أثر الصلاة ........
.... على الحياة
جارٍ تحميل الكتاب…
أثر الصلاة ........
.... على الحياة
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
أثر الصلاة
على الحياة
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* نشر في مجلة المدونة التابعة لمجمع الفقه الإسلامي في الهند.
ملخص البحث:
ركزت في بحثي في أثر الصّلاة على سلوكِ المسلم، باعتبار أنَّ الصلاةَ معيارٌ لقياس مقدار النَّجاح في الحياة، فبدأت بتعريف الخشوع لغةً واصطلاحاً، ثُمَّ اهتممتُ بعرض قواعد كليّة حياتية وكونيّة وشرعيّة في النَّظر للدنيا والإنسان؛ لمعرفة مدى حاجتنا للعبادات عامّة، وللصلاة خاصة، وبيان حكمة الله تعالى في شرعها وفرضها علينا، فالإنسان خلق في عناء وابتلاء ولم يخلق للرَّاحة والدّعة، وهو بطبعه ضعيفٌ عاجزٌ عن مخالفة هواه، ويحتاج أن يلجأ إلى قويٍّ يعينه، وسعادتُه في هذه الدُّنيا تكون بالرضا والقناعة التي تتحصَّل بمعرفة الله تعالى، وهذه المعرفة لها أسبابٌ عديدةٌ من صلاةٍ وذكرِ لله تعالى وتربيةٍ للنفس وثقةٍ بالله ويقينٍٍ، ثُمَّ بيَّنت مقدار أثر الصَّلاة على صاحبها بتقرير تلك القواعد بما يجعله أكثر نجاحاً في الحياة كلَّما وعى درس الصَّلاة، وقام بمقتضياتها من الاستعدادِ، فمقاصد الصَّلاة عظيمةٌ كثيرة.
* * *
Research Summary
My research has focused on the effect of prayer on the Muslim behavior, considering that prayer standard for measuring the amount of success in life. First, I defined reverence in prayer in language and idiomatically. Then I was interested to view general rules of life and the cosmic and the legitimacy to consider the life and human; to know how much we need for general worship, and prayer in particular, the statement of wisdom God in legislated and imposed on us, man was created in trouble and a test not created for comfort and convenience. Man is also inherently weak and unable to breach desires, and he needs to resort to strong designee. His happiness in this world is to be complacent and conviction is obtained knowledge of God. This knowledge has many causes of prayer and Altheker of Allah and
to the educational psychology and trust in God and believe. Then I showed how much the impact of prayer on human, including those rules that make him more successful in life, the more he studied the awareness of prayer, and the willingness of its provisions, prayer has many great purposes.
Namaz?n Hayata Etkisi
?zet
Bu ara?t?rmam?zda, hayatta ba?ar?l? olabilme derecesinin ?lçütü olmas? bak?m?ndannamaz?n müslüman ferdin hâl ve gidi?at? üzerindeki etkisini inceledik. Evvela hu?û' kavram?n?n lügavi ve ?st?lahî tarifiyle ba?lad?k. Sonra, genel mânâda ibadete ?zel mânâda namaza olan ihtiyac?m?z?n ne boyutta oldu?unu bilmek, Allah'?n onu bize farz k?lmas?ndaki hikmeti aç?klamak ad?na, dünya ve insan? g?z ?nünde bulundurarak, hayata do?aya ve dine dair baz? küllî kaideler ortaya koymaya
çal??t?k. ??yle ki, insan s?nanmak ve çabalamak için yarat?lm??, bu dünyada keyif ve sukünet sürmek için yarat?lmam??t?r. Hevas?na kar?? koymakta zay?f ve acizdir ki; bu yüzden kendisine yard?m edecek bir güce s???nmaya muhtaçt?r. Bu dünyadaki mutlulu?u ise Allah Teala'y? tan?maklaelde edece?i kanaatte ve O'ndan raz? olmaktad?r. Allah'? tan?man?n da namaz k?lmak, O'nu anmak, nefsi terbiye etmek, O'na güvenmek ve yakîn üzere olmak gibi birçok vas?tas? vard?r. Sonra, bu genel kaideler çerçevesinde,ki?inin namaz dersini kavrad??? ve ona dair gerekli haz?rl?klar? yerine getirdi?i ?lçüde onu hayatta daha ba?ar?l? k?lmas? bak?m?ndan, namaz?n sahibi üzerindeki etkisini beyan ettik. Buna g?re namaz?n birçok büyük maksad? bulunmaktat?r.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمّد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، ومَن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فإنَّ التشريع الإسلامي له جانبان: تنظيمي وتربوي.
أما التنظيمي فيتعلّق بالمعاملات والمناكحات والقضاء وغيرها، وأما التربوي فيتجسد بصورةٍ واضحةٍ في العبادات التي تسعى سعياً حثيثاً إلى الارتقاءِ بإنسانيةِ الإنسانِ إلى أَعلى مراتبها، وتخليصِهِ من الصفاتِ الحيوانيةِ الذميمة، فعلى قدر التزام المسلم بدينه يرتقي سلوكه وأخلاقه وتصرفاته إلى أعلى مستويات البشرية، ويؤكد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -:
«بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (¬1)، والعبادات هي المحقِّقةُ لأفضل المكارم الخلقيةِ بالتخلصِ من الصفاتِ الذميمةِ والإخلاصِ للهِ تعالى.
ورأسُ العبادات الصَّلاة، وهي عمادُ الدِّين وأساسُه القويم، ومن أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدم الدين، ففي هذا البحث أعرض شذرات متعلِّقة بمقاصد تشريع الصلاة، والكلام فيما يتعلَّق بأسرار التَّشريع وفوائده لا نهاية له، وكثر التَّأليف فيها بما لا يُعدُّ ولا يحصى.
ومبنى مقاصد الشرع أنَّ الله غنيٌّ عن عباده، وكلُّ ما يشرع لنا من الأحكام يكون لتحقيق المصلحة لنا ودفع المفسدة عنا لا غير، فلو عايش هذه الحقيقة ـ المعلومة لكلِّ منا ـ في حياته، سيجد من الحكم والفوائد لهذا التشريع بما لا ينتهي، وَلَسعى بجدّ إلى التزام أحكامه؛ لأنَّها شُرِعَت لمصحلته الدُّنيويّة والأُخروية معاً.
ومشكلةُ البحث وأهميته تظهر في الإجابة عن سؤال مهم: هل يُمكن قياسُ نجاح حياة المسلم في حياته من خلال خشوعه في صلاته؟
حيث يسعى البحث إلى إثبات أنَّ نجاح المسلم في حياته الدنيوية
¬
(¬1) في سنن البيهقي الكبير 8: 4، وسنن الدارقطني 3: 304، وسنن أبي داود 2: 283، ومسند أحمد 2: 182، ومكارم الأخلاق ص78، قال الحاكم: صحيح الإسناد. ينظر: خلاصة البدر المنير 2: 257.
والأخروية هو بمقدار نجاحه في أداء صلاته، فصلاتُه هي مرآته في قياس هذا النجاح، حتى قيل: بقدر ما تنعدل صلاتك تنعدل حياتك، فيصحُّ القول بأنَّ صلاتَك حياتُك.
وذلك من فضل الله تعالى علينا أن أهدانا هذه الصلاة لتقويم سلوكنا، فهي دوراتٌ قصيرةٌ على مدارِ السَّاعة بحيث تؤدّى في أقلّ تقدير لها خمس مرّات في اليوم، يكون فيها مناجاةٌ للعبد مع ربِّه، والمخلوقِ مع الخالق، حتى يأخذ غذاء روحه للسَّاعات القادمة، ويتذكّر الإرشادات المناسبة للنَّجاح، ويتدبّر في البصائر المناسبة للفلاح.
فعلي المسلم في أدائها أن يستوعبَ درسَها، ويحضرَه جيداً بتركيز وتفريغ للقلب كاملاً؛ لينال الفائدة المرجوة من الدَّورة الرَّبانيّة.
ولا يقدر أن يصل إلى كاملِ الفائدةِ من الدُّورةِ إلا بمراعاة أسباب داخل الصلاة وخارجها، وهذا ما خصصته ببحث آخر عن أسباب الخشوع، وما يهمنا منه هنا هو أنَّ استقامتَه خارج الصَّلاة وحرصَه الكبير ومجاهدته العظيمة في داخل الصلاة موصلةٌ إلى الخشوع المطلوب الذي هو المرآةُ لقياس نجاح الإنسانِ في دنياه وأُخراه، ولا يقدر أن يصل إليه إلا بالاجتهاد في الصَّلاة وخارجها، وبقدر اجتهاده فيهما يتحقَّقُ الخشوع، فيعرف القدر الذي وصل فيه من النِّجاح.
ووعينا لهذا يخرجنا من مشكلةِ الصَّلاة عند «كثير منا التي ليس لها
من اسمها نصيب، بل هي كيس هواجيس، فارغ من أي ذكر لله تعالى، حركات وقراءات فرغت من معانيها، قراءة بغير قلب ... ، صارت الصلاة عند كثير من المصلين عادة لا فقه لمعانيها» (¬1).
والدَّراساتُ السّابقةُ: في موضوع الخشوع كثيرةٌ جداً، وقد أَفدت منها، ولكن تميّز هذا البحثُ في التَّركيز في أثر الصّلاة على سلوكِ المسلم، باعتبار أنَّ الصلاة معيارٌ لقياس مقدار النَّجاح في الحياة.
واتبعتُ لتحقيق غرض البحث المنهج الاستقرائي من كتب التفسير والفقه والتصوف والحديث فيما يتعلَّق بأثر الصَّلاة، ثمَّ المنهج الاستنباطيّ لاستخراج النَّتائج ممَّا جمعتُ من معلومات، ثُمَّ المنهج التَّطبيقي بإظهار أثره على سلوك المصلي.
والخطّةُ التي سلكتها في تحقيق المراد أني قسمت البحثَ إلى تمهيدٍ ومبحثين وخاتمة:
التَّمهيد: في تعريف الخشوع.
والمبحث الأول: في حقائق حياتية وكونية وشرعية متعلّقة بالخشوع.
والمبحث الثاني: في آثار الصَّلاة على حياة المسلم.
والخاتمة: في أهم النتائج.
¬
(¬1) ينظر: الصلاة سر النجاح ص3.
التَّمهيد: في تعريف الخشوع:
أولاً: لغةً:
من خَشَع يَخْشَعُ خُشوعاً، واخْتَشَع وتَخَشَّعَ: رَمَى بِبَصَرِهِ نحو الأَرض وغَضَّه وخفَضَ صَوْتَهُ، واخْتشعَ إِذا طأْطأَ صَدْرَه وتواضَعَ، وقيل: الخُشوع قَرِيبٌ من الخُضوع إِلا أنّ الخُضوع في البَدَن، والخُشوعَ في البدَن والصوْت والبَصَرِ: كقوله تعالى: {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُم} القلم: 43 (¬1)، والخشوعُ: السُّكون والتَّذلُّل (¬2).
ثانياً: اصطلاحاً: كثُرت العبارات في بيان أوصافه، ومنها:
قال ابن رجب: «وأصل الخشوع: هو لين القلب ورقته، وسكونه، وخضوعه، وانكسارُه، وحرقته، فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء؛ لأنَّها تابعة له، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: « ... ألاَ وَإِنَّ فِي
¬
(¬1) ينظر: اللسان8: 71.
(¬2) ينظر: القاموس1: 713.
الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ» (¬1).
والخشوع: خمودُ نيران الشَّهوة، وسكون دخان الصدور، وإشراق نور التعظيم في القلب، واستحضار عظمة الله وهيبته وجلاله.
قال الجنيد: الخشوع: تذلُّل القلوب لعلام الغيوب.
والقلبُ أمير البدن، فإذا خَشَعَ القلب، خشع السَّمع والبصر والوجه وسائر الأعضاء وما ينشأ عنها، حتى الكلام.
والخشوع يقظةٌ دائمةٌ لخلَجَات القلب وخفقاته ولفتاته حتى لا يتبلَّد، وحذَرٌ من هواجسه ووساوسه، واحتياط من سهواته وغفلاته ودفعاته، خشية أن يزيغ وتعتريه القسوة (¬2).
ويلاحظ أنَّ الخشوع على صورتين: في الصلاة وخارجها، وما يكون منه في الصلاة طريق لتحقيقه في خارجها، والعكس بالعكس.
ويمكن تعريف خشوع الصلاة: هو سكون القلب لله تعالى وتعلُّقه به دون سواه.
¬
(¬1) في صحيح البخاري1: 20، وصحيح مسلم3: 1219، وغيرهما.
(¬2) ينظر: الخشوع للقحطاني ص12، وكيف تخشعين في الصلاة ص3، والخشوع للصباغ ص16، وفصل الخطاب ص8: 420.
وخشوع خارج الصلاة: خضوع الجوارح لأوامر الله في أقوالها وأفعالها مع الإخلاص والتَّذلُّل له دون سواه.
وبيان مقتضى كلِّ واحدٍ من التَّعريفين سيكون ملاحظاً في طيَّات البحث، فلا حاجة للوقوف مع كلٍّ منهما.
* * *
المبحث الأول
في حقائق حياتية وكونية
وشرعية متعلّقة بالخشوع
رأيتُ من المناسب قبل الكلام عن أثر الصَّلاة على سلوكيات المسلم أن أخصّ مبحثاً في تقرير بعض القواعد التي تصلح أن تكون مقدمات؛ ليظهر مدى الحاجة للعبادات عامّة، وللصلاة خاصة، وبيان حكمة الله تعالى في شرعها، ممَّا يُنبهنا على إعادة النظر في أهمية التقرّب إلى الله في حياتنا، وكثرة نعم الله علينا بهذا الشَّرع العظيم، وما احتواه من عباداتٍ تستقيم بها الدُّنيا والأخرى.
الأولى: صعوبةُ الحياة وشدّتها:
وهذا ما قَرّره القرآن الكريم بقوله - جل جلاله -: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَد} البلد: 4: أي لقد خلقنا ابن آدم في شدّةٍ وعناءٍ ونصبٍ كما قال ابن عَبَّاس والحَسَن وقَتادة (¬1)، والواقعُ يُصدِّقُ هذا، فيولد المرءُ في صعوبةٍ
¬
(¬1) تفسير الطبري24: 433.
وشدّةٍ عظيمةٍ تكاد أن تكون هي الأشدُّ على أمِّه، ويخرج من الدُّنيا بعناءٍ كبيرٍ، حتى اعتبر الله تعالى الموت مصيبة: {فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ} المائدة: 106، وأَخبر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في مرض موته عن شدّة الأمر فقال: «لا إله إلا الله، إنَّ للموت سكرات» (¬1).
وبين الحياة والموت شدائد لا تُعدُّ ولا تُحصى من مرضِه ودراستِه وعملِهِ وعلاقاتِه، قال - جل جلاله -: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} البقرة: 155، ومَن لم ينتبه لهذه الحقيقة الكونيّة، ويظنّ أنَّ الدنيا دارُ راحةٍ ودَعةٍ يجتمع له عنائها وعناءُ عدم صحّة فهمها والتَّعامل معها، فتزداد شدَّتُها عليه، وبالتالي فلن يرى أهمية الصلاة وأثرها وحاجته لها في حياته.
الثّانية: البلوى والاختبار:
وهذا تأكيدٌ للحقيقة الأولى وتكملةٌ لها، فلم يكن وجدونا في الدُّنيا إلا للامتحان، فيعرف أهل الجنة من أهل النار؛ قال - جل جلاله -: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} البقرة: 214، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ العبد إذا سبقت له من اللهِ منزلةٌ، لم يبلغها
¬
(¬1) في صحيح البخاري6: 13.
بعملِه ابتلاه الله في جسده، أو في ماله، أو في ولده» (¬1).
قال الإمامُ المحاسبيّ (¬2): «واعلم أنَّ الدُّنيا كلَّها كثيرها وقليلها حلوها ومرها، وأوَّلها وآخرها، وكلُّ شيءٍ من أمرِها بلوى من الله تعالى للعبد واختبار ... والقرآنُ يُقرِّر الابتلاء بالدنيا كلها»، ومنها:
قوله تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} الأعراف: 168.
وقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} المائدة: 48.
وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيم} الأنعام: 165.
وقوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} الملك: 2.
فهنالك آيات عديدةٌ تؤكِّدُ أننا لم نوجد في الدُّنيا إلا للامتحان والاختبار؛ ليتميَّز الخبيثُ من الطَّيب، والصَّالح من الطَّالح، والمحسنُ
¬
(¬1) في سنن أبي داود3: 183، والمعجم الكبير22: 318، وغيرها.
(¬2) في آداب النفوس ص71.
من المسيء، فيظهر المستحقُّ للجنة والمستحقّ للنار، قال تعالى: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} الأنفال: 37، وقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} محمد: 31.
فمن هنا نعلم علم اليقين أنّ كلَّ أُمور حياتنا صغيرها وكبيرها، وكلَّ ما يجري معنا في ليلنا ونهارنا من خيرٍ وشرٍّ إنّما هو ابتلاءٌ من اللهِ تعالى واختبار لنا، فليس شرُّه بمقصودٍ وليس خيره بمرادٍ، وإنَّما العبرةُ بما وراء شرّه وخيره من الصَّبر والشُّكر، حتى تصفو نفوسنا وتطهر أرواحنا، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسِهِ وولدِه ومالِهِ حتى يلقى الله وما عليه خطيئة» (¬1).
ونجاحنا في الامتحان يحتاج إلى الإعانة من الله تعالى، وطريق الوصول لها بالعبادة له سبحانه، والصلاة تكفل لنا هذا.
الثالثة: ضعفُ الإنسان:
وهذا ما يُقرِّره الشارع الحكيم في قوله: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} النساء: 28: أي عاجزاً عن مخالفةِ هواه غيرَ قادرٍ على مقابلة دواعيه وقواه، حيث لا يصبِرُ عن اتّباع الشَّهواتِ، ولا
¬
(¬1) في سنن الترمذي4: 602، وقال: حسن صحيح، وصحيح ابن حبان7: 126، وغيرها.
يستخدم قواه في مشاقِّ الطاعاتِ، وعن الحَسَن البصري: أن المرادَ ضَعفُ الخِلْقةِ (¬1).
هذا الضَّعف الذي جعل النَّاس ينغمسون في شهواتهم وملذَّاتهم، وقدراتُ كلٍّ منهم الجسميّة محدودةٌ، فيحتاج لغيره في تأمين حاجياته والاستعانةِ على أمورِ حياته، فلا يَستغني واحد بنفسه عن غيره، ولا يدَّعي القدرة المطلقة في كلِّ شيء.
ويشعر دائماً أنّه بحاجةٍ أن يلجأ إلى قويٍّ يعينُه ويعتمدُ عليه حتى يجبر هذا الضَّعف الخلقي والنَّفسي والرُّوحي، ويتحقَّق هذا بتعلقّ المسلم بربِّه تعالى، الذي يُلبي هذه الرَّغبة، ويُوفر له الأمان والطَّمأنينة والثِّقة بمعيَّته الدَّائمة معه، قال تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم} الحديد: 4، فيعين المحتاج والمضطرّ، ويَرفع ما يَحيق بالعبد، قال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} النمل: 62، بل الأمر كله بيد الله تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم} يونس: 107، فمَن علم هذا وطبَّقه خرج من ضعفٍ إلى قوَّةٍ، فقويت نفسُه وازادة ثقةً واطمأن في حياته.
¬
(¬1) ينظر: تفسير أبي السعود2: 169.
وهذا يوصلنا إلى النُّقطة التي بعدها من إعانة الله تعالى للإنسان بالدَّين على الحياة.
الرَّابعة: عونُ الدَّين للمسلم في الحياة:
وهذا موضوعٌ واسعٌ جداً وليس محلّاً لبحثنا حتى نستوفي جوانبه، وإنَّما يهمنا الإشارة والتذكير به هاهنا فحسب، فالدينُ يصحِّح نظرة الإنسان للحياة، فيبيّن له حقيقتها، وكيفية التَّعامل معها، والهدف منها، ويكشف اللثام عن نفسه، ويُبيِّن له أمراضها وعلاجها، ويُعطيه الإرشادات المناسبة لكلِّ أفعاله وأحواله وحاجياته، حتى كان الحكم الشَّرعي أشبه بنصيحةٍ يُقدِّمها الله تعالى لعبادِه في كافّة مناحي حياتهم بما يحقِّق لهم السَّعادة في الدُّنيا والآخرة، قال تعالى: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم} الملك: 22.
ويجعل الدين الطريق لحلّ مصائب الدُّنيا بالصَّبر والشّكر، يقول المحاسبي (¬1): «وبلواها وإن كثُرت وتشعَّبت واختلفت، فهو مجموعٌ كلُّه في خلتين في الشُّكر والصَّبر، فإمَّا أن يشكرَ على نعمة أو يصبر على مصيبة»، قال تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} البقرة: 156، فعن صهيب - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «عجباً لأمر المؤمن، إن أمرَه كلَّه خير، وليس ذاك لأحدٍ إلاّ للمؤمن، إن أصابته سراءٌ شَكَر،
¬
(¬1) في آداب النفوس ص71.
فكان خيراً له، وإن أصابته ضراءٌ، صَبَر فكان خيراً له» (¬1)، وعن عائشة رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما يصيب المؤمن من شوكةٍ فما فوقها إلاّ رفعه الله بها درجة، أو حطّ عنه بها خطيئة» (¬2)، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «من يرد الله به خيراً يصب منه» (¬3).
الخامسة: سعادة الدنيا بالرضا والقناعة:
إن العقول تحار في حقيقةِ السَّعادة، وهي المعبَّرُ عنها في القرآن بالحياة الطيبة، قال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} النحل: 97، قال بعض السَّلف: الحياة الطيبة: هي الرِّضا والقناعة.
وقال عبد الواحد بن زيد: الرِّضا باب الله الأعظم وجنةُ الدُّنيا ومستراح العابدين، وأهل الرّضا تارةً يلاحظون حكمة المبتلي وخيرته لعبده في البلاء، وأنَّه غيرُ متهم في قضائِهِ وتارةً يلاحظون ثوابَ الرِّضا بالقضاء، فينسيهم ألم المقضي به، وتارةً يلاحظون عظمةَ المبتلي وجلاله وكماله، فيستغرقون في مشاهدةِ ذلك حتى لا يشعرون بالألم، وهذا يصل إليه خواصُّ أهل المعرفة والمحبّة حتى رُبَّما تلذذوا بما أصابهم؛ لملاحظتهم
¬
(¬1) في صحيح مسلم4: 2295، وغيرها.
(¬2) في صحيح مسلم4: 1991، وموطأ مالك5: 1375، وغيرها.
(¬3) في صحيح البخاري7: 115.
صدوره عن حبيبهم، وسُئِل بعضُ التَّابعين عن حاله في مرضه فقال: أَحبُّه إليه أحبُّ إليَّ، وسُئِل سري: هل يجد المحبُّ ألم البلاء فقال: لا (¬1).
وقال ابن أبي رواد: ليس الشأن في أكل الشَّعير ولبس الصُّوف، ولكن في الرَّضا عن الله تعالى.
وقال ميمون بن مهران: مَن لم يرض بالقضاء فليس لحمقه دواء.
وقال رجل لابن كرام: أوصني، فقال: اجتهد في رضا خالقك بقدر ما تجتهد في رضا نفسك (¬2).
قال المنبجي (¬3): «إنَّ الرضا بالمصائب أشقُّ على النُّفوس من الصَّبر، والصَّبرُ من أشقِّ الأشياء على النُّفوس، فعن أنس - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن اللهَ إذا أحبّ قوماً ابتلاهم، فمَن رضي فله الرِّضا، ومَن سَخِط فله السَّخط» (¬4).
فالعبد قد يصبر على المصيبة ولا يرضى بها، فالرَّضا أعلى من مقام الصَّبر، لكن الصَّبر اتفقوا على وجوبه، والرِّضا اختلفوا في وجوبه،
¬
(¬1) ينظر: جامع العلوم الحكم1: 195.
(¬2) ينظر: فيض القدير6: 137.
(¬3) في تسلية أهل المصائب ص152.
(¬4) في سنن ابن ماجة 2: 1338، وسنن الترمذي4: 601، وحسنه.
والشُّكر أعلى من مقام الرَّضا، فإنّه يشهد المصيبة نعمةً، فيشكر المبلي عليها.
قال عمرُ بنُ عبد العزيز - رضي الله عنه -: أمَّا الرضا، فمنزلةٌ عزيزةٌ أو منيعةٌ، ولكن قد جعل الله في الصبر معولاً حسناً».
والرِّضا والقناعة تتحصَّل بمعرفة الله تعالى، والمعرفة هي الموصلة إلى جنّة الدُّنيا، فمَن لم يدخلها لم يدخل جَنَّة الآخرة، قال يحيى بن معاذ الرَّازيّ: «في الدُّنيا جنة من دخلها لم يشتق إلى شيء ولم يستوحش، قيل: وما هي؟ قال: معرفة الله تعالى» (¬1).
وهذه المعرفة لله تعالى لها أسبابٌ عديدةٌ من صلاةٍ وذكرِ لله تعالى وتربيةٍ للنفس وثقةٍ بالله ويقينٍ، قال بعضُ العارفين: «في الدُّنيا جنةٌ هي كالجنّةِ في الآخرة، فمَن دخلها دخل تلك الجنَّة يريد مجالس ذكر الله تعالى لما يدركون فيها من سرور القلب وفرحه بذكر الرَّبِّ وابتهاجه وانشراحه ونوره، حتى قال بعض مَن ذاق: هاتيك اللِّذَّة: لو عَلِم الملوك بعض ما نحن فيه من النَّعيم لَجلدونا عليه بالسُّيوف، وقال آخر: إنّه ليمرّ بالقلبِ أوقاتٌ إن كان أهل الجنّة في مثلها إنّهم لفي عيش طيب» (¬2)، فإن كان مجلس الذِّكر يفعل هذا، فالصَّلاة الخاشعة من باب أولى.
¬
(¬1) ينظر: قوت القلوب1: 262.
(¬2) ينظر: فيض القدير1: 442.
وقال الغزاليُّ: الرَّضى بما قسم الله لكلِّ امرئ من نصيبه في الدُّنيا مدعاةٌ لترك الذَّم والغيبة والحسد في المال والجاه والعلم، قال تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الزخرف: 32 (¬1).
السَّادسُة: النَّفس الأمارة:
مما ينبغي تقريره والتَّذكير به حال نفوس عامّة البشر، التي هي من صنفِ النَّفس الأمارة بالسُّوء، ومَثَّل الغزاليُّ (¬2) لحال المؤمن مع نفسِهِ فقال: «بدنُه كمدينةٍ، وعقلُه كملك مُدبّر لها، وقواه المدركة من الحواس الظَّاهرة والباطنة كجنوده وأعوانه، وأعضاؤه كرعيته، والنَّفسُ الأمارة بالسوء التي هي الشهوة والغضب، كعدوّ ينازع في مملكته، ويسعى في إهلاك رعيته، فصار بدنه كرباط وثغر، ونفسه كمقيم فيه مرابط، فإن جاهد عدوّه وأسره وقهره على ما يجب، حمد أثره إذا عاد إلى حضرته تعالى، وإن ضيّع ثغره وأهل رعيته، ذمّ أثره وانتقم منه عند لقاء الله تعالى ... »، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «ليس الشديد بالصَّرعة، إنّما الشَّديد الذي يملك نفسَه عند الغضب» (¬3).
¬
(¬1) ينظر: أيها الولد ص59.
(¬2) في ميزان العمل ص 239.
(¬3) في صحيح البخاري 8: 28، وصحيح مسلم 4: 2014.
قال القشيريُّ (¬1): «اعلم أنَّ مخالفة النَّفس رأس العبادة، وقد سئل المشايخ عن الإسلام؟ فقالوا: ذبح النَّفس بسيوف المخالفة.
واعلم أنَّ مَن نجمت طوارق نفسه أفلت شوارق أُنسه، وقال ذو النون المصري:: مفاتح العبادة الفكرة، وعلامةُ الإصابة مخالفة النفس والهوى، ومخالفتها ترك شهواتهما.
وقال ابنُ عطاء: النَّفسُ مجبولةٌ على سوء الأدب، والعبد مأمور بملازمة الأدب، فالنَّفس تجري بطبعها في ميدان المخالفة، والعبد يردُّها بجهدِه عن سوء المطالبة، فمَن أطلق عنانها فهو شركيها معها في فسادها.
وقال الجنيدُ:: النَّفسُ الأمارة بالسُّوء هي الدَّاعيةُ إلى المهالك المعينة للأعداء المتبعة للهوى المتهمة بأصناف الأسواء.
وقال أبو حفص: مَن لم يتهم نفسه على دوام الأوقات ولم يخالفها في جميع الأحوال ولم يجرها إلى مكروهها في سائر أيَّامه كان مغروراً، ومَن نظر إليها باستحسان شيءٍ منها فقد أهلكها، وكيف يصحُّ لعاقل الرَّضا عن نفسِهِ والكريمُ بنُ الكريمِ بنِ الكريمِ ابنِ الكريمِ يوسفُ بنُ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام يقول: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوء} يوسف: 53».
¬
(¬1) في القشيرية ص283.
وقسم علماء التَّربية والتَّصوف بعد النَّظر والتَّأمل والتَّدبُّر في كتابِ اللهِ تعالى صفات النَّفس إلى ثلاثة:
1.النَّفسُ المطمئنةُ: وتكون إذا سكنت تحت الأمر وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات، قال تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّة} الفجر: 27 - 28، قال الحسن البصري:: «المؤمن قوام على نفسه، يحاسب نفسه لله، وإنّما خَفَّ الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم فى الدُّنيا، وإنَّما شَقَّ الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر على غير محاسبة» (¬1).
2. النَّفسُ اللَّوامةُ: وتكون إذا لم يتمّ سكونها، ولكنَّها صارت مدافعةً للنَّفس الشَّهوانية ومعترضةً عليها، وسُميت بذلك؛ لأنَّها تلوم صاحبها عند تقصيره في عبادة مولاه، قال تعالى: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَة} القيامة: 2، قال الحسنُ: «إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه يقول: ما أردت بكلمتي، يقول: ما أردت بأكلتي، ما أردت بحديث نفسي، فلا تراه إلا يعاتبها، وإن الفاجر يمضي قدماً فلا يعاتب نفسه» (¬2).
¬
(¬1) في السنن الكبرى للنسائي10: 406، والزهد والرقائق لابن المبارك ص103، ومصنف ابن أبي شيبة19: 371، وغيرها.
(¬2) في الزهد لأحمد ص228.
قال مالك بن دينار: «رحم الله عبداً قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثمّ ذمَّها، ثمّ خطمها، ثمّ ألزمها كتاب الله - عز وجل -، فكان لها قائداً» (¬1).
3.النَّفسُ الأمارةُ: إن تركت الاعتراض وأذعنت وأطاعت لمقتضى الشَّهوات ودواعي الشيطان، قال تعالى: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوء} يوسف: 53 (¬2)، قال الغزالي (¬3): «واعلم أنَّ نفس المجاهدة تهذب نفسك حتى تصير ملكاً روحانيّاً، وبمتابعة الغفلة والشهوات تصير شيطاناً رجيماً، فجاهد النفس الأمارة بالسوء تمح صفات آفاتها حتى تصير لوّامة، ثم انقل اللوامة إلى مقام المطمئنة».
واعلم أنَّ للإنسان في مجاهدة الهوى ثلاثة أحوال:
الأولى: أن يغلبه الهوى، فيملكه ولا يستطيع له خلافاً، وهو حال أكثر الخلق، وهو الذي قال الله تعالى فيه: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} الجاثية: 23؛ إذ لا معنى للإله إلا المعبود، والمعبود هو المتبوع إشارته،
¬
(¬1) في محاسبة النفوس لابن أبي الدنيا ص26، واعتلال القلوب ص28، وتاريخ دمشق56: 420، وغيرها.
(¬2) ينظر: الإحياء3: 4.
(¬3) في رسائل الغزاليّ1: 498.
فمَن كان تردُّده في جميع أطواره خلف أغراضه البدنيّة وأوطاره، فقد اتخذ إلهه هواه (¬1).
والخلق ينقادون ويطيعون أهواءهم، ويبادرون مرادات أنفسهم، والحقّ مخالفتها، بالتشمير والاستعداد لمجاهدتها وعدم اتباع هواها حتى ترتاض لطاعة الله وتنقاد. والهوى: ميل النفس إلى مقتضيات الطبع؛ ولهذا كان عادة أولياء الله تعالى مخالفة النَّفس في جميع ما تشتهي حتى في نحو المباحات، قال ابن عطاء: النفس لا تألف الحقّ أبداً، وقال سهل: ما عبد الله بشيء مثل مخالفة النفس (¬2).
الثّانية: أن يكون الحرب بينهم سجالاً، تارةً لها اليد وتارةً عليها اليد، فهذا الرَّجلُ من المجاهدين، فإن اخترمته المنية في هذه الحالة، فهو من الشهداء ... ، وهذه الرتبة العُليا للخلق، سوى الأنبياء والأولياء.
الثالثة: أن يغلب هواه، فيصير مستولياً عليه لا يقهره بحال من الأحوال، وهذا هو الملك الكبير، والنَّعيم الحاضر، والحريّة التّامّة، والخلاص عن الرّقّ (¬3)، كما حال الأنبياء والأولياء، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما منكم من أحد، إلا وقد وكل به قرينه من الجن، قالوا:
¬
(¬1) ينظر: ميزان العمل ص240، والذريعة إلى مكارم الشريعة ص91.
(¬2) ينظر: السراج ص56 - 57.
(¬3) ينظر: ميزان العمل ص240، والذريعة إلى مكارم الشريعة ص91.
وإياك؟ يا رسول الله قال: وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير» (¬1)، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم - في حقِّ عمر - رضي الله عنه -: «ما سلك عمر فجاً، إلا وسلك الشيطان فجاً غيره» (¬2).
فلا ينبغي للمسلم أن يدخر جهداً في تربية نفسه وكسر هواها وامتثال رضى الله تعالى، وسبيل ذلك التزام الشرع وتكاليفه.
* * *
¬
(¬1) في صحيح مسلم4: 2167، وصحيح البخاري8: 66، وغيرهما.
(¬2) في مسند البزار16: 49، وفضائل الصحابة لأحمد1: 320، والشريعة للآجري4: 1909، وتاريخ ابن عساكر44: 81، وغيرها.
المبحث الثاني
آثار الصلاة على
حياة المسلم
من خلال المبحث السابق لاحظنا مقدار الحاجة الكبيرة لدى المسلم للعبادات وعلى رأسها الصلاة؛ ليفهم الدُّنيا وسنتها، وطريقة التعامل معها، والصبر عليها، والتقوي بالله تعالى على شدائدها، والاستعانة بالله تعالى على مصائها، والحذر كل الحذر من نفسه الأمارة بالسوء، والآن أوان عرض بعض الآثار المترتبة على الصلاة في إصلاح حياة صاحبها.
1.ترك كافة الفواحش وجميع المنكرات:
وهذا صريحٌ في القرآنِ الكريم: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} العنكبوت: 45، والفحشاء: الفعلة القبيحة كالزنا مثلاً، والمنكر هو ما يُنكره الشَّرع والعقل (¬1).
¬
(¬1) ينظر: تفسير النسفي2: 678.
فاشتغاله بها ابتداءً يمنعه من إتيان الفواحش والمنكرات، وهي سببٌ للانتهاءِ عنهما؛ لأنَّها مناجاةٌ لله تعالى فلا بدَّ أنْ تكونَ مع إقبالٍ تامٍّ على طاعتِه وإعراضٌٍِ كليٍّ عن معاصيِه (¬1)، فمَن كان مراعياً للصلاة جره ذلك إلى أن ينتهي عن السِّيئات يوماً ما (¬2)، قال أبو العالية: «إنَّ الصَّلاةَ فيها ثلاث خلال، فكلُّ صلاةٍ لا يكون فيها شيءٌ من هذه الخلال فليست بصلاة: الإخلاصُ والخشيةُ وذكرُ الله، فالإخلاصُ يأمره بالمعروف، والخشيةُ تنهاه عن المنكر، وذكرُ الله القرآن يأمره وينهاه» (¬3).
وعلى كلٍّ حال إنَّ المراعي للصَّلاةِ لا بُدّ أن يكون أبعد من الفحشاء والمنكر ممَّن لا يراعيها، وأيضاً فكم من مصلّين لا تنهاهم الصلاة عن الفحشاء والمنكر، واللفظ لا يقتضى أن لا يخرج واحد من المصلّين عن قضيتها (¬4).
وهذا بسبب أنَّه لم يقم بها على الهيئة المأمور بها، قال ابنُ مسعود - رضي الله عنه -: «مَن لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر لم يزدد من الله إلا
¬
(¬1) ينظر: تفسير أبي السعود7: 42.
(¬2) ينظر: تفسير النسفي2: 678.
(¬3) ينظر: تفسير ابن أبي حاتم9: 3099.
(¬4) ينظر: تفسير الزمخشري3: 456.
بعداً» (¬1)، وذلك أن أمر الصلاة له إقامته إياها بحدودها، وفي طاعته لها مزدجر عن الفحشاء والمنكر (¬2).
فالحاصل أنَّ الصَّلاة أفضلُ وسيلةٍ للاستقامة بترك الفواحش والمنكرات لمن يؤدِّها بحقِّها ويُجاهد نفسَه في التزام أوامرها، لا مَن تكون وسيلةً له للرِّياء والنِّفاق في الدُّنيا، فستكون حجةً عليه لا له، وتزيده معصيةً ووزراً وإثماً وبعداً عن الله بأن جعلها وسيلة للدنيا لا للآخرة، فعن ابن عَبَّاس - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد من الله إلا بعداً» (¬3).
وإنَّ مَن يفقد التربية من صلاته يصعب ملاحقة مفردات سلوكه وتعديل أخلاقه وتصرُّفاته؛ لأنَّه الصَّلاة تزرع في النَّفس القوَّة الموجهة للذَّات التي تقودها إلى المكرمات وتذودها عن السَّفاسف والدَّناءات (¬4).
2.الإعانة على تحمَّل أعباء الحياة:
سبق تقرير أنَّ مبنى الحياة على الشِّدَّةِ والصُّعوبة والابتلاءِ والامتحان، ومبنى حال الإنسان على الضَّعف، فلا بُدَّ له من معين على
¬
(¬1) في المعجم الكبير9: 103، والزهد لأبي داود ص135، وشعب الإيمان4: 456، وغيرها.
(¬2) ينظر: تفسير الطبري20: 42.
(¬3) في المعجم الكبير11: 150، ومسند الشهاب1: 305.
(¬4) ينظر: الصلاة سر النجاح ص12.
عبء الدُّنيا، وإلاّ لهلك وسقط وفشل في حياته، ومن عظيم نعم الله علينا أن أمدنا بهذه الصَّلاة العظيمة المعينة على الحياة، قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاة} البقرة: 45.
وأصل الصبر: الإمساك، وهو ضربان: صبر عن المشتهى، وهو العفة، وصبر على المكروه وهو الشجاعة، والصلاةُ أرفع منزلة من الصَّبر؛ لأنها تجمع ضروباً من الصَّبر؛ إذ هي حبسُ الحواس على العبادة، وحبس الخواطر والإفكار على الطاعة، ولهذا قال: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} البقرة: 45، وخصها برد الضمير إليها دون الصبر (¬1)؛ بأن تصلوا صابرين على تكاليف الصلاة، محتملين لمشاقها وما يجب فيها من إخلاص القلب، وحفظ النيات، ودفع الوساوس، ومراعاة الآداب، والاحتراس من المكاره مع الخشية والخشوع، واستحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي جبار السموات؛ ليسأل فكّ الرقاب عن سخطه وعذابه، ومنه قوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} طه: 132 (¬2).
فالمعنيان للآية ـ كما يقول الزمحشري: (¬3): «وَاسْتَعِينُوا على حوائجكم
¬
(¬1) ينظر: تفسير الراغب1: 177.
(¬2) ينظر: تفسير الكشاف1: 133.
(¬3) في تفسيره1: 133.
إلى اللَّه بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ أى بالجمع بينهما، ... أو: واستعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها» ـ، مآلهما واحدٌ، فإن الطريق إلى الله تعالى بأداء واجباتكم وطلب حوائجكم موصلةٌ إلى القدرة على تحملّ المشاق والصِّعاب والبلايا.
قال أبو السُّعود: (¬1): «استعينوا على حوائجكم بانتظار النُّجْحِ والفرَج توكلاً على الله تعالى أو بالصَّوم الذي هو الصبرُ عن المفطِرات لما فيه من كسر الشهوةِ وتصفيةِ النفس والتوسُّل في الصَّلاة والالتجاء إليها، فإنها جامعةٌ لأنواع العبادات النفسانية والبدنية من الطَّهارة وسترِ العورة وصرفِ المال فيهما، والتَّوجهِ إلى الكعبة، والعكوفِ على العبادة، وإظهارِ الخشوعِ بالجوارحِ، وإخلاصِ النيّة بالقلب ومجاهدةِ الشيطان، ومناجاة الحقِّ، وقراءةِ القرآنِ، والتَّكلُّمِ بالشهادة، وكفِّ النفسِ عن الأطيبَيْنِ حتى تجابوا إلى تحصيل المآرب وجبر المصائب».
وقال القشيريُّ (¬2): «الصَّبرُ فطم النَّفس عن المألوفات، والصَّلاة التَّعرُّض لحصول المواصلات، فالصُّبرُ يشير إلى هجران الغير، والصَّلاة تشير إلى دوام الوقوف بحضرة الغيب، وإن الاستعانة بهما لخصلة شديدة إلاّ على مَن تجلّى الحقّ لسرّه».
¬
(¬1) في تفسيره1: 98.
(¬2) في تفسيره 1: 87.
فالله تعالى خلق الإنسان في عناءٍ وابتلاء، وجعل له سلاحاً وهو الصبر والصلاة، فكأنَّه في معركة، فليحذر أن ينسى ذلك ويضع سلاحه ويترك الجهاد فيهزم ويخسر (¬1) في دُنياه وعُقباه.
3.الرَّاحة النَّفسية وعدم ضيق الصَّدر:
ومبنى هذه الرَّاحة على الفكر والقلب، فمَن كانت نظرته صحيحة للحياة نال هذه الراحة، ومَن أخطأ في فهمه لها عاش حياةً ضنكاً، والصلاة هي رأسُ المناجاة والذِّكر وحسن الفهم للدنيا؛ لما تشتمل عليه من تربية ومعاني لا تدرك في غيرها، فمَن حرم الصلاة والخشوع فيها لم يكن من حَزِرَ الحياة الدُّنيا وفهمها، ولا أحرزَ الصِّفات الأصيلة التي يسعد بها الإنسان في حياته، قال القشيري: (¬2): «مَن أعرض عن استدامة ذكره سبحانه بالقلب توالت عليه من تفرقةِ القلب ما يسلب عنه كلّ روح، ومن أعرض عن الاستئناس بذكره انفتحت عليه وساوس الشَّيطان، وهواجس النّفس بما يوجب له وحشة الضَّمير، وانسداد أبواب الرَّاحة والبسط».
قال تعالى: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} طه: 124، ومعنى ذلك: أن مع الدين التسليم والقناعة والتوكل على الله، وعلى قسمته، فصاحبه يُنفق ما
¬
(¬1) ينظر: الصلاة سر النجاح ص5.
(¬2) في تفسيره2: 486.
رزقِه بسماح وسهولةٍ، فيعيش عيشاً رافعًاً كما قال تعالى: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَة} النحل: 97، والمعرضُ عن الدين، مستول عليه الحرص الذي لا يزال يطمح به إلى الازدياد من الدنيا، مسلطٌ عليه الشحُّ الذي يقبض يده عن الإنفاق، فعيشُه ضنكٌ وحالٌه مظلمةٌ، كما قال بعض المتصوّفة: لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلاّ أظلم عليه وقته وتشوَّش عليه رزقه (¬1).
وذلك لأنَّ مجامعَ همتِه ومطامحَ نظرِه مقصورةٌ على أعراض الدُّنيا، وهو مُتهالكٌ على ازديادها وخائفٌ من انتقاصِها بخلاف المؤمنِ الطَّالبِ للآخرة مع أنّه قد يضيق اللهُ بشؤم الكفر ويوسع ببركة الإيمان، كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} الأعراف: 96 (¬2).
فمَن يعرض عن ذكر الله تعالى يكون له معيشةً ضيقةً، والضنكُ من المنازلِ والأماكن والمعايش: الشَّديد، يُقال: هذا منزلٌ ضنكٌ: إذا كان ضيقاً (¬3)، فكلُّ مال أَعطيته عبداً من عبادي قلَّ أو كَثُر، لا يتقيني فيه، لا خير فيه، وهو الضَّنك في المعيشة ... ، فإذا كان العبدُ يكذّب بالله تعالى، ويُسيء الظنَّ به، اشتدّت عليه معيشتُه، فذلك الضَّنك (¬4).
¬
(¬1) ينظر: تفسير الكشاف3: 95، وتفسير النسفي2: 388.
(¬2) ينظر: تفسير أبي السعود6: 48.
(¬3) ينظر: تفسير الطبري18: 39.
(¬4) ينظر: تفسير الطبري18: 329.
ويكون الضَّنكُ بالمعاصي بما أُعطوا من المال وأُنعموا فيه؛ لأنّ توسعَهم يكون في معصية، فنفى عنهم الانتفاع به كما نفى عنهم السَّمع والبصر واللِّسان باستعمالهم هذه الجوارح في المعصية على قيامها؛ لما ذهبت منافعها في الطَّاعة (¬1).
فحاصل الأمر أنَّ هذا الضِّيقَ كان بالإعراض عن ذكر الله تعالى، الذي روحُه الصَّلاة، وبإساءة الظَّنِّ بالله تعالى، وفقدان أسبابِ الرَّاحةِ النَّفسيّةِ المتحقّقةِ في الصلاة الخاشعة.
4.وضوحُ الطَّريق ومعرفةُ الهدف من الحياة:
تؤثر الصَّلاة في بيانِ غايةِ الإنسانِ من الحياةِ، وهو رضاءُ الله والعيشُ له وحده، وتوضح له الطَّريق الذي يُسلك في تحقيقِها، بأن يلتزمَ أوامر الله تعالى ونواهيه ويراعي حدوده، ففي كلِّ صلاةٍ تذكرةٌ لغايته من الحياةِ، وبكلِّ قراءةٍ وخشوعٍ يعرفُ الطَّريق الموصل له، قال تعالى: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى} الملك: 22: أي ما ظهرَ من سوءِ حالِهِم وخرورِهِم في مهاوِي الغرورِ وركوبِهِم متنَ عشواءِ العتوِّ والنفورِ وعدمِ اهتدائِهِم في مسلكِ المُحاجَّةِ إلى جهةٍ يتوهمُ فيها رشدٌ في الجملة، {أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا} الملك: 22: أي قائماً سالماً من الخبطِ والعثارِ {عَلَى
¬
(¬1) ينظر: تفسير الماتريدي7: 317.
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} الملك: 22: مستوِي الأجزاءِ لا عِوَجَ فيهِ ولا انحرافَ (¬1).
فالمهتدي المصلي هو العارفُ بما له وعليه، السَّائر في طريقِه بلا عوج وانحرافٍ، والمتبصِّرُ بالحياة وحالها، والمطبقُ لمرادها ومقصدها، بخلاف المعرض عن الصَّلاة، فهو المتخبطُ الضَّائع التَّائه في ضلالات الدُّنيا، وانحرافات الهوى، الغارقُ في شهوات النفس ورغباتها.
5.تحقيق التَّوكل التّام:
والتوكل: هو تفويضُ المسلم أمره إليه تعالى، طالباً عرفانه وقربه، ورضاءه مُنقاداً لحكمِه من النَّفع والضَّرر والمحنةِ والضر، راضياً بقضائه وشاكراً لنعمائه، وصابراً لبلائه (¬2).
ومعلوم أنَّ الأمورَ كلَّها بيد الله من خير ورزق وعلم ونفع، ونحن مطالبون بالاعتماد عليه، والصَّلاة هي المعينُ الأكبر في تحقيق هذا، بحيث ترتفع بالمرء بعدم قبول إلا الحقّ، وهو أن لا ترضى ولا تقنع بشيء دون الحق؛ لأنَّه مَن رضي من الدُّنيا بالدُّنيا فهو ملعونٌ، ومَن رضي من الزُّهد بالثَّناء فهو محجوبٌ، ومَن رضي من الحقِّ بشيء مما دون الحقِّ كائناً ما كان فهو طاغ، فالحذر الحذر عمَّ سوى الحق، قال تعالى: {إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي
¬
(¬1) ينظر: تفسير أبي السعود9: 9.
(¬2) ينظر: السراج ص80.
وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الأنعام: 162، فالسَّالك لا يرغب إلى شيء سوى الله تعالى، ويطهر قلبه عن كلِّ شيء غير الله تعالى، ويزين جميع أركانه وجوارحه بحدود الله تعالى بأن يكون صادقاً في طلب الله تعالى (¬1).
ويفيد التَّوكل الثقةُ باللهِ والاعتماد عليه بأن يرزقه ولو بسبب نحو الكسب بلا ثقة واعتماد على نفس الكسب (¬2)، قال تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} آل عمران: 37، فانظر كيف ربط سبحانه ما بين الرزق وبين التقرب له.
وعن عمر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «لو أنكم تتوكَّلون على الله حَقَّ توكله لرزقكم كما يرزق الطَّير تغدو خماصاً وتروح بطاناً» (¬3)، وهذا تأكيد آخر لكفالة الرزق، أننا مطالبون بالتوكل لا به، قال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} طه: 132: أي جاهد نفسك على فعلها وإتقانها وإحسانها وكثرتها ولا تضع وقتك وحياتك في البحث عن الرزق وتأمين المستقبل، فالله لم يخلقك لتتعب وتشقى في طلب رزقك فقد كفله لك حين تصطبر على
¬
(¬1) ينظر: السراج ص65.
(¬2) ينظر: السراج ص81.
(¬3) في مسند أحمد1: 323، وسنن الترمذي4: 572، وقال: حسن صحيح، وسنن ابن ماجة2: 1394، وصحيح ابن حبان2: 509، ومسند أبي داود الطيالسي1: 55.
الصلاة، فمتى رعيت هذه الصَّلاة وقمت بها كما يجب فإن رزقك مكفول (¬1).
فالمتوكل يستغني عن الاعتماد على غير الله تعالى من المخلوقات والدراهم والملك، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِه} الطلاق: 3 (¬2)، فكم هذه من نعمة هنيئاً لمَن رزقها، وتعساً لمَن سلبها، وشكراً لله على صلاة بخشوع توصل إليها.
6.تربيةٌ متواصلة للنَّجاح في الحياة:
النجاح في الحياة بالقرب من الرَّحمن، والبُعد عن الشَّيطان، وترك هوى النَّفس ورغباتها، وبمقدار تعلُّقك بربِّك واستحضارُه في لحظاتِ حياتِك تحقِّق نجاحك وفلاحِك في دنياك وأُخراك، وبقدرِ بُعدك عن شيطانك وأوهام نفسك ونزواتها وشهواتها فشلُك وضلالُك وضياعُك وسقوطُك.
قال الخادميُّ (¬3): «الرَّاحةُ هو الخلاص من أماني النفس»: أي هواها ورغباتها.
وقال أيضاً (¬4): «اللِّذةُ والرَّاحةُ ليس إلاّ بالعبادة والذِكر».
¬
(¬1) ينظر: الصلاة سر النجاح ص10.
(¬2) ينظر: أيها الولد 63.
(¬3) في السراج ص56.
(¬4) في السراج ص57.
وما الصلاة إلا مناجاة للخالق فيها إعدادٌ مستمرٌ للنجاح في حياته والسعادة بها، فهي أشبه ما يكون بدوراتٍ متعاقبة، وتربيةٍ متواصلة على مدار اليوم من أجل استعدادٍ أكبر للمسلم للتفوُّق في حياته؛ لما تشتمل عليه من الأوصاف العديدة المهيئة للإنسان في النجاح.
فالفوز والنجاح والسعادة في الدنيا والآخرة للخاشعين في صلاتهم (¬1)، قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} المؤمنون: 1 - 2، فالفلاح: الفوزُ بالمرام والنَّجاةُ من المكروه: أي فازوا بكلِّ خيرٍ ونجوا من كلِّ ضيرٍ حسبما كان ذلك مُتوقعاً من حالِهم فإنَّ إيمانَهم وما تفرَّعَ عليه من أعمالِهم الصَّالحةِ من دواعي الفّلاحِ بموجب الوعدِ الكريمِ (¬2).
7.تقوية للمسلم على شيطانه:
للمؤمن عدوان، وهما: الشَّيطان والنَّفس، إن انتصر عليهما سَعِد ونَجَح، وإن انتصرا عليه خاب وخسر، ولا بُدّ له من معينٍ عظيم عليهما، ولا معين له عليهما إلا الله تعالى، وأقوى صلة له بربِّه سبحانه هي
¬
(¬1) ينظر: الخشوع للقحطاني ص20.
(¬2) ينظر: تفسير أبي السعود6: 123.
الصَّلاة، فهي المناجاةُ مع الله والالتجاء والتوكُّل عليه، قال سهل التستري: «من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان» (¬1).
قال ابن الجوزي (¬2): «اعلم أنَّ الآدميَّ لما خُلِق رُكِب فيه الهوى والشهوة؛ ليجتلب بذلك مَا ينفعه، ووضع فيه الغضب ليدفع به مَا يؤذيه، وأُعطى العقل كالمؤدب يأمره بالعدل فيما يجتلب ويجتنب، وخُلِق الشَّيْطَان محرضا لَهُ عَلَى الإسراف فِي اجتلابه واجتنابه، فالواجب عَلَى العاقل أن يأخذ حذره من هَذَا العدو الذي قد أبان عداوته من زمن آدم عليه السلام، وَقَدْ بذل عمره ونفسه فِي فساد أحوال بني آدم، وقد أمر اللَّه تعالى بالحذر منه فقال تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِين} البقرة: 168 وقال تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاء} البقرة: 268، وقال تعالى: {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} النساء: 60 وفي القرآن من هَذَا كثير».
فحين طُرد الشَّيطانُ من الجنّةِ أقسم بعِزّةِ اللهِ تعالى: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} ص: 82 - 83، استثنى المخلصين؛ لأنَّه لا يقدر عليهم، وليس له عليهم سلطانٌ كما أَخبر
¬
(¬1) ذكره الثعالبي في تفسيره، 3: 64 وعزاه لسهل التستري أيضاً، ومثله الفيروزأبادي في بصائر ذوي التمييز، 1: 722.
(¬2) في تلبيس إبليس ص23.
الله تعالى بذلك: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَان} الحجر: 42، والصَّلاةُ القائمةُ تُحقِّقُ الإخلاصَ الذي يحفظُ ويُحصنُ العبدَ من الشَّيطان؛ لأنّها تُحقِّق إخلاص العبوديّة لله رَبّ العالمين، إذ الصَّلاة حرزٌ وسياجٌ قويٌّ يحفظ ويحمي العبد من كيدِ الشَّيطان، هذا هو التَّشخيص، وهذه هي المعادلةُ في هذه القضية (¬1).
وقد حذرنا الله تعالى من عدواة الشيطان، وأنَّه العدو الحقيقي لنا، فقال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} فاطر: 6: قال الغزالي (¬2): «المعاداة للشَّيطان لا للمسلم لأيٍّ غرض كان من رئاسةٍ وجاهٍ وغيرها»، فالتَّنبيه على عداوةِ الشَّيطانِ بيانٌ لخطرها وضرورةِ التَّركيز عليها، والإعراضُ عن غيرها من العدواةِ المصطنعة في الدُّنيا مع المسلمين.
8.تقويةٌ للمسلم على نفسِهِ:
يجب أن يكون علمُ وعملُ المسلم لإرضاء الله تعالى وتهذيب أخلاقِهِ وكسرِ النَّفسِ الأَمارة (¬3)، قال تعالى: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيم} يوسف: 53: أي: ما
¬
(¬1) ينظر: الصلاة سر النجاح ص8.
(¬2) في أيها الولد ص60.
(¬3) ينظر: أيها الولد ص24.
عصم ربي؛ لأنَّ النَّفسَ جُبِلَت وطُبِعَت على الميلِ إلى الشَّهواتِ واللَّذاتِ والهوى فيها، والرَّغبةُ والتَّوقي عن المكروهاتِ والشَّدائد؛ ألا ترى أنَّه قال: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} النازعات: 37 - 41: أثبت للنَّفس الهوى وإيثار الحياة الدُّنيا وشهواتها (¬1).
فالكيسُ مَن دان نفسه، وعَمِل لما بعد الموت، والأحمقُ مَن أتبع نفسَه هواها، وتمنَّى على الله المغفرة (¬2).
قال العز بن عبد السلام (¬3): «النُّفُوس مجبولة على طلب مَا يلائمها من شهواتها ولذاتها وَمن أعظم شهواتها التَّعْزِير والتَّوقير وَدفع مَا يؤلمها وجلب مَا يلذ لَهَا».
وقال الغزاليّ (¬4): «اجعل الهمّة في الرُّوح، والهزيمة في النَّفس، والموت في البدن؛ لأن منزلك القبر»، وهذه الهمة للروح تحصل بكثرة القرب إلى الله تعالى، والصلاة أكبر القرب في تحقيق ذلك، فتنكسر النفس وتبعد عن الشَّهوات، «فمع كل انتقال في الصلاة تعلن أن الله أكبر، وحين
¬
(¬1) ينظر: تفسير الماتريدي6: 254.
(¬2) ينظر: السراج ص23.
(¬3) في مقاصد الرعاية 1: 56.
(¬4) في أيها الولد ص33.
تقولها وأنت مدرك لمعانيها فإن هذا التِّكرار لهذه الكلمة كفيلٌ بتعميق الإيمان في القلب وحفظه من كلِّ شرٍّ وطرد كل شيطان» (¬1).
وقال الخادمي (¬2): «مخالفة النفس أساس الأمر بين العبد وبين الله تعالى، فلا تغفل عن الله تعالى بالاشتغال على حظّ النفس والاتباع على هواها»، والانشغال بالله بالإقبال على طاعته بالصلاة وغيرها، فكم يكون في الصلاة مخالفة للنفس من الاستيقاظ مبكراً، وحبسها في العبادة، وترك كسلها بتلبية أوامر الله تعالى؟.
فالصلاة عامل رئيس في الإعانة على مخالفة عادات النفس وكشف عوارها وترك هواها، وبمقدار تحقيق هذا في حياة المسلم يكون نجاحه، قال القشيري: «أصل المجاهدة فطم النفس عن المؤلوفات وحملها على خلاف هواها في عموم الأوقات» (¬3).
9.التفكُّر والتَّدبُّر في ملكوتِ السَّموات والأرض بقلوب صافية:
يحيى الإنسان في عوالم من الخيالات والأوهام اكتسبها من لغطِ النَّاس وجهالاتهم وعاداتهم، وبمقدار هدايته من الله تعالى ترتفع عنه
¬
(¬1) ينظر: الصلاة سر النجاح ص35.
(¬2) في السراج ص80.
(¬3) ينظر: السراج ص80.
هذه الظلمات بنور الله المبين، وتظهر له الأمور على حقيقتها، وتتكشف له أحوال الدنيا، وأقوى سبل هداية الله هو الصلاة بتمامها، قال الغزالي (¬1): «والصَّلاةُ مفتاحُ القلوب فيها تنكشف أَسرار الكلمات، فهذا حقُّ القراءة، وهو حقُّ الأذكار والتَّسبيحات أيضاً».
فمثلاً يصل إلى حقيقة الوجود، وهي أن كلَّ ما بين يد النَّاس نافذ وما عند الله باقي فعلينا العمل له، قال تعالى: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَد} النحل: 96، فيبذل كل محصول جهده وطاقته من الدنيا لوجه الله بإرضائه (¬2)، وعلى ذلك فقس.
ومَن تأمَّل في هذا عَرَفَ سبب مطالبتنا بالخشوع في الصلاة، فعن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال: «ركعتان مقتصدتان في تفكُّر، خير من قيام ليلة والقلب ساه» (¬3)، قال الغزاليّ (¬4): «واعلم أنَّ تخليص الصلاة عن الآفات، وإخلاصها لوجه الله - عز وجل -، وأداءها بالشروط الباطنة التي ذكرناها من الخشوع والتعظيم والحياء سبب لحصول أنوار في القلب تكون تلك الأنوار مفاتيح علوم المكاشفة.
¬
(¬1) في إحياء علوم الدين1: 168.
(¬2) ينظر: أيها الولد ص57.
(¬3) في الزهد والرقائق لابن المبارك ص97، والعظمة لأبي الشيخ ص301.
(¬4) في إحياء علوم الدين1: 170.
فأولياءُ الله المكاشفون بملكوت السَّموات والأرض وأسرار الرُّبوبية، إنّما يُكاشفون في الصَّلاة لاسيما في السُّجود؛ إذ يتقرَّب العبدُ من ربِّه تعالى بالسُّجود.
ولذلك قال تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} العلق: 19، وإنَّما تكون مكاشفةُ كلِّ مصلٍّ على قدر صفائه عن كدورات الدُّنيا، ويختلف ذلك بالقوَّة والضَّعف والقلّة والكثرة وبالجلاء والخفاء، حتى ينكشف لبعضهم الشيء بعينه، وينكشف لبعضِهم الشَّيء بمثالِه، كما كُشِف لبعضهم الدُّنيا في صورة جيفة، والشيطان في صورةِ كلب جاثم عليها يدعو إليها.
ويختلف أيضاً بما فيه المكاشفة فبعضُهم ينكشف له من صفات الله تعالى وجلاله، ولبعضهم من أفعالِه، ولبعضهم من دقائقِ علوم المعاملة.
ويكون لتعيّن تلك المعاني في كلِّ وقتٍ أَسباب خَفيّةٍ لا تُحصى وأَشدُّها مناسبةً الهِمّة، فإنَّها إذا كانت مصروفةً إلى شيءٍ مُعيَّن كان ذلك أَولى بالانكشاف».
10.التخلص من الصفات الذميمة:
إنَّ الصَّلاةَ تهيئ المسلم للنَّجاح في الحياة، فتخلصه من الصَّفات القبيحة التي أساسها الكبر، حتى جعل مبنى الكراهات في الصلاة على
ترك الكبر، قال السرخسي (¬1) والبرهاني (¬2) والكاشغري (¬3): «ويكره للمصلي ما هو من أخلاق الجبابرة»، قال عبد الغني النابلسي (¬4): «أي كل ما كان من أفعال الجبابرة المتكبرين من الناس كرفع الثوب عند السجود؛ لئلا يتترب، ومن ذلك وضع المنديل للسجود عليه؛ لمجرد التكبر من غير عذر، والامتناع من السجود على الأرض بدون حائل»؛ لأنَّ الصلاة مقام التَّواضع والتذلل والخشوع فالتكبر والتجبر ينافيها (¬5)، فعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «العزُّ إزاره، والكبرياءُ رداؤه، فمَن ينازعني عذبته» (¬6).
ووصف الله المؤمنين بترك الكبر بينهم فقال تعالى: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِين} المائدة: 54: أي أرِقّاءَ رحماءَ متذللين ومتواضعين لهم، ووصف حالهم مع الكفار بقوله تعالى {أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} المائدة: 54: أي أشداء متغلبين عليهم من عزَّه إذا غلبَه، كما في قوله تعالى: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم} الفتح: 29 (¬7).
¬
(¬1) في المبسوط1: 34.
(¬2) في المحيط البرهاني1: 377.
(¬3) في منية المصلي ص149.
(¬4) في الجوهر الكلي ق23/أ.
(¬5) ينظر: حلبي صغير ص102.
(¬6) في صحيح مسلم4: 2024، ومسند أبي حنيفة ر4.
(¬7) ينظر: تفسير أبي السعود3: 51.
والكبر أقبح صفة يصاب به المرء، وهي متأصلة في النفوس إلا التي تربت وتهذبت على تركه، وأعظم الوسائل في ذلك هي الصلاة، فكلها تذلل وتواضع وخشوع يكسر هذه النفس.
وحبُّ الظهور والبروز داء عظيم تصاب به المرأة، تعالجه الصلاة في كل حركاتها وسكناتها، بحيث ترسخ لدى المرأة التستر؛ إذ مبنى أحكام الصلاة على الستر للمرأة، وهذا ما يقرِّره الفقهاء (¬1) لها، فعن يزيد بن أبي حبيب - رضي الله عنه -: «إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ على امرأتين تصليان، فقال: إذا سجدتما فضما بعض اللحم إلى الأرض، فإنّ المرأةَ ليست في ذلك كالرَّجل» (¬2)، وعن عليٍّ - رضي الله عنه - قال: «إذا سجدت المرأةُ فلتحتفر ولتضمّ فخذيها» (¬3)، وعن ابن عبّاس - رضي الله عنهم -: أنّه سئل عن صلاة المرأة: فقال: «تجتمع وتحتفر» (¬4)، وعن ابن عمر - رضي الله عنهم -: قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا سجدت المرأةُ أَلْصَقَت بطنَها بفخذها، كأستر ما يكون لها» (¬5).
¬
(¬1) ينظر: المبسوط1: 198، والبحر الرائق1: 339، وغيرها.
(¬2) في مراسيل أبي داود ص118، وقال الأرنؤوط: رجاله ثقات. وسنن البيهقي الكبير 2: 223، وغيرها.
(¬3) في مصنف ابن أبي شيبة 1: 241، وهو صحيح كما في صحيح صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ص182.
(¬4) في مصنف ابن أبي شيبة 1: 241، وغيره، ورجاله رجال البخاري ومسلم كما في صحيح صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ص182.
(¬5) في سنن البيهقي الكبير2: 222.
فالصلاة أساس في كسب مكارم الأخلاق، حتى قيل: كل المشاكل الأخلاقية والسلوكية سببها إهمال الصلاة والتفريط فيها: {أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَات} مريم: 59 (¬1)، وقيل: كيف يوجد فيهم الضعف، وتعصف بهم الكثير من المشاكل وعندهم هذه الصلاة، كيف تضعف أمة عندها هذا الكنز العظيم والسَّلاح المتين (¬2).
11.الطمأنية والترويح عن النفس:
الطمأنينة تكون بذكر الله (¬3)، قال تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} الرعد: 28، دون غيرِه من الأمور التي تميل إليها النفوس من الدنياويات (¬4)، فالمعنى: أَلا بِذكر الله تسكن الْقُلُوب، وطمأنينة الْقلب بِزَوَال الشَّك منه واستقرار الْيَقِين فيه، فإِن قال قائل: أَلَيْسَ الله تعالى قال: {وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} الأنفال: 2 فكيف توجل وتطمئن فِي حالة واحدة؟ والْجَوَاب: أَن الوجل بِذكر الْوَعيد والْعِقَاب، والطمأنينة بِذكر الْوَعْد وَالثَّوَاب، فَكَأَنَّهَا توجل إِذا ذكر عدل الله وَشدَّة حسابه، وتطمئن إِذا ذكر فضل الله وكَرمه.
¬
(¬1) ينظر: الصلاة سر النجاح ص12.
(¬2) ينظر: الصلاة سرح النجاح ص3.
(¬3) ينظر: السراج ص72.
(¬4) ينظر: تفسير أبي السعود5: 20.
وقوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّه} الرعد: 28: أَي تسكن قُلُوبهم بِذكر الله، وقيل: تستأنس قُلُوبهم بِذكر الله، والسكون بِالْيَقِينِ، والِاضْطِرَاب بِالشَّكِّ، قال الله تعالى فِي شَأْن الْمُشْركين: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ} الزمر: 45: أَي اضْطَرَبَتْ، وَقَالَ فِي الْمُؤمنِينَ {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّه} الرعد: 28 (¬1).
وأيّ ذكر أعظم من الصلاة، المشتملة على عامة الأذكار وقراءة القرآن والخشوع والإخلاص، فالصَّلاةُ في الإسلام واحةٌ روحيةٌ يفيء إليها المسلمُ ليتفيأ ظلالها الوارف، فيجد فيها علاجاً لمشكلاته النفسية، ويتخلى بها عن هموم الحياة, وقد كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يعتبر الصّلاة قرّة للعين (¬2)، فعن أنس - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «حُبِّبَ إِلَيَّ من الدُّنْيا النِّساءُ والطِّيبُ، وجعل قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلَاة» (¬3).
¬
(¬1) ينظر: تفسير السمعاني3: 92.
(¬2) ينظر: آثار الخشوع في الصلاة.
(¬3) في سنن النسائي الكبرى8: 149، وسنن النسائي7: 61، ومسند أحمد19: 305، والمستدرك2: 174، وصححه.
وكان - صلى الله عليه وسلم - يعتبر الصلاة راحة للنفس، قال - صلى الله عليه وسلم -: «يا بِلَالُ أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ» (¬1): أي روحنا إليها ونعمنا بها من الرُّوح والرَّاحة إليها، ويُقال: أرحنا بالشَّيء: أي روحنا وأرحنا منه: أي أسقطه عنا وخَفِّف عنّا منه، ولم يقل: أرحنا منها، كيف وقُرَّة عينه فيها (¬2).
وتعالج الصلاة الفراغ النفسي: فمما لا شّكّ فيه ولا ريب أنَّ الصلاة هي العلاج الجذري والمنهجي لما يشكو منه كثير من المربين والمصلحين مما وقع في صفوف الشباب والفتيات وهو ما يعرف بالعشق أو التعلُّق (¬3)؛ لما فيها من كفاية حاجة القلب من المحبّة لله تعالى والتعلّق به، وتحقّق الراحة بذلك، وإيراثِ المخافة والخشية المانعة عن المحرم، فالصلاة تخرج المسلم عن غفلة قلبه، الذي هو الداء العظيم، قال الغَزَاليُّ (¬4): «الشقاوة علامته: اللسان المطلق بلا كفّ عن المحظورات، والقلب المطبق المملوء بالغفلة».
12.تحصيل الصفات الممدوحة:
¬
(¬1) في سنن أبي داود4: 296، ومسند أحمد28: 178، وشرح مشكل الآثار14: 167، وغيرها.
(¬2) ينظر: قوت القلوب ص86.
(¬3) ينظر: الصلاة سر النجاح ص7.
(¬4) في أيها الولد ص46.
فكما أنَّ الصَّلاةَ تُخلص المسلم من الصِّفات الذَّميمة فلا شكّ أنها تكسبه مكارم الأخلاق كالتواضع والصَّبر والإخلاص وغيرها.
ففي الصَّلاةِ أسرارٌ لأجلها كانت عماداً، ومن جملتها ما فيها من التواضع بالمثول قائماً وبالركَّوع وبالسُّجود، وقد كان العرب قديما يأنفون من الانحناء فكان يسقط من يد الواحد سوطه فلا ينحني لأخذه، وينقطع شراك نعله فلا ينكس رأسه لإصلاحه، فلما كان السجود عندهم هو منتهى الذلة والضعة أمروا به لتنكسر بذلك خيلاؤهم ويزول كبرهم ويستقر التواضع في قلوبهم. وبه أمر سائر الخلق (¬1).
قال الغزالي (¬2): «لما كان السجود عندهم هو منتهى الذلة والضعة أُمروا به؛ لتنكسر بذلك خيلاؤهم، ويزول كبرهم ويستقرّ التواضع في قلوبهم، وبه أمر سائر الخلق، فإن الركوع والسجود والمثول قائماً هو العمل الذي يقتضيه التواضع فكذلك مَن عرف نفسه فلينظر كلّ ما يتقاضاه الكبر من الأفعال فليواظب على نقيضه حتى يصير التواضع له خلقاً، فإن القلوب لا تتخلق بالأخلاق المحمودة إلا بالعلم والعمل جميعاً، وذلك لخفاء العلاقة بين القلوب والجوارح».
¬
(¬1) ينظر: موعظة المؤمنين ص250.
(¬2) في الإحياء3: 360.
وقال ابنُ رجب: «السُّجود أعظم ما يظهر فيه ذلُّ العبد لربِّه - عز وجل -، حيث جعل العبد أشرف ما له من الأعضاء وأعزّها عليه وأعلاها حقيقةً أوضع ما يُمكنه فيضعه في التراب معفراً، ويتبع ذلك انكسار القلب وتواضعه وخشوعه، ولذا كان جزاء العبد إذا فعل ذلك أن يقربه الله إليه، فإنَّ أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجدٌ كما صحَّ ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب} العلق: 19 ...
قال: ومَرَّ عصام بن يوسف بحاتم الأصم، وهو يتكلَّم في مجلسه، فقال: يا حاتم تحسن تصلي؟ قال: نعم، قال: كيف تصلي؟ قال حاتم: أقوم بالأمر، وأمشي بالخشية وأدخل بالنيّة، وأكبر بالعظمة، وأقرأ بالترسُّل والتَّفكُّر، وأركع بالخشوع، وأسجد بالتَّواضع، وأجلس للتشهُّد بالتَّمام، وأُسلم بالسَّبيل والسُّنّة، وأسلمها إلى الله - عز وجل -، وأرجع على نفسي بالخوف فأخاف أن لا تقبل منّي، وأحفظه بالجهد إلى الموت. فقال: تكلَّم فأنت تُحسن تُصلِّي.
فالسُّجودُ من أعظم ما يظهر به التواضع والذلُّ للمعبود، وهو المقصود الأعظم من الصلاة، فلهذا لا يحل إلا لله - عز وجل -، فيحرم لأحد من الخلق» (¬1).
13.القدرة على التركيز وتفريغ القلب:
¬
(¬1) ينظر: غذاء الألباب للسفاريني1: 332.
الصَّلاةُ تعوِّدُ صاحبها على التّركيز الكامل في أفعال الصَّلاة أثناء أدائها، وهو ما يُسمّى الخشوع، ومن أعظم أسرار النَّجاح في أيّ عمل هو الإخلاص له والتركيز الكلي فيه، فالمسلم يأخذ كلَّ يوم خمس دروس في ترسيخ هذا السلوك في شخصيته، بحيث يكون جزءاً من حياته وَيُمَكِّنُه من النجاح الكامل في كل أموره.
ومفاتيح التدبر ... تركيز القلب: أي منع الهواجيس في الصلاة كلها ... (¬1)، قال الغزاليُّ (¬2): «ومَن عَرَفَ سِرَّ الصَّلاة عَلِمَ أَنَّ الْغَفْلَةَ تضادها، وحاصل الكلام أنَّ حضور القلب هو روحُ الصَّلاة، وأنَّ أقلّ ما يبقى به رمق الروح الحضور عند التَّكبير، فالنُّقصان منه هلاكٌ وبقدر الزِّيادة عليه تنبسط الرُّوح في أجزاء الصلاة».
وقال ابن الجوزي: «مَن أحبَّ المخدوم أحبَّ الخدمة له، لو عرف العبد مَن يناجي لم يقبل على غيره، والصَّلاةُ صلةٌ بين العبد وبين ربِّه» (¬3)، فعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يزال الله عز وجل مقبلاً على العبد، وهو في
¬
(¬1) ينظر: الصلاة سر النجاح ص50 - 52.
(¬2) في الإحياء1: 161.
(¬3) ينظر: مواعظ ابن الجوزي ص133.
صلاته، ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه» (¬1)، وعدم الالتفات محقِّق للخشوع، والخشوع يحقِّق التركيز وتفريغ القلب.
فالصلاة للقلب مثل الماء للبدن يحتاجها على مدار الساعة ومتى توقفت عنه، فإنَّه يعطش وقد يشتدُّ عطشه فيصاب بالجفاف والقسوة، وربما صَعُبَت عليه الصلاة إلا بجهد كبير، فإن الصلاة تعين على الصلاة، فالله سبحانه وتعالى يقول: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} البقرة: 45 (¬2).
14.تنظيم الوقت والحياة:
الصلاة تنظم الأوقات للمسلم وتعرِّفه أنَّ كلَّ وقت له عمل، وهذا سبيل النَّاجحين في حياتهم، فمَن كان أقدر على تنظيم وقته وترتيب حياته وجعل لكلِّ وقت عملاً كان أنجح في حياته، قال الخادمي (¬3): «العمر جوهر لا يعادله قيمة، بل كل نفس من أنفاسه لا يناله الإنسان بخزائن الملوك ... ولكل نفس وظيفة فهو رأس مال المؤمن لاكتساب سعادة الآخرة».
¬
(¬1) في سنن أبي داود1: 239، وسنن الترمذي5: 148، وسنن النسائي الكبرى1: 286، وصحيح ابن خزيمة1: 243، وغيرها.
(¬2) ينظر: الصلاة سرح النجاح ص46.
(¬3) في السراج ص63.
والصلاة تخرج المسلم من كسل النَّفس وتحفزها على النَّشاط والهِمة، فعليه أن يستيقط من الفجر ويترك رغبة النفس بالنوم، ومطالب في كل وقت أن يتوضأ ويُصلِّي ويطرد وساوس نفسه وزخرفها، وهكذا، قال الغزاليّ (¬1): «لا تكثروا النوم بالليل، فإن كثرة النَّوم بالليل يدع صاحبه فقيراً يوم القيامة».
وقال أبو غدة (¬2): ((الصَّلاة تتكرَّر من المسلم والمسلمة في اليوم واللَّيلة خمس مَرَّات، فإذا أدَّاها المسلمُ في أول وقتها كما طُلبَت منه، غَرَسَت في سلوكه خلُق الحفاظ على الوقت، والدقّة في المواعيد، والانتباه لتوقيت كلّ عملٍ بوقته المناسب له، الموصل إلى الغاية منه على الوجه الأتمّ الأكمل.
ومن هذا تبدو لنا الحكمة البالغة: لماذا خصَّ الله - جل جلاله - ثم النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة بالذكر من بين سائر التكاليف الكثيرة المؤقتة؛ لأنها تتكرَّر كلَّ يوم خمس مرات، ففي زمن يسير ينطبع سلوك فاعلها بخُلق ضبط الوقت، ودقّة الوَعد، وأداء كلّ عملٍ في ميقاته المخصَّص له على الوجه الأمثل، ويصير ذلك له عادةً وطبيعةً متبعةً في سلوكه وحياته.
¬
(¬1) في أيها الولد ص38.
(¬2) ينظر: قيمة الزمن عند العلماء ص10 - 11.
فيجب على المسلم أن ينتبَه إلى الوقت في حياته، وإلى تنفيذ كلّ عمل من أعماله في توقيته المناسب، فالوقتُ من حيث هو معيارٌ زمني: من أغلى ما وَهَبَ الله تعالى للإنسان، وهو في حياة العالِم وطالبِ العلم رأس المال والربح جميعاً، فلا يسوغ للعاقل أن يضيِّعه سدىً، ويعيش فيه هَمَلاً سَبَهْلَلاً ... )).
15.التربية على الصبر:
الصلاة وسيلة فعَّالة في تحقيق الصبر، والصبر يمنع من فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وهو قوّةٌ من قوى النَّفس التي بها صلاح شأنها، وقوام أمرها. وقال ابن جبير: «الصبر اعتراف العبد لله بما أصابه منه واحتسابه عند الله ورجاء ثوابه». وقال الجنيد: وقد سئل عن الصبر: «هو تجرع المرارة من غير تعبس» (¬1).
قيل لخلف بن أيوب: ألا يؤذيك الذباب في صلاتك فتطردها قال: لا أعود نفسي شيئاً يفسد على صلاتي، قيل له: وكيف تصبر على ذلك؟ قال: بلغني أنَّ الفُسَّاق يصبرون تحت أسواط السلطان ليقال: فلانٌ صبورٌ ويفتخرون بذلك، فأنا قائمٌ بين يدي ربّي أفأتحرك لذبابة (¬2).
¬
(¬1) ينظر: غذاء الألباب2: 523.
(¬2) ينظر: الإحياء1: 151.
قال تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} المعارج: 19 - 23، فهذه الآيات تؤكِّد أن المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون ليسوا من هذا النوع من الناس، بل هم على العكس من ذلك فهم إذا مسهم الشر صبورين، وإذا مسهم الخير شكورين، فمن مقاصد الصلاة المهمّة التي يجب أن تكون حاضرةً في قلب العبد أن مَن يُصلي فإنَّه يحصل على القوّة والثبات في هذه الحياة، ويسلم من نكدها وكدرها، فهو يعيشُ في واحة الإيمان وجنة الرضا في كل أحواله (¬1).
ويتحقق أثرها في الصبر على الشدائد, فقد أمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - بقيام الليل: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} المزمل: 1 - 2، ثم اتبع ذلك بقوله: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} المزمل: 5، مما يدلُّ على مكانة الصلاة في الإعانة على تحمل الشدائد ومواجهة الصعاب, ولقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يواجه عنتاً وشدّةً من الكفّار، ولقد كان في أمره بقيام الليل وما يتزود به في مناجاة الله تعالى من زادٍ روحيٍّ كبيرٍ أكبر العون على مواجهة متاعب الحياة وقسوة المخالفين (¬2).
¬
(¬1) ينظر: الصلاة سر النجاح ص21.
(¬2) ينظر: آثار الخشوع في الصلاة http://www.alimam.ws/ref/677.
والصَّلاةُ علاجٌ ناجع للغضب والتهوّر؛ تُعلّم الإنسان كيف يكون هادئًا، وخاضعًا لله - عز وجل - (¬1).
16. تصلح دين المسلم وحياته:
كلّما صدق الإنسان مع الله تعالى في صلاته كان ذلك سبباً في إصلاح باقي عباداته، ومحفزاً عليها من صدقة وصيام وعمرة وحجّ، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ أوّل ما يُحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر» (¬2).
قال الحسن البصري: «يا ابن آدم أي شيء يعجز عليك من دينك إذا هانت عليك صلاتك» (¬3).
والصلاة تحفظ حياة المسلم صحيحة كريمة، قال المروزي (¬4): «فمَن حافظ على الصلاة حافظت عليه الصلاة، قال - عز وجل -: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} العنكبوت: 45»؛ لما فيها من «التربية: وهي مجاهدة
¬
(¬1) ينظر: أثر الصلاة في العلاج النفسي http://www.alukah.net/culture/1080/ 55573/.
(¬2) في سنن الترمذي2: 269، وحسنه، وسنن أبي داود1: 290.
(¬3) في شعب الإيمان3: 153.
(¬4) في تعظيم قدر الصلاة ص9.
النفس وقطع شهوة النفس» (¬1)؛ إذ إن مجاهدة مستمرة لهذه النفس، وقطع لشهواتها من الكسل والنوم والغفلة وغيرها.
وتصلح الحياة بالخروج من الظلمات إلى النور، بالنظرة السلمية لحقيقة الدنيا، فيتحقق بصلاته «التقوى التي فيها عزّة المرء وكرامته لا في كثرة الأقوال والأنصار والعشائر والأموال والأولاد وإتلاف الأموال والإسراف والتبذير، قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم} الحجرات: 13» (¬2)، فكلُّ التعلقات للعزة بغير الله ظلمات من المال والبنين وغيرها.
17. إخلاص العبودية لله:
الإخلاص: هو أن يكون أعمال لله تعالى لا يرتاح قلبك بمحامد الناس ولا يتأسى بمذامهم (¬3).
والعبودية: محافظةُ أمر الشرع، والرضاء بالقضاء، ومخالفة النفس (¬4).
وإخلاص العبودية لله وحده، هذا هو أساس مقاصد الصلاة وقاعدتها ومنه تتفرع بقية المقاصد (¬5).
¬
(¬1) ينظر: أيها الولد ص45.
(¬2) ينظر: ينظر: أيها الولد ص58.
(¬3) ينظر: السراج ص81.
(¬4) ينظر: أيها الولد ص80.
(¬5) ينظر: الصلاة سر النجاح ص16.
وخشوع الصلاة هو كمال الإخلاص؛ لأنَّه «جعل القلب لله تعالى وعدم الانشغال بغيره ونسيانه» (¬1)، فعن عثمان بن أبي دهرش قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله من عبدٍ عملاً حتى يشهد بقلبه مع بدنة» (¬2).
ونجاح المرء في حياته مبني على شدّة إخلاصه في كل أمر يقوم به، فيتحقق تفوقه الوظيفي والمعيشي والاجتماعي والدراسي، والصلاة عامل رئيس في تحقيق الإخلاص في حياة المسلم.
18. الزُّهد بالدنيا:
حقيقة الدُّنيا حبُّ البقاء لطاعة الهوى وموافقة الهوى في حبّ العرض لأجل البقاء، فدخل أحد هذين في الآخر؛ لأنّ حُبّ البقاء لأجل المتعة، هو من الهوى الذي هو صفةُ النَّفس الأمّارة بالسوء وطاعة الهوى الذي هو عيش النَّفس إنما يكون لحبّ البقاء؛ لأنَّ العبد لو أيقن بالموت ساعته لآثر الحقّ على الهوى، ولو أيس من البقاء لما رغب في
¬
(¬1) ينظر: السراج ص27.
(¬2) فعن أبي بن كعب - رضي الله عنه - وعن رجل من آل الحكم بن أبي العاص: ((أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالناس، فقرأ سورة فأغفل منها آية فسألهم هل تركت شيئاً؟ فسكتوا فقال: ما بال أقوام يقرأ عليهم كتاب الله لا يدرون ما قرئ عليهم فيه، ولا ما ترك، هكذا كانت بنو إسرائيل، خرجت خشية الله من قلوبهم، فغابت قلوبهم، وشهدت أبدانهم ألا وإن الله عز وجل لا يقبل من أحد عملا حتى يشهد بقلبه ما شهد ببدنه)) في تعظيم قدر الصلاة ص199، والفردوس بمأثور الخطاب للديلمي 4:114، وجامع الأصول لابن الأثير 5: 648، وجامع الأحاديث للسيوطي 32: 304، وينظر: كنز العمال 8: 295.
العرض الأدنى، فصار حبّ البقاء من الهوى، وصار إيثار الهوى إنَّما هو لحبّ البقاء، فكان ذلك حقيقة الدنيا.
وكان أقصرُ النَّاس أملاً للبقاء أزهدُهم في الدُّنيا حتى لا يدّخر شيئاً لغد؛ لأنّه عنده غير باق إلى غدٍ وصار أرغب النَّاس في الدُّنيا أطولُهم أملاً؛ لأنّ رغبتَه اشتدَّت فيها، وحرصَه كثر عليها للامتداد أمله للحياة فيها؛ إذ لو قصر أمله لغدٍ لاختار الفقر حينئذٍ، واختيار الفقر هو الزهد (¬1).
والإقبال على الصلاة يبصر المسلم بحقيقة الدنيا، فيكون فيها من الزاهدين؛ لأنَّ «الانشغال بالعبادة للثقة بضمان الله للرزق بحيث يقل سعيه ومبالغته للمعاش الذي يوقعه في الشبهات والمحرمات وإلى ارتكابها طمعاً في تكثير الأموال فلا يرعي أسباب الحل» (¬2).
فلا يميل إلى جذب الدنيا، ولا يضيع عمره الذي لم يعط له شيء أعز منه في حطامها كالذي يحصل العلم بمباهاتها وإعراضها (¬3)، وتصبح نظرته للحياة: عش ما شئت فإنَّك ميت، وأحبب ما شئت فإنَّك مفارق، واعمل ما شئت فإنَّك مجزى به (¬4)، فلا يرى عملاً أحبَّ على قبله من
¬
(¬1) ينظر: قوت القلوب 1: 412.
(¬2) ينظر: ينظر: أيها الولد والسراج ص61.
(¬3) ينظر: سراج الظلمات ص26.
(¬4) ينظر: أيها الولد ص26.
الإقبال عليه بالطاعة والعبادة بالصلاة في ليله ونهاره، حتى يجزى الجزاء الأوفى.
ويدرك بصلاته أنَّ «حبّ الدنيا رأسُ جميع المحظورات؛ لأنَّها متولدٌ ومنته إليهن، فمَن أراد سلامته عن جميع المحظورات الدينية يعرض عنه؛ لأنَّ عزَّها ذلٌ وذلَها عزٌّ، ومنحَها محنٌ ومنحَها منحٌ، وهي دارُ مشقّة، وفراق ودار بلاء وفناء وعبور لا دار بقاء ودوام وسرور» (¬1)؛ لأنه لا يكمل شغل العبد بالله الكريم، وله في الدنيا حاجة (¬2).
وطالما الصلاة تعلمه وتخبره أنَّ العيش إنَّما هو عيش الآخرة، فيكون سعيه للعمل للآخرة بقدر بقاءه فيها، والبقاء غير متناه، فالعمل لها يقتضي استغراق العمر بالطاعة والتقوى والعفة والاستكانة بالخوف والخشية ظاهراً وباطناً بأداء الفرائض والواجبات وبمواظبة السنن والمستحبات وبسترك المحرمات والمنكرات وباجتناب البدع والشبهات، فإن العاقل يختار ما يبقى على ما يفنى بل يجتهد أن يزيد طاعة كل يوم على ما قبله على ما روي عن الحسن بن علي - رضي الله عنه -: من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان يومه شراً من أمسه فهو في نقصان، ومن كان في نقصان فالموت خير له (¬3).
¬
(¬1) السراج ص67.
(¬2) ينظر: السراج ص72.
(¬3) ينظر: السراج ص52.
وآثار الصلاة جميع خيرات الدنيا والآخرة ودفع جميع مضارهما وإلا لما كانت عماد الدين، والأساس القويم، وإنَّما أردنا في بحثنا الإشارة إلى بعضها والتنبيه على خيرها، وإلا فمقاصدها عظيمة كثيرة كالوقاية من الأمراض النفسية، والشجاعة والإقدام، والنشاط والحماس وقوة الإرادة، والحلم والأناة والرفق، وسعة الرزق، وقوة الإرادة، وحسن الخلق، وتوفير المال والنجاح في إدارته، والنوم المريح وتخفيض عدد ساعاته، والنصر في جميع الميادين، والنجاح في الدراسة والعمل، والسعادة وشرح الصدر، وزيادة قوة الذاكرة، وقوّة البدن وصحته (¬1).
* * *
¬
(¬1) ينظر: الصلاة سر النجاح25.
الخاتمة:
وفي نهاية هذا البحث يمكن أن نخلص إلى النتائج الآتية:
أولاً: الله تعالى خلق الإنسان في عناءٍ وابتلاء، وجعل له سلاحاً وهو الصبر والصلاة.
ثانياً: الإنسان بطبعه ضعيف عاجز عن مخالفة هواه، ويشعر دائماً أنّه بحاجةٍ أن يلجأ إلى قويٍّ.
ثالثاً: الدينُ يصحِّح نظرة الإنسان للحياة، ويبين له أنَّ الطريق لحلّ مصائب الدُّنيا.
رابعاً: سعادة المسلم في الدّنيا وحياته الطَّيبة تكون بالرِّضا والقناعة التي تتحصَّل بمعرفة الله.
خامساً: مخالفة النَّفس رأس العبادة، فلا ينبغي للمسلم أن يدخر جهداً في تربية نفسه.
سادساً: الصَّلاة رأسُ العبادات، وهي عمادُ الدِّين وأساسُه القويم، ومن أقامها فقد أقام الدين.
سابعاً: الصَّلاة هي دوراتٌ قصيرةٌ على مدارِ السَّاعة يأخذ بها غذاء روحه للسَّاعات القادمة.
ثامناً: الصلاة هي رأسُ المناجاة والذِّكر وحسن الفهم للدنيا؛ لما تشتمل عليه من تربية ومعاني.
تاسعاً: من يؤدِّي الصَّلاة بحقِّها ويُجاهد نفسَه في الخشوع فيها تؤثر عليه بصورة كبيرة في حياته، ومن هذه الآثار:
1. نجاح المسلم في حياته الدنيوية والأخروية.
2. الاستقامة بترك الفواحش والمنكرات.
3. زرع القوة الموجهة للذَّات في النَّفس التي تقودها إلى المكرمات.
4. بيانِ غايةِ الإنسانِ من الحياةِ، وهو رضاءُ الله والعيشُ له وحده.
5. تحقيق التَّوكل التّام على الله تعالى والثقة به والاعتماد عليه.
6. تعين المسلم على نفسه وعلى شيطانه.
7. تعين المسلم على التفكُّر والتَّدبُّر في ملكوتِ السَّموات والأرض.
8. معالجة داء حب الظهور والبروز لدى المرأة بالتستر فيها.
9. راحة للنَّفس وقرّة للعين، وهي العلاج الجذري والمنهجي لما يعرف بالعشق أو التعلُّق.
10. زيادة قدرة المسلم على التركيز وتفريغ القلب.
11. تنظيم الأوقات للمسلم وتعرِّفه أنَّ كلَّ وقت له عمل.
12. وسيلة فعَّالة في تحقيق الصبر.
13. علاجٌ ناجع للغضب والتهوّر.
14. تصلح دين المسلم وحياته.
15. تربي على الإخلاص.
16. تبصر المسلم بحقيقة الدنيا، فيكون فيها من الزاهدين.
* * *
المراجع:
1. آثار الخشوع في الصلاة، http://www.alimam ..
2. أثر الصلاة في العلاج النفسي لرحيل بهيج، www.alukah.net
3. إحياء علوم الدين: لأبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي (450 - 505هـ)، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.
4. آداب النفوس: للحارث بن أسد المحاسبي، أبو عبد الله (ت: 243هـ)، ت: عبد القادر أحمد عطا، دار الجيل - بيروت - لبنان.
5. اعتلال القلوب: لأبي بكر محمد بن جعفر بن محمد بن سهل بن شاكر الخرائطي السامري (ت: 327هـ)، ت: حمدي الدمرداش، الناشر: نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة-الرياض، ط2، 1421هـ2000م.
6. أيها الولد: لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي، ت: علي محب الدين علي القرة داغي، دار البشائر الإسلامية بيروت، ط4، 1431هـ.
7. البحر الرائق شرح كَنْز الدقائق: لإبراهيم ابن نجيم المصري زين الدين (ت970هـ)، دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ طبع.
8. تاريخ دمشق: لعلي بن الحسن أبي محمد بن هبة الله، المعروف بـ (ابن عساكر) (499 - 571هـ)، دار الفكر، دمشق.
9. تسلية أهل المصائب: لمحمد بن محمد بن محمد، شمس الدين المنبجي (ت: 785هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط2، 1426 هـ - 2005م.
10. تعظيم قدر الصلاة: لأبي عبد الله محمد بن نصر بن الحجاج المَرْوَزِي (المتوفى: 294هـ)، ت: د. عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي، مكتبة الدار - المدينة المنورة، ط1، 1406هـ.
11. تفسير أبو السعود (إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم): لأبي السعود محمد بن محمد العمادي (ت951هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
12. تفسير الراغب الأصفهاني: لأبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى (ت: 502هـ)، ت: د. محمد عبد العزيز بسيوني، كلية الآداب - جامعة طنطا، ط1، 1420 هـ - 1999م.
13. تفسير الطبري: لمحمد بن جرير الطبري (ت310هـ)، دار الفكر، بيروت، 1405هـ.
14. تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم: لأبي محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي، الحنظلي، الرازي ابن أبي حاتم (ت:
327هـ)، ت: أسعد محمد الطيب، مكتبة نزار مصطفى الباز - المملكة العربية السعودية، ط3، 1419 هـ.
15. تفسير القرآن: لأبي المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت: 489هـ)، ت: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم، دار الوطن، الرياض - السعودية، ط1، 1418هـ- 1997م.
16. تفسير الماتريدي (تأويلات أهل السنة): لمحمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي (ت 333هـ)، ت: د. مجدي باسلوم، دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان، ط1، 1426 هـ - 2005م.
17. تفسير النسفي: لأبي البركات عبد الله بن أحمد النَّسَفِي حافظ الدين (ت701هـ)، بدون دار نشر وتاريخ نشر.
18. تلبيس إبليس: للحافظ ابن الجوزي، المنيرية.
19. جامع العلوم والحكم: لأبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، دار المعرفة، بيروت، ط1، 1408هـ.
20. الجواهر الحسان في تفسير القرآن: لأبي زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي (ت: 875هـ)، ت: الشيخ محمد علي معوض والشيخ عادل أحمد عبد الموجود، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط1، 1418 هـ.
21. الجوهر الكلي شرح عمدة المصلي: لعبد الغني بن إسماعيل النابلسي الحنفي (ت1143هـ)، من مصورات مخطوطات مكتبتي عن دار صدام.
22. حلبي صغير: لإبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحَلَبي (ت956هـ)، مطبوع في اسطنبول، 1303هـ.
23. الخشوع في الصلاة: لمحمَّد بن لطفي، بن عبد اللطيف، بن عمر الصبَّاغ، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة - مصر، دار الوراق للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية، ط3، 1419 هـ - 1999م.
24. الخشوع في الصلاة: لسعيد بن علي القحطاني، www.alukah.net
25. الذريعة إلى مكارم الشريعة: لأبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى (المتوفى: 502هـ)، ت: د. أبو اليزيد أبو زيد العجمي، دار النشر: دار السلام - القاهرة، 1428 هـ - 2007م.
26. رسائل الإمام الغزالي: لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (ت: 505هـ)، محققة مصححة بإشراف مكتب الدراسات، دار الفكر، بيروت، ط1، 1416 هـ.
27. الرسالة القشيرية: لعبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري (ت: 465هـ)، ت: عبد الحليم محمود، الدكتور محمود بن الشريف، دار المعارف، القاهرة.
28. الزهد: لأبي داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق السِّجِسْتاني (ت: 275هـ)، ت: أبو تميم ياسر بن ابراهيم بن محمد، أبو بلال غنيم بن عباس بن غنيم وقدم له وراجعه: فضيلة الشيخ محمد عمرو بن عبد اللطيف، دار المشكاة للنشر والتوزيع، حلوان، ط1، 1414 هـ - 1993م.
29. الزهد: لأحمد بن أبي العاصم الشيباني (ت287هـ)، تحقيق: عبد العلي عبد الحميد، دار الريان للتراث، القاهرة، ط2، 1408هـ.
30. الزهد: لعبد الله بن المبارك (ت181هـ)، تحقيق: حبيب الله الأعظمي، دار الكتب العلمية، بيروت.
31. سراج الظلمات شرح أيها الولد: لأبي سعيد الخادمي، طبعة محمود بك مبطعة سي، 1324، استانبول.
32. سنن ابن ماجه: لمحمد بن يزيد بن ماجه القزويني (207 - 273هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت.
33. سنن أبي داود: لسليمان بن أشعث السجستاني (202 - 275هـ)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.
34. سنن البَيْهَقِي الكبير: لأحمد بن الحسين بن علي البَيْهَقِي (ت458هـ)، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414هـ.
35. سنن الترمذي: لمحمد بن عيسى الترمذي (209 - 279هـ)، تحقيق: أحمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
36. سنن النَّسَائيّ الكبرى: لأحمد بن شعيب النَّسَائِي (ت303هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الغفار البنداوي وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ.
37. الشريعة: لأبي بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجُرِّيُّ البغدادي (ت: 360هـ)، ت: الدكتور عبد الله بن عمر بن سليمان الدميجي، دار الوطن، الرياض، ط2، 1420 هـ - 1999 م.
38. شعب الإيمان: لأبي بكر أحمد بن الحسن البيهقي (384 - 458هـ)، تحقيق: محمد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1410هـ.
39. صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان: لمحمد بن حِبَّان التميمي (354هـ)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1414هـ.
40. صحيح ابن خزيمة: لمحمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي (ت311هـ)، تحقيق: الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، 1390هـ.
41. صحيح البخاري: لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البُخَارِيّ (194 - 256هـ)، تحقيق: الدكتور مصطفى البغا، دار ابن كثير واليمامة، بيروت، ط3، 1407هـ.
42. صحيح صفة صيام النبي - صلى الله عليه وسلم -: لحسن بن علي السقاف، دار الإمام النووي، ط1، 2003هـ.
43. صحيح مسلم: لمسلم بن الحجاج القُشَيْريّ النَّيْسَابوريّ (ت261هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
44. الصلاة سر النجاح: للدكتور خالد بن عبد الكريم اللاحم، http://saaid.net.
45. العظمة: لأبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأنصاري المعروف بأبِي الشيخ الأصبهاني (ت: 369هـ)، ت: رضاء الله بن محمد إدريس المباركفوري، دار العاصمة، الرياض، ط1، 1408هـ.
46. غذاء الألباب شرح منظومة الآداب: لمحمد بن أحمد السفاريني، مؤسسة قرطبة.
47. فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب: لمحمد نصر الدين محمد عويضة.
48. فضائل الصحابة: لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل (ت: 241هـ)، ت: د. وصي الله محمد عباس، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1403هـ - 1983م.
49. فيض القدير شرح الجامع الصغير: لعبد الرؤوف المناوي، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، ط1، 1356هـ.
50. القاموس المحيط والقابوس الوسيط الجامع لما ذهب من كلام العرب شماطيط: لأبي طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي مجد الدين (ت817هـ)، مؤسسة الرسالة، ط2، 1407هـ.
51. قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد: لمحمد بن علي بن عطية الحارثي، أبو طالب المكي (ت: 386هـ)، ت: د. عاصم إبراهيم الكيالي، دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان، ط2، 1426 هـ -2005 م.
52. قيمة الزمن عند العلماء: لعبد الفتاح أبو غدة (ت1417هـ)، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط10، 2002م.
53. الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل: لمحمود بن عمر الزمخشري الحنفي (467 - 538هـ)، تحقيق: محمد عبد السلام، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1415هـ.
54. كيف تخشعين في الصلاة، لرقية بنت محمد المحارب، 1430هـ.
55. لسان العرب: لأبي الفضل محمد بن مكرم الإفريقي المصري المشهور بـ (ابن منظور) (ت711هـ)، تحقيق: عبْد الله الكبير ومحمد حسب الله وهاشم الشاذلي، دار المعارف.
56. المبسوط: لأبي بكر محمد بن أبي سهل السرخسي توفى بحدود (500هـ)، 1406هـ، دار المعرفة، بيروت.
57. محاسبة النفس: لأبي بكر عبد الله القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (ت: 281هـ)، ت: المسعتصم بالله أبي هريرة مصطفى بن علي بن عوض، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1406 هـ - 1986م.
58. المحيط البرهاني في الفقه النعماني فقه الإمام أبي حنيفة: لأبي المعالي برهان الدين محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن عمر بن مَازَةَ البخاري الحنفي (ت: 616هـ)، ت: عبد الكريم سامي الجندي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط1، 1424 هـ - 2004 م.
59. مراسيل أبي داود: لسليمان بن أشعث السجستاني (ت275هـ)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1408هـ.
60. المستدرك على الصحيحين: لمحمد بن عبد الله الحاكم (ت405هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ.
61. مسند أبي حنيفة: لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (336 - 430هـ)، تحقيق: نظر محمد الفاريابي، مكتبة الكوثر، الرياض، ط1، 1415هـ.
62. مسند أبي داود الطيالسي: لسليمان بن داود (ت204هـ)، دار المعرفة، بيروت.
63. مسند أحمد بن حنبل: لأحمد بن حنبل (164 - 241هـ)، مؤسسة قرطبة، مصر.
64. مسند البَزَّار (البحر الزخار): لأبي بكر أحمد بن عمرو البَزَّار (215 - 292هـ)، تحقيق: الدكتور محفوظ الرحمن، مؤسسة علوم القرآن، مكتبة العلوم والحكم، بيروت، ط1، 1409هـ.
65. مسند الشهاب: لأبي عبد الله محمد بن سلامة القُضَاعي (ت454هـ)، تحقيق: حمدي السلفي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1407هـ.
66. مشكل الآثار: لأحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي (ت321هـ)، مجلس دائرة النظامية، الهند، حيدر آباد، ط1، 1333هـ.
67. المصنف في الأحاديث والآثار: لعبد الله بن محمد بن أبي شَيْبَةَ (159 - 235هـ)، تحقيق: كمال الحوت، ط1، مكتبة الرشد، الرياض، 1409هـ.
68. المعجم الكبير: لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطَّبَرَاني (260 - 360هـ)، تحقيق: حمدي السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، ط2، 1404هـ.
69. مقاصد الرعاية لحقوق الله عز وجل (مختصر رعاية المحاسبي): لعز الدين عبد العزيز بن عبد السلام الدمشقي، الملقب بسلطان العلماء (ت: 660هـ)، ت: إياد خالد الطباع، دار الفكر - دمشق، ط1، 1416هـ - 1995م.
70. منية المصلي وغنية المبتدي: لسديد الدين محمد بن محمد الكاشغري (ت705هـ)، مطبعة محمدي، بمبئ، 1313هـ.
71. مواعظ ابن الجوزي: لجمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (ت: 597هـ).
72. الموطأ: لمالك بن أنس الأصبحي (93 - 179هـ)، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، مصر.