رفع الغشا عن وقتي العصر والعشاء
للإمام زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
براءة محمد علي أبو رمان
إشراف:
د. براء السعدي
جارٍ تحميل الكتاب…
رفع الغشا عن وقتي العصر والعشاء
للإمام زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
براءة محمد علي أبو رمان
إشراف:
د. براء السعدي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي ينصر الحق ولو بعد حين، ويظهر الصدق ويفضح الكاذبين، وينشر العدل في الخلق ويقمع المبطلين، والصلاة والسلام على خير خلقه سيد المرسلين، وعلى اله وصحبه اجمعين.
وبعد:
فهذه رسالة في وقتي العصر والعشاء على مذهب الإمام الاعظم أبي حنيفة النعمان أذكر فيها مذهبه ودليله والجواب عن ما يعارضه، ألفتُها حين رأيت كثيرا من الناس قد تركوا هذا المذهب حتى من الحنفية في زماننا بحيث يصلون هاتين الصَّلاتين قبل دخول وقتهما على مذهبهم معتمدين قول الصَّاحِبَين غافلين عن قول صاحب المذهب، فأقول وبالله التوفيق بعد تسميتها:
بـ «رفع الغشا عن وقتي العصر والعشاء».
أما وقت العصر فروي عن الامام ابي حنيفة رحمه الله (في أوله) روايتان: الاولى رواها محمد رحمه الله عنه أن أوَّله إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى فيء الزوال.
والثانية رواها انها الحسن عن الامام ابي حنيفة رحمه الله أنه إذا صار ظل كل شيء مثله سوى فيء الزوال، وهو قول ابي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى.
الأولى: قول الامام ابي حنيفة رحمه الله قال في «البدائع» أنها المذكورة في الاصل وهو الصحيح، وفي النهاية انها ظاهر الرواية عن الإمام ابي حنيفة، وفي غاية البيان وبها اخذ ابو حنيفة رحمه الله تعالى، ثم قال: وهو المشهور عنه، وفي المحيط والصحيح قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
وفي «الهداية»: أنه عند ابي حنيفة، وفي الينابيع وهو الصحيح عن ابي حنيفة)، وفي تصحيح القدوري للشيخ قاسم أن برهان الشريعة المحبوبي اختاره،
وَعَوَّلَ عليه النسفي رحم الله وَوافقه صدر الشريعة ورجح دليله.
قال: وفي «العتابية» وَاوَّل وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه وهو المختار وانتهى. وفي شرح المجمع للمصنف رحمه الله أنه مذهب ابي حنيفة، وجزم به في الكنز مع تصريحه في ديباجة الكتاب بأنه موضع للفتوى، واختاره في المختار مقتصراً عليه.
ورجح الزيلعي رحمه الله دليله واجاب عن دليلهُما، وافقه الشّمني في شرح النقاية ويؤيده ما ذكره في انفع الوسائل من أنه لا عبرة بنقول الفتاوى إذا عارضتها نقول المذهب، وإنما يستأنس بما في الفتاوى إذا لم يوجد ما يخالفها من كتب المذهب، فثبتت بهذه النقول من الكتب المعتبرة المصحَّحة المشهورة مذهب الإمام ابي حنيفة وأنه أصح من قولهما، وأنه المختار للعمل والفتوى مع أنه لا يحتاج قول الإمام ابي حنيفة رحمهُ الله في العمل به إلى تصحيح المشايخ.
بما نقله قاضي خان رحمه الله في فتاواه أن الإمام أبي حنيفة رحمه الله إذا خالفه صاحباه يعمل بقوله لا بقولهما كما اختاره الإمام عبد الله من المبارك رحمه الله إلا في بعض مسائل يسيرة كالمزارعة والمعاملة لَضرورة تعامل الناس أو لاختلاف عصرٍ وزمانٍ، ورجحه الشيخ (العلامة) قاسم في تصحيح القدوري واعتمده وحيث ثبت أن وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه وأنه مذهب الامام ابي حنيفة رحمه الله وصحَّحه المشايخ رحمهم الله واختاروه.
وَجَبَ على مُقلد الإمام أبي حنيفة رحمه الله العمل بقوله ولا يجوز له العمل بقول غيره، لما نقله الشيخ العلامة قاسم في تصحيحه عن جميع الاصوليين أنه لا يصح الرجوع عن التقليد بعد العمل بالاتفاق، وهو المختار في المذهب.
وَأما ما نقله بعض حنفية زمانِنا من أن الفتوى على قولهما فعلى تقدير وجوده فهو (في) كتاب غريب غير مشهور، وغير المشهور لا يجوز الافتاء بما فيه لما قاله الإمام المحقق كمال الدين بن الهمام رحمه الله في شرح الهداية أنه لا يفتي إلا المجتهد.
وقد استقر راي الاصوليين على أن المفتي هو المجتهد، فأما غير المجتهد ممن يحفظ أقوال المجتهدين فليس بمفتٍ، والواجب عليه إذَا سئل أن يذكر قول المجتهد كالإمام أبي حنيفة رحمه الله على جهة الحكاية، فعُرف إنما يكون في زماننا من فتوى المجتهدين ليس بفتوى بل هو نقل كلام المفتي ليأخذ به المستفتي، وطريق نقله كذلك عن المجتهد احد امرين: إما أن يكون له سنداً فيه اليه، أو يأخذه من كتاب معروفٍ تداولته الأيدي نحو: كتب محمد بن الحسن، ونحوها من التصانيف المشهورة للمجتهدين؛ لأنه بمنزلة الخبر المتواتر عنهم أو المشهور، هكذا ذكره الإمام الرازي رحمه الله فعلى هذا لو وجد في بعض النسخ النوادر في زماننا لا يحل عزوها إلى محمد ولا إلى أبي يوسف؛ لأنها لم تشتهر في عصر ديارنا، ولم تتداول (نعم إذا وَجَدَ النقل عن النوادر) مثلا: في كتابٍ مشهور (معتبر) كالهداية، والمبسوط كان ذلك تعويلاً على ذلك الكتاب انتهى كلام المحقق رحمه الله.
فقد أفاد أنه من كتابٍ غير مشهور لا يحل، ولو لم يوجد ما من الكتب المشهورة فكذا لا يحل الإفتاء والاعتماد على غير المشهور مع مخالفة المشهور هذا كله باعتبار نقل الحكم عن صاحب المذهب.
وَأما دليله أحاديث (فأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم)، منها: حديث صحيح رواه البخاري عن ابي ذر رضي الله عنه قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفرٍ فأراد المؤذن أن يؤذن فقال له: أبرد حتى ساوى الظل التلول فقال صلى الله عليه وسلم إن شِّدَّة الحر من فيح جهنم» الحديث فقد بقى الظهر بعد صيرورة ظل كل شيء مثله.
ومنها ما رواه الترمذي عن الإمام ابي حنيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن للصَّلاة اولاً واخراً وإن اخر وقت الظهر حين يدخل وقت العصر».
وفسره ابو هريرة رضي الله عنه في رواية مالك عنه أنه قال: وصلي الظهر إذا كان ظلك مثلك، وصل العصر مثليك.
ومنها ما استدل به صاحب الهداية، وصاحب البدائع، والاتقان في غايه البيان، وَالسغناقي في النهاية، والزيلعي في التبيين رحمة الله عليهم وغيرهم، وهو ما رواه البخاري مسنداً الى ابي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبردوا بالظهر فان شِّدَّة الحر من فيح جهنم».
ووجه الاستدلال أن الابراد يحصل بصيرورة ظل كل شيء مثله فإن الحر لا يفتر خصُوصاً في بلادهم.
ومنها ما استدل به في النهاية، والبدائع، والتبيين، وشرح النقاية وشرح المجمع للمصنف وغيرهم، وهو ما ثَّبت في الصحيحين، أنه عليهِ السلام قال: «مثلكم ومثل اهل الكتابين (كمثل) رجل استأجر اجيراً فقال: من يعمل لي من غدوةٍ إلى نصف النهار على قيراطٍ؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من العصر الى غروب الشمس على قراطين؟ فأنتم هُمْ، فَغَضِبَت اليهود والنصارى، وقالوا: كنا اكثر عملاً واقل عطاء، قال: هَل ظَلمتَكم من اجرِكُم شيءَ، قالوا: لا، قال: فَذلك فَضْلي اعطيهِ مَن أشاء».
ووجه الاستدلال انه ضرب (قصر) المدَّة لقلة العمل مثلاً فكانت مده العصر أقصر، ولن تكون النصارى اكثر عملاً إلا على قول الإمام ابي حنيفة رحمه الله.
فإن قيل: من الزوال الى صيرورة ظل كل شيء مثله أكثر من صيرورة ظل كل شيء (مثله) إلى اخر النهار فيتحقق كون النصارى اكثر عملاً على هذا التقدير؟ أجيب بأن التَّفاوت بين هذين الوقتين يسيرٌ لا يعرفه الحساب والمراد من الحديث، تَّفاوت يظهر لكل أحد من الأمة فثبت بهذه الاحاديث مذهب الإمام ابي حنيفة رضي الله عنه.
واما ما استدل به الصَّاحبان من إمامة جبريل عليه السلام وهو ما رواه ابو داوود والترمذي رضي الله عنهما، (قال حسن صحيح الإسناد) عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمَّني جبريل عليه السلام عند البيت مرتين فصلى الظهر في الاولى حين كان الفيء مثل الشراك، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثل ظله، ثم قال: وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شيء مثله كوقت العصر بالأمس، (ثم صلى العصر) حين كان ظل كل شيء مثليه» الحديث فهو منسوخ بهذه الاحاديث التي ذكرها؛ لأن الظاهر اعتبار كل حديث روي مخالفاً لحديث جبريل عليه السلام ناسخاً لما خالفه فيه لتحقق تقدم إمامة جبريل على كل حديث روي في الأوقات؛ لأنه اول ما علمه اياه كذا في فتح القدير.
وفي البدائع، وخبر إمامة جبريل عليه السلام منسوخ في المتنازع فيه فان المروي أنه صلَّى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلَّى فيه العصر (في اليوم) الاول، والاجماع منعقد على تغاير وقتي الظهر والعصر فكان الحديث منسوخاً في الفرع ولا يقال معنى ما روي أنه صلَّى العصر في اليوم الاول حين صار ظل كل شيء مثله أي بعد ما صار، ومعنى ما روي انه صلى الله عليه وسلم صلَّى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله أي قرب من ذلك فلا يكون منسوخاً لأنا نقول هذا نسبة النبي صلى الله عليه وسلم الى الغفلة، وعدم التمييز بين الوقتين أو إلى التساهل في أمر تبليغ الشرائع، والتسوية بين امرين مختلفين وترك ذلك منها من غير بيان منه أو دليل يمكن الوصول به الى الافتراق بين الامرين ومثله لا يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم انتهى بلفظه.
فالحاصل أن إمامة جبريل عليه السلام في اليوم الاول في وقت العصر إما منسوخة بإمامته في اليوم الثاني أو باحاديث بعدها، وفي الهداية وإذا تعارضت الاثار لا ينقضي الوقت بالشك، وذكر المصنف رحمه الله في شرح المجمع إنّ رواية الحديث قد اختلفت فروي أنه صلى الله عليه وسلم صلَّى في اليوم (الثاني) حين صار ظل كل شيء مثله، وروي حين صار ظل كل شيء مثليه فأوقع هذا الخلاف شكاً في وقت دخول العصر، والاصل بقاء الوقت الاول لثبوته قطعاً، فلا يرتفع إلا بيقين مِثله فلا يدخل الوقت الثاني بالشك يعضله ما روَياه من انه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله وحقيقة اللفظ مما يدل عليه بقاء وقت الظهر حينئذ على أننا نقول الباب باب العبادة، والاخذ بالاحتياط فيها أولى، وما ذهبنا إليه وقت العصر بالاتفاق فالمروي فيه يخرج عن العهدة بيقين فكان الاخذ به اقرب إلى الاحتياط انتهى كلامه بلفظ.
وفي النهاية معزبا الى فتاوى شيخ الإسلام رحمه الله) قال مشايخنا رحمهم الله: والاحتياط أن لا يؤخِّر الإنسان صلاة الظهر إلى أن يصير ظل كل شيء مثله سوى فيء الزوال، وأن لا يصلي العصر حتى (لا) يصير ظل كل شيء مثليه حتى تكون الصلاتان في وقتهما بالإجماع انتهى.
فقد علمت من هذا أن مذهب الامام ابي حنيفة رضي الله عنه في اول وقت العصر هو الاحتياط وقد صرح المحقق بن همام رحمه الله في شرح الهداية أن الاحتياط: هو العمل بأقوى الدليلين، وأن العمل به واجبٌ فظهرة بهذا أن الصواب ما ذهب اليه الإمام أبي حنيفة وأن العمل به على مقلديه واجبٌ، والافتاء بغيره لا يجوز لهم؛ لأنه لا يرجح قول صاحبيه أو أحدهما على قوله إلا لموجب وهو: إما ضعف دليل الامام رحمه الله، وإما للضرورة والتعامل لترجيح قولهما في المزارعة والمعاملة، وإما لأن خلافهما له بسبب اختلاف العصر والزمان وأن الامام ابا حنيفة لو شاهد ما وقع في زمنهما لَوافَقَهُما لعدم القضاء بظاهر العدالة، وكترجيح قول ابي يوسف في بعض مسائل القضاء لكونه باشره وقد فقد جميع ذلك في مسألتنا ويؤيده ذلك ما اشار إليه صاحب الاختيار من أن الاعتماد إنما هو على قول الإمام ابي حنيفة رحمه الله ألا أنه الاول والاولى، ومما يدل على أنه لا يحل الإفتاء بما في الكتب التي لم تشتهر.
ما نقله الامام الزاهد رحمه الله في القنية من انه لا يجوز للمفتي أن يفتي بمسالة حتى يعلم من اين قلنا هل يحتاج في زماننا هذا ام يكفيه الحفظ؟ فقال: يكتفي بالحفظ نقلاً عن الكتب المصححة، وفي اصول الفقه للإمام لابي بكر الرازي رحمه الله فأما ما يوجد من كلام رجل ومذهبه في كتاب معروف به قد تداولته النسخ يجوز لمن نظر فيه أن يقول: قال فلان كذا، وفلان كذا، وإن لم يسمعه من احدٍ نحو كتب محمد بن حسن، وموطأ مالك، ونحوها من الكتب المصنفة في اصناف العلوم؛ لان وجودها على هذا الوصف في منزله الخبر المتواتر والاستفتاء منه لا يحتاج مثله الى إسناد انتهى.
وقد نقلناه عن المحقق فلا حاجه اليه، وأما وقت العشاء فاتفق الإمام ابو حنيفة وصاحباهُ رحمة الله عليهم أن اوّله حين يغيب الشَّفق، واختلفوا في تفسيره، عند الإمام ابي حنيفة رضية الله عنه هو البياض وهو مذهب ابي بكر الصديق وعمر ومعاذ وعائشة رضي الله عنهم أجمعين، وعند ابي يوسف ومحمد رحمهما الله هو الحمرة وهو قول عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم، وهو رواية اسد بن عمرو وعن الإمام ابي حنيفة قال المحقق ابن الهمام رحمه الله في شرح الهداية: ومن المشايخ من اختار الفتوى على رواية اسد بن عمرو وعن الإمام ابي حنيفة كقولهما وَلَا تساعده روَاية ولا دراية، أما الاول فَلِأنَه خلاف الرواية الظاهرة عنه، وَأما الثاني فلِما قدمناه في حديث بن فضيل رضي الله عنه وأن اخر وقتها حين يغيب الافق وغيبوبته بسقوط البياض الذي يعقب الحمرة، وإلا كان بادياً ويجيئ ما تقدم اعني اذا تعارضت الاخبار لم ينقض الوقت بالشك.
وقد نقل عن ابي بكر الصديق ومعاذ بن جبل وعائشة وابن عباس في رواية وابي هريرة وبه قال: عمر بن عبد العزيز والاوزعي والمزني وابن المنذر والخطابي واختاره المبرد وتغلب رضي الله عنهم، ولا ينكر أنه يقال على الحمرة يقولون عليه ثوب كأنه الشفق كما يقال على البياض الرقيق، ومنه شفقة القلب لرقته، غير أن النظر عند الترجيح أفاد الترجيح أنه البياض هنا، واقرب الأمر أنه إذا تردد في أنه (الحمرة والبياض لا ينقضي بالشك ولان الاحتياط في إبقاء الوقت للبياض لأنه) لا وقت مهمل بينهما فبخروج وقت المغرب يدخل وقت العشاء اتفاقاً، ولا صحة لصلاة قبل الوقت فالاحتياط في التأخير انتهى كلام المحقق بلفظه.
وقال تلميذ العلامة قاسم رحمه الله (في تصحيح القدوري، (قوله و) قال ابو يوسف ومحمد رحمهما الله هو الحمرة، قال الإمام ابو المفاخر السديدي في شرح المنظومة ((وقد جاء عن الإمام ابي حنيفة في جميع التفاريق أنه رجع إلى قولهما وقال: انه الحمرة لما ثبت عنده من حمل عآمة الصحابة رضي الله عنهم الشفق على الحمرة وعليه الفتوى))، وتبعه المحبوبي وصدر الشريعة رحمهما الله.
قلت: وأما ما ذكره من الرجوع فشاذ لم يثبت لما نقله الكافة عن الكافة من لدن الائمة الثلاثة، وإلى الان من حكاية القولين، ودعوى حمل عامة الصحابة خلاف المنقول.
وقال في الاختيار الشفق البياض وهو مذهب ابي بكر الصديق ومعاذ بن جبل وعائشة رضي الله عنهم، قال: ورواه عبد الرزاق عن ابي هريرة وعن عمر بن عبد العزيز، ولم يروي البيهقي أن الشفق الحمرة إلا عن ابن عمر، وَأما ما اختاره للفتوى فبنيَ على ظن ضعيف وذلك لأنه قال الشفق الحمرة وعليه الفتوى؛ لأن في جعله اسماً للبياض بكونه اشفق اثبات اللغة بالقياس، وأنه لا يجوز وظنَّ أن هذا هو حجة الامام وليس كذلك إنما حجته الحديث الصحيح مع تفسير الصحابة مع موافقة أصول النظر على ما سنذكر إن شاء الله تعالى فكان اختياراً مخالفاً لِما هو الاصح رواية ودراية، اما الاول فَلِأنَ رواية الشفق البياض هي رِوَاية الاصل، وهي ظاهر المذهب عن ابي حنيفة وَروي انه الحمرة، وهي رواية اسد بن عمرو على خلاف ظهر رواية عنه.
واما الثاني فروى الترمذي عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: ((وأن اول وقت العشاء حين يغيب الأفق)) وغيبوبته بسقوط البياض الذي يعقب الحمرة وإلا كان بادياً، وَأما اقوال الصحابة الموافقة لهذا الحديث فما قدمناه، وأما موافقة اصول النظر فإنه وإن روي عن ابني عمر، وغيره الشفق الحمرة فقد روي ما قدمناه عن غيرهم، وإذا تعارضت الآثار لا يخرج الوقت بالشك كما في الهداية، وغيرها فثبت أن قول الامام هو الاصح كما اختاره (البيهقي) رحمه الله انتهى كلامه رحمه الله.
فتحصل لنا من كلامه وكلام شيخه رحمهما الله أن الصحيح المفتى به قول صاحب المذهب لا قول صاحبيه، واستفيد منه أنه لا يفتى ويعمل إلا بقول الإمام ابي حنيفة رضي الله عنه، ولا يعدل عنه إلى قولهما إلا لموجب من ضعف دليل أو ضرورة او تعاملٍ كما قدمناه في وقت العصر، واستفيد منه ايضاً أن بعض المشايخ رحمهم الله وإن قال الفتوى على قولهما وكان دليل الامام واضحاً ومذهبه ثابتاً لا يلتفت إلى فتواه، ولا يعمل بها، وإن كانت في كتاب مشهور معروف فإذا ظهر لنا مذهب الامام الاعظم أبي حنيفة في هذين الوقتين، وظهر ايضاً دليله وقوته وصحته، وأنه اقوى من دليلهما، وجب علينا اتباعه، والعمل به، والإفتاء به، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(تم الرسالة بحمد الله وعونه وحسن توفيقه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم) (وكان ذلك في اواخر شعبان سَنة اثنين وخمسين وتسعُمئة، بالخانقة الشيخونيه انتهى).