رسالة في التقليد والاقتداء وصلاة الميت
للفقيه إبراهيم بن حسين ابن بيري الحنفي
توفي في سنة (1099 هـ)
تحقيق:
أوتكيربيك سليمانوف
إشراف:
د. براء السعدي
جارٍ تحميل الكتاب…
رسالة في التقليد والاقتداء وصلاة الميت
للفقيه إبراهيم بن حسين ابن بيري الحنفي
توفي في سنة (1099 هـ)
تحقيق:
أوتكيربيك سليمانوف
إشراف:
د. براء السعدي
بسم الله الرحمان الرحيم
الحمد لله وسلام علي عباده الذين اصطفي، وبعد: فهذه رسالة مشتملة علي مقدمة وخمسة مقاصد. المقدمة: في عدم جواز الإعتراض علي من فعل فعلا مقلدا فيه، وفي حال علي من تجري واعترض في ذلك والمقصد الأول: في مجمل حديث، اذا أقيمت الصلاة فلا صلاة الي اخره. وفي دليل المختلف عن الصلاة مع الأول الخالف له في الراي عند تعداد الجماعة في مسجد واحد، كمكة والمدينة شرفهما الله تعالي.
والمقصد الثاني: في حكم الإقتداء من المدارس والبيوت التي بجوار المسجد والمقصد الثالث: في حكم فناء المسجد والمقصد الرابع: في حكم الوضوء في المسجد.
والمقصد الخامس: في كراهية الصلاة علي الميت في المسجد وهو الختام قصدت بذلك جمع ما تفرق في بطون الدفاتر، وكي يرجع المعترض الي الصواب، ويشتغل بما هو الا هم في الباب فنقول: وبالله التوفيق لا يسوغ لأحد أن يعترض علي من قلد إماما في فعل ما بالإتفاق والقول: بان التخلف عن الصلاة مع الإمام الأول تعصب خطأ فأحسَّ من قايله لأن مستند المتخلف قول إمامه.
والإعتراض: في التحقيق واقع علي قول المجتهدين من عائي بالنظر اليه وهو في جانب المجتهد قبيح خصوصا بلفظ واحد معنيه شنيع يوجب تعزير قايله، لأنه نسب إلي المجتهد العالم ما لا يليق به شرعا وذلك بان عقيقدته مانعة من قبول الحق عند ظهور الدليل، ويَحُنُ بالهوي اي لم يبال بما قال وما قيل له، كذا نقل هذا المعني للتعصب شارح البزدوي عن الحواشي، ومنقول اصحابنا في المنع من الإعتراض علي المجتهد ومن تبعه قال: في التجنيس لا ينكر علي من فعل فعلا مجتهدا ومقلد المجتهد انتهي.
وفي الظهيريّة: ومن فعل فعلا مجتهدا فيه أو قلد مجتهدا في فعل مجتهد فلا عار ولا شنار ولا انكار عليه انتهي.
المقصد الأول: اعلم ان النهي الوقع في قوله صلي الله عليه وسلم: اذا أقيمت الصلاة فلا صلاة الا المكتوبة محمول علي نفي الكمال، وحالة الإنفراد الموهمة فيه انه لا يرى الجماعة وهو مفقود هنا للعلم بتكرار الجماعة لكل احد وانه مصل للفرض بجماعة أخرى موافقة له في الراي بل ان ذلك عند التقابل، هو الإحتياط في حقه، لو فرض القول بتحيره، لأن دليل كون المخالف احتاط ضعيف، لأن المخالف لا يراع مواضع للخلاف فتامله يظهر لك ذلك.
المقصد الثاني: نقول يصح الإقتداء في المدارس والبيوت التي بجوار المسجد بالإمام القائم في المحراب. قال: في خزانة الروايات قال: في المضمرات عن نصاب الفقه، ولو اقتدى جار المسجد في منزله بامام في المسجد بينهما حائط وهو يسمع كلام الإمام جاز اقتدئه. وقال: بعض العلماء ان كان بينهما حائط وعلي الحائط نقب يسمع فيه انسانا جاز، وان لم يكن فلا. وعن أبي يوسف رحمه الله تعالي اذا كان علي الحائط باب يجوز الإقتداء به، اذا كان مغلقا اذا لم يخف عليه احوال الإمام جاز عنده، وروي عنه ايضا اذا كان الحائط مصمتا وقد وقف علي احوال الإمام لا يمنع الإقتداء هو الأصح كذا ذكره البقالي انتهي.
افاد بظاهره جواز الإقتداء من منتهي المدارس والبيوت بعد ان لا يخفي عليه حال الإمام سماعا او رؤية وسواء كان الحائط صغيرا او كبيرا امكنه الوصول الي الإمام او لم يمكنه، كما اختاره قاضي خان. قال: عقيب ما نقله عن شمس الأئمة من ان العبرة في هذه لإشتباه حال الإمام وعدم الإشتباه لا التمكن من الوصول الي الإمام، ثم قال والذي يصحح هذا الإختيار ما روينا ان رسول الله صلي الله عليه وسلم كان يصلي في حجرة عائشة رضي الله عنها والناس يصلون بصلاته ونحن نعلم انهم كانوا لا يتمكنون اليه في حجرة عائشة رضي الله عنها انتهي. تتمة يقع كثيرا عند الإقتداء بالإمام القائم في المحراب ان المأموم عند الركن بحيث يكون شطره في جهة الإمام شطره الأخر في الجهة الأخري، قال: شيخ مشائخنا العلامة القاضي علي ابن جار الله بن ظهيرة الحنفي ينبغي عدم الجواز احتياطا انتهي.
ويقع ايضا في زمن الأيام والليالي المباركة كثرة النساء في المسجد الحرام، ويصلون مع الإمام القائم في المحراب والحال انهم صفوف عديدة والرجال خلفهن مقتدون بالإمام ايضا، والمذهب بطلان صلاة من خلفهن من الرجال اذا كن صفا او ثلاثة فليتنبه لذلك وينبه عليه لانا رأينا كثيرا من يجهل ذلك قال قاضي خان قوم صلوا علي ظهر ظلة في المسجد وتحت قدامهم نساء او طريق لا تجوز صلاتهم لان الطريق وصف النساء مانع انتهي.
وفيه فان كن ثلاثا في ظاهر الرواية تفسد صلاتهم ثلاثة من الرجال من كل صف الي اخر الصفوف وتجوز صلاة الباقين، وان كن صفا واحدا تفسد صلاة الكل وفي بعض الروايات ان كن ثلاثا فهو صف حتي لا تجوز صلاة الكل انتهي. وفي الكفاية عن المبسوط وام كن ثلاثا وقفن في الصف يفسدن صلاة من عن بيمينهن، ومن عن يسارهن وصلاة ثلاثة ثلاثة خلفهن الي اخر الصفوف انتهي.
وفي الإختيار ولو كان النساء صفا تاما فسدت من خلفهن من الصفوف، وفي الثلاثة يفسدن صلاة خمسة. وعن محمد يفسدن صلاة ثلاثة الي اخر الصفوف، وهو الصحيح والمختار علي قول أبي حنيفة وكذلك عن أبي يوسف في المرأتين انتهي.
أقول: ولا يشترط البطلان عدم الفرجة بين صف الرجال والنساء كما توهَّمه كثير، لأن ذلك شرط في صورة المحاذاة وليس بشرط في صورة ما اذا صرن حايلات وما نقلنا عن قاضي خان شاهد بذلك فتنبه له لا تغفل.
المقصد الثالث: اعلم وفقك الله للخير أن فناء المسجد حكمه حكم المسجد قال قاضي خان فنأ المسجد له حكم المسجد، حتي لو قام في فنأ المسجد وقتدي بالإمام صح اقتدائه وان لم تكن الصفوف متصلة ولا المسجد مالاء نا اليه اشار محمد رحمه الله وفي اللفيف سطح المسجد وظلة بابه كحكمه انتهي.
وفي القنية فنا المسجد ما كان عليه ظلة المسجد، اذا لم تكن ممرا للمسلمين انتهي.
وفي شرح الكنز للرازي حيز الشيء يعطى له حكمه كفناء الدار يعطى له حكم الدار حتي يجوز لصاحبها الإنتفاع بها انتهي.
ولم ار حكم جواز الإعتكاف في فناء مسجد مكة كباب السلام والمدينة والم كة التي بباب جبريل بالمدينة المنوَّرة والله اعلم.
المقصد الرابع: نقول الوضوء في المسجد مكروه كراهة تحريم، كما هو ظاهر أصل المذهب عند الإطلاق. قال: في الظهيرية يكره ان يتوضأ في المساجد عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالي الا ان يكون موضعا اتخذ لذلك كما في النصاب انتهي.
وفي مختارات النوازل ويكره التوضئ في المسجد عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله الا اذا اعد لذلك موضع لا يصلي فيه وفي تجريد الكرماني، وكره أبو حنيفة وأبو يوسف الوضوء في المسجد وقال محمد لا بأس به الا اذا لم يكن عليه قذر انتهي وفي الروضة الماء المستعمل طاهر. وفي المجرد عن أبي حنيفة رحمه الله تعالي أنه قال نجس وان عجز به عجين يؤكل وليس بنجس ولا اكره شربه، وهذا لفظ بن رستم انتهي.
اقول: ظاهر جواز التوضئ في محل اعد لذلك يوذن بأن الكراهة تنزيهية، لكن وقع في شرح القدوري للأقطع ما يمنع ذلك حيث قال للإمام أن الماء المستعمل مستقذر في العادة، ولذلك يكره شربه ويجب ان يجنب المسجد ما يستقذر، واما أبو يوسف فمن أصله انه نجس، واما محمد فمن اصله انه طاهر فصار كاللبن انتهي.
والحاصل: ان علي كلا القولين لا دليل علي وجوب تعزير فاعله لأن فعله ليس بحرام عند القايل بالكراهة بل قريب الي الحرام بمعني انه يتعلق به محذور دون استحقاق العقوبة بالنار كحرمان الشفاعة كما في التلويح وغيره.
المقصد الخامس: والمنع الواقع في كتب المتقدمين من الصلاة علي الميت في المسجد، حمله بعضهم علي الكراهة التحريمية، وهو ظاهر وبعضهم حكي الخلاف قال في الهداية لا يصلي علي الميت في مسجد جماعة انتهي.
وفي مختارات النوازل لا يصلي صلاة الجنازة في مسجد يصلي فيه الجماعة عندنا للحديث سواء كان الميت في المسجد او خارجا منه، في ظاهر الرواية وفي رواية اذا كان الميت خارج المسجد لا يكره انتهي. قال: في المواهب وتكره الصلاة عليها في مسجد جماعة تنزيها او تحريما انتهي.
وفي الجوهرة قيل تحريما، وقيل تنزيها وفي الدرر والغرر وكرهت في مسجد هو فيه كراهة تحريم في رواية وتنزيه في اخرى انتهي. وفي تنوير الأبصار وتكره تحريما انتهي.
وفي رسالة لإبن الضيا الحنفي والكراهية اذا احتملت التحريم او التنزيه، هنا كما وقع في بعض الكتب للأحصي اب فالحمل علي التحريم اولي واظهر لقرينة عدم الجواز وترجيح جانب التحريم، كما ورد والقول بالجواز بلا كراهة، خطأ بين لا قائل به الا رواية شاذة عن أبي يوسف رحمه الله تعالي وفي النصاب ويحتسب علي من مصلي صلاة الجنازة في المسجد الذي تقام فيه الجماعة لأنه مكروه انتهي.
وفيه ذكر في شرح الكرخي قال النبي صلي الله عليه وسلم: "جنبوا مساجدكم صبيانكم لانه لا يومن منهم النجاسة". وهذا المعني موجود في الميت انتهي.
وهذا اخر ما قصدناه من الجمع، ولله الحمد والمنة، ونسأل الله القبول والإخلاص في الأعمال والأقوال وصلي الله علي سيدنا محمد وعلي اله وصحبه وسلم.