مظاهر رحمة الله وتخفيفه على عباده وتيسيره لكتابه على كافة القبائل العربية، بل على جميع شعوب الأمة الإسلامية من كل جيل وقبيل، حتى ينطقوا به لينة ألسنتهم سهلة لهجاتهم برغم ما بينهم من اختلاف في اللغات، وتنوع في الخصائص والميزات، وأما مخافة هذا المبحث وشوكه فلأنه كثر فيه القيل والقال إلى حد كاد يطمس أنوار الحقيقة حتى استعصى فهمه على بعض العلماء؛ لذلك نعرضه في النقاط الآتية:
¬
(¬1) في المعجم الكبير 12: 7، ومسند أحمد 5: 316.
* أولاً: أدلة نزول القرآن على سبعة أحرف:
لا سبيل إلى الاستدلال على هذا إلا مما صح عن رسول الله، ولقد جاء هذا النقل الصحيح من طرق مختلفة كثيرة، وروي حديث نزول القرآن على سبعة أحرف عن جمع كبير من الصحابة - رضي الله عنهم -، منهم عمر وعثمان وابن مسعود وابن عباس وأبو هريرة وأبو بكر وأبو جهم وأبو سعيد الخدري وأبو طلحة الأنصاري وأبي بن كعب وزيد بن أرقم وسمرة بن جندب وسلمان بن صرد وعبد الرحمن بن عوف وعمرو بن أبي سلمة وعمرو بن العاص ومعاذ بن جبل وهشام بن حكيم وأنس وحذيفة وأم أيوب امرأة أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنهم -.
فهؤلاء أحد وعشرون صحابياً ما منهم، إلا رواه وحكاه، فعن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال رسول الله: «أقرأني جبريل على حروف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف» (¬1).
وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: «سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرؤها على حروفٍ كثيرةٍ لم يقرئنيها رسول الله، فكدت أساوره في الصلاة، فانتظرته حتى سلم ثم لببته بردائه أو بردائي، فقلت: مَن أقرأك هذه السورة قال: أقرأنيها رسول الله، قلت له: كذبت فوالله إن رسول الله أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرؤها، فانطلقت أقوده إلى رسول الله، فقلت: يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان، فقال رسول الله: أرسله يا عمر اقرأ يا هشام، فقرأ هذه القراءة التي سمعته يقرؤها، قال رسول الله:
¬
(¬1) في صحيح البخاري4: 113، وصحيح مسلم1: 561.
هكذا أنزلت، ثم قال رسول الله: إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه» (¬1).
قال ابن الجزري: «سبب وروده على سبعة أحرف، فللتخفيف على هذه الأمة، وإرادة اليسر بها، والتهوين عليها شرفاً لها، وتوسعة ورحمة، وخصوصية؛ لفضلها».
وتنوع القراءات يقوم مقام تعدد الآيات، وذلك ضرب من ضروب البلاغة يبتدىء من جمال هذا الإيجاز، وينتهي إلى كمال الإعجاز.
وتنوع القراءات من البراهين الساطعة والأدلة القاطعة على أن القرآن كلام الله، وعلى صدق من جاء به، وهو رسول الله، فإن هذه الاختلافات في القراءة على كثرتها لا تؤدي إلى تناقض في المقروء وتضاد، ولا إلى تهافت وتخاذل، بل القرآن كلُّه على تنوع قراءاته يُصدِّق بعضه بعضاً، ويبين بعضه بعضاً، ويشهد بعضه لبعض على نمط واحد في علو الأسلوب والتعبير، وهدف واحد من سمو الهداية والتعليم، وذلك من غير شك يفيد تعدد الإعجاز بتعدد القراءات والحروف.
* ثانياً: معنى نزول القرآن على سبعة أحرف:
أن الكلام لا يخرج عن سبعة أحرف في الاختلاف:
¬
(¬1) في صحيح البخاري6: 184، وصحيح مسلم1: 560.
1.اختلاف الأسماء من إفراد وتثنية وجمع وتذكير وتأنيث، مثل: قوله - عز وجل -: {وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُون} [المعارج:32]، قرىء هكذا لأماناتهم جمعاً، وقرىء لأمانتهم بالإفراد.
2.اختلاف تصريف الأفعال من ماض ومضارع وأمر، مثل: قوله - عز وجل -: {فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} [سبأ:19]، قُرىء هكذا بنصب لفظ ربنا على أنه منادى، وبلفظ: باعد فعل أمر، وبعبارة أنسب بالمقام فعل دعاء، وقرىء هكذا ربنا بعد برفع ربّ على أنه مبتدأ، وبلفظ بعد فعلاً ماضياً مضعّف العين جملته خبر.
3. اختلاف وجوه الإعراب، مثل: قوله - عز وجل -: {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} [البقرة:282]، قرىء بفتح الراء وضمها، فالفتح على أن لا ناهية، فالفعل مجزوم بعدها، والفتحة الملحوظة في الراء هي فتحة إدغام المثلين، أمّا الضم فعلى أن لا نافية، فالفعل مرفوع بعدها.
4.الاختلاف بالنقص والزيادة، مثل: قوله - عز وجل -: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى} [الليل:3]، قرىء بهذا اللفظ، وقرىء أيضاً: «والذكر والأنثى» بنقص كلمة ما خلق.
5. الاختلاف بالتقديم والتأخير، مثل: قوله - عز وجل -: {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ} [ق:19]، وقرىء: «وجاءت سكرة الحق بالموت».
6.الاختلاف بالإبدال، مثل: قوله - عز وجل -: {وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا} [البقرة:259]، بالزاي وقرىء ننشرها بالراء.
7.اختلاف اللغات يريد اللهجات كالفتح والإمالة والترقيق والتفخيم والإظهار والإدغام ونحو ذلك، مثل قوله - عز وجل -: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} [طه:9] تقرأ بالفتح، والإمالة في أتى ولفظ موسى فلا فرق في هذا الوجه أيضا بين الاسم والفعل والحرف مثلهما نحو: {بَلَى قَادِرِينَ} [القيامة:4] قرىء بالفتح والإمالة في لفظ بلى.
ورجح هذا المعنى للحروف السبع؛ لأنه يعتمد على الاستقراء التام لاختلاف القراءات، وما ترجع إليه من الوجوه السبعة، بخلاف غيره، فإن استقراءه ناقص أو في حكم الناقص، فكلمة أف التي أوصلها الرماني إلى سبع وثلاثين لغة يُمكن رد لغاتها جميعا إلى هذه الوجوه السبعة، ولا تخرج عنها.
وكذلك الاختلاف في اللهجات وهو اختلاف شكلي يُردُّ إليها، ولا يخرج عنها، بخلاف الآراء الأخرى، فإنه يتعذر أو يتعسر الرجوع بالقراءات كلها إليها، وليس من صواب الرأي أن يحصر النبي الأحرف التي نزل عليها القرآن في سبعة، ثم نترك نحن طرقاً في القراءات المروية عنه دون أن نردها إلى السبعة؛ لأنّ ذلك يلزمه أحد خطرين، فإما أن تكون تلك الطرق المقروء بها غير نازلة، وإما أن يكون هنا حرف نازل وراء السبعة أحرف التي نزل عليها القرآن، ويكون الحصر في كلام الرسول غير صحيح، وكلا هذين خطأ عظيم، وإثم كبير.
* ثالثاً: بقاء الأحرف السبعة في المصاحف:
ذهب جماعة من الفقهاء والقراء والمتكلمين إلى أن جميع هذه الأحرف موجودة بالمصاحف العثمانية، واحتجوا بأنه لا يجوز للأمة أن تهمل نقل شيء منها، وأن الصحابة أجمعوا على نقل المصاحف العثمانية من الصحف التي كتبها
أبو بكر - رضي الله عنه -، وأجمعوا على ترك ما سوى ذلك، ومعنى هذا أنّ الصحف التي كانت عند أبي بكر - رضي الله عنه - جمعت الأحرف السبعة، ونقلت منها المصاحف العثمانية بالأحرف السبعة كذلك.
وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أنّ المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي - صلى الله عليه وسلم - على جبريل - عليه السلام - متضمنة لها.
ذهب ابن جرير الطبري ومَن لف لفه إلى أن المصاحف العثمانية لم تشتمل إلا على حرف واحد من الحروف السبعة، وتأثروا في هذا الرأي بمذهبهم في معنى الحروف السبعة وما التزموه فيه من أن هذه السبعة كانت في صدر الإسلام أيام الرسول - صلى الله عليه وسلم - وخلافة أبي بكر وعمر وصدر من خلافة عثمان - رضي الله عنهم -، ثم رأت الأمة بقيادة عثمان - رضي الله عنه - أن تقتصر على حرف واحد من السبعة جمعاً لكلمة المسلمين، فأخذت به وأهملت كلّ ما عداه من الأحرف الستة، ونسخ عثمان المصاحف بهذا الحرف الذي استبقته الأمة وحده.
وإذا رجعنا بهذه الأوجه السبعة إلى المصاحف العثمانية وما هو مخطوط بها في الواقع ونفس الأمر نخرج بهذه الحقيقة التي لا تقبل النقض، ونصل إلى فصل الخطاب في هذا الباب، وهو أن المصاحف العثمانية قد اشتملت على الأحرف السبعة كلّها، ولكن على معنى أنّ كلّ واحدٍ من هذه المصاحف اشتمل على ما يوافق رسمه من هذه الأحرف كلاً أو بعضاً بحيث لم تخل المصاحف في مجموعها عن حرف منها رأساً.
* ... * ... *
المبحث السابع
في المكي والمدني من القرآن الكريم
ليس من غرضنا في هذا المبحث أن نستقصي بالتفصيل والتدليل آيات القرآن الكريم وسوره، وأن نحقق ما كان منها مكياً وما كان مدنياً، فتلك محاولةٌ كبيرة جديرة أن تفرد بالتأليف، وقد أفردها فعلاً بالتأليف جماعة منهم مكي والعز الدريني، ولكن حسبنا هنا أن نتكلَّم على الاصطلاحات في معنى المكي والمدني، وعلى فائدة العلم بالمكي والمدني، وعلى الضوابط التي يعرف بها، وعلى السور المكية والمدنية والمختلف فيها وأنواع السور المكية والمدنية في النقاط الآتية:
* أولاً: للعلماء في معنى المكي والمدني ثلاثة اصطلاحات:
1.أن المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدني ما نزل بالمدينة، ويدخل في مكّة ضواحيها كالمنزل على النَّبي - صلى الله عليه وسلم - بمنى وعرفات والحديبية، ويدخل في المدينة ضواحيها أيضاً: كالمنزل عليه في بدر وأحد، وهذا التقسيم لوحظ فيه مكان النزول.
ويرد عليه أنه غير ضابط ولا حاصر؛ لأنه لا يشمل ما نزل بغير مكة والمدينة وضواحيهما: كقوله سبحانه في سورة التوبة: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ} [التوبة:42]، فإنها نزلت بتبوك.
2.أنّ المكي ما وقع خطاباً لأهل مكة، والمدني ما وقع خطاباً لأهل المدينة،
وعليه يحمل قول مَن قال: إن ما صدر في القرآن بلفظ: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ}، فهو مكي، وما صدر فيه بلفظ: {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ}، فهو مدني؛ لأن الكفر كان غالباً على أهل مكة، فخوطبوا بـ {يَاأَيُّهَا النَّاسُ}، وإن كان غيرهم داخلاً فيهم، ولأن الإيمان كان غالباً على أهل المدينة، فخوطبوا بـ {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ}، وإن كان غيرهم داخلاً فيهم أيضاً، وألحق بعضهم صيغة يا بني آدم بصيغة يأيها الناس.
ويرد عليه أنه غير ضابط ولا حاصر، فإن في القرآن ما نزل غير مصدر بأحدهما نحو قوله - عز وجل -: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} [الأحزاب:1]، وأن هذا التقسيم غير مطرد في جميع موارد الصيغتين المذكورتين بل إن هناك آيات مدنية صدرت بصيغة {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ} [النساء:1]، كما في سورة النساء فإنها مدنية، وهناك آيات مكية صدرت بصيغة {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج:77] كما في سورة الحج فإنها مكية، فإن أريد أن الغالب
كذلك فصحيح، ولكن صحة الكلام في ذاته لا تسوغ صحة التقسيم، فإن من شأن التقسيم السليم أن يكون ضابطاً حاصراً، وأن يكون مطرداً.
3.أن المكي ما نزل قبل هجرته إلى المدينة، وإن كان نزوله بغير مكة، والمدني ما نزل بعد هذه الهجرة وإن كان نزوله بمكة، وهذا التقسيم لوحظ فيه زمن النزول، وهو تقسيم صحيح سليم؛ لأنه ضابطٌ حاصرٌ ومطردٌ لا يختلف بخلاف سابقيه؛ لذلك اعتمده العلماء واشتهر بينهم.
وعليه فآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة:3] مدنية مع أنها نزلت يوم الجمعة بعرفة في حجة الوداع.
* ثانياً: من فوائد العلم بالمكي والمدني:
1. تمييز الناسخ من المنسوخ فيما إذا وردت آيتان أو آيات من القرآن الكريم في موضوع واحد، وكان الحكم في إحدى هاتين الآيتين أو الآيات مخالفاً للحكم في غيرها، ثم عرف أن بعضها مكي وبعضها مدني، فإننا نحكم بأن المدني منها ناسخٌ للمكي نظراً إلى تأخر المدني عن المكي.
2.معرفة تاريخ التشريع وتدرجه الحكيم بوجه عام، وذلك يترتب عليه الإيمان بسمو السياسة الإسلامية في تربية الشعوب والأفراد.
3.الثقة بهذا القرآن وبوصوله إلينا سالماً من التغيير والتحريف، ويدل على ذلك اهتمام المسلمين به كلّ هذا الاهتمام حتى ليعرفوا ويتناقلوا ما نزل منه قبل الهجرة، وما نزل بعدها، وما نزل بالحضر وما نزل بالسفر.
ولا سبيل إلى معرفة المكي والمدني إلا بما ورد عن الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - في ذلك؛ لأنه لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بيان للمكي والمدني؛ وذلك لأن المسلمين في زمانه لم يكونوا في حاجة إلى هذا البيان كيف، وهم يشاهدون الوحي والتنزيل ويشهدون مكانه وزمانه وأسباب نزوله عياناً، وليس بعد العيان بيان، قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «والذي لا إله إلا هو ما في كتاب الله سورة إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا فيه آية إلا وأنا أعلم فيما أنزلت» (¬1).
* ثالثاً: من الضوابط التي يعرف بها المكي والمدني:
1.كلُّ سورة فيها لفظ: «كلا» فهي مكية، وقد ذكر هذا اللفظ في القرآن
ثلاثاً وثلاثين مرّة في خمس عشرة سورة كلها في النصف الأخير من القرآن.
وحكمة ذلك: أن نصف القرآن الأخير نزل أكثره بمكة وأكثرها جبابرة، فتكررت فيه على وجه التهديد والتعنيف لهم، والإنكار عليهم، بخلاف النصف الأول
وما نزل منه في اليهود لم يحتج إلى إيرادها فيه لذلتهم وضعفهم.
2.كلُّ سورة فيها سجدة، فهي مكية لا مدنية.
3.كلُّ سورةٍ في أولها حروف التَّهجي فهي مكية سوى سورة البقرة وآل عمران، فإنهما مدنيتان بالإجماع، وفي الرعد خلاف.
4.كلُّ سورةٍ فيها قصص الأنبياء والأمم السابقة فهي مكية سوى البقرة.
5.كلُّ سورةٍ فيها قصّة آدم وإبليس فهي مكية سوى البقرة أيضاً.
¬
(¬1) في المعجم الكبير9: 73.
6.كلُّ سورةٍ فيها {يَاأَيُّهَا النَّاسُ}، وليس فيها {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ}، فهي مكية، ولكنه ورد على هذا ما تقدم بين يديك من سورة الحجّ.
7.كلُّ سورةٍ من المفصل فهي مكية، فعن ابن مسعود قال: «نزل المفصل بمكّة، فمكثنا حججاً نقرؤه، ولا ينزل غيره» (¬1)، لكن يرد على هذا أن بعض سور المفصل مدني نزل بعد الهجرة اتفاقاً كسورة النَّصر، فإنّها كانت من أواخر ما نزل بعد الهجرة، فالأولى أن يحمل كلام ابن مسعود - رضي الله عنه - هذا على الكثرة الغالبة من سور المفصل لا على جميع سور المفصل.
والمفصل هي السور الأخيرة من القرآن الكريم مبتدأة من سورة الحجرات على الأصحّ، وسميت بذلك لكثرة الفصل فيها بين السور بعضها.
8.كلُّ سورةٍ فيها الحدود والفرائض فهي مدنية.
9.كلُّ سورةٍ فيها إذن بالجهاد وبيان لأحكام الجهاد فهي مدنية.
10. كلُّ سورةٍ فيها ذكر المنافقين فهي مدنية ما عدا سورة العنكبوت،
والتحقيق أن سورة العنكبوت مكية ما عدا الآيات الإحدى عشرة الأولى منها، فإنها مدنية.
* رابعاً: السور المكية والمدنية والمختلف فيها:
المدني باتفاق عشرون سورة، والمختلف فيه اثنتا عشرة سورة، وما عدا ذلك مكيّ باتفاق.
¬
(¬1) في المعجم الأوسط6: 258.
فالسور العشرين المدنية هي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنفال والتوبة والنور والأحزاب ومحمد والفتح والحجرات والحديد والمجادلة والحشر والممتحنة والجمعة والمنافقون والطلاق والتحريم والنصر.
والسور الاثنتا عشرة المختلف فيها: الفاتحة والرعد والرحمن والصف والتغابن والمطففين والقدر ولم يكن وإذا زلزلت والإخلاص والمعوذتين.
والسور المكية ما عدا ذلك، وهي اثنتان وثمانون سورة.
وقد تكون السورة كلها مكية، مثل: سورة المدثر، فإنها كلها مكية.
وقد تكون كلها مدنية، مثل: سورة آل عمران، فإنّها كلّها مدنية.
وقد تكون السورة مكية ما عدا آيات منها، مثل: سورة الأعراف، فإنها مكية ما عدا آية: {واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ} [الأعراف:163].
وقد تكون مدنية ما عدا آيات منها، مثل: سورة الحج، فإنها مدنية ما عدا أربع آيات منها تبتدىء بقوله - عز وجل -: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى} [الحج:52].
قال بعقيلة الحنفي (¬1): «والحاصل: أن الذي استقرت عليه الروايات أن المكي خمس وثمانون، كما قال الزركشي، والمدني تسع وعشرون، فهذه مائة وأربعة عشر سورة».
واعلم أن وصف السورة بأنّها مكية أو مدنية يكون تبعاً لما يغلب فيها أو تبعاً لفاتحتها، فقد ورد أنه إذا نزلت فاتحة سورة بمكة مثلاً كتبت مكية، ثم يزيد
¬
(¬1) في الزيادة والإحسان1: 207.
الله فيها ما يشاء، ولعل الأنسب بالاصطلاح المشهور في معنى المكي والمدني أن يقال: إذا نزلت فاتحة سورة قبل الهجرة كتبت مكية، وإذا نزلت فاتحة سورة بعد الهجرة كتبت مدنية، ثم يذكر المستثنى من تلك السور إن كان هناك استثناء فيقال: سورة كذا مكية إلا آية كذا، فإنها مدنية أو سورة كذا مدنية، إلا آية كذا فإنها مكية أو نحو ذلك.
وبذل العلماء همة جبارة في استقصاء حال ما نزل من السور والآيات حتى لقد قال أبو القاسم النيسابوري في «التنبيه على فضل علوم القرآن» ما نصه: «من أشرف علوم القرآن علم نزوله وجهاته وترتيب ما نزل بمكة والمدينة، وما نزل بمكة وحكمه مدني وما نزل بالمدينة وحكمه مكي، وما نزل بمكة في أهل المدينة، وما نزل بالمدينة في أهل مكة، وما يشبه نزول المكي في المدني، وما يشبه نزول المدني في المكي، وما نزل بالجحفة، وما نزل ببيت المقدس .... ».
والخلاصة أنّ القرآن كله قام على رعاية حال المخاطبين، فتارة يشتدّ، وتارة يلين تبعاً لما يقتضيه حالهم سواء منهم مكيهم ومدنيهم بدليل أنك تجد بين ثنايا السور المكية والمدنية ما هو وعد ووعيد وتسامح وتشديد، وأخذ ورد وجذب وشدّ.
وإذا لوحظ أن أهل مكة كثر خطابهم بالشدة والعنف، فذلك لما مردوا عليه من أذى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - والكيد لهم حتى أخرجوهم من أوطانهم، ولم يكتفوا بذلك، بل أرسلوا إليهم الأذى في مهاجرهم، وكان القرآن في حملته عليهم وعلى أمثالهم بالقول بعيداً عن كل معاني السباب والإقذاع متذرعاً بالحكمة والأدب الكامل في الإرشاد والإقناع حاثاً على الصبر والعفو والإحسان.
* ... * ... *
المبحث الثامن
في جمع القرآن وتاريخه
تمهيد:
كلمة جمع القرآن تطلق تارةً ويُراد منها حفظه واستظهاره في الصدور، وتطلق تارة أخرى ويراد منها كتابته كله حروفا وكلمات وآيات وسوراً، وهذا جمع في الصحائف والسطور وذاك جمع في القلوب والصدور.
وجمعه بمعنى كتابته حدث في الصدر الأول ثلاث مرات الأولى في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، والثانية في خلافة أبي بكر - رضي الله عنه -، والثالثة على عهد عثمان - رضي الله عنه -، وفي هذه المرة الأخيرة وحدها نسخت المصاحف وأرسلت إلى الآفاق.
ونعرض ما يتعلق بجمع القرآن في النقاط الآتية:
* أولاً: جمع القرآن بمعنى حفظه في الصدور:
نزل القرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم - فكانت همته بادىء ذي بدء منصرفة إلى أن يحفظه ويستظهره، ثم يقرأه على الناس على مكث ليحفظوه ويستظهروه ضرورة أنه نبي أمي بعثه الله في الأميين، {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِين} [الجمعة:2].
ومن شأن الأمي أن يعول على حافظته فيما يهمه أمره ويعنيه استحضاره وجمعه، خصوصاً إذا أوتي من قوة الحفظ والاستظهار ما ييسر له هذا الجمع والاستحضار، وكذلك كانت الأمة العربية على عهد نزول القرآن وهي متمتعة بخصائص العروبة الكاملة التي منها سرعة الحفظ وسيلان الأذهان حتى كانت قلوبهم أناجيلهم وعقولهم سجلات أنسابهم وأيامهم وحوافظهم دواوين أشعارهم ومفاخرهم، ثم جاء القرآن فبهرهم بقوة بيانه وأخذ عليهم مشاعرهم بسطوة سلطانه واستأثر بكريم مواهبهم في لفظه ومعناه، فخلعوا عليه حياتهم حين علموا أنه روح الحياة.
أما النبي - صلى الله عليه وسلم - فبلغ من حرصه على استظهار القرآن وحفظه أنه كان يحرك لسانه فيه في أشدّ حالات حرجه وشدّته وهو يعاني ما يعانيه من الوحي وسطوته وجبريل في هبوطه عليه بقوته يفعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - كل ذلك استعجالاً لحفظه وجمعه
في قلبه مخافة أن تفوته كلمة أو يفلت منه حرف، وما زال كذلك حتى طمأنه ربُّه بأن وعده أن يجمعه له في صدره وأن يسهل له قراءة لفظه وفهم معناه فقال له - عز وجل -: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِه. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَه. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَه. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَه} [القيامة:16 - 19]، وقال له: {وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه:114].
قال بعقيلة الحنفي (¬1): «والحاصل: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لشدة رغبته في حفظ القرآن، وحرصه على أن لا يضيع شيء منه، كان إذا نزل عليه جبريل - عليه السلام - بالقرآن، يكرر ويردد ما يلقيه إليه قبل تمامه وكماله، خشية نسيان شيء منه، فأمره الله - عز وجل - بأن يستمع لما يلقيه، وينصت له، ولا يشتغل بالحفظ والتكرار، ويكفل له بأن لا يضيع ولا يذهب شيء منه، وأنه إذا فرغ جبريل - عليه السلام - من الإلقاء يجمع له في صدره، وينطق به لسانه على أحسن وجه وأتمه، ولا ينسيه منه شيئاً إلا ما شاء أن ينسيه إياه».
ومن هنا كان جامع القرآن في قلبه الشريف، وكان يقرؤه على الناس على مكث كما أمره مولاه، وكان يحيي به الليل ويزين الصلاة، وكان جبريل يعارضه إياه في كلّ عام مرّةً، وعارضه إياه في العام الأخير مرتين، قالت عائشة وفاطمة رضي الله عنهما: سمعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن جبريل كان يعارضني القرآن في كل سنة مرّةً، وإنه عارضني العام مرّتين، ولا أراه إلا حضر أجلي» (¬2).
¬
(¬1) في الزيادة والإحسان1: 147.
(¬2) في صحيح البخاري4: 203.
وأمَّا الصَّحابة - رضي الله عنهم - فقد كان كتاب الله - عز وجل - في المحل الأول من عنايتهم يتنافسون في استظهاره، وحفظه ويتسابقون إلى مدارسته وتفهمه، فبلغ حفاظ القرآن في حياة الرسول جماً غفيراً منهم الأربعة الخلفاء وطلحة وسعد وابن مسعود وحذيفة وسالم مولى أبي حذيفة وأبو هريرة وابن عمر وابن عباس وعمرو بن العاص وابنه عبد الله ومعاوية وابن الزبير وعبد الله ابن السائب وعائشة وحفصة وأم سلمة، وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو الدرداء ومجمع بن حارثة وأنس بن مالك وأبو زيد - رضي الله عنهم -.
فالذين حفظوا القرآن من الصحابة كانوا كثيرين حتى كان عدد القتلى منهم ببئر معونة ويوم اليمامة أربعين ومائة، قال القرطبي: «قد قتل يوم اليمامة سبعون من القراء، وقتل في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببئر معونة مثل هذا العدد».
قال ابن الجزري (¬1): «إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على خطّ المصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة».
ولا يشكلن في هذا المقام ما روي عن أنس - رضي الله عنه - أنه قال: «مات النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يجمع القرآن غير أربعة أبو الدرداء ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد».
فهذا حصر نسبيٌّ وليس حصراً حقيقياً حتى ينفي أن يكون غير هؤلاء الأربعة، أو الجمع بالكتابة لا الحفظ، أو الجمع بوجوه القراءات كلها أو تلقياً ومشافهة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ لمعارضة هذه الرواية للعديد من الروايات، ومنها:
عن أنس - رضي الله عنه - وقد سأله قتادة عمن جمع القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أربعة كلهم من الأنصار أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو
¬
(¬1) في النشر في القراءات العشر1: 6.
زيد» (¬1)، ففي هذه الرواية ذكر من الأربعة أبي بن كعب بدلاً من أبي الدرداء في الرواية السابقة، وهو صادق في كلتا الروايتين؛ لأنه ليس بمعقول أن يكذب نفسه، فتعين أنه يريد من الحصر الذي أورده الحصر النسبي.
وعن ابن عمر - رضي الله عنه - أن النبي يقول: «خذوا القرآن عن أربعة عن عبد الله بن مسعود وسالم ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب» (¬2)، فذكر فيه غير ما ذكر في حديث أنس - رضي الله عنه -.
وعن ابن عمر - رضي الله عنهم - أنه قال: «جمعت القرآن فقرأت به كلّ ليلة، فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: اقرأه في شهر ... » (¬3).
* ثانياً: جمع القرآن بمعنى كتابته في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
حظي بأوفى نصيب من عناية النبي وأصحابه فلم تصرفهم عنايتهم بحفظه واستظهاره عن عنايتهم بكتابته ونقشه، ولكن بمقدار ما سمحت به وسائل الكتابة وأدواتها في عصرهم، فها هو ذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد اتخذ كتابا للوحي كلما نزل شيء من القرآن أمرهم بكتابته مبالغة في تسجيله وتقييده، وزيادة في التوثق والضبط والاحتياط في كتاب الله تعالى حتى تظاهر الكتابة الحفظ ويعاضد النقش اللفظ.
¬
(¬1) في صحيح البخاري5: 37.
(¬2) في صحيح البخاري6: 186، ومسند أحمد11: 76.
(¬3) في سنن النسائي الكبرى7: 276، وصحيح ابن حبان3: 33.
وكان هؤلاء الكتاب من خيرة الصحابة فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية وأبان بن سعيد وخالد بن الوليد وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وثابت بن قيس وغيرهم.
وكان يدلهم - صلى الله عليه وسلم - موضع المكتوب من سورته، ويكتبونه فيما يسهل عليهم من العسب واللخاف والرقاع وقطع الأديم وعظام الأكتاف والأضلاع، ثم يوضع المكتوب في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
فعن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال: «كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نؤلف القرآن من الرقاع» (¬1)، وكان هذا التأليف عبارة عن ترتيب الآيات حسب إرشاد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان هذا الترتيب بتوقيف من جبريل - عليه السلام -.
وصفوة المقال أن القرآن كان مكتوباً كلّه على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكانت كتابته ملحوظاً فيها أن تشمل الأحرف السبعة التي نزل عليها غير أن بعض الصحابة - رضي الله عنهم - كان قد كتب بعض منسوخ التلاوة، وبعض ما هو ثابت بخبر الواحد، ورُبّما كتبه غير مرتب، ولم يكن القرآن على ذلك العهد مجموعاً في صحف ولا مصاحف عامة.
لم يجمع القرآن في صحف ولا مصاحف لاعتبارات كثيرة:
1.أنه لم يوجد من دواعي كتابته في صحف أو مصاحف مثل ما وجد على عهد أبي بكر - رضي الله عنه - حتى كتبه في صحف، ولا مثل ما وجد على عهد عثمان - رضي الله عنه - حتى نسخه في مصاحف، فالمسلمون وقتئذٍ بخير، والقراء كثيرون والإسلام لم يستبحر عمرانه بعد والفتنة مأمونة، والتعويل لا يزال على الحفظ أكثر من الكتابة.
¬
(¬1) في سنن الترمذي5: 734، وصحيح ابن حبان1: 320.
2.أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بصدد أن ينزل عليه الوحي بنسخ ما شاء الله من آية أو آيات.
3.أن القرآن لم ينزل مرّةً واحدة بل نزل منجماً في مدى عشرين سنة أو أكثر.
4.أن ترتيب آياته وسوره ليس على ترتيب نزوله؛ لأن نزوله كان على حسب الأسباب، أما ترتيبه فكان لغير ذلك من الاعتبارات.
فلما استقر الأمر بختام التنزيل ووفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأمن النسخ وتقرر الترتيب ووجد من الدواعي ما يقتضي نسخه في صحف أو مصاحف وفَّق الله الخلفاء الراشدين، فقاموا بهذا الواجب حفظا للقرآن.
* ثالثاً: جمع القرآن على عهد أبي بكر - رضي الله عنه -:
دارت رحى الحرب بين المسلمين وأهل الردة من أتباع مسيلمة الكذاب، وكانت معركة حامية الوطيس استشهد فيها كثير من قراء الصحابة وحفظتهم للقرآن، وينتهي عددهم إلى السبعين في اليمامة، وأنهاه بعضهم إلى خمسمائة من أجلهم سالم مولى أبي حذيفة.
ولقد هال ذلك المسلمين وعز الأمر على عمر - رضي الله عنه - فدخل على أبي بكر - رضي الله عنه - وأخبره الخبر، واقترح عليه أن يجمع القرآن خشية الضياع بموت الحفاظ وقتل القراء،
فتردد أبو بكر أول الأمر؛ لأنه كان وقّافاً عند حدود ما كان عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - يخاف أن يجره التجديد إلى التبديل أو يسوقه الإنشاء والاختراع إلى الوقوع في مهاوي الخروج والابتداع، ولكنه بعد مفاوضة بينه وبين عمر - رضي الله عنه - تجلى له وجه
المصلحة، فاقتنع بصواب الفكرة، وشرح الله لها صدره، وعلم أن ذلك الجمع الذي يشير به عمر - رضي الله عنه - ما هو إلا وسيلة من أعظم الوسائل النافعة إلى حفظ الكتاب الشريف والمحافظة عليه من الضياع والتحريف، وأنه ليس من محدثات الأمور الخارجة، ولا من البدع والإضافات الفاسقة.
وعرض أبو بكر - رضي الله عنه - على زيد - رضي الله عنه - الفكرة ورغب إليه أن يقوم بتنفيذها، فتردد زيد - رضي الله عنه - أول الأمر، ولكن أبا بكر - رضي الله عنه - ما زال به يعالج شكوكه، ويبين له وجه المصلحة حتى اطمأن، واقتنع بصواب ما ندب إليه، وشرع يجمع وأبو بكر وعمر وكبار الصحابة - رضي الله عنهم - يشرفون عليه، ويعاونونه في هذا المشروع الجلل حتى تم لهم ما أرادوا.
فعن زيد - رضي الله عنه - قال: «أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة: أي عقب استشهاد القراء السبعين في واقعة اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر - رضي الله عنه -: إن عمر أتاني، فقال: إن القتل قد أستحر: أي اشتد يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن، فيذهب كثيرٌ من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف نفعل ما لم يفعله رسول الله، قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله، فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله، قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب
واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحدٍ غيره {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} [التوبة:128]، حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر» (¬1).
وبلغ الصحابة - رضي الله عنهم - في الحيطة والحذر أنهم لم يقبلوا شيئاً من المكتوب حتى يشهد شاهدان عدلان أنه كتب بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حيث قدم عمر - رضي الله عنه - فقال: «من كان تلقى من رسول الله شيئاً من القرآن، فليأت به وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يُقبل من أحدٍ شيئاً حتى يشهد شاهدان» (¬2).
وعن أبي بكر - رضي الله عنه - قال لعمر ولزيد: «اقعدا على باب المسجد، فمَن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه» (¬3).
قال ابن حجر: المراد بالشاهدين الحفظ والكتابة، وقال السخاوي (¬4): «من جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله الذي كتب بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإلّا فقد كان زيد جامعاً للقرآن».
ولم يعتمد زيد على الحفظ وحده، ولذلك قال في الحديث: «حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره» (¬5) مع
¬
(¬1) في صحيح البخاري6: 71.
(¬2) في تاريخ المدينة لابن شبة2: 705.
(¬3) في المصاحب لابن أبي داود1: 51.
(¬4) في جمال القراء1: 302.
(¬5) في صحيح البخاري6: 182.
أن زيداً كان يحفظها، وكان كثير من الصحابة - رضي الله عنهم - يحفظونها، ولكنه أراد أن يجمع بين الحفظ والكتابة، زيادة في التوثق ومبالغة في الاحتياط.
وتم جمع القرآن بإشراف أبي بكر وعمر وأكابر الصحابة وإجماع الأمة عليه دون نكير، وكان ذلك منقبة خالدة لا يزال التاريخ يذكرها بالجميل لأبي بكر - رضي الله عنه - في الإشراف ولعمر - رضي الله عنه - في الاقتراح ولزيد - رضي الله عنه - في التنفيذ وللصحابة - رضي الله عنهم - في المعاونة والإقرار، فعن علي - رضي الله عنه - قال: «أعظم الناس أجراً في المصاحف أبو بكر، فإنه أوَّل مَن جمع بين اللوحين» (¬1).
* رابعاً: جمع القرآن على عهد عثمان - رضي الله عنه -:
اتسعت الفتوحات في زمن عثمان، واستبحر العمران، وتفرق المسلمون في الأمصار والأقطار، ونبتت ناشئة جديدة كانت بحاجة إلى دراسة القرآن، وطال عهد الناس بالرسول - صلى الله عليه وسلم - والوحي والتنزيل، وكان أهل كلّ إقليم من أقاليم الإسلام يأخذون بقراءة مَن اشتهر بينهم من الصحابة - رضي الله عنهم -، فأهل الشام يقرؤون بقراءة أبي بن كعب، وأهل الكوفة يقرؤون بقراءة ابن مسعود، وغيرهم يقرأ بقراءة أبي موسى الأشعري.
فكان بينهم اختلاف في حروف الأداء، ووجوه القراءة بطريقة فتحت باب الشقاق والنزاع في قراءة القرآن أشبه بما كان بين الصحابة قبل أن يعلموا أن القرآن نزل على سبعة أحرف، بل كان هذا الشقاق أشدّ لبعد عهد هؤلاء بالنبوة وعدم وجود الرسول - صلى الله عليه وسلم - بينهم يطمئنون إلى حكمه، ويصدرون جميعا عن رأيه،
¬
(¬1) في المصاحف لابن أبي داود1: 49، قال السيوطي في الاتقان1: 204: سنده حسن.
واستفحل الداء حتى كفر بعضهم بعضاً، وكادت تكون فتنة في الأرض وفساد كبير.
فعن أبي قلابة: «لما كانت خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون، حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين، حتى كفر بعضهم بعضاً، فبلغ ذلك عثمان فخطب، فقال: أنتم عندي تختلفون، فمَن نأى عني من الأمصار أشدّ اختلافاً» (¬1).
والأحرف السبعة التي نزل بها القرآن لم تكن معروفة لأهل تلك الأمصار، ولم يكن من السهل عليهم أن يعرفوها كلها، حتى يتحاكموا إليها فيما يختلفون،
إنما كان كل صحابي - رضي الله عنه - في إقليم يقرئهم بما يعرف فقط من الحروف التي نزل عليها القرآن، ولم يكن بين أيديهم مصحف جامع يرجعون إليه فيما شجر بينهم من هذا الخلاف والشقاق البعيد.
لهذه الأسباب والأحداث رأى عثمان بثاقب رأيه وصادق نظره أن يتدارك الخرق قبل أن يتسع على الراقع وأن يستأصل الداء قبل أن يعز الدواء، فجمع أعلام الصحابة وذوي البصر منهم وأجال الرأي بينه وبينهم في علاج هذه الفتنة، ووضع حدّ لذلك الاختلاف، وحسم مادة هذا النزاع.
فأجمعوا أمرهم على استنساخ مصاحف يرسل منها إلى الأمصار، وأن يؤمر الناس بإحراق كل ما عداها وألا يعتمدوا سواها، وبذلك يرأب الصدع ويجبر الكسر وتعتبر تلك المصاحف العثمانية الرسمية نورهم الهادي في ظلام هذا الاختلاف.
¬
(¬1) في المصاحف1: 95.
وشرع عثمان - رضي الله عنه - في تنفيذ هذا القرار الحكيم حول أواخر سنة أربع وعشرين، وأوائل سنة خمس وعشرين من الهجرة، فعهد في نسخ المصاحف إلى أربعة من خيرة الصحابة وثقات الحفاظ وهم زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهؤلاء الثلاثة الأخيرون من قريش، وأرسل عثمان إلى أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما، فبعثت إليه بالصحف التي عندها، وهي الصّحف التي جمع القرآن فيها على عهد أبي بكر - رضي الله عنه -.
ومما تواضع عليه هؤلاء الصحابة - رضي الله عنهم - أنهم كانوا لا يكتبون في هذه المصاحف إلا ما تحققوا أنه قرآن وعلموا أنه قد استقرّ في العرضة الأخيرة، وما أيقنوا صحّته عن النبي مما لم ينسخ، وتركوا ما سوى ذلك نحو قراءة: فامضوا إلى ذكر الله بدل كلمة: «فاسعوا»، ونحو: وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا بزيادة كلمة صالحة إلى غير ذلك.
وإنما كتبوا مصاحف متعددة؛ لأن عثمان - رضي الله عنه - قصد إرسال ما وقع الإجماع عليه إلى أقطار بلاد المسلمين، وهي الأخرى متعددة وكتبوها متفاوتة في إثبات وحذف وبدل وغيرها؛ لأنه قصد اشتمالها على الأحرف السبعة، وجعلوها خالية من النقط والشكل تحقيقاً لهذا الاحتمال أيضاً، فكانت بعض الكلمات يقرأ رسمها بأكثر من وجه عند تجردها من النقط والشكل، نحو: فتبينوا من قوله تعالى: {إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات:6]، فإنها تصلح أن تقرأ: «فتثبتوا» عند خلوها من النقط والشكل، وهي قراءة أخرى، وكذلك كلمة: «ننشرها» من قوله تعالى: {وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا} [البقرة:259]، فإن تجردها من النقط