المسألة الخاصة في الوكالة العامة
للإمام زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
براءة محمد علي أبو رمان
إشراف:
د. براء السعدي
جارٍ تحميل الكتاب…
المسألة الخاصة في الوكالة العامة
للإمام زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
براءة محمد علي أبو رمان
إشراف:
د. براء السعدي
بِسمِ اللهِ الرَّحمن الرَّحيمْ الحمدَ للهِ وَسَلامَ على عِبَادِه الذين اصطَفى.
وَبعدُ:
فقد سُئِلت عن التوكيل العام، فَكَتَبتُ (فيه) هَذهِ الرِّسالة وَسَميتُها: (المسالة الخاصَّة في الوكالة العامة) (تَأليف زين بن نُجيم الحنفي) في سنة أربع وَستين وَتسعُمئة قال: ذكرَ في الخانيةِ: [لو قال: انت وكيلي في كل شيء يكون وكيلاً بحفظ المال لا غير وهو الصحيح، وكذا لو قال: انت وكيل بكل قليل وكثير، ولو قال: انت وكيلي بكل شيء جائز امرك يصير وكيلاً في جميع التصرفات المالية كالبيع والشراء والهبة والصدقة.
واختُلفْوا في الاعتاق والطلاق والوقف قال بعضهم: يملك ذلك لإطلاق لفظ التعميم، وقال بعضهم: لا يملك ذلك إلا إذا دَّل دليل سابق الكلام وبه اخذ الفقيه ابو الليث رحمه الله.
وذكر (الإمام) الناطفي رحمه الله إذا قال: أنت وكيلي في كل شيء جائز صنعك، روي عن محمد رحمه الله أنه وكيل في المعاوضات والايجارات والهبات الاعتاق، (وعن الامام أبي حنيفة رحمه الله أنه وكيل في المعاوضات لا في الهبات والاعتاق) قال: وعليه الفتوى، وهذا قريب مما اختاره (الفقيه) ابو الليث.
وفي فتاوى الفقيه ابو جعفر رحمه الله رجل قال لغيره وكَّلتُكَ في جميع اموري واقمتكَ مقام نفسي لا تكون الوكالة عامة، ولو قال: وكلتك في جميع اموري التي يجوز التوكيل فيها كانت الوكالة عامة تتناول البياعات والانكحة.
وفي الوجه الاول إذا لم تكن عامة ينظر إن كان أمر الرجل مختلفاً ليست له صناعة معروفة فالوكالة باطلة، وإن كان الرجل تاجراً تجارة معروفة تنصرف الوكالة إليها انتهى.
وفي البزازية: [أنت وكيلي في كل شيء جائز أمرك مَلكَ الحفظ، والبيع، والشراء، ويملك الهبة، والصدقة حتى إذا أنفق على نفسه من ذلك المال جاز حتى يُعلم خلافه من قصد الموكل، وعن الامام تخصيصه بالمعاوضات ولا يلي العتق والتبرع وعليه الفتوى، وكذا لو قال: طَلقتُ امرأتك ووهبتُ ووقفتُ ارضك في الاصح لا يجوز انتهى.
وفي الذخيرة: «أنه توكيل بالمعاوضات لا بالإعتاق والهبات وبه يفتى» انتهى.
وفي الخلاصة كما في البزازية، والحاصل أن الوكيل وكالة عامة يملك كل شيء إلا الطلاق، والعتاق، والوقف، والهبة، والصدقة على المفتى به، وينبغي أن لا يملك الابراء والحط عن المديون؛ لأنهما من قبيل التبرع فدخلا تحت قول البزازي رحمه الله: "انه لا يملك التبرع"، وظاهره أنه يملك التصرف مرة بعد اخرى فيملك أن يزوِّجه امرأة بعد اخرى، وأن يزوِّجه مطلقتُه.
كما في الخانية من أن الوكيل بالنِّكاح ليس له أن يزوِّجه امرأة طلقها الموكل بعد التوكيل ويزوجه من طلقها قبله إنما هو مُصَوَّر فيما إذا وكله في أن يزوجه امرأة لا في التوكيل العام فإنه يملك التزويج مطلقاً لعموم قول القاضي خان رحمه الله تناول البياعات والانكحة.
وهل له الاقراض والهبة بشرط العوض؟ فإنهما بالنظر إلى الابتداء تبرع فإن القرض عارية ابتداء مُعاوضة انتهاء، والهبة بشرط العوض ابتداء معاوضة انتهاء، وينبغي أن لا يملكها الوكيل بالتوكيل العام؛ لأنه لا يملكها إلا من يملك التبرعات، وكذا لا يجوز اقراض الوصي مال اليتيم ولا هبته بشرط العوض وإن كان معاوضة في الانتهاء، وظاهر العموم أنه يملك قبض الدين واقتضاؤه وايفاؤه والدَّعوى بحقوق للموكل وسماع الدَّعوى بحق على الموكل والاقارير على الموكل بالديون ولا يختص بمجلس القاضي؛ لان ذلك في الوكيل بالخصومة لا في العام.
وفي القنية «ولو وَكَّله توكيلاً عاماً في جميع أحواله وأموره فقال: انت وكيلي في كل شيء جائز امرك علي في جميع اموري، وللموكل جوار وامهات اولاد يصير وكيلاً وكيلاً بتزويجهن وله أن يزوج احداهنَّ من نفسهِ انتهى».
وهو يفيد أن له أن يتزوج الموكلة لنفسه أو وكلته وكالة عامة لكن في القنية قالت لرجل زوجني ممن شئت فزوجها من نفسه لم يجز، ثم ذكر قولاً اخر وقال: ونحن نفتي بانه لا يجوز انتهى.
لكن هل وكالة مطلقة وكلامنا في العامة ولا يخفى ما بينهما من الفرق، وهل له ان يبيع من نفسه؟ الظاهر لا لما يلزم عليه من كونه مطالِباً ومطالَباً كما قترحوا به في الوكيل بالبيع، وفي القنية قال للوكيل ما صنعت من شيء فهو جائز من مبيع أو شراء أو عتق عبده أو طلاق إمرأته فوكل هذا الوكيل غيره بعتق عبدي موكله أو طلاق امراته ففعل لا ينفذ؛ لأن هذا مما يحلف به فلا يقوم غيره مقامه، بخلاف البيع والشراء؛ فإنه لا يحلف بهما فقام غيره مقامه انتهى.
فإن قلت لو وكله بصيغة وكلتك وكالة مطلق عامة فهل يتناول الطلاق والعتاق والتبرعات؟ قلت لم اره صريحاً والظاهر أنه لا يملكها على المفتى به؛ لأن من الالفاظ ما صرح (به) قاضي خان وغيره بأنه توكيل عام ومع ذلك قالوا بعدمه انتهى والله اعلم (بالصواب). (والله تعالى اعلم بالصواب واليه المرجع والمآب تمت الرسالة بحمد الله وحسن توفيقي وعونه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى أله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً دائما ابدا ليوم الدين امين يا رب العالمين).
«فائدة:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والسلام على عباده الذين اصطفى. وبعد: فقد وقعت حادثة في بستان في يد انسان ادعى عيله خارج انه ملك فلان وقفه وانّي متولٍ عليه وادعى واضع اليد انه ملك وقفه وبرهنا فتوهم بعض الحنفية العصر ان بينه الخارج اولى ولا تقبل بيره صاحب اليد والظاهر من كلام مشايخنا رحمهم الله تقديم بينه صاحب اليد لما في الهداية وغايه البيان والكافي والتبيين انهما لو تنازعا في أمة ادعى كل منهما انها امته استولدها او دبرها او اعتقها وبرهنا فان بينة ذي اليد اولى بالاتفاق بيننا وبين الامام الشافعي رحمه الله وهو المقيس عليه من قبل الامام الشافعي رحمه الله فإن قاس بينة الملك المطلق لصاحب المال على هذه المسألة وفرق ايمتنا بأن اليد دليل الملك المطلق فيلم يثبت بينته شيئا زائد فقد بينة الخارج عليها وفي تلك المسالة اليد ملك لا تدل على الاعتاق فقد ثبت بينة ذي اليد امرا زائدا لم يدل عليه ظاهر يده فترجحت على بينه الخارج لليد ولا شك ان في مسالتنا اليد لا تدل على الوقف فقد اثبتت بينة ذي اليد امرا زائدا فتقوم على بينة الخارج وقد صرح في البزازية بان لو ادعى كل منهما الملك مع العتق او التدبير فذوب اليد اولى انتهى.
ويستفاد منه ان كلا لو ادعى ان الارض بإذن الامام وبرهنا فذو اليد اولى لان الاحياء بإذن الامام سبب للملك كالشراء والله سبحانه وتعالى اعلم بالصواب واليه المرجع والمآب».