رسالة في تعليق طلاق المرأتين بتطليق الأخرى
للإمام زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
محمد يوسف علي الهندي
إشراف:
د. براء السعدي
جارٍ تحميل الكتاب…
رسالة في تعليق طلاق المرأتين بتطليق الأخرى
للإمام زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
محمد يوسف علي الهندي
إشراف:
د. براء السعدي
رسالة في [تعليق طلاق المرأتين بتطليق الأخرى] (¬1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وسلام على عباده الذين اصطفى.
وبعد:
فهذه رسالة في مسألة تعليق طلاق المرأتين بتطليق الأخرى المنقولة في كتب الفتاوى (¬2)، طلب مني بيانها سيدنا ومولانا شيخ الإسلام قاضي القضاة مولانا أفندي عبد الرحمن ابن المرحومي علي الرومي قاضي (¬3) مصر (¬4) أسبغ اللهُ تَعَالَى علينا وعليه نعمه في الدارين بعدما استشكلها بإبداء تناقض (¬5)
¬
(¬1) ساقطة من (ب)، (ج).
(¬2) في (أ): "الفتوى"
(¬3) لعله: عبد الرحمن بن علي المرحومي (000 - بعد 1124 هـ = 000 - بعد 1712 م) من علماء الكلام. له (الكشف الصحيح البرهان عن معاني قصة الإنسان - خ) ضمن المجموعة 299 تصوف، و (توضيح سبيل الإحسان المحمود، وتفضيح الأقاويل بوحدة الوجود) تكلم فيه عن مواضع في الفتوحات المكية، منه نسختان في المجموعتين 299 و 362 تصوف بدار الكتب. الأعلام للزركلي:3/ 319.
(¬4) مصر: دولة عربية تقع في الركن الشمالي الشرقي لقارة إفريقيا، وتغطي الصحراء معظم أراضيها، ويجري في مصر نهر النيل الذي يتجه شمالاً مخترقاً الصحراء ليصب في البحر الأبيض المتوسط، وتصنف مصر بأنها ثانية كبرى الدول الإفريقية من حيث عدد السكان بعد نيجيريا، كما تعد القاهرة عاصمة البلاد كبرى مدن القارة الإفريقية حجماً، يدين 94% من مجموع سكان مصر بالإسلام. ينظر: معجم البلدان ???/?؛ أطلس دول العالم الإسلامي: ص ???.
(¬5) مبدأ التناقض: هو القول: إنّ الشَّيء نفسَه لا يمكن أن يكون حقًّا وباطلًا معًا. ينظر: معجم اللغة العربية المعاصرة
المؤلف: د أحمد مختار عبد الحميد:3:2271.
وقع من المؤلفين، والله أسأل أن يفتح علينا بما يزيل الإشكال بمنه وكرمه، فأقول ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم:
ذكر مولانا الصدر الشهيد (¬1) في «العدة» (¬2) و «الواقعات الحسامية» (¬3): «رجل له ثلاث نسوة فقال لإحداهنّ (¬4): (إن طلقتك فالأخريان طالقان)، ثم قال للثانية كذلك وللثالثة كذلك، ثم طلق الأولى واحدة طلقت كل واحدة من الأخريين واحدة لأنه جعل طلاق الأولى شرطًا لوقوع الطلاق على كل واحدة منهما. (¬5)
وقد وجد أكثر ما في الباب أنه جعل طلاق الثانية والثالثة كذلك، وقد صار مطلقاً للثانية والثالثة، لكن إنما جعل طلاق (¬6) الثانية والثالثة شرطًا بعدما عقد اليمين على الأولى فيشترط وقوع الطلاق على الثانية والثالثة بكلام يوجد بعد هذه اليمين ولم يوجد؛ لأنه إنما صار مطلقاً للثانية والثالثة باليمين على الأولى، فإن لم يطلق الأولى ولكن طَلَّقَ الوسطى تقع على الأولى طلقة لأنه وجد شرط الحنث في اليمين بالطلاق الأول وَهُوَ تطليق الوسطى، وعلى الوسطى والأخيرة على كل واحدة منهما تطليقتان.
¬
(¬1) هو: عمر بن عبد العزيز بن عمر بن مازة، أبو محمد، برهان الأئمة، حسام الدين، المعروف بالصدر الشهيد) - 536 هـ / 1141 م): من أكابر الحنفية، من أهل خراسان، ودفن في بخارى. له (الفتاوى الصغرى) و (الفتاوى الكبرى)، و (عمدة المفتي والمستفتي) و (الواقعات الحسامية) وغير ذلك (الزركلي: الأعلام 51/ 5)، تاج التراجم:218.
(¬2) لم أقف على ترجمته.
(¬3) الواقعات الحسامية لحسام الدين عمر بن عبد العزيز المعروف بالصدر الشهيد، المتوفى سنة 536هـ. وتسمى بـ الأجناس، غير مطبوع. ينظر: كشف الظنون 703/1. الجواهر المضية.) ص/ 253.
(¬4) في أ: أحدهما، وفي ج: لأولاهما.
(¬5) ساقطة من (ب).
(¬6) ساقطة من (أ).
أما الوسطى [فتطلق (¬1) تطليقة بإيقاع الزوج عليه] (¬2)، وتطليقة لوقوع الطلاق على الأولى لأنه جعل تطليق الأولى شرطاً لوقوع الطلاق على الوسطى والأخيرة بكلام يوجد بعد هذه اليمين، وقد وجد لأنه صار مطلقاً للأولى بيمين عقد على الوسطى.
وأما الأخيرة فتطليقة بتطليق الوسطى وتطليقة بوقوع الطلاق على الأولى، فلو طلق الأخيرة يقع على الأخيرة ثلاث، وعلى الوسطى اثنتان وعلى الأولى واحدة، يخرج على هذا (¬3) الأصل». (انتهى) (¬4).
وهكذا في «كامل الفتاوى» (¬5) و «التجنيس». (¬6) (¬7)
¬
(¬1) ساقطة من (ج).
(¬2) ساقطة من (ب).
(¬3) ساقطة من (ب).
(¬4) الواقعات بتحقيق ماجد حامد محمد: ص286.
(¬5) كامل الفتاوى لحسام الدين، العليابادي، اسمه: محمد بن عثمان بن محمد، إمام فاضل فقيه أصولي محدث مفسر كلامي جدلي. تفقه على مجد الدين الأستروشني، وتفقه عليه عبد الرحيم بن عماد الدين صاحب الفصول العمادية.
كان حيا سنة 628هـ. وله من المصنفات الفوائد في الفقه، مطلع المعاني ومنبع المباني في التفسير للبياعي ينظر: كشف الظنون:2/ 1381، لآلي المحار:2/ 680.
(¬6) التجنيس والمزيد وهو لأهل الفتوى خير عتيد للإمام شيخ الإسلام برهان الدين علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني المرغيناني، وهذا الكتاب لبيان ما استنبطه المتأخرون ولم ينص عليه المتقدمون إلا ما يشهد ما شذ عنهم في الرواية. ينظر: كشف الظنون: 1/ 352، لآلي المحار:1/ 212، الجواهر المضية:2/ 428.
(¬7) ينظر: الفتاوي الهندية:1/ 426، عيون المسائل للسمرقندي:1/ 61.
وفي «فتاوى قاضيخان» (¬1) ما يخالفه (¬2) في طلاق الأخيرة فإنه قال: «رجل له ثلاث نسوة فقال لواحدة: (إذا طلقتك فالأخريان طالقان)، ثم قال لأخرى مثل ذلك، ثم قال للثالثة مثل ذلك، ثم طلق الأولى واحدة، فإنه يقع على الأخريين واحدة واحد (¬3). ولو لم يطلق الأولى لكنه طلق الوسطى واحدة فإنه يقع على الثالثة والأولى واحدة واحدة، ثم يعود على الثالثة وعلى الوسطى كل واحدة أخرى، ولا يقع على الأولى شَيْء سوى الطلاق الأول. وإن لم يطلق الأولى والوسطى، ولكنه طلق الثالثة فإنه يقع على الثالثة ثلاث تطليقات، [وعلى الأولى و الوسطى] (¬4) على كل واحدة اثنتان». (انتهى) (¬5)
فقوله: (وعلى الوسطى والأولى على كل اثنتان) مخالف لقول الصدر الشهيد ومن تبعه (¬6) أَنَّهُ يقع على الأولى واحدة، وهذا هو محل الإشكال.
أما وجه وقوع الثلاث على الأخيرة فواحدة بتنجيز طلاقها وواحدة بالوقوع على الوسطى بسبب تعليق الأخيرة، وواحدة بالوقوع على الأولى بسبب تعليق الأخيرة.
ووجه وقوع الاثنتين على الوسطى فواحدة بالإيقاع على الأخيرة، و واحدة بالوقوع على الأولى بسبب تعليق الأخيرة.
¬
(¬1) فتاوى قاضيخان" لفخر الدين حسن بن منصور الأوزجندي الفرغاني الحنفي المتوفى (592هـ)، وهي مشهورة مقبولة عند الأحناف، ذكر فيها جملة من المسائل التي يغلب وقوعها وتمن الحاجة إليها وتدور عليها واقعات الأمة، وترتيبها على ترتيب الكتب المعروفة، بين لكل فرع أصلا، وفيما كثرت فيه الأقاويل من المتأخرين اقتصر منه على قول أو قولين، وقدم ما هو أظهر كما قال في خطبته، ووضع له فهرساً مفصلاً. ينظر: "كشف الظنون ? ???? هدية العارفين" ???/?، الآلي المحار" (ص 446).
(¬2) يعني لو طلّق الأخيرة تقع على الأولى اثنتان.
(¬3) ساقطة من (ب)، (ج).
(¬4) في: (أ)، (ج): "وعلى الوسطى والأولى".
(¬5) فتاوي قاضي خان: 1/ 237.
(¬6) وهم صاحب الهداية، و صاحب الفتاوي الوالوالجي، وصاحب كامل الفتاوي.
وأما الوقوع على الأولى فالظاهر وقوع الاثنتين كما قلنا في الوسطى واحدة بسبب الإيقاع على الأخيرة و واحدة بسبب الوقوع على الوسطى بسبب تعليق الأخيرة، وهذا هُوَ مَا ذهب إليه قاضيخان (¬1).
وأما القول بوقوع واحدة فقط فمشكل، وذكر الإمام الجزري (¬2) هذه المسألة عن بشر بن الوليد (¬3) عن أبي يُوسُف كما ذكرنا عن «الواقعات» و «العدة» و «التجنيس» إلا أَنَّهُ زاد على هذه
¬
(¬1) هو: حسن بن منصور بن أبي القاسم محمود بن عبد العزيز، فخر الدين، المعروف بقاضي خان، الأوز جندي، الفرغاني) - 592 هـ / 1196 م): فقيه، حنفي، من كبارهم، وعده المولي العلامة أحمد بن كمال باشا من طبقة الاجتهاد في المسائل. له كتب: (الفتاوى، (مطبوع في ثلاثة أجزاء)، و (الأمالي)، و (الواقعات)، و (المحاضر)، و (شرح الزيادات)، و (شرح الجامع الصغير)، وغير ذلك. ينظر: الزركلي: الأعلام 2/ 224، الفوائد البهية: 65.
(¬2) ساقطة من (أ)، لم أقف على ترجمته.
(¬3) هو: بشر بن الوليد بن خالد الوليد الكندي القاضي) - 238 هـ): أحد أعلام المسلمين، وأحد المشاهير، سمع عبد الرحمن بن الغسيل، ومالك بن أنس وحماد بن زيد، وهو أحد أصحاب أبي يوسف خاصة وعنه أخذ الفقه روى عنه كتبه وأماليه، قال الدارقطني: (ثقة روى له أبو داود في سننه). ينظر: القرشي: الجواهر المضية 452/ 1: 454، طبقات الفقهاء للشيرازي:138.
الكتب بأنّ قال: فالحاصل أنه انعقد في حق الأولى يمين واحدة، و وجد شرطها، وانعقد في حق الوسطى أيضا يمين (¬1) واحدة، وفي حق الثالثة يمينان، وأما إذا طلق الثالثة فلأنه وجد شرط الحنث في اليمين المعقودة على الأولى والوسطى فوقع على كل واحدة طلقة، ولوقوع الطلاق على كل واحدة منهما يقع على الثلاثة طلقتان، ولو وقع الطلاق على الأولى يقع على الوسطى طلقة واحدة. (انْتَهَى).
ولم يوجّهوا الواحدة على الأولى بتطليق الأخيرة فقد ظهر لي التوفيق بين كلامهم بأنّ قول الجماعة بأنه إذا طلق الأخيرة يقع على الأولى واحدة، أي بسبب الإيقاع على الأخيرة (¬2)
¬
(¬1) هو في اللغة القوة، وفي الشريعة عقد قوي عزم الخالق على الفعل أو الترك، واليمين على ضربين: يمين هي قسم وهو اليمين بالله، ويمين هي الشرط والجزاء مثل تعليق الطلاق والعتاق ونحو ذلك بشرط، وهو يمين بعرف أهل الشرع، هذا المراد هنا, وأسماؤه ستة: قسم ويمين وحلف وعهد وميثاق وإيلاء. ينظر: البناية شرح الهداية: 6/ 111
(¬2) زيادة في) ب (: “يقع على الأولى واحدة، أي بسبب الإيقاع على الأخيرة “.
لا مطلقا، وقول القاضي (¬1) يقع على الأولى ثنتان بيان الحاصل الواقع عليها بسبب الإيقاع على الأخيرة واحدة وبسبب الوقوع على الوسطى واحدة، فهذا يجب المصير إليه توفيقاً بين كلامهم، وإنما اقتصر الجماعة على وقوع واحدة بسبب الإيقاع على الأخيرة لكونه (¬2) متفقاً عليه، وإنما وقوع الثانية على الأولى بسبب الوقوع على الوسطى فمختلف فيه. فالصحيح الوقوع عَلَى نُسخ أبي سليمان (¬3).
¬
(¬1) يعني قاضي خان.
(¬2) ساقطة من) أ (.
(¬3) موسى بن سليمان، أبو سليمان الجوزجاني، (000 - بعد 200 هـ = 000 - بعد 815 م) فقيه حنفي. أصله من (جوزجان) من كور بلخ، بخراسان. تفقه واشتهر ببغداد، وكان مشاركا لمعلى بن منصور عرض عليه المأمون القضاء فلم يقبل له تصانيف منها (السير الصغير) و (الصلاة) و (الرهن) و (نوادر الفتاوي). ينظر: الأعلام للزركلي: 7/ 323، الفوائد البهية: 226.
وأما على نسخ أبي حفص فما وقع على الوسطى بسبب الإيقاع على الأخيرة فلا يعود على الأولى نظرًا إلى أنَّه لم يطلق الوسطى، وإنما وقع الطلاق عليها لا (¬1) بالتطليق ويدل عليه ما في «شرح الجامع الكبير» (¬2) للإمام الحصيري (¬3) معزيا إلى «المبسوط» (¬4):
¬
(¬1) ساقطة من) ب (.
(¬2) التحرير شرح الجامع الكبير للسيد الإمام جمال الدين محمود بن أحمد بن عبد السيد الحسيني البخاري الحنفي المعروف بالحصيري والمولود سنة 546هـ. وله شرحان على الجامع الكبير: أحدهما: الوجيز شرح الجامع الكبير، وهو مختصر، وثانيهما: المطول وهو المسمى: التحرير في شرح الجامع الكبير» و قال فيه: كنتُ شرحت هذا الكتاب من غير إطناب ولا إسهاب. ينظر: لآلي المحار: 1/ 215، كشف الظنون (1: 567).
(¬3) هو: محمود بن أحمد بن عبد السيد بن عثمان، أبو المحامد، جمال الدين، البخاري، الحصيري (- 636 هـ / 1238 م): فقيه، انتهت إليه رئاسة الحنفية في زمانه. مولده في بخارى، ونسبته إلى محلة فيها كان يعمل بها الحصير، من كتبه: (التحرير في شرح الجامع الكبير) و (خير مطلوب في العلم المرغوب) و (الطريقة الحصيرية في الخلاف بين الشافعية والحنفية). ينظر: الزركلي: الأعلام 161/ 7 كتاب الجواهر المضية فى طبقات الحنفية: 1/ 325
(¬4) "المبسوط" للسرخسي في الفقه الحنفي، وهو شمس الأئمة محمد بن أحمد بن أبي السهل السرخسي أبو بكر الفقيه الحنفي المتوفى رحمه الله سنة (483 هـ) أملاه من خاطره من غير مطالعة كتاب وهو في السجن، وهو شرح لكافي الحاكم الشهيد في ثلاثين جزءا. ينظر: "كشف الظنون" 2 / 1620، "الآلئ المحار" (ص 512).
رجل له امرأتان فقال لزينب: (أنت طالق إذا طلقتُ عمرة)، ثم قال لعمرة: أنت طالق إذا طلقتُ زينب)، ثم قال لزينب: (أنت طالق)، فإنه يقع على زينب بالإيقاع تطليقة ويقع على عمرة أيضًا تطليقة؛ لأن كلامه الأول [كان يميناً بطلاق زينب، وكلامه الثاني] (¬1) كان يميناً بطلاق عمرة فإن الجزاء فيه طلاق عمرة، والشرط طلاق زينب، وقد وجد بإيقاعه على زينب، فلهذا يقع على عمرة تطليقة باليمين وتعود إلى زينب؛ لأن عمرة طلقت بيمين بعد يمينه بطلاق زينب فلهذا يقع عليها تطليقة أخرى هكذا ذكر في نسخ أبي سليمان وَهُوَ الصحيح.
وفي نسخ أبي حفص (¬2) قال: ولا يعود على زينب، وَهُوَ غلط. ولو لم يطلق زينب (¬3) تطليقة [باليمين ثم وقعت أخرى على عمرة باليمين؛ لأن زينب إنما طلقت] (¬4) باليمين السابقة على اليمين بطلاق عمرة فلا يكون ذلك شرطاً للحنث في اليمين بطلاق عمرة.
¬
(¬1) ساقطة من) ب (.
(¬2) أبو حفص الكبير هو أبو حفص أحمد بن حفص بن الزبرقان البخاري إمام مشهور، أخذ الفقه عن محمد بن الحسن الشيباني وعن شمس الأئمة، ونقل الشيخ اللكنوى حكاية إخراج الإمام محمد بن اسمعيل البخارى صاحب الصحيح من بخارى، ثم بين الشيخ ترديد هذه الحكاية، لم أقف على تاريخ وفاته. ينظر: الفوائد البهية ص 25، والجواهر المضيئة ص 47.
(¬3) ولكنه طلّق عمرة وقعت عليها تطليقة بالإيقاع، وعلى زينب تطليقة باليمين ثم وقعت أخرى على عمرة باليمين؛ هكذا ذكر في نسخ أبي حفص - رضي الله تعالى عنه -، وهو غلط، والصحيح ما ذكره في نسخ أبي سليمان - رضي الله تعالى عنه - أنه لا يقع على عمرة باليمين؛ لأن زينب إنما طلقت باليمين السابقة على اليمين بطلاق عمرة فلا يكون ذلك شرطا للحنث في اليمين بطلاق عمرة. ينظر: المبسوط:6/ 100.
(¬4) ساقطة من) ب (.
قال: ألا ترى أَنَّهُ لو قال لزينب: (إِذَا طلقتُ عَمْرَة فَأَنتِ طالق)، ثم قال لعمرة: (إِذا دخلت الدار فأنت طالق)، فدخلت عمرة الدار تطلق بالدخول، وتطلق زينب أيضًا؛ لأن عمرة إنما طلقت بكلام بعد اليمين بطلاق زينب.
ولو كان قال لعمرة أولًا: (إذا دخلت الدار فأنت طالق)، ثم قال لزينب: (إذا طلقت عمرة فأنت طالق) ثم دخلت عمرة الدار طلقت ولم يقع الطلاق على زينب؛ لأن عمرة إنما طلقت بيمين قبل اليمين بطلاق زينب فلا يصلح (¬1) أن يكون ذلك شرطاً للحنث في اليمين بطلاق زينب، وبهذا الاستشهاد تبيّن أن الصواب ما ذكر في نسخ أبي سليمان، وأن الجواب في نسخ أبي حفص وقع على القلب» (انْتَهَى) (¬2).
والحاصل أن مولانا الصدر الشهيد ذكر في «العُدَّة» و «الواقعات» إبقاء المسئلة كما في أصل الرِّوَايَة عَن بشر عن أبي يُوسُف رحمه الله ولم ينظر إلى نظيرها.
فقاضيخان نظر إليها وإلى نظيرها المروي عن مُحَمَّد فجمع بينهما فأفتى بوقوع طلقتين على الأولى واحدة بسبب الإيقاع على الأخيرة و واحدة بسبب الوقوع على الوسطى بسبب الإيقاع على الأخيرة، مع أنّ المذكور في أصل رواية بشر عن أبي يُوسُف لا يخالفه؛ لأنه قال: ولو طلق الأخيرة فإنه يقع على الأخيرة ثلاث وعلى الوسطى اثنتان وعلى الأولى واحدة. (انتهى) (¬3).
فقوله: و (عَلَى الأولى واحدة) قابل للتأويل بأن يقال: بسبب الإيقاع على الأخيرة مطلقاً فهو ساكت عن الوقوع عليها بسبب الوقوع على الوسطى بسبب الإيقاع على الأخيرة، والمروي عن مُحَمَّد في مسألة عمرة وزينب يفيده فقال به قاضيخان.
والصدر الشهيد رحمه الله لم يتصرف في المروي عن أبي يوسف إلا أنّ في آخر كلامه ما بيّنه على ما ذكرنا؛ فإنه قال بعد قوله (وعلى الأولى واحدة) يخرج على هذا الأصل يعني ارجع إلى ما أصلناه.
¬
(¬1) في) أ (: "فلا يعلم".
(¬2) ملخصاً من المبسوط:6/ 100.
(¬3) ينظر: الواقعات: ص286.
وفي «فتاوى الوَلْوَالجِي» (¬1) بالغاً فَخَرّج (¬2) عَن هذا الأصل يعني ارجع إلى ما أصلناه من أن الوقوع إِذَا كَانَ بكلام يوجد بعد اليمين فإنه كالإيقاع، ولا شك أن الوقوع على الوسطى بسبب الإيقاع على الأخيرة وُجد بكلام بعد الأولى فوقع به، ولم يذكر قاضيخان هذه المسألة، أعني فخرج على هذا الأصل بالأمر كما في الوَلْوَالجية للاستغناء عنها بقوله بوقوع الاثنتين، فكان فيه إشارة إلى ما قلنا.
صورة المكتوب جوابًا لقاضي القضاة.
الحمد لله أولاً وآخراً والصلاة والسلام على من كملت محاسنه باطناً ظاهراً، (وبعد):
فَقَد تشرف الفقير بالنظر في مسألة النساء الثلاث المأمور به من سيدنا ومولانا شيخ الإسلام والمسلمين، وأشرف علوم سيد المرسلين، من خصّه الله تعالى بأوفر حظ من العلي، وأوتي من الفضائل العلمية والعملية بالقدحين الرقيب والمعلي، ولم يترك في حوز المكارم السنية مكانًا إلا وحق قول من قال:
لقد ذلت له سبل المعاني وفاق الخلق طرا بالبيان
مَنْ كَانَ الفقه له طبعياً لا وضعياً، وحقيقياً لا إضافيًاً،
فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها
ولو رأها أحداً غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها
ولو لم تطعه بنات القلوب لما قبل الله أعمالها.
وإني لا أستطيع كنه صفاتهولو أن أعضائي جميعا تكلم
¬
(¬1) فتاوى الولوالجي لظهير الدين أبي المكارم اسحق بن أبي بكر المتوفى رحمه الله (710 هـ)، فصل فيه كتاب الجامع النوازل الأحكام، الحسام الدين الشهيد، وضم إليه ما سواه من الواقعات المهمة، وما اشتملت عليه كتب الإمام محمد بن الحسن، مما لا بد من معرفته لأهل الفتوى، ليكون كتابا جامعا للفقه، وقواعده. ينظر: كشف الظنون ? ???? هدية العارفين 568/1، الآلي المحار" (ص 442).
(¬2) ينظر: فتاوى الولوالجي:2/ 46.
فتح الله تعالى نفع العالمين بجوده، وأحيا مَذْهَب النعمان بوجوده، مع أني لست أهلاً لذلك، ولكن سألت الله تعالى ببركته ولكن استبشرت بالفتح بمجرد تناول الكتاب لي تبركاً إلى ذلك، أن يفتح علي بما هنالك، فأقول مستعيناً و متوكلاً:
حاصل الإشكال أن المشائخ المتأخرين اختلفوا في نقل الحكم في مسألة ما إذا طلق الأخيرة فقط ماذا يقع على الأولى؟
فذكر الصدر الشهيد في (العدة» و «الواقعات»، أَنَّهُ يقع عليها واحدة، وتبعه الولوالجي (¬1) في «َتَاوَاه»، وصاحب الهداية (¬2) في «التجنيس»، وذكر قاضيخان في «فَتَاوَاه» أَنَّهُ يقع على الأولى اثنتان كالوسطى.
¬
(¬1) إسحاق بن أبي بكر، أبو المكارم، ظهير الدين الولوالجي: فقيه حنفي. من أهل (ولوالج) وراء بلخ. له (الفتاوى الولوالجية) الثالث منه، فقه. في أوقاف بغداد، قال اللكنوي: إمام فاضل نظار كامل تفقه ببلخ على أبي بكر القزاز محمد بن علي وعلى بن الحسن البرهان البلخي. توفي سنة:710 هـ. ينظر: الأعلام: 1/ 293 و فوائد البهية في تراجم الحنفية: 93.
(¬2) هو علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني المرغيناني برهان الدين (???) هـ) نسبته إلى (مرغينان) وهي مدينة من فرغانة وراء سيحون وجيحون من أكابر فقهاء الحنفية، وكتابه الهداية شرح بداية المبتدئ مشهور يتداوله الحنفية، ومن تصانيفه أيضًا منتقى الفروع مختارات النوازل والتجنيس [ينظر: الجواهر المضيئة: 627/2 - 1628 تاج التراجم: 206.
وتقدير ما فتح الله به أن هذه المسألة من رواية بشر عن أبي يوسف، كما ذكره الإمام الحصيري في «شرح الجامع الكبير»، فنقلها الصدر الشهيد كما هي في أصل الرواية (¬1) ولم يتصرف فيها بشيء، وأما قاضيخان فإنه نظر إلى المروي عن مُحَمَّد في نظيرها في مسألة عمرة وزينب فجمع بين المرويين، فأفتى بوقوع اثنتين على الأولى كما سيتضح لك: قال في «المبسوط» إلى آخر ما كتبناه سابقاً في الورقة الثالثة.
فمن قال في مسألة النساء الثلاث تقع على الأولى واحدة فمعناه بسبب الإيقاع على الأخيرة وسكت عن وقوع ثانية عليها بسبب الوقوع على الوسطى للإيقاع على الأخيرة، ولهذا لم يقولوا: لا يقع على الأولى إلا واحدة، وإنما قالوا: يقع على الأولى واحدة، وإنما سكتوا عن الثانية اتباعاً للمروي عن بشر عن أبي يُوسُف ورووا اضطراب الرواية (¬2) عن مُحَمَّد في مسألة المرأتين، ولم يصح عندهم ما (¬3) صححه في «المبسوط» من نسخ أبي سليمان في مسألة عمرة وزينب، ونظروا إلى ما في نسخ أبي حفص فلم يكن في المروي [عن محمد الاتفاق في النسخ فابقوا المروي] (¬4) عن أبي يوسف من غير تصرف.
¬
(¬1) يعني لو طلق الأخيرة يقع وعلى الأولى واحدة.
(¬2) في نسخ أبي سليمان - رضي الله تعالى عنه: تقع على زينب طلقتان في المسئلة زينب و عمرة و في نسخ أبي حفص - رضي الله تعالى عنه: تقع على زينب طلقة, ولا يعود على زينب فلهذا لا يقع عليها تطليقة أخرى.
(¬3) زيادة في (ج): "إلا".
(¬4) ساقطة من (أ).
وقاضيخان رأى ما صحّحه في «المبسوط»، واعتمده من نسخ أبي سليمان مع أن الوقوع كالإيقاع فجمع بين المرويين وقال بوقوع الاثنتين، مع أنّ في كلام الصدر الشهيد ومن تبعه ما بيّنه عَلَى مَا ذكره قاضيخان، فإنه بعدما ذكر المروي عن أبي يوسف بتمامه قال في «الواقعات الحسامية» و «العدة»: يخرج على هذا الأصل، وقال في (التجنيس): يخرج عن الأصل، وقال الوَلْوَالِجي في (فَتَاوَاه): يخرج عن الأصل، فهذه الزيادة على أصل مروي بشر عن أبي يُوسُف [مع أنّه اعتبر الإيقاع دون الوقوع في الوسطى، واعتبر الوقوع فيهما فأوقع عليها (¬1) ثنتين واحدة بالإيقاع على الأخيرة وواحدة بالوقوع] (¬2)، أزالت اللبس وأوضحت كل تخمين وحدس.
ونبّهت على أنّ المراد ما ذكرنا كأنهم يقولون يقع على الأولى واحدة في أصل الرواية لا نقتصر عليها، بل وإذا خرّجتها (¬3) على الأصل السابق من أن الوقوع على امرأة إذا كَانَ بكلام وُجِدَ بعد يمين الأولى فإنه يقع به أخرى؛ لأن الوقوع حينئذٍ كالإيقاع فتقع ثانية، فهذه الزيادة من مولانا الصدر الشهيد هي المنبهة لقاضيخان على ما فهمه (¬4).
[وعلى هذا] (¬5) و في قولهم (يقع على الأولى واحدة اي بسبب الإيقاع على الأخيرة)، ولا ينافيه وقوع أخرى مع سبب آخر خصوصاً مع التنبيه (¬6) المذكور.
¬
(¬1) يعني في الوسطى.
(¬2) ساقطة من (ب)، (ج).
(¬3) في (ب): "أخرجتها".
(¬4) زيادة في (أ): "التنبيه"
(¬5) ساقطة من (أ).
(¬6) في (أ): "الأولى".
لكن بقي سؤال: ما الحكمة في أصل المروي (¬1) عن أبي يوسف مع أنه اعتبر الإيقاع دون الوقوع [في الوسطى واعتبروا الوقوع فيهما] (¬2) فأوقع عليها اثنتين واحدة بالإيقاع على الأخيرة و واحدة بالوقوع على الأولى، فكان ينبغي إما اعتبار الوقوع فيهما (¬3) أو عدم اعتباره (¬4) فلم اعتبره (¬5) في الوسطى دون الأولى، مع أنه إيقاع الثلاث على الأخيرة لم يكن إلا باعتبار الوقوع على الوسطى والأولى.
وبهذا التقرير (¬6) (¬7) إن شاء الله تعالى حصل التوفيق بين كلامهم هذا وجهد المقل دموعه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
¬
(¬1) يعني لو طلّق الأخيرة يقع على الأولى واحدة.
(¬2) في (ب)، (ج): " في الأولى واعتبر الوقوع في الوسطى".
(¬3) ساقطة من (أ).
(¬4) في (أ)، (ج): "فيهما".
(¬5) يعني الوقوع.
(¬6) ساقطة من (ب)، (ج).
(¬7) يعني الوقوع على امرأة إذا كَانَ بكلام وُجِدَ بعد يمين الأولى فإنه يقع به على الاولى أخرى؛ لأن الوقوع حينئذٍ كالإيقاع فتقع ثانية.