رسالة في وليمة العرس
للإمام عالم محمد بن حمزة الآيديني الكوز لحصاري
توفي في سنة (1122 هـ)
تحقيق:
أسماء عطيات
إشراف:
د. رأفت الصعيدي
جارٍ تحميل الكتاب…
رسالة في وليمة العرس
للإمام عالم محمد بن حمزة الآيديني الكوز لحصاري
توفي في سنة (1122 هـ)
تحقيق:
أسماء عطيات
إشراف:
د. رأفت الصعيدي
رسالة في وليمة العرس
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.
اعلم أنّ وليمة العرس (¬1) سُنةّ (¬2) والإجابة اليها واجبة (¬3)، بشروط مذكورة في كتب الفقه.
1. منها: كوْن الدَّاعي صالحاً فلا تَجِب إجابة دعوة الفاسق (¬4)، بل الأوْلى عدمُها، ذكره في "البزازية" (¬5)
¬
(¬1) عبارَة عَن الطَّعَام الْمُتَّخذ للعرس، مُشْتَقَّة من: الوَلمِ، وَهُوَ الْجمع، لِأَن الزَّوْجَيْنِ يَجْتَمِعَانِ فَتكون الْوَلِيمَة خَاصَّة بِطَعَام الْعرس، لِأَنَّهُ طَعَام الزفاف. ينظر: (عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج 4: ص 88)
(¬2) ما كان الفعل أولى من الترك بلا منع الترك، وهذا اذا كان الفعل الأوْلى: سُنّة الهُدى: وتركها يوجب إساءة وكراهية. ينظرالمرقاة شرح مقدمة الصلاة: (ج 1، ص 24).
(¬3).الواجب: وهو إن كان الفعل أولى من الترك مع منع الترك الثابت بدليل ظني. وحكمه: أنه يعاقب تاركه إلا أن يعفو الله عنه. ينظر: المرجع السابق
(¬4) [الْفَاسِق]: كل خَارج عَن أَمر الله فَهُوَ فَاسق. ينظر: الكليات (ج 1: ص 674).او هو من غلبت سيئاته حسناته.
(¬5) البزازية في الفتاوي" للإمام حافظ الدين محمد بن محمد بن شهاب، المعروف: بابن البزاز الكردري، الحنفي، وهو: كتاب جامع، لخص فيه: زبدة مسائل الفتاوى، والواقعات، من الكتب المختلفة، ورجحَّ ما ساعده الدلي، قيل لأبي السعود المفتي: لم، لم تجمع المسائل المهمة، ولم تؤلف فيها كتابا؟ قال: أنا أستحيي من صاحب (البزازية) مع وجود كتابه، لأنه مجموعة شريفة، جامعة للمهمات، على ما ينبغي، ت (827).ينظر: (كشف الظنون: ج!:ص 242).
ولا سيما لمن يقتدى به في الدّين. (¬1)
¬
(¬1) رجل دُعي إلى وليمة أو طعام وهناك لعِب أو غناء، جملة الكلام فيه أن هذا في الأصل لا يخلو من أحد وجهين: إمَّا أن يكون عالمِا أنَّ هناك ذاك وإمَّا إن لم يكن عالما به، فإن كان عالما، فإن كان من غالب رأيه أنَّه يمُكنه التغيير يجُيب؛ لأن إجابة الدعوى مسنونة قال النبي - عليه الصلاة والسلام - «إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها»، وتغيير المنكر مفروض، فكان في الإجابة إقامة الفَرض ومُراعاة السُّنة، وإن كان في غالب رأيه أنه لا يمكنه التغيير، لا بأس بالإجابة لما ذكرنا أن إجابة الدعوة مسنونة ولا تترك السنة لمعصية توجد من الغير، ألا ترى أنه لا يترك تشييع الجنازة وشهود المأتم وإن كان هناك معصية من النياحة وشق الجيوب ونحو ذلك؟ كذا ههنا.
وقيل هذا إذا كان المدعو إماما يُقتدى به بحيث يحُترم ويحُتشم منه، فإن لم يكن، فتَرْكُ الإجابة والقعود عنها أوْلى، وإن لم يكُن عالما حتى ذهبَ فوجدَ هناك لعِباً أو غِناءً، فإن أمكنه التغيير غيَّر، وإن لم يمكنه لا بأس بأن يقعد ويأكل، قال أبو حنيفة ابتليت بهذا مرة لما ذكرنا أن إجابة الدعوة أمر مندوب إليه فلا يترك لأجل معصية توجد من الغير، هذا إذا لم يعُلم به حتى دخل، فإن عَلِمه قبل الدخول يرجع ولا يدخل، وقيل هذا إذا لم يكن إماما يُقتدى به فإن كان، لا يمكُث بل يخرج؛ لأن في المُكْثِ استخفافا بالعلم والدِّين وتجرئة لأهل الفسق على الفسق وهذا لا يجوز. ينظر بدائع الصنائع (ج5: ص128).
2. ومنها: خُلو مكانها عن المُنكر (¬1) كاللّعب المُحرّم (¬2)،
¬
(¬1) فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْري وَمَالك: يجب إتْيَان وَلِيمَة الْعرس وَلَا يجب إتْيَان غَيرهَا من الدَّعْوَات، وَمن شَرط الْإِجَابَة أَن لَا يكون هُنَاكَ مُنكر، وَقد رَجَعَ ابْن مَسْعُود وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. لما رَأيا تصاوير ذَات الْأَرْوَاح. ينظر عمدة القاري (ج20: ص159)
(¬2) ويكره اللعب بالنرد والشطرنج والأربعة عشر وهي لعب تستعمله اليهود؛ لأنه قمار أو لعب، وكل ذلك حرام، أمَّا (القمار): فلقوله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس} [المائدة: 90]، كذا رَوى ابن عباس وابن سيدنا عمر - رضي الله عنهم - وروي عن مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي وغيرهم - رضي الله عنهم - أنهم قالوا: الميسر القمار كلّه حتى الجَوْز الذي يلعب به الصبيان، وعن سيدنا علي - رضي الله عنه - أنه قال الشطرنج ميسر الأعاجم وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما ألهاكم عن ذكر الله فهو ميسر». وأمَّا (اللعب) فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «كل لعب حرام إلا ملاعبة الرجل امرأته وقوسه وفرسه».وحكي عن الشافعي - رحمه الله - أنه رخص في اللعب بالشطرنج وقال لأن فيه تشحيذ الخاطر وتذكية الفهم والعلم بتدابيرالحرب ومكايده فكان من باب الأدب فأشبه الرماية والفروسية وبهذا لا يخرج عن كونه قمارا ولعبا وكل ذلك حرام لما ذكرنا. ينظر بدائع الصنائع (ج5:ص127) .. فعن عقبة بن عامر قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ، صَانِعَهُ الَّذِي احْتَسَبَ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرِ وَمُتَنَبِّلُهُ، وَالرَّامِي ارْمُوا وَارْكَبُوا، وَإِنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا، وَلَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ، تَأْدِيبُ الرَّجُلِ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتُهُ زَوْجَتَهُ، وَرَمْيُهُ بِنَبْلِهِ عَنْ قَوْمِهِ، وَمَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ، فَهِيَ نِعْمَةٌ كَفَرَهَا» هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. ينظر: المستدرك على الصحيحين (ج2:ص104). وعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ، فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ» ينظر: صحيح مسلم (ج4:ص1770):
وصور (¬1) الحيوان (¬2)
¬
(¬1) التصاوير ما يصور مُشبّها بخَلق الله. ينظر: العناية شرح الهداية (ج1:ص414)، الصورة عام في ذي الروح وغيره، والتمثال خاص بمثال ذي الروح، ويأتي أن غير ذي الروح لا يكره، قال في البحر: وفي الخلاصة: وتكره التصاوير على الثوب صلّى فيه أو لا، انتهى. وهذه الكراهة تحريمية. وظاهر كلام النووي في شرح مسلم الإجماع على تحريم تصوير الحيوان، وقال: وسواء صنعه لما يمتهن أو لغيره، فصنعته حرام بكل حال لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء كان في ثوب أو بساط أو درهم وإناء وحائط وغيرها ولو كانت الصورة صغيرة كالتي على الدرهم أو كانت في اليد أو مستترة أو مهانة مع أن الصلاة بذلك لا تحرم، بل ولا تكره، هذا كله في اقتناء الصورة وأمّا فعل التصوير فغير جائز مطلقا؛ لأنه مضاهاة لخلق الله تعالى كما مر. ينظر: الدر المختار على حاشية ابن عابدين (ج1: ص647).
(¬2) - ويُكْرَهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ «أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -، تُرْسٌ فِيهِ تِمْثَالُ طَائِرٍ، فَأَصْبَحَ وَقَدْ مَحَا ذَلِكَ التِّمْثَالَ»، قِيلَ، فَعَلَ ذَلِكَ الْمَلَكُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -، فَدَلَّ أَنَّ اسْتِعْمَالَ مِثْلِهِ مَكْرُوهٌ، وَإِنَّمَا يُرَخَّصُ فِي التَّمَاثِيلِ فِي الْبِسَاطِ وَالْوِسَادَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُنَامُ وَيُجْلَسُ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ «جَبْرَائِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، حَيْثُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: إمَّا أَنْ تُقْطَعَ رُءُوسُهَا أَوْ تُتَّخَذَ وَسَائِدَ فَتُوطَأَ» .. وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ تَعْظِيمُ الصُّورَةِ وَالتَّشَبُّهُ بِمَنْ يَعْبُدُهَا، بِخِلَافِ مَا يُنْصَبُ أَوْ يُلْبَسُ أَوْ يُنْظَرُ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ مَعْنَى تَعْظِيمِ الصُّورَةِ وَالتَّشَبُّهِ بِمَنْ يَعْبُدُهَا، فَكَانَ مَكْرُوهًا، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبُشْتِيُّ الْكَبِيرَ مِنْ الْوَسَائِدِ الَّذِي يُنْصَبُ أَمَامَ الْبَيْتِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ تِمْثَالُ حَيَوَانٍ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنْصَبُ وَلَا يُوطَأُ، وَكَذَلِكَ السُّتُورُ وَالْأُزُرُ إذَا كَانَ فِيهَا تِمْثَالُ حَيَوَانٍ فَإِنَّ اسْتِعْمَالَ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ.
أَنْ يَكُونَ فِي آنِيَةِ الْبَيْتِ تَمَاثِيلُ. لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمَّا يُبْسَطُ وَيُجْلَسُ عَلَيْهِ. ينظر شرح السير الكبير: (ج1:ص1461).
المنقوشة على الجدران والسُّقوف والسُّتور (¬1)، ولبس الحرير فإنه حرامٌ للرِّجال (¬2) بالسُنّة المتواترة، (¬3)
¬
(¬1) وكذا يكره الدخول إلى بيت فيه صور على سقفه أو حيطانه أو على الستور والأزر والوسائد العظام؛ لأن جبريل - عليه السلام - قال: إنا لا ندخل بيتا فيه كلب أو صورة، ولا خير في بيت لا تدخله الملائكة، وكذا نفس التعليق لتلك الستور والأزر على الجدار، ووضع الوسائد العظام عليه مكروه لما في هذا الصنيع من التشبيه بعباد الصور لما فيه من تعظيمها، وإن كانت الصور على البسط والوسائد الصغار وهي تداس بالأرجل لا تكره لما فيه من إهانتها، ينظر بدائع الصنائع (ج1:ص116).
(¬2) (لَا يَحِلُّ لِلرِّجَالِ لُبْسُ الْحَرِيرِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّمَا يَلْبَسُهُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ» لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أُحِلَّ الْحَرِيرُ وَالذَّهَبُ لِإِنَاثِ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا بَأْسَ بِالْعَلَمِ فِي الثَّوْبِ إذَا كَانَ قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ أَوْ أَرْبَعٍ يَعْنِي مَضْمُومَةً .. ينظر (الجوهرة النيرة على مختصر القدوري: ج 2، ص281)
(¬3) السنة المتواترة: وهي أربعة أقسام عند الحنفية: 1ولا: تواتر الإسناد اللفظي وهو: (ما بلغت رواته في الكثرة مبلغا أحالت العادة تواطؤهم على الكذب، ويفيد علم اليقين، وهو قطعي الثبوت قطعي الدلالة ويكفر جاحده، ومن أمثلته: نقل القرآن، وأعداد الصلوات وعدد الركعات، ومقادير الزكاة. ثانيا: تواتر القدر المشترك المعنوي، مثاله (حديث السح على الخفين) رواه ثمانون صحابيا. ثالثا: التواتر الطبقي (التوارث المدرسي): وهو أن تأخذ طبقة عن طبقة بلا إسناد، والقرآن متواتر بهذا التواتر؛ لأنه تواتر على البسيطة شرقا وغربا درسا وتلاوة وحفظا وقراءةن وتلقاه الكافة عن الكافة، طبقة عن طبقة بلا إسناد .. رابعا: التواتر العملي: وهو تواتر العمل على شيء من لدن صاحب الشريعة الى يومنا هذا، من غير ظهور المنع والنكير عليهم في العمل به، لأن ظهور العمل به أغناهم عن روايته. ينظر: تهذيب مسار الوصول الى علم الأصول، د. صلاح أبو الحاج، دار الفاروق، ط1، ص (156 - 166)،
ذكره في "الرّشيدية" (¬1) وأقرّه عليه المولى علي القاري (¬2) في شرحها.
ولذا ذكر في "كفاية الأخيار" (¬3) من كتب الشافعية، أنه يعرّف حرمته لمُستحلّه فإن أصرَّ فهو كافر، فيُستتاب فان تاب وإلا ضُربت عنقه. انتهى (¬4).
¬
(¬1) "الفتاوى الرشيدية" لرشيد الدين محمد بن عمر بن عبد الله السنجى الوتار الحنفي ت (598). (إيضاح المكنون 4:156).
(¬2) المُلَّا علي بن (سلطان) محمد، نور الدين الملّا الهروي القاري: فقيه حنفي، من صدور العلم في عصره. ولد في هراة وسكن مكة وتوفي بها 1014 هـ. قيل: كان يكتب في كل عام مصحفا، فيبعيه فيكفيه قوته من العام إلى العام. وصنف كتبا كثيرة، منها " تفسير القرآن "، و" الأثمار الجنية في أسماء الحنفية " و " الفصول المهمة "، "شرح الشفا في شمائل صاحب الاصطفا"وغيرها. ينظر (الاعلام 5:12)، معجم المؤلفين (ج1:ص155).
(¬3) في الفقه الشافعي للإمام، أبي شجاع: الحسين بن أحمد الأصفهاني، الشافعي.، ت (488)، شرحه: السيد: تقي الدين الحصني، وسماه: (كفاية الأخيار، في حل غاية الاختصار). ينظر: كشف الظنون (ج2: ص1189).
(¬4) كفاية الأخيار (1: 375).
وأمَّا توسُّدَه ُوافتراشُه فيجوزان عند أبي حنيفة. «رحمه الله»،ويحرُمان عندهما. (¬1)
¬
(¬1) (ولَا بَأْسَ بِتَوَسُّدِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَكَذَا افْتِرَاشُهُ وَالنَّوْمُ عَلَيْهِ وَالْجُلُوسُ عَلَيْهِ وَكَذَا إذَا جُعِلَ وِسَادَةً وَهِيَ الْمِخَدَّةُ لِأَنَّ الْجُلُوسَ عَلَيْهِ اسْتِخْفَافٌ بِهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -: «جَلَسَ عَلَى مِرْفَقَةِ حَرِيرٍ»،وَرُوِيَ أَنَّ أَنَسًا - رضي الله عنه - حَضَرَ وَلِيمَةً فَجَلَسَ عَلَى وِسَادَةٍ حَرِيرٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يُكْرَهُ تَوَسُّدُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ زِيِّ الْجَبَابِرَةِ وَالْأَكَاسِرَةِ وَالتَّشَبُّهُ بِهِمْ حَرَامٌ قَالَ عُمَر - رضي الله عنه -: «إيَّاكُمْ وَزِيَّ الْأَعَاجِمِ»،وَعِنْدَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ: «لَأَنْ أَتَّكِئَ عَلَى جَمْرِ الْغَضَى أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَّكِئَ عَلَى الْحَرِيرِ»،وَلِأَنَّ لُبْسَهُ لَا يَجُوزُ فَكَذَا الْجُلُوسُ عَلَيْهِ. ينظر: الجوهرة النيرة على مختصر القدوري: (ج2:ص281)، الدرة المنيفة على شرح الإمام ابي حنيفة (ج1:ص67)، ثُمَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، لَا بَأْسَ بِبَسْطِ الْحَرِيرِ لِلْجُلُوسِ وَالنَّوْمِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِالتَّوَسُّدِ بِالْحَرِيرِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ اللُّبْسُ فِي ذَلِكَ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - التَّوَسُّدُ بِالْحَرِيرِ وَالْجُلُوسُ عَلَيْهِ مَكْرُوهٌ كَلُبْسِهِ. ينظر: السير الكبير (ج1:ص1465).
وهو قول الأئمة الثلاثة ومختار اكثر المشايخ منهم الفقيه ابو الليث (¬1) وهو الصحيح الموافق للسنة الصحيحة، {فإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء:59]
ففي "دُرر البحار" (¬2) وشَرْحُه "غُرر الاذكار" (¬3): "والصَّحيح حُرمة توسُّد الحرير وافتراشه، لحديث حذيفة رضي الله تعالى عنه في صحيحي "البخاري " (¬4) و"مسلم" (¬5): «نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لبْس الحرير والجلوس عليه» " انتهى. فيُشترط خُلُّو مكانَهما عنهما أيضا.
¬
(¬1) أبُو اللَّيْث السَّمَرْقندي، نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السَّمَرْقَنْدي، الملقب بإمام الهدى: علامة، من أئمة الحنفية، من الزهاد المتصوفين. له تصانيف نفيسة، منها " خزانة الفقه " رسالة، و " تنبيه الغافلين -" مواعظ، و " المقدمة " في الفقه، و " شرح الجامع الصغير " في الفقه، و " عيون المسائل " فتاوى وتراجم وغيرها، ت (373هـ). انطر الاعلام للزركلي،8:27، الجواهر المضية (ج2: ص196).
(¬2) درر البحار في الفروع لشمس الدين، محمد بن يوسف بن إلياس القونوي، الدمشقي، الحنفي. المتوفى: سنة 788، وهو متن، مشهور، مختصر، ذكر فيه أنه جمع بين مجمع البحرين، وبين مذهب ابن حنبل، والشافعي، ومالك. وله شروح منها: شرح الشيخ، شمس الدين: محمد بن محمد بن محمود البخاري، سمَّاه: (غرر الأذكار). (كشف الظنون 1:746).
(¬3) للشيخ، محمد بن محمد بن محمود البخاري، الحنفي، المدعو بالشيخ البخاري (شمس الدين) فقيه، فرضي، متكلم، قَطَن الشام، من آثاره: شرح درر البحار في فروع الفقه الحنفي وسمَّاه غُرر الأذكار، شرَح على نظْم السِّراجية في الفرائض، وكتاب في اصول الدين، (ت 850ه). انظر كشف الظنون: (ج1، ص176)، ومعجم المؤلفين: (ج11،ص 299).
(¬4) صحيح البخاري، ج7، رقم 150
(¬5) صحيح مسلم، ج3، رقم 1643.
واختلفوا في وقتها: والصَّواب الموافق لصحيح الدِّراية وصريحِ الرِّواية أنَّه بعد الدخول فلا يقع ما اتخذ قبله سُنَّة.
قال في "شرح الجامع الصغيرالموسوم بالكوكب المنير " (¬1): وليمة (¬2) العُرس وقتها بعد الدخول، قال الزركشي (¬3): أنَّه الصَّواب، قلت: وهو المُصرّح به في حديث البخاري: في بنائه - صلى الله عليه وسلم - بزينب ومثله في صفية - رضي الله عنهم - (¬4) انتهى.
¬
(¬1) لمُحَمَّد بن الْحسن (رَحمَه الله) وضع كتابا فِي الْفِقْه وَسَماهُ الْجَامِع الصَّغِير قد جمع فِيهِ أَرْبَعِينَ كتابا من كتب الْفِقْه، وَذكر الصَّدْر الشَّهِيد فِي خطْبَة شَرْحه أنّ مَشَايِخنَا كانون يُعظِّمون مسَائِل هَذَا الْكتاب تَعْظِيمًا ويقدمونه على سَائِر الْكتب تَقْدِيمًا، وَكَانُوا يَقُولُونَ لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يتقلد الْقَضَاء وَالْفَتْوَى مَا لم يحفظ مسَائِل هَذَا الْكتاب، فَإِن مسَائِله من أُمَّهَات الْمسَائِل فَمن حوى مَعَانِيهَا وَحفظ مبانيها صَار من زمرة الْفُقَهَاء وَصَارَ أَهلا للْفَتْوَى وَالْقَضَاء. انظر: كشف الظنون،: (ج1،ص67) شش
(¬2) في ب: ووليمة
(¬3) محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي، عالم بفقه الشافعية والأصول. تركي الأصل، مصري المولد والوفاة. اخذ عن جمال الدين الاسنوي وسراج الدين البلقيني، ورحل الى حلب، وسمع الحديث بدمشق وغيرها، ودرّس، وافتى، وولي مشيخة خانقاه كريم الدين بالقرافة الصغرى: له تصانيف كثيرة في عدة فنون، منها:"البحر في اصول الفقه في ثلاثة أسفار" و"شرح التنبيه "للشيرازي في فروع الفقه الشافعي، و"شرح جمع الجوامع للسبكي" و " الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة"،و" لقطة العجلان" في أصول الفقه، وتوفي بالقاهرة في رجب، ودفن بالقرافة الصغرى بالقرب من تربة بكتمر الساقي. سنة (794هـ). ينظر: معجم المؤلفين: (ج9،ص121)، والأعلام: (ج6،ص60).
(¬4) صحيح البخاري، ج9، رقم (5154)
وقال في شرحه المُسمَّى ب "الاستدراك النضير" (¬1):" والصَّوابُ أنَّ وقتَ وليمة ِالعرسِ بعد الدخول، خِلافا لما عليه الناس الآن، وهو مصرّح به في البخاري في بنائه بزينب، ومثله - صلى الله عليه وسلم - في صفية - رضي الله عنهم - " (¬2) انتهى.
أقول: ويدلُّ عليه أيضاَ ما رواه الشيخان: - عن انس: «أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر الصفرة، فقال: ما هذا؟ فقال: يا رسول الله إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب، قال: فبارك الله لك أولم ولو بشاة» (¬3).
وقال "قاضيخان " (¬4):
¬
(¬1) شهاب الدين أبي العباس، أحمد بن محمد المتبولي الأنصاري الشافعيّ: فقيه من العلماء بالحديث، من أهل القاهرة. له (شرح الجامع الصغير) في الحديث، ورسائل: ولعل من تأليفه كتاب (الاستدراك النضير على الجامع الصغير للسيوط-خ) في الأزهرية. (ت 1003ه).ينظر: الاعلام: (ج1،ص235)، وكشف الظنون: (ج1،ص560).
(¬2) صحيح البخاري: (ج3،ص84)، وصحيح مسلم: (ج2،ص 1048).
(¬3) صحيح البخاي: (ج3،ص 53)، وصحيح مسلم: (ج2،ص1042).
(¬4) هو: الإمام فخر الدين: حسن بن منصور الأوزجندي، الفرغاني، وله فتاوى مشهورة مقبولة، معمول بها، متداولة بين أيدي العلماء والفقهاء، وكانت هي نصب عين من تصدر للحكم والإفتاء، ذكر في هذا الكتاب: جملة من المسائل التي يغلب وقوعها، وتمس الحاجة إليها، وتدور عليها واقعات الأمة، بين لكل فرعا أصلا، وفيما كثرت فيه الأقاويل من المتأخرين، اقتصر منه: على قول، أو قولين. (ت592هـ). انظر: كشف الظنون (ج2، ص1227)، انظر: الاعلام (ج2:ص31
«رجل بنى بإمرأة، قالوا ينبغي أن يتَّخِذ وليمةً يدعو الجيران والأقرباء والأصدقاء ويصنع لهم طعاما ويذبح، لقوله: - صلى الله عليه وسلم - «أَوْلِم ولو بشاه» (¬1) فاذا دعاهم، كان عليهم الإجابة، فمن لم يُجب كان آثما" (¬2)، ولا بأس أن يدعو لذلك (¬3) اليوم وغدا وبعد غد ثم ينقطع العرس» «انتهى.
وقال " الوَلْوَالِجي" (¬4): «رجل بنى بامراته (¬5) ينبغي له أن يتخذ وليمة ويدعو الجيران والأقرباء والأصدقاء وينبغي لهم أن يُجيبوا، ومن لم يفعل كان آثماً، فإن كان صائماً أجاب ودعآ، وإلا أجاب وأكل، ولا بأس أن يدعو يومئذ ومن الغد ومن [بعد الغد] (¬6) ثم انقطع العرس والوليمة» انتهى.
وقال " البزّازي" (¬7): «واذا بنى على المتزوجة يتخذ وليمة يدعو الأقرباءَ والأصدقاءَ إلى ثلاثة ِأيام وبعدَه ينقطعُ العُرس والإجابة لازمة، ومن لم يُجب يأثم». انتهى. (¬8)
¬
(¬1) صحيح البخار: (ج3،ص53)، وصحيح مسلم: (ج2،ص1042).
(¬2) فتاوى قاضيخان (ج1:ص247)
(¬3) في ب زيادة: أو
(¬4) إسحاق بن أبي بكر، أبو المكارم، ظهير الدين الولوالجي، (ت710 هـ). ينظر: خزانة التراث: (ج52،ص683)، والأعلام:: (ج52،ص294).
(¬5) في ب: بامرأة
(¬6) ساقطة من ج.
(¬7) محمد بن محمد بن شهاب الكَرْدَري البريقيني الخَوَارَزْميّ الحَنَفي، المعروف بابن البَزَّاز، حافظ الدين، قال الكفوي: كان من أفراد الدهر في الفروع والأصول، وحاز قصبات السبق في العلوم، من مؤلفاته: «الوجيز» المشهور بـ «الفتاوى البزَّازية»، قال الإمام اللكنوي: طالعت «الفتاوى البزازية» فوجدته مشتملاً على مسائل يحتاج إليها مما يعتمد عليها. قيل: لأبي السعود المفتي لم لا تجمع المسائل المهمة، ولم تؤلف فيها كتاباً، فقال: أستحيي من صاحب «البزازية» مع وجود كتابه. (ت827هـ). ينظر: الفوائد ص309، وكشف الظنون: (ج 1:،ص242)، ولاعلام: (ج5،ص221).
(¬8) لم اجد النص قي البزازبة.
لكن يُخالف قولهم بامتداد وقت الوليمة إلى ثلاثة أيام، ما أخرجه الترمذي عن ابن مسعود - رضي الله عنهم - مرفوعاً: «طعامُ أول يوم حق (¬1)، وطعام ُاليوم (¬2) الثاني سُنّة، وطعام اليوم (¬3) الثالث سُمعة ومَن سمَّع سمّعَ الله به» (¬4)
وما أخرجه الطبراني: عن ابن عباس - رضي الله عنهم - مرفوعاً: «طعام يوم العرس سُنّة، وطعام يومين فَضل، وطعامُ ثلاثةِ أيام رياءٌ وسُمعة» (¬5). وقد ذكر في "الكوكب المنير" (¬6) أنّ الحافظ جلال الدين السُّيوطي (¬7) رمز الى صحة الحديثين المذكورين.
¬
(¬1) في ب: أحق.
(¬2) في أ: يوم.
(¬3) في أ: يوم.
(¬4) سنن الترمذي ت شاكر: (ح3،ص395)، والمحرر في الحديث: (ج1،ص557).
(¬5) المعجم الكبير للطبراني، ج1، ص151.
(¬6) لمحمد بن عبد الرحمن بن علي بن أبي بكر العلقميّ، شمس الدين: فقيه شافعيّ، عارف بالحديث، من بيوتات العلم في القاهرة. كان من تلاميذ الجلال السيوطي، ومن المدرسين بالأزهر، له (الكوكب المنير بشرح الجامع الصغير). ت (969ه).انظر الأعلام للزركلي: (ج6، ص195)، وكشف الظون: (ج1،ص560).
(¬7) عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد بن خليل السُّيُوطِيّ أو الأسيوطيّ الطولوني الشَّافِعِيّ، أبو الفضل، جلال الدين، صاحبُ التَّصانيف السَّائرة التي تزيد على خمسمئة، منها: «الإعلام بحكم عيسى - عليه السلام -»، و «الإكليل في استنباط التنزيل»، و «الإتقان في علوم القُرْآن»، و «أنموذج اللبيب في خصائص الحبيب»، و «الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة»، و «مزهر اللغة» قد أجاد وابتكر في ترتيبه واخترع في تنويعه وتبويبه، لم يسبق إليه غيره، (ت911هـ). ينظر: الكشف: (ج 2،ص166)، معجم المؤلفين: (ح 2:،ص82 - 85.)
ولهذا قال في "كفاية الاخيار" (¬1) من كتب الشافعية: «أنّ الإجابة إنما تجب اذا دعاه في اليوم الأول ولا تجب في اليوم الثاني ولا يتأكد استحبابها فيه، وتكره في اليوم الثالث انتهى" (¬2).وفي "الاستدراك النضير": "وأقلها للمتمكّن شاة ولغيره ما قدر عليه، والمراد أقل الكمال، وبأي شيء أوْلمَ من الطعام المُباح جاز ". وفي "صحيح البخاري ": «أنه - صلى الله عليه وسلم - أولم على بعض نسائه رضي الله تعالى عنهن بمُدّين مِن شعير، وأنّه أولم على "صفّية "رضي الله تعالى عنها بتمر وسمن وأقط».
وفيه أيضا: «والحِكمة في وليمة العُرس إظهار النكاح فرقاً بينه وبين السِّفاح [بالكسر: الزنا] (¬3)، والتبرّك بحُضور المؤمنين والتماسِ دعائهم، والتشبّه بالأنبياء رجاءَ بركتهم ورغبته (¬4) في نيل ثواب إطعام الطعام». انتهى.
¬
(¬1) في الفقه الشافعي، للإمام، أبي شجاع: الحسين بن أحمد الأصفهاني، الشافعي. ت (488)، شرحه: السيد: تقي الدين الحصني، وسماه: (كفاية الأخيار، في حل غاية الاختصار).
(¬2) ساقط من ج.
(¬3) زيادة من ب.
(¬4) في ب: رغبة.
ومما ينبغي أن يُعلم أنّه يُستحب للمتزوج أن يسُوق لها قبل الدخول بها شيئا من المَهر عند الائمة الثلاثة. (¬1)
وعند "مالك" (¬2): «لا يجوز أن يدخل بها ويطأها قبل أن يدفع إليها ربع دينار أو ثلاثة دراهم» فالأولى مراعاة شبهة خلافه، فقد اتفق العلماء على أنَّه: يُستحب الخروج من الخِلاف ما لم يشتدَّ ضَعف مُدركه أو يُصادم سُنّة صحيحة أو يُوقع الخروج منه في خِلاف آخر.
¬
(¬1) وذلك لأن العادة عندهم كانت تعجيل بعض المهر قبل الدخول حتى ذهب بعض العلماء إلى إلا أنه لا يدخل بها حتى يقدم شيئا لها. نقل عن ابن عباس وابن عمر والزهري وقتادة تمسُّكا بمَنعِه - صلى الله عليه وسلم - عليًّا فيما رواه ابن عباس «أنَّ عليَّا لمَّا تزوج بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يدخل بها، فمَنعَه - صلى الله عليه وسلم - حتى يُعطيها شيئا، فقال: يا رسول الله ليس لي شيء، فقال: أعطها دِرْعَك، فأعطاها دِرْعَه ثم دخل بها» لفظ أبي داود، ورواه النسائي، لكن المختار الجواز قبله لما روت عائشة قالت «أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا أُدخِلَ امرأةً على زوجها قبل أن يعطيها شيئا» رواه أبو داود، فيُحمل المنع المذكور على النَّدْب: أي نَدْب تقديم شيء إدخالا للمَسَّرة عليها. ينظر: فتح القدير: (ج3،ص318).
(¬2) ينظر: الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي: (ح2،ص314).
واعلم (¬1)، أنَّه ذُكر في بعض الخِلافيات أنَّه يُستحب سائر الولائم عند الأئمة الثلاثة (¬2)
¬
(¬1) في ج: فاعلم.
(¬2) الوليمة مندوبة بعد البناء يوما وتجب إجابة من عين وإن صائما، ينظر مختصر خليل: (ج1،ص110).وعند الشافعية: فِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ كَالْأُضْحِيَةِ وَسَائِرِ الْوَلَائِمِ، وَالْحَدِيثُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَأَمَّا سَائِرُ الْوَلَائِمِ، فَمُسْتَحَبَّةٌ، لَيْسَ بِوَاجِبَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَلَا يَتَأَكَّدُ تَأَكُّدَ وَلِيمَةِ النِّكَاحِ. ينظر: روضة الطالبين: (ج7،ص333).
خلافاً لأحمد (¬1)، وأنّ الإجابة إليه مُستحبة اتفاقاً (¬2)، وأنّ الوليمةَ تقع على كلِّ دعوة تُتّخذ لسرور حادث من نكاح وغيره، لكن الأشهر استعماله عند الإطلاق في دعوة النِّكاح (¬3)، وتُقيّد في غيرها، فيقال: وليمة الختان وغيره،
وفي "الإستدراك النضير": «وأطلقوا استحباب الوليمة للولادة ونحوها، ومحلّه الولادة من غير الزنا، والوطء بالشبهة، والبناء المُباح، والسَّفر الطويل المُباح» انتهى
¬
(¬1) ساقطة من ج.
(¬2) إجابة الدعوة سُنَّة: سواء كانت وليمة أو غيرها، وبه قال أحمد ومالك - رحمهما الله - في رواية، وقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إجابة وليمة العرس واجبة وغيرها مستحبة، وبقه قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - في رواية، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من لم يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم»، ثم غير الوليمة من الدعوات فالإجابة إليها مستحبة عندنا والشافعي. وعند أحمد ومالك: جائزة غير مستحبة. ينظر البناية شرح الهداية: (ج12،ص84).
(¬3) قال في " الجامع الصغير ": والوليمة طعام الزفاف: هذا أمر في عطف العام على الخاص؛ لأن الطعام أعم من أن يكون وليمة أو غيرها. والوليمة خاص وهو طعام العرس كما ذكرنا، والوكرة طعام البناء، والحرس طعام الولادة وما يطعمه النفساء بعينها حرسه. والأعزاز طعام الختان، والبعيصة طعام القادم من سفره. ينظر: البناية شرح الهداية: (ج12،ص24).
هذا: لكن المذكور في كلام علمائنا: "وجوب إجابة الدعوة العامة وليمة عرس (¬1) أولا"، ففي "موطأ الإمام محمد" (¬2): «ينبغي للرجل ان يجيب الدعوة العامة ولا يتخلف عنها إلا لعلة، فأما (¬3) الدعوة الخاصة فإن شاء أجاب وإن لم يشأ لم يُجب».
وفي "الهداية" (¬4):
¬
(¬1) في أ: العرس
(¬2) محمد عَبْد الحَيّ بن محمد عبد الحليم الأنصاري اللكنوي الهندي، أبو الحسنات: عالم بالحديث والتراجم، من فقهاء الحنفية. من كتبه (الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة) و (الفوائد البهية في تراجم الحنفية) و (التعليقات السنية على الفوائد البهية) و (الإفادة الخطيرة في الهيئة)، و (التحقيق العجيب) فقه، و (الرفع والتكميل في الجرح والتعديل) في رجال الحديث، و (ظفر الأماني في مختصر الجرجاني) في مصطلح الحديث، و (مجموعة الفتاوى)، و (نفع المفتي السائل، بجمع متفرقات المسائل) فقه، و (التعليق الممجد) على موطأ الإمام محمد الشيبانيّ، ت (1304ه).انطر الاعلام: ج6، ص187.
(¬3) في ب: وأما
(¬4) لشيخ الإسلام برهان الدين، علي بن أبي بكر الفرغاني المرغيناني، من أكابر فقهاء الحنفية نسبته إلى مرغينان (من نواحي فرغانة) كان حافظا مفسرا محققا أديبا، من المجتهدين، من تصانيفه " بداية المبتدي " فقه، وشرحه " الهداية في شرح البداية "، و " منتقى الفروع " و " الفرائض " و"التجنيس والمزيد" في الفتاوى، و " مناسك الحج " و " مختارات النوازل"، روي أن صاحب (الهداية)، بقي في تصنيف الكتاب ثلاث عشرة سنة، وكان صائما، وكان في تلك المدة لا يفطر أصلا، وكان يجتهد أن لا يطلع على صومه أحد، فكان ببركة زهده وورعه كتابه مقبولا بين العلماء. ت (593هـ).
ينظر كشف الظنون: (ج2، ص 2022)، الأعلام: (ج4،ص266).
«ومن دُعي إلى وليمة أو طعام فوجد ثمة لعباً أوغناء ً (¬1) فلا بأس بأن يقعد ويأكل؛ لأن إجابة الدعوة سُنّة، قال عليه السلام:. «مَن لم يُجِب الدَّعوة فقد عصى أبا القاسم) فلا يتركها لِمَا اقترنت به من البدعة من غيره، هذا إذا لم يكن مُقتدى، وإن كان مُقتدى ولم يقدر على منعهم يَخرُج ولا يقعد؛ لأن في ذلك شَينُ الدِّين وفتحُ باب ِالمعصيةِ على المسلمين، ولو كان ذلك على المائدة لا يقعدوا وإن لم يكن مُقتدى، لقوله تعالى: (فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين). [الأنعام:68]، وهذا كُلَّه إذا عَلِمَهُ بعد الحُضور، ولو عَلِمه قبل الحُضور لا يَحْضُره؛ لأنه لم يلزمه حقّ الدعوة» (¬2).
وفي "البزازية" (¬3):ولا يتخلَّف عن الدعوة العامة كدعوةِ الخِتان والعُرس، فإذا جاء قعد فإن شاء أكل (¬4) والأفضل الأكل إن لم يعلم بالحرمة (¬5) " انتهى.
¬
(¬1) رجل دُعي إلى وليمة أو طعام وهناك لعب أو غناء، جملة الكلام فيه: أن هذا في الأصل لا يخلو من أحد وجهين: إمَّا أن يكون عالما أنَّ هناك ذاك، وإمَّا إن لم يكن عالما به، فإن كان عالما، فإن كان من غالب رأيه أنه يمكنه التغيير يجيب؛ لأن إجابة الدعوى مسنونة قال النبي - عليه الصلاة والسلام - «إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها» وتغيير المنكر مفروض، فكان في الإجابة إقامة الفرض ومراعاة السنة، وإن كان في غالب رأيه أنه لا يمكنه التغيير لا بأس بالإجابة لما ذكرنا أن إجابة الدعوة مسنونة ولا تترك السنة لمعصية توجد من الغير ألا ترى أنه لا يترك تشييع الجنازة وشهود المأتم وإن كان هناك معصية من النياحة وشق الجيوب ونحو ذلك؟ كذا ههنا. .ينظر بدائع الصنائع (ج5:ص128)، والبناية شرح الهداية: (ج12،ص84).
(¬2) ينظر: الهداية: (ج1،ص365).
(¬3) لم أجد النص في البزازية.
(¬4) في أ: أكله.
(¬5) في ب: بحرمة.
نجَزَت الرِّسالة بِحَمد الله سُبحانه وحُسنَ توفيقِه، في اليوم السابع والعشرين من شَهر رمضان المُبارك، المُنتظم في سلك شُهور سنة تِسْع ومائة وألف. خُتمت بالخَير والشَّرف على يد العبدِ المُذنب العاصي الرَّاجي لُطْفَ ربِّه العافي. عالم مُحمَّد بن حمزة، عفا عنهما المّلِكُ ربُّ العِزَّة.