رسالة في الحكم بالمُوجَب لا بالصحة
للإمام زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
مدينا عبد الصمدوفا
إشراف:
د. براء السعدي
جارٍ تحميل الكتاب…
رسالة في الحكم بالمُوجَب لا بالصحة
للإمام زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
مدينا عبد الصمدوفا
إشراف:
د. براء السعدي
رسالة في الحكم بالمُوجَب [لا بالصحة]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، بعد السّلام التّام، وتقبيل الأيادي الكرام، لا زالت ممدودة بالإحسان والإنعام، (العلوم الشرعية محيطة) بأنّ الفقير قد اطّلع على مكتوب الإجارة، فرآها مستحقة للفسخ، إما لفسادها كما اختاره قاضي خان للزيادة على ثلاث سنين، أو لأنّ القاضي يفسخها، وإن كانت صحيحة ابتداءً نظرًا للوقف كما في "الذخيرة"، وحكى القولين في "الظهيرية".
فإذا رفعت إلى القاضي الحنفي فسخها على كل من القولين، ولا يمنعه حكم الحنبلي؛ لأنه لم يحكم بصحتها ولا بلزومها، وإنما حكم بموجبها وموجبها استحقاق الفسخ.
فإن قيل: إن ظاهر السياق والسياق يدل على أنّه أراد به الصحة لا ما ذكرته.
قلنا: لم يقع نزاع عنده في صحة العقد، حتى يحكم بها، ولا بدّ من تقدم الدعوى الصحيحة لصحة الحكم.
قال "العمادي" في "فصوله": قال "شمس الأئمة": "وههنا شرط آخر لنفاذ القضاء في المجتهدات، وهو أن يصير الحكم حادثة فيجري فيه خصومة صحيحة بين يدي القاضي من خصم على خصم، فلو فات هذا الشرط لا ينفذ القضاء وهكذا في "البرازية" و"جامع الفصولين"، وفي "الفتاوى القاسمية".
"أما كون الحكم حادثة فاحتراز عما لم يحدث بعد، كما لو حكم بموجب إجارة لا يكون حكمًا بالفسخ بموت أحد المتواجدين، وكما لو حكم بموجب بيع عقار لا يكون حكمًا باستحقاق شفعة الجوار لأنه لم يجر فيه خصومة، وأمّا الخصومة الصحيحة فهي الدعوى المشتملة على شرائط الصحة"، انتهى.
فإن قلت: إنما نقله من كلام الحنفية والكلام الآن مع القاضي الحنبلي.
قلت: ذكر في "الفتاوى القاسمية" أنّ اشتراط تقدم الدعوى والحادثة مجمعٌ عليه، وأغرب من ذلك أنّه ذكر نقل مذهبهم، فقال: قد حكي الاتفاق على أنّ الحكم بالحدس والتخمين غير نافذ، ولا نعرف أنّ أحدًا من أئمة الحنابلة سمّى هذا موجبًا.
وقد قال: الشيخ الإمام العالم العلامة "محب الدين أحمد بن نصر الله البغدادي" قاضي قضاة الحنابلة في رسالة له في هذا:
"وأما الحكم بالموجَبِ بفتح الجيم؛ فمعناه الحكم بموجب الدعوى الثابتة بالبينة أو غيرها، هذا هو معنى الموجب ولا معنى له غير ذلك، فينظر في الدعوى فإن كانت مشتملة على ما يقتضي صحة العقد المدّعى به كان الحكم بموجبها حكمًا بالصحة، وإن لم يشتمل على ما يقتضي صحة حكم العقد المدّعى به لم يكن الحكم بموجبها حكمًا بصحة العقد، والحكم بالموجب حكم على العاقد بما يثبت عليه من العقد لا حكم بالعقد" هذا نصه بحروفه إلى آخر ما في "القاسمية".
وبهذا ظهر أن قول القاضي الحنبلي:
"ومن موجَبه عدم قبول الزيادة، وعدم انفساخها بموت أحدهما، و انتقال النظر على قاعدة مذهبه" خارج عن مذهبه؛ لأنّ حادثة الزيادة والانفساخ لم تكن موجودة ولم تقع دعوى بذلك.
وكذلك جميع ما ذكره قبل الحكم من إقامة البينة: "على أنّها معطّلة، وأنّ الضرورة داعية إلى إيجارها هذه المدة، وعلى أنّ القدر المذكور أجرة المثل، وأنّه لا غبن ولا شطط"؛ لم يكن بعد دعوى وخصومة، مع أنّ كل قضية منها تحتاج إلى ذلك، فهي مجازفة من القاضي إلّا أن يكون ذلك من الموثّق.
ولقد أنصف من قال من مشايخنا - رضي الله عنه - بعدم قبول شهادة الموثقين والصّكّاكين في زماننا؛ لأنهم يكتبون ما لم يقع.
وكذا أفتوا بردّ الصّك المشتمل على إبهام، كقولهم: "حكمًا صحيحًا شرعيًا مستوفيًا شرائطه الشرعية"، وكذا قولهم بعد دعوى صحيحة شرعية: "لا يقبل، حتى يتبين صورتها".
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
والحمد لله وحده.
تم.