رسالة في صورة بيع الوقف لا على وجه الاستبدال
للإمام زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
مدينا عبد الصمدوفا
إشراف:
د. براء السعدي
جارٍ تحميل الكتاب…
رسالة في صورة بيع الوقف لا على وجه الاستبدال
للإمام زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
مدينا عبد الصمدوفا
إشراف:
د. براء السعدي
رسالة في صورة بيع الوقف لا [على وجه الاستبدال]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، أمّا مسألة كون بيع الأوقاف لا على وجه الاستبدال فاسدًا أو باطلًا فقال "الزيلعي" و"المحقق ابن الهمام": "إِذا جمع بين وقف وملك وباعهما، ففيه روايتان: في رواية يفسد في الملك، والأصح أنه يجوز في الملك لا في الوقف، قال: ولهذا ينتفع به انتفاع الأموال غير أنه لا يباع لأجل حق تعلق به، وذلك لا يوجب فساد العقد فيما ضمّ إليه كالمدبر ونحوه"، انتهى.
وأمّا مسألة تفويض الاستبدال إلى القاضي فقال في "الإسعاف في أحكام الأوقاف":
"وأمّا إذا لم يشترط الواقف الاستبدال فقد أشار في السير إلى أنّه لا يملكه إلّا القاضي إذا رأى المصلحة في ذلك"، انتهى.
وقد أخذه من فتاوى قاضي خان بحروفه، وأعجب من ذلك أنّ الواقف لو شرط أنْ لا يستبدل وقفه، قال الإمام "الطرسوسي": إنّ الشرط باطل لكونه مخالفًا للشرع، كما لو شرط أنْ ليس للقاضي تكلمٌ في وقفه كان الشرط باطلًا، وأقرّه على ذلك في "شرح المنظومة".
وأمّا مسألة أنّ القضاء بالوقف لا يكون على الكافة بخلاف القضاء بالحرية فقال قاضي خان في فتاواه:
"أرض في يد رجل ادّعى رجل أنّها وقف، وبيّن شرائط الوقفية وقضى القاضي بالوقف، ثم جاء آخر وادّعى أنّه ملكه، قالوا: تقبل بيّنة المدّعي لأنّ القضاء بالوقف عليه بمنزلة استحقاق الملك وليس بتحرير، ألا ترى أنّه لو جمع بين وقف وملك، وباعهما صفقة واحدة جاز بيع الملك، ولو جمع بين عبد وحر وباعهما صفقة واحدة، لا يجوز بيع الحر ويجوز بيع العبد دلّ على أنّ القضاء بالوقف بمنزلة القضاء بالملك، وفي الملك القضاء يقتصر على المقضى عليه وعلى من تلقّى الملك منه"، انتهى.
وأما مسألة هبة المستبدل البائع للوقف الثمن فقال "قاضي خان" في "فتاواه": "لو باع الوقف ووهب الثمن؛ صحت الهبة ويضمن الثمن، في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: لا تصح الهبة"، انتهى. وتبعه على ذلك في "الإسعاف".
وأما مسألة بيعه بغبن فاحش فقال مولانا "قاضي خان" في "فتاواه": "ولو باع أرض الوقف بثمن فيه غبن فاحش لا يجوز بيعه في قول أبي يوسف وهلال؛ لأن القيم بمنزلة الوكيل فلا يملك البيع بغبن فاحش، ولو كان أبو حنيفة يجيز الوقف بشرط الاستبدال لأجاز بيع القيم إِذا كان بغبن فاحش كالوكيل بالبيع"، انتهى.
ويمكن أن يؤخذ صحة الاستبدال من قول أبي يوسف، وصحة البيع بغبن فاحش من قول أبي حنيفة بناء على جواز التلفيق في الحكم من قولين.
قال في "الفتاوى البزازية" من "كتاب الصلاة" من فصل "زلة القاري":
"ومن علماء خوارزم من اختار عدم الفساد بالخطأ في القراءة آخذًا بمذهب الإمام الشافعي، فقال له الباقرْحيّ مذهبه من غير الفاتحة، فقال: أخذت من مذهبه الإطلاق وتركت القيد، لما تقرّر في كلام محمد أنّ المجتهد يتبع الدليل لا القائل حتى صحّ القضاء بصحة النكاح بعبارة النساء على الغائب"، انتهى.
وما وقع في آخر "تحرير ابن الهمام" من منع التلفيق فإنّما عزاه إلى بعض المتأخرين، وليس هذا المذهب.
وأما مسألة ما إذا شهدت بينة أنّ البيع وقع بخمسين ألف درهم، وشهدت بينة أخرى أنّه وقع بعشرين ألف؛ فقد تعارضتا في قدره، فقال في "الهداية" من باب "التحالف": "تُقدم المثبتة للزيادة".
وأمّا مسألة أنّ قضاء القاضي المتّصف بالعلم والعمل يصان عن الإبطال، فقال "ابن الغرس" في "الفوائد الفقهية":
"قالوا: "قضاء العادل العالم لا يُتعقب ويحمل حاله على السداد، بخلاف قضاء غيره"، انتهى.
فكيف يتعقب شيخ مشايخ الإسلام، "الطرابلسي" المتصف، بهما إجماعًا!؟
وأمّا مسألة البينتين إذا تعارضتا في الصحة والفساد، فقال الإمام "الزاهدي" في "فتاواه": إنّ بينة الصحة أولى من بينة الفساد، فإذًا الأصل: إنّ كل بينتين لو اجتمعتا في حالة واحدة؛ سقطتا لوجود الكذب في إحداهما، فإذا بدأ الحاكم بالحكم في إحداهما لا يتعين الكذب في الأخرى، انتهى.
[وقال في الموثق] في مكتوب إبطال الاستبدال: "إنّه بيع بثمن بخس، فالبخس من الألفاظ المشتركة يوجب خللًا في المكتوب يمنع قبوله والعمل بما فيه، قال "القاضي" في تفسير قوله تعالى: {وشروه بثمن بخس} [يوسف:20]: أي مبخوس لزيفه أو لنقصانه"، انتهى.
وقال الإمام "فخر الدين الرازي" في "التفسير الكبير": "وقال "ابن عباس" رضي الله عنهما: البخس الحرام، لأن ثمن الحر حرام".
وقال: وكلّ بخس في كتاب الله تعالى نقصان إلّا هذا فإنّه الحرام".
وقال "الواحدي": ويسمّى الحرام بخسًا لأنه ناقص البركة، وقال "قتادة": البخس الظلم، والظلم نقصان، يقال: ظلمه أي نقصه، وقال "عكرمة" و"الشعبي": البخس القليل، وقيل: ما نقص عن القيمة نقصانًا ظاهرًا، وقيل: كانت الدراهم زيوفًا ناقصة العيار".
وقال "الواحدي": وعلى الأقوال كلها البخس مصدر وضع موضع الاسم، والمعنى بثمن مبخوس"، انتهى كلام الإمام.
وقال "الجوهري" في "الصحاح": "البخس: الناقص، وقد بخسه حقّه، يبخسه بخسًا إِذا أنقصه، يقال للبيع إِذا كان قصدًا: لا بخس فيه ولا شطط، وفي المثل: "تحسبها حمقاء وهي باخس"، وقال "ثعلب": وإِن شئت قلت: باخسة، والبخس أيضًا أرضٌ تنبت من غير سقي"، انتهى.
وقال في "المصباح المنير": "بخسه بخسًا من باب نفع نقصه أو عابه، ويتعدى إلى مفعولين، وفي التنزيل قال تعالى: {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} [الشعراء: 183]، وبخستُ الكيل بخسًا أي نقصته، وثمن باخس ناقص، ويقال: بخست العين بخسًا فقأتها"، انتهى.
وقال في "القاموس": "البخس النقص، والظلم، بخسه كمنعه، وفَقءُ العين بالإصبع ونحوها، وأرض تنبت من غير سقي، والمَكْس. "وتحسبها حمقاء وهي باخس أو باخسة" يضرب مثلًا لمن يَتَبالَه"، انتهى.
فقد ظهر أنّ للبخس معانٍ كثيرة، فصار منْ الألفاظ المبهمة.
قال في "خُلاصة الفتاوى"، في كتاب "المحاضر والسّجلات": الأصل في المحاضر والسجلات أنْ يبالغ في الذّكر والبيان بالصريح ولا يكتفي بالإجمال، حتى قيل: لا يكتفي في المحاضر أنْ يكتب حضر فلان وأحضر معه فلانًا فادّعى هذا الذي حضر عليه، ولكن يكتب ادّعى هذا الذي حضر على هذا الذي أحضره معه، وكذا يكتب عند ذكر المدّعى عليه لفظة المدعي هذا والمدّعى عليه هذا، وينبغي أن يكتب في السّجل حكم القاضي ولفظة الشهادة بتمامها، وما لم يذكر على وجهه؛ لا يفتي بصحة السجل، وكذا لا يكتفي بقوله: وشهد الشهود على موافقة الدعوى إلى آخر ما ذكره.
وفي "الفتاوى الصيرفية": ولما استقضى ببخارى قاضي عنبسه وكان إمامًا كاملًا، كان يكتب المحاضر ويستفتي عن صحتها الإمام "الحلواني".
فكان يكتب في جميعها: لا والله أعلم، فجاءه القاضي يومًا وقال: ما بال الشيخ يكتب في جميع محاضره بلا؟ فقال: لأنها كلها فاسدة، قال: وفي ماذا فسادها؟ قال: يجب أن تتعلم لتعلم، قال: جئتك له، فقال: اعلم أن الخلل في ترك تفسير الشهادة، ولا بدّ من تفسيرها لتنظر فيها أصحيحة أم لا؟ قال: فإنّي نظرت في المحاضر التي عندي من القضاة الذين كانوا قبل وليس فيها تفسير الشهادة، وعليها جوابك وجواب أقرانك وخلفك بالصحة، ما بالي وحدي تشترط عليّ ما لم تشترطه على غيري؟! فقال شمس الأئمة "الحلواني": إنما كان الأمر على ذلك لأن القاضي بتلك كان القاضي الإمام "عليّ السُّغدِي" وكان يعرف الموافقة بين الدعوى والشهادة، ولا يخفى عليه ذلك [وكان قبله الشيخ أبو علي النسفي وكان يعلم ذلك، ولا يخفى عليه]، فإذا رأيناهما أطلقا في النسخة أنّهم شهدوا بشهادة موافقة للدعوى اكتفينا به وأفتينا بالصحة، فأمّا أنت وأمثالك فلا نثق بالوقوف منهم على حقيقة ذلك، فلا بد من التفسير، انتهى.
وفي "الخلاصة" من الفصل الثامن في "نصب الوصي" وفي "فتاوى أهل سمرقند":
"إِذا كتب صكّ الوصاية أو التولية ولم يذكر جهة وصايته لا يصحّ، ولو كتب أنّه وصى من جهة الحاكم أو متولي من جهة الحكم، ولم يسمِّ القاضي الذي نصبه والذي ولّاه جاز.
وقيّده في كتاب الوقف بأنْ بَيّن تاريخ نصبه، انتهى.
وعلى تقدير أنْ يكون المراد بالبخس النقصان لسياق الكلام وقرينة الحال عليه ففيه خلل أيضًا ولو صرَّح بالنقصان؛ لأنّه لابدّ من بيان أنّه بنقصان يسير أو فاحش وحكمهما مختلف، والله أعلم.
وهذا ما تيسّرت كتابته وجمعه من الثلث الأخير من الليل، يسر الله لنا ولكم الخير بمحمد وآله وصحبه وشيعته، آمين.