القول النقي في الرد على المفتري الشقي
للإمام زين الدين ابن نجيم الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
بتول باسل خليل سارة
إشراف:
د. براء السعدي
جارٍ تحميل الكتاب…
القول النقي في الرد على المفتري الشقي
للإمام زين الدين ابن نجيم الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
بتول باسل خليل سارة
إشراف:
د. براء السعدي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله الذي ينصر الحق ولو بعد حين، ويظهر الصدق ويفضح الكاذبين، وينشر العدل في الخلق ويقمع المبطلين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فهذه رسالة (شريفة) مختصرة مُبينة، اشتملت على نقل كلام الثقات من علماء الحنفية فيما يتعلق بالوظائف في (الأوقاف) والسعي فيها، وعزل القاضي لأربابها بغير حجة، وفي آخرها تتمة مشتملة على مسائل مهمة، حملني على تأليفها؛ ما نسب إلى الحنفية من عصرنا ممّا لم يكن (قولاً لهم) لا صحيحاً ولا ضعيفاً، ولا قديماً ولا حديثاً، افتراه عليهم من لا خبرة له ولا دُرية بمذهبهم، بحيث أدى ذلك إلى استباحة الحقوق المحرمة شرعاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وسميتها: (القول النقي في الرد على المفتري الشقي).
روى صاحب «مشارق الأنوار» معزياً إلى «صحيح مسلم» عن (أبي أمامة إياس بن ثعلبة) رضي الله عنه قال: قال رسول - صلى الله عليه وسلم -: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَإِنْ كان قَضِيبًا مِنْ (أَرَاكٍ)». انتهى.
قال شارحه «ابن الملك»: «قوله حق امرئ بعمومه، متناولٌ للحقوق التي ليست بمال، كحد القذف، ونصيب الزوجة وغيرهما». انتهى.
فقد ثبت بعمومه أن الوظائف من اقتطعها بغير حق كان له ذلك الوعيد، فثبت أنها حقوق محترمة كالأموال.
وذكر الإمام «السُّغدي» في «فتاواه» -رحمه الله- معزياً إلى رسالة أبي يوسف ... -رحمه الله تعالى- إلى «هارون الرشيد» -رضي الله عنه-: «ليس للإمام أن يخرج شيئاً من يد أحد، إلا بحق ثابت معروف». و (شيئاً) نكرة في سياق النفي فتعم الأموال والحقوق.
وإذا كان هذا في الإمام، فما بالك بالقاضي الذي ولاه السلطان ليحكم بالصحيح في مذهبه. [بالنسبة إلى القول الضعيف]، فلا ينفذ قضاؤه به، فكيف إذا حكم بالجور؟
وقال الامام «البزازي» -رحمه الله- في «فتاواه»: «غاب المتعلم عن البلد أياماً ثم رجع وطلب وظيفته، فإن خرج مسيرة سفر ليس له طلب ما مضى، وكذا إذا خرج وأقام خمسة عشر يوماً، وإن أقام أقل من ذلك لأمر لابد له منه، كطلب القوت والرزق فهو عفو، ولا يحل لغيره أخذ حجرته ووظيفته [وتبقى حجرته ووظيفته على حالها إن كانت غيبته مقدار شهر إلى ثلاثة أشهر]، فإن زاد كان لغيره أخذ حجرته ووظيفته. وإن كان في المصر ولا يختلف إلى التعلم، فإن اشتغل بشيء من الكتابة المحتاجة كالعلوم الشرعية تحل له الوظيفة، وإن كان لعمل آخر فلا تحل له الوظيفة. ويجوز لغيره أن يأخذ حجرته ووظيفته». انتهى.
فقد استفيد منها حُرمة أخذ الخلوة والوظيفة عنه مع خروجه عن البلد لأمر لابد منه، فكيف لا يحرم أخذها من المقيم المتأهل المباشر لوظيفته!
[واستفيد منها: جواز الاخراج بحكم الغيبة وبحكم عدم المباشرة مع الاقامة]، واستفيد منها: أنّ طالب العلم يستحق المعلوم بلا حضور الدرس كما لا يخفى، وأن الاخراج بحكم الشغور، إنما هو في حق من لا يكن طالب العلم الشرعي، فمن جوَّز إخراج المتأهل المباشر بغير جناية فقد استباح المحرم وجنى، وخالف أمر ربه واعتدى.
وفي «فتاوى قاضيخان» -رحمه الله تعالى-: «ولو أن سلطانًا أذن لقوم أن يجعلوا أرضًا من أراضي البلد حوانيت موقوفة على المسجد، و أمرهم أن يزيدوا في مسجدهم، قالوا: إن كانت البلد فُتِحَتْ عنوة وذلك لا يضر بالمارة والناس، ينفذ أمر السلطان فيها، وإن كانت البلدة فتحت صُلحاً لا ينفذ أمر السلطان؛ لأن البلد إذا فتحت عنوة [تصير ملكاً] للغانمين، فيجوز أمر السلطان فيها، وإذا فتحت صلحاً تبقى على ملك ملاكها، فلا ينفذ أمر السلطان فيها». انتهى والله أعلم.
فإذا علم ذلك في أمر السلطان فكيف بفعل القاضي، فمن جعل الأمر في الوظائف للقاضي مطلقا فَقَدْ هتك الشريعة، واستباح ما حرم فيها.
وذكر «قاضي خان» -رحمه الله- (وما نقلناه) عن البزازية: «وصرح بأن المتعلم إذا خرج من البلد أقل من خمسة عشر يوماً لأمر لابد منه، كطلب القوت يكون ذلك عفواً، وليس لغيره أن يأخذ بيته». انتهى.
فهو صريح في حرمة أخذ خلوته، وإنما سكت عن الوظيفة ليعلم حكمها بالأولى، وكذا صرح بهما في «البزازية»، كما نقلناه سابقاً.
وفي «فتاواى قاضيخان» في كتاب «الشهادات»: «أن الحق في الوقف يخالف الشفعة، فإن حق الشفعة ممّا يحتمل الإبطال؛ فإذا قال: أبطلت شفعتي، بطلت شفعته، وأما الوقف على المدرسة: من كان فقيراً من أصحاب المدرسة يكون مستحقاً للوقف استحقاقاً لا يبطل بإبطاله، فإنه لو قال: أبطلت حقي، كان له أن يطلب ويأخذ بعد ذلك». انتهى.
فقد أفاد أن الحق في الوقف آكدٌ وأقوى من حق الشفعة، فثبت به أن الوظائف حقوق محترمة لا تستباح إلا بحقها كالأموال، فَمَنْ أَبَاحَها بغير وجه شرعي، وجعل أمرها للقاضي فقد ضل َّوأضل.
وفي «جامع الفُصُولَين» من الفصل الأول معزياً إلى «فوائد شيخ الإسلام «بُرْهَان الدين»: «شَرَطَ الوَاقِفُ أَنْ يَكونَ المتولي مِنْ أولاده وأولاد أولاده، هَل لِلْقَاضِي أَنْ يُولي غيره بلا جناية؟ ولو ولاه هل يصير متولياً؟ قال: لا». انْتَهَى.
فقد أفاد حرمة تولية القاضي لغيره، وعلم صحة عزل المشروط له، فهذه العبارات أزالت اللبس، وأوضحت كل تخمين وحدس، وأفضحت الكاذب المفتري، وأظهرت جهل الأحمق المعتدي، فإذا كان هذا في التولية على الوقف، [فكيف] ببقية الوظائف!
فكيف يحل لأمرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يفتري على مذهب الحنفية بأن للقاضي العزل بجُنْحَة وبغير جنحة؟ نعوذ باللّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.
وفي «جامع الفُصُولَين» أيضًا من الفصل الثالث عشر: «لا يملك القاضي نصب وصيّ وقَيّم مع بقاء وصي الميت وقيمه، إلا عند ظهور الخيانة منهما». انتهى.
فمن جعل للقاضي العزل بغير جُنْحَة فقد كذب وبغى، وعلى ربه افترى.
وفي «الخلاصة» من الوصايا: «الوصي إذا كان قوياً أميناً، يمكنه القيام على مال الميت ليس للحاكم عزله»، ثم قال: «وفي نسخة الإمام (خواهر زاده) _تغمده الله بالرحمه والرضوان:_ الوصي إذا كان عدلاً كافياً لا ينبغي للقاضي أن يعزله؛ لكن مع هذا لو عزله ينعزل، هكذا في «الفتاوى الصغرى»: «أنه ينعزل». وفي «الأقضية» ذكر فيه اختلاف المشايخ _رحمهم الله تعالى_». (انتهى)
فقد أفاد أنه ليس له عزله اتفاقاً، وأنه لو فعل ما لا يجوز اختلفوا في العزل.
فكيف يستدل بهذا الفرع على أنه يجوز للقاضي بغير جُنحة في الوظائف مع اتفاقهم في الوصي على عدم الجواز ومع عدم صحة قياس الوظائف، ومع عدم جواز القياس لأحد في زماننا كما صرح في «الخلاصة». فالمستدل بذلك أحمق جهول، ليس بأهل لنقل كلامهم فضلاً عن فهمه.
وفي «جامع الفُصُولَين» من الفصل السابع والعشرين: «الوصي من الميت لو عَدْلاً كافياً لا ينبغي لِلْقَاضِي أن يعزله، فلو عزله قيل ينعزل. أقول الصحيح عندي أنه لا ينعزل؛ لأنه كموصي، وهو أشفق بنفسه من القاضي فكيف يعزله؟ وينبغي أن يفتى به لفساد قضاة الزمان». انتهى.
فقد أفاد ترجيح عدم صحة العزل للوصي، فكيف بالوظائف في الأوقاف؟
وفي «القنية»: «نصب القاضي قيّماً آخر لا ينعزل الأول، إن كان منصوب الواقف». انتهى.
فقد أفاد أن القاضي إذا فعل ما لا يجوز، لا ينفذ فعله، فمن جعل الأمر للقاضي مطلقاً فقد هدم الشريعة وأبطلها.
وفي «الذخيرة»: «القاضي إذا قرر شخصاً فرّاشاً للمسجد بغير شرط الواقف، وجعل له معلوماً، فإنه لا يحل للقاضي ذلك، [ولا يحل للفرّاش تناوله المعلوم. انتهى].
[فمن جعل الأمر للقاضي في الأوقاف، يتصرف كيف شاء] فقد تعدى وظلم ومن الخير انحرم، [وحصل له المقت الأعظم].
(وبه علم) حرمة المرتبات في الأوقاف يتصرف بغير شرط واقفها، وحرمة إحداث الوظائف، وأنّ فعل القاضي الذي ليس بجائز لا يحلل حراماً، مع كون المسجد محتاجاً إلى الفرّاش؛ لإمكان استئجار فرّاش لكنسه من غير نصب من القاضي.
وفي «الإسعاف في أحكام الأوقاف»: «ولو طعن أهل الوقف في أمانة الناظر لا يخرجه الحاكم إلا بخيانة ظاهرة بينة». (انتهى).
فمن جعل الأمر للقاضي مطلقًا فَقَد خاب، وافترى، واستحق لظى.
وفي «الإسعاف»، أيضًا: «ولو أخرج القيم حاكم، ثم جاء حاكم آخر، فادعى عنده أنه أُخرج بتحامل قومٍ سعوا به إليه من غير جريمة يستحق بها الإخراج من الوقف، لا يُقبل قوله؛ لأن مبنى أمور الحاكم على الصحة، لكن يقول له: صحح أنك موضع للولاية بأمر الواقف، فإذا أَثْبَتَ أنه موضع لها ردها إليه، وأجرى له ما كان جاريًا عليه من الغلة»)). (انتهى).
فقد أفاد أن إخراجه محمول على أنه استحقه، وأنه إذا تبين خلافه وجب على القَاضِي الثاني الرد إلى المخرج، وهو دليل على أن القاضي لو عيّن لإخراجه سبباً ليس بشرعي، فإن إخراجه باطل.
والأول على وظيفته، كما لو عين لعزله تعدد جهاته، فإنَّ الجمع بين وظائف في الأوقاف، جائز شرعاً إجماعاً حيث لا معارض، كما أفتى به علماء العصر من المذاهب الأربعة، وعمل الناس عليه من غير نكير، فمن جعل الأمر لِلْقَاضِي مطلقاً فقد أضله الشيطان وأغواه وخالف ربه ومولاه.
وفي «الفتاوى الصغرى»: «إذا مات المتولي، والواقف حي، فالرأي في نصب قيم آخر إلى الواقف، لا إلى القاضي، فإن كان الواقف ميتاً، فوصيه أولى من القاضي، فإن لم يكن أوصى إلى أحد فالرأي في ذلك إلى القاضي». (انتهى).
فقد أفاد أن رأي القاضي في تولية الناظر إنما هو عند عدم وصي الواقف، فيفيد أن ليس له تقرير الوظائف في الأوقاف عند وجود شرط الواقف: بأن الناظر هو المقرر، وأن ولاية تقريره إنما هي عند عدم الشرط، فمن جعل الأمر للقاضي مطلقًا فقد اتبع هواه، وأفسد دينه لإصلاح دنياه.
وفي (فتح القدير): «وأما نصب المؤذن والإمام فقال أبو نصر-رحمه الله تعالى- (لأهل المحلة): وليس الباني للمسجد أحق منهم بذلك (»).
وقال الإمام «أبو بكر الإسكاف»: ««الباني أحق بنصبهما من غيره، وكالعمارة». قال «أبو الليث»: «وبه نأخذ، إلا أن يريد إماماً ومؤذناً والقوم يريدون الأصلح فلهم أن يفعلوا ذلك، كذا في «النوازل» «. (انتهى)
فقد علمت الاختلاف المفيد: أنه لم يقل أحد بأن نَصْبَهُمَا لِلْقَاضِي، فمن جعل الأمر للقاضي عزلاً وتولية مطلقا فهو أحمق عنيد جبار عتيد.
وفي «تتمة الفتاوى»: «الشرع أطلق للقاضي إخراج من كان متهماً دفعاً للضرر عن الفقراء». (انتهى).
فقد أفاد بمفهومه أن الشرع لم يُطلق له إخراج من لم يكن متهماً، فكيف بإخراج الأحق لغيره؟ فمن أطلق للقاضي التصرف في الأوقاف، فَقَدْ خالف الشرع واستحق الصفع.
وفي «الفتاوى التاتارخانية»: «الوقف إذا كَانَ عَلَى أرباب معلومين يُحْصى عددهم، إذا نصبوا متولياً بدون استطلاع رأي القاضي يصح؛ إذا كانوا من أهل الصلاح، والمتقدمون قالوا: الأولى أن يرفعوا إلى القاضي». (انْتَهَى).
فقد علمت أن الوقف الأهلي -أي: الذي عَلَى قومِ يُحْصَوْنِ- لا تعلق للقاضي فيه، وإنما اختلفوا في الأولوية، ولو اطلع المتقدمون على ما رآه المتأخرون لأجمعوا على قول المتأخرين، فمن جعل الأمر لِلْقَاضِي مطلقا فَقَدْ نصر الباطل وأعانه، وخذل الحق وأهانه.
وفي «التاتارخانية»: «القاضي إذا نصب قيماً وجعل له شيئًا معلوماً يأخذه كل سنة لا يجعل له إلا بقدر أجر مثله، وهكذا في «فتاوى الوَلْوَالِجي». (انْتَهَى).
فمن جعل الأمر للقاضي مطلقاً فَقَدْ بغى واعتدى، ونسي الجبار الأعلى.
وفي «التاتارخانية» معزياً إلى «اليتيمة»: «سئل «علي بن أحمد» على الأوقاف التي على الفقهاء، هل يجوز للأغنياء منها شيء؟ فقال: إذا فرّغ نفسه للفقه فهو كالفقير يجوز له، ومن لم يفرغ نفسه: فإن كَانَ مُعيّناً يجوز وإلا فلا».
وسئل «أبو الفضل» عن الوقف عَلَى أصحاب أبي حنيفة المختلفين إلى مدرسة الواقف، هل يختص به الفقراء من أصحاب أبي حنيفة، أم كل من يختلف إليه من الأغنياء والفقراء؟ فقال: لا بأس أن يأخذ الغني من ذلك، وسئل عنها «أبو حامد» فقال: «الفقير والغني عَلَى السواء». (انْتَهَى).
فمن جعل سبب العزل الغنى فهو جاهل حسود، مبغض حقود.
وفي «التاتارخانية» معزياً إلى «فتاوى أبي الليث»: «ولو نصب القاضي خادمًا للمسجد، إن كان الواقف شرط ذلك في الوقف حل له الأخذ، وإن لم يكن شرط ذلك في الوقف لا يحل للقاضي نصبَ الخادم فيه بالأجر، ولا يحل للخادم القبض أيضًا». (انتهى).
وقد قدمناه عن «الذخيرة».
وفي «التاتارخانية»: «ولو كان للإمام معلوم قليل فزادوه، وحكم بذلك حاكم هل ينفذ حكمه؟ قال: لا ينفذ حكمه». (انتهى).
فهذا يفيد منع الزيادات في المعاليم الواقعة في زماننا إذا كانتْ خارجة عن شروط الواقفين، وأنّ حُكم القاضي لَيْسَ بنافذ فيها.
فمن جعل الأمر للقاضي مطلقًا فقد زاد في الشريعة برأيه، وأفسد الدين بسوء فهمه، فالواجب على كل حاكم ردعه، وعلى كل مسلم صفعه.
وفي «التاتارخانية»: «سئل شيخ الإسلام عن أهل مسجد اتفقوا على نصب رجل متولياً لمصالح المسجد، فتولى ذلك باتفاقهم، هل يصير متولياً مطلق التصرف في مال المسجد، كما لو قلده القاضي؟ قال: نعم. قال: ومشايخنا المتقدمون يجيبون عن هذه المسألة ويقولون: نعم، والأفضل أن يكون ذلك بإذن القاضي. ثم اتفق المشايخ المتأخرون وأستادنا: أن الأفضل أن يُنصبوا متولياً ولا يُعْلِمُوا القاضي في زماننا، لما عُرف من طمع القضاة في أموال الأوقاف». (انتهى).
قد قدمناه أيضًا في الوقف على قوم يحصون، فاستفيد منه أن (وقف المسجد) كوقف الذرية في عدم إعلام القاضي في زماننا. فمن جعل الأمر لِلْقَاضِي مطلقاً فقد تسبب في خراب الأوقاف وضياعها ومنع مستحقيها وأهلها.
وفي «جامع الفصولين»: «الفتوى في زماننا على عدم العمل بقول القاضي من غير معاينة، وأن عمله ليس كالبينة كما هو مروي عن مُحَمَّد». (انْتَهَى).
وفي «عمدة الفتاوى»: «لَيْسَ لِلْقَاضِي أن ينصب خادمًا في المسجد بدون اشتراط الواقف». (انتهى). وقد قدمناه.
وفي «السراج الوهاج»: «ولو نصب القاضي خادماً للمسجد إن كان الواقف شرط ذلك في وقفه جاز وحل له الأخذ، وإن لم (يشترط) لا يجوز». انتهى.
[فمن جعل الأمر لِلْقَاضِي مطلقاً فقد ظلم واعتدى، ونسي المبتدأ والمنتهى، وهكذا في «فتاوى الولوالجي»].
وفي «الذخيرة» - معزياً إلى «فتاوى النَّسَفِي»: «سُئِلَ عن أهل محلة باعوا وقف المسجد؛ لأجل عمارة المسجد، قال: لا يجوز بأمر القاضي وغيره». انتهى.
فقد أفاد أن أمر القاضي لا اعتبار به في الأوقاف، إلا إذا وافق الشرع، فمن جعل الأمر لِلْقَاضِي مطلقًا فَقَدْ فَسَقَ [وظلم وفجر، وبنعمة ربه كَفَرَ].
وفي «شرح تلخيص الجامع الكبير» في «كتاب الوصايا»، من (باب بيع الوصي): «الأصل أن ولاية القَاضِي العامة مقيدة بالنظر، فإن لم يوجد النظر، فَإِنَّ فِعْلَهُ يَلْغُو، وتفرغ عليه: أنه لو أوصى بأن يشترى بالثلث عبداً ويُعتق، فاشترى القاضي عبداً به وأعتقه، ثم ظهر دين يحيط بالتركة فإعتاق القاضي باطل. إلى آخر التفاريع».
فمن جعل الولاية العامة للقاضي مطلقاً فقد عته، واستحق أن يُحْجَر عليه بالسفه.
وفي «أنفع الوسائل»: «أن بمجرد الطعن في أمانة الناظر يسوغ للحاكم أن يُدخل معه غيره إذا رآه من غير ثبوت ذلك عليه عنده، ولا يجوز العزل بمجرده، من غير بيان خيانة ظاهرة، ولابد من الثبوت لما يوجب ذلك من ظهور الخيانة». انتهى.
فمن جعل العزل للقاضي بغير جنحة، فقد فشر، واستحق سقر.
وفي «فتاوى الولوالجي»: «رباط للمختلف إذا كان فيها ساكن فانهدم الرباط، فأراد الساكنون الذين كانوا فيها أن يسكنوها، وأراد غيرهم ذلك، إن لم ينهدم، لكن زيد فيها، أو نقص منها، فالذين كانوا فيها أحق بها من غيرهم؛ لإنه بقي سكناهم، ولم يكن لغيرهم ولاية الإزعاج. وإذا انهدم كلها أو بعضها لم يكن للساكنين فيها حق؛ لأنه بطل سكناهم فكان هذا ابتداء سكنى». (انتهى).
فقوله: «وَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِم»، شامل للقاضي؛ لأن (غير) نكرة في سياق النفي فتعم، لما تقرر أن (غير) لا تتعرف، فإذا علم هذا في الخلاوي، فالوظائف بالأولى، وفيها أيضًا الفتوى: على أن الواقف لا يملك عزل الناظر إذا لم يشترط ذلك في أصل الوقف، وهكذا في غيره، وهو قول محمد -رحمه الله-.
فإذا كان الواقف لا يملك العزل بغير جنحة فغيره أولى. [انتهى والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب].
[[تمت الرسالة بحمد الله وعونه وحسن توفيقه (والحمدلله وحده لا شريك له) وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً دائماً أبداً إلى يوم الدين]]