اختصار تعظيم قدر الصلاة ....
... لمحمد بن نصر المروزي
جارٍ تحميل الكتاب…
اختصار تعظيم قدر الصلاة ....
... لمحمد بن نصر المروزي
الطبعة الأولى
1441 هـ ـ 2020 م
اختصار
تعظيم قدر الصلاة
لأبي عبد الله محمد بن نصر المروزي
توفي (294 هـ)
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، المصطفى الأمين، وعلى آله وصحابته الغرّ الميامين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
أثناء اشتغالي ببحث: «أثر الصلاة على حياة المسلم» قبل سنوات، قرأت الكتاب الماتع للإمام الكبير المحدث أبي عبد الله محمد بن نصر المروزي، المتوفى سنة (294 هـ)، ورأيت أنّ فيه فوائد جمّة يحسن نشرها وإشاعتها بين المسلمين للاستفادة منها، فعزمتُ على اختصاره وإخراج فوائده؛ لتكون سهلة التناول من القراء الكرام.
والكتاب الأصلي، وهو «تعظيم قدر الصلاة» فيها أبحاث طويلة جداً كان ذات قيمة في ذلك الزمان، فتوسع المؤلف في مناقشتها مثل مسألة زيادة الإيمان مثلاً، وفيما بعد تَبَيَّنَ عند المُحقّقين أن الخلاف فيها لفظيّ، وأنّ هذه المناقشات بين سلفنا الصّالح ينبغي تأويلها مع إحسان الظن فيهم جميعاً؛ لما استقرت علمياً، والله أعلم.
سائلاً الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجه الكريم، ويَرزقنا الصدق في القول والعمل، وأن يرشدنا سبيلَه وطريقه، وأن يعفو عنا وعن مشايخنا وآبائنا، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
بجامعة العلوم الإسلامية العالمية
صويلح، عمان، الأردن
بتاريخ 7 ـ 7 ـ 2020 م
المطلب الأول
تعظيم قدر الصلاة
وتفضيلها على سائر الأعمال
الحمد لله الممتن على عباده المؤمنين بما دلّهم عليه من معرفته وشرح صدورهم للإيمان به والإخلاص بالتوحيد لربوبيته، وخلع كلّ معبود سواه، ففرض جلّ ثناؤه عليهم فرائضه، فلا نعمة أعظم على المؤمنين بالله من نعمة الإيمان، والخضوع لربوبيته، ثم النعمة الأخرى ما افترض عليهم من الصلاة خضوعاً لجلاله، وخشوعاً لعظمته، وتواضعاً لكبريائه، ولم يفترض عليهم بعد توحيده، والتصديق برسله، وما جاء من عنده فريضة أوّل من الصلاة، وأخبر أن ذلك أمره لهم، وللأنبياء والأمم قبل أن يبعث محمداً - صلى الله عليه وسلم -.
فهي أول فريضة ذكرت بعد الإخلاص لله، قال - جل جلاله -: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة} [البينة:5]، فأَوَّل فريضة بعد الإخلاص بالعبادة لله الصّلاة،
فجعل أول فريضة نصها بالتسمية بعد الإخلاص بالعبادة لله الصلاة، قال - عز وجل -: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} [التوبة:5]، وقال - جل جلاله -: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة:11].
وعن أنس - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن فارق الدنيا على الإخلاص لله، وعبادته لله وحده لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فارقها والله عنه راض» (¬1).
2. ذكرها بعد التوحيد، فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله» (¬2).
وعن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن شئت حدثتك يا معاذ، برأس هذا الأمر وقوام هذا الأمر وذروة السَّنام، فقال معاذ: بلى بأبي وأمي أنت يا نبي الله، فحدثني فقال نبي الله - صلى الله عليه وسلم -: إن رأس هذا الأمر أن تشهد أن لا
¬
(¬1) سنن ابن ماجه 1: 27، واللفظ له، والمستدرك 2: 362، قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه».
(¬2) وصحيح مسلم 1: 53. صحيح البخاري 1: 17، واللفظ له، ()
إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وإن قوام هذا الأمر أقام الصلاة وإيتاء الزكاة ... » (¬1).
وممَّا دلّ الله تعالى به على تعظيم قدر الصَّلاة ومباينتها لسائر الأعمال إيجابه إياها على أنبيائه ورسله، وإخباره عن تعظيمهم إياها، فمن ذلك أنه - جل جلاله - قرب موسى نجياً، وكلمه تكليماً، فكان أوّل ما افترض عليه بعد افتراضه عليه عبادته إقام الصلاة، ولم ينصّ له فريضة غيرها، فقال تبارك وتعالى مخاطباً لموسى بكلماته ليس بينه وبينه ترجمان: {فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى، إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي} [طه:14]، فدلّ ذلك على عظم قدر الصلاة وفضلها على سائر الأعمال، إذ لم يبد مناجيه وكليمه بفريضة أوّل منها.
ثم ما أخبر عن سحرة فرعون بعد شركهم وعنادهم إذ يحلفون بعزة فرعون متخذين إلها من دون الله، ولم يأتهم رسول قبل ذلك، ولا سمعوا كتاباً، فلما أراهم موسى الآية حين ألقى عصاه فقلبها الله حيةً تسعى، فالتقفت حبالهم وعصيهم، فعلموا أن ذلك ليس بسحر ولا يشبهه فعل بني آدم، انقادوا للإيمان بالله عز وجل، فلم يلهموا طاعةً
¬
(¬1) من حديث طويل لمعاذ - رضي الله عنه - في مسند أحمد 5: 245، قال الشيخ شعيب: «الحديث من سؤال معاذ إلى آخره صحيح بطرقه وشواهده دون قوله: ما شحب وجه ... الخ فإنه حسن لغيره وهذا إسناد ضعيف لضعف شهر بن حوشب».
يرجعون بها إلى الله ويترضونه بها ظنّاً أن يغفر لهم عمّا كان منهم إلا السجود، وهو أعظم الصلاة، قال - عز وجل -: {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِين، قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِين، رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} [الشعراء:48]، فعفروا وجوههم لله في التراب خضوعاً له، فلم يجعل الله لهم مفزعاً إلا إلى الصلاة مع الإيمان به، وهي مفزعُ كلّ منيب.
وكانت من أوّل ما أمر به موسى - عليه السلام - أن يأمر بني إسرائيل بعد أن آمنوا به الصلاة، فقال: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ} [يونس:87].
وحكى - عز وجل - عن عيسى - عليه السلام - حين تكلم في المهد صبياً أنه {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم:31].
وحكى - عز وجل - عن إبراهيم - عليه السلام - خليله أنه لما ذهب بإسماعيل - عليه السلام - فأسكنه بوادٍ ليس به أنيس دعا ربّه فقال: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ} [إبراهيم:37]، ولم يذكر عملاً غير الصّلاة فدلّ ذلك أنه لا عمل أفضل من الصّلاة ولا يوازيها، وقال - عز وجل -: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود} [الحج:26].
وقال - عز وجل -: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا، وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ} [مريم:55].
وقال - عز وجل -: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِين، وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ} [الأنبياء:73].
وقال - عز وجل - في قصة زكريا: {فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ} [آل عمران:39].
وقال - عز وجل - عن نبيه داود - عليه السلام - لما أصاب الخطيئة وأراد التوبة لم يجد لتوبته مفزعاً إلا إلى الصلاة، قال الله - عز وجل -: {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَاب} [ص:24].
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: «أحبُّ الصَّلاة إلى الله صلاة داود - عليه السلام -، وأحبُّ الصِّيام إلى الله صيام داود، وكان يَنام نصف الليل ويقوم ثلثه ويَنام سدسه، ويَصوم يوماً ويفطر يوماً» (¬1).
¬
(¬1) صحيح البخاري 1: 380، واللفظ له، وصحيح ابن حبان 6: 325، وصحيح ابن خزيمه 2: 181.
وعن عطاء - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن أخي داود كان أعبد البشر، كان يقوم نصف الليل، ويصوم نصف الدهر» (¬1).
وقال - عز وجل - في قصة شعيب لما نهى قومه عن عبادة غير الله، ونهاهم عن التطفيف في الكيل والوزن فقالوا: {يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا}، وفي ذلك دليل على أنهم لم يكونوا يرونه يعظم شيئاً من الأعمال تعظيم الصلاة، قال الله - عز وجل -: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي} [المائدة:12].
وأكد الله - عز وجل - وجوبها بفرضها بنصّ التنزيل، فقال: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا} [النساء:103]: أي كتاباً واجباً.
وتوعد بالعذاب مَن أضاعها أو سها عنها فصلاها في غير وقتها أو رايا بها فقال - عز وجل -: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم:59]: أي أضاعوها عن مواقيتها، وقال - عز وجل -: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّين، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُون، الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُون} [الماعون:6]: أي يؤخرون الصلاة عن وقتها.
¬
(¬1) عن أبي الدرداء: « ... وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ذكر داود وحدث عنه قال: كان أعبد البشر» في المستدرك2: 470، قال الحاكم: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، وسنن الترمذي 5: 522.
وحكى - عز وجل - عن الكفار أنهم لما سئلوا بعد دخولهم النار فقيل لهم: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّين} [المدثر:43]، فلم يذكروا شيئاً من الأعمال عذبوا عليها قبل تركهم الصلاة.
وعن الضحاك وعطاء في قول - جل جلاله -: {لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} [المنافقون:9]: الصلوات الخمس (¬1).
وعن ابن عباس - رضي الله عنهم - في قول - جل جلاله -: {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} [النور:37]: الصلاة المكتوبة (¬2).
ووبخ - عز وجل - الكافر بقوله: {فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى} [القيامة:31] ولم يضم إلى التصديق شيئاً غير الصلاة، {وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [القيامة:32]، فالكذبُ ضدُّ التصديق، والتولي تركُ الصلاة وغيرها من الفرائض.
ونعت الله المؤمنين في أوّل سورة البقرة فقال: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ} [البقرة:3]، فلم يبدأ بعد الإيمان بالغيب بذكر فريضة قبل الصلاة.
ومدح الله عباده المؤمنين فبدأ بذكر الصلاة قبل كلِّ عمل فقال: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُون} [المؤمنون:2]، فمدحهم بالخشوع فيها، ثم أعاد ذكرها في آخر القصة إعظاماً لقدرها في القربة
¬
(¬1) في تفسير الطبري 23: 410. ()
(¬2) في تفسير الطبري 19: 193. ()
إليه، ولما أعد للقائمين بها المحافظين عليها من جزيل الثواب، ونعيم المآب، فقال: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُون، أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُون، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُون} [المؤمنون:11].
ولم نجد الله - عز وجل - مدح أحداً من المؤمنين بمواظبته على شيء من الأعمال مدح مَن واظب على الصلوات في أوقاتها، ألا تراه كيف ذكرها مبتدئة من بين سائر الأعمال، قال - جل جلاله -: {إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [المعارج:21].
ثم لم يبرئ أحداً من هذين الخلقين المذمومين من جميع الناس قبل المصلين فقال: {إِلاَّ الْمُصَلِّين، الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُون} [المعارج:23].
ثم أعاد ذكرهم في آخر الآية بذكر آخر فقال: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُون، أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُون} [المعارج:35]، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ} [فاطر:29] في كل ذلك يبدأ بمدح الصلاة قبل سائر الأعمال، تبعها ما تبعها من سائر الطاعات، فكرَّر الثناء عليهم، ومدحهم بالمحافظة عليها ليدوموا عليها، كل ذلك تأكيداً لها، وتعظيماً لشأنها.
المطلب الثاني
تكفير الصلوات للخطايا
ولم يخصّ الله تعالى عملاً من أعمال الدين فجعله يكفر به الخطايا ويطهر به المذنبين كما خَصّ الصلاة بذلك، فقال: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود:114]، فجاءت الأخبار أنّها نزلت في الصلوات الخمس:
فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال: «جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يا رسول الله، إني عالجت ـ أي داعبتها ـ امرأة في أقصى المدينة، وإنّي أصبت منها ما دون أن أمسها، فأنا هذا فاقض فيما شئت، فقال له عمر: لقد سترك الله لو سترت نفسك، قال: ولم يرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئاً، فقام الرجل فانطلق، فأتبعه النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلاً دعاه، فتلا عليه هذه الآية: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى
لِلذَّاكِرِين} [هود:114] فقال رجل: يا نبي الله، هذا له خاصة؟ فقال: بل للناس كافة» (¬1).
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر» (¬2)، وهذا في القرآن: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا} [النساء:31].
وعن أبي عثمان النهدي، قال: «كنت مع سلمان الفارسي تحت شجرة، وأخذ منها غصناً يابساً فهزه حتى تحات ورقه ثم قال: يا أبا عثمان، ألا تسألني لم أفعل هذا؟ قلت: ولم تفعله؟ فقال: هكذا فعل بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا معه تحت شجرة، فأخذ منها غصناً يابساً فهزه حتى تحات ورقه، فقال: يا سلمان، ألا تسألني لم أفعل هذا؟ قلت: ولم تفعله؟ قال: إن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى الصلوات الخمس تحاتت خطاياه كما يتحات هذا الورق، وقال: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ
¬
(¬1) في صحيح مسلم 4: 2115، وسنن الترمذي 5: 289، وسنن البيهقي الكبرى 8: 241.
(¬2) في صحيح مسلم 1: 209، وسنن الترمذي 1: 418، وصحيح ابن حبان 5: 24. ()
وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِين} [هود:114]» (¬1).
وعن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «أرأيت لو كان بفناء أحدكم نهر يجري يغتسل منه كل يوم خمس مرات ما كان يبقى من درنه؟ قالوا: لا
شيء، قال: إن الصلوات تذهب الذنوب كما يذهب الماء الدرن» (¬2).
وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «الصلوات الخمس كفارة ما بينها» (¬3).
وعن ابن عباس - رضي الله عنهم - في قوله: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} [الكهف:46]، قال: هُنّ الصلوات الخمس (¬4).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسة وعشرين ضعفاً، وذلك أنه إذا توضأ
¬
(¬1) مسند أحمد 5: 437، واللفظ له، قال الشيخ شعيب: «حسن لغيره وهذا إسناد ضعيف لضعف علي بن يزيد»، والمعجم الكبير 6: 257.
(¬2) في مسند أحمد 1: 71، واللفظ له، قال الشيخ شعيب: «إسناده صحيح»، وسنن ابن ماجه 1: 447، وعن أبي هريرة في صحيح البخاري 1: 197 بلفظ: «أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمساً ما تقول ذلك يبقي من درنه؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيئاً، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا»، ونحوه في صحيح مسلم 1: 462.
(¬3) في المعجم الأوسط 1: 71.
(¬4) في تفسير القرطبي10: 414.
فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه اللهم صل عليه اللهم ارحمه ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة» (¬1)، فجعل الله كل خطوة إليها حسنة وكفارة وطهارة للذنوب.
وعن حمران مولى عثمان - رضي الله عنه - قال: «توضأ عثمان بن عفان يوماً وضوءاً حسناً ثم قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: من توضأ هكذا ثم خرج إلى المسجد لا ينهزه ـ لا يدفعه ـ إلا الصلاة غفر له ما خلا من ذنبه» (¬2).
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا سمر بعد العشاء الآخرة، إلا لأحد رجلين: مصل ومسافر» (¬3)، وإنما نهى عن السمر بعد العشاء الآخرة؛ لأنّ مُصلِّي العشاء الآخرة قد كفرت عنه ذنوبه لصلاته، فنهي أن يسمر في الحديث مع الناس خوفاً أن يكون له في كلامه ما يدنس نفسه بالذنب بعد طهارة؛ لأنّ ينام بطهارته.
¬
(¬1) في صحيح البخاري1: 232، 2: 746، واللفظ له، وصحيح مسلم 1: 458. ()
(¬2) في صحيح مسلم 1: 208. ()
(¬3) فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال: «جدب لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السمر بعد العشاء» يعني زجرنا في سنن ابن ماجة1: 230.
فعن طلحة بن مصرف - رضي الله عنه -، قال: «جعلت الصلوات كفارات، يصلي الرّجل الفجر ثم يحرق نفسه إحراق النار اليبس، فإذا صلّى الظهر أطفأها، فعدَّ الصلوات على هذا حتى بلغ العشاء الآخرة، قال: فكانوا يكرهون السَّمر بعدها، ويحبون أن يَنام الرَّجل وهو سالم» (¬1).
وعن القاسم بن أبي أيوب، قال: كان سعيد بن جبير - رضي الله عنه -: «يصلي بعد العشاء الآخرة أربع ركعات، فأكلمه وأنا معه في البيت فما يراجعني الكلام» (¬2).
¬
(¬1) فعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «من جعل لله نداً، جعله الله في النار» قال: وأخرى أقولها، لم أسمعها منه: «ومن مات لا يجعل لله نداً، أدخله الله - عز وجل - الجنة، وإن هذه الصلوات كفارات لما بينهن ما اجتنب المقتل» في مسند أحمد6: 412.
(¬2) ومن الآثار في مصنف عبد الرزاق 1: 46ـ 49: عن أبي موسى الأشعري قال: «نحرق على أنفسنا، فإذا صلينا المكتوبة كفرت الصلاة ما قبلها، ثم نحرق على أنفسنا، فإذا صلينا كفرت الصلاة ما قبلها».
وعن سعيد بن جبير قال: قال سلمان الفارسي: «إن العبد المؤمن إذا قام إلى الصلاة وضعت خطاياه على رأسه فلا يفرغ من صلاته حتى تتفرق منه كما تفرق عذوق النخلة تساقط يميناً وشمالاً».
وعن الحسن قال: «ما ينادي مناد من أهل الأرض بالصلاة حتى ينادي مناد من أهل السماء قوموا يا بني آدم، فأطفؤا نيرانكم، قال: فيقوم المؤذن يؤذن ثم يقوم الناس إلى الصلاة».
وعن عبد الله بن مسعود: «الصلوات كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر»، وعن زيد بن ثابت قال: «صلاة الرجل في بيته نور، وإذا قام الرجل إلى الصلاة علقت خطاياه فوقه فلا يسجد سجدة إلا كفر الله عنه بها خطيئة».
وعن الحسن قال قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «للمصلي ثلاث خصال: تتناثر الرحمة عليه من قدمه إلى عنان السماء، وتحف به الملائكة من قرنه إلى أعنان السماء، وينادي مناد لو علم المناجي من يناجي ما انفتل».
وجعل الله الفرائض كلها لازمةٌ في بعض الأوقات من الزمان، وساقطةٌ في بعضها كالصيام المفترض شهراً من السنة، وعلى مَن ملك ما تجب فيه الزكاة، والحجّ على من وجد السبيل إليه في العمر مرّةً واحدة، وكذلك جميع الفرائض رفع فرض وجوبها في حال، ولم يوجب فرضه في كلِّ حال إلا الصلاة وحدها، فإنّ الله تعالى ألزم عباده خمس صلوات في كلِّ يوم وليلة.
وإنّما منع الحائض من الصلاة تعظيماً لقدر الصلاة لا تقربها إلا هي طاهرة من الحيض، إلا أنه خفَّف شطرها عن المسافر رحمةً له لما عُلِم من تعب السفر وشدته، وألزمه على كلّ حال فرض الشطر الباقي، فلم يزل فرضها إذا حضر وقتها في حال من الأحوال إلا في الحال التي تزول فيها العقول، والزائل العقل كالميت الذي لا يلزمه وجوب فرض الله في بدنه من الفرائض كلِّها.
وجعلها واجبةً في كلِّ شديدة وسقم أن يؤديها العاقل البالغ قائماً إن استطاع، وجالساً إن لم يستطع القيام، ومضطجعاً إن لم يقدر على القعود، ومؤمياً إن لم يقدر على الركوع والسجود، حتى أوجب فرضها
عند المخاطرة بتلف النفوس عند الخوف من المشركين، ولم يرفعها الله عن عباده في حال أمن ولا خوف، ولا صحّة ولا سقم، فاعقلوا ما عظم الله قدرها لشدّة إيجابه إيّاها، وإلزامها عباده في كلِّ الأحوال لتعظموها؛ إذ عظمها الله، وتجزعوا أن تضيعوها وتنقصوها، ولتؤدوها بإحضار العقول، وخشوع الأطراف.
ثم لم يرخص لأحد إن غلب بنوم أو نسيان أن يدع أن يأتي بها، كما افترضت عليه لو لم يغلب عليها؛ فعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك، {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي} [طه:14]» (¬1).
ثمّ جعل جميع الطاعات من الفرض والتنفّل متقبلةً بغير طهارة ولا ينقضها الأحداث ولا يفسدها إلا الصلاة وحدها لإيجاب حقّها، وإعظام قدرها، إلا الطواف بالبيت، فإن السنة أن يؤتى على طهارة؛ لأنه صلاة.
ومن الدليل على أنها أرفع الأعمال أنّ الله - عز وجل - أوجب أن لا تؤتى إلا بطهارة الأطراف، ونظافة الجسد كلِّه واللباس من جميع الأقذار، ونظافة البقاع التي يصلَّى عليها، ثمّ زاد تعظيماً أنه أمرهم إذا عدموا الماء عند حضور وقت الصلاة أن يضربوا بأيديهم على الصعيد فيمسحوا
¬
(¬1) في صحيح البخاري 1: 215، وصحيح مسلم 1: 477. ()
مكارم وجوههم بالتراب، إعظاماً لقدرها أن لا تؤدَّى إلا بطهارة، ثمّ اختلفوا في مَن لم يجد ماءً ولا صعيداً، فقالت جماعة من العلماء: يُصلِّي حتى يجد الماء أو الصعيد، ثمّ يتطهر بأيِّهما وجد، ثمّ يقضي ما ترك من الصلوات في حال عدمه للماء والتراب.
ويجب عليه أن لا يُصلِّي حتى يستر عورتَه إذا كان واجداً لما يستر به عورته، فإذا لم يجد صَلَّى عرياناً، ولم يكن له أن يؤخرَ الصَّلاة إلى أن يجد ثوباً يستر به عورته.
وإنّ كلَّ فريضة افترضها الله فإنّما افترضها على بعض الجوارح دون بعض، ثم لم يأمر بإشغال القلب به إلا الصلاة فإنه أمر أن يقام بجميع الجوارح كلها، وذلك أن ينتصبه العبد ببدنه كله، ويشغل قلبه بها ليعلم ما يتلو وما يقول فيها، ولم يفعل ذلك بشيء من الفرائض، لم يمنع أن يشتغل العبد في شيء من الفرائض بعمل سواه إلا الصلاة وحدها، فإن الصائم له أن يلتفت وينام ويتكلَّم بغير ذكر الصوم، ويعمل بجوارحِه ويشغلها فيما أحبّ من منافع الدنيا ولذاتها ممَّا أحلّ له، والمقاتل في سبيل الله له أن يلتفت ويتكلم، والحاج في قضاء مناسكه قد أبيح له أن يتكلَّم كذلك فيما بين ذلك، وينام ويشتغل بما أحب من منافع الدنيا المباحة له، وله أن يتكلم في الطواف، وكذلك إعطاء الزكاة، وجميع الطاعات، له أن يعمل فيها ويتفكر في غيرها، ومنع المصلِّي من الأكل والشرب، وجميع
أعمال الدنيا من الالتفات، والأفعال بالجوارح إلا بالصلاة وحدها، ومن التفكر إلا فيما يتلو ويقول.
فالمصلّي كأنّه ليس في الدنيا ولا في شيءٍ منها، إذا كان بجميع قلبه وجميع بدنه في الصلاة، فكأنّه ليس في الأرض، إلا أن ثقل بدنه عليها، وذلك أنه يُناجي الملك الأكبر، فلا ينبغي أن يخلط مناجاة الإله العظيم بغيرها، وكيف يفعل ذلك والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد أخبر أن الله مقبل عليه بوجهه، فكيف يجوز لمن صدَّقَ بأن الله مقبلٌ عليه بوجهِهِ أن يلتفت أو يغيب أو يتفكّر أو يتحرّك بغير ما يحبّ المقبل عليه بوجهه؛ لأنّ اشتغاله في صلاته بغيرها من الالتفات أو العبث أو التفكّر في شيءٍ من الدنيا هو إعراض عمّن أقبل عليه، وما يقوى قلب عاقل لبيب أن يقبل عليه من الخلق مَن له عنده قدرٌ فيراه يولي عنه بمعنى من المعاني.
وكلُّ مقبل سوى الله لا يطلع على ضمير مَن ولى عنه بضميره، والله تعالى مقبل على المصلِّي بوجهه، يرى إعراضه بضميره، وبكلِّ جارحةٍ من جوارحه، سوى صلاته التي أقبل عليه بوجهه من أجلها، فكيف يجوز لمؤمنٍ عاقلٍ أن يملها أو يلتفت أو يتشاغل بغير الإقبال على ربّ العالمين؛ إذ أخبره النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّ اللهَ مقبلٌ عليه بوجهه، فهل يفعل ذلك مَن فعله إلا قلّة مبالاة بالمقبل عليه، أو كيف يجوز لمَن عَرَف أن اللهَ مقبلٌ عليه وهو مناج له أن يعرض عنه بما قلّ أو كثر، فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال
- صلى الله عليه وسلم -: «إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه، فإن الله قبل وجهه إذا صلى» (¬1).
وعن عليّ - رضي الله عنه - في قوله - عز وجل -: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُون} [المؤمنون:2]: «الخشوع خشوع القلب» (¬2).
وقال مجاهد - رضي الله عنه -: «كان ابن الزبير - رضي الله عنه - إذا أقام في الصلاة كأنه عود من الخشوع» (¬3).
وقال سعيد بن جبير - رضي الله عنه -: «خمس تنقض الصلاة: التمطؤ، والالتفات، وتقليب الحصا، والوسوسة، وتفقيع الأصابع» (¬4).
وري عن سعيد بن المسيب فيمن يعبث في صلاته: «لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه» (¬5).
وروي أن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - صلى ركعتين فخففهما، فقال له عبد الرحمن بن الحارث: يا أبا القطان أراك قد خففتهما قال: إني بادرت بهما الوسواس، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الرجل ليصلي الصلاة
¬
(¬1) في صحيح البخاري 1: 159، وصحيح مسلم 1: 388. ()
(¬2) في تفسير ابن كثير 5: 461. ()
(¬3) في مصنف ابن أبي شيبة 2: 125.
(¬4) في مصنف ابن أبي شيبة 2: 128.
(¬5) في مصنف عبد الرزاق 2: 266، ومصنف ابن أبي شيبة 2: 86.
ولعله لا يكون له منها إلا عشرها، أو تسعها، أو ثمنها، أو سبعها، أو سدسها» حتى أتى على العدد (¬1).
وعن ابن المبارك - رضي الله عنه -، قال: سألت سفيان الثوري - رضي الله عنه - قلت: «الرجل إذا قام إلى الصلاة، أي شيء ينوي بقراءته وصلاته؟ قال: ينوي أنه يناجي ربه».
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أي الأعمال أفضل؟ قال: «الصلاة لوقتها ... » (¬2).
وعن ثوبان - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «سددوا وقاربوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ... » (¬3).
وعن جابر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «مفتاح الجنة الصلاة ... » (¬4).
وعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الصلاة نور المؤمن» (¬5).
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان 5: 210، واللفظ له، وسنن النسائي الكبرى 1: 211.
(¬2) في صحيح البخاري 6: 2741، واللفظ له، وسنن الترمذي 1: 319، وسنن أبي داود 1: 169، ومسند أحمد 1: 418.
(¬3) في صحيح ابن حبان 3: 312، واللفظ له، ومسند أحمد 5: 282، وسنن ابن ماجه 1: 101، وسنن الدارمي 1: 174.
(¬4) في سنن الترمذي 1: 10، ومسند أحمد بن حنبل 3: 340، والمعجم الصغير 1: 356، والمعجم الأوسط 4: 336.
(¬5) في مسند أبي يعلى 6: 330، ومسند الشهاب 1: 117.
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أول ما يحاسب به العبد الصلاة ... » (¬1).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن أول ما يحاسب به العبد المسلم يوم القيامة الصلاة المكتوبة، فإن أتمها وإلا قيل انظروا هل له من تطوع؟ فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه، ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك» (¬2).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر» (¬3).
¬
(¬1) في سنن النسائي الكبرى 2: 285، وسنن النسائي 7: 83، ومسند أبي يعلى 9: 285، واللفظ لهم، والمعجم الكبير 10: 191.
(¬2) في سنن ابن ماجه 1: 458، واللفظ له، وسنن البيهقي الكبرى 2: 387، وسنن الدارمي 1: 361.
(¬3) في سنن الترمذي 2: 269، واللفظ له، وسنن النسائي الكبرى 1: 143، وسنن النسائي 1: 232، ومصنف ابن أبي شيبة 7: 276.
المطلب الثالث
أول ما يسأل في القبر الصلاة
وعن عون بن عبد الملك، قال: يقال: «إن العبد إذا دخل قبره سئل عن صلاته، أول شيء يسأل عنه، فإن جازت له نظر فيما سوى ذلك من عمله، وإن لم تجز له لم ينظر في شيءٍ من عمله بعد».
وأمر الله عباده أن يفزعوا إلى الصلاة، والاستعانة بالصّلاة على كلِّ أمرهم من أمر دنياهم وآخرتهم، ولم يخصّ بالاستعانة بها شيئاً دون شيء، فقال: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} [البقرة:45]، وإنّما بدأ بالصبر قبلها؛ لأنّ الإيمانَ وجميعَ الفرائض والنوافلَ من الصلاة وغيرها لا تتمّ إلا بالصبر.
ثم قال: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِين} [البقرة:45]، وهم المنكسرةُ قلوبهم إجلالا لله، ورهبة منه، فشهد لمَن حَقَّت عليه أن يقيمها له، إنّه من الخاشعين، وكيف لا يفزع المؤمنون إلى الصلاة وهي عمادُ دينهم، كذلك أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّ الصلاةَ عمود الدين؛ فعن معاذ بن جبل
- رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد» (¬1).
وما زال مفزع المؤمنين عند كل مهم من أمر الدنيا والآخرة إلى مناجاة ربهم في الصلاة حتى آدم فمن دونه من الأنبياء، وذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رأى بأهله شدةً أو ضيقاً أمرهم بالصلاة، وتلا هذه الآية: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ} [طه:132].
وأمر الله عباده أن يأتموا بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، وأمرهم محمد إذا رأوا الآيات التي يخافون فيها العذاب أن يفزعوا إلى الصلاة فقال في كسوف الشمس والقمر: «هما آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة» (¬2)، وفزع هو إلى الصلاة، ولا نعلم طاعة يدفع الله بها العذاب مثل الصلاة، فصلَّى عند الكسوف بزيادة في الركوع، وبكى في سجوده، وتضرع.
وعن حذيفة - رضي الله عنه -: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا حزبه أمر صَلَّى» (¬3).
¬
(¬1) في سنن الترمذي 5: 11، وسنن النسائي الكبرى 6: 428، ومسند أحمد 5: 231، ومسند عبد بن حميد 1: 68.
(¬2) عن عائشة في صحيح البخاري 1: 356، واللفظ له، وصحيح مسلم 2: 618.
(¬3) في سنن أبي داود 1: 420، ومسند أحمد بن حنبل 5: 388، وشعب الإيمان 3: 154.
وعن علي - رضي الله عنه -: «لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إلا نائم غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُصلِّي ويدعو حتى أصبح» في «تفسير ابن كثير» نقلاً عن المروزي.
فالصلاة مفزع كلّ مريد عند الشدائد، وعند حوادث عظيم النعم شكراً لله، فإذا لم تمكن الصلاة فالسجود له عند حوادث النعم، وذلك لما عرفهم من عظم قدر الصلاة عنده، حتى إن الملائكة في السماوات السبع إذا رعبوا فأصابهم هول اعتصموا بالسجود.
فعن عبد الله - رضي الله عنه -، قال: «إذا تكلّم الله بالوحي سمع أهل السماوات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان، فيخرون سجداً، ثم يرفعون رءوسهم فيقولون: {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ}؟ فيقال: قال: {الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِير} [سبأ:23]».
وأما الصلاة والسجود عند حوادث النعم شكراً لله - عز وجل - فمن ذلك أن الله لما أنعم على نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - بفتح مكّةَ اغتسل وصَلَّى ثمان ركعات شكراً لله - عز وجل -؛ فعن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه -: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى حتى انتفخت قدماه، فقيل له: أتكلف هذا؟ وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: أفلا أكون عبداً شكوراً» (¬1).
¬
(¬1) في صحيح مسلم 4: 2171، واللفظ له، وصحيح البخاري 5: 2375.
ومن فضل الصلاة على سائر الأعمال أن مَن دخل النَّار من المؤمنين لم يجدوا شيئاً من الأعمال التي عملوها بجوارحهم تمنع شيئاً من أجسامهم من الاحتراق إلا السجود له في الدنيا، فإنّ النارَ لم تصب مواضع السُّجود من المصلين خاصّة؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «حرم اللهُ على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود» (¬1).
وتمييز المؤمنين يوم القيامة عن المنافقين بالسجود، قال - جل جلاله -: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُون، خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} [القلم:43]، وذلك أنّ المؤمنين لما نظروا إلى ربهم خروا له سجداً، ودعي المنافقون إلى السجودِ فأرادوه فلم يستطيعوا، حيل بينهم وبين ذلك عقوبة لتركهم السجود لله في الدنيا، قال - عز وجل -: {وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ} [القلم:43] يعني في الدنيا.
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا جمع الله العباد في صعيد واحد نادى مناد ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، فيلحق كل قوم بما كانوا يعبدون ويبقى الناس على حالهم، فيأتيهم فيقول: ما بال الناس ذهبوا وأنتم ها هنا؟ فيقولون ننتظر إلهنا، فيقول: هل تعرفونه؟ فيقولون: إذا تعرف إلينا عرفناه، فيكشف لهم عن ساقه، فيقعون سجوداً، وذلك قول الله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُون}
¬
(¬1) من حديث طويل في صحيح البخاري 5: 2403، وصحيح ابن حبان 16: 450.
[القلم:42]، ويبقى كل منافق فلا يستطيع أن يسجد ثم يقودهم إلى الجنة» (¬1).
ومن فضل السجود ارتفاع الدرجات به؛ فعن ثوبان - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة» (¬2).
وتساقط الذنوب بالركوع والسجود؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا قام العبد يصلى أتى بذنوبه فجعلت على رأسه وعاتقيه فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه» (¬3).
وقرب العبد من ربه بالسجود؛ فعن عبد الله - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء» (¬4).
¬
(¬1) في سنن الدارمي 2: 420، واللفظ له، قال حسين سليم أسد: «إسناده صحيح والحديث متفق عليه»، والمستدرك 2: 408، والمعجم الكبير 9: 357.
(¬2) في سنن ابن ماجه 1: 457، وصحيح ابن خزيمة 1: 163، واللفظ لهما، وصحيح ابن حبان 5: 27، وسنن النسائي 2: 228.
(¬3) في شرح معاني الآثار 1: 477، واللفظ له، وصحيح ابن حبان 5: 27، ومسند الشاميين 1: 279.
(¬4) في صحيح مسلم 1: 350، وسنن أبي داود 1: 294، وصحيح ابن حبان 5: 254.
ومباهاة الرب تبارك وتعالى ملائكته بسجود عباده؛ فعن الحسن - رضي الله عنه -: «إذا نام العبد في سجوده باهى الله به الملائكة يقول: انظروا عبدي يعبدني وروحه عندي» (¬1).
مخالفة الشيطان بالسجود؛ فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، قال: «إذا رأى الشيطان ابن آدم ساجداً صاح وقال: يا ويله، ويل للشيطان أمر الله ابن آدم أن يسجد وله الجنة فأطاع، وأمرني أن أسجد فعصيت ولي النار» (¬2)،
الصلاةُ قرة عين النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلو لم يستدل المؤمن على أن الصلاة أحب الأعمال إلى الله إلا بما ألزم قلب حبيبه المصطفى محمد - صلى الله عليه وسلم - من حبِّ الصلاة، وجعل قرة عينه فيها دون سائر الأعمال كلّها، وإن كان - صلى الله عليه وسلم - محبّاً لجميع الطاعات، ولكنّه خصّ الصلاة فأخبر أن قرة عينه جعل في الصلاة لربّه، لكفاه بذلك دليلاً، فعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاة» (¬3).
آخر وصيته - صلى الله عليه وسلم -، فلما اشتد بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وجعه فصار إلى الحال التي انكسر فيها لسانه، لم يكن له وصية أكثر من الصلاة؛ فعن أنس - رضي الله عنه -، قال:
¬
(¬1) في مصنف ابن أبي شيبة 7: 232.
(¬2) في المعجم الكبير 9: 290.
(¬3) في المجتبى 7: 61، وسنن النسائي الكبرى 5: 280، ومصنف عبد الرزاق 4: 421، وسنن البيهقي 7: 78، والأحاديث المختارة 5: 112، ومجمع الزوائد 9: 28، ومستدرك الحاكم 2: 174، وقال: ((هذه حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه)).
«كان آخر وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين حضره الموت: الصلاة الصلاة مرتين وما ملكت أيمانكم، وما زال يغرغر بها في صدره وما يفيض ـ يُبَيّن ـ بها لسانه» (¬1).
وفضل الله ساعات الصلوات على سائر الساعات، اختارها ليناجيه عباده فيها لصلاحهم؛ فعن كعب - رضي الله عنه -، قال: «اختار الله البلاد فأحب البلاد إلى الله البلد الحرام، واختار الزمان فأحب الزمان إلى الله الأشهر الحرم، وأحب الأشهر الحرم إلى الله ذو الحجة، وأحب ذو الحجة إلى الله العشر الأول، واختار الله الأيام فأحب الأيام إلى الله يوم الجمعة، واختار الليالي منها فأحب الليالي إلى الله ليلة القدر، واختار الله الساعات فأحب ساعات الليل والنهار إلى الله ساعات الصلوات المكتوبات، واختار الله الكلام فأحب الكلام إلى الله: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله» (¬2).
وجعل البقعة التي يصلي عليها المؤمن هي الباكية عليه دون سائر البقاع؛ فعن عليّ - رضي الله عنه -: «إن المؤمن إذا مات بكى عليه مصلاه من الأرض
¬
(¬1) في المستدرك 3: 59، واللفظ له، قال الحاكم: «قد اتفقا على إخراج هذا الحديث»، ومسند أحمد بن حنبل 6: 290، وصحيح ابن حبان 14: 570، وموارد الظمآن 1: 298.
(¬2) في شعب الإيمان 3: 350.
ومصعد عمله من السماء، ثم تلا: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِين} [الدخان:29] «(¬1).
إن الله تبارك وتعالى قد خص أهل جواره بخاصة اللطف في جنته من الهدايا ثواباً لهم على صلاتهم من بين سائر الأعمال، فجعل هداياه إلى أوليائه في جنته بمقادير صلواتهم في الأوقات التي كانوا يصلونها، وكذلك جعل تسليم ملائكته عليهم بمقادير أوقات صلواتهم من بين جميع الطاعات وأوقاتها، فكفى بالصلاة فضلاً وحسن عاقبة في الآخرة؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: «يحشر الناس يوم القيامة على قدر صنيعهم في الصلاة».
وشهد الله بالإيمان لمن أقام الصلاة لربّه؛ فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان، قال - عز وجل -: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر}» (¬2).
وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «علم الإيمان الصلاة» (¬3).
¬
(¬1) في مسند ابن الجعد 1: 335.
(¬2) في سنن الترمذي 5: 277، واللفظ له، وصحيح ابن حبان 5: 6، وصحيح ابن خزيمة 2: 379، ومسند أحمد بن حنبل 3: 68.
(¬3) في مسند الشهاب 1: 131.
وسمّاها اللهُ إيماناً وإسلاماً وديناً، فعن ابن عبَّاس - رضي الله عنه -، قال: «لما وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الكعبة قالوا: يا رسول، الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة:143] الآية» (¬1): صلاتكم إلى بيت المقدس.
وعن سعيد بن المسيب - رضي الله عنه -: «مَن حافظ على الصلوات الخمس فقد ملأ اليدين والنحر من عبادة الله» (¬2).
فلما قال - عز وجل -: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة:5] كانت الطاعات كلُّها اللاتي يتقرّب بها إلى الله داخلةٌ في عبادته، ثمّ خصّ الصلاة والزكاة من بينهما فأعاد ذكرهما تأكيداً لأمرهما، وتعظيماً لشأنهما، كما قال: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى} [البقرة:238]، والوسطى داخلة في الصلوات، إلا أنه أعاد ذكرها فخصها بالأمر بالمحافظة عليها خاصاً تأكيداً لأمرها.
¬
(¬1) في سنن الترمذي 5: 208، واللفظ له، وسنن الدارمي 1: 308، ومسند أحمد بن حنبل 1: 304، قال الشيخ شعيب: «صحيح لغيره»، والمعجم الكبير 11: 278.
(¬2) عن حنظلة الكاتب - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من حافظ على الصلوات الخمس ركوعهن وسجودهن ووضوئهن ومواقيتهن وعلم أنهن حق من عند الله دخل الجنة أو قال وجبت له الجنة» في مسند أحمد بن حنبل 4: 267، واللفظ له، وسنن أبي داود 1: 170، والمعجم الكبير 4: 12.
ومن حقوق الصلاة: الطهارة من الأحداث، وطهارة الثياب التي تصلى فيها، وطهارة البقاع التي تصلى عليها، والمحافظة على مواقيتها التي كان يحافظ عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم -، والخشوع فيها من ترك الالتفات والعبث، وحديث النفس، وترك الفكرة فيما ليس من أمر الصلاة، وإحضار القلب واشتغاله بما يقرأ ويقول بلسانه وإتمام الركوع والسجود.
* * *
المراجع:
1. الأحاديث المختارة: لمحمد بن عبد الواحد المقدسي (567 - 643 هـ)، تحقيق: عبد الملك عبد الله، مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، ط 1، 1410 هـ.
2. تفسير ابن كثير: لإسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت 774 هـ)، دار الفكر، بيروت، 1401 هـ.
3. تفسير القرطبي: لمحمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ)، تحقيق: أحمد البردوني، دار الشعب، القاهرة، ط 2، 1372 هـ.
4. سنن ابن ماجه: لمحمد بن يزيد بن ماجه القزويني (207 - 273 هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت.
5. سنن أبي داود: لسليمان بن أشعث السجستاني (202 - 275 هـ)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.
6. سنن البَيْهَقِي الكبير: لأحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِي (ت 458 هـ)، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414 هـ.
7. سنن الترمذي: لمحمد بن عيسى الترمذي (209 - 279هـ)، تحقيق: أحمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
8. سنن الدارمي: لعبد الله بن عبد الرحمن أبي محمد الدارمي (ت255هـ)، تحقيق: فواز أحمد وخالد العلمي، ط1، 1407هـ، دار التراث العربي، بيروت.
9. سنن النَّسَائيّ الكبرى: لأحمد بن شعيب النَّسَائِي (ت303هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الغفار البنداوي وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ.
10. شرح معاني الآثار: لأحمد بن محمد بن سلامة الطَّحَاوي (229 - 321هـ)، تحقيق: محمد زهري النجار، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1399هـ.
11. شعب الإيمان: لأبي بكر أحمد بن الحسن البيهقي (384 - 458هـ)، تحقيق: محمد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1410هـ.
12. صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان: لمحمد بن حِبَّان التميمي (354هـ)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1414هـ.
13. صحيح ابن خزيمة: لمحمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي (ت311هـ)، تحقيق: الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، 1390هـ.
14. صحيح البخاري: لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البُخَارِيّ (194 - 256هـ)، تحقيق: الدكتور مصطفى البغا، دار ابن كثير واليمامة، بيروت، ط3، 1407هـ.
15. صحيح مسلم: لمسلم بن الحجاج القُشَيْريّ النَّيْسَابوريّ (ت261هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
16. المجتبى من السنن: لأبي عبد الله أحمد بن شعيب النسائي (215 - 303)، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط2، 1406هـ.
17. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: لعلي بن أبي بكر الهيثمي (ت807هـ)، دار الريان للتراث، 1407هـ، ودار الكتاب العربي، بيروت.
18. المستدرك على الصحيحين: لمحمد بن عبد الله الحاكم (ت405هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ.
19. مسند ابن الجعد: لأبي الحسن علي بن الجعد الجوهري (ت230هـ)، تحقيق: عامر أحمد حيدر، مؤسسة نادر، بيروت.
20. مسند أبي يعلى: لأحمد بن علي أبي يعلى الموصلي (ت307هـ)، تحقيق: حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، دمشق، ط1، 1404هـ.
21. مسند أحمد بن حنبل: لأحمد بن حنبل (164 - 241هـ)، مؤسسة قرطبة، مصر.
22. مسند الشاميين: لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطَّبَرَاني (260 - 360هـ)، تحقيق: حمدي السلفي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1405هـ.
23. مسند الشهاب: لأبي عبد الله محمد بن سلامة القُضَاعي (ت454هـ)، تحقيق: حمدي السلفي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1407هـ.
24. المصنف في الأحاديث والآثار: لعبد الله بن محمد بن أبي شَيْبَةَ (159 - 235هـ)، تحقيق: كمال الحوت، ط1، مكتبة الرشد، الرياض، 1409هـ.
25. المصنف: لعبد الرزاق بن همام الصنعاني (126 - 211هـ)، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط2، 1403هـ.
26. المعجم الأوسط: للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (260 - 360هـ)، تحقيق: طارق بن عوض الله، دار الحرمين، القاهرة، 1415هـ.
27. المعجم الصغير: لسليمان بن أحمد الطَّبَرَانِي (ت360هـ)، تحقيق: عمر شكور محمود، المكتب الإسلامي، دار عمار، بيروت، عمان، ط1، 1405هـ.
28. المعجم الكبير: لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطَّبَرَاني (260 - 360هـ)، تحقيق: حمدي السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، ط2، 1404هـ.
29. موارد الظمآن: لعلي بن أبي بكر الهيثمي (735 - 807هـ)، تحقيق: محمد عبد الرزاق حمزة، دار الكتب العلمية، بيروت.
* * *