رسالة في طاعة الكافر
للفقيه محمد بن حمزة الأيديني الكوزلحصاري الحنفي
توفي في سنة (1122 هـ)
تحقيق:
مريم علي سالم أبو الحاج
جارٍ تحميل الكتاب…
رسالة في طاعة الكافر
للفقيه محمد بن حمزة الأيديني الكوزلحصاري الحنفي
توفي في سنة (1122 هـ)
تحقيق:
مريم علي سالم أبو الحاج
رسالة في طاعة الكافر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.
اعلم أن العلماء بعدما اتفقوا على طاعة الكافر لا تنفعه في دفع خلوده في جهنم، بمعنى مكثه الدائم فيها، اختلفوا في نفعها له في غيره على
أقوال:
الأول: إنها تنفعه أسلم أو مات على الكفر، وإليه ذهب القاضي البيضاوي حيث قال: في قوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} الآية، ولعل حسنة الكافر وسيئة المجتنب عن الكبائر تؤثران في نقص الثواب والعقاب.
ونقله ابن بطال في شرح البخاري عن المهلب.
احتجّ عليه بعموم الآيات الدالة على أن كل عامل خير يرى ثواب عمله، وأن الله لا يضيع أجر المحسنين.
ولا دلالة عليه فيما رواه مسلم عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه قال: قلت: "يا رسول الله إن أبي طالب كان يحوطك وينصرك فهل ينفعه ذلك؟ قال: نعم"؛ لأنّ نصرته للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم إنما تنفعه من جهة أنها تصير سببًا لشفاعته له، لا من جهة أنه يثاب عليها، أو يخفف عنه بها، يشعر به قوله صلى الله عليه وسلم: "ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار"، كذا في شرح المشارق لابن فرشته رحمه الله.
أقول: ويدل عليه أيضًا الرواية الأخرى التي رواها الشيخان عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أيضًا أنه قال: قلت: "يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك؟ قال: نعم هو في ضحضاح من النار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل".
فإن ذاك ظاهر، وذا نص فيجب أن يحمل عليه.
وجوّزه الإمام أبو بكر البيهقي رحمه الله حيث قال: يجوز أن يراد مما ورد في الآيات والأخبار في بطلان خيرات الكفار أنهم لا يتخلصون بها عن النار.
ولكن يخفف عنهم ما يستوجبونها بجنايات ارتكبوها سوى الكفر. ووافقه المازري رحمه الله.
وكأنّ القاضي عياض رحمه الله لم يعتدّ بهذا القول، وعدّه خرقًا للإجماع؛ حيث قال: انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم، ولا يثابون عليها بنعيم، ولا بتخفيف عذاب، لكن بعضهم يكون أشد عذابًا من بعض بحسب جرائمهم.
الثاني: أنها تنفعه نفعًا موقوفًا على إسلامه؛ إن أسلم يثاب عليها، وإلا ردت علي.
قال المتبولي في الاستدراك النضير شرح الجامع الصغير: وبه قال إبراهيم الحربي، وابن بطال، والقرطبي، وابن المنير، والنووي.
وقال: قال النووي رحمه الله: الصواب الذي عليه المحققون أن الكافر إذا فعل أفعالًا جميلة: كالصدقة، وصلة الرحم ثم أسلم، ومات على الإسلام أن ثواب ذلك يكتب له. انتهى.
وعزاه السيوطي أيضا في الديباج إلى المحققين حيث قال:
قال المحققون: إنّ حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه على ظاهره، وإن الكافر إذا أسلم يثاب على ما فعله من الخير في حال الكفر.
وإن قال الفقهاء: إن عبادة الكافر غير معتدّ بها، وإن أسلم فمرادهم لا يعتدّ بها في أحكام الدنيا، وليس فيه تعرّض لثواب الآخرة.
فإن قال أقوام: في قولهم دليل على التصريح بأنه إذا أسلم لا يثاب عليها في الآخرة ردّ بما في قوله صلى الله عليه وسلم في هذه السنة الصحيحة انتهى.
احتج عليه بما رواه البخاري رحمه الله في صحيحه عن حكيم بن حزام رضي الله عنه أنه قال: قلت: "يا رسول الله أرايت شيئا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة او صلة رحم فهل فيها من أجر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أسلمت على ما أسلفت من خير.
وبما أخرجه مالك والنسائي والبيهقي في الشعب: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أسلم العبد فحسن إسلامه كتب له كل حسنة أزلفها، ومحيت عنه كل سيئة كان أزلفها، ثم كان بعد ذلك القصاص: الحسنة بعشر أمثالها إلى 700 ضعف، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله تعالى عنها.
وفي شعب البيهقي: عن عطاء بن يسار رحمه الله مرسلًا: تقبل الله منه كل حسنة زلفها.
الثالث: إنها لا تنفعه وإن أسلم، بمعنى: إنه لا يثاب عليها، وهو الذي اختاره الشيخ أكمل الدين وسيجيء وغيره.
احتج عليه بقوله تعالى: {وقد وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء المنثور} وقوله تعالى {أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الضمان وما} الآية وقوله تعالى: {أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف} الآية إلى آيات كثيرة دلت على أن حسنة الكافر مردودة، وأنه {حبط ما صنعوا وباطل ما كانوا يعملون}.
وبما أخرجه مسلم رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قلت: يا رسول الله إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ينفعه لانه لم يقل يوما ربي اغفر لي خطيئتي يوم الدين".
يقول العبد الضعيف عصمه الله تعالى: لعل هذا القول هو الموافق لأصول أصحابنا؛ فإن ما احتج به في نفعها له من الآيات عامّ خصّ منه من ارتد ومات على الكفر بالإجماع، فيبقى فيما عداه ظنيًا يخص بكل ظني، حتى القياس بخلاف ما احتج به على ضده من الآيات، فإنه باق على عمومه، لم يخص بشيء يصلح له فيفيد مدلوله قطعا ويقينًا، فوجب أن يخص به كل ما يعارضه من الظنيات او يأول او يرد على ما عرف في موضعه.
وأيضًا الكفر الطارئ يحبط العمل باتًا عندنا، مع أن حاله حال البقاء فإحباط الكفر المقارن له مع أن حاله حال الحدوث والابتداء أحرى وأولى.
وكذا اختاره المولى أبو السعود في تفسيره، وردّ على القاضي ما ذهب إليه بقوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا} [الفرقان:23] الآية
واختاره أيضًا: الشيخ أكمل الدين في شرح المشارق حيث قال في حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه السابق: اختلف في معناه فقيل: ظاهره يقتضي خلاف ما يقتضيه الأصول؛ لأن الكافر لا يصح منه التقرب لانتفاء شرطه: وهو الإيمان. قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ} [النور:39]
ماء فيحتاج إلى تأويل وهو على وجوه
أحدها: أن يكون معناه اكتسب بطباعه الجميلة وأنت تنتفع بها في الإسلام لكونها معونة لك على فعل الخير.
الثاني: اكتسبت بذلك ثناءً جميلًا فهو باقٍ عليك في الإسلام.
الثالث: إنه لا يبعد أن يزاد في حسناته التي فعلها في الإسلام ويكثر أجره لما تقدمه له منفعل الأفعال لما تقدم له من الأفعال الجميلة.
وقيل: إذا فعلا الكافر خيرا فإنه يخفف به عنه فلا يبعد أن يزاد في اجوره.
وقيل: معناه بسبب بما سبق من خير هداك الله به إلى الإسلام، فإن من حصل له خير في أولى دل على سعادته في آخراه.
ومن الناس من ذهب إلى أن الكافر إن فعل خيرا حال كفره ثم أسلم ومات على الإسلام يثاب على فعله الخير في حال الكفر.
واستدل بالحديث ولا اعتماد عليه لما ذكرناه من مخالفة الأصل ولأن تلك لم تنعقد إمارة للثواب فلا تنقلب إليها بعد الإسلام انتهى.
وأولوا أيضا بأن معناه أنك في تلك الأفعال رزقت الرزق الواسع.
قال ابن الجوزي قيل أنّ النبي صلى الله عليه وسلم ورّى عن جوابه فإنه سئل: هل لي فيها من أجر؟ فقال: اسلمت على ما سلف لك من خير والعتق فعل الخير فكأنه اراد إنك قد فعلت فعلا خيرا والخير يمدح فاعله ويجزاى عليه في الدنيا
فقد روى مسلم من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعا الكافر يثاب في الدنيا بالرزق على ما يفعله من حسنة كذا في الاستدراك النضير.
نجزت الرسالة على يد جامعها العبد الضعيف المحتاج إلى رحمة ربه اللطيف عالم محمد بن حمزة الكوزلحصاري، حف بلطف ربه الباري، عشية يوم الأحد السادس والعشرين من جمادى الأولى المندرجة في سمط شهور سنة ست وتسعين وألف، ختمت بالخير والشرف، آمين بجاه النبي الأمين، الحمد لله أولا وآخرا وباطناً وظاهرًا، وصلي الله تعالى على افضل رسله وحزبه و آله وصحبه وسائر عباده الصالحين إلى يوم الدين.