رسالة في إقامة القاضي بنية التعزير على المفسد بلا دعوة آحدٍ
للفقيه زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
مؤيد بسام الشجراوي
إشراف:
د. براء السعدي
جارٍ تحميل الكتاب…
رسالة في إقامة القاضي بنية التعزير على المفسد بلا دعوة آحدٍ
للفقيه زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
مؤيد بسام الشجراوي
إشراف:
د. براء السعدي
رسالة في إقامة القاضي (بنية) التعزير على المفسد بلا دعوة آحدٍ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله (وكفى) وسلام على عباده الذين اصطفى.
وبعد:
فهذه رسالة في إقامة القاضي التعزير على المفسد، من غير توقف على مُدعي، حيث رجع إلى أنه من حقوقه تعالى، وسماعُ البينة على ذلك فنقولُ وبالله التوفيق.
ذكر في فتح القدير: مُعزياً إلى فتاوى قاضيخان، " التعزير حق العبد كسائر حقوقه يجوز فيه الأبراء والعفو والشهادة على الشهادة، ويجري فيه اليمين، يعني إذا أنكر أنه سَبه يحلف ويقضي بالنُكول، ولا يخفى على أحد أنه ينقسم إلى ما هو حق العبد، وحق الله تعالى.
فحق العبد لا شك أنه يجري فيه ما ذكر.
وأما ما وجب فيه حق الله تعالى، فقد ذكرنا آنفا أنه يجب علي الإمام (استيفاؤه)، ولا يحل له تركه، إلا فيما علم أنه (انزجر) (الفاعل) قبل ذلك.
ثم يجب أن يتفر^ع عليه، إنه يجوز إثباته بمدعٍ شهِدَ به فيكون مدعياً شاهداً، إذا كان معه آخر انتهى."ما في فتح القدير.
فقد استفيد منه سماع البينة بلا دعوى.
"ويدخل التعزير تحت قولهم، في تفسير الجرح المقبول، في كتاب الشهادات."
" هو ما تضمنَ حقاً الله تعالى أو (حقاً) للعبد (والجَرحُ) الذي لا يُقبل ولا تسمعُ البينة عليه، وهو ما لم يتضمن حقاً الله تعالى لا للعبد كما في الهداية وغيرها، فحق الله تعالى أعمُ من الحدود والتعازير، التي هي من حقوق الله تعالى، لأن المراد بحق الله تعالى، كما صرح به في (التلويح)) (، ما تعلق نفعه بالعامة."
وذكر في المعراج في شرح قوله في الهداية: ولا تسمع الشهادة على جرح مجرد.
" فإن قيل أنه عليه (الصلاة) والسلام، قال: اذكروا الفاجر بما فيه، قلنا: هو محمول على ما إذا كان (فيه) ضرره يتعدى إلى غيره، ولا يمكن دفع الضرر إلا بالإعلام انتهى."
فيدخل (تحت) (ضرره) ما إذا كان ضرره عاماً كرجل يؤدي بلسانه ويده، فإذا أعلموا القاضي بذلك قبل خبرهم، حيث كان المخبر عدلاً، فيزجره القاضي ويمنعه أشد المنع، ويعزره بما يليق بحاله.
"وفي الظهيرية كراهة: رجل (ثقيل) ويضر الناس بيده ولسانه، فلا بأس بإعلام السلطان به ليزجره انتهى.
فقد استفيد من هذا، أن إعلام القاضي بذلك يكفي لتعزيره، وهو من باب الإخبار، فلا يحتاج إلي لفظ الشهادة ولا إلي مجلس القضاء."
(فإذا) أخبر القاضي بأن فلاناً ارتكب معصية ليس فيها حد مقدر، وكان المخبر عدلاً، أرسل القاضي خلفه وعزره.
ولهذا قال في فتح القدير: "إن تعزير أشراف الأشراف (وهم العلماءُ والعلويةُ) بالإعلام، وهو بأن يقول له القاضي، (بلغني) إنك تفعل كذا وكذا فيزجر به."
وفي التاتارخانية: و "هو أن يقول له القاضي بلغني أنك تفعل كذا "انتهى.
وهكذا ذكر الزيلعي رحمه الله في شرح الكنز: وهذا كالتصريح في أن مجرد الإعلام والإخبار للقاضي يكفي لتعزير القاضي من غير توقف على دعوى، حيث كان من حقوقه تعالى.
وقد فسره في القنية: بأن من ارتكب منكراً ليس فيه حد مشروع من غير أن يجني على إنسان.
فإن قلت: يحتمل أنه: (أن الجاني) قد تاب من (الذنب) فكيف يعزر قلت:
قال في" القنية: التعزير لا يسقط بالتوبة."
فإن قلت: إذا أخبر العدول القاضي، أن رجلاً يؤذي المسلمين بشره وفساده وتزويره فهل ينفيه عن البلد.
قلت: قال شيخ الإسلام العيني: أنه يُنفى وبه افتى عبد الله بن عمر.
وأصله حديث من أكل الثوم أو بصلا، فلا يقربن مسجدنا هذا، فينبغي من آذى الناس بالمسجد بأن يخرج منه.
ومن آذاهم مطلقاً ينفى عن البلد، ذكره في شرح البخاري من كتاب الصلاة في شرح ذلك الحديث.
ويدخل تحت قوله في معراج الدراية: "إذا كان ضرره يتعدى إلي غيره، ولا يمكن دفع الضرر إلا بعد الإعلام."
ما إذا اخبر القاضي أنّ زوجةً تخرج من بيت زوجها الغائب وتذهب إلى فلانً اجنبيً (عنها)، فإن القاضي يَمنَعُها ويعزرها على ذلك، لأنه لا يمكن دفع هذا الضرر إلا بذلك، (فإن) الزوج غائب، وقالوا القاضي يُنصب ناظر المصالح المسلمين خصوصاً للغايببن.
وفي فتح القدير: "القاضي ينصب ناظر لكل عاجز عن النظر لنفسه"، فالغائب كذلك، ولا شك أن هذا من أعظم مصالحهم، فإذا كان له حفظ مال الغائب، فكيف بعياله وحرمه.
فإن قلت: يحتمل أنها ذهبت إليه لقضاء حاجة قلت: (لا) أعتبار بالإحتمال في باب التعزير، أنّ القاضي يبني الأمر على الغالب.
قال في القنية: "ولو وجد منه رائحة الخمر دون السُكرِ يعزر، ولو وجد معه آنية فيها خمر (حاملها) يعزر."
والحاصل أن باب التعزير مبني على الغالب والغالبُ في مثل هؤلاء (المخالفه) الفسقه يعزرون وعلى الظاهر انتهى.
فإن قلنا: إذا أخبر القاضي بمعصية رجل هل له الإرسال خلفه من غير أن يدعي عليه (ذا حسبه).
قلت: نعم إذا كان من حقوقه تعالى.
قال: في جامع الفصُولين من الفصل الثاني عشر:" لو أخبر الحاكم بتكلم رجل في عتق قنه بكلام لا يصدق في القضاء، أنه لم يرد به عتقه أو إبانة إمرأته، وهو يعرف ذلك الرجل أو لا يعرفه.
قال محمد رحمه الله: لو أخبره (به) عدلان ينبغي أن يجتهد فيه ويطلبه أشد الطلب حتى ينظر في أمره، ولو أخبره (واحدٌ) عدلٌ وأكبر رأيه؛ صدقه فالأولى أن يطلبه، وإن لم يطلبه رجوت أن يكون في سعه، ولو أخبره مَن لا يدري صدقه وكذبه فليس (له) طلبه انتهى."
وقد استفيد منه أن المخبر على ثلاث مراتب مع أن قوله إخبر بعتق قنه شامل للعبد والأمة مع أن عند الإمام لا بد من دعوى العبد لا ثبات عتقه، ولا تسمع فيه الشهادة بلا دعوى، بخلاف عتق الجارية
وفي الواقعات (الحُسامية):" من القضاء قاضٍ أخبر أن فلاناً طلق امرأته ثلاثاً أو استرق الحر أن كان (المخبران عدلان) ينبغي له أن يطلبه أشد الطلب، لأنه ثبت عند القاضي ما هو منكر لحجة شرعية.
وإن كان المخبر عدلاً واحداً، وكان أكبر رأيه أنه صادق فالأفضل أن يطلبه (وسعه)، (وان لم يطالبه وسعه.) "
وأن لم يكن المخبر (غير) عدلاً وغلب على ظن القاضي صدقه، فالأولى أن يطالبه، وإذا لم يشهد أحد بطلاق الزوجة وعِتق الأمة لكن بلغ القاضي ذلك أرسل (القاضي) خلفه فأنكروا ولا بينة، فهل يحلفه القاضي!
قال: في جامع الفصولين:" لا يحلف على عتق العبد حِسبةً بدون الدعوى وفاقاً (بالاتفاق) ().
وفي عتق الأمة والطلاق بدون الدعوى قيل يحلف وقيل لا، فيتأمل عند الفتوى انتهى. "
وقد تاملت فترجح الأول لوجه النكول، ولذا قدمتُ في الذكر.
وذكر في الهداية من فصل التعزير: وكتاب الكفاله، أن الحبس بمفرده يقع تعزيراً بالتهمة (قبل ثبوت الذنب () انتهى. فهذا يدل على أن التعزير لا يتوقف) على الثبوت إذا كان حقا الله تعالى.
وفي فتاوى قاضيخان رحمه الله: "إن من يُتهم بالقتل والسرقة يحبس ويخلد في السجن إلى أن تظهر التوبة.
وعن أبي يوسف - رضي الله عنه -:إذا كان يبيعُ الخمر ويشتري ويترك الصلاة يُحبس ويؤدب ثم يخرج انتهى. "
وقد استفيد منه أن التعزير يكون مجرد التهمة، وأن من كان ضرره عاماً كالقتل والسرقة يخلد في الحبس بخلاف من لم يكن ضرره متعدياً فإنه لا يخلد.
وفي فتح التقدير: "يعزر من شهد شرب (الخمر) والشاربون والمجتمعون على (شبه) الشرب وأن لم يشربوا.
ومن معه ركوة خمر في نهار رمضان يعزر ويحبس، وكذا المغني والمخنث والنائحة يعزرون ويحبسون حتى يحدثوا توبة انتهى.
ثم قال: ويعزر من قَبَلَ أجنبية أوعانقها أو مسها بشهوة انتهى."
فهذا كله دليل على أن التعزير، إذا كان حقاً لله تعالى، يكفي فيه مجرد الإخبار، ولا يتوقفُ على الدعوى، كالتقبيل، والمعانقة، والمس، والغناء والنوح.
وكذا الخلوة (عند) الأجنبية، والمبيت عند أجنبي، سواء كان لها زوج ادعىِ عليها أو لا.
لأنه حق الله تعالى وكذا تحرم الخلوة بالأجنبية (والمبيت عند اجنبي) وإن رضي زوجها أو محرمها.
"وفي الخلاصة: سمعت من ثقة، أن التعزير بأخذ المال، إن رأى القاضي ذلك أو الوالي جاز، ومن جملة ذلك رجلٌ لا يحضر الجماعة يجوز تعزيره بأخذ المال انتهى."
وهل يتوهم أحد أن التعزير بترك الجماعة موقوف على الدعوى والثبوت، وإنما هو بالإعلام إلى القاضي.
وفي الظهيرية: "رجل أظهر الفسق في داره، ينبغي أن يتقدم إليه"، لأن الأمر بالمعروف واجب انتهى.
وفيها ايضاً وسُئل محمد رحمه الله: عن "الرجل يوجدُ في (داره الذي فيها) بيته الخمر وهو فاسق، أو يوجد القوم مجتمعون عليها ولم يرهم أحدٌ يشربونها غير أنهم جلسوا مجلس من يشربها هل يعزرون؟
قال: نعم؛ لأن الظاهر أن الفاسق يستعد الخمر للشرب، وأن القوم مجتمعون عليها لإرادة الشرب، لكن بمجرد الظاهر لا يتقرر السبب على وجه لا شبهة فيه.
فلا يمكن إقامة الحد عليهم، والتعزير مما يثبت مع الشبهات فلهذا يعزرون انتهى."
فإن قلت: هل يعزر العبد أو يُحد في غيبة مولاه قلت:
(اما) الحد. فقال في الظهيرية: "ويُقام الحدُ على العبد إذا أقر بالزنا أو بغيره، مما يوجبَ الحد (يصح إقراره كما قاله في محل أخر،) وإن كان مولاه غايباً.
وكذا القطع والقصاص، لأن الوجوبَ عليه باعتبار النفسية.
وأبو حنيفة ومحمد رضي الله عنهما: يفرقان بين حجة البينة وحجة الإقرار، بإعتبار أن للمولى حق الطعن في البينة دون الأقرار انتهى."
وفي فتاوي قاضيخان رحمه الله: "لو ادعى على عبد محجور استهلاكا، ليس له أن يذهب به إلى القاضي إلا بإذن سيده، لأنه يشغله عن خدمة مولاه.
وإن وجده في مجلس القاضي حلفه."
فإن قلت: فما الأفضل أعلام القاضي بفعل (العاصي) أو ستره، قلت:
إذا كان يتكرر منه الفعل وصار منهمكاً به فالأفضل رفعه إلى القاضي زجراً له (وإخلاء) العالم من الفساد.
وأما من عصى مرةً أومرات وكان مستتراً متخوفاً متندماً عليه فالأفضل ستره وكذا في فتح القدير من كتاب الحدود.
(وفي معراج الدراية: لو شهدوا عند الإمام (على أحد) أنه قَبل أجنبية أو لمسها فإنه يُعزره على قدر ما رآه انتهى.)
فإن قلت: هل للقاضي إخراج العاصي من داره قلت:
قال: في البزازية: " يقدم الأعذار على مظهر الفسق في داره، فإن كف فيها وإلا حبسهُ الإمام أو أدبهُ أسوَطاً أو أزعجهُ عن داره (إن فعل) إذ الكلُ يصَلُح تعزيراً.
وعن عمر - رضي الله عنه - أنه هدم بيت الخمار، وعن الصفار الزاهدي الأمر بتخريب بيت الفاسق.
وفي "كراهة البزازية" قال في العيون: و فتاوى النسفي: إنه يُكسرُ دِنانُ الخمر ولا يضمن الكاسِرُ ولا يكتفي بإلقاءِ المِلحِ."
وفيها من الحدود؛ الزاني إذا حد لا يحبس.
والسارق إذا حُد يحبسُ لأن الزنا جناية على نفسه والسرقةُ جناية على مال الغير فجاز الحبسُ انتهى.
وفيها ايضاً قَبل أمراةً حرةً أو أمةً أجنبيةً أوعانق أو مس بشهوة أو جامع لا في الفرج يُعزر الفاعل والمفعولُ. أن (كان) عاقلاً بالغاً مُطاوعاً.
وإن كان صغيره أو صغير لا شئ عليهما انتهى.
وفيها (ايضاً) يجوز للحاكم التعزير بالشتم لأنه صالحٌ؛ فإن قلت: هل يجوزُ الهجوم على الفاسق في بيته؟ قلت:
قال: في البزازية:" ذكر الصدر (الشهيد) عن اصحابنا إنه يهدم البيت على من اعتاد الفسق، وأنواع الفساد في داره، حتى لا بأس بالهجوم على بيت المفسدين.
وقيل: يراق العصير ايضاً (قبل أن يشتد ويقذف في الزبد) على من اعتاد الفسق "، وانواع الفساد في داره.
"وهجم عمر - رضي الله عنه - على نائحة بالمدينة وضربها حتى سقط خمارُها، فقيل له (في ذلك)، فقال: لا حرمةَ لها بعد اشتغالها بالمُحرم والتحقت بالإمَاء.
ويروى أن الفقيه أبو بكر البلخي رحمه الله خرج إلى الرُستاقِ (يوما)، وكانت النساءُ على شاطئ البحر كاشفاتٍ الرءوس والذراع (فضربن) فقيل له كيف فعلت هذا؟ فقال: لا حرمة لهن، وإنما الشك في إيمانهن كأنهنّ حربياتٌ انتهى."
فإن قلت: هل لغير الحاكم التعزير؟ قلت: قال في البزازية: (إن) حال ارتكاب الفاحشه يجوز لكل احد، وبعد الفراغ لا يقيمه إلا الإمام، وعلى هذا لو رأى مسلماً يزني حل له قتله، وأنما يمتنِع لأنه لا يصدق.
وفي الخانية من كتاب الدعوى من مسائل اليمين:"لا يختص الإمام، بإقامة التعزير، فإن الزوج يؤدب المرأة، والمولى يؤدب العبد، ولو رأه إنسان يفعل ذلك كان له أن ينهاه، ويمنعه ويؤديه وضربه، أن كان لا (يجزره) بالمنع باللسان فيجزء فيه اليمين، ذكره بعد الدعوى."
فإن قلت: هل يشرع الهجوم على خصم طلبه القاضي (لسماع) الدعوى، فاختفى في بيته قلت:
قال في البزازية من كتاب القضاء:" ولم يجوزوا الهجوم على بيته، (ووسع) في ذلك (بعض) (بفعل) اصحابنا، وفعل ذلك (وقت)) (قضائه.
وصورته قال: الخصم إنه توارى وطلب الهجوم، بعث (أمينين) معهما أعوانه ونساء، فتَقُوم الأعوان من (جانب) السكة والسطح وتدخل النساء حرمة ثم أعوان القاضي فيُفتِشون الغرف وتحت السرير. فالفاروق - رضي الله عنه - هجم بيت رجلين بلغه أن في بيتهما شراباً، فوجده في بيت احدهما.
وهجم على بيت نايحة بالمدينة وأخرجها وعلاها بالدرة حتى سقط خمارها (كما تقدم).
وعلى هذا قالوا إذا سمع صوت (فساد) في منزل إنسان هجم عليه، وعامة اصحابنا لم يجوزوا الهجوم انتهى."
فقد استفيد منه، أن مولانا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - هجم بمجرد الإخبار. فهل يقال فيه أنه بعد دعوى.
واستفيد منه أن الحاكم، إذا سمع الغناء في بيت إنسان هجم عليه.
وأما قوله (واما) عامة اصحابنا لم يجوزوا الهجوم، إنما هو راجع إلى الخصم، إذا أختفى في بيته لا إلى المفسد، فإنه لا خلاف فيه.
وفي فتاوي قاضيخان رحمه الله: المشهور من قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أنه لا ينصب عنه وكيلاً، ولكن يهجم عليه، وهذا استحسان فعله عمر - رضي الله عنه - (ثم) الصالحون بعده، فترك فيه القياس.
وفي الذخيرة من كتاب الحظر والإباحة: "أن المرأة أذا تزوجت بزوج، ولها زوج غائب فشهد الشهود على ذلك، ولم تدع طلاقاً فعند أبي يوسف: أن كان الأول معروفاً يفرق بينهما حتى يقدم الغائب وإن لم يكن معروفاً لا يفرق."
وفي المنتقى: امرأة ادعت أن زوجها طلقها وقد غاب (زوجها) (عنها)
فالمسئلة على وجهين إن كان القاضي يعرف أنها امرأة رجل يعرفه، منعها من النكاح.
وإن كان لا يعرفه وأنما قامت عليه بذلك بنية (عنده) فالقاضي لا يتعرض لها (انتهى).
(وهكذا في الخلاصة والبزازية) وبهذا علم أن القاضي ضبط زوجته الغائب ومنعها من نكاح الغير بشرطه، مع أن الثاني تعلق حقه بها، ومع ذلك يفرق بينهما لأجل الغائب فكيف بامرأة تقر بأنها منكوحة غائب، ومع ذلك تذهب إلى بيت رجل أجنبي تبيت عنده.
وفيها ايضاً من كتاب الحدود قال: الحاكم أبو الفضل:" لص معروف بالسرقة، وجده رجل يذهب في حوائجه غير مشغول بالسرقة ليس له أن يقتله، وله أن يأخذه ويأتي به إلى الإمام فيحبسه حتى يتوب؛ لأن الحبس للزجر إلى أن يتوب مشروع انتهى."
وهذا يفيد حبس القاضي المعروف به، وأن لم يكن مشغولاً به الأن إلى أن تظهر توبته.
فإن قلت: هل للقاضي أن يعزر بعمله من غير أخبار أحد؟
قلت: نعم
قال في الخلاصة: وفي الحدود التي هي حق الله تعالى كحد الزنا وشرب الخمر لا يقضي بعلمه إلا أذاني بالسكرن فإنه يعزره انتهى.
وفي البزازية من كتاب الإجارة: إظهر المستاجر انواع الفسق في الدار المستاجرة حتى السحر، لا يخرجه (المؤجر) من الدار ولا الجيران، ولكن يمنع آشد المنع فإن أعلن وسمع الصياح من داره فقد أسقط حرمة نفسه، فيجوز (رفع) الستور والدخول بلا إذن للتادب انتهى.
وذكر الطرسوسي رحمه الله: "أن المراد بالتوبة في كلامهم ظهور (أماراتها)، إذ لا وقوف لنا عليها (ولا على) حقيقتها، ولا ينبغي القول بحبسه ستة اشهر؛ لأن التعزير بالمدة لا يحصل به الغرض.
إذ قد تحصل فيها التوبة وقد لا تحصل، ولا تظهر أمارات الحصول، وايضاً التعزير بالمدة سماعي، لا دخل للرأي فيه."
وعترضه ابن وهبان: بأن قوله لا وقوف لنا على حقيقة التوبة فيه نظر، فإن حقيقتها ترك الذنب على آحد الوجوه وهي ابلغ (وجوه) الإعتذار، وهي ثلاثة أن يقول لم أفعل (أو يقول)) (فعلت لأجل كذا أو فعلت أو اسئت، وقد أقلعت ولا ارجع لذلك وهذا الأخير على التوبة.
والتوبة في الشرع ترك الذنب لقبحة والندم على ما فرط منه، والعزم على ترك المعاوده، وتدارك ما امكنه أن يتداركه من الأعمال انتهى.
وتعقيبه العلامة عبد البر ابن الشحنة رحمه الله: (بأن الطرسوسي) لم يرد بقوله لا وقوف لنا على حقيقتها معناها شرعا، إنما اراد حقيقة وجودها والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
(قال المؤلف رحمه الله هذا ما تيسر جمعه في نصف يوم الأخذ تاسع شهر شوال سنة ثمان وتسعين ولتسعمائة من الهجرة النبوية على صاحبنا افضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام والحمد لله وحده)