رسالة في بيان الإقطاعات ومحلها ومن يستحقها
للإمام زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
ما جان بيو
جارٍ تحميل الكتاب…
رسالة في بيان الإقطاعات ومحلها ومن يستحقها
للإمام زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
ما جان بيو
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى صلى الله عليه وسلم.
وبعد:
فهذه رسالة في بيان الإقطاعات ومحلها ومن يستحقها.
قال في «القاموس»:قطيعة أي طائفة من أرض الخراج.
وفي «المصباح»:أقطع الإمام، لجند البلد قطاعا، جعل لهم غلتها رزقا، واستقطعته: سألته إلا واسم ذلك الشيء الذي يقطع قطيعة انتهي.
وذكره الإمام أبو يوسف رحمه الله في كتاب «الخراج» في موضعين:
فقال في الموات: وللإمام أن يقطع كل موات وكل ما كان ليس لأحد فيه ملك، وليس في يد أحد ويعمل في ذلك بالذي يرى أنه خير للمسلمين، وأعم نفعا.
وقال في ذكر القطائع: إن عمررضي الله عنه اصطفى أموال كسرى، وآل كسرى، وكان من فرغت أرضه أو قتل في المعركة، وكل مقبض ما أوجهه، فكان عمر رضي الله عنه يقطع هذه لمن أقطع.
قال الإمام أبو يوسف رحمه الله: وذلك بمنزلة بيت الملك الذي لم يكن لأحد، ولا في يد وارث، فللإمام العادل أن يخمس منه ويعطي من كان له عنا في الإسلام، ويضع ذلك موضعه، ولا بجانب به. فهذا سبيل القطائع عندي بأرض العراق، ويؤخذ العشر من القطائع.
قال الإمام أبو يوسف رحمه الله: وكل أرض من أرض العراق والحجاز والطائف، وأرض العرب وغيرها عامرة، وليست لأحد، ولا في يد أحد، ولا ملك لأحد، ولا وارث، ولا عليها أثر عمارة فأقطع الإمام رجلا فأعمرها، فإن كانت في أرض الخراج ادعى فيها الذي أقطعها الخراج، والخراج ما افتح عنوة، وإن كانت عشرية ففيها العشر.
قال الإمام أبو يوسف رحمه الله: وكل من أقطعه الولاة المهديون أرضا من أرض السواد وأرض العرب والجبال من الأصناف التي ذكرنا أن للإمام أن يقطع منها، فلا يحل لمن يأتي بعدهم من الخلفاء أن يرد ذلك، ولا يخرجه ممن هو في يده وارث أو مشتر. ولا يجوز أن يقطع أحدا من الناس حق المسلم، أو معاهد، ولا يخرج من يده إلا بحق ...... إلى أخر ما ذكره في البابين.
قال الإمام الخصاف رحمه الله في «أحكام الأوقاف»:
قلت: فما تقول في هذه الإقطاعات التي يقطعها السلطان إن وقف إنسان ما قد أقطعه السلطان شيئا منها؟
قال: إن أقطع السلطان أرضا مواتا جاز لمن أقطع ذلك أن يوقفها، وكذلك الأرض إذا ملكها السلطان فأقطعها إنسانا أو ملكه إياها فوقفها الذي أقطعها فالوقف جائز فيها. وإذا أقطع السلطان إنسانا شيئا من حق بيت المال لم تجز وقفه لذلك.
قلت: وكيف يقطع شيئا من حق بيت المال؟
قال: هذه أرض لإنسان، وهي أرض خراج وهي ملك لأربابها فالسلطان يأخذ منهم النصف مما يخرجه الله تعالى من أرض المزرع، فأقطع السلطان من هذه النصف الذي يأخذه لبيت المال بعضه، فيقول لمن يقطعه: قد أقطعتك من هذا النصف أربعة أخماسة وجعلت عليك خمسة لبيت المال، وهو العشر من جميع ما تخرج الأرض.
فإن وقف هذا الذي أقطع ذلك ما أقطعه لم يجز الوقف في ذلك من قبل أن الذي أقطع ليس يملك رقبة الأرض، وإنما أقطع شيئا من حق بيت المال، فالوقف في ذلك الباطل انتهي.
وفي «الظهيرية» من كتاب الزكاة السلطان:
إذا وهب لإنسان الخراج أرضه ليس له القبول، لأنه حق الجماعة. فإن كان مصرفا فله أن يقبل السلطان إذا جعل خراج الأرض لصاحب الأرض، وتركه عليه جازفي قول أبي يوسف خلافا لمحمد رحمهم الله، والفتوى على قول أبي يوسف رحمه الله إذا كان صاحب الأرض من أهل الخراج.
وعلى هذا التسويغ للقضاة والفقهاء، ولو جعل العشر لصاحب الأرض لم يجز في قولهم.
وفي «القنية»:
استخلص لنفسه ممن عهدة الخراج بشفاعة أوغيرها، لا يلزمه التصرف، ويعذر في صرفه إلى نفسه إن كان مصرفا كالمفتي، والمجاهد، والمعلم، والمتعلم، والذاكر الواعظ بحق وعلم، ولا يجوز لغيرهم، وكذا إذا ترك عمال السلطان الخراج لأحد بدون عمله انتهي.
وصرح الشيخ قاسم رحمه الله في فتاواه وقعت له بأن للجندي إن يؤجر ما أقطعه الإمام، ولا أثر لجواز إخراج الإمام له أثناء المدة. كما لا أثر لجواز موت المؤجر في أثناء المدة ما أجر، ولا تكونه ملك منفعة لا في مقابلة مال، لانتفاقهم على أن من صولح على خدمة عبد سنة كان للمصالح أن يؤجرإلى غير ذلك من النصوص الناطقة بإيجار ما ملكه من المنافع، لا في مقابلة مال، فهو نظير المستأجر كما قلنا.
وإذا مات المؤجر أو أخرج الإمام الأرض عن المقطع، تفسخ الإجارة لانتقال الملك إلى غير المؤجر. كما لو انقتل الملك في النظائر التي خرج عليها إجارة الإقطاع، وهي إجارة المستأجر، والمؤجر، وإجارة العبد الذي صولح على خدمته مدة معينة، وإجارة الموقوف عليه الغلة، وإجارة العبد المأذون ما يجوزعليه عقد الإجارة من مال التجارة، وإجارة أم الولد انتهي.
فقد تحرر لنا من هذا كله أن ما أقطعه السلطان من أملاكه أو من موات بشروطها يصير ملكا للمقطع يصحح فيه سائر التصرفات الثابتة للأملاكه وتورث عنه، وليس لأحد إخراجها عنه إلى غيره. ويجب على المقطع فيها وظيفتها من خراج أو عشرة، أو ما يراه الإمام، ولا يشترط أن يكون من مصارف الخراج، إنما الرأي فيها إلى السلطان.
وأما ما أقطعه من أرض بيت المال، فلأنه لا يملك العين فلا يصح وقفها، ولا التصرف بما يخرجها عن ملكه، ولا تورث عنه، وإنما ملك الانتفاع بها فله إيجارها، وللإمام أن يخرجها إلى غيره.
وحاصله:
أنه جعل له خراجها الذي كان يحمل لبيت المال. إما الكل أو البعض، ويشترط أن يكون من مصارف الخراج كما قد علمت في السلطان إذا جعل الخراج، وعلى هذا ليس له أن يجعلها لغير المصارف.
فإن قلت: هل له أن يجعل أرضا وقفا على مسجد؟
قلت: نعم، ذكر قاضي خان رحمه الله أن من مصارف الخراج بناء المسجد والنفقة على تعميرها، وفيها:
لو وقف السلطان أرضا من بيت المال المسلمين على مصالح المسلمين جاز الوقف انتهي.
وفي منظومة ابن وهبان رحمه الله:
ولو وقف السلطان من بيت مالنا لمصلحة عن تجوز وتؤجر وقال الشارح:
ويؤجر السلطان على ذلك، لأن بيت المال معد لمصالح المسلمين، فإذا أبد على مصرفه الشرعية، فقد منع غيره من خلافه فيؤجر.
وأما إذا وقف السلطان أرضا من أرض بيت المال على رجل معين، ثم على ذريته، ثم على الفقراء، قد افتى العلامة عبد البر بن الشحنة رحمه الله بعدم الجواز أخذا من قول قاضي خان رحمه الله على مصلحة عامة نظرا إلى أنه لا بد من العموم في الابتداء وخالفه في ذلك بعض أهل عصره، نظرا إلى العموم في الانتهاء.
وقد أطال الكلام فيه في شرحه على منظومة ابن وهبان.
وأما الإرصاد فذكر الشيخ قاسم رحمه الله أنه من السلطان ليس بايقاف.
فإن قلت: هل للفقراء حق في الخراج، وإن لم يكن ذا انفع عام؟
قلت: صرح في الظهيرية بأنهم يأخذون ما فضل بعد المصاريف العامة، وهكذا في السراجية. والله أعلم.