رسالة في الطّلاق المعلّق على الإبراء هل رجعيّ أو بائن؟
للفقيه زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
سالم محمد عودة أبو مديغم
إشراف:
د. براء السعدي
جارٍ تحميل الكتاب…
رسالة في الطّلاق المعلّق على الإبراء هل رجعيّ أو بائن؟
للفقيه زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
سالم محمد عودة أبو مديغم
إشراف:
د. براء السعدي
رسالة في الطّلاق المعلّق على الإبراء هل رجعيّ أو بائن؟
الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فقد وقعت حادثة في زماننا، هي أن رجلًا قال لزوجته: «متى ظهر لي امرأة غيرك وأبرأتني من مهرك فأنت طالق واحدة تملكين بها نفسك»، ثمّ ظهر له امرأة غيرها وأبرأته من مهرها، ووقع الطّلاق، [فهل يكون بائنًا أو رجعيًّا، فأجبت بأنّه بائن لأن وصف الطلاق] بما ينبئ عن الزّيادة، وهو قوله تملك بها نفسها؛ فيكون بائنًا وإن كان صريحًا.
قال في «البدائع»: «أمّا الصّريح الرجعيّ فهو أن يكون الطّلاق قبل الدخول حقيقةً غير مقرونٍ بعوض، ولا بعدد الثلاث، لا نصًّا ولا إشارةً، ولا موصوف بصفةٍ تنبئ عن البينونة، أو يدلّ عليها من غير حرف العطف، ولا مشبه بعدد أو صفة تدلّ عليها».
وأمّا الصّريح البائن فبخلافه؛ وهو أن يكون بحروف الإبانة أو بحروف الطّلاق، لكن قبل الدّخول حقيقة أو بعده، لكن مقرونًا بعدد الثلاث نصًّا أو إشارةً أو موصوفًا بصفةٍ تنبئ عن البينونة، أو تدلُّ عليها من غير حرف العطف، أو تشبيهًا بعدد أو صفةٍ تدلُّ عليها انتهى».
ولا شكّ أنّ قوله تملك بها نفسها إلّا بالبائن لا بالرجعيّ.
قال في «فتح القدير»: «وليس في الرجعيّ ملكها نفسها».
وقال في «البدائع»: «ولا تملك نفسها إلّا بالطّلاق البائن»، وفي فتح القدير» الكتاب وإن دلّ على أن الطّلاق يعقب الرجعة، إلّا أن تكون الطلقة الثالثة، لكن أخرج منه الطّلاق على مالٍ، ولزم إخراج الطّلاق بما دلّ على البينونة من الألفاظ. انتهى.
ولا شكّ أنّ هذا الوصف يدلّ على البينونة؛ كما ذكرنا.
وقال الإمام الزيلعيّ والمحقّق ابن الهمام، «إذا وُصف الطّلاق بما يوصف به الطّلاق فلا يخلو إمّا ألّا ينبئ عن زيادة، كقوله: أحسن الطّلاق، أو أفضله، أو أسنه، أو أجمله، أو أعدله، أو أخيره، أو ينبئ عن زيادة كقوله: أشدّ الطّلاق ونحوه؛ فالأوّل رجعيّ والثاني بائن. انتهى».
«ولا شكّ أنّ هذا الوصف ينبئ عن الزّيادة فيكون بائنًا؛ بل هو صريح في الدلالة عن البينونة من أنت طالق تطليقة طويلة أو عريضة ونحو ذلك من الألفاظ الدّالة على البينونة، وفي المجمع ولو وصفه بضرب من الزّيادة والشّدّة نوقعه بائنًا لا رجعيًّا في المدخول بها. انتهى».
وهكذا في أكثر الكتب شروحًا ومتونًا وفتاوى؛ فإن قلت لو لم يجعله بائنًا بسبب اشتراط الإبراء من المهر، فإنّ الطّلاق الموقع في مقابلة الإبراء يكون بائنّا. قال في «الخلاصة» و «البزازيّة»: قالت طلّقني على أن أؤخر ما لي عليك فطلّقها؛ فإن كان للتأخير غاية معلومة صحّ به التأخير، وإن لم يكن لا يصحّ، والطّلاق رجعيّ على كلّ حالٍ. ولو طلّقها على أن تبرئه من الكفالة التّي كفل بها عن فلان فالطّلاق بائن. انتهى».
قال في «فتح القدير، بعد نقله: «كأنّه لأنّ الأوّل ليس فيه مال؛ لأنّ مطالبتها به لا تسقط، بل تتأخر، بخلاف الثاني لتحقّق سقوط المال أو مطالبتها إياه به، انتهى». وفي «البزازيّة» وغيرها: قال لها حين طلبت الطّلاق أبرئيني من كلّ حقّ لكِ عليّ حتّى أطلّقكِ، فقالت: أبرأتك على كلّ حقّ للنّساء على الرّجال، فطلّقها في فوره وهي مدخولة يقع البائن. انتهى. وعلّله في «التّجنيس» بأنّه يقع بعوض؛ وهو الإبراء دلالةً. انتهى.
قلت: لأنّ في هذه المسائل جعل الإبراء عوضًا عن الطّلاق؛ فكان طلاقًا على مال. وأمّا في مسألتنا جعل الطّلاق متعلّقًا بالإبراء شرطًا له لا عوضًا؛ فلذا لم نجعله بائنًا، إلّا أن يوجد نقل يدلّ على ذلك.
وقد وقفت على جواب لبعض حنفيّة عصرنا، أن الطّلاق في المسألة المذكورة رجعيّ، قال: لأنّه طلاق صريح وهو يعقب الرجعة. وقوله تملك نفسها تغيير للمشروع، وقد قالت علماؤنا: لو قال لها أنت طالق على أن لا رجعة لي عليك فهو رجعيّ، ويلغو قوله على أن لا رجعة لي عليك؛ لأنه تغيير للمشروع، ولأنّ الطّلاق الرجعيّ أن لا يكون على مال، ولا من الكنايات انتهى كلامه. وهو مردود من أوجه:
الأوّل: أنه أُفتي بالقياس؛ وليس لمثله ذلك، وإنّما حكاية قول المجتهد من الكتب المعتبرة المشهورة كما صرّحوا به.
الثاني: أن شرطه عدم النصّ على المسألة، وقد علمت فيما سبق نصوص المذهب أنّه إذا وصف الطّلاق بما ينبئ عن الزّيادة كان بائنًا. وهذه المسألة من أفراد هذه القاعدة فلا يصحّ القياس.
الثالث: أنّ نقله عن علماؤنا أنّ الطّلاق رجعيّ في قوله على أن لا رجعةَ لي عليك، غيرُ صحيح؛ بل المنقول أنّه بائن. وأمّا ما ذكره في دليل الشافعيّ، قال في «الهداية»: «وإذا وُصف الطّلاق بضرب من الشّدّة والزّيادة كان بائنًا، مثل أن يقول: أنت طالق بائن أو البتة». وقال الشافعيّ» يقع رجعيًّا إذا كان بعد الدخول؛ لأنّ الطّلاق شُرع معقبًا للرّجعة فكان وصفه بالبينونة خلافَ المشروع؛ فيلغو. كما إذا قال أنت طالق على أن لا رجعةَ لي عليك، ولنا أنّه وصفه بما يحتمله؛ ألا ترى أن البينونة قبل الدخول وبعد العدّة تحصل به؛ فيكون هذا الوصف لتعيين أحد المحتملَين ومسألة الرّجعة ممنوعة. انتهى بلفظه.
وقال في «الغاية»: «وقوله ومسألة الرجعة ممنوعة"؛ أي لا نسلّم أنّه لا يقع بائنًا، بل يقع واحدة بائنة. ولئن سُلّم فالفرق أنّ في قوله إن لا رجعة فصريح ينفي المشروع، وفي مسألتنا وصفه بالبينونة ولم ينفِ الرجعة صريحًا، لكن يلزم منها نفي الرجعة ضمنًا، وكم من شيءٍ يثبتُ ضمنًا وإن لم يثبت قصدًا، كذا أفاد شيخ شيخي العلامة. انتهى».
وقد صرح في «فتح القدير» بما في «الهداية» و «العناية» وكذا ذكر «الزّيلعيّ»، أنّ مسألة الرّجعة ممنوعة. انتهى. وفي «غاية البيان»، «ولا نُسلّمُ وقوع الرجعيّ في قوله أنت طالق على أن لا رجعة لي عليك؛ لأنّه صار كناية عن البينونة. انتهى». والعجب كلّ العجب من احتجاجه في المجالس بمسألة الرجعة أيامًا ولم يراجع الكتب؛ ليعلم أنّ مسألة الرجعة ممنوعة، ويكفي في الرّدّ عليه قول الكلّ إنها ممنوعة.
الرابع: أنّ قوله ولإنّ الطّلاق الرّجعيّ إلى آخره غيرُ صحيح، بل الطّلاق الرّجعيّ ما أفاده في «البدائع»، لأنّه يردُّ عليه ما لو وصفه بما ينبئ عن الزيادة والشّدّة كانت طالق أشدّ الطّلاق إلى آخر ما ذكروه فإنّه بائن ومقتضي حصره الرّجعيّ فيما ذكره أن يكون رجعيًّا، وهذه المسائل ظاهرة؛ فلذا لم نُطل في ذكر المنقولات، والله الموفّق للصّواب.