رسالة في بيان ما يسقط من الحقوق بالإسقاط وما لا يسقط
للإمام زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
ما جان بيو
جارٍ تحميل الكتاب…
رسالة في بيان ما يسقط من الحقوق بالإسقاط وما لا يسقط
للإمام زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
ما جان بيو
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وكفىي، وسلام على عباده الذين اصطفى صلى الله عليه وسلم. وبعد:
فهذه رسالة في بيان ما يسقط من الحقوق بالإسقاط وما لا يسقط.
فذكر في «جامع الفصولين»،من فصل الثاني والعشرين: لو قال وارث: تركت حقي لا يبطل حقه، إذ الملك لا يبطل بالترك، والحق يبطل به، حتى لو أن أحد الغانمين قال قبل القسمة: تركت حقي، بطل حقه. وكذا لو قال المرتهن: تركت حقي في حبس الرهن بطل انتهي. وهي عبارة الإمام العمادي رحمه الله في فصوله.
وظاهره أن كل حق يبطل بالإبطال، وهو ظاهر ما ذكره قاضي خان رحمه الله في فتاواه من كتاب الشرب، فإن قال:
رجل له مسيل ماء في دار غيره فباع صاحب الدار داره مع المسيل، ورضي به صاحب المسيل، كان لصاحب المسيل أن يصرف بذلك في الثمن، وإن كان له حق أجر الماء دون الرقبة لا شيء له من الثمن، ولا سبيل له على المسيل بعد ذلك. كرجل أوصى لرجل يسكن داره، فمات الموصي، وباع الوارث الدار، ورضي به الموصى له جاز البيع، وبطل سكناه.
ولو لم يبع صاحب الدار داره، ولكن قال صاحب المسيل: أبطلت حقي في المسيل، فإن كان له حق إجراء الماء دون الرقبة بطل حقه قياسا على حق السكنى، وإن كان له رقبة المسيل لا يبطل بالإبطال، لأن ملك العين، لا يبطل بالإبطال.
وذكر في الكتاب «الإسعاف» في أحكام الأوقاف:
إذا أوصى لرجل بثلث ماله ومات الموصى، فصالح الوارث الموصى له من الثلث على السدس جاز الصلح.
وذكر الشيخ الإمام المعروف بخواهر زاده رحمه الله تعالى: إن حق الموصى له وحق الوارث قبل القسمة غير متأكد يحتمل السقوط بالإسقاط انتهي.
فقد علم: أن حق الغانم قبل القسمة، وحق حبس الرهن، وحق المسيل المجرد، وحق الموصى له بالسكني، وحق الموصى له بالثلث قبل القسمة، وحق الوارث قبل القسمة على قول الإمام خواهر زاده رحمه الله تعالى الكل يسقط بالإسقاط.
وصرحوا بأن حق الشفعة يسقط بالإسقاط، وحق الرجوع بالهبة لا يسقط بالإسقاط، حتى لو قال الواهب: أسقطت حقي في الرجوع في الهبة لا يسقط، كما ذكره الإمام البزازي رحمه الله تعالى في فتاواه من الهبة.
وأما إسقاط حق الاستحقاق في الوقف، فقال قاضي خان رحمه الله في كتاب الشهادات في وقف المدرسة:
من كان فقيرا من أصحاب المدرسة يكون مستحقا للوقف استحقاقا لا يبطل بالإبطاله، فإنه لو قال: أبطلت حقي، كان له أن يطلب ويأخذ بعد ذلك انتهي.
وقد بقي حقوق كثيرة:
منها: خيار الشرط: قالوا: لا يبطل بالإبطال.
(ومنها: خيار الرؤية: لا يسقط بالإسقاط قبل الرؤية، كما صرحوا به في في بابه.
ومنها: خيار العيب: يبطل بالإبطال.)
ومنها: حبس المبيع يبطل بالإبطال.
ومنها: الدين يسقط بالإسقاط.
ومنها: حق القصاص يبطل بالإبطال كما صرحوا به.
وأما حد القذف فلا دخل له هنا لأن الغالب فيه حق الله تعالى في الأصح. وكذا لو عفى ثم عاد وطلب يحد.
وكلامنا هنا في حقوق العباد الخالصة أوالغالبة، وأما حق الوكالة والعارية والوديعة فينبغي أن لا يسقط بالإسقاط، حتى لو قال المستعير: أسقطت حقي من الانتفاع بالعارية لا يسقط ما دام المعير لم يرجع، وله الانتفاع لأنها كمالك الأعيان.
وعلىى هذا لوقال: أسقطت حقي من الانتفاع بالعين لا يسقط، وينبغي إخراج العارية والإجارة من الحقوق أصلا، لأن الملك فيهما حاصل، وإن كان للمنافع.
وينبغي أن يلحق بمسألة وقف المدرسة المذكورة في فتاوى قاضي خان رحمه الله تعالى كل شيء تعلق بالوقف، وهي مسائل منها:
أن بعض ذرية الوقف المشروط له الاستحقاق. إذا أسقط حقه لغيره لا يسقط وله أن يأخذ.
ومنها: المشروط له النظر، إذا أسقط حقه منه لا يسقط.
ومنها: من له وظيفة في وقف كالإمام إذا أسقط حقه من معلومة سنة مثلا، لا يسقط وله الأخذ، إلا أن يكون الناظر قد استهلكه فيكون الإبراء له.
ومنها: أن من أسقط حقه من وظيفة لا يسقط، وكذلك من فرغ عن وظيفة لغيره، ولم يكونا بين يدي القاضي، إلا أن الشيخ قاسم رحمه الله في فتاواه أفتى بسقوط حقه بالفراغ لغيره، وإن لم يقرر الناظر المنزول له ولم يستند إلى نقل وخولف في ذلك.
ويمكن إلحاق الوظائف بنواب القاضي، فإنهم صرحوا بأن نائب القاضي إذا عزل نفسه بغير حضرة من ولاه لا ينعزل. وكذا لو أوصى.
ومنها: إذا اشترط الواقف لنفسه الإدخال والإخراج إلى آخره، أو شرطه لغيره فأسقط حقه من ذلك الشرط، ينبغي أن لا يسقط فيعمل بذلك إلا أن يوجد نقل يخالفه فيجب اتباعه.
فعلى هذا:
فالأصل في الحقوق السقوط بالإسقاط، إلا حق الرجوع في الهبة، وحق الوقف. وأما خيار الروية فلا حق للمشتري قبل الرؤية ليسقطه كما صرحوا به. فلا يكون من هذا القبيل.
مسألة الإجارات نقل الإمام فخر الدين الزيلعي رحمه الله تعالى الاختلاف فيما إذا غصبت العين المؤجر فنقل عن الهداية أن الإجارة تنفسخ. ونقل عن قاضي خان إنها لا تنفسخ مع الاتفاق على سقوط الأجرة في مدة الغصب، ولم يذكر ثمرة الاختلاف، والذي ظهر للفقير من كلامهم، إنها لا تنفسخ اتفاق. وإن قول الهداية تنفسخ بمعنى تفسخ مما نقله في الدعوى.
فقال في «البزازية»:أجر داره وسلمها ثم عصبها من المستأجر غاصب لا تصح دعوى المالك على الغاصب بلا حضور المستأجر، لأن اليد لأحدهما والملك للأخر فيشترط اجتماعهما، ولكن يصح دعوى المستأجر بلا حضور المالك، لأن المنفعة له. فيملك الخصومة بلا حضور المالك انتهى.
وهو يفيد لما بها لقوله لأن المنفعة له، فلو انفسخت بالغصب لم تكن، ولم يذكر فيها خلافا. وكذا في «جامع الفصولين» معللا بأن: ملك المنفعة له بعقد الإجارة، فله الخصومة بلا حضورة المالك انتهى.
وهو يفيد لبقائها، لكنه هذا غايتهم فيما لو كانت المدة باقية إما بعد انقضائها فينبغي أن لا تسمع دعوى المستأجر للعلق المذكورة، لأنه لم يبق مالك للمنفعة إن وجد، نقل في سماعها منه بعد المدة، فلما كان له من اليد فإنه صاحب اليد لعبد انقضائها كالمودع فإن للمودع الدعوى على غاصب الوديعة كما في جامع الفصولين، لكن وقع الاشتباه فيما إذا كان في أثنائها استردها.
هل تسمع دعوى المستأجر بأجرتها فيما إذا كانت وقفا أو ملكا بعد الاستغلال أولا تسمع إلا من المتولى للمولى للوقف أو المالك أو مال اليتيم والوصى.
الظاهر إنها لا تسمع من المستأجر لما أن الأجرة في زمن الغصب ساقطة عنه فلا حق لرفع مضى، وكذلك لا تسمع دعواه بعد انقضائها في يد الغاصب بالأولى.
ولم أره منقولا، فإن الكلام السابق في دعوى العين، وكلامنا في دعوى الأجرة وإنما هو مخرج على ما ذكرنا إلا أن يوجد نقل يخالفه، فيتبع.
والله الموفق للصواب. حرره الفقير زين بن نجيم الحنفي غفر الله عنه.