اختيارات القدوري في مختصره .....
.... المعتمدة على أصول البناء
جارٍ تحميل الكتاب…
اختيارات القدوري في مختصره .....
.... المعتمدة على أصول البناء
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
اختيارات القدوري
في مختصره المعتمدة على أصول البناء
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* نشر في مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة الكويت.
ملخص البحث:
اهتم البحث بمتن في الفقه الحنفي يُعدّ الأساس والأمّ لغيره من متون الحنفية، وهو من أكثر الكتب شهرةً في التَّدريس والشَّرح والنَّظم والتَّرجمة، وعليه التَّعويل في معرفةِ المعتمد من مذهب السَّادة الحنفية لمكانته الرَّفيعة، حيث تمكن البحث من استخراج المسائل المخالفة للمعتمد في مذهب الحنفية، وبلغت ثلاثة وعشرون مسألة موزعةً في أبواب الفقه المختلفة من عبادات ومعاملات وأحوال شخصية، حيث تمّ عرضها ومنقاشتها من جهة فقهيّة مذهبيّة مع كتب المذهب الأُخرى في المبحث الثاني من البحث، وتناول المبحث الأول ترجمة القدوري وبيان مكانة مختصره.
* * *
Al-Imam Al Kaddouri irregularities in "Mokhtasar Al Kaddouri"
Abstract
The study showed Maten in Hanafi Fiqh, that conceders the foundation and the mother of the other Hanafis Motoon. It is one of the most famous books in the teaching , explanation, and the doctrine adopted by the gentlemen of Hanafis the high-status knowledge. Where the study was able to extract from contrary issues certified in the Hanafi, that amounted to twenty-three issue distributed at the doors of various Fiqh of worships , personal transactions and conditions where it was displayed of doctrinal juristic and doctrine with the other books in the second section of the search. While the first section talked about a biography of Al Kaddouri and the importance of "Mokhtasar Al Kaddouri".
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمّد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، ومَن اتبعه بإحسان إلى يوم الدِّين.
وبعد:
نال «مختصر القُدُوريّ» من المكانة والشُّهرة منزلةً وقدراً كبيراً بين متون الفقه عموماً ومتون الفقه الحنفي خصوصاً، فيعتبر الأساس لما بعده من المتون، وبلغت الشروح عليه المئات، ونُظم في أبيان شعرية، وتُرجم إلى لغات عديدة.
وحرص العلماء على تدريسه في ضمن المناهج الدراسية للفقه الحنفي في الجامعات والمدارس التي تعتني بالمذهب الحنفي في الهند وباكستان وبنغلادش وتركيا وأواسط أسيا والصِّين والعراق والشَّام وأوروبا وأمريكا وغيرها.
وأهمية البحث تظهر من أهمية مختصر القُدُوريّ محلّ الدراسة الذي اشتهر وشاع ذكره وكثر الاعتناء به والرجوع إليه في معرفة المعتمد من المذهب الحنفي، ففي هذا البحث نكشف النقاب عن المسائل التي خالف فيها الإمام القُدُوريّ المعتمد من المذهب الحنفي، حتى يتضح للباحثين والدارسين هذه المسائل والوجوه التي بسببها القُدُوريّ اختار خلاف ما عليه المعتمد، فلا ينقلونها ويدرسونها على أنَّها المعتمد عند الحنفية.
ومشكلة البحث تكمن في الإجابة عن سؤالين، وهما: هل للقدوري في «مختصره» المشهور مخالفات للمعتمد في المذهب الحنفي،؟ وما هي الأصول التي بنى عليها الإمام القُدُوريّ مخالفته للمعتمد من المذهب؟
الدراسات السابقة: رغم التتبع الشديد، لم يتسن للباحث الوقوف على دراسة خاصة تعتني بجمع مخالفات القُدُوريّ في «مختصره» المشهور للمعتمد من المذهب، رغم كل هذه الأهمية الكبيرة للكتاب وكثرة العناية بتدريسه وشرحه.
والمنهج المتبع في البحث: هو المنهج الاستقرائي لفروع «مختصر القُدُوريّ»، ثم المنهج المقارن بين «مختصر القُدُوريّ» والكتب الأخرى المعتمدة في المذهب لاستخراج المسائل التي خالف القُدُوريّ فيها
المعتمد من المذهب ومناقشة المسائل من ناحية فقهية مذهبية، ثمّ المنهج التحليلي لبيان سبب المخالفة للمعتمد.
وتحقيقاً للمقصود فقد قسمت البحث إلى مبحثين:
المبحث الأول: في ترجمة الإمام القدوري.
ويشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في اسمه ونسبه وكنيته وولادته وأسرته.
والمطلب الثاني: في سنده وشيوخه وتلاميذه:
والمطلب الثالث: في ثناء العلماء عليه ومؤلفاته ووفاته.
والمبحث الثاني: في اختيارات القُدُوريّ الفقهية:
ويشتمل على أربعة مطالب:
المطلب الأول: في اختياراته في العبادات.
والمطلب الثاني: في اختياراته في المعاملات.
والمطلب الثالث: في اختياراته في الأحوال الشخصية.
والمطلب الرابع: في اختياراته في أبواب منوعة.
وخاتمة في أهم النتائج للبحث.
سائلاً الله - عز وجل - أن ييسر لنا تحقيق المراد.
المبحث الأول
في ترجمة الإمام القُدُوريّ
وتشتمل على المطالب الآتية:
المطلب الأول: في اسمه ونسبه وكنيته وولادته وأسرته:
أولاً: اسمه ونسبه وكنتيه:
اتفق مَن ترجم له (¬1) على على اسمه ونسبه: أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان.
واتفقوا (¬2) على أن كنيته هي: أبو الحسين.
واتفقوا (¬3) على نسبته بالقُدُوريّ البغداديّ.
¬
(¬1) ينظر: الجواهر المضية1: 93، وتاج التراجم ص98، والفوائد البهية ص56، وطبقات الحنفية لابن الحنائي ص204، وغيرها.
(¬2) ينظر: المصادر السابقة.
(¬3) ينظر: المصادر السابقة.
واختلف في أصل نسبة القُدُوريّ ـ بضم القاف والدال المهملة بعد الواو ـ هل هي «قُدُور» قريةٌ قريبةٌ من بغداد، أو محلّة في بغداد، أو هو نسبةُ لبيع القدور، جمع قِدْر، أو صنعها، وذلك إما لاشتغاله بتلك الصنعة أو اشتغال أحد آبائه بها، فنسبوا إليها؟ (¬1)، قال ابنُ قُطْلُوبُغا (¬2): «ولا أدري سبب نسبته إلى قدور».
ثانياً: ولادته:
ولد سنة (362هـ) اثنتين وستين وثلاثمئة (¬3).
ثالثاً: أسرته:
نشأ القدوري في أسرةٍ علميةٍ حيث كان والده من الفقهاء، وتبعه في طريق العلم ابنه، كما بيَّنت كتب تراجم الفقهاء.
فوالده: الشيخ محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان الحنفي، أبو بكر، من فقهاء الحنفية، حيث ترجم له القرشي في «طبقات الحنفية» (¬4).
¬
(¬1) ينظر: مرآة الجنان3: 37، ومقدمة اللباب1: 286.
(¬2) في تاج التراجم ص99.
(¬3) ينظر: تاريخ الإسلام29: 212، والجواهر المضية1: 93، والأعلام1: 212، ومعجم المؤلفين2: 66.
(¬4) ينظر: الجواهر المضية 2: 11.
وابنه: محمد أبو بكر، سمع الحديث من أبي علي الحسن بن أحمد بن شاذان، والقاضي أبي القاسم التوخي وغيرهما، ومات سنة (440هـ) شاباً قبل أوان الرواية (¬1). وجمع الإمام القدوري مختصر المشهور في الفقه لابنه هذا.
المطلب الثاني: في سنده وشيوخه وتلاميذه:
أولاً: سنده في الفقه:
من المعلوم أنَّ علم الفقه يتلقاه العلماء بالسند إلى أئمته الأوائل، وقد أخذ القدوري الفقه عن أبي عبد الله محمد بن يحيى الجرجاني، وهو أخذ عن أبي بكر الرازي، عن أبي الحسن الكرخي، عن أبي سعيد البردعي، عن أبي علي الدقاق، عن أبي سهل موسى ابن نصر الرازي، عن محمد بن الحسن، رحمهم الله تعالى (¬2).
ثانياً: شيوخه:
لا شكّ أنّ القدوري تلقى هذا العلم الغزير عن جمع كبير من العلماء، لكن كتب التراجم لم تسعفنا الوقوف إلا على ثلاثة منهم، وهم:
¬
(¬1) ينظر: الجواهر المضية 2: 23.
(¬2) ينظر: الطبقات السنية1: 127.
1.عبيد الله بن محمد بن أحمد بن أحوى بن العوام بن حوشب الشَّيبانيّ، المعروف بالحَوْشبي، أبو الحسين، كان إماماً محدّثاً ثقة ثبتاً، وقد أخذ القدوري الحديث عنه، وروى عنه، (294 - 375هـ) (¬1).
2.محمد بن علي بن سُوَيْد المؤدِّب، أبو بكر، الإمام المحدّث، وقد أخذ عنه القُدُوريّ الحديث، وروى عنه، وجزء القدري في الحديث كلّه مرويّ عنه، (ت381هـ) (¬2).
3.محمد بن يحيى بن مهدي الجرجاني الحنفي، أبو عبد الله، نزيل بغداد، من كبار أئمة وفقهاء الحنفية، ومن تلاميذ أبي بكر الجَصَّاص، تفقه عليه القدوري، من مؤلفاته: «ترجيح مذهب أبي حنيفة»، و «القول المنصور في زيارة سيد القبور»، (ت398هـ) (¬3).
ثالثاً: تلاميذه:
تلقى هذا العلم الشريف عن القدوري جمع كبير من الطلبة النجباء، ذكرت لنا كتب التاريخ بعضاً منهم، وهم:
1.أحمد بن علي بن ثابت الشافعي، أبو بكر، المعروف بالخطيب البغدادي، المحدّث الحافظ، المؤرّخ المشهور، صاحب التصانيف
¬
(¬1) ينظر: تاريخ الإسلام29: 212، ومقدمة اللباب1: 287.
(¬2) ينظر: تاريخ الإسلام29: 212، ومقدمة اللباب1: 288.
(¬3) ينظر: الأعلام7: 136، الجواهر المضية1: 93.
الكثيرة، ومنها: «تاريخ بغداد»، و «الكفاية في علم الرواية»، و «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع»، (392 - 463هـ) (¬1).
2.أحمد بن محمد بن محمد بن نصر البغدادي الحنفي، أبو نصر، المعروف بالأقطع، الفقيه المشهور، وقيل في سبب تسميته بالأقطع: أنَّه مال إلى حدثٍ، فظهر على الحدث سرقة، فاتهم بأنَّه شاركه فيها، فقطعت يده اليسرى، وقيل: إنَّها قطعت في حرب كانت بين المسلمين والتتار، من مؤلفاته: «شرح القدوري»، (ت474هـ) (¬2).
3.عبد الرحمن بن محمد السَّرَخْسيّ الحنفي، الفقيه العابد الزاهد القاضي، من مؤلفاته: «تكملة التجريد» للقدوري، (ت439هـ) (¬3).
4.عبد الواحد بن علي بن برهان العكبري الحنفي، كان علماً من أعلام العربية والأنساب، (ت456هـ) (¬4).
¬
(¬1) ينظر: طبقات ابن هداية الله ص164 - 166، والنجوم الزاهرة5: 87 - 88، ومعجم الأدباء4: 13 - 45، والعبر3: 253، ووفيات الأعيان1: 92 - 93، والأعلام1: 166، وكشف الظنون 1:288.
(¬2) ينظر: الجواهر المضية 1: 311 - 312، وتاج التراجم ص103 - 104، والفوائد البهية ص70.
(¬3) ينظر: معجم المؤلفين5: 174، ومقدمة اللباب1: 289.
(¬4) ينظر: مقدمة اللباب 1: 289.
5.محمد بن علي بن محمد بن الحسين بن عبد الملك الدامغاني الكبير الحنفي، قاضي القضاة، انتهت إليه رئاسة الحنفية في زمانه، من مؤلفاته: «شرح مختصر الحاكم»، (ت478هـ) (¬1).
6.محمد بن أبي الفضل محمد السَّرَخْسيّ، أبو الحارث، وقال القدوري: «ما جاء من خراسان وعَبَرَ النهر أفقه منه» (¬2).
7.مسعود بن عبد العزيز بن السماك الرازي الفقيه الحنفي، قدم بغداد فتفقه بها على الصيمري، والقدوري، وبرع في المذهب والخلاف. وأفتى ودرس (¬3).
8.المفضّل بن محمد بن مسعر بن محمد التَّنُوخي المعري النحوي، من مؤلفاته: له: «تاريخ النحاة، و «التنبيه في الرد على الشافعيّ»، (ت442هـ) (¬4).
¬
(¬1) ينظر: تاريخ الإسلام32: 248، والجواهر المضية1: 93، والعبر2: 339، وسير أعلام النبلاء18: 485.
(¬2) ينظر: مقدمة اللباب1: 290.
(¬3) ينظر: تاريخ الإسلام33: 162.
(¬4) ينظر: بغية الوعاة2: 297، والأعلام7: 280، ومعجم المؤلفين12: 315.
المطلب الثالث: في ثناء العلماء عليه ومؤلفاته ووفاته:
أولاً: ثناء العلماء عليه:
ورد ثناءٌ كبيرٌ على القدوري للدرجة العالية التي بلغها، ونقتصر على أهم ما وصفوه فيه الإمام القدوري، ومنه:
قال الخطيبُ البغداديّ (¬1): «لم يحدّث إلا بشيءٍ يسير، وقد كتب عنه، وكان صدوقاً، وكان ممّن نجب في الفقه لذكائه، وانتهت إليه بالعراق رئاسة أصحاب أبي حنيفة، وعَظُم عندهم قَدْره، وارتفع جاهه» (¬2).
وقال ابن خلكان (¬3): «انتهت إليه رياسة الحنفية بالعراق. وكان حسن العبارة في النظر».
وقال القُرشي (¬4): «كان حسن العبارة في النظر، جريَّ اللسان، مديماً لتلاوة القرآن».
وقال السمعاني: «كان فقيها صدوقاً، صنّف من الكتب المختصر المشهور فنفع الله به خلقاً لا يحصون» (¬5).
¬
(¬1) في تاريخ بغداد6: 31.
(¬2) ينظر: النجوم الزاهرة5: 24.
(¬3) في وفيات الأعيان 1: 78.
(¬4) في الجواهر المضية ص93.
(¬5) ينظر: الجواهر المضية1: 93.
وقال ابن كثير (¬1): «وهو صاحب المختصر الذي يحفظ، كان إماماً بارعاً عالماً، وثبتاً مناظراً، وهو الذي تولى مناظرة الشيخ أبي حامد الإسفراييني ... ».
وقال ابن تَغْرى بردي (¬2): «هو الأمام العلامة ... ، وإنَّ شأن هذا الإمام قد تجاوز الحدّ في العلم والزهد».
ثانياً: مؤلفاته:
اشتهرت مؤلفات القُدُوريّ، وكانت محلّ نظر العلماء، وهي:
1. «جزء في الحديث»، قال القُرُشيّ (¬3): «ووقع لي جزء من حديثه، رواية قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني».
2. «التجريد في مسائل الخلاف بين الحنفية والشافعية»، طبع في (12) مجلداً، قال ابن تغري (¬4): «وأملى التجريد في الخلافيات، وأبان فيه عن حفظه لما عند الدارقطني من أحاديث الأحكام وعللها». وقال حاجي خليفة: «مجلد كبير، أفرد فيه ما خالف فيه الشافعي من المسائل،
¬
(¬1) في البداية والنهاية12: 31.
(¬2) في النجوم الزاهرة5: 24.
(¬3) في الجواهر المضية1: 93.
(¬4) في النجوم الزاهرة5: 25.
بإيجاز الألفاظ، وأرود الترجيح؛ ليشترك المبتدئ والمتوسط في فهمه»، وقال الكوثري: «ويدل تجريده على سعته في الفقه».
3. «شرح مختصر الكرخي» حقّقه طلاب معهد القضاء في الرياض، وقال الأتقاني: «بحر زخّار في الفقه، وغيث مدرارٌ في الحديث، وناهيك من الدلالة على غزارته علمه شرحه لمختصر الكرخي، فإذا طالعته عرفت أنّ محلّه في الفقه كان عند العَيُّوق ـ نجم أحمر في طرف المجرّة ـ، لا تناله يد كلُّ أحد، ويرجع طرف الناظر إلى منزله من كَلال ورَمَد» (¬1). واختصره أبو المعالي عبد الرب بن من صور الغزنوي (ت نحو 500هـ).
4. «التقريب الأول في المسائل الخلافية بين أبي حنيفة وأصحابه»، وهو مجرَّد من الأدلة، ويقع في مجلد، وله نسخة مخطوطة في اسطنبول.
5. «التقريب الثاني في المسائل الخلافية بين أبي حنيفة وأصحابه» مع الأدلة، وقد ضمن فيه التقريب الأول، ثم زاد فيه أدلة كل فريق، ويقع في عدة مجلدات.
6. «أدب القاضي على مذهب أبي حنيفة».
¬
(¬1) ينظر: البناية4: 238.
7. «المختصر في الفقه» (¬1)، وهو محلّ الدراسة.
ثالثاً: مكانة مختصر القُدُوريّ:
1.أوَّل كتاب من كتب طبقة المجتهدين في المذهب لتحرير المذهب ونقله.
2.يُعَدُّ مختصر القُدُوريّ الأساس المتين لمن لحقه من كتب المذهب، فهو أشبه بأن يكون الأم لمتون الفقه الحنفي، فهي مستمدة ومبنية عليه.
3.شُرح في مئات الشروح من قِبَل آكابر علماء المذهب.
4.نُظمت مسائله شعراً مرّات عديدة ..
5.اختُصر مختصر القُدُوريّ تيسيراً للطلبة على الحفظ والدراسة.
6.اعتنى جمعٌ من أفاضل المعاصرين بشرحه والتعليق عليه.
7.حُوّلت مسائله إلى سؤال وجواب.
8.كثرة الثناء على مكانته ورفعته.
قال الرَّازي: «وهو كتاب طنَّت به الآفاق، وتناقلته الرفاق، واحتاج إليه الحاضر والبادي، كما يحتاج إلى الزلال الصائف الصادي ـ
¬
(¬1) ينظر: الجواهر المضية1: 93، والنجوم الزاهرة5: 25، والأعلام1: 212، ومقدمة اللباب1: 295 - 303.
أي العطشان في الصيف ـ، وأكب على دراسته المحتدي ـ المتقدم في العلم ـ والمبتدي، وألبَّ على قراءته المقتَدَى والمقتدِي، لما فيه من حسن الإيجاز، ولُطْف الإعجاز، وجَودة المعاني، ومتانة المباني، وكثرة المسائل المحتاج إليها، والألفاظ الصحيحة المتفق عليها، وكونه مباركاً على طالبيه، ميموناً على قارئيه وضابطيه، والناس أعقل من أن يمدحوا ما لم يَرَوْا عنده آثار إحسان ... » (¬1).
وقال المرغيناني: «أجلّ كتاب في أحسن إيجاز وإعجاب» (¬2).
وقال السمرقندي (¬3): «اعلم أنَّ المختصر المنسوب إلى الشيخ أبي الحسين القُدُوريّ، جامعٌ جُمَلاً من الفقه مستعملة، بحيث لا تراها مدى الدهر مهمَلة، يهدي به الرائض في أكثر الحوادث والنوازل، ويرتقي بها المرتاض إلى أعلى المراقي والنوازل، وَلما عَمت رَغْبَة الْفُقَهَاء إِلَى هَذَا الْكتاب، طلب مني بَعضهم من الإخوان والاصحاب، أن أذكر فِيهِ بعض مَا ترك المُصَنّف من أَقسَام الْمسَائِل، وأوضح المشكلات مِنْهُ، بِقَوي من الدَّلَائِل ... ».
¬
(¬1) ينظر: مقدمة اللباب، ج1، ص309.
(¬2) ينظر: مقدمة اللباب، ج1، ص309.
(¬3) تحفة الفقهاء، ج1، ص5.
9.تُرجم إلى لغات عديدة كالفرنسية والتركية والانجليزية والألمانية.
رابعاً: وفاته:
توفي في بغداد يوم الأحد الخامس من رجب، وقيل في منتصفه سنة (428هـ).
ودفن في داره، بدرب أبي خلف، ثم نقل إلى تربةٍ في شارع المنصوف ودفن هناك بجنب الإمام أبي بكر الخوارزمي الحنفي، محمد بن موسى، (ت403هـ)، تلميذ أبي بكر الجصاص الرازي (¬1).
* * *
¬
(¬1) ينظر: وفيات الأعيان 1: 79، والجواهر المضية1: 93، والبداية والنهاية12: 31، والنجوم الزاهرة5: 25، ومقدمة اللباب1: 285.
المبحث الثاني
في اختيارات القُدُوريّ الفقهية
المطلب الأول: في اختياراته في العبادات:
المسألة الأولى:
اختياره استحباب النّيّة في الوضوء:
قال القُدُوريّ (¬1): «ويستحبُّ للمتوضئ أن ينويَ الطهارة».
والمعتمد في المذهب: سنية النية في الوضوء (¬2)، قال المَرغينانيّ (¬3):
¬
(¬1) مختصر القدوري، ج1، ص10.
(¬2) ينظر: شرح الوقاية، ج1، ص20، وملتقى الأبحر، ص19 - 20، والنقاية، ج1، ص44، ونور الإيضاح، ج1، ص113، وتحفة الملوك، ص24، والكنز، ج1، ص8، وتبيين الحقائق، ج1، ص5، و الهدية العلائية ر24، ومنية المصلي، ص15، وغنية ذوي الأحكام، ج1، ص10، والفتاوى الهندية، ج1، ص8، وبدائع الصنائع، ج1، ص105، ورد المحتار، ج1، ص73.
(¬3) الهداية، ج1، ص27.
«فالنية في الوضوء سنة عندنا».
وقال البابرتي (¬1): «الأوّل مذهب القُدُوريّ»، وقال ملا إله داد: «المراد بقوله: يستحبّ أعم من السنة»، ورده اللكنوي فقال (¬2): «أقول: يرده تقابل الاستحباب بالسنية فافهم». وقال ابن الهمام (¬3): «لا سند للقُدُوريّ في الرواية ولا في الدراية في جعل النية والاستيعاب والترتيب مُستحبّاً غير سُنّة»، ثم قال «وقيل: أراد فعل هذه السنة للخروج عن الخلاف فإن الخروج عنه مستحب»، لكن ضعّف هذا التأويل.
ولعلَّ سبب اختيار القُدُوريّ للاستحباب: أنَّ النيّة ليست خاصّة بالوضوء، وإنَّما عامّة في جميع أفعال الإنسان، وما كان عامّاً هكذا يكون فعلُه مستحبّاً مثل التّيامن في الوضوء جعلوه مستحبّاً، وعلّلوا بعدم خصوصيّته بالوضوء، ولكن النيّة مختلفةٌ عن التّيامن بأنَّه من الأفعال الجبليّة للنّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، والنيّة هي ما تميّز بها العادة عن العبادة، وبها ينال المرءُ الثَّواب من الله تعالى، فحالها أقوى من التّيامن؛ لذلك كانت سنيّتها هي المعتمدة.
¬
(¬1) العناية، ج1، ص27.
(¬2) عمدة الرعاية، ج1، ص103.
(¬3) فتح القدير، ج1، ص27 - 28.
المسألة الثانية:
اختياره في فرض القراءة في الصلاة أدنى ما يطلق عليه اسم القرآن:
قال القُدُوريّ (¬1): «وأَدنى ما يُجزئ من القراءةِ في الصّلاةِ ما يتناوله اسم القرآن عند أبي حنيفة».
والمعتمد في المذهب: وهو ظاهر الرواية آية تامة طويلة كانت أو قصيرة، قال ابن قطلوبغا (¬2): «واختارها المحبوبيّ والنَّسفيُّ وصدرُ الشريعة».
وسبب ما اختاره القُدُوريّ: أنَّه هذا أقرب إلى القواعد الشّرعيّة، فإن المطلقَ ينصرف إلى الأدنى على ما عُرِفَ في موضعه؛ ولقوله - جل جلاله -: {فاقرؤا ما تيسر من القرآن} [المزمل: 20]، وهذا ما رجَّحه الكاساني (¬3)، والزيلعي (¬4).
¬
(¬1) مختصر القدوري، ج1، ص77.
(¬2) التصحيح والترجيح، ص164.
(¬3) بدائع الصنائع، ج1، ص112.
(¬4) تبيين الحقائق، ج1، ص129.
المسألة الثالثة:
اختياره المقارنة بين يديه وبين التكبيرة والرفع عند تكبيرة التحريمة:
قال القُدُوريّ (¬1): «ورَفَع يديه مع التكبير حتى يُحاذي بإبهامَيْه شحمتي أُذُنَيه».
والمعتمد في المذهب: هو قول أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهم -: أنَّه يرفع اليدين أوّلاً ثمّ يُكبر، وعليه عامة المشايخ، وهو اختيار المحبوبي (¬2)، وصححه المرغيناني (¬3)، وملا خسرو (¬4)، واختاره اللكنوي (¬5)، فعن أبي حميدٍ الساعديّ - رضي الله عنه -: «يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم كبر» (¬6).
وما اختاره القُدُوريّ هو قول أبي يوسف، واختاره قاضي خان (¬7)،
¬
(¬1) مختصر القدوري، ج1، ص 66.
(¬2) شرح الوقاية، ص147.
(¬3) الهداية، ج1، ص46.
(¬4) غرر الأحكام، ج1، ص65.
(¬5) عمدة الرعاية، ج1، ث14.
(¬6) في سنن أبي داود، ج1، ص194، وغيرها.
(¬7) الفتاوى الخانية، ج1، ص85.
والكاشغري (¬1)، والغزنوي (¬2)، ويشهد له حديث وائل - رضي الله عنه -: «أنَّه رأى رسول الله يرفعُ يديهِ مع التكبير» (¬3).
ولعلّ سبب اختيار القُدُوريّ؛ لما رأى في المقارنة من كمال العبادة بأن يكون الرّفع أثناء التكبيرة، فلا تخرج الرفع عن التحريمة للصلاة، وفي القول المعتمد لم يرو نقصاناً في العبادة بتأخير التكبير عن الرفع، وكلُّ هذه الهيئات واردةٌ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكان الأمر متسع.
المسألة الرابعة:
اختياره إجزاءِ السُّجودِ على الأنفِ بغيرِ عذر:
قال القُدُوريّ (¬4): «وسَجَدَ على أنفِهِ وجبهته، فإن اقتصرَ على أحدهما جاز عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمّد: لا يجوز الاقتصارُ على الأنف إلا من عذر».
والمعتمد في المذهب: أنَّ السُّجودَ على الجبهة فرضٌ والأنف واجبٌ، فلا يجزئ على الأنف إلا من عذر، وما ذكره القُدُوريّ وهو
¬
(¬1) منية المصلي، ص86.
(¬2) مقدمة الصلاة، ق45/ب.
(¬3) في مسند أحمد، ج31، ص150، وصححه الأرنؤوط، والمعجم الكبير، ج22، ص33، وسنن البيهقي الكبير، ج2، 26
(¬4) مختصر القدوري، ج1، ص70.
روايةُ أسد عن أبي حنيفة: أنَّه يجزئ السُّجود على الأنف بلا عذر (¬1)، ونصّ الشُّرُنْبُلاليّ (¬2): أنَّ الإمام رجع عن هذا القول. حيث روى أسد عن أبي حنيفة أنَّه لا يجزئ على الأنف، قال ابن قطلوبغاً (¬3): «وقال في «ملتقى البحار»: وقد روى أسد عن أبي حنيفة: أن الاقتصار على الأنف لا يجوز، وهو المختار للفتوى، واعتمده المحبوبيُّ».
فتحصَّل أنَّ اقتصاره على الأنف بلا عذر لا يجزئ، وهو رواية عن أبي حنيفة، وعليه الفتوى، «جوهرة»، وفي «العيون»: وروى عنه مثل قولهما، وعليه الفتوى (¬4)، وقال صدر الشريعة (¬5): «والفتوى على قولهما»، وقال ابنُ ملك (¬6): «أفتى المتأخرون بقولهما، ولم يجوزوا الاقتصار على الأنف من غير عذر»، ويشهد له:
ما روي عن ابن عَبَّاس - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا سجدت فأمكن جبهتك من الأرض حتى تجد حجم الأرض» (¬7)، وعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا
¬
(¬1) ينظر: كمال الدراية، ق40/ب.
(¬2) مراقي الفلاح، ص231.
(¬3) التصحيح والترجيح، ص161.
(¬4) ينظر: اللباب، ج1، ص59.
(¬5) شرح الوقاية، ج2، ص117.
(¬6) شرح الوقاية لابن ملك، ق26/ب.
(¬7) في مسند أحمد، ج1، ص287، وحسنه الأرنؤوط.
سجدت فمكن جبهتك ولا تنقر نقراً» (¬1)، وعن ابن سهل الساعدي - رضي الله عنه - قال: «إنَّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته ... » (¬2)، وعن وائل - رضي الله عنه -، قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سجد وضع أنفه على الأرض مع جبهته» (¬3)، وعن ابن عباس - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة لمَن لم يمسّ كلاهما الأرض» (¬4)، وعن ابن عمر - رضي الله عنهم -: «أنَّه كان إذا سجد وضع أنفه مع جبهته» (¬5)، وقال ابن حجر: «ونقل ابن المنذر إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على أنَّه لا يجزئ السجود على الأنف وحده» (¬6).
ولعلَّ سبب اختيار القُدُوريّ: هو اضطرابُ الرِّواية عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، ففي رواية: يجزئ عن الأنف، وفي رواية: لا يجزئ، فاقتصر على ذكر أحدِهما، ولأنَّه عظم واحد، فيجوز الاقتصار على جزء واحد، كما يجوز على جزءٍ آخر (¬7)، ومَن حقَّقوا المسألة قالوا: برجوع الإمام عن رواية الإجزاء، ورأوا ترجيح رواية عدم الإجزاء؛ لموافقتها قول الصَّاحبين.
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان، ج5، ص208.
(¬2) في صحيح ابن خزيمة، ج1، ص323، وسنن أبي داود، ج1، ص253، وسنن الترمذي، ج2، ص59.
(¬3) تهذيب الآثار، ج5، ص330.
(¬4) المستدرك، ج1، ص404، وصحَّحه.
(¬5) مصنف ابن أبي شيبة، ج1، ص235.
(¬6) ينظر: إعلاء السنن، ج2، ص44.
(¬7) ينظر: خلاصة الدلائل، ص240.
المسألة الخامسة:
اختياره وجوب التضحية للغني عن نفسه وجميع أولاده الصغار:
قال القُدُوريّ (¬1): «الأضحية واجبة ... عن نفسِه وولدِه الصِّغار».
والمعتمد في المذهب: أنَّ الغني يُضحي عن نفسه فحسب، قال السَّرَخْسيُّ (¬2): «وأمّا الأبُ ليس عليه أن يُضحي عن ولده الصغار في ظاهر الرّواية؛ لأنَّ ما لا يلزمه عن مملوكه لا يلزمه عن ولده كسائر القُرب، بخلاف صدقة الفطر؛ وهذا لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما كسبه, ولو كانت التضحيةُ عن أولاده واجبة لأمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونقل ذلك كما أمر بصدقة الفطر»، قال البابرتيّ (¬3): «وعلى ظاهر الرِّواية الفتوى»، وقال الإسبيجابيّ: «هو الأظهر» (¬4).
وسببُ اختيار القُدُوريّ روايةَ الحسن: أنَّ ذلك عليه كصدقة الفطر؛ لأنَّه جزءٌ منه فكما يلزمه أن يُضحي عن نفسه عند يساره، فكذلك عن جزئه (¬5).
¬
(¬1) مختصر القدوري، ج 3، ص232.
(¬2) المبسوط، ج12، ص12.
(¬3) العناية، ج9، ص510.
(¬4) ينظر: اللباب، ج2، ص205.
(¬5) ينظر: المبسوط، ج12، ص12.
فعُلِمَ أنَّه بناها على أصل آخر، وهو أصلُ صدقة الفطر، وهو رأسٌ يمونه ويلي عليه ولايةً كاملةً: أي مَن تجب نفقته عليه وينفذ قولُه عليه مطلقاً، وهذا منتقضٌ هاهنا؛ لأنّه لم يوجب الأضحية على عبيدِه في حين وجب عليه صدقة الفطر عنهم، فتبيّن أنَّ هذا الأصل غير صادق هنا، وهذا معنى كلام السَّرخسي السّابق، والأَولى اعتبار أصل ظاهر الرواية، وهو أنَّها عبادةٌ واجبةٌ على مَن كان غنيّاً فحسب.
المطلب الثاني: اختياراته في المعاملات:
المسألة الأولى:
اختياره لزوم الإجار في شهر جديد بدخول ساعة منه:
قال القُدُوريّ (¬1): «فإن سكنَ ساعةً من الشَّهر الثَّاني صحّ العقد فيه، ولم يكن للمؤجّر أن يخرجَه إلى أن ينقضي، وكذلك كلّ شهر يسكن في أَوّله».
والمعتمد في المذهب: عدم لزوم العقد في شهر جديد إلا بعد مرور ليلةٍ ويومها من الشَّهر الأول، واستحسنوا هذا في ظاهر الرِّواية؛ لما في لزوم الشّهر الثاني بدخول لحظة من الشَّهر الأول من بعض حرج،
¬
(¬1) مختصر القدوري، ج2، ص99.
وصرّحوا بالفتوى على هذا في «الجوهرة» و «التبيين»، فقالوا: «وبه يفتى»، قال القاضي: وإليه أشار في ظاهر الرِّواية وعليه الفتوى (¬1).
وسبب اختيار القُدُوريّ قول بعض المشايخ، وهو القياس: أنَّه تمّ بدخول ساعة من الشهر الثاني، يتحقق العقد بتراضيهما بالسكنى في الشهر الثاني (¬2)، والأولى التمسك بالاستحسان؛ لما فيه من رفع الحرج، لا سيما أنَّه ظاهر الرِّواية.
المسألةُ الثانية:
اختياره وجوب طلب الشفيع في مجلس علمه:
قال القُدُوريّ (¬3): «وإذا عَلِمَ الشفيعُ بالبيع أَشْهَدَ في مجلسه ذلك على المطالبة».
والمعتمد في المذهب: أن يطلب الشَّفيع فور العلم مباشرة، لا أن ينتظر إلى طوال المجلس، وهو ظاهر الرِّواية، ففي رواية «الأصل»: أن يكون على فور العلم بالبيع إذا كان قادراً عليه, حتى لو علم بالبيع وسكت عن الطلب مع القدرة عليه بطل حق الشفعة، ورَجَّحَها
¬
(¬1) ينظر: اللباب، ج1، 257.
(¬2) ينظر: اللباب، ج1، ص257.
(¬3) مختصر القدوري، ج2، ص107.
الكاسانيُّ (¬1)، وإليه ذهب مشايخ بَلْخ وعامّة مشايخ بُخارا، وعليه الفتوى كما في «الجواهر»، قال ابن قُطْلوبُغاً (¬2): «قال في «الحقائق»: والطَّلب على الفور، هكذا روي عن أبي حنيفة، وهو ظاهرُ المذهب، وهو الصَّحيح». وقال ابنُ عابدين (¬3): «وهذا ترجيحٌ صريحٌ مع كونه ظاهر الرِّواية، فيُقَدَّم على ترجيح المتون بمشيهم على خلافه؛ لأنَّ ضمني».
ولعلّ سبب اختيار القُدُوريّ للمجلس دون الفور: ما فيه من السعة والمصلحة للشفيع؛ لأنَّ حقَّ الشفعة ثبت نظراً للشفيع دفعاً للضرر عنه، فيحتاج إلى التّأمّل أنَّ هذه الدار مثلاً تَصْلُح بمثل هذا الثمن؟ وأنَّه هل يتضرّر بجوار هذا المشتري فيأخذ الشفعة؟ أو لا يتضرّر فيترك؟ وهذا مروي عن محمّد - رضي الله عنه -، وذكر الكَرْخيّ أنَّ هذا أصحّ، واختاره بعضُ مشايخ بُخارا، والمحبوبيّ (¬4)، وقال ملا خسرو (¬5): «وهو الأصحّ». وقال في «مختارات النَّوازل»: «وهو الصحيح» (¬6).
¬
(¬1) بدائع الصنائع، ج5، ص17.
(¬2) التصحيح والترجيح، ص261.
(¬3) رد المحتار، ج5، ص143.
(¬4) شرح الوقاية، ص789.
(¬5) درر الحكام، ج2، ص209.
(¬6) ينظر: التصحيح والترجيح، ص261.
المسألة الثالثة:
اختياره ضمان المضارب إن دفع لغيره مضاربة بغير إذن رب المال إن ربح المضارب الثاني:
قال القُدُوريّ (¬1): «وإذا دَفَعَ المضاربُ المالَ إلى غيرِه مضاربةً، ولم يأَذن له رَبُّ المال في ذلك لم يضمن بالدَّفع، ولا بتصرُّف المضاربِ الثاني حتى يَرْبَح».
والمعتمد في المذهب: أنَّه يضمن إذا عمل به ربح أو لم يربح، وهو ظاهر الرِّواية، وقول أبي يوسف ومحمد - رضي الله عنهم -؛ لوجود التصرّف منه بدون إذن رب المال (¬2).
وسبب اختيار القُدُوريّ: أنَّه ما لم يربح كان بمنزلة الوكيل، وللمضارب التوكيل، وهو قول الحسن بن زياد.
ومبنى الاختلاف على الأصل لبناء المسألة عليه، فكان اختياره لهذا الأصل، وإن كان الأصل الذي بني عليه ظاهر الرِّواية أقوى للبناء.
¬
(¬1) المختصر، ج2، ص134.
(¬2) ينظر: التصحيح والترجيح، ص271.
المسألة الرابعة:
اختياره تضمين ربّ المال للمضارب الأول إن دفع المال مضاربة بدون إذن رب المال:
قال القُدُوريّ (¬1): «وإذا رَبَحَ ضَمِنَ المضاربُ الأوّلُ المالَ لربّ المال».
والمعتمد في المذهب: أنَّ ربّ المال بالخيار، إن شاء ضمن المضارب الأول، وإن شاء ضمن المضارب الثاني في قولهم جميعاً؛ لوجود التعدِّي من الأوّل بالدَّفع، ومن الثَّاني بالقبض (¬2).
وسبب اختيار القُدُوريّ تضمين المضارب الأول: أنَّها تحقَّقت المضاربة الثانية باستحقاق الرِّبح، ولم يكن مأذوناً فيها فيضمن المضارب الأول، والأولى هو التخيير لوجود التعدي واستحقاق ربّ المال إعادة ماله.
¬
(¬1) مختصر القدوري، ج2، ص134.
(¬2) ينظر: لتصحيح والترجيح، ص271.
المسألة الخامسة:
اختياره جواز تأجير الملتقط للصغير:
قال القُدُوريّ (¬1): «ويجوز أن يقبضَ له الهبة، ويُسَلِّمه في صناعة ويؤاجره».
والمعتمد في المذهب: عدم جواز تأجير الملتقط للصغير، وهو ظاهرُ الرِّواية، قال المرغيناني (¬2): «وفي «الجامع الصغير»: لا يجوز أن يؤاجره, ذكره في الكراهيّة، وهو الأصحّ؛ لأنَّه لا يملك إتلاف منافعه فأشبه العمّ، بخلاف الأم» ; لأنَّها تملك إتلاف منافعه، فإنَّها تملك استخدام ولدها وإجارته (¬3).
وسبب اختيار القُدُوريّ: أنَّه يرجع إلى تثقيف الصغير واستجلاب المنافع له (¬4)، ولأنَّ ذلك ليس من باب الولاية عليه، بل من باب إصلاح حاله وإيصال المنفعة المحضة إليه من غير ضرر، فأشبه إطعامه وغسل ثيابه (¬5).
¬
(¬1) مختصر القدوري، ج2، ص207.
(¬2) الهداية، ج6، ص117.
(¬3) ينظر: العناية، ج6، ص117.
(¬4) ينظر: الجوهرة النيرة، ج1، ص355.
(¬5) ينظر: بدائع الصنائع، ج6، ص199.
ومبنى الاختلاف على اختلاف الأصل في البناء عليها، فإن اعتبرناه من باب التثقيف والإصلاح والمنفعة للصغير، فهي جائزة؛ لأنَّ الملتقط موكولٌ بتربيته، وهذه من بابِ التَّربية، وإن اعتبرنا من باب الإجارة بإتلافِ المنافع للصَّغير، فقد خرجت عن التَّربية الموكولة للمُلتقط فلا يملكها، والقُدُوريّ اعتبر الجانب الأوّل فأجاز، وفي ظاهر الرِّواية اعتبروا الجانب الثَّاني فلم يجوزوا، والأمر يحتملهما، وينبغي متى ترجَّح أحدُهما بحسب الحالة المفتى بها والواقع يفتى بأنسب القولين لها.
المسألة السادسة:
اختياره اشتراط رضا المحتال له في الحوالة:
قال القُدُوريّ (¬1): «وتصحُّ برضاء المحيل والمحتال له (¬2) والمحتال عليه (¬3)».
والمعتمد في المذهب: تصح الحوالة بلا رضا المحتال له، قال المَرغينانيّ (¬4): «الحوالة تصحّ بدون رضاه، ذكره في «الزيادات»؛ لأنَّ التزامَ الدَّين من المحتال عليه تصرُّفٌ في حقِّ نفسِهِ، وهو لا يتضرَّر به، بل فيه
¬
(¬1) مختصر القدوري، ج2، ص160.
(¬2) لأنَّ الدَّين حقّه وهو الذي ينتقل بها، والذمّم متفاوتة فلا بد من رضاه, كما في الهداية، ج7، ص240.
(¬3) لأنَّه يلزمه الدَّين ولا لزوم بدون التزامه، كما في الهداية، ج7، ص240.
(¬4) الهداية، ج7، ص240.
نفعه؛ لأنَّه لا يرجع عليه إذا لم يكن بأمره»، والحصكفي وابن عابدين (¬1): «لا يشترط على المختار، «شرنبلالية» عن «المواهب»».
وسبب اختيار القُدُوريّ: أنَّ ذوي المروءات قد يستنكفون عن تحمّل ما عليهم من الدَّين (¬2)، وعلى هذا الوجه يكون خارجاً عن المعتمد في المذهب، ويمكن القول إنَّما شَرَطه القُدُوريّ للرجوع عليه فلا اختلاف في الرواية: أي رجوع المحال عليه على المحيل, أو ليسقط الدَّين الذي للمحيل على المحال عليه كما في الزيلعي, أما بدون الرضا فلا رجوع ولا سقوط (¬3).
المسألةُ السابعة:
اختياره ركن الهبة الإيجاب والقَبول:
قال القُدُوريّ (¬4): «تصحُّ الهبةُ بالإيجابِ والقَبول».
والمعتمد في المذهب: اختلفوا فيه: هل يدخل القَبول في الركن أم لا؟ قال الزَّيْلعيُّ (¬5): «وركنُها هو الإيجاب والقَبول»، وقال الكاسانيّ (¬6):
¬
(¬1) رد المحتار، ج5، ص241.
(¬2) ينظر: اللباب، ج1، ص313.
(¬3) ينظر: رد المحتار، ج5، ص241.
(¬4) مختصر القدوري، ج2، ص171.
(¬5) تبيين الحقائق، ج5، ص91.
(¬6) بدائع الصنائع، ج6، ص116.
«ركن الهبة هو الإيجاب من الواهب، فأما القَبول من الموهوب له فليس بركن استحساناً، والقياس: أن يكون ركناً وهو قول زفر»، قال الأتقانيّ: وأما ركنها فقد اختلف المشايخ فيه: قال خواهر زاده في مبسوطه: هو مجرد إيجاب الواهب؛ ولهذا قال علماؤنا: إذا حلف لا يهب فوهب ولم يقبل يحنث في يمينه عندنا, وقال صاحب «التحفة»: وركنها الإيجاب والقَبول؛ لأنَّ الهبة عقد والعقد هو الإيجاب والقَبول (¬1).
المطلب الثالث: في اختياراته في الأحوال الشخصية:
المسألة الأولى:
اختياره استحباب المراجعة لمن طلق زوجته في الحيض:
قال القُدُوريّ (¬2): «ويستحبُّ له أن يراجعَها».
والمعتمد في المذهب: أنَّ مراجعتها واجبةٌ، قال شيخي زاده (¬3): «والأصحُّ أنَّها واجبة»، وقال نجم الأئمة في «الشرح»: استحباب المراجعة قول بعض المشايخ، والأصحُّ أنَّه واجبٌ عملاً بحقيقة الأمر،
¬
(¬1) ينظر: حاشية على تبيين الحقائق، ج5، ص91.
(¬2) مختصر القدوري، ج3، ص39.
(¬3) مجمع الأنهر، ج1، ص383.
ورفعاً للمعصية بالقدر الممكن، ومثلُه في «الهداية»، وقال برهان الأئمة المحبوبيّ: وتجب رجعتُها في الأصحّ (¬1).
ولعلّ سبب اختيار القُدُروي لاستحباب الرّجعة: أنَّ النِّكاح مندوب فلا تكون الرجعة واجبة (¬2)، أو هو صرف الأمر للاستحباب لا للوجوب؛ لوجود قرينة كونه تكفيراً عن معصية ارتكبها بالطّلاق في الحيض، وطرق التّكفير عن المعصية متعدّدة من الاستغفار والصَّدقة وغيرها، فكانت الرّجعةُ أحد الطرق ممّا صرفها من الوجوب إلى الاستحباب، في حين أنَّ القول المعتمد تمسّك بإفادة الأمر للوجوب، وهو الأولى.
والأولى عدم قياسه على النكاح؛ لأنَّه ارتكب محرماً بطلاقه في الرجعة، فيكون واجباً عليه الرجعة خروجاً من هذا المحرم، فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -: «أنه طلّق امرأة له وهى حائض تطليقة واحدة، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض عنده حيضة أخرى ثم يمهلها حتى تطهر من حيضتها، فإن أراد أن يطلّقها فليطلِّقها حين
¬
(¬1) ينظر: اللباب، ص401.
(¬2) ينظر: مجمع الأنهر، ج1، ص383.
تطهر من قبل أن يجامعها، فتلك العدة التي أمر الله - جل جلاله - أن يطلق لها النساء» (¬1).
المسألة الثانية:
اختياره اعتبار حال الزوجة في المتعة:
قال القُدُوريّ (¬2): «وإن طلَّقَها قبل الدُّخول بها فلها المتعة، وهي ثلاثة أبواب من كسوة مثلها».
والمعتمد في المذهب: اعتبار حال الزوج في المتعة؛ لقوله - جل جلاله -: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُه} [البقرة: 236]: أي على الغنيّ بقدر حاله وعلى الفقير المقلّ بقدر حاله، وهذا القول صححه المرغيناني (¬3)، والمحبوبي (¬4)، والنَّسفيّ (¬5)، وظاهر اختيار السَّرَخْسِيّ (¬6).
وإمّا تعتبر بحالهما، فإن كانا غنيين فلها الأعلى من الثياب، أو فقيرين فالأدنى، أو مختلفين فالوسط، فاختاره الخصاف، وصحَّحه
¬
(¬1) في صحيح البُخاري، ج5، ص2011، وصحيح مسلم، ج2، ص1093.
(¬2) مختصر القدوري، ج3، ص15.
(¬3) الهداية، ج1، ص205.
(¬4) شرح الوقاية، ص300.
(¬5) طلبة الطلبة، ص45.
(¬6) المبسوط، ج6، ص64.
الولوالجي، ورجَّحه ابن نُجيم (¬1)، وقال ابنُ الهُمام (¬2)، وملا خسرو (¬3): «وهو الأشبه بالفقه». واختاره التمرتاشي (¬4)، وقال الحصكفي (¬5): «وبه يفتى».
ولعلّ سبب اختيار القُدُوريّ لحال المرأة: قياساً لها على مهر مثلها الذي يعتبر بحال المرأة، لكون المتعة تقوم مقام تنصيف المهر المسمّى لغير المدخول بها لمن لم يُسمى لها مهراً حيث يجب لها مهر المثل إن طُلِّقت بعد الدُّخول، وإن طُلِّقَت قبل الدخول يجب المتعة، وهذا القول اختاره الكَرخي أيضاً.
المسألة الثالثة:
اختيارُه وجوب نفقة البنت البالغة والابن البالغ المريض مرضاً مزمناً على الأب والأم، الأب يدفع الثُّلثان، والأُم تدفع الثُّلث:
قال القُدُوريّ (¬6): «وتجب نفقةُ الابنةِ البالغةِ والابنِ البالغِ الزَّمنِ على
¬
(¬1) البحر الرائق، ج3، ص159.
(¬2) فتح القدير، ج3، ص328.
(¬3) درر الحكام، ج1، ص343.
(¬4) تنوير الأبصار، ج1، ص336.
(¬5) الدر المختار، ج2، ص336.
(¬6) مختصر القدوري، ج3، ص106.
أَبويه أَثلاثاً على الأب الثلثان وعلى الأم الثلث».
والمعتمد في المذهب: أنَّ كلَّ النَّفقة على الأب، وهو ظاهر الرِّواية، قال المحبوبي: وبه يفتي، ومشى عليه صدرُ الشَّريعة والنَّسَفيّ (¬1)؛ لأنَّ النفقة واجبة على الأب للصغير، فإن كبر وكان عاجزاً عن الكسب ألحق حاله بالصغير، فلزمت على الأب.
وسبب اختيار القُدُوريّ: هو بناؤها على الميراث، فإنَّ الميراث لهما للأب الثلثان والأم الثلث، فتكون النفقة عليهما كذلك، واختلف عن الصغير؛ لأنَّ نفقة الصَّغير اختصّت بالأب لاختصاصه بتربيته والولاية عليه، وبالبلوغ خرج عن ولايته، فكانت نفقتُه على قدر الميراث كغيره من الأقارب، وهذا رواية الخصّاف والحسن.
فرجع الاختيار لاختلاف الأصل الذي بنوا عليهم، والأقوى الأصل الذي بني عليه ظاهر الرواية.
¬
(¬1) ينظر: اللباب، ج2، ص100.
المسألة الرابعة:
اختياره وجوب نفقة الزوجة بعد تسليمها نفسها للزوج:
قال القُدُوريّ (¬1): «النفقةُ واجبةٌ للزوجة ... إذا سلَّمت نفسَها في منزله، فعليه نفقتُها وكسوتُها وسكناها».
والمعتمد في المذهب: أنَّ النفقة تجب على الزوج للزوجة بمجرد العقد إن لم تمتنع عن الانتقال بحقّ كتعجيل المهر والبيت الشرعي، قال ابنُ قُطْلُوبُغا (¬2): «هذه رواية عن أبي يوسف - رضي الله عنه -، وظاهر الرواية ما في «المبسوط» و «المحيط» من أنَّها تجب لها قبل الدخول والتحوّل إذا لم تمتنع عن المقام معه».
وسبب اختيار القُدُوريّ للتسليم؛ لأنَّ التّسليم تتميز به الناشز عن غيرها، فالناشر لا تبقى مسلمة نفسها وبالتالي تسقط النفقة لها، التي تكون في مقابل حبس المرأة منافعها للرَّجل (¬3).
وما بُنيت عليه المسألة في ظاهر الرِّواية من استحقاق النفقة بالعقد أقوى؛ لأنَّ التسليم ممكن أن يكون المانع منه الرَّجل لأسباب عديدة مع
¬
(¬1) مختصر القدوري، ج3، ص91.
(¬2) التصحيح والترجيح، ص363.
(¬3) ينظر: خلاصة الدلائل، ص320.
استعداد المرأة للانتقال لبيت الزوجية، وبالتالي تكون مستحقة للنفقة، فإن ثبت عدم تسليمها لنفسها بغير حقّ تسقط نفقتها حينئذٍ.
المسألة الخامسة:
اختياره لزوم نفقة الصغار على الأب ولو أنفق غيره يرجع على الأب:
قال القُدُوريّ (¬1): «ونفقةُ الأولاد الصغار على الأب لا يشاركه فيها أحد كما لا يشاركه في نفقة الزوجة أحد».
والمعتمد في المذهب: لزوم النفقة على الأب ما لم يكن مريضاً مرضاً مزمناً، فالأب الفقير إن كان معسراً فيرجع عليه عند اليسار، وإن كان زمناً يلحق بالميت فلا يرجع عليه؛ لأنَّ نفقة الأب الزَمِن حينئذٍ على الجدّ فكذا نفقة الصغار، وحمل المقدسيّ ما في المتون على حالة اليسار، لكن قال الرَّملي: لا حاجة إلى ذلك؛ لأنَّ ما في المتون مبني على الرواية الثانية، قال ابن عابدين (¬2): «وعلى هذا فلا فرق بين كون المنفق أمّاً أو جدّاً أو غيرهما في ثبوت الرجوع على الأب ما لم يكن الأب زمناً، فإنه حينئذٍ يكون في حكم الميت اتفاقاً، وفي «جوامع الفقه» ما يؤيد ما في المتون،
¬
(¬1) مختصر القدوري، ج3، ص99.
(¬2) رد المحتار، ج3، ص615.
ومثله ما في «الخانية» من أنَّ نفقة الصغار والإناث المعسرات على الأب لا يشاركه في ذلك أحد ولا تسقط بفقره، اهـ، ومثله في «البدائع»».
وهذا أقوى من الرواية الأخرى بعدم الرجوع على الأب إن كان معسراً: قال ابنُ نُجيم (¬1): «أنَّ الوجوبَ على الأب المعسر إنَّما هو إذا أنفقت الأم الموسرة، وإلا فالأب كالميت والوجوب على غيره لو كان ميتاً ولا رجوع عليه في الصحيح، وعلى هذا فلا بد من إصلاح المتون والشروح كما لا يخفى».
وسبب اختيار القُدُوريّ قولَ الحسن بن صالح: أنَّ الله - جل جلاله - ألزم الأبُ نفقةَ الرضاع مع وجود الأم: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6]، وإن كانت الأم لا تشاركه فيها مع استوائهما في الدرجة، فغير الأم من الأقارب أولى أن لا يشاركونه.
المسألة السادسة:
اختياره التقدير في مسألة المفقود بمئة وعشرين سنة:
قال القُدُوريّ (¬2): «فإذا تَمَّ له مئةٌ وعشرون سنةً من يومِ وُلِد حُكِم بموته، واعتدت امرأته، وقُسِم مالُه بين ... ورثته الموجودين في ذلك
¬
(¬1) البحر الرائق، ج4، ص227.
(¬2) مختصر القدوري، ج2، ص216 - 217.
الوقت».
والمعتمد في المذهب: هو ظاهر الرِّواية عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنَّه مقدر بموت الأقران، وحقَّقَ ابن عابدين (¬1): «بأنَّه لا مخالفةَ بين قولِ التَّقديرِ وبين ظاهرِ الرِّواية، بل هو تفسيرٌ لظاهرِ الرِّواية، وهو موت الأقران، لكن اختلفوا فمنهم مَن اعتبرَ أطول ما يعيشُ إليه الأقرانُ غالباً، ثمَّ اختلفوا فيه هل هو تسعون أو مئة أو مئة وعشرون، ومنهم وهم المتأخّرون اعتبروا الغالبَ من الأعمار: أي أكثرَ ما يعيشُ إليهِ الأقرانُ غالباً لا أطوله فقدَّروه بستّين؛ لأنَّ مَن يعيشُ فوقَها نادر، والحكم للغالب» (¬2).
وسبب اختيار القُدُوريّ: هو تفسيره من القُدُوريّ لظاهر الرواية في الأخذ بالأحوط؛ لأنَّ الظاهرَ أن لا يعيش أكثر من ذلك، فيترتب عند ذلك أحكام الموت.
¬
(¬1) رد المحتار، ج3، ص331.
(¬2) ينظر: عمدة الرعاية، ج2، ص393.
المطلب الرابع: في اختياراته في أبواب منوعة:
المسألة الأولى:
اختياره تقدير حبس المفلس بشهرين أو ثلاثة:
قال القُدُوريّ (¬1): «فيحبسه شهرين أو ثلاثة، ثُمّ يسأل عنه، فإن لم يظهر له مالٌ خلّى سبيلَه».
والمعتمد في المذهب: هو ظاهر الرِّواية التقدير مفوض إلى رأي القاضي؛ لاختلاف أحوال الناس فيه فمَن الناس مَن يضجره الحبس القليل، ومنهم مَن لا يضجره الكثير ففوّض ذلك إلى رأي الحاكم، وصحَّحه صاحب «الهداية» والإسبيجابي وقاضي خان و «الاختيار» و «الجواهر» «والمحيط» وغيرها (¬2).
وسبب اختيار القُدُوريّ: هو التقدير في الحبس فيما يحتاج إليه لكشف صدق أو كذب المُدَّعى عليه.
وَتَرْك التقدير فيها إلى القاضي أقوى؛ لاختلاف أحوال الناس.
¬
(¬1) مختصر القدوري، ج4، ص82 - 83.
(¬2) ينظر: الجوهرة النيرة، ج2، ص243، واللباب، ج1، ص235.
المسألة الثانية:
اختياره تقدير أقل الجلد في التعزير بثلاث جلدات:
قال القُدُوريّ (¬1): «والتعزيرُ: أكثرُه تسعةٌ وثلاثون سَوطاً، وأَقلُّه ثلاثُ جلدات».
والمعتمد في المذهب: هو ظاهر الرِّواية أنَّه مفوَّضٌ لرأي القاضي، فكأنَّ القُدُوريّ يرى أنَّ ما دون الثَّلاث لا يقع به الزّجر, وليس كذلك بل يختلف ذلك باختلاف الأشخاص, فلا معنى لتقديره مع حصول المقصود بدونه، فيكون مفوّضاً إلى رأي القاضي يقيمه بقدر ما يرى المصلحة فيه على ما بيَّنّا تفاصيله, وعليه مشايخنا، «زيلعيّ» , ونحوه في «الهداية»، قال في «الفتح»: فلو رأى أنَّه ينزجر بسوط واحد اكتفى به, وبه صَرَّحَ في «الخلاصة» (¬2).
¬
(¬1) مختصر القدوري، ج3، ص198.
(¬2) ينظر: رد المحتار، ج4، ص60.
المسألة الثالثة:
اختياره أنَّ الحلف بصفات الذات يكون يميناً والحلف بصفات الفعل لا يكون يميناً:
فقال القُدُوريّ (¬1): «الحلف بصفةٍ من صفات ذاته: كعِزّةِ الله وجلاله وكبريائه».
والفرق بينهما عندهم: أنَّ كلّ وصف جاز أن يوصف الله تعالى به وبضدِّه فهو من صفات الفعل كالرضا والغضب والسخط والرحمة والمنع والإعطاء، وكلُّ ما جاز أن يوصفَ به لا بضدِّه فهو من صفات الذات كعزّة الله وكبريائه وجلاله وقدرته.
والمراد بالصفة: اسم المعنى الذي لا يتضمَّن ذاتاً ولا يحمل عليها بهو هو كالعزّة والكبرياء والعظمة بخلاف نحو العظيم (¬2).
والمعتمد في المذهب: اعتبار الصفات المتعارف الحلف بها: كعزّته وكبريائه وجلاله وقدرته؛ لأنَّ الأيمانَ مبنيّة على العرف فما تعارف النّاس الحلف به يكون يميناً وما لا فلا، وهذا ما صححه المرغيناني (¬3)
¬
(¬1) مختصر القدوري، ج4، ص5.
(¬2) ينظر: البحر الرائق، ج4، ص307.
(¬3) الهداية، ج5، ص66.
والزيلعي (¬1)، ومن الأحاديث الواردة في الصفات: قال - صلى الله عليه وسلم -: «بينا أيوب يغتسل عرياناً فخر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحتثي في ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى، قال: بلى وعزتك ولكن لا غنى بي عن بركتك» (¬2).
ولعلّ سبب اختيار القُدُوريّ: هو تحقّق التعظيم بصفات الذات دون الفعل؛ لأنَّ معنى اليمين وهو القوّة حاصل بها؛ لأنَّه يعتقد تعظيم الله تعالى وصفاته (¬3).
المسألة الرابعة:
اختيارُه لسقوطِ الجزيةِ عن الرُّهبان مطلقاً:
قال القُدُوريّ (¬4): «ولا على الرُّهبان الذين لا يخالطون الناس».
والمعتمد في المذهب: أنَّهم إن كانوا قادرين على العمل يلزم عليهم الجزية؛ لذلك أوَّل الحداديُّ كلام القُدُوريّ، فقال (¬5): «هذا محمولٌ على أنّهم إذا كانوا لا يقدرون على العمل أمّا إذا كانوا يقدرون فعليهم الجزية؛
¬
(¬1) تبيين الحقائق، ج3، ص110.
(¬2) في صحيح البخاري، ج1، ص107.
(¬3) ينظر: البحر الرائق، ج4، ص307.
(¬4) مختصر القدوري، ج4، ص145.
(¬5) الجوهرة النيرة، ج2، ص276.
لأنّ القدرةَ فيهم موجودةٌ، وهم الذين ضيّعوها فصار كتعطيل أَرْض الخراج»، وبه جزم في «الاختيار» أيضاً كما في الشرنبلاليّ، قال في «النهر»: وجعله في «الخانية» ظاهر الرواية حيث قال: ويؤخذ من الرُّهبان والقسيسين في ظاهر الرواية، وعن محمد: أنَّها لا تؤخذ (¬1).
وسبب اختيار القُدُوريّ الوضع عن الرهبان: أنَّه لا قتل عليهم إذا كانوا لا يُخالطون النّاس، والجزية في حقّهم لإسقاط القتل (¬2).
المسألة الخامسة:
اختياره قيمة نصاب السَّرقة عشرة دراهم مضروبة أو غيرَ مضروبة:
قال القُدُوريّ (¬3): «وإذا سَرَقَ البالغُ العاقلُ عشرةَ دراهم أو ما يكون قيمتُه عشرة دراهم مضروبةٍ أو غيرِ مضروبةٍ».
والمعتمد في المذهب: أنَّ نصاب السرقة عشرة دارهم مضروبة، وهو ظاهر الرِّواية، وقول أبي يوسف ومحمّد - رضي الله عنه -؛ لأنَّ حديثَ النّصابِ وَرَدَ بلفظِ الدّرهم، واسمُ الدّرهم يطلقُ على المضروب عرفاً، ويؤيّدُه أنَّ شروطَ العقوباتِ تراعى على صفة الكمال رعايةً لكمالِ الجناية، فلو سرقَ
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار، ج1، ص119.
(¬2) ينظر: حاشية على تبيين الحقائق، ج1، ص280.
(¬3) مختصرالقدوري، ج3، ص200 - 201.
عشرة تبراً قيمتها أنقصُ من عشرةٍ مضروبة لا يجب القطع؛ ولهذا شرطوا في الدّراهم الجودة (¬1).
ولعلَّ سبب اختيار القُدُوريّ رواية الحسن عشرة دراهم مضروبة أو غير مضروبة: هو العرف، بحيث كان شائعاً إطلاقُ الدِّرهم على المضروب وغير المضروب.
وحقيقةً أنَّ الحدود ليست مبنية على العرف كالأيمان، وإنَّما مبنية على الدرء، فكان ظاهر الرواية أولى في اعتبار المضروبة، الله أعلم.
* * *
¬
(¬1) ينظر: الهداية، ج5، ص355 - 356، والجوهرة النيرة، ج2، 164.
الخاتمة:
وفي ختام هذا البحث يمكن أن نخلص إلى النتائج الآتية:
أولاً: بلغ الإمام القدوري درجة عالية وورد ثناء كبير عليه، ونشأ في بيئة علمية وكان له شيوخ وتلاميذ كثر.
ثانياً: يُعَدُّ مختصر القُدُوريّ الأساس المتين لمن لحقه من كتب المذهب، وشُرح في مئات الشروح من قِبَل آكابر العلماء المذهب، وترجم إلى لغات عديدة.
ثالثاً: للقدوريّ مخالفات في العبادات، وهي: استحباب النية، وفرض القراءة أدنى ما يطلق عليه القرآن، والمقارنة بين التكبير والرفع، وإجزاء السجود على الأنف، ووجوب التضحية لنفسه وولده الصغير.
رابعاً: للقدوريّ مخالفات في المعاملات، وهي: لزوم الإجارة لمدة جديدة بدخول ساعة، وطلب الشفعة في مجلس علمه، وضمان المضارب إن دفع لغيره مضاربة بلا إذن بربح المضارب الثاني، وتضمين ربّ المال للمضارب الأول إن دفع المال مضاربة بدون إذن رب المال، وجواز
تأجير الملتقط للصغير، واشتراط رضا المحتال له في الحوالة، وركن الهبة الإيجاب والقَبول.
خامساً: للقدوريّ مخالفات في الأحوال الشخصية، وهي: استحباب المراجعة لمن طلّق زوجته في الحيض، واعتبار حال الزوجة في المتعة، ونفقة البنت البالغة والابن البالغ المريض مرضاً مزمناً على الأب والأم، الأب يدفع الثُّلثان، والأُم تدفع الثُّلث، ووجوب نفقة الزوجة بعد تسليمها نفسها للزوج، ولزوم نفقة الصغار على الأب ولو أنفق غيره يرجع على الأب، والتقدير في مسألة المفقود بمئة وعشرين سنة.
سادساً: للقدوريّ مخالفات في الأبواب الأخرى، وهي: التقدير بحبس المفلس بشهرين أو ثلاثة، وتقدير أقل الجلد في التعزير بثلاث جلدات، والحلف بصفات الذات يكون يميناً والحلف بصفات الفعل لا يكون يميناً، وسقوطِ الجزيةِ عن الرُّهبان مطلقاً، وقيمة نصاب السَّرقة عشرة دراهم مضروبة أو غيرَ مضروبة.
المراجع:
1. إعلاء السنن: لظفر أحمد العثماني التهانوي (1310 - 1394هـ)، ت: حازم القاضي، دار الكتب العلمية، ط1، 1997م.
2. الأعلام: لخير الدين الزَّركلي، دار العلم للملايين، ط15، 2002م.
3. أعيان العصر وأعوان النصر: لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي (ت: 764هـ)، ت: الدكتور علي أبو زيد، وغيره، دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان، دار الفكر، دمشق - سوريا، ط1، 1418هـ - 1998م.
4. البحر الرائق شرح كَنْز الدقائق: لإبراهيم ابن نجيم المصري زين الدين (ت970هـ)، دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ طبع.
5. البداية والنهاية: لإسماعيل بن عمر بن كثير (ت774هـ)، مكتبة المعارف، بيروت.
6. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: لأبي بكر بن مسعود الكاساني (ت587هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت. ط2، 1402هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتب العلمية.
7. بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة: لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي جلال الدين (849 - 911هـ)، تحقيق: محمد أبو الفضل، المكتبة العصرية، بيروت.
8. البناية في شرح الهداية: لأبي محمد محمود بن أحمد العَيْنِي بدر الدين (762 - 855هـ)، دار الفكر، ط1، 1980مـ.
9. تاج التراجم: لأبي الفداء قاسم بن قُطْلُوبُغَا (ت879هـ)، ت: محمد خير رمضان، دار القلم، دمشق، ط1، 1992مـ.
10. تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام: لأبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي شمس الدين (ت: 748هـ)، ت: عمر عبد السلام التدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط2، 1413 هـ - 1993م.
11. تاريخ بغداد: لأبي بكر أحمد بن علي الخطيب (393 - 463هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت.
12. تبيين الحقائق شرح كَنْز الدقائق: لعثمان بن علي الزيلعي فخر الدين (ت743هـ)، المطبعة الأميرية، مصر، ط1، 1313هـ.
13. تحفة الفقهاء: لعلاء الدين محمد بن أحمد السَّمَرْقَنْدِي (ت539هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، بدون تاريخ طبع.
14. تحفة الملوك: لمحمد بن أبي بكر الرازي (ت666هـ)، ت: الدكتور عبد الله نذير أحمد، دار البشائر الإسلامية، ط1، 1997م، وأيضاً: بتحقيق: الدكتور صلاح أبو الحاج، دار الفاروق، عمان، ط1، 2006م.
15. التصحيح والترجيح على مختصر القدوري لقاسم بن قطلوبغا (ت879هـ)، ت: ضياء يونس، دار الكتب العلمية، ط1، 2002م.
16. تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار: لأبي جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي الطبري (ت310هـ)، ت: محمود محمد شاكر، مطبعة المدني، القاهرة.
17. الجواهر المضية في طبقات الحنفية: لعبد القادر بن محمد بن أبي الوفاء القرشي (ت775هـ)، ت: عبد الفتاح الحلو، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1413هـ.
18. حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: لأبي العباس أحمد بن يونس بن محمد الحنفي المعروف بـ (ابن الشلبي) (ت 947هـ)، مطبوعة بهامش تبيين الحقائق، المطبعة الأميرية بمصر، ط1، 1313هـ.
19. حاشية الهداية: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ). ديوبند سهارنيور. 1401هـ.
20. حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة: لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي جلال الدين (849 - 911هـ)، مطبعة دار الوطن، القاهرة.
21. خلاصة الدلائل شرح القدوري لحسام الدين الرازي (ت598هـ)، ت: د. صلاح أبو الحاج، مركز أنوار العلماء للدراسات، الإصدار1.
22. الدر المختار شرح تنوير الأبصار: لمحمد بن علي بن محمد الحصكفي الحنفي (ت1088هـ)، مطبوع في حاشية رَدّ المُحْتَار، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
23. درر الحكام شرح غرر الأحكام: لمحمد بن فرامُوز بن علي الحنفي المعروف بـ (مُلا خسرو) (ت885هـ)، الشركة الصحفية العثمانية، 1310هـ، وأيضاً: طبعة در سعادت، 1308هـ.
24. الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة: لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت852هـ)، دار الجيل.
25. الدليل إلى المتون العلمية: لعبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم، دار الصميعي للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية، ط1، 1420 هـ - 2000 م.
26. ردّ المحتار على الدر المختار: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
27. سنن أبي داود: لسليمان بن أشعث السجستاني (202 - 275هـ)، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.
28. سنن البَيْهَقِي الكبير: لأحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِي (ت458هـ)، ت: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414هـ.
29. سنن الترمذي: لمحمد بن عيسى الترمذي (209 - 279هـ)، ت: أحمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
30. سنن الدَّارَقُطْنِي: لأبي الحسن علي بن عمر الدَّارَقُطْنِي (306 - 385هـ)، ت: السيد عبد الله هاشم، دار المعرفة، بيروت، 1386هـ.
31. سير أعلام النبلاء: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذَّهَبِي شمس الدين (673 - 748هـ)، ت: شعيب الأرناؤوط ومحمد نعيم العرقسوي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط9، 1413هـ.
32. شرح الزيادات لحسن بن منصور الأوزجندي، قاضي خان، (ت 592هـ)، ت: د. قاسم أشرف، دار إحياء التراث العربي. بيروت، لبنان، ط1، 1426هـ.
33. شرح الوقاية: لمحمد بن عبد اللطيف ابن ملك الكِرْمَانِيّ توفي بعد (806هـ)، من مخطوطات وزارة الأوقاف العراقية، برقم (962).
34. صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان: لمحمد بن حِبَّان التميمي (354هـ)، ت: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1414هـ.
35. صحيح ابن خزيمة: لمحمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي (ت311هـ)، ت: الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، 1390هـ.
36. صحيح البخاري: لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البُخَارِيّ (194 - 256هـ)، ت: الدكتور مصطفى البغا، دار ابن كثير واليمامة، بيروت، ط3، 1407هـ.
37. صحيح مسلم: لمسلم بن الحجاج القُشَيْريّ النَّيْسَابوريّ (ت261هـ)، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
38. طبقات الحنفية: لعلي بن أمر الله قنالي زاده المشهور بـ (ابن الحنائي) (ت979هـ)، مطبعة الزهراء الحديثة، الموصل، ط2، 1380هـ.
39. الطبقات السنية في تراجم الحنفية: لتقي الدين بن عبد القادر التميمي، ت: الدكتور عبد الفتاح الحلو، دار الرفاعي، الرياض، 1403هـ.
40. طبقات الشافعية الكبرى: لعبد الوهاب بن علي السبكي الشافعي تاج الدين (727 - 771هـ)، دار المعرفة، ط2.
41. طبقات الشافعية: لأبي بكر بن هداية الله الحسيني (ت1014هـ)، ت: عادل نويهض، دار الأفاق الجديدة، بيروت، ط3، 1402هـ.
42. طبقات المفسرين: لمحمد بن علي الداودي (ت945هـ)، ت: علي محمد، مكتبة وهبة، مصر، ط1، 1392هـ.
43. طلبة الطلبة: لعمر بن محمد النسفي (ت537هـ)، ت: محمد حسن الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1418هـ.
44. العبر في خبر من غبر: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذَّهَبِي شمس الدين (673 - 748هـ)، ت: الدكتور صلاح الدين المنجد، مطبعة حكومة الكويت، 1963مـ.
45. عقد الجمان في تاريخ أهل زمان لمحمود بن أحمد العيني الحنفي، بدر الدين، (ت855هـ)، المكتبة الشاملة.
46. عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، ت: د. صلاح أبو الحاج، دار الكتب العلمية، لبنان، ط1، 2009م.
47. العناية على الهداية: لأكمل الدين محمد بن محمد الرومي البَابَرْتي (ت786هـ)، بهامش فتح القدير للعاجز الفقير، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
48. غرر الأحكام: لمحمد بن فرامُوز ملا خسرو (ت885هـ)، مطبوع مع شرحه درر الحكام، در سعادت، 1308هـ.
49. غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام (الشرنبلالية): لحسن بن عمار بن علي الشرنبلالي (ت1069هـ)، در سعادت، 1308هـ، وأيضاً: طبعة الشركة الصحفية العثمانية، 1310هـ.
50. الفتاوى الخانية (فتاوى قاضي خان): لحسَن بن مَنْصُور بن مَحْمُود الأُوزْجَنْدِيّ (ت592هـ)، مطبوعة بهامش الفتاوي الهندية، المطبعة الأميرية ببولاق، مصر، 1310هـ.
51. الفتاوي الهندية: للشيخ نظام الدين البرهانفوري، والقاضي محمد حسين الجونفوري، والشيخ علي أكبر الحسيني، والشيخ حامد بن أبي الحامد الجونفوري، وغيرهم، المطبعة الأميرية ببولاق، 1310هـ.
52. فتح القدير: لمحمد بن عبد الواحد كمال الدين الشهير بـ (ابن الهمام) (790 - 861هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، وأيضاً: طبعة دار الفكر.
53. الفوائد البهية في تراجم الحنفية: لعبد الحي الكنوي (1264 - 2304هـ)، ت: أحمد الزعبي، دار الأرقم، بيروت، ط1، 1998م، وأيضاً: طبعة السعادة، مصر، ط1، 1324هـ.
54. كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار: لمحمود بن سليمان الكفوي توفي نحو (990هـ)، من مخطوطات المكتبة القادرية، بغداد.
55. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: لمصطفى بن عبد الله القسطنطيني الحنفي (1017 - 1067)، دار الفكر.
56. كمال الدراية بشرح النقاية: لأحمد بن محمد الشُّمُنِّيِّ الحنفي (ت872هـ)، من مخطوطات وزارة الأوقاف العراقية، برقم (10603).
57. كنْز الدقائق: لأبي البركات عبد الله بن أحمد النَّسَفِي حافظ الدين (ت701هـ)، اعتنى به: إبراهيم الحنفي الأزهري، طبع بالمطبعة الحميدية المصرية بالمناصرة بمصر، 1328هـ.
58. الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة: لنجم الدين الغزي، ت: الدكتور جبريل جبور، الناشر: محمد أمين وشركاه، 1945م.
59. المبسوط: لأبي بكر محمد بن أبي سهل السرخسي توفى بحدود (500هـ)، 1406هـ، دار المعرفة، بيروت.
60. مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر: لعبدِ الرَّحمنِ بنِ محمد الرُّومي المعروف بـ (شيخِ زاده) (ت 1078هـ)، دار الطباعة العامرة، 1316هـ.
61. مختصر القدوري مطبوع مع اللباب في شرح الكتاب: لعبد الغني الغنيمي الدمشقي الميداني الحنفي (1222 - 1298هـ)، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
62. مرآة الجنان وعبر اليقظان في ما يعتبر من حوادث الزمان: لعبد الله بن أسعد اليافعي (ت768هـ)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط1، 1970م.
63. مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح لحسن بن عمار الشرنبلالي (ت1069هـ)، ت: عبد الجليل عطا البكري، دار النعمان للعوم، دمشق، ط1. 1990م.
64. المستدرك على الصحيحين: لمحمد بن عبد الله الحاكم (ت405هـ)، ت: مصطفى عبد القادر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ.
65. مسند أحمد بن حنبل: لأحمد بن حنبل (164 - 241هـ)، مؤسسة قرطبة، مصر.
66. مسند الشاميين: لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطَّبَرَاني (260 - 360هـ)، ت: حمدي السلفي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1405هـ.
67. المصنف في الأحاديث والآثار: لعبد الله بن محمد بن أبي شَيْبَةَ (159 - 235هـ)، ت: كمال الحوت، ط1، مكتبة الرشد، الرياض، 1409هـ.
68. معجم الأدباء: لأبي عبد الله شهاب الدين ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي البغدادي (ت626هـ)، مكتبة عيسى البابي الحلبي، الطبعة الأخيرة.
69. المعجم الكبير: لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطَّبَرَاني (260 - 360هـ)، ت: حمدي السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، ط2، 1404هـ.
70. معجم المؤلفين: لعمر كحالة، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1414هـ.
71. مقدمة الصلاة: لعمر الغزنوي (ت773هـ)، من مصورات مخطوطات مكتبتي عن دار صدام.
72. مقدمة اللباب في شرح الكتاب للدكتور سائد بكداش، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط1، 2010م.
73. مقدِّمة عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، المطبع المجتبائي، دهلي، 1340هـ.
74. ملتقى الأبحر: لإبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحَلَبي (ت956هـ)، مطبعة علي بك، 1291هـ، وأيضاً: بتحقيق: وهبي سليمان غاوجي الألباني، مؤسسة الرسالة، ط1، 1409هـ.
75. منية المصلي وغنية المبتدي: لسديد الدين محمد بن محمد الكاشغري (ت705هـ)، مطبعة محمدي، بمبئ، 1313هـ.
76. الموسوعة الفقهية الكويتية: لجماعة من العلماء، تصدرها وزارة الأوقاف الكويتية.
77. النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: ليوسف بن تغرة بردة الأتابكي (813 - 874)، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، المؤسسة المصرية العامة.
78. النقاية: لعبيد الله بن مسعود صدر الشريعة (ت747هـ)، مطبوع مع فتح العناية بشرح النقاية: لعلي القاري، تحقيق: محمد نزار وهيثم نزار، دار الأرقم، ط1، 1418هـ، وأيضاً: طبعة مطبع دهلي، 1286هـ.
79. نور الإيضاح ونجاة الأرواح: لحسن بن عمار بن علي الشرنبلالي (ت1069هـ)، دار النعمان للعلوم، دمشق، بيروت، ط2، 1417هـ.
80. الهداية شرح بداية المبتدي: لأبي الحسن علي بن أبي بكر المرغيناني (ت593هـ)، مطبعة مصطفى البابي، الطبعة الأخيرة، بدون تاريخ طبع.
81. هدية العارفين: لإسماعيل باشا البغدادي (ت1339هـ)، دار الفكر، 1402هـ.
82. الهدية العلائية: لعلاء الدين ابن عابدين، ت: محمد سعيد البرهاني، ط5، 1416هـ.
83. وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: لأبي العباس أحمد بن محمد ابن خَلكان (608 - 681هـ)، ت: الدكتور إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت.
84. الوقاية لبرهان الشريعة، وشرح الوقاية لصدر الشريعة عبيد الله بن مسعود المحبوبي (ت747هـ) ومنتهى النقاية للدكتور صلاح محمد أبو الحاج، ت: الدكتور صلاح أبو الحاج، دار الوراق، عمان، الأردن، 2005م.
* * *