رسالة في شرط وقف الغوري في شيخ الغورية
للفقيه زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
محمد سالم الهواملة
إشراف:
د. براء السعدي
جارٍ تحميل الكتاب…
رسالة في شرط وقف الغوري في شيخ الغورية
للفقيه زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
محمد سالم الهواملة
إشراف:
د. براء السعدي
(رسالة في وقف الغوري، في شيخ الغورية)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي ينصر الحق ولو بعد حين، ويظهر الصدق ويفضح الكاذبين، وينشر العدل في الخلق ويقمع المبطلين، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين وعلى اله وصحبه أجمعين، و على سلطان الإسلام والمسلمين، صاحب الإنصاف بين العالمين، سيد سادات السلاطين، ناصر الدنيا والدين، مفخر آل عثمان في العالمين، صاحب الرايات الظاهرة، ناصب الآيات الباهرة، ناشر العدل في الشامات والقاهرة، ناصر الشريعة القويمة، سالك الطريقة المستقيمة، باسط مهاد العدل والانصاف، هادم أساس الجور والاعتساف، مالك سرير الخلافة بالاستحقاق، المجتهد في نصب سرادقات الأمن والأمان، المتمثل لنصر أن الله يأمر بالعدل والإحسان، بسط الله بساط خلافته مدا الايام، ومهدها إلى يوم القيامة ببركة محمد - صلى الله عليه وسلم - خير الأنام، وبعد: فهذه رسالة كتبتها بين الطلب، حين وصل الأمر الشريف من حضرة مولانا الاعظم أيد الله ملكه بالنظر، فيما شرطة السلطان المرحوم قانصوه الغوري، فيمن مات من مستحقي وقفه وله ولد، حين انتهي ولد المرحوم الشيخ زكريا بن سيدنا قاضي القضاة، شافعي دهره ونوري عصره شيخ الاسلام زكريا الشافعي، أن الواقف شرط، أن من مات من ارباب الوظائف وله ولد، فإِن كَانَ نجيبا متأهلاً لوظيفة ابيه قدمة الناظر، فبادر مولانا شيخ الاسلام، قاضي القضاة افندي حسن، بإمتثال الأمر الشريف، وامر بإحضار مكتوب الوقف، وراي فيه ذلك الشرط، فامر بالاستفتاء عن ذلك قطعا لحجة الخصم، فافتيت بان الحق للولد، بوجوب اتباع شرط الواقف، وان تقريره غير باطل، فانه يجب اتباع شرطه لما تواتر من قول العلماء ذوي المذاهب الاربعة، ان شرط الواقف كنص الشارع، والتشبيه من وجهين:
الأول: وجوب اتباعه كما يجب اتباع نصوص الشارع، قال في الجمع، ويتبع شرط الواقف في اجارته، وقال المصنف في شرحه، أما وجوب اتباع شرط الواقف فلان، لم يخرج ملك نفسه الا بشرط معلوم، فيتقيد بما قيده به من الشرط، إنتهى.
وقال بن الملك في شرحه، اذا شرط الواقف ان لا يؤجر وقفه أكثر من سنة يراعي شرطة، لأنه إنما اخرجه عن ملك نفسه، بشرط معلوم، فيتقيد بما قيده به إنتهى.
وفرع الامام الخصاف، بان الواقف اذا شرط ان والي هذه الصدقة لا يؤجرها ولاشيء منها، فان آجرها واليها أواحد ممن صَادر اليه ولايتها فللإجارة باطلة، فإن شرط أن أجرها كان خارجا، فهو على ما اشترط، ويوليها القاضي من يثق به، ولو شرط أن من نازع المتولي فطالبة بحقه من غلة الوقفة، فهو خارج ولا حق له، فنازعه منهم منازع، وطالبة بحقه كان بمنازعته خارجا من الوقف، وأن شرط أن امر المنازع إلى والي الصدقة فهو على ما شرطه، فان اخرجه منها فهو خارج، وإن اقره فيها فهو مقرر، إنتهى.
وقال في باب آخر، لو وقف على ولده وولد وَلَدِهِ وَنَسْلِهِ وَعقبه، وشرط في وقفه، أن من إنتقل عن الإثبات وصار إلى مذهب المعتزلة، من ذرتيه فهو خارج، فهو علي ما شرطة فان انتقل احد منهم إلى مذهب المعتزلة، يكون خارجا، ولوان رجلاً من المعتزلة وقف وقفا على ولده وذريته، وشرط ان من انتقل منهم عن مذهب المعتزلة إلى الاثبات فهو خارج، فهو على ما شرط من ذلك، ينقد وقفه على مَا حَدَّ منه، فان قال ان انتقل بعضهم إلى مذهب الخوارج، أو الى الرفض وشتم الصحابة فهو خارج، وكذا إلى أي مذهب انتقل اليها وفارق الذي شرطة الواقف الى آخره.
وفي الاسعاف في احكام الاوقاف، لو شرط الولاية بعد موت وصيه، لزيد ثم لعمرو ثم لبكر، هكذا وجب الترتيب، ولو جعله لأولاده وفيهم صغيرا أدخل القاضي مَكَانَهُ رَجُلًا، أجنبيًا أَوْ وَاحِدًا مِنهم كبيرًا، ولو اوصى الي صبي تبطل في القياس مطلقاً، و في الاستحسان هي باطلة ما دام صغيرا، فإذا كبر تكون الولاية له وحكم من لم تخلف من ولده ونسله في الولاية كحكم الصغير قياسا واستحسانا، ولو كان وَلَدَهُ عَبدَا، يَجُوز قياسًا وَ اسْتَحْسَانًا لأهليته في ذاته، بدليل ان تصرفه الموقوف لحق المولى، ينفذ عليه بعد العتق، لزوال المانع بخلاف الصبي، والذمي في الحكم كالعبد، ولو جعل الولاية لغائب، اقام القاضي مكانه وجعل الى ان يقدم، فاذا قدم ترد اليه، ولو قال ولاية هذا الوقف إلى عبد الله إلى ان يقدم زيد، فاذا قدم كان وصيا وحده عند قدومه، ولو جعلها لزيد، ما دام في البصرة كانت له ما دام مقيما فيها، وكذلك لو جعلها لامرأته ما لم تتزوج فاذا تزوجت سقطت ولايتها، وان لم ينص على سقوطه انتهى.
ولولا خوف الاطالة، لأوردنا من هذا النوع مسائل كثيرة دالة على وجوب اتباع شرط الواقف ولزومه، وأن مخالفة شرطه لا تجوز، ويقع التصرف المخالف باطلا.
الثاني من وجه التشبيه، ما قاله ابو عبد الله الدمشقي، في كتاب الوقف عن شيخة شيخ الاسلام، قول الفقهاء نصوصه كنصوص الشارع، يعني في الفهم، والدلالة مع ان التحقيق ان لفظه ولفظ الموصي والحالف والنادر، وكل عاقل يحمل على عادته في خطا ونعته التي يتكلم بها وافقت لغة العرب، ولغة الشارع أولا، ولا خلاف ان من وقف على صلاة أو صيام أو قرأه أو جهاد غير شرعي، ونحوه لم يصح انتهي.
قال العلامة قاسم تلميذ المحقق ابن الهمام، قلت واذا كان المعنى ما ذكر ما كان من عبارة الواقف من قبل المفسر، لا يحتمل تخصيصا ولا تأويلا يعمل به، وما كان من قبيل الظاهر كذلك، وما احتمل وفيه قرينة حمل عليها وما كان مشتركا لا يعمل به، لأنه لا عموم له عندنا، ولم يقع فيه نظر المجتهد ليترجح احد مدلوليه، وكذلك ما كان من قبيل المجمل، إذا مات الواقف، وَإِن كَانَ حَيا يرجع إلى بيانه، هذا معني ما افادة انتهى.
قلت وتمامه ان خبره اكد من امره، فقوله قرره الناظر جملة خبرية، اكد من قوله ول يقره الناظر، لأن خبر الشارع اكد أمره، كما في التوضيح والتلويح، في الباب الثاني في افادة الحكم الشرعي، وذكره القاضي في تفسيره، {والمطلقات يتربصن} [البقرة 228]، {والوالدات يرضعن} [البقرة 233]، وصرحوا بأن خبر المجتهد، كذلك، قال في الهداية من كتاب الصلاة، وأن قرا الفاتحة في الأولين، ولم يزد عليهما، قرآ في الاخريين السورة مع الفاتحة، ذكر هنا ما يدل على الوجوب، قال في العناية لقوله في الجامع الصغير، قرائها فيكون بمنزلة الأمر بل آكد، وفي فتح القدير، الدال على الوجوب لفظه، و في معراج الدراية لأنه إخبار، وفي البناية، فان قلت: كيف يدل قوله قرا في الاخريين على الوجوب؟
قلت لأنه ذكره في لفظ الخبر، و الأخبار في الوجوب آكد من الامر انتهى.
فان قيل ان قوله قرره الناظر، وان كان جملة خبرية في الاصل، لكنها صارت إنشائية بوقوعها جوابا للشرط، قلت: قال المحق التفتزاني في المطول، في الباب الثالث، في احوال المسند، عند قول المصنف واما تعبيره بالشرط إلى اخره، وفي هذا الكلام تنبيه على ان الشرط قيده للفعل عند المفعول ونحوه، فان قوله ان تكرمني اكرمك بمنزلة قولك اكرمك وقت اكرامك اياي، ولا يخرج الكلام بقيده بهذا القيد، عما كان عليه من الخبرية والانشائية فالجزاء ان كان خبرا فالجملة خبرية، نحو ان جئتني اكرمتك بمعنى اكرامك وقت مجيبك، وإن كان انشاء فالجملة إنشائية، نحو ان جاءك زيد فاكرمه اي اكرمه وقت مجيئه اليك اخر ما قرره في هذا المبحث، الي ان قال في اخره، وتحقق هذا المقام، على هذا الوجه من تقاييس المباحث انتهى.
فان قبل قولهم انه خبر بمعنى الأمر، أواكد من الأمر أو أمر معناه الخبر، ربما افادة انها تصير انشائية لان الامر منها قلت، لا يغيره لما ذكره مولانا سعدي في حاشيته على الكشاف، في قوله والوالدات يرضعن، ان هذا الخبر لا يعطي له حكم الامير، في جعله جملة انشانية، حتى لا يكون خبر المبتدأ الا بتقدير القول، لأن ذلك لا يبقي معه ما ازيد في هذا المقام من التأكيد، وفي حاشية القاضي الشيخ جلال الدين الاسيوطي، ان يكون الخبر بمعني الامر، كثير في عبارات العلماء حتي كانوا يجمعون عليه انتهى.
فان قيل ان الحاكم قرر غير الولد حتى مات ابوه، فصح تقريره فلم ينقص بعد ذلك، قلنا الحاكم اذا خالف شرط الواقف، فقد خالف الشارع، فلم يصح تقريره، قال العمادي، ابن بنت صاحب الهداية في فصوله و في فوائد عمه نظام الدين، رجل وقف مكانا وجَعَلَ له متوالياً، وشرط ان يكون المتولي من أولاده وأولاد اولاده هل للقاضي ان يجعل غيره متولياً، وهل يصير متوليا لو فعل القاضي ذلك، قال أجاب والدي رحمه الله لا، انتهي.
فقد افاد بقوله لا شيئين يطابق السؤال؛ احدهما لا يحل له تقرير غير الولد، الثاني لو قرر غير الولد لا يكون متوليا، ولازمه انه الا يصح تقرير، أن لو صح لكان متوليا و في الذخيرة معزيا الي فتاوي ابي الليث، لو نصب القاضي خادما للمسجد، وجل له معلومًا كل سنة ان كان الواقف شرط ذلك في الوقف، حل له الأجر، و ان لم يشترطه الواقف لا يحل له، لأنه اذا لم يشرطه يحل للقاضي نصبه بالأجر، فلا يحل للخادم القبض، انتهى.
مع احتياج المسجد للخادم، للاستعانة عن تقريره باستئجاره، وفي فتح القدير، ولو اخرج الحاكم فيما فات او عزل فتقدم المخرج إلى القاضي الثاني، بأن ذلك القاضي أخرجه بلا جنحة لا يدخله، لأن أمر الأول محمول على السداد، ولكن يكلفه أن يثبت عنده أنه أهل، وموضع في الوقف، فإن فعل اعادة انتهى.
فقد افاد ان للقاضي الثانين اذا بت عنده ان عزل الأول للناظر، وتقريره بغير سبب شرعي ابطله واعاد الأول، فان قيل ان الواقف شرط في الشيخ، أن يكون من أكابر العلماء، فهل يشترط ذلك في الولد، قلنا لا؛ لاند انما شرط ان يكون نجيبا متأهلاً لوظيفة ابيه، ولم يشترط أن يكون الولد متصفا بجميع صفات ابيه، وحيث كان نجيباً قادرًا على القراءة من الجزء صالح لها، وكان اقتصاره على هذا الشرط في الولد، دون أن يكون الولد متصفا بجميع صفات ابيه رجوعاً عن اشتراط كون الشيخ من اكابر العلماء، حيث كان ولد الشيخ المتوفي، وكان اشتراط الوظيفة مبادراً عن شرط الشيخ، قال في الإسعاف في أحكام الاوقاف، ولو كتب في أول كتاب وقفه لا يباح ولا يوهب ولا يملكه، ثم قال في آخره على ان الفلان بيعه والاستبدال به جاز، فيكون الثاني ناسخاً للأول، ولو عكس على ان الفلان بيعة والاستبدال به، ثم قال في اخره لا يباع ولا يوهب لا يجوز بيعه، لأنه رجوع عما شرطه أولاً، انتهى.
وفي القاموس النجيب الكريم الحسيب والجمع انجاب ونجيا انتهى. وفي الصحاح ورجل نجيب أي كريم، بين النجابة؛ والله اعلم.