آراء الفقهاء في زواج وطلاق ...
... المريض مرض الموت
جارٍ تحميل الكتاب…
آراء الفقهاء في زواج وطلاق ...
... المريض مرض الموت
آراء الفقهاء
في زواج وطلاق المريض مرض الموت
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:
فهذه صفحات معدودات في ذكر أقوال الفقهاء فيما يتعلق بزواج وطلاق مريض مرض الموت جمعتها أثناء تجهيز لمادة الأحوال الشخصية أثناء تدريسي لمساقها.
وأحببت أن أفردها بالذكر لطول الكلام فيها وكثرة الاهتمام بها.
راجياً من الله تعالى أن يتقبل هذا العمل، وسائلاًالمولى - عز وجل - أن يجعله عملنا خالصا لوجه الكريم، وصلى الله على سيدنا محمد.
وكتبه
الدكتور صلاح أبو أبو الحاج
عمان، صويلح
بتاريخ 29 ـ 5 ـ 2006 م
تمهيد في تعريف مرض الموت:
فهو المرضُ الذي يكون الغالب فيه موت المريض، ويعجزه عن القيام بمصالحه خارج البيت بعد أن كان قادراً عليها، وهذا يختلف باختلاف الأشخاص بالنسبة لوظائفهم كالسوقي والكاتب والمدرس والقاضي. ولا يشترط فيه أن يقعدَ صاحبُه في الفراش، وفي حقِّ المرأة: فهو المرض الذي يكون الغالب فيه موتها ويعجزها عن القيام بمصالحها داخل البيت (¬1).
ويلحق بالمريض مرض الموت:
1.مَن بارز رجلاً يغلب عليه خوف الهلاك وإن لم يكن الرجل أقوى منه.
2.مَن قُدِّمَ ليقتل من قصاص أو رجم، أو ليقتله ظالم.
¬
(¬1) وفي رد المحتار 2: 520 تحقيق بأن المعول عليه في المرض هو غلبة الهلاك دون العجز فمن علم أن به مرضاً مهلكاً غالباً، وهو يزداد إلى الموت فهو المعتبر، وإن لم يعلم أنه مهلك يعتبر العجز عن الخروج للمصالح.
3.مَن كان في سفينة تلاطمت عليها الأمواج وخيف غرقها، ومن باب أولى ما إذا غرقت بالفعل.
4.مَن افترسه سبعٌ وبقي حياً في فمه.
والمقعدُ والمسلولُ والمفلوجُ ما دام يزداد ما بهم من العلّة فحكمهم كالمريض، فإن قدمت العلّة بأن تطاولت سنة ولم يحصل فيها ازدياد ولا تغيّر في أحوالهم، فتصرفاتهم بعد السنة في الطلاق وغيره كتصرفات الصحيح، أما لو مات حالة الازدياد الواقع قبل التطاول لمدة سنة أو بعد التطاول فهو مريض (¬1).
• • •
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار 2: 521، والأحكام الشرعية 1: 377، وغيرها.
المطلب الأول
زواج المريض
اتفق الحنفية (¬1) والشافعية (¬2) والحنابلة (¬3) والظاهرية (¬4) على صحة زواج المريض مرض الموت، وقال ابن حزم (¬5): ((وهو قول ابن شبرمة, والأوزاعي والحسن بن حي وأبي سليمان وجميع أصحابنا)).
واختلفوا في المهر، هل يكون لها المسمى أو مهر المثل من كل المال:
فذهب الشافعي - رضي الله عنه - وابن حزم - رضي الله عنه - إلى أنه يكون لها المسمّى من كل المال، إذ قال الشافعي - رضي الله عنه - (¬6): ((ويجوز للمريض أن ينكح جميع ما أحل الله تعالى أربعاً وما دونهن كما يجوز له أن يشتري, فإذا أصدق كل واحدة
¬
(¬1) غمز العيون البصائر 1: 246، وكشف الأسرار 4: 307،
(¬2) ينظر: الأم 1: 108.
(¬3) ينظر: المغني 7: 210، والفتاوى الكبرى 5: 446.
(¬4) ينظر: المحلى 9: 152 - 156.
(¬5) في المحلى 9: 155.
(¬6) في الأم 1: 108.
منهن صداق مثلها جاز لها من جميع المال وأيتهن زاد على صداق مثلها فالزيادة محاباة، فإن صحّ قبل أن يموت جاز لها من جميع المال, وإن مات قبل أن يصح بطلت عنها الزيادة على صداق مثلها وثبت النكاح وكان لها الميراث)).
وقال ابن حزم (¬1): ((وتزويج المريض الموقن بالموت , أو غير الموقن: مريضة كذلك أو صحيحة جائز , ويرثها وترثه: مات من ذلك المرض أو صح ثم مات. وكذلك للمريضة الموقنة وغير الموقنة: أن تتزوج صحيحاً أو مريضاً, ولها في كل ذلك الصداق المسمى كالصحيحين ولا فرق)).
وذهب الحنفية (¬2) والحنابلة (¬3) إلى أنه يكون لها مهر المثل من كل المال.
وحجتهم الجمهور في ذلك:
1.عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: ((لو لم يبق من أجلي إلا عشرة أيام أن أموت في آخرها يوما لي فيهن طول للنكاح لتزوجت مخافة الفتنة)) (¬4).
¬
(¬1) في المحلى 9: 152.
(¬2) في الهداية 3: 500، والعناية 4: 237، فتح القدير 4: 237،
(¬3) ينظر: الفتاوى الكبرى 5: 446.
(¬4) في المحلى 9: 154.
2.قال معاذ بن جبل - رضي الله عنه - في مرضه الذي مات فيه: ((زوجوني , إني أكره أن ألقى الله عز وجل عزباً)) (¬1).
3.عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ((دخل الزبير على قدامة بن مظعون يعوده فبشر الزبير بجارية وهو عنده؟ فقال له قدامة: زوجنيها؟ فقال له الزبير: وما تصنع بجارية صغيرة وأنت على هذه الحال؟ فقال له قدامة: إن أنا عشت فابنة الزبير , وإن مت فأحق من ورثتني , قال عروة: فزوجها إياه)) (¬2).
3.عن نافع مولى ابن عمر - رضي الله عنه - قال: ((تزوج عبد الرحمن بن أبي ربيعة بنت عم له في مرضه لترثه , فمات فورثته , وذلك في زمن عثمان بن عفان)) (¬3).
4.عن عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة بن خالد يقول: ((أراد عبد الرحمن بن أم الحكم في شكواه أن يخرج امرأته من ميراثها منه فأبت فنكح عليها ثلاث نسوة وأصدقهن ألف دينار كل امرأة منهن فأجاز ذلك عبد الملك بن مروان وشرك بينهن في الثمن)) (¬4).
¬
(¬1) في المحلى 9: 154.
(¬2) في المحلى 9: 154.
(¬3) في المحلى 9: 154، والأم 1: 108.
(¬4) في الأم 1: 108.
قال ابن حزم (¬1): ((عهدنا بالمالكيين يعظمون خلاف الصاحب الذي لا يعرف له من الصحابة - رضي الله عنهم -: مخالف وهذا مما خالفوا فيه ابن مسعود , ومعاذ بن جبل والزبير وقدامة بن مظعون وعبد الله بن أبي ربيعة بحضرة جميع الأحياء من الصحابة - رضي الله عنهم - لا ينكر ذلك أحد، وفي خلافة عثمان. قال أبو محمد: أباح الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - النكاح، ولم يخص في القرآن، ولا في السنة: صحيحا وصحيحة من مريض ومريضة {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم:64]، وما نعلم للمخالف حجة أصلا، لا من قرآن، ولا سنة، ولا قول صاحب، ولا من رأي يعقل، غير أن بعضهم احتج بأنه ليس له أن يدخل على أهل الميراث من يشركهم فيه)).
واختلف عن الإمام مالك - رضي الله عنه - في نكاح المريض على قولين مشهورين (¬2):
أحدهما: أنه يمنع سواء كان المريض محتاجاً إلى النكاح لخدمة أو استمتاع أو ليس بمحتاج، ولو أذن الورثة في نكاح المريض لا يدفع المنع، وهذا القول جعله اللخمي هو المشهور. وعللوا سبب منع
¬
(¬1) في المحلى 9: 155.
(¬2) ينظر: المدونة 2: 170، والشرح الكبير 2: 275 - 276، ومواهب الجليل 3: 481، والتاج والإكليل 5: 142 - 143
المريض من النكاح إدخال وارث متحقق بخلاف الوطء فإنه يحتمل أن يكون حمل أو أن لا يكون.
فإن حصل نكاح عليه أن يعجّل بالفسخ ولو بعد البناء أو حائضاً ما لم يصح المريض من الزوجين فلا يفسخ لزوال المانع.
الثاني: أنه إنّما يمتنع إذا لم يحتج المريض إلى النكاح، وهذا الذي شهره في ((الجواهر))
وذهب المالكية بخصوص المهر أن للمريضة المتزوجة في المرض بالدخول وموته المسمّى فيقضى لها به من رأس المال، أما المريض المتزوج في مرضه المخوف إذا مات قبل فسخه من ثلث ماله الأقل من المسمى ومن صداق المثل، فإن كان الثلث أقل منهما أخذته فقط فتحصل أن عليه الأقل من الثلاثة أشياء الثلث والمسمى وصداق المثل
وجعل المتيطي من المالكية المرض أربع أنواع (¬1)، هي:
1.غير مخوف فيجوز النكاح فيه.
2.إن كان مخوفا متطاولا كالسل والجذام وتزوج في أوله فيجوز نكاحه.
¬
(¬1) ينظر: التاج والإكليل 5: 141 - 142.
3.مخوف أشرف صاحبه على الموت فلا يجوز، وهو فاسد ولا ميراث بينهما فيه غير المخوف.
4.مخوف غير متطاول ولم يشرف على الموت، فالمشهور من قول مالك وأصحابه أنه فاسد ولا ميراث فيه يعني سواء مات المريض أو الصحيح. قال المتيطي: ((وعلى هذا العمل وبه الحكم)).
ونقل ابن حزم (¬1) عن عطاء بن أبي رباح أنه لا يصح نكاح المريض إلا أنه إن صح من مرضه جاز ذلك النكاح.
وفصَّل الشيعة الإمامية قبل الدخول وبعده: كما ذكر الحلي (¬2): ((بأن نكاح المريض مشروط بالدخول, فإن مات في مرضه ولم يدخل, بطل العقد ولا مهر لها ولا ميراث)).
وسئل ابن تيمية عن مريض تزوج في مرضه, فهل يصح العقد؟ فأجاب (¬3): ((نكاح المريض صحيح, ترث المرأة في قول جماهير علماء المسلمين من الصحابة والتابعين , ولا تستحق إلا مهر المثل , لا تستحق الزيادة على ذلك بالاتفاق)).
¬
(¬1) في المحلى 9: 153.
(¬2) في شرائع الإسلام 4: 29.
(¬3) في الفتاوى الكبرى 3: 99. وينظر: 5: 446.
وقال ابن العربي (¬1): ((وأما نكاح المريض فمن مسائل الخلاف; ومنعه مالك وجوزه أبو حنيفة والشافعي)).
• • •
¬
(¬1) في أحكام القرآن 1: 496.
المطلب الثاني
طلاق المريض
اتفق الفقهاء على صحة طلاق المريض مطلقاً، سواء أكان مرض موت أم مرضا عاديا، ما دام لا أثر له في القوى العقلية، فإن أثر فيها دخل في باب الجنون والعته وغير ذلك مما تقدم. إلا أن المريض مرض موت بخاصة إذا طلق زوجته المدخول بها في مرضه بغير طلب منها أو رضا طلاقا بائنا، ثم مات وهي في عدتها من طلاقه هذا، فإنه يعد فاراً من إرثها حكماً، وترث منه رغم وقوع الطلاق عليها عند جمهور الفقهاء.
وقيد الحنفية ذلك بما إذا لم تطلب الطلاق البائن، فإذا طلبت هذا الطلاق فلا ترث، وخالف الشافعية، وقالوا بعدم إرث البائنة، أما المعتدة من طلاق رجعي فترث بالاتفاق (¬1).
وقال الأستاذ عيسوي أحمد عيسوي (¬2): ((طلاق المريض جائز ونافذ
¬
(¬1) الموسوعة الفقهية الكويتية 29: 19.
(¬2) في نظرية العقد ص 460.
بلا خلاف بين الفقهاء، إلا أنه إذا كان الطلاق بائناً بغير رضا المرأة فقد اختلفت الفقهاء فيه من ناحية ثبوت الإرث للزوجة عند الموت وعدمه، فقال علماء الحنفية: إنها تستحق الميراث إذا مات وهي في العدة، وقال أحمد: إنها تستحق الميراث ولو انقضت العدة ما لم تتزوج قبل موته، وقال مالك: إنها تستحق الميراث ولو تزوجت غيره قبل الموت، وقال الشافعي: لا تستحق الميراث أصلاً ولو مات زوجها وهي في العدة)).
وتفصيل أحكام المريض على مذهب الحنفية:
أولاً: شروط استحقاق الزوجة الإرث في طلاق مرض الموت:
1.أن يوقعَ الطلاقَ طائعاً، فلو كان مكرهاً، فلا ترث؛ لأنه مضطرٌ في إيقاعه، فليس له قصدٌ سيئ حتى تردَّ عليه.
2.أن يكون بغير رضا الزوجة، فلو طلبت منه الطلاقَ البائنَ مختارةً فأوقعه، فلا ترث؛ لأنها رضيت بإسقاط حقّها.
3.أن يموتَ في هذا المرض، أو وهو على تلك الحالة سواء كان بذلك السبب، أو بغيره بأن قتل في مرضه، فإن برئ الزوج أو زالت عنه تلك الحالة، ثم مات بعلّة أو حادثة أخرى، وهي في العدّة، فلا ترثه (¬1).
وعند الشافعي - رضي الله عنه -: إذا مات بغير ذلك السبب لا ترث (¬2).
4.أن يموتَ والمرأة في العدّة، فلو مات بعد انقضائها، فلا ترث؛ لأنّ سبب الإرث يمكن اعتباره في العدّة لا بعدها؛ لأن الزوجيةَ سبب إرثها في مرض موته، والزوج قصد إبطاله، فيرد عليه قصده بتأخير عمله إلى زمان انقضاء العدّة دفعاً للضرر عنها، وقد أمكن إذ النكاح في العدّة يبقى في حقِّ بعض الأحكام، فجاز أن يبقى في حقِّ إرثها منه.
5.أن تكون مستحقّة للميراث وقت الطلاق، فإن كانت غيرَ مستحقّة كما إذا كانت رقيقة أو كتابيّة، ثُمّ عتقت أو أسلمت قبل موته، فلا ترث؛ لعدم قصده الحرمان من الإرث؛ إذ هو غير ثابت في هذه الحالة؛ لوجود المانع منه.
6.أن تستمرَ أهليتُها من وقت الإبانة إلى وقت الموت، فلو وجدت الأهلية عند الإبانة والموت، ولكنّها انقطعت أثناء الزمن الفاصل بينهما
¬
(¬1) ينظر: الوقاية وشرحها لصدر الشريعة ص 341، وغيرها.
(¬2) ينظر: الأم 5: 273، والتنبيه ص 116، ونهاية المحتاج 6: 426، ومغني المحتاج 3: 284، وحاشيتا قليوبي وعميرة 3: 325، وغيرها.
فلا ترث، فإذا أبانها وهي مسلمة فارتدّت وأسلمت ومات وهي في العدّة، فلا تستحقّ الميراث؛ لأنها بردَّتها سقطَ حقُّها، فلا يعود بالإسلام؛ إذ الساقط لا يعود.
هذا في حق إرث المرأة لمطلقها، أما في حق المطلِّق فإنه لا يرثها وإن مات في عدّتها؛ لأنه أسقطَ حقَّه بهذا الطلاق البائن؛ لأنه يزيل أحكام النكاح.
وحجة ذلك:
1.عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أنه ورَّث تماضر بنت الأصبع امرأة عبد الرحمن بن عوف (¬1)، وكان قد أبانَها في مرضه بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم - من غير نكير فكان إجماعاً.
2.إن الزوجيةَ سببُ إرثها في مرض موته، والزوجُ قصدَ إبطالَه فيُرَدُّ عليه قصدُه بتأخير عمله إلى انقضاء العدّة؛ لبقاء بعض الأحكام، كما ردَّت تبرّعاته في حقِّ الدائن والوارث، بخلاف ما إذا ماتت هي، فإنّه لا يرثُها؛ لأن الزوجيّةَ في هذه الحالة ليست بسبب إرثه منها، لا سيما إذا رضي هو بعدم الإرث، ولا يمكن إبقاء السبب بعد انقضاء العدّة؛ لأنه يؤدِّي إلى توريثها من زوجين فيما لو تزوَّجت بعد انقضاء العدّة، وإلى
¬
(¬1) في مصنف عبد الرزاق 7: 62، وسنن سعيد بن منصور 2: 66، ومسند الشافعي 294، وسنن البيهقي الكبير 7: 362، وغيرها.
توريث أكثر من أربع نسوة من رجل واحد فيما إذا كان متزوّجاً أربعاً وطلَّق إحداهن وبعد انقضاء العدّة تزوَّج بغيرها.
ثانياً: الحالات التي ترث المرأة زوجها إذا مات وهي في العدة إن كانت مستحقة:
والضابط في ذلك: إن كلَّ مسألة يظهر فيها أن غرضَ الزوج حرمان زوجته من الإرث ترث، وكلُّ مسألة لا يظهر فيها ذلك لا ترث. وتفصيلها فيما يأتي:
1.إذا طلبت من زوجها وهو مريض مرض الموت أن يطلِّقَها رجعيّاً، فطلَّقَها بائناً سواء كانت البينونة صغرى أو كبرى؛ لأن الطلاق الرجعيّ الذي سألته لا يزيل النكاح، فلا يمنع من الميراث، فلم تكن بسؤالها راضيةً ببطلان حقّها، فإذا خالف وأوقع البائن دلَّ ذلك على أن غرضَه حرمانَها من الإرث، فيُرَدُّ عليه قصدُه فترث.
2.إذا لاعنها في مرضه، وفرَّق بينهما سواء كان القذف الموجب للعان حَصَلَ في حال الصحّة، أو في حال المرض، والتفريق بعد اللعان وإن كان لها دخل فيه؛ لأنه لا يحصل إلا بعد صدوره منهما، لكنها مضطرة؛ لدفع عار الزنا عن نفسها، فيضاف سبب الفرقة إليه لا إليها، فلا يسقط حقُّها في الميراث.
3.إذا آلى منها وهو مريض، ومضت مدة الإيلاء في المرض حتى بانت منه بعدم قربانها؛ لأن الإيلاء بمنزلة تعليق الطلاق بمضي الزمان، فكأنّه قال لها: إذا أمضي أربعة أشهر ولم أقربُك فيها فأنت بائن، فكان يمكنه أن يقربَها في المدّة ويكفِّر عن يمينه، فإذا لم يقربها دلَّ ذلك على قصده حرمانها من الإرث، فيردُّ عليه قصده.
ثالثاً: الحالات التي لا ترث المرأة زوجها إذا مات وهي في العدة:
1.إذا أكرَه الزوجُ على إبانتها بوعيد تلف، بأن قال له شخص: إن لم تطلِّق زوجتك طلاقاً بائناً أوقعت بك كذا من الأذى؛ لأنه في هذه الحالة ليس عنده قصد سيء، حتى يردَّ عليه فلا ترث.
2.إذا طلبت المرأةُ منه أن يطلِّقَها بائناً ففعل، إذ بطلبها الطلاق البائن مع علمها بأنه يزيل أحكام النكاح، ويترتَّب عليه عدم الإرث، قد رضيت بإسقاط حقّها فلا ترث، لكن يشترط أن تكون مختارةً في هذا الطلب، فلو أكرهت عليه، فلا يسقط حقّها إذ الرضا بعدم الإرث غير موجود؛ لأن الإكراه لعدم الرضا، فلا يسقط حقّها في الميراث.
3.إذا طلَّقَها رجعيّاً وبعده قبَّلت واحداً من أصوله أو فروعه بشهوة، أو مكَّنته من نفسها، فإن كلاً منهما يترتَّب عليه حرمة المصاهرة، فصارت محرمة على زوجها، فتكون هي التي باشرت سبب الفرقة،
والزوج وإن أوقع الطلاقَ قبل ذلك إلا أنه رجعيّ، وهو لا يزيل الملك، ولا الحلّ، فيضاف سبب الفرقة إليها، فلا ترث.
ولا فَرْقَ بين أن يكون التمكين برضاها أو بغيره؛ لأنه إن كان باختيارها، فقد رضيت بإبطال حقّها، وإن كانت مكرهة لم يوجد من الزوج إبطال حقّها المتعلّق به الإرث؛ لوقوع الفرقة بفعل غيره، حتى إذا كان هو المكره لها على التمكين ورثت؛ لأنه بذلك ينتقل إليه فيصير كالمباشر، فكأنه هو الذي باشر سبب الفرقة (¬1).
4.إذا آلى منها وهو صحيح فمرض ومضت مدّة الإيلاء وهو مريض، فإذا قال رجل لامرأته وهو صحيح: والله لا أقربك أربعة أشهر ثمّ مرض ومضت هذه المدّة بانت منه، فإذا مات وهي في العدّة، فإنّها لا ترثه؛ لعدم قصده حرمانها من الإرث وقت الإيلاء؛ لأن المرضَ الذي يعقبُه الموتُ الذي هو شرط في الإرث غير موجود وقت الإيلاء، والزوج وإن كان متمكّناً من إبطاله بقربانها في المدّة لكن تمكّنه لا يكون خالياً عن ضرر يلحق به، وهو كفارة اليمين، فلم يكن متمكّناً مطلقاً، فلا يقال: إنه هارب من إرثها.
5.أن يكون لها دخل في سبب الفرقة، ومن أمثلته:
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار 2: 523، وغيرها.
أ. الخلع، فإذا قال لها: خالعتُك في نظير عشرين جنيهاً وقبلت، وقع الطلاقُ البائن ولزمها المال، فلو مات في عدّتها فلا ترثه؛ إذ باختيارها نفسها قد رضيت بإسقاط حقّها؛ لأنها إذا لم تختر نفسها، فلا يقع الطلاق حتى إذا وجد دليل عدم الرضا بأن أكرهت على قبول بدل الخلع أو اختيارها أو اختيارها نفسها فلا يسقط حقّها.
ب. اختيارها نفسها بالبلوغ، بأن زوَّجها غير الأب والجدّ وهي صغيرة، وكان الزوج كفؤاً والمهر مهر المثل، فإن الزواجَ في هذه الحالة صحيح، ولكن إذا بلغت فلها أن تختارَ نفسَها وتفسخ العقد، فإذا كان هذا الاختيار وزوجها مريضٌ مرضَ الموت ومات في عدّتها، فلا ترثه؛ لأنها بهذا الاختيار أسقطت حقَّها في الميراث.
ج. الفرقة بالاختيار: الفرقة بالجبّ والعنة، فإذا وجدت المرأة ُزوجَها مجبوباً أو عنيناً ورفعت الأمر إلى القاضي طالبةً الفرقة، وكان هذا الطلب في مرض موته، وفَرَّقَ بينهما ومات في عدّتها فلا ترثه؛ لأن الفرقةَ جاءت من قبلها.
د. إذا كانت الزوجةُ غيرَ مستحقّة للميراث وقت الإبانة، ثمّ استحقَّته بعدها، فإذا أبان المريضُ مرضَ الموت زوجتَه الكتابية، فأسلمت ومات وهي في العدّة، فإنّها لا ترثه.
ولا بد في البائن أن تستمر أهليتها من وقت الطلاق إلى وقت الموت كما إذا طلَّقها مسلمة، فارتدت ـ أعاذنا الله ـ، ثم أسلمت ومات، فإنّها لا ترثُ إذا بردَّتِها سقطَ حقّها في الميراث؛ ولأن الساقطَ لا يعود (¬1).
هـ. إذا أبان الرجلُ زوجتَه وهو غيرُ مريض في حالةٍ لا يغلب خوف الهلاك؛ لغلبة السلامة، ومنها:
1) أن يكون محبوساً بقصاص.
2) أن يكون محصوراً بالعدو في حصن.
3) أن يكون في صفّ القتال.
4) أن يكون في سفينة قبل خوف الغرق.
5) أن يكون الطلاق في وقت فشو الوباء.
6) أن يكون مشتكياً من ألم، ولكنَّه قائم بمصالحه خارج البيت؛ لأن هذا لم يخل منه إنسان في الأغلب (¬2).
¬
(¬1) ينظر: الدر المختار 2: 523، وغيرها.
(¬2) ينظر: الوقاية وشرحها لصدر الشريعة ص 341، والملتقى ص 63، والدر المنتقى 1: 491، وشرح ابن ملك ق 100/ب، وتبيين الحقائق 2: 248، والدر المختار ورد المحتار 2: 521 - 524، والأحكام الشرعية وشرحها 1: 376 - 385، وغيرها.
رابعاً: الحالات التي يرث فيها الرجل زوجته بمباشرتها سبب الفرقة في مرض الموت ومات في العدّة:
1.إن اختارت نفسَها بالبلوغ؛ بأن زوَّجها غير الأب والجدّ وكان الزوج كفؤاً والمهر مهر المثل، فبلغت وهي في حالة يغلب الهلاك فيها، واختارت نفسها وماتت في العدّة ورثَها.
2.إن فعلت بأحد أصول زوجها أو فروعه ما يحرِّمها على الزوج؛ بأن مكّنته من نفسها أو قبَّلته بشهوة طائعة مختارة وماتت في العدّة ورثها.
3.إن ارتدّت وماتت في العدّة ورثَها؛ لأنها والحالة هذه تكون فارّة من إرثه، فيُرَدُّ عليها قصدُها (¬1).
• • •
¬
(¬1) ينظر: التنوير والدر المختار 2: 528، وشرح الأحكام الشرعية 1: 385 - 386، وغيرها.
المراجع:
1. أحكام القرآن: لأحمد بن علي الرازي الجصاص (305 - 370 هـ)، دار الفكر.
2. الأم: لمحمد بن إدريس الشافعي (150 - 204 هـ)، دار المعرفة، بيروت، ط 2، 1393 هـ.
3. التاج والإكليل لمختصر خليل: لمحمد بن يوسف العبدري المَوَّاق (897 هـ)، دار الكتب العلمية، وأيضاً: طبعة دار الفكر، بيروت، ط 2، 1398 هـ.
4. تبيين الحقائق شرح كَنْز الدقائق: لعثمان بن علي الزيلعي فخر الدين (ت 743 هـ)، المطبعة الأميرية، مصر، ط 1، 1313 هـ.
5. التنبيه: لإبراهيم بن علي الشيرازي (393 - 476 هـ)، تحقيق: عماد الدين أحمد، عالم الكتب، بيروت، ط 1، 1403 هـ، وأيضا: مطبعة مصطفى الحلبي، الطبعة الأخيرة، 1370 هـ.
6. حاشيتا قليوبي وعميرة على شرح المحلي على المنهاج: لشهاب الدين القليوبي وعميرة، دار إحياء الكتب العربية.
7. الدر المختار شرح تنوير الأبصار: لمحمد بن علي بن محمد الحصكفي الحنفي (ت1088هـ)، مطبوع في حاشية رَدّ المُحْتَار، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
8. الدر المنتقى في شرح الملتقى: لعلاء الدين محمد بن علي الحَصْكَفي (ت1088هـ)، بهامش مجمع الأنهر، دار الطباعة العامرة، 1316هـ.
9. ردّ المحتار على الدر المختار: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
10. سنن البَيْهَقِي الكبير: لأحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِي (ت458هـ)، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414هـ.
11. سنن سعيد بن منصور: لسعيد بن منصور (ت227)، تحقيق: الدكتور سعد أل حميد، دار العصيمي، الرياض، ط1، 1414هـ.
12. شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام: لجعفر بن الحسن الحلي، مؤسسة مطبوعاتي إسماعليان.
13. شرح الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية: لمحمد زيد الأبياني، منشورات مكتبة النهضة، بيروت.
14. الشرح الكبير على مختصر خليل لأحمد الدردير المالكي، دار الفكر.
15. شرح الوقاية: لعبيد الله بن مسعود صدر الشريعة (ت747)، مطبع فتح الكريم الواقع في بندار لمبيء، 1303هـ، وأيضاً: بتحقيق الدكتور
صلاح محمد أبو الحاج، رسالة دكتوراه مقدمة إلى كلية العلوم الإسلامية، جامعة بغداد، 2002م.
16. شرح الوقاية: لمحمد بن عبد اللطيف ابن ملك الكِرْمَانِيّ توفي بعد (806هـ)، من مخطوطات وزارة الأوقاف العراقية، برقم (962).
17. العناية على الهداية: لأكمل الدين محمد بن محمد الرومي البَابَرْتي (ت786هـ)، بهامش فتح القدير للعاجز الفقير، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
18. غمز عيون البصائر على الأشباه والنظائر: لأحمد بن محمد الحموي (ت1098هـ)، دار الطباعة العامرة، مصر، 1290هـ.
19. فتح القدير للعاجز الفقير على الهداية: لمحمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السكندري السيواسي كمال الدين الشهير بـ (ابن الهمام) (790 - 861هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، وأيضاً: طبعة دار الفكر.
20. كشف الأسرار شرح أصول البَزْدَوي: لعبد العزيز بن أحمد البخاري الحنفي علاء الدين (ا730هـ)، طبعة اسطنبول، 1308هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتاب الإسلامي.
21. المحلى بالآثار: لعلي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري (383 - 456هـ)، دار الآفاق الجديدة، بيروت، وأيضاً: طبعة دار الفكر.
22. المدونة الكبرى: لعبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي الملقب بسَحْنون (160 - 240هـ)، دار صادر، بيروت.
23. مسند الشافعي: لمحمد بن إدريس الشافعي (150 - 204هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت.
24. المصنف: لعبد الرزاق بن همام الصنعاني (126 - 211هـ)، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط2، 1403هـ.
25. مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج: لمحمد الخطيب الشربيني (ت977هـ)، دار الفكر.
26. المغني شرح الخرقي: لعبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي (541 - 620هـ)، دار الفكر، بيروت.
27. ملتقى الأبحر: لإبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحَلَبي (ت956هـ)، مطبعة علي بك، 1291هـ، وأيضاً: بتحقيق: وهبي سليمان غاوجي الألباني، مؤسسة الرسالة، ط1، 1409هـ.
28. مواهب الجليل شرح مختصر خليل: لمحمد بن محمد بن عبد الرحمن المعروف بـ (الحطاب) (ت954هـ)، دار الفكر، بيروت، ط2، 1398هـ.
29. الموسوعة الفقهية الكويتية: لجماعة من العلماء، تصدرها وزارة الأوقاف الكويتية.
30. نظرية العقد قواعده العامة ومصطلحاته: للأستاذ عيسوي أحمد عيسوي، جامعة عين شمس، مصر.
31. نهاية المحتاج إلى شرح ألفاظ المنهاج: لمحمد بن أحمد الرملي المصري الشهير بـ (الشافعي الصغير) (ت1004هـ)، دار الفكر.
32. الهداية شرح بداية المبتدي: لأبي الحسن علي بن أبي بكر المرغيناني (ت593هـ)، مطبعة مصطفى البابي، الطبعة الأخيرة، بدون تاريخ طبع.
33. وقاية الرواية في مسائل الهداية: لمحمود بن عبيد الله تاج الشريعة، من مخطوطات مكتبة الأوقاف العراقية.
• • •