الرّسالة المتعلّقة بالطَّعْن والطّاعون
للإمام زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
فايز العمور
إشراف:
د. براء السعدي
جارٍ تحميل الكتاب…
الرّسالة المتعلّقة بالطَّعْن والطّاعون
للإمام زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
فايز العمور
إشراف:
د. براء السعدي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله مقدّر الأرزاق والآجال، والصّلاة والسّلام على سيّدنا محمد، والصَّحب والآل.
وَبعدُ:
فهذه جملةٌ من الفوائد المتعلقة بالطّعن والطّاعون، جمعتُها مما جمَعهُ الشّيخ الجلال السُيوطي (¬1) (¬2)، ومن «شرح مُسلم» (¬3) للإمام محيي الدّين النّووي (¬4)، - رَحمهُما اللهُ - حين وقع بمصر في سنه خمسين وتسعمائة.
¬
(¬1) تسمى هذه الرسالة بـ ما رواه الواعون في الطعن والطاعون كما جاء في بداية الرسالة المخطوطة في مكتبة برلين، وكذلك طبع هذه الرسالة بتحقيق محمد علي البار في دار القلم.
(¬2) جلال الدين السيوطي- يلقب بـ ابن الكتب، كان عالماً فاضلاً، بارعاً في الحديث الشَّريف وغير ذلك من العلوم، وكان كثير الاطِّلاع، نادرًا في عصره، بقيَّة السَّلف وعمدة الخلف، مصنفاته: الاتقان في علوم القرآن، مصباح الزجاجة على سنن ابن ماجة (شرح سنن ابن ماجه)، الآية الكبرى في شرح قصة الاسراء، (ت: 911 هـ).
(¬3) قال ابن الشرقي: سمعتُ مسلمًا يقول: ما وضعتُ شيئًا في كتابي هذا المسند إلّا بحجّة، وما أسقطتُ منه شيئًا إلا بحجّة «كتاب طبقات علماء الحديث، ابن عبد الهادي»
(¬4) يحيى بن شرف النووي، يلقب بـ محيي الدين، الشيخ الامام، العلامة الحافظ، الفقيه النبيل، محرر المذهب ومذهبه، وضابطه ومرتبه، أحد العباد والعلماء الزهاد، ومن مؤلفاته: «كتاب رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين» و «الأربعون النووية»، و «الأذكار المنتخب من كلام سيد الأبرار، (ت: 676 هـ). ينظر: جلال الدين السيوطي عصره وحياته وأثاره وجهوده في الدرس اللغوي، مؤلفه: طاهر سليمان حمودة، ص 99 السلسبيل النقي في تراجم شيوخ البيهقي، مؤلفه: أبو الطيب نايف المنصوري، ص 716.
الأُولى: حقيقةُ الطّعن: القتل بالرّمح، وأما الوَخْزُ فهو طعنًا بلا نفاد (¬1).
الثانية: حقيقة الطّاعون: قروح تخرج في الجسد، فتكون في المرافق والآباط، والأيدي وسائر البدن ويكون معه وَرَمٌ، وألمٌ شديدٌ، وتخرج تلك القُروح مع لهيبه (¬2).
الثالثة: اختلفوا في حقيقةِ الوَباءِ!، والصّحيح (¬3) الذي عليه المحققون: أنّهُ مرض الكثير من الناس في جهة من الأرض دون سائر الجهات، يكون مخالفًا للمعتاد من الأمراض الكثيرة، ويكون مرضهم نوعًا واحدًا بخلاف سائر الأمراض فإن أمراضهم فيها مختلفة، قالوا: وكلّ طاعون وباءٌ، وليس كلّ وباءٍ طاعونًا (¬4).
الرابعة: في الأخبار الواردة فيها: روى مُسلم في صحيحهِ: قال -صلى الله عليه وسلم-: في الطاعون إنه رِجز أُرسل على بني إسرائيل أو على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرضٍ فلا تَقْدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه! (¬5).
وفي رواية: إن هذا الوجع والسقم رجز عُذّب به لبعض الأمم قبلكم، ثم بقي بالأرض فيذهب المرة، ثم يأتي الأخرى فمن سمع به بأرض فلا يقدمنّ عليه، ومن وقع بأرض وهو بها فلا يخرجنّه الفرار منه! (¬6).
¬
(¬1) كذا ذكره يابن أثير كما جاء في رسالة السيوطي المسمى بـ ما رواه الواعون في الطعن والطاعون ل3/ب، وبعده ينظر: مختار الصحاح ص190ـ 335، القاموس المحيط ج1، ص528، والصحاح تاج اللغة ج6، ص2157.
(¬2) ينظر: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ج14، ص204.
(¬3) كذا صححه النووي في المنهاج شرح صحيح مسلم ج14، ص204.
(¬4) كذا ذكر النووي في المنهاج شرح صحيح مسلم ج14، ص204.
(¬5) أخرجه مسلم في صحيحه ج4، ص1737.
(¬6) أخرجه مسلم في صحيحه ج4، ص1738.
وفي الصّحيحين: أنّ الطّاعون كان عذابا يبعثه الله على من يشاء فجعله رحمة للمؤمنين، وليس من رجل يقع الطاعون، فيمكث في بلده صابراً يعلم أنّه ما يصيبه إلا ما كتب الله له كان له مثل أجر شهيد! (¬1).
وفي حديث آخر: الطاعون شهادة لكل مسلم! (¬2).
وأخرج الامام أحمد (¬3) في مسنده (¬4)، وعبد الرزاق (¬5) في مصنفه (¬6)، وابن أبي
¬
(¬1) أخرجه البخاري في صحيحه ج4، ص175، ولم أجد في صحيح مسلم.
(¬2) أخرجه البخاري في صحيحه ج4، ص24، ومسلم في الصحيح ج3، ص1522.
(¬3) أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، الإمام المبجَّل، خرجت من بغداد وما خلفت بها أحداً أورع ولا أتقى ولا أفقه من احمد بن حنبل-مؤلفاته: أصول السنة، الناسخ والمنسوخ، (ت855 م) ينظر: كتاب الجرح والتعديل لابن ابي حاتم، المؤلف ابن ابي حاتم، ج1 ص298، كتاب تهذيب الكمال في أسماء الرجال، مؤلفه: المزي، جمال الدين، ج1 ص153.
(¬4) ينظر: مسند أحمد ج23، ص293.
(¬5) عبد الرزاق بن همام الصنعاني، ملقب ب محدث اليمن، عبد الرزاق أحد من ثبت حديثه، وكان يحفظ نحوا من سبعة عشر ألف حديث، ومن مؤلفاته: «كتاب الطهارة»، (ت سنةَ إحدى عشرة ومئتين من الهجرة). ينظر: كتاب الكمال في أسماء الرجال، مؤلفه عبد الغني المقدسي، ج2 ص166.
(¬6) ينظر: مصنف عبد الرزاق
شيبة (¬1) (¬2)، والحاكم (¬3) (¬4)، وأبو يعلي (¬5) (¬6)، والبزازي (¬7) (¬8)،
¬
(¬1) أبو بكر بن ابي شيبة، ملقب بـ سيد الحُفّاظ، أعلم من أدركت بالحديث وعلله علي لين المديني وأحفظهم عند المذاكرة أبو بكر بن أبي شيبة، ومن مؤلفاته: «كتاب الزكاة»، «كتاب الجنائز»، «كتاب الأمان والنذور»، (ت 297ه) ينظر: كتاب تذكره الحفاظ وتبصرة الايقاظ، ابن المبرد، ص279.
(¬2) ينظر: مسند ابن أبي شيبة ج2، ص130.
(¬3) أبو عبد الله الحاكم النيسابوري، لقب الحاكم والحافظ والحجة، ولد يوم الاثنين ثالث شهر ربيع الأول، سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة بنيسابور، (ت1014)، ينظر: كتاب تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، ج10 ص147.
(¬4) ينظر: المستدرك للحاكم ج2، ص102.
(¬5) محمد بن الحسين القاضي أبو يعلى البغدادي الحنبلي – ملقب بـ ابن الفراء، انتهى إليه المذهب، وله التصانيف الواسعة الكثيرة: «أحكام القرآن»، «المعتمد»، «العدة»، (ت1066م). ينظر: الكتاب التكملة لوفيات النقلة، عبد العظيم المنذي، ج2 ص133، كتاب تجريد الأسماء والكنى المذكورة في الكتاب المتفق والمفترق، المؤلف أبو قاسم بن الفراء، ج1 ص9.
(¬6) ينظر: مسند أبي يعلى 13، ص194.
(¬7) حافظ الدين محمد بن محمد بن شهاب بن يوسف الكردي الخوارزمي الشهير بـ البزازي، لقبه الكردري، فقيه حنفي. من مؤلفاته: «الجامع الوجيز»، «المناقب الكردية»، «آداب القضاء»، (ت827ه)، ينظر: كتاب تاج التراجم في طبقات الحنفية، ابن قطلوبغا، ص354.
(¬8) ينظر: مسند البزار ج8، ص17 ..
وابن خزيمة (¬1) في صحيحه، وابن أبي الدنيا (¬2) من طرق كثيرة عن أبي موسى الاشعري (¬3) - رضي الله عنه- قال رسول الله -صلى الله علية وسلم-: فناء أمتي بالطعن والطاعون، قال: يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال: وَخْز أعدائكم من الجن وفي كلّ شهادة! (¬4).
وأخرج أبو يعلي عن عائشة – رضي الله عنها- أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: وخزة أعدائكم من الجن، غدّة كغدة الإبل، من أقام عليها كان مرابطاً ومن أصيب به كان شهيداً، ومن فرّ منه كالفارّ من الزحف! (¬5).
الخامسة: في سبب وقوعه بالمسلمين.
¬
(¬1) محمد بن اسحاق ابن خزيمة بن المغيرة النيسابوري، ولد سنة 223هـ في نيسابور، ملقب بـ شيخ الإسلام، كنيته أبو بك، ما رأيت على وجه الأرض من يحسن صناعة السنن ويحفظ ألفاظها، الصحاح وزياداتها، حتى كأن السنن كلّها بين عينيه، إلا محمد بن إسحاق، من كتبه: «التوحيد»، «صحيح ابن خزيمة»، «فوائد الفوائد»، (ت311ه)، ينظر: كتاب تيسير الودود بتراجم رجال منتقى ابن الجارود، المؤلف أبو الطيب نايف المنصوري، ص88.
(¬2) عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان القرشي البغدادي، الملقب بـ ابن أبي الدنيا، كان ثقةً صدوقاً، مُكثراً من التصنيف في الزهد والرقاق، مؤلفاته: «مكارم الأخلاق»، «الصمت وآداب اللسان»، «حسن الظن بالله»، (ت 894م)، ينظر: الكتاب طبقات علماء الحديث، المؤلف ابن عبد الهادي، ج2 ص394.
(¬3) عبد الله بن قيس الأشعري، لقبه الأشعري، ولد602 م، (ت665م) لقيد قيل فيه:" لقد أُوتيت مزمارًا من مزامير آل داؤود"، ينظر: كتاب معرفة الصحابة لأبي نعيم، المؤلف: أبو نعيم الأصبهاني، ج6 ص14.
(¬4) ينظر: المراجع السابقة.
(¬5) ينظر: مسند أبي يعلى ج8، ص125.
أخرج ابن ماجه،، والبيهقي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشي فيهم الطاعون! (¬1).
وأخرج مالك في الموطأ! عن ابن عباس -رضي الله عنهما- موقوفا، والطبراني عنده مرفوعا: ما فشا الزنا في قوم قط إلا كثر فيهم الموت! (¬2).
وأخرج الطبراني عن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول: ما من قوم يظهر فيهم الزنا إلا أخذو بالفناء (¬3).
ولعل حكمته: أنّ الزنا لما كان غالباً يقع في السّرّ، سلط الله عليهم عدوّاً في السّرّ، يقتلهم من حيث لا يرونه، وقاعدة العدل: أنّهم إذا نزل بهم البلاء يعمّ المستحقّ له وغيره، ثمّ يبعثون على نياتهم (¬4).
السادسة: في الثّواب من مات به ومن أقام صابرًا قد تقدّم بعضه.
وأخرج أحمد بسند حسن عن عقبه بن عامر السّلمي عن النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: يأتوا شهداء المتوفون في الطاعون، فيقول أصحاب الطاعون: نحن شهداء، فيقال: انظروا فإن كانت جراحتهم كجراح الشّهداء تسيل دماً وريحهم كريح المسك فهم شهداء، فيجيدونهم كذلك! (¬5).
¬
(¬1) ينظر: سنن ابن ماجه ج5، ص150، وشعب الإيمان ج5، ص22.
(¬2) بنظر: موطأ مالك برواية محمد بن الحسن الشيباني ج1، ص308، والمعجم الكبير ج11، ص45.
(¬3) لم أجد هذا الحديث في المعجم الكبير والصغير والأوسط، ولكن أخرج أحمد في مسنده ج29، ص356 عن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من قوم يظهر فيهم الربا، إلا أخذوا بالسنة، وما من قوم يظهر فيهم الرشا، إلا أخذوا بالرعب»
(¬4) هكذا ذكر السيوطي في رسالته ما رواه الواعون في الطعن والطاعون ل16/ب.
(¬5) ينظر: مسند أحمد ج29، ص198.
وروى البخاري، والنّسائي: عن عائشة –رضي الله عنها- قالت: سألت رسول الله -صلى الله علية وسلم- عن الطاعون، فاخبرني: أنه كان عذابًا يبعثه الله على من يشاء من خلقه، وجعله رحمة للمؤمنين فليس من رجل يقع فيه الطاعون فيبقى في بلاده صابراً محتسباً يعلم أنه ما يصيبه، إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد! (¬1).
قال الحافظ بن حجر: مقتضى هذا الجواب أن أجر الشهيد لمن لم يخرج من البلد الذي يقع به الطاعون، وأن يكون في حال اقامته قاصدًا بذلك ثواب الله تعالى، راجياً صدق موعده، وأن يكون عارفاً أنّ ما وقع له فهو بقدر الله وان صُرِف عنه فهو بقدر الله، وأن يكون غير متضجر به لو وقع، وأن يعتمد على ربه في حالتي صحته ومرضه، فمن اتصف بهذه الصفات فمات في غير الطاعون فان ظاهر الحديث انه يحصل له أجر الشهيد.
وأن يكون كمن خرج من بيته على نية الجهاد في سبيل الله بشرطه، فمات بسبب آخر غير القتل فان له أجر الشهيد، كما ورد في الحديث.
ويؤيد هنا من مات في الطاعون فهو شهيد، ولم يقل بالطاعون قال: وكذا لو وجدت هذه الصفات، ثم مات بعد انقضاء زمن الطاعون.
فإن ظاهر الحديث أيضًا أنه شهيد، ونية المؤمن أبلغ من علمه، قال: وأما من لم يتصف بالصفات المذكورة فانّ مفهوم الحديث إنه لا يكون شهيداً، وإن مات بالطاعون.
قال: ومما يستفاد من هذا الحديث أيضًا أن الصابر في الطاعون، المتصف بالصفات المذكورة يأمن فتنة القبر؛ لأنه نظير المرابط في سبيل الله! (¬2).
وقال الجلال السيوطي: أن هذا تصريح بان الصّابر في الطاعون إذا مات بغير طاعون يأمن فتنة القبر كالمرابط، فيكون الميت بالطاعون بذلك أولى، وإنّما سكت عنه للعلم به، فان كونه شهيداً يقتضي ذلك كما صرح الحديث بذلك في شهيد المعركة، وصرح القرطبي بأنّ الشهادة من حيث هي مقتضي لذلك.
¬
(¬1) ينظر: صحيح البخاري ج7، ص131، والسنن الكبرى للنسائي ج7، ص68.
(¬2) ينظر: فتح الباري ج10، ص193ـ194.
وأخرج أحمد، والطبراني عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: أتاني جبريل بالحمى والطاعون، فأمسكت الحمى للمدينة وأرسلت الطاعون إلى الشام شهادة لأمتي ورحمة لهم، ورجز على الكافرين! (¬1)، وهذا الحديث وغيره بعمومه يشمل مرتكب الكبيرة إذا مات بالطاعون، وهو مُصرٌ فإنّه له شهادة ورحمة! (¬2).
السابعة: في سبب منع الطاعون من المدينة:
أخرج الشيخان عن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: على أبواب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال! (¬3)، وجزم جماعة من العلماء، منهم النووي في الأذكار! بأن مكة كالمدينة (¬4)، لكن قال الجلال السيوطي: إنّه دخلها الطاعون عام سنة تسع وأربعين وسبعمائة، ويدل للمشاركة ما أخرجه أحمد بسند صحيح عن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال - صلى الله عليه وسلم -: مكة والمدينة محفوفتان بالملائكة، على كل نقب منها ملك، لا يدخلها الدجّال ولا الطاعون! (¬5) (¬6).
الثامنة: في أنّه هل يشرع الدعاء برفعه.
قال الجلال السيوطي: إنّه بدعة لا أصل له؛ لأنّه ثبت بأنه - صلى الله عليه وسلم- دعا به، وطلبه لأمته، وكذا أبو بكر الصديق- رضي الله عنه- ولما وقع في زمن عمر - رضي الله عنه- لم ينقل عن أحد من الصحابة الدعاء برفعه، ولما وقع في زمن معاذ بن جبل- رضي الله عنه-، قيل له ادع الله أن يرفع عنا هذا الرجز، فقال: إنه ليس برجز، ولكنه دعوة نبينكم، وموت الصالحين قبلكم، وشهادة يختص الله بها من يشاء منكم، اللهم آتِ آل معاذ نصيبهم الأوفر من هذه الرحمة.
¬
(¬1) ينظر: مسند أحمد ج34، ص366، والمعجم الكبير ج22، ص391.
(¬2) انتهى من ما رواه الواعون في الطعن والطاعون ل18ـ22.
(¬3) ينظر: صحيح البخاري ج3، ص22، وصحيح مسلم ج2، ص1005.
(¬4) ينظر: الأذكار للنووي ص153.
(¬5) ينظر: مسند أحمد ج16، ص184.
(¬6) انتهى من ما رواه الواعون في الطعن والطاعون ل22/ب.
وما وقع في عبارة الرافعي والنووي من مشروعية القنوت للوباء فهو عام مخصوص؛ لأن الوباء أعم من الطاعون، كما قدمناه، وقد صرح في كتب الحنابلة بأنه لا قنوت للطاعون، لعدم ثبوته، وذكر بعض الصالحين أن من أعظم الأشياء الرافعة للطاعون وغيره من البلايا العظام، كثرة الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- وعن الشافعي -رحمه الله- أحسن ما يداوي به الطاعون التسبيح! (¬1).
التاسعة: نقل الشيخ يحيى الدين النووي في شرح مسلم: أن الطاعون وقع في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- في سنة ست من الهجرة (¬2)، وهو مخالف لما ذكره الجلال السيوطي، فإنه ذكر أن أول طاعون وقع في الإسلام ما وقع في زمن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- (¬3).
العاشرة: روي البخاري، وغيره عن عبادة بن الصامت – رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله، كره الله لقاءه! (¬4).
وعن فَضالة بن عبيد – رضي الله عنه- أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم- قال: اللهم من آمن بك، وشهد أني رسولك، فحبب إليه لقاءك (، وسهل عليه قضاءك، وأقلل له من الدنيا، ومن لم يؤمن بك، ولم يشهد أني رسولك فلا تحبب إليه لقاءك، ولا تسهل عليه قضاءك، وأكثر له من الدنيا!. رواه بن حبان في صحيحه وغيره (¬5).
¬
(¬1) انتهى قول السيوطي في رسالته: ما رواه الواعون في الطعن والطاعون ل28ـ30.
(¬2) ينظر: المنهاج للنووي ج1، ص106.
(¬3) ينظر: ما رواه الواعون في الطعن والطاعون ل30/ب.
(¬4) ينظر: صحيح البخاري ج8، ص106، ومسلم في الصحيح ج4، ص2065 وغيرهما.
(¬5) ينظر: صحيح ابن حبان ج1، ص428، والمعجم الكبير ج18، ص313.
عن معاذ بن جبل-رضي الله عنه- قال قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: إن شئتم أنبأتكم ما أول ما يقول الله عز وجل للمؤمنين يوم القيامة، وما أول ما يقولون له؟ قلنا: نعم يا رسول الله قال: إن الله عز وجل يقول للمؤمنين: هل أحببتم لقائي؟ فيقولون: نعم، فيقول: لم؟ فيقولون: رجونا عفوك، ومغفرتك، فيقول: قد وجبت لكم مغفرتي. رواة أحمد (¬1).
وعن أم سلمة - رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-يقول: ما من عبد تصيبه مصيبة، فيقول: إنا لله وإنّا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيراً منها، إلا أجره الله تعالى في مصيبته، وأخلف له خيرا منها، فلما مات أبو سلمة، قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة؟ أول بيت هاجر الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم إني قلتها، فاخلف الله لي خيرًا منه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رواه مسلم وغيره (¬2).
وعن أبي موسى-رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: إذا مات ولد العبد، قال الله تعالى للملائكة قبضتم روح ولد عبدي؟ فيقولون: نعم فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم فيقول ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك، واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة، وسموه بيت الحمد!. رواه الترمذي وغيره (¬3).
¬
(¬1) أخرجه أحمد في مسنده ج36، ص390، والطبراني في المعجم الكبير ج20، ص125.
(¬2) ينظر: صحيح مسلم ج2، ص632، وأخرجه أحمد في المسند ج44، ص247، والطبراني في المعجم الكبير ج23، ص306.
(¬3) أخرجه الترمذي في سننه ج2، ص332، وابن حبان في الصحيح ج7، ص210.
وعن جابر-رضي الله عنه- قال، قال: رسول الله -صلى الله وسلم- من حفر قبراً بنى الله له بيتا في الجنة، ومن غسل ميتا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ومن كفن ميتا، كساه الله من حلل الجنة، ومن عزى حزينا كساه الله التقوى، وصلى على روحه في الأرواح، ومن عزى مصابًا كساه الله حليّن من حلل الجنة لا يقع لهما الدنيا، ومن تبع جنازة حتى يقضي دفنها كتب الله له ثلاث قراريط، القيراط منها أعظم من جبل أحد، ومن كفل يتيماً أو أرملة أظله الله في ظله، وأدخله الجنة! رواه الطبراني في الأوسط! (¬1)، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.
¬
(¬1) ينظر: المعجم الأوسط للطبراني ج9، ص117.