القدر المسنون في الاعتكاف
للإمام عالم محمد بن حمزة الآيديني الكوز لحصاري
توفي في سنة (1121 هـ)
تحقيق:
هند أحمد خليل حسن
إشراف:
د. رأفت الصعيدي
جارٍ تحميل الكتاب…
القدر المسنون في الاعتكاف
للإمام عالم محمد بن حمزة الآيديني الكوز لحصاري
توفي في سنة (1121 هـ)
تحقيق:
هند أحمد خليل حسن
إشراف:
د. رأفت الصعيدي
القدر المسنون في الاعتكاف
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى
اعلم أنَّ القدر المسنون من الاعتكاف (¬1)، إنما هو اعتكاف العشر الأخير كله من رمضان، إلّا ما خص منه، لا بعض منه، كساعة كما توهمه بعض الناس، دلَّ عليه كلام علمائنا (¬2) وما استدلُّوا به عليه من الأحاديث.
¬
(¬1) وَالِاعْتِكَافُ الِاحْتِبَاسُ فِي الْمَسْجِدِ وَكَذَا الْعُكُوفُ وَقَدْ عَكَفَ يَعْكُفُ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ وَقِيلَ هُوَ الْإِقَامَةُ وَالْعَكْفُ الْحَبْسُ وَالْوَقْفُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} [الفتح: 25].
(¬2) يعني أن بهذا الطعن طعن على الفقهاء بل على الحديث الشريف، وهذا لا ينبغي لأن الفقهاء قالوا لا يخرج المعتكف إلا لحاجة شرعية أو طبيعية.
قال الشيخ "شهاب الدين الشَمّني" (¬1): في قول "مختصر الوقاية" (¬2): الاعتكاف، سنة، و"قال القدوري" (¬3): مستحب (¬4).
والحق: أنه ينقسم إلى:-
1. واجب وهو المنذور.
2. وإلى سنة مؤكدة، وهو العشر الأخير من رمضان.
3. وإلى مستحب، وهو ما عدا ذلك.
روى الجماعة (¬5) من حديث عائشة - رضي الله عنه -: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف العشر الأخير من رمضان، ثم اعتكف أزواجه بعده» (¬6) انتهى.
¬
(¬1) أحمد بن محمد بن محمد بن حسن ابن علي الشمني القُسَنْطيني الأصل، الإسكندري. أبو العباس، تقي الدين: محدّث مفسر نحوي. ولد بالإسكندرية، وتعلم ومات في القاهرة. من كتبه شرح المغني لابن هشام، و مزيل الخفا عن ألفاظ الشفا، كمال الدراية في شرح النقاية في فقه الحنفية. (ينظر الأعلام للزركلي ج1 ص 230، المجموعة التاجية-مخطوط- وخزائن الكتب 63 وحوادث).
(¬2) شرح النقاية مختصر الوقاية لتقي الدين أحمد الشمني نسخة 981هـ -1835م مخطوط مخطوطات تركية- فاتح
(¬3) القُدُوري، أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان أبو الحسين القدوري: فقيه حنفي. ولد ومات في بغداد. انتهت إليه رئاسة الحنفية في العراق، 428 هـ - 1037 م وصنف المختصر المعروف باسمه، القدوري، في فقه الحنفية. ومن كتبه، التجريد في سبعة أجزاء يشتمل على الخلاف بين الشافعيّ وأبي حنيفة وأصحابه، وكتاب النكاح. ينظر الأعلام للزركلي ج1 ص212 و والجواهر المضية ج1 ص93.
(¬4) كتاب مختصر القدوري، ص65
(¬5) والجماعة في عرف أصل الحديث عبارة عن أئمة السنة وهم: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، فإذا قيل رواه الجماعة يراد أنه رواه أصحاب هذه الكتب.
(¬6) رواه مسلم ج 3 ص 47
وقال الشيخ الإمام، "كمال الدين ابن الهمام" (¬1): «قال "القدوري": الاعتكاف مستحب، قال "المصنف": «والصحيح أنها سنة مؤكدة، والحقّ خلاف كل من الإطلاقين، بل الحق أن يقال الاعتكاف ينقسم إلى واجب وهو المنذور، تنجيزًا أو تعليقًا، وإلى سنة مؤكدة، وهو اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، وإلى مستحب وهو ما سواهما.
ودليل السنية حديث عائشة - رضي الله عنه - في "الصحيحين" (¬2) وغيرهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى ثم اعتكف أزواجه بعده (¬3)، فهذه المواظبة المقرونة بعدم الترك مرة، لما اقترنت بعدم الإنكار على من لم يفعله من الصحابة كانت دليل السّنيّة، وإلا لكانت تكون دليل الوجوب (¬4).
¬
(¬1) ابن الهُمَام، محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد ابن مسعود، السيواسي ثم الإسكندري، كمال الدين، المعروف بابن الهمام: إمام، من علماء الحنفية. عارف بأصول الديانات والتفسير والفرائض والفقه والحساب واللغة والموسيقى والمنطق. 861 هـ -1457 م توفي بالقاهرة. من كتبه، فتح القدير، في شرح الهداية، ثمانية مجلدات في فقه الحنفية، التحرير في أصول الفقه والمسايرة في العقائد المنجية في الآخرة، ومختصر في فروع الحنفية. ينظر الأعلام للزركلي والجواهر المضية 2: 86 في الحاشية.
(¬2) وهما صحيح البخاري، وصحيح مسلم.
(¬3) صحيح البخاري، ج2، ص713.
(¬4) هذا الكلام منسوخ لبيان كونه سنة مؤكذة فقط كما لا يخفى (حاشية نسخة الملك)
أونقول اللفظ وإن دلّ على عدم الترك ظاهرًا، لكن وجدنا صريحًا يدلّ على الترك؛ وهو ما في "الصحيحين" وغيرهما، «كان النبي - صلى الله عليه وسلم -، يعتكف في كل (¬1) رمضان فإذا صلى الغداة جاء إلى مكانه الذي اعتكف فيه (¬2)، فاستأذنته عائشة - رضي الله عنه - فأذن لها فضربت قبّة، (فسمعت حفصة - رضي الله عنه -، فضربت قبّة) (¬3) أخرى، فسمعت زينب - رضي الله عنه -، فضربت قبّة أخرى، فلما انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الغداة، أبصر أربع قباب، فقال: ما هذا؟ فأخُبر خبرَهُنَّ، فقال: ما حملهن على هذا البر؟ انزعوها فلا أراها، فنُزِعَتْ، فلم يعتكف في شهر رمضان حتى اعتكف العشر (الأخير) (¬4) الأول من شوال هذا.
وأما اعتكاف العشر الأواسط فقد ورد أنه - صلى الله عليه وسلم - اعتكفه (¬5)، فلمّا فرغ أتاه جبرائيل عليه السلام فقال: إن الذي تطلب أمامك، يعني ليلة القدر، فاعتكف العشر الأواخر» (¬6). انتهى.
وأخرج "البخاري" عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين» (¬7).
¬
(¬1) ساقطة من ب
(¬2) فعلى هذا كيف يصح قول كمال الدين ابن الهمام المواظبة المقارنة بعدم الترك ويعتذر له بأن هذا الترك في القصد لوزر فكان كان كما في الفتاوى الظهيرية، والعذر ما ذكر في الحديث من وضعهن القباب من استئذان منه - صلى الله عليه وسلم -.
(¬3) ساقطة من ب
(¬4) زيادة في ب
(¬5) في ب اعتكف
(¬6) فتح القدير ج2، ص389
(¬7) صحيح البخاري، ج2،ص719
وأخرج "ابن المنذر" (¬1) عن أبيّ بن كعب - رضي الله عنه -: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فسافر عامًا فلم يعتكف، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين ليلة» (¬2)، ذكره " ابن بَطَّال " (¬3) "في شرح البخاري" (¬4).
وجه الاستدلال؛ أن العشر الأواخر ظرف زمان تعلّق بتقدير في بفعل ممتدّ هو الاعتكاف، وقد تقررّ (¬5) في علم الأصول أنّ ظرف الزَّمان إذا تعلّق بفعل ممتدّ بتقدير في نحو صمت السنة يقتضي الاستيعاب، بخلاف ما إذا تعلق به بذكر في نحو صمت في السنة فإنه لا يقتضيه ولا عدمه، فثبت رواية و دراية إن القدر المسنون من الاعتكاف إنما هو اعتكاف جميع العشر الأخير من رمضان.
إلَّا أنه خصَّ منه قدر الخروج لحاجة ضروريّة بدنية كقضاء الحاجة، أو دينيّة كأداء الجمعة، إذا اعتكف في مسجد غير جامع على ما هو المشهور وفي كتب المذهب مسطورًا. (¬6)
¬
(¬1) محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، أبو بكر، فقيه مجتهد، من الحفاظ، كان شيخ الحرم بمكة، من مؤلفاته: المبسوط، والأوسط في السنن والإجماع والاختلاف،،الإشراف على مذاهب أهل العلم، ت 319هـ. (ينظر الأعلام ج5، ص294، تذكرة الحفاظ ج3، ص4).
(¬2) الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر ج3،ص158
(¬3) (علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال، أبو الحسن: عالم بالحديث، من أهل قرطبة. 449 هـ - 1057م " شرح البخاري، (ينظر الأعلام للزركلي ج4 ص285، وشذرات الذهب ج3، ص283)
(¬4) شرح صحيح البخاري لابن البطال، ج4، ص181
(¬5) في غيرها تقدر
(¬6) المسطور في ب
أخرج أبو الدرداء عن عائشة - رضي الله عنه - أنها قالت: «السنة على المعتكف أن لا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة، ولا يمسَّ امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلّا لما لا بد منها» (¬1)، وأخرج "الشيخان" عن عائشة - رضي الله عنه - أنها قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يدخل البيت إلّا لحاجة الإنسان إذا كان معتكفًا» (¬2).
قال الإمام "فخر الدين الزيلعي" (¬3): «تريد البول، والغائط، وهكذا، فسّره "الزُهري"» (¬4) انتهى.
ويدل على ما ادّعيناه أيضَا ما ذكره الشيخ "الإمام كمال الدين ابن الهمام" في " شرح الهداية " من أن: «مقتضى النظر أنه لو شرع في المسنون أعني العشّرالأواخر بنيّته ثم أفسده، أن يجب قضاؤه تخريجًا (¬5) على قول أبي يوسف، في نفل الصلاة ناويًا أربعًا لا على قولهما.» (¬6) انتهى.
وأما الترخص (¬7) في الخروج أقل من نصف يوم، بما ذهب إليه "أبو يوسف ومحمد" «من أن المعتكف إذا خرج أقل من نصف يوم لا يفسد اعتكافه» (¬8) فلا يفيد وجود القدر المسنون عندهما، ولا الجواز، والحلّ، إذ لا يستلزمهما عدم الفساد (¬9)،
¬
(¬1) سنن أبي داود ج2، ص310
(¬2) صحيح البخاري ج2، ص714
(¬3) عثمان بن علي بن محجن البارعي، فخر الدين الزيلعي، فقيه حنفي شارح الكنز من مؤلفاته: تبين الحقائق في شرح كنز الدقائق، وتركة الكلام على أحاديث الأحكام، وشرح الجامع الكبير. (
(¬4) تبين الحقائق ج1،ض350
(¬5) لعل وجه الاستدلال على المدعي بما في كلام كمال الدين ابن الهمام: أن في تلك الصورة يلزمه قضاء عشرة أيام وفيه كلام ذكرناه في رسالتنا المعهولة في الاعتكاف.
(¬6) فتح القدير ج2، ص393
(¬7) وإنما زيادة في ب
(¬8) ساقطة من ب
(¬9) فإن عبث المصلي ببدنه أو ثوبه مثلا لا يفسد الصلاة ما لم يبلغ حدَّ الأكثر وهو مع ذلك مكروه وغير جائز بل مِرْي.
«وإنما يستلزم استجماع الشرائط والأركان وانتفاء المنام، في.» (¬1) بل قد أخرج محمد في "مؤطئه": عن عائشة - رضي الله عنه - أنها قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اعتكف يُدني إليَّ رأسه فأرجّلُهُ، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان. ثم قال: قال محمد: وبه نأخذ، لا يخرج الرجل إذا اعتكف الّا لغائط أو بول (¬2).
وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، (وقد انتهى) (¬3).
على أن الشيخ الإمام "كمال الدين ابن الهمام" قال: «في قول صاحب "الهداية"، وقالا (¬4): لا يفسد حتى يكون نصف يوم وهو الاستحسان، لأن في القليل ضرورة (¬5)، وأنا (¬6) لا أشك أن من خرج من المسجد إلى السوق للَّعب (¬7)، أو اللهو، أو القمار، من بعد الفجر إلى ما قبل نصف النهار، كما هو قولهما، ثم قال: «يا رسول الله أنا معتكف، قال: ما أبعدك عن العاكفين، ولا يتمُّ مبنى هذا الاستحسان (¬8) فإن الضرورة التي (¬9) يناط بها التخفيف: هي الضرورة اللازمة أو الغالبة الوقوع، ومجرّد عروض ما يلجيء، ليس بذلك. ألا يُرى أنّ مَن عَرَضَ له في الصلاة مدافعة الأخبثين على وجه عَجَزَ عن دفعه حتى خرج منها لا يقال ببقاء صلواته، مع أنه يحكم به مع السَّلَسَ مع تحقق الضرورة والإلجاء وسُمِّىَ ذلك معذورًا دون هذا، مع أنهما يجيزانه بغير (¬10) ضرورة أصلا.
¬
(¬1) ساقطة من ب
(¬2) موطأ الإمام محمد 132.
(¬3) ساقطة من أ
(¬4) أنها كلام صاحب الهداية والراجح قولهما.
(¬5) وجه الاستحسان
(¬6) مقول القائل كمال الدين
(¬7) لعب كسمع لَعبًا و لِعبا ولُعبا تلعابا قاموس
(¬8) أي يصححانه ولا يفسدانه به كما يدل عليه لحاق كلامه
(¬9) ساقطة من ب
(¬10) في نسخة الملك لغير
إذ المسألة هي أن خروجه أقل من نصف يوم لا يفسد مطلقًا سواء كان لحاجة أو لا (¬1)، بل اللعب.
ولو سلّم أن القليل غير مفسد لم يلزمه تقديره، بما هو قليل بالنسبة إلى مقابله من بقية تمام يوم، بل بما يعدّ كثيرًا في نظر العقلاء الذين فهموا معنى العكوف، وأن الخروج ينافيه.» (¬2) انتهى.
وأمّا تشبّثهم (¬3) لإثبات (¬4) ما توهموه، بقول علمائنا، وأقل النفل ساعة بناء على شموله النفل للسنة المؤكدة، ففاسد (¬5)، إذ على تقدير تسليمه لا يلزم من كون الشيء أقل الأعم كونه أقل الأخصّ.
والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وهو حسبي ونعم الوكيل.
نجزت الرسالة بحول الله وقوته على يد العبد الضعيف والمذنب النحيف، عالم محمد بن حمزة عفا عنهما الملك ربُّ العزة الآيدني الكوز الحصارى، في اليوم التاسع من جمادى الآخرة من سنة خمس ومائة وألف من هجرة أفضل (¬6) من ارتوى بالعز والشرف، صوات الله تعالى عليه وعلى سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين وعلى سائر عباد الله الصالحين من أهل السموات والأرضين. تم
¬
(¬1) قوله بما يعدّ كثيرًا معطوف على قوله بالنسبة بتقدير مضاف أي باعتبار ما يعدّ كثيرًا وبالنسبة إليه أو ما قوله بما هو قليل بتقدير مضاف أيضًا أي بمقابل ما يعد كثيرًا، والأول أنسب بالسوق والثاني أقرب إلى الفهم. إشارة إلى منع شمول النفل للسنة المؤكدة بسند أن المتبادر منه مجرد النفل.
(¬2) فتح القدير ج2، (295 - 297).
(¬3) أي بعض الناس السابق في أول الكلام
(¬4) تبيتههم في ثبات - في أ
(¬5) إشارة إلى منع شمول النفل للسنة المؤكدة يستدل أن المتبادر منه مجردّ النفل
(¬6) سااقطة من أ