الخير الباقي في جواز الوضوء من الفساقي
للإمام زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
أحمد منير محمود عودة
إشراف:
د. براء السعدي
جارٍ تحميل الكتاب…
الخير الباقي في جواز الوضوء من الفساقي
للإمام زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي
توفي في سنة (970 هـ)
تحقيق:
أحمد منير محمود عودة
إشراف:
د. براء السعدي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنزل من السماء ماء طهورا (¬1) بفضله، وجعله مزيلَ الاحداث (¬2)
¬
(¬1) ماء طهور أي يتطهر به، وكل طهور طاهر، وليس كل طاهر طهورا، فإن الطهور في اللغة هو الطاهر المطهر، لأنه لا يكون طهورا إلا وهو يتطهر به، كالوضوء هو الماء الذي يتوضأ به. ينظر: لسان العرب، ج 4، ص 505. طاهر وطهور، أي طاهر في نفسه وطهور لغيره. ينظر: ينظر: منحة السلوك في شرح تحفة الملوك، ج 1، ص 38 .. (وهو الماء الباقي على أوصاف خلقته) هذا حد الماء الطاهر والطهور، وهو الماء الذي يسميه الفقهاء: ماء مطلقاً، وهو ما يكون باقياً على أوصاف خلقته التي خلقه الله تعالى عليها من غير أن يتغير طعمه ولونه وريحه، وذلك كماء السماء والعيون والآبار والأنهار والبحار والحياض والغدران ونحوها. ينظر: منحة السلوك في شرح تحفة الملوك، ج 1، ص 38.
(¬2) الحدث نوعان حقيقي وحكمي: أما الحقيقي فهو خروج النجس- الخبث - من الأدمي الحي كيفما كان من السبيلين أو من غيرهما معتادا كان أو غير معتاد قليلا كان أو كثيرا وهذا عند أصحابنا الثلاثة. وقال زفر هو ظهور النجس من الأدمي الحي. وقال مالك في قول هو خروج النجس المعتاد من السبيل المعتاد حتى قال إن دم الاستحاضة ليس بحدث لأنه عارض غير معتاد. وقال في قول وهو قول الشافعي هو خروج الشيء من السبيلين لا غير كيفما كان. والصحيح قولنا لما روي عن أبي إمامة الباهلي أنه قال دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فغرفت له غرفة فأكل فجاء المؤذن فقلت الوضوء يا رسول الله فقال إنما علينا الوضوء مما يخرج ليس مما يدخل. وخروج الطاهر كالبزاق وغيره ليس بحدث بالإجماع فتعين خروج النجس. ينظر: تحفة الفقهاء، ج 1، ص 17، بدائع الصنائع، ج 1، ص 24 .. وأما الحدث الحكمي نوعان أحدهما ما يكون دالا على وجود الحدث الحقيقي غالبا فأقيم مقامه شرعا احتياطا للعبادة وهو أنواع منها المباشرة الفاحشة والإغماء والجنون والسكر الذي يستر العقل لأنه سبب يدل على الحدث غالبا ومن هذا النوع أيضا النوم مضطجعا أو متوركا بأن نام على إحدى وركيه فهو حدث على كل حال لأنه سبب لخروج الريح غالبا. ينظر: تحفة الفقهاء ج 1، ص 22، بدائع الصنائع، ج 1، ص 29. فأما النوع الثاني من الحدث الحكمي فهو ما يكون حدثا بنفسه شرعا من غير أن يكون دالا على الحدث الحقيقي: وهو القهقهة في صلاة مطلقة لها ركوع وسجود، والجنب، والحائض، والنفساء، والمستحاضة. ينظر: تحفة الفقهاء، ج 1، ص 24، بدائع الصنائع، ج 1، ص 29 - 34.
والاخباث (¬1) بطبعه، وأزال هذا الوصف عنه بِتَغَيُرِ وصفه، أحمدهُ على نِعمهِ وفضله، وأشكره على ما اولانا من دينه، وأشهد ان لا إله الا الله وحده لا شريك له في حكمه، وأشهد أن سيدنا (¬2) محمد عبده ورسوله أفضل خلقه، صلَ الله عليه وسلم (¬3)، وعلى اّله وصحبه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه.
وبعد:
فقد قال العبد الضعيف، زين بن نجيم الحنفي (¬4) رحمه الله:
لما كثر الكلام في مسألة الوضوء من الفساقي الصغار الموضوعة بالمدارس بين الحنفية في عصرنا؛ سألني بعض الأصدقاء [حفظهم الله تعالى] (¬5) والاخوان (¬6) ان اكتب لهم (¬7) رسالة في المياه، فاستخرت الله تعالى، وجمعت ما يتحسن (¬8) جمعه فيها على وجه الاختصار، وسميتها:
«الخير الباقي في جواز الوضوء من الفساقي (¬9)»
¬
(¬1) الخبيث ضد الطيب، ينظر: مختار الصحاح، ج 1، ص 87، والأخبثان البول والغائط وشيء خبيث أي ... نجس، ينظر: المصباح المنير، ج 1، ص 162.
(¬2) ساقطة في نسخة، أ، ب.
(¬3) زائدة في نسخة، أ.
(¬4) هو زين الدين بن ابراهيم بن محمد بن محمد المصري، الفقيه الحنفي، والإمام العلّامة، والبحر الفهامة، أخذ عن: العلّامة قاسم بن قطلوبغا، والبرهان الكركي، وعنه أخذ: ولده أحمد، والشهاب أحمد المنشاوي، مؤلفاته كلُّها حسنةٌ جداً، له شرح منار الانوار في اصول الفقه، البحر الرائق في شرح الكنز الدقائق، الاشباه والنظائر، التحفة المرضية في الاراضي المصرية، والفتاوى الزينية، ت 970 هـ. ينظر: الاعلام، ج 3، ص 64، معجم المؤلفين، ج 4، ص 192، الطبقات السنية، ج 1، ص 289.
(¬5) زائدة في نسخة، أ.
(¬6) ساقطة في نسخة، أ.
(¬7) له، في نسخة ب.
(¬8) تيسر، في نسخة أ، ب.
(¬9) الفسقية، بالفتح: المتوضأ والجمع: الفساقي. ينظر: تاج العروس، ج 26، ص 305.
فنقول (¬1) وبالله التوفيق: اعلم أن العلماء [رضي الله تعالى عنهم] (¬2) - رحمهم الله - أجمعوا على ان الماء إذا تغير أحد اوصافه (¬3) بالنجاسة (¬4)؛
¬
(¬1) فأقول، في نسخة، ف.
(¬2) زائدة في نسخة، أ، ب.
(¬3) ما لم يتغير طعمه أو لونه أو ريحه. ينظر: المحيط البرهاني، ج1، ص90.
أحد أوصافه: من اللون والطعم والرائحة. ينظر: النهر الفائق، ج1، ص71.
أحد أوصافه وهي: اللون والطعم والرائحة. ينظر: منحة السلوك، ج1، ص42.
(¬4) (نَجِسَ) الشَّيْءُ مِنْ بَابِ طَرِبَ فَهُوَ (نَجِسٌ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28]. وَ (أَنْجَسَهُ) غَيْرُهُ وَ (نَجَّسَهُ) بِمَعْنًى. ينظر مختار الصحاح، ج1، ص305. نجس الشيء نجسا فهو نجس من باب تعب إذا كان قذرا غير نظيف ونجس ينجس من باب قتل لغة قال بعضهم ونجس خلاف طهر ومشاهير الكتب ساكتة عن ذلك وتقدم أن القذر قد يكون نجاسة فهو موافق لهذا والاسم النجاسة وثوب نجس بالكسر اسم فاعل وبالفتح وصف بالمصدر وقوم أنجاس وتنجس الشيء ونجسته والنجاسة في عرف الشرع قذر مخصوص وهو ما يمنع جنسه الصلاة كالبول والدم والخمر. المصباح المنير، ج2، ص594.
النجاسة نوعان مخففة وهي بول الفرس وما يؤكل لحمه وخرؤ ما لا يؤكل لحمه من الطير ويمنع منها قدر ربع العضو أو ربع طرف الإصابة كالذيل والدخريص والكم ونحوها لا ما دونه ومغلظة وهي بقية النجاسات ووزن المثقال عفو في ذات الجرم مع الكراهة. ينظر: تحفة الملوك، ج1، ص60.
والنجاسة ضربان، أي نوعان: مرئية وغير مرئية. أي يرى بالعين ويدرك بالنظر كالدم والعذرة، والآخر لا يرى ولا يدرك بالنظر كالبول ونحوه، فما كان منها مرئياً فطهارتها بزوال عينها، أي عين النجاسة من غير اشتراط عدد فيه لأن النجاسة حلت المحل باعتبار العين فتزول بزوالها إلا أن يبقى من أثرها ما يشق إزالته لأن الحرج مدفوع). ينظر: البناية شرح الهداية، ج1، ص737.
في عرف الفقهاء بفتح الجيم عين النجاسة، وبكسرها: ما لا يكون طاهرا، كذا قيل. والأظهر أنه الذي يصير نجسا حين لاقى نجسا. وفي اللغة يقال: نجس الشيء بالكسر ينجس نجسا فهو نجس ونجس أيضا. ينظر: فتح باب العناية بشرح النقاية، ج1، ص154.
لا يجوز الطهارة به قليلا كان الماء (¬1) او كثيرا، جاريا كان او غير جاري، هكذا نُقِلَ الاجماع في كتبنا (¬2).
وممن نقله أيضا: النووي (¬3) في «شرح المهذب» (¬4) عن جماعة من العلماء (¬5).
وإن لم يتغير بها؛ فاتفق عامة العلماء على ان القليل يَنجُسُ بها دون الكثير (¬6).
لكن اختلفوا في الحد (¬7) الفاصل بين القليل والكثير (¬8).
¬
(¬1) ساقطة في نسخة، أ.
(¬2) ينظر: البحر الرائق، ج1، ص78، حاشية الطحاوي على الدر، ج1، ص520.
(¬3) يحيى بن شرف بن مري بن حسن الحزامي الحوراني، من علماء الفقه والحديث، أخذ عن الرضي بن البرهان وعبد العزيز الحموي، وأخذ عنه: علاء الدين بن العطار، وشمس الدين بن النقيب، وشمس الدين بن جعوان، من تصانيفه الأربعون النووية، رياض الصالحين، ت 676هـ. ينظر: الاعلام، ج8، ص149، طبقات الشافعية، ج8، ص395، معجم المؤلفين، ج13، ص202.
(¬4) اسمه المجموع، وهو شرح كتاب المهذب للإمام الشيرازي في الفقه الشافعي، وهذا المجموع من اهم شروحاته. ينظر: الاعلام، ج8، ص149، طبقات الشافعية، ج8، ص395، معجم المؤلفين، ج13، ص202.
(¬5) قال ابن المنذر: أجمعوا أن الماء القليل أو الكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت طعما أو لونا أو ريحا
فهو نجس. ونقل الإجماع كذلك جماعات من أصحابنا. ينظر: المجموع شرح المهذب، ج1، ص110.
(¬6) ينظر: البحر الرائق، ج1، ص78، شرح مختصر الطحاوي، ج1، ص71.
(¬7) بالحد، في نسخة ف.
(¬8) في المسألة اقوال، أشهرها:
1. ... أنه حُدَ مساحة، وهو عشر في عشر، وهذا عند المتأخرين. وبه يفتى توسعة على الناس ولرفع الحرج.
وصورته أن يكون من كل جانب حول الحوض عشر أذرع وفي جميع الجوانب أربعون ذراعا. ينظر: خلاصة الفتاوى، ج1، ص3.
وبه أخذت المتون: القدوري، ص44، والنقاية، ج1، ص83، والوقاية، ج1، ص46، والكنز، ص141، والمختار للفتوى، ص91، ومجمع البحرين، ص87، وتحفة الملوك، وغيرهم.
ومن الشروح: الكافي، ج1، ص92، الاختيار، ج1، ص93، شرح مجمع البحرين لابن الساعاتي، ج1، ص218، النهر، ج1، ص74، فتح باب العناية، ج1، ص83، شرح الوقاية للمحبوبي، ج1، ص48، وغيرهم.
2. ... وهو ظاهر الرواية، ان يرجع الحد الى أكبر راي المبتلى أي ما يغلب على ظنه واجتهاده.
وبه أخذ الجصاص في احكام القران، ج5، ص204، والكرخي في شرح مختصر الكرخي للقدوري، ج1، ص140، تنوير الابصار، ص32، وشرح مختصر القدوري للاقطع، ج2، ص68، وشرح مختصر الطحاوي للاسبيجابي، ج1، ص72، والينابيع، ج1، ص159.
والفرق بين الأول والثاني ان الأول بني على الاستحسان والأول بني على القياس في ان الماء طاهر أصلا ما لم يثبت الخلاف بدليل شرعي.
فقال الشافعي - رضي الله عنه -: «إذا بلغ الماء قُلتين (¬1)، فهو كثير؛ والا فهو قليل» (¬2).
وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه - في «ظاهر الرواية» (¬3) عنه (¬4): يعتبر فيه أكبر رأي المبتلى، ان غلب على ظنه انه بحيث تصل النجاسة الى الجانب الاخر؛ لا يجوز الوضوء به (¬5)، والا؛ جاز. (¬6)
¬
(¬1) الْقُلَّةُ: إناء للعرب كالجرة الكبيرة وقد يجمع على قُلَلٍ. ينظر: مختار الصحاح، ج1، ص259.
القلة: الحب العظيم، وقيل: الجرة العظيمة، وقيل: الجرة عامة، وقيل: الكوز الصغير، والجمع قلل وقلال، وقيل: هو إناء للعرب كالجرة الكبيرة. ينظر: لسان العرب، ج11، ص565.
(¬2) ينظر: الشرح الكبير، ج1 ص46.
(¬3) كتب ظاهر الرواية الستة، صنفها محمد بن الحسن الشيباني، وهي المبسوط والجامعان أي الكبير والصغير والزيادات والسير الكبير والسير الصغير ويعبر عنها بكتب ظاهر الرواية وبالأصول وبظاهر المذهب ينظر: الجواهر المضية ج1، ص560.
(¬4) زائدة في نسخة، أ، ب.
(¬5) زائدة في نسخة، ب
(¬6) ينظر: احكام القران، ج5، ص204، شرح مختصر الكرخي للقدوري، ج1، ص140.
وممن نص عليه انه ظاهر المذهب شمس الائمة السرخسي (¬1) رحمه الله في «المبسوط» (¬2)؛ وقال (¬3): أنه الاصح (¬4).
¬
(¬1) هو محمد بن أحمد بن سهل، أبو بكر، الفقيه الحنفي، شمس الائمة، أخذ عن عبد العزيز الحلواني، واخذ عنه برهان الأئمة عبد العزيز بن عمر بن مازه، ومحمود بن عبد العزير الأوزجندي، من مؤلفاته: شرح السير الكبير، وأصول السرخسي، وشرح مختصر الطحاوي، توفي عام 500هـ. ينظر: تاج التراجم، ج1، ص234، الجواهر المضية ج3، ص78، الفوائد، ص158، الاعلام، ج3، ص315.
(¬2) المبسوط لمحمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي، أبي بكر، شمس الأئمة هو كتاب في الفقه على المذهب الحنفي استوعب فيه المؤلف جميع أبواب الفقه بأسلوب سهل وعبارة واضحة، وبسط فيه الأحكام والأدلة والمناقشة مع المقارنة مع بقية المذاهب، ويعتمد عليه الحنفية في القضاء والفتوى حتى قال عنه العلامة الطرسوسي - فيما نقله عنه ابن عابدين في حاشيته -: " لا يُعمل بما يخالفه، ولا يُركن إلا إليه، ولا يُفتى ولا يُعول إلا عليه" وقد أملى المبسوط من غير مراجعة شيء من الكتب، وهو في الجب محبوس بسبب كلمة نصح بها الأمراء. ينظر: تاج التراجم، ج1، ص234، الجواهر المضية ج3، ص78، الفوائد، ص158، الاعلام، ج3، ص315.
(¬3) قال، في نسخة، ف.
(¬4) ينظر: المبسوط، ج1 ص71.
وقال الامام الرازي (¬1) رحمه الله في «احكام القران» (¬2) في سورة الفرقان، ان مذهب اصحابنا - رضي الله عنهم -: أَنَ كل ما تيقنا فيه جزء من النجاسة، أو، غلب على (¬3) الظن ذلك؛ لا يجوز الوضوء به، سواء كان جاريا، او لا. انتهى (¬4)
¬
(¬1) هو أحمد بن علي، أبو بكر الرازي، الجصاص، انتهت إليه رئاسة الحنفية، أخذ عن أبي الحسن الكرخي، وأبي سعيد البردعي، واخذ عنه أبو عبد الله محمد بن يحيى الجرجاني شيخ القدوري، وأبو الحسن محمد بن أحمد الزعفراني، وله أحكام القرآن، وشرح مختصر الكرخي، وشرح مختصر الطحاوي، وشرح الجامع الصغير والجامع الكبير لمحمد بن الحسن، وأصول الفقه، ت370هـ. ينظر: تاج التراجم، ج1، ص96، الجواهر المضية، ج1، ص85، الفوائد، ص27.
(¬2) لأبي بكر أحمد بن علي الرازي الحنفي المشهور بالجصاص، عرض فيه سور القرآن كلها، تكلم في آيات الأحكام ويذكر الأحكام التي تستنبط منها، ذكر بعض مسائل الفقه وما فيها من خلافيات بين الأئمة ويرفق الأدلة. ينظر: الاعلام، ج1، ص171، الجواهر المضية، ج1، ص85، الفوائد، ص27.
(¬3) في، في نسخة ف، أ.
(¬4) ينظر: احكام القران، ج5، ص204.
وقال الامام أبو الحسن الكرخي (¬1) رحمه الله: وما كان من المياه التي (¬2) في الغدران، او في مستنقع من الأرض، إذا (¬3) وقعت فيه نجاسة؛ نظر المستعمِل في ذلك، فان كان في غالب رأيه [أن النجاسة لم تختلط بجميعه لكثرته؛ توضأ من الجانب الذي هو طاهر عنده] (¬4) في غالب رأيه في إصابة الطاهر منه، وما كان قليلا يحيط العلم ان النجاسة قد خلصت في جميعه، او كان ذلك في غالب رأيه؛ لم يتوضأ منه. انتهى (¬5).
¬
(¬1) هو عبيد الله بن الحسين بن دلال بن دَلَهْم، العلامة الفقيه الأصولي، اخذ الفقه عن أبي سعيد البردعى عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة عن أبيه عن جده، وأخذ عنه أبي بكر الرازي، وأبي عبد الله الدمغاني، وأبي على الشاشي، وأبي القاسم التنوخي، وله المختصر، وشرح الجامع الكبير، وشرح الجامع الصغير. ينظر: تاج التراجم، ص200، الجواهر المضية، ج2، ص493 - 494، الاعلام، ج4، ص193.
(¬2) زائدة في نسخة، ب.
(¬3) زائدة في نسخة، ب.
(¬4) ساقطة في نسخة، أ.
(¬5) ينظر: مختصر الكرخي للقدوري، ج1، ص140.
وقال ركن الإسلام أبو الفضل عبد الرحمن الكرماني (¬1) رحمه الله، في شرح «الايضاح» (¬2): واختلفت الروايات في تحديد الكثير، والظاهر عن محمد - رضي الله عنه -: انه عشر في عشر. (¬3).
والصحيح عن ابي حنيفة - رضي الله عنه -، انه لم يوقت في ذلك بشيء، وانما هو موكول الى غلبة الظن في خلوص النجاسة. انتهى (¬4)
¬
(¬1) هو عبد الرحمن بن محمد بن أميرويه بن محمد بن إبراهيم، الشيخ الكبير عديم النظير الإمام الجليل فقيد المثيل انتهت إليه رياسة المذهب بخراسان، أخذ عن فخر القضاة محمد بن الحسين الارسابندى عن أبي منصور عن المستغفرى عن أبي على النسفي عن أبي بكر بن الفضل عن السبذمونى، وأخذ عنه عبد الغفور بن لقمان الكردري وأبو الفتح محمد بن يوسف السمرقندي وبدر الدين عمر بن عبد الكريم الورسكي البخارى، له الجامع الكبير، والتجريد في الفقه، الإيضاح شرح التجريد، ت 543هـ. ينظر: الجواهر المضية ج1، ص304، تاج التراجم ج1، ص148، الاعلام ج3، ص327.
(¬2) الايضاح في الفروع للكرماني، والإيضاح شرح لكتابه التجريد في الفقه، ينظر: تاج التراجم ج1، ص148، الاعلام ج3، ص327.
(¬3) ينظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ج1 ص79.
(¬4) ينظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ج1 ص79.
وقال الحاكم الشهيد (¬1) رحمه الله في «الكافي» (¬2): (الذي هو (¬3) جمع كلام محمد - رضي الله عنه -)، قال أبو عصمة (¬4) رحمه الله: كان محمد بن الحسن - رضي الله عنه - يوقت عشرة في عشرة، ثم رجع الى قول ابي حنيفة - رضي الله عنه -، وقال: لا اوقت فيه شيء. انتهى (¬5)
¬
(¬1) هو محمد بن محمد بن أحمد البلخي، امام الحنفية في عصره، أخذ عن محمد بن حمدويه الهورقاني، ويحيى الذهلي، وأخذ عنه الحاكم أبي عبد الله وأئمة خراسان وحفاظها، وله الكافي، والمنتقى، ت 334هـ شهيدا. ينظر: الجواهر، ج3، ص313، الاعلام ج7، ص19، تاج التراجم، ج1، ص273، الفوائد البهية، ص 185.
(¬2) المختصر الكافي للحاكم الشهيد، جمع فيه كتب محمد بن الحسن المبسوطة من كتب ظاهر الرواية مع إسقاط المتكرر منها فيه، فكان التعويل عليه في المذهب وشرحه الاسبيجابي وإسماعيل بن يعقوب الأنباري وشرحه السرخسي في المبسوط. ينظر: الجواهر، ج3، ص315 - 313، الاعلام ج7، ص19، تاج التراجم، ج1، ص273، الفوائد البهية، ص 185.
(¬3) من، في نسخة، ف.
(¬4) هو نوح بن أبي مريم يزيد بن جمونة المروزي، الجامع، فقيهًا جليلا إلا أنه مقدوح فيه عند المحدثين، أخذ عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى، ت173هـ. ينظر: الجواهر، ج2، ص 8 - 7، الاعلام ج8، ص51، تاج التراجم، ج1، ص146، الفوائد البهية، ص 221.
(¬5) المبسوط، ج1، ص71.
وقال القاضي الاسبيجابي (¬1) رحمه الله في «شرح مختصر الطحاوي» (¬2): ثم الحَدُ (¬3) الفاصلِ بين القليل والكثير عند اصحابنا رحمهم الله هو الخلوص، وهو ان يخلص بعضه من جانب الى جانب، ولم يُفَسَرُ (¬4) الخلوص في «رواية الأصول (¬5)» (¬6)
وسُئِلَ محمد - رضي الله عنه - عن حد الحوض (¬7)؛ فقال: مقدار مسجدي، فذرعوه؛ فوجدوه ثمانية في ثمانية، وبه اخذ محمد بن سلمة (¬8) رحمه الله.
وقال بعضهم رحمهم الله: مسحوا مسجد محمد - رضي الله عنه -؛ وكان داخله ثمان في ثمان، وخارجه عشرا في عشر.
ثم رجع محمد (¬9) - رضي الله عنه - الى قول ابي حنيفة - رضي الله عنه - وقال - رضي الله عنه -: لا اوقت فيه شيء. انتهى
¬
(¬1) علي بن محمد بن إسماعيل، شيخ الإسلام، أخذ عنه علي أبي بكر الفرغاني، وله الفتاوى وشرح مختصر الطحاوي، ت535هـ. ينظر: الفوائد، ص124، الاعلام، ج4، ص329، الجواهر، ج1، ص371.
(¬2) شرح مختصر الطحاوي، لعلي بن محمد بن إسماعيل. ينظر: الفوائد، ص124، الاعلام، ج4، ص329، الجواهر، ج1، ص371.
(¬3) حد، في نسخة، ف.
(¬4) يفصل، في نسخة، أ
(¬5) جاء ذكره في 24.
(¬6) ينظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ج1، ص79.
(¬7) حوض: حاض الماء وغيره حوضا وحوضه: حاطه وجمعه. وحضت أحوض: اتخذت حوضا. واستحوض الماء: اجتمع. والحوض: مجتمع الماء معروف، والجمع أحواض وحياض. ينظر لسان العرب، ج7، ص141.
(¬8) محمد بن سلمة، ت278هـ. أبو عبد الله محمد بن سلمة الفقيه البلخى تفقه على شداد بن حكيم ثم على أبى سليمان الجوزانى ولد سنة 192 هجرية.
(¬9) زائدة، في نسخة، أ، ب.
وفي «معراج الدراية» (¬1) الصحيح عن ابي حنيفة - رضي الله عنه - انه لم يقدر في ذلك شيئا، وانما قال: هو موكول الى غلبة الظن في خلوص النجاسة من طرف الى طرف -وهذا أقرب الى التحقيق-؛ لان المعتبر عدم وصول النجاسة، وغلبة الظن في ذلك، تجري مجرى اليقين في وجوب العمل، كما إذا أخبر واحد بنجاسة الماء؛ وجب العمل بقوله، وذلك يختلف بحسب اجتهاده الراي، وظنه. انتهى (¬2)
«وكذا في: «شرح المجمع» (¬3)، «والمجتبى» (¬4)، وفي «الغاية» (¬5) - ظاهر الرواية عن ابي حنيفة - رضي الله عنه - اعتباره لغلبة (¬6) الظن، وهو الاصح. انتهى» (¬7)
¬
(¬1) معراج الدراية، لمحمد بن محمد بن احمد السنجاري، ت749هـ. ينظر: الفوائد، ص186، الاعلام، ج7، ص36.
(¬2) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 79:1).
(¬3) مجمع البحرين في الفروع، كتاب فقهي، لبراء الدين محمد بن الضياء المكي الحنفي ت 854هـ. ينظر: الاعلام، ج5، ص332، كشف الظنون، ج2، ص487.
(¬4) المجتبى في شرح مختصر القدوري لابي الرجاء مختار بن محمد بن محمد بن نجم الدين الزاهدي الغرميني المتوفى 658هـ. ينظر: الاعلام، ج7، ص193.
(¬5) الغاية في شرح الهداية للمرغناني في الفروع لمحمد بن محمد بن احمد السنجاري قوام الدين الفقيه الحنفي المعروف بالكاكي المتوفى 749هـ. ينظر: الاعلام، ج7، ص36، معجم المؤلفين، ج1، ص140.
(¬6) بغلبة، في نسخة، أ، ب.
(¬7) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 79:1).
«وكذا في: «التبيين» (¬1) وفي «الينابيع» (¬2) قال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: الغدير العظيم (¬3)،
¬
(¬1) تبيين الحقائق في شرح كنز الدقائق، شرح لكتاب كنز الدقائق، فأجاد، وأفاد، وحرر، وانتقد، وصحَّح ما اعتُمِد، لعثمان بن علي بن محجن، فخر الدين الزيلعي، ت743هـ. ينظر: الاعلام، ج1، ص255، تاج التراجم، ج1، ص204.
(¬2) الينابيع في معرفة الاصول والتفاريع وهو شرح مختصر القدوري، لمحمد بن رمضان الرومي أبي عبد الله الجواهر المضية، ج2، ص53، تاج التراجم، ج1، ص260.
(¬3) الغديرَ العظيمَ الذي لا يتحرَّكُ أحدُ طرفيه بتحريك الطَّرف الآخر إذا وقعتْ النَّجاسةُ في أحدِ جوانبهِ جاز الوضوءُ في الجانبِ الآخر، ثمَّ قُدِّرَ هذا بعشرٍ في عشر، وإنما قُدِّرَ به بناءً على ما وري من حديث أبي هريرة وعبد الله بن مغفل - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن حفرَ بئْرَاً فله حولها أربعون ذراعاً)، فيكون له حريمها من كلِّ جانبٍ عشرة، ففهمَ من هذا أنه إذا أرادَ آخرٌ أن يحفرَ في حريمها بئراً يُمْنَعُ منه؛ لأنه ينجذبُ الماءُ إليها، وينقصُ الماءُ في البئرِ الأُولَى .. والغدير العظيم قال أبو حنيفة - رضي الله عنه - هو الذي يخلص بعضه إلى بعض ولم يفسره في ظاهر الرواية وفوضه إلى رأي المبتلى به فإن كان أكثر رواية إن خلص بعضه إلى بعض جاز له استعماله والإ فلا وقد روي عنه في غير رواية الأصول أنه لو اغتسل الجنب في جانب ولم يضطرب الجانب الآخر والإغتسال به والإفلاء وعنه أن تحريكه باليد كان يضطرب الماء كله وقال: أبو يوسف لو حرك الإنسان يده ولم يضطرب الجانب الآخر فهو عظيم لا ينجسه شيء إلا أن يظهر فيه لون النجاسة كما في الماء الجاري وقال محمد لو توضأ رجل في جانب ولم يضطرب الجانب الآخر فهو عظيم والصحيح ما قال أبو حنيفة: أنه مفوض إلى رأي المبتلى وبه أخذ الكرخي وسئل محمد - رضي الله عنه عن الغدير العظيم فقال: مثل مسجدي هذا وكان داخل مسجده ثمانية في ثمانية وخارجة عشرة في عشرة. ينظر: الينابيع، ج1، ص9.
هو الذي لا يخلص بعضه الى بعض، ولم يفسره في «ظاهر الرواية»، وفوضه الى راي المبتلى به، وهو الصحيح، وبه اخذ الكرخي رحمه الله. انتهى» (¬1)
«وهكذا في كثير من الكتب؛ فثبت بهذه النقول المعتبرة عن مشايخنا المتقدمين رحمهم الله، مذهب اصحابنا (¬2) الامام الأعظم - رضي الله عنه - وصاحبيه - ابي يوسف ومحمد - رضي الله عنهم -، فتعين المصير اليه» (¬3).
وأما ما اختاره كثير من مشايخنا المتأخرين رحمهم الله، بل عامتهم، كما نقله قاضي خان (¬4) رحمه الله، ونسبه بعضهم الى التسامح، من اعتبار العشر في العشر، فقد علمت انه ليس مذهب اصحابنا الثلاثة - رضي الله عنهم -، وان محمد - رضي الله عنه - إن كان قَدََرَ به، رجع عنه كما نقله الائمة الثقات المعتمدون رحمهم الله، الذين هم اعلم بمذاهب اصحابنا - رضي الله عنهم -.
¬
(¬1) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 79:1).
(¬2) ساقطة في نسخة، أ، ب.
(¬3) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 79:1).
(¬4) هو حسن بن منصور بن أبي القاسم محمود بن عبد العزيز، كان إمامًا كبيرًا وبحرًا عميقًا غواصًا في المعانى الدقيقة مجتهدًا فهّامة، أخذ عن: أبي إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن أبي نصر الصفّاري وظهير الدين أبي الحسن علي بن عبد العزيز المرغيناني، وأخذ عنه: جمال الدين الحصيري وصاحب "الخلاصة" طاهر بن أحمد البخاري وشمس الأئمة الكردري ونجم الأئمة الحكيمي والخاصي والصدر الكبير صاحب "المحيط" وبرهان الإسلام الزَّرنوجي، له الفتاوى، الأمالي، الواقعات، والمحاضر، وشرح الزيادات، وشرح الجامع الصغير، وشرح أدب القضاء للخصاف، ت592هـ. ينظر: الفوائد البهية، ص64، والجواهر المضية، ج1، ص205، الاعلام، ج2، ص224.
«ولما كان المذهب التفويض الى رأي المبتلى به، وكان الراي يختلف، بل من الناس من لا رأي له، [اعتبر المتأخرون العشر في العشر توسعة وتيسير على من راي له] (¬1) لكن لا يُعمَل الا بما صح من المذهب، يدل عليه ما ذكره الامام الزاهدي (¬2) رحمه الله في «القنية» (¬3) معلما بعلامة النون.
قيل لابي نصر (¬4):
¬
(¬1) زائدة في نسخة، أ، ب.
(¬2) هو مختار بن محمود بن محمد، فقيه من أكابر الحنفية، اخذ عن نجم الدين عمر النسفي، وسديد الخياطي، وبرهان الأئمة، وله الحاوي في الفتاوي، والمجتبى وبه شرح مختصر القدوري، والناصرية، وزاد الأئمة، وقنية المنية لتتميم الغنية، ت658هـ. ينظر: الاعلام، ج7، ص193، الجواهر المضية، ج2، ص166، تاج التراجم، ج1، ص195.
(¬3) قنية المنية، لمختار بن محمود بن محمد، قال الإمام اللكنوي: قد طالعت المجتبى شرح القدوري، والقنية، فوجدتهما على المسائل الغريبة حاويين، ولتفصيل الفوائد كافيين. ينظر: الاعلام، ج7، ص193، الجواهر المضية، ج2، ص166، تاج التراجم، ج1، ص195.
وقعت عندنا أربع كتب: كتاب إبراهيم بن رستم (¬1) رحمه الله، «وادب القاضي» (¬2) عن الخصاف (¬3) رحمه الله، وكتاب «المجرد» (¬4)، «والنوادر» (¬5) من جهة هشام (¬6) رحمه الله، هل يجوز لنا ان نفتي منها؟» (¬7)
¬
(¬1) إبراهيم بن رستم أبو بكر، الحنفي الفقيه واحد الاعلام، أخذ عن محمد بن الحسن وسفيان الثوري، وله النوادر، ت211هـ. ينظر: الجواهر المضية ج2، ص397، الفوائد البهية 9.
(¬2) كتاب أدب القاضي لأحمد بن عمرو، على مذهب أبي حنيفة، رتبه على مئة وعشرين بابا، وهو كتاب جامع للمراد. ينظر: كشف الظنون، ج1، ص1، الاعلام، ج1، ص185، والفوائد، ص29.
(¬3) هو أحمد بن عمرو، فاضلًا فارضا حاسبا عارفا بالفقه، أخذ عن: وهب بن جرير وأبي عامر العقدي ومسلم بن إبراهيم وعلي بن المديني، وله كتاب الحيل وكتاب الوصايا وكتاب أدب الفاضي وكتاب النفقات على الأقارب وكتاب أحكام المصير، ت261هـ. ينظر: الاعلام، ج1، ص185، والفوائد، ص29.
(¬4) المجرد، للحسن بن زياد اللؤلؤي، صاحب الإمام أبي حنيفة، كتاب المجرد يحتوي على ما رواه عن أبي حنيفة من المسائل وأدلتها وقد روى فيه فقه الإمام أبي حنيفة، ومسائلها تعد من مسائل النوادر. ينظر: الاعلام، ج2، ص191، والجواهر المضية، ج1، ص193.
(¬5) النوادر، هشام بن عبد الله الرازي. ينظر: الاعلام، ج8، ص87، الفوائد، ص223.
(¬6) هشام بن عبد الله الرازي، فقيه حنفي، اخذ عن أبي يوسف ومحمد، له النوادر، وصلاة الأثر، ت221هـ. ينظر: الاعلام، ج8، ص87، الفوائد، ص223.
(¬7) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 80:1).
«فقال: ما صح عن اصحابنا - رضي الله عنهم -، فذلك علم مجتبى مرغوب فيه، مرضي به، فأما الفتوى؛ فاني لا أرى لاحد ان يفتي بشيء لا يفهمه، ولا يتحمل (¬1) اثقال الناس، فان كانت مسائل قد اشتهرت وظهرت عن اصحابنا - رضي الله عنهم -، رجوت ان يسع الاعتماد عليها في النوازل (¬2). انتهى» (¬3)
¬
(¬1) يحتمل، في نسخة، ف.
(¬2) قال ابن عابدين: أعلم أن مسائل أصحابنا الحنفية على ثلاث طبقات: الأولى: مسائل الأصول وتسمى ظاهرة الرواية، وهي مسائل مروية عن أصحاب المذهب. الثانية: مسائل النوادر، وهي المروية عن أصحابنا لكن لا في كتب الأصل. الثالثة: الواقعات: وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون لما سئلوا عنها ولم يجدوا فيها رواية؛ وهم أصحاب أبي يوسف ومحمد وأصحاب أصحابهما وهلم جرا. وقد يتفق لهم أن يخالفوا أصحاب المذهب لدلائل وأسباب ظهرت لهم. وأول كتاب جمع في فتاويهم فيما بلغنا (كتاب النوازل) لأبي الليث السمر قندي 373هـ جاء في مقدمته: "وسميته فتاوى النوازل لأنه هو تحلّى بمسائل الفتاوى "، جمع فيه فتاوى مشايخه ومشايخ شيوخه، ثم جمع المشايخ بعده كتباً أخرى، كمجموع النوازل والواقعات للناطفي، والواقعات للصدر الشهيد. ثم ذكر المتأخرون هذه المسائل مختلطة، كما في فتاوى قاضي خان وغيره، وميز بعضهم كما في محيط رضي الدين السرخسي فإنه ذكر أولاً مسائل الأصول ثم النوادر، ثم الفتاوى. وقال الدهلوي: وقسم هو تخريج المتأخرين اتفق عليه جمهور الأصحاب، وحكمه: أنهم يفتون به على كل حال، وقسم هو تخريج منهم لم يتفق عليه جمهور الأصحاب وحكمه: أن يعرض المفتي على الأصول والنظائر من كلام السلف فإن وجده موافقاً لها أخذه به وإلا تركه كمحمد بن سماعة، ومحمد بن مقاتل الرازي، وعلي بن موسى القمي، ومحمد بن مسلم، وشداد بن حكم، نصير بن يحيى البلخي. ينظر: رد المحتار: ج1، ص69.
(¬3) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 80:1).
«وعلى تقدير عدم رجوع محمد - رضي الله عنه - عن هذا التقدير، فبما قدر به؛ لا يستلزم تقديره به الا في نظره، وهو لا يلزم غيره، وهذا لأنه لما اوجب كونه ما استكثره المبتلى، فاستكثار واحد لا يلزم غيره، بل يختلف باختلاف ما يقع في قلب كلٍ، وليس هذا من قبيل الأمور التي يجب فيها على العامي تقليد المجتهد اليه.» (¬1)
أشار المحقق كمال الدين ابن الهمام (¬2) رحمه الله في «شرح الهداية» (¬3)، ويؤيده ما في شرح الزاهدي رحمه الله نقلا عن الحسن - رضي الله عنه -: وأصح حده، ما لا يخلص بعض الماء الى بعض بظن المبتلى به واجتهاده، ولا يناظر المجتهد فيه. انتهى
¬
(¬1) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 80:1).
(¬2) هو محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد ابن مسعود، علامة في الفقه والأصول والنحو والصرف والمعاني والبيان والتصوف، اخذ عن السراج قارئ الهداية وعن العز ابن عبد السلام والبساطي والشمني، واخذ عنه شمس الدين محمد الشهير بابن أمير حاج الحلبي ومحمد بن محمد ابن الشحنة وسيف الدين بن عمر قطلوبغا، وله فتح القدير في شرح الهداية، والتحرير في أصول الفقه، والمسايرة في العقائد المنجية في الآخرة وزاد الفقير، مختصر في فروع الحنفية، ت861هـ. ينظر: الاعلام، ج6، ص255، الفوائد، ص180.
(¬3) فتح القدير للعاجز الفقير، لمحمد بن عبد الواحد السيواسي. ينظر: الاعلام، ج6، ص255، الفوائد، ص180.
فعُلِمَ من هذا ان التقدير بعشر في عشر، لا يرجع الى أصل شرعي يعتمد عليه كما قال محيي السنة (¬1) رحمه الله.
«واما ما استدل به صدر الشريعة (¬2) رحمه الله في «شرح الوقاية» (¬3) عليه في (¬4) قوله، وانما قدر به بناءً على قوله - صلى الله عليه وسلم - «من حفر بئرا فله حولها أربعون ذراعا» (¬5)؛ فيكون له حريمها من كل جانب عشرة.» (¬6)
«ففهم من هذا انه: إذا أراد اخر ان يحفر في حريمها بئرا، يمنع لأنه ينجذب الماء اليها، وينقص الماء في البئر الأولى.» (¬7)
¬
(¬1) هو الحسين بن مسعود بن محمد الفراء، الإمام الحافظ الفقيه المجتهد محيي السنة، اخذ عن شيخ الشافعية القاضي حسين بن محمد المروروذِي، اخذ عنه وروى عنه أبو منصور محمد بن أسعد العطاري المعروف بحفدة وَأبو الفتوح محمد بن محمد الطائي، له: معالم التنزيل، وشرح السنة، والتهذيب، والمصابيح ت516هـ. ينظر: الاعلام، ج2، ص256، طبقات الشافعية، ج7، ص75.
(¬2) هو عبيد الله بن مسعود بن محمود بن أحمد المحبوبي عالم محقق، وحَبْر مدقق، أخذ عن محمود بن صدر الشريعة، صدر الشريعة، جمال الدين المحبوبى، إمام زاده الزرنجري، السرخسى، وله: التوضيح في حل غوامض التنقيح، وشرح الوقاية، والنقاية، ت747ه. ينظر: الفوائد، ص109، تاج التراجم203، الاعلام ج1، ص316.
(¬3) شرح الوقاية، لعبيد الله بن مسعود المحبوبي، أبرز الشروح على الوقاية، له مختصر يسمى بالنقاية. ينظر: الفوائد، ص109، تاج التراجم203، الاعلام ج1، ص316.
(¬4) من، في نسخة، أ، ب.
(¬5) عن عبد الله بن مغفل، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال «من حفر بئرا فله أربعون ذراعا عطنا لماشيته». ينظر: ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ج2، ص831.
(¬6) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 80:1).
(¬7) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 80:1).
«وان أراد ان يحفر بئرا بالوعة (¬1) يمنع أيضا؛ لسراية النجاسة الى البئر الأولى، وتنجس ماؤها، ولا يمنع فيما (¬2) وراء الحريم (وهو عشر في عشر).» (¬3)
«فعلم ان الشرع اعتبر العشر في العشر في عدم سراية النجاسة، حتى لو كانت النجاسة تسري؛ يحكم بالمنع. انتهى» (¬4)
وهو مردود من ثلاثة أوجه:
«الأول: ما ذكر الشيخ تقي الدين الشمني (¬5) رحمه الله في «شرح النقاية» (¬6) من ان كون حريم البئر عشرة أذرع في كل جانب قول البعض، والصحيح انه أربعون من كل جانب كما عرف في بابه.» (¬7)
¬
(¬1) البالوعة: هوة في الأرض خليقة في بطون الأودية وتكون في الرياض أحيانا. ينظر: لسان العرب، ج1، ص12.
الْبَالُوعَةُ: ثقب في وسط الدار وكذا البلوعة والجمع البلاليع. ينظر: مختار الصحاح، ج1، ص39.
(¬2) في ما، في نسخة، أ. فيها، في نسخة، ب.
(¬3) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 80:1).
(¬4) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 80:1).
(¬5) هو أحمد بن محمد بن محمد بن حسن بن علي بن يحيى بن محمد بن خلف الله التميمي، واحد عصره في العلوم، اخذ عن يحيى السيرامي وعن ولي الدين العراقى، واخذ عنه أبو زرعة ولي الدين أحمد العراقي، وله: شرح المغني لابن هشام، ومزيل الخفا عن ألفاظ الشفا، وكمال الدراية في شرح النقاية، ت872هـ. ينظر: معجم المؤلفين، ج2، ص149، ص145، الفوائد، ص37.
(¬6) كمال الدراية في شرح النقاية، والنقاية هي مختصر الوقاية، والوقاية لتاج الشريعة. ينظر: الأعلام، ج1، ص 230، معجم المؤلفين، ج2، ص149، ص145، الفوائد، ص37.
(¬7) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 80:1).
«الثاني: ما ذكره يعقوب باشاه (¬1) رحمه الله: ان قوام الأرض اضعاف قوام الماء فقياسه عليها في مقدار عدم السراية غير مستقيم.» (¬2)
«الثالث: أن المختار المعتمد في البعد بين البالوعة والبئر نفوذ الرائحة. إن تغير لونه، او ريحه، او طعمه؛ تنجس، والا؛ فلا.» (¬3)
«هكذا: في «الخلاصة» (¬4)، و «فتاوي قاضي خان» (¬5) وغيرهما.» (¬6)
«وصرح في «التتارخانية» (¬7): ان اعتبار العشر في العشر على اعتبار حال أراضيهم، والجواب؛ يختلف باختلاف صلابة الأرض ورخاوتها.» (¬8)
¬
(¬1) هو يعقوب باشا بن خضر بك بن جلال الدين، قاضي حنفي تركي، وله: حواشي على شرح الوقاية، وعلى شرح الجغميني لقاضي زاده، وتعليقات على المواقف، ت891هـ. ينظر: الاعلام، ج8، ص197.
(¬2) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 80:1).
(¬3) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 80:1).
(¬4) خلاصة الفتاوى، لطاهر بن أحمد بن عبد الرشيد بن الحسين البخاري، قاضي خان، كتاب معتبر عند العلماء معتمد عند الفقهاء. ينظر: الجواهر، ج1، ص265، تاج التراجم، ج1، ص172، الفوائد البهية، ص64، والجواهر المضية، ج1، ص205، الاعلام، ج2، ص224.
(¬5) الفتاوي الخانية، لحسن بن منصور الأوزجندي الفرغاني الحنفي، بقاضي خان، معتمدة عند أجلة الفقهاء. ينظر: الاعلام، ج2، ص157، الفوائد، ص64.
(¬6) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 80:1).
(¬7) زاد المسافر في الفتاوى، لابن علاء الفقيه الحنفي. مرتب على أبواب الهداية وجمعت فيه مسائل من المحيط البرهاني والذخيرة، والفتاوى الخانية، والظهيرية، وغيرها. ينظر: كشف الظنون، ج1، ص268، هدية العارفين، ج1، ص 435، معجم المؤلفين، ج5، ص 52.
(¬8) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 80:1).
«فاذا عرفت هذا فاعلم: ان الماء المستعمل (¬1)،
¬
(¬1) الكلام في الماء المستعمل يقع من ثلاثة أوجه أحدها في صفته أنه طاهر أم نجس والثاني أنه في أي حال يصير مستعملا والثالث بأي سبب يصير مستعملا.
أما الأول فنقول ذكر في ظاهر الرواية أنه لا يجوز التوضي به ولم يذكر أنه طاهر أم نجس، وروى محمد عن أبي حنيفة أنه طاهر غير طهور وبه أخذ محمد وهو أحد قولي الشافعي، وروى أبو يوسف والحسن بن زياد عنه أنه نجس إلا أن الحسن روى أنه نجس نجاسة غليظة وبه أخذ وروى أبو يوسف أنه نجس نجاسة خفيفة وبه أخذ، وقال زفر إن كان المستعمل غير محدث فالماء المستعمل طاهر وطهور وإن كان محدثا فالماء المستعمل طاهر غير طهور وهو أحد قولي الشافعي، وقال مالك إنه طاهر وطهور بكل حال، ثم مشايخ بلخ حققوا هذا الاختلاف على الوجه الذي ذكرنا، ومشايخ العراق قالوا إنه طاهر غير طهور بلا خلاف بين أصحابنا، واختيار المحققين من مشايخنا هو هذا فإنه هو الأشهر عن أبي حنيفة وهو الأقيس فإنه ماء طاهر لاقى عضوا طاهرا فحدوث النجاسة من أين كما في غسل الثوب الطاهر بالماء الطاهر، ثم على هذا المذهب المختار إذا وقع الماء المستعمل في الماء القليل، قال بعضهم لا يجوز التوضي به وإن قل، وقال بعضهم يجوز ما لم يغلب على الماء المطلق وهذا هو الصحيح، وأما بيان حال الاستعمال وتفسير الماء المستعمل فنقول قال بعض مشايخنا الماء المستعمل ما زايل البدن واستقر في مكان، وذكر في الفتاوى أن الماء إذا زال عن البدن فلا ينجس ما لم يستقر على الأرض أو في الإناء، ولكن هذا ليس مذهب أصحابنا إنما هو مذهب سفيان الثوري، أما عندنا فما دام الماء على العضو الذي يستعمله فيه لا يكون مستعملا وإذا زايله يكون مستعملا، فإن لم يستقر على الأرض أو في الإناء فإنه ذكر في ظاهر الرواية رجل نسي مسح الرأس فأخذ من لحيته ماء ومسح به رأسه لا يجوز وإن لم يوجد الاستقرار على الأرض وعلى قول سفيان الثوري يجوز لأنه لم يستقر على الأرض وذكر في باب المسح على الخفين أن من مسح على خفيه فبقي في كفه بلل فمسح به رأسه لا يجوز وعلل وقال لأنه مسح به مرة وإن لم يستقر على الأرض، وقالوا فيمن بقيت على رجله لمعة في الوضوء فبلها بالبلل الذي على الوجه أو على عضو آخر لا يجوز لأنه صار مستعملا وإن لم يستقر على الأرض أو في الإناء فدل أن المذهب ما قلنا، وأما سبب صيرورة الماء مستعملا فنقول عند أبي حنيفة وأبي يوسف يصير الماء مستعملا بأحد أمرين بزوال الحدث أو بإقامة القربة، وعند محمد يصير مستعملا بإقامة القربة لا غير، وعند زفر والشافعي يصير مستعملا بإزالة الحدث لا غير، إذا ثبت هذا الأصل فنقول من توضأ بنية إقامة القربة نحو الصلوات المعهودة وصلاة الجنازة، ودخول المسجد ومس المصحف وقراءة القرآن ونحوها فإن كان محدثا يصير الماء مستعملا بلا خلاف لوجود زوال الحدث وحصول القربة جميعا وإن لم يكن محدثا فعلى قول علماؤنا الثلاثة يصير مستعملا لأنه وجد إقامة القربة، وعلى قول زفر والشافعي لا يصير مستعملا لأنه لم يوجد إزالة الحدث، وعلى هذا الأصل يخرج من دخل في البئر لطلب الدلو أو للغسل وهو جنب أو طاهر على ما عرف في كتاب الشرحين والمبسوط. ينظر: تحفة الفقهاء، ج1، ص77.
لم تذكر صفته في «ظاهر الرواية»؛ ولهذا ذكر في «الكافي» الذي هو جمع كلام محمد - رضي الله عنه -: ان الماء المستعمل لا يجوز الوضوء به، ولم يبين صفته من الطهارة، او النجاسة.» (¬1)
«فلهذا لم تُثبِت مشايخ العراق رحمهم الله خلافا بين اصحابنا - رضي الله عنهم - في صفته، فقالوا رحمهم الله: انه طاهر غير طهور عند اصحابنا - رضي الله عنهم -، وغيرهم اثبت الخلاف.» (¬2)
«وقد صحح المشايخ رحمهم الله رواية محمد - رضي الله عنه - انه طاهر غير طهور [عند اصحابنا - رضي الله عنهم - وغيرهم] (¬3).» (¬4)
«حتى قال: الزاهدي رحمه الله في «المجتبى»: وقد صحت الروايات عن الكل انه طاهر غير طهور الا الحسن - رضي الله عنه -. انتهى» (¬5)
«وقال فخر الإسلام (¬6) رحمه الله في «شرح الجامع الصغير» (¬7): هو المختار عندنا، وهو المذكور في عامة كتب محمد - رضي الله عنه - عن اصحابنا - رضي الله عنهم -». (¬8)
«واختارها المحققون رحمهم الله من مشايخ ما وراء النهر رحمهم الله». (¬9)
¬
(¬1) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 99:1).
(¬2) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 99:1).
(¬3) ساقطة في نسخة، أ.
(¬4) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 99:1).
(¬5) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 99:1).
(¬6) هو علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم بن موسى بن عيسى البزدوي، فقيه ما وراء النهر وأستاذ الأئمة وصاحب الطريقة على مذهب أبي حنيفة، له: المبسوط وأصول البزدوي وشرح الجامع الكبير وشرح الجامع الصغير ت482هـ. ينظر: الجواهر المضية، ج2، ص594، تاج التراجم، ص205.
(¬7) شرح الجامع الصغير في الفروع، لعلي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم بن موسى بن عيسى البزدوي. ينظر: الجواهر المضية، ج2، ص594، تاج التراجم، ص205.
(¬8) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 99:1).
(¬9) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 99:1).
«وفي «المحيط» (¬1) انه المشهور عن ابي حنيفة - رضي الله عنه -، وفي سائر الفتاوى والشروح وعليه الفتوى.» (¬2)
فثبت بهذا ان الماء المستعمل طاهر غير طهور عند اصحابنا الثلاث - رضي الله عنهم -.
وقد قالوا رحمهم الله: أن الماء المستعمل إذا اختلط بالطهور تعتبر فيه الغلبة، فإن كان الماء الطهور غالبا يجوز الوضوء بالكل، والا، لا يجوز.
وممن نص عليه: الامام الزَّيْلَعِيّ (¬3) رحمه الله في «شرح الكنز» (¬4) , والعلامة سراج الدين الهندي (¬5) رحمه الله [في «شرح الهداية» (¬6)] (¬7)، والمحقق في «فتح القدير» (¬8) رحمه الله، وهو بإطلاقه يشمل ما إذا (¬9) استعمل الماء خارجا، ثم القى الماء المستعمل، واختلط بالطهور، أو انغمس في الماء الطهور، او توضأ فيه.
¬
(¬1) المحيط البرهاني في الفقه النعماني، لبرهان الدين محمود بن أحمد، اختصره، وسماه الذخيرة. ينظر: كشف الظنون، ج1، ص343، الفوائد، ص205.
(¬2) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 99:1).
(¬3) هو عثمان بن علي بن محجن، الامام العلامة، له: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، وتِركة الكلام على أحاديث الأحكام، ت743هـ. ينظر: الجواهر المضية، ج1، ص345، الفوائد194، الاعلام، ج4، ص210.
(¬4) جاء ذكره في حاشية 68.
(¬5) هو عمر بن إسحاق بن أحمد الغزنوي، من كبار الاحناف، أخذ عن الإمام وجيه الدين الرازي وركن الدين البداوي وسراج الدين الثقفي، وله: التوشيح في شرح الهداية، الفتاوى السراجية، ت773هـ. ينظر الفوائد، ص148، تاج التراجم، ج1، ص223.
(¬6) التوشيح، لعمر بن إسحاق بن أحمد الغزنوي، كتاب في الفقه، ينظر الفوائد، ص148، تاج التراجم، ج1، ص223.
(¬7) ساقطة في نسخة، أ.
(¬8) سبق ذكره حاشية 91.
(¬9) زائدة في نسخة، أ، ب.
«ويدل عليه أيضا: ما في «البدائع» (¬1) في الكلام على حديث «لا يبولن احدكم في الماء الدائم» (¬2) بما لفظه: لا يقال إنه نهي، لما فيه من اخراج الماء من ان يكون مطهرا من غير ضرورة، وذلك حرام؛ لانا نقول: الماء القليل إنما يخرج عن كونه مطهرا باختلاط غير المطهر به، إذا كان غير المطهر به (¬3) غالبا، كماء الورد، واللبن، فأما إذا كان مغلوبا، فلا.» (¬4)
«وهاهنا الماء المستعمل ما يلاقي البدن، ولا شك ان ذلك اقل من غير المستعمل، فكيف يخرج به من ان يكون مطهرا! انتهى» (¬5)
¬
(¬1) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، شرح لتحفة الفقهاء، لعلاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني. ينظر: تاج التراجم، ج1، ص328، الفوائد، ص91.
(¬2) عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه»، ينظر: أبو داوود، سنن او داوود، ج1، ص18، ينظر: النسائي، سنن النسائي، ج1، ص34 وص125، عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه «نهى عن أن يبال في الماء الراكد»، ينظر: ابن ماجة، سنن ابن ماجه، ج1، ص123.
(¬3) ساقطة في نسخة، أ.
(¬4) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 74:1).
(¬5) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 74:1).
«وقال في موضع اخر فيمن وقع في البئر، فإن كان على بدنه نجاسة حكمية بأن كان محدثا، او جنبا (¬1)، او حائضا، او نفساء (¬2)، فعلى قول من لم يجعل هذا الماء مستعملا [لا ينزح شيء، وكذا على قول من جعله مستعملا] (¬3) وجعل المستعمل طاهرا، [لان غير] (¬4) المستعمل أكثر، فلا يخرج عن كونه طهورا ما لم يكن المستعمل غالبا عليه، كما لو صب اللبن في البئر بالإجماع (¬5)، او بالت فيها شاة عند (¬6) محمد - رضي الله عنه -. انتهى» (¬7)
«وقال في موضع اخر: ولو اختلط الماء المستعمل بالماء القليل، قال بعضهم: لا يجوز التوضؤ به وان قل، وهذا فاسد.» (¬8)
«اما عند محمد - رضي الله عنه - فلأنه طاهر؛ لم يغلب على الماء المطلق، فلا يغيره عن صفة الطهور كاللبن.» (¬9)
«واما عندهما - رضي الله عنهم -: فلأن القليل لا يمكن التحرز عنه.» (¬10)
«ثم الكثير عند محمد - رضي الله عنه -: ما يغلب على الماء المطلق.» (¬11)
«وعندهما - رضي الله عنهم -: ان يستبين مواضع القطرة في الاناء، انتهى» (¬12)
¬
(¬1) الجنابة: المني، وقد أجنب وجنب وجنب وأجنب واستجنب، وهو جنب، يستوي للواحد والجميع، أو يقال: جنبان وأجناب، لا جنبة. ينظر: القاموس المحيط، ج1، ص69.
(¬2) والنفاس: ولادة المرأة إذا وضعت، فهي نفساء. والنفس: الدم. ونفست المرأة ونفست، بالكسر، نفسا ونفاسة ونفاسا وهي نفساء. ينظر: لسان العرب، ج6،ص338
(¬3) زائدة في نسخة، أ، ب.
(¬4) ساقطة في نسخة، أ.
(¬5) ساقطة في نسخة، ب.
(¬6) عن، في نسخة أ.
(¬7) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 74:1).
(¬8) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 74:1).
(¬9) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 74:1).
(¬10) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 74:1).
(¬11) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 74:1).
(¬12) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 74:1).
«فهذا صريح فيما قلناه، ويدل عليه أيضا ما في «خلاصة الفتاوى»: جنبا اغتسل فانتضح من غسله شيء في انائه، لم يفسد عليه الماء.» (¬1)
«اما إذا كان يسيل فيه سيلانا، أفسده.» (¬2)
«وكذا حوض الحمام، على هذا.» (¬3)
«وعلى قول محمد - رضي الله عنه -، لا يفسده، ما لم يغلب عليه - يعني لا يخرجه عن الطهورية - انتهى بلفظه.» (¬4)
«فإذا عرفت هذا؛ لم تتأخر عن الحكم بصحة الوضوء في الفساقي الموضوعة في المدارس عند عدم غلبة الظن بغلبة الماء المستعمل، او مساواته، او وقوع نجاسة في الصغار منها.» (¬5)
«لان الماء المستعمل: هو ما لاقى (¬6) العضو وانفصل عنه، ولا شك انه قليل بالنسبة لما لم يستعمل، الا إذا تكرر الاستعمال زمانا، وغلب على الظن ان الماء الطهور قليل، فحينئذ، لا يجوز التطهير به.» (¬7)
«فإن قلت: قد وجدنا فروعا كثيرة تخالف هذا ظاهرا في الكتب المشهورة، فقد صرح قاضي خان رحمه الله في فتاواه: انه لو صُب ماء (¬8) الوضوء في بئر عند ابي حنيفة - رضي الله عنه -؛ يُنزَحُ كلُ الماء.» (¬9)
«وعند صاحبيه - رضي الله عنهم -، إذا كان استنجى (¬10) بذلك؛ فكذلك.» (¬11)
¬
(¬1) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 74:1).
(¬2) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 74:1).
(¬3) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 74:1).
(¬4) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 74:1).
(¬5) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 74:1).
(¬6) يلاقي في نسخة، ف.
(¬7) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 74:1).
(¬8) زائدة في نسخة، أ.
(¬9) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 74:1).
(¬10) استنجيت غسلت موضع النجو أو مسحته بحجر أو مدر. ينظر: المصباح المنير، ج2، ص595.
(¬11) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 74:1).
«وان لم يكن استنجى به على قول محمد - رضي الله عنه -، لا يكون نجسا، لكن ينزح منها عشرون ليصير الماء طهورا. انتهى» (¬1)
«فهذا ظاهر في استعمال الماء بوقوع قليل من الماء المستعمل فيه على قول محمد - رضي الله عنه -» (¬2).
«وكذلك مسالة البئر جحط (¬3) المذكورة في المتون والشروح دالة على ان الماء يصير مستعملا عند محمد - رضي الله عنه - بالاغتسال فيه.» (¬4)
«وصورتها: رجل نزل لطلب الغسل (¬5)، وليس على بدنه نجاسة حقيقية، فعند ابي حنيفة - رضي الله عنه - الماء والرجل نجسان، وعند ابي يوسف - رضي الله عنه - على حالهما، وعند محمد - رضي الله عنه - الماء طاهر غير طهور، والرجل طاهر، مع ان الماء الذي لاقى بدنه في البئر، اقل من غيره، وقد جعله محمد - رضي الله عنه - مستعملا.» (¬6)
«وفي «فتاوى قاضي خان» أيضا، لو ادخل يده او رجله في الاناء للتبرد، يصير الماء مستعملا لانعدام الضرورة.» (¬7)
«وفي «المبتغى» (¬8) بالغين المعجمة، لو ادخل الكف؛ صار الماء مستعملا.» (¬9)
¬
(¬1) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 74:1).
(¬2) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 74:1).
(¬3) فأشار بالجيم إلى ما قال الإمام إن الرجل والماء نجسان، وبالحاء إلى ما قال الثاني إنهما بحالهما، وبالطاء إلى ما قال الثالث من طهارتهما. ينظر: الدرر المختار، ج1، ص201.
(¬4) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 74:1).
(¬5) الدلو، في نسخة أ، ب.
(¬6) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 74:1).
(¬7) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 74:1).
(¬8) المبتغى في فروع الحنفية، وفي الكنز المنقى، لعيسى بن محمد بن اينانج القرشهري، وصف بأنه مختصر جم الفوائد. ينظر: الكشف، ج2، ص1579.
(¬9) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 74:1).
«وقال القاضي أبو زيد الدبوسي (¬1) رحمه الله في «الاسرار» (¬2) في الكلام على حديث لا «يبولن احدكم»» (¬3)
«من قال: ان الماء المستعمل طاهر طهور، لا يجعل الاغتسال فيه حرام، وكذا، من قال: طاهر غير طهور، لان المذهب عنده، ان الماء المستعمل إذا وقع في ماء اخر، لم يفسده حتى يغلب عليه بمنزلة اللبن يقع فيه، وقدر ما يلاقي بدن المستعمل يصير مستعملا، وذلك القدر من جملة ما يغتسل فيه عادة يكون اقل مما فضل عن ملاقاة بدنه، فلا يفسده، ويبقى طهورا كذلك ولا يحرم فيه الاغتسال، الا ان يُحكَمُ بنجاسة الغُسالة؛ فيفسد الكل، وإن كان أكثر من (¬4) الغسالة، كقطرة خمر تقع في جب.» (¬5)
«الا ان محمد - رضي الله عنه - يقول: لما اغتسل في الماء القليل، صار الكل مستعملا حكما. انتهى» (¬6)
فهذا صريح في ان محمد - رضي الله عنه - يقول بصيرورته مستعملا بالاغتسال فيه.
«وفي «الخلاصة» رجل توضأ في طشت، ثم صب ذلك الماء في بئر؛ ينزح منه الأكثر من عشرين دلوا، أو من ما صب فيه عند محمد - رضي الله عنه -. وعند ابي حنيفة وعند ابي يوسف - رضي الله عنهم - ينزح ماء البئر كله، لأنه نجس عندهما. انتهى» (¬7)
¬
(¬1) هو عبد الله بن عمر بن عيسى، من كبار فقهاء الحنفية ممن يضرب به المثل، وله: الأسرار وتقويم الأدلة، ت430هـ. ينظر: الاعلام، ج1، ص207، تاج التراجم، ج1، ص330، الفوائد، ص109.
(¬2) الأسرار عبد الله بن عمر بن عيسى، من أقدم كتب الخلاف، فيه مسائل الخلاف بين أئمة الحنفية وينهم والشافعية. ينظر: الاعلام، ج1، ص207، تاج التراجم، ج1، ص330، الفوائد، ص109.
(¬3) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 75:1).
(¬4) ساقطة في نسخة، ب.
(¬5) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 75:1).
(¬6) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 75:1).
(¬7) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 75:1).
«وفي «منية المصلي» (¬1) وعن الفقيه ابي جعفر (¬2) رحمه الله: لو توضأ في أجمة (¬3) القصب، فإن كان لا يخلص بعضه الى بعض جاز.» (¬4)
«واتصال القصب بالقصب لا يمنع اتصال الماء بالماء انتهى.» (¬5)
فمفهومه: أنه (¬6) إذا كان الماء متصلا بعضه ببعض؛ فانه [لا يجوز] (¬7) التوضؤ فيه.
وفي «الخلاصة» لو توضأ في أجمة القصب، او في أرض فيها فروع (¬8) متصل بعضها ببعض، ان كان عشرا في عشرا يجوز. انتهى
فمفهومه: انه إذا كان اقل من عشر [في عشر] (¬9)؛ لا يجوز التوضؤ فيه.
والأجمة محركة الشجر الكثير الملتف، والمراد بها هنا البطيحة التي هي منبت القصب.
وفي «الخلاصة» و «منية المصلي» أيضا، لو توضأ في حوض وعلى جميع وجه الماء الطحلب؛ ان كان بحال لو [حرك يتحرك] (¬10) الماء (¬11)، يجوز. انتهى
¬
(¬1) منية المصلي وغنية المبتدي، لمحمد بن محمد بن علي الكاشغري، شرحه ابن أمير الحاج شرحا بسيطا وسماه: حلبة المجلي وبغية المهتدي في شرح منية المصلي، وشرحه الشيخ إبراهيم بن محمد الحلبي شرحا كبيرا سماه: غنية المتملي وهو المعروف بحلبي كبير، ثم اختصره وهو المعروف بحلبي صغير. ينظر: كشف الظنون 1886:2، هدية العارفين، ج2، ص140.
(¬2) هو محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد العزيز، شيخ الحنفية ومدرسهم بالموصل، له: النوري فى مختصر القدوري، ت615هـ. ينظر: تاج التراجم، ج1، ص251، الجواهر، ج2، ص5.
(¬3) الغابة: الأجمة التي طالت، ولها أطراف مرتفعة باسقة؛ يقال: ليث غابة. والغاب: الآجام، وهو من الياء. والغابة: الأجمة؛ وقال أبو حنيفة: الغابة أجمة القصب. ينظر: لسان العرب، ج1، ص656.
(¬4) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 78:1).
(¬5) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 97:1).
(¬6) زائدة في نسخة، أ.
(¬7) ساقطة في نسخة، أ.
(¬8) قروع في نسخة، أ. زرع في نسخة، ب.
(¬9) ساقطة في نسخة، أ.
(¬10) حرك لا يتحرك في نسخة، ف.
(¬11) زائدة في نسخة، أ.
ومفهومه انه: إن (¬1) كان لا (¬2) يتحرك الطحلب بتحريك الماء؛ فانه لا يجوز.
فان عدم تحركه بتحريك الماء يدل على انه بحالة من التكاثف والاستمساك بسطح الماء، بحيث يمنع انتقال الماء المستعمل الواقع فيه من ذلك المحل الى محل اخر، فيقع الوضوء بماء مستعمل.
والطحلب: نبت أخضر يعلو الماء بعضه على بعض.
وهذا كله يدل على ان الماء يصير مستعملا بالوضوء فيه مطلقا.
قلت اما ما ذكرته من عبارة قاضي خان رحمه الله الأولى من مسألة البئر جحط، ومن كلام الدبوسي رحمه الله، ومن عبارة «الخلاصة» الأولى، فكله مبني على رواية ضعيفة عن محمد - رضي الله عنه -، قائلةً: بأن الماء يصير مستعملا بوقوع القليل فيه من الماء المستعمل، لا على الصحيح من مذهبه، وسيظهر لك صدق هذه (¬3) المقالة الصادقة بالبينة العادلة.
«قال في «المحيط»: وإذا وقع الماء المستعمل في البئر، يفسد الماء؛ وينزح كله عند ابي يوسف - رضي الله عنه - لأنه نجس، وعند محمد - رضي الله عنه - لا يفسد (¬4).» (¬5)
«ويجوز التوضؤ به ما لم يغلب على الماء، وهو الصحيح، لان الماء المستعمل طاهر غير طهور، فصار كالماء المقيد إذا اختلط بالماء المطلق انتهى بلفظه.» (¬6)
«وقال العلامة سراج الدين الهندي رحمه الله في «شرح الهداية»: إذا وقع الماء المستعمل في البئر، لا يفسد عند محمد - رضي الله عنه -، ويجوز الوضوء به ما لم يغلب على الماء، وهو الصحيح، كالماء المقيد إذا اختلط بالماء المطلق.» (¬7)
¬
(¬1) لو، في نسخة أ، ب.
(¬2) زائدة في نسخة، أ. زائدة في نسخة، ب.
(¬3) زائدة في نسخة، ب.
(¬4) ينجس في نسخة، ب.
(¬5) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 76:1).
(¬6) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 77:1).
(¬7) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 77:1).
«وفي «التحفة» (¬1): يجوز الوضوء به ما لم يغلب على الماء على المذهب المختار.» (¬2)
«وبعضهم قالوا رحمهم الله: لا يجوز الوضوء به، بخلاف بول الشاة، مع ان كلاهما (¬3) طاهر عند محمد - رضي الله عنه -.» (¬4)
«فالفرق (¬5) له: ان الماء المستعمل من جنس ماء البئر، فلا يستهلك فيه، والبول ليس (¬6) من جنسه، فيعتبر الغالب فيه» (¬7) - انتهى كلام العلامة السراج رحمه الله -.
فقد افاد ان بعضهم رحمهم الله: قال باستعماله بوقوع القليل.
وان الصحيح المختار: انه لا يصير مستعملا ما لم يغلب عليه؛ فهذه العبارة كشفت اللبس، وأوضحت كل تخمين وحدس.
«واما ما ذكرته عن فتاوى قاضي خان رحمه الله من صيرورته مستعملا بإدخال اليد، فهذا محمول على الرواية الضعيفة القائلة بنجاسة الماء المستعمل، لا على المختار للفتوى؛ لان ملاقاة النجس للماء القليل يقضي بنجاسته، لا ملاقاة الماء الطاهر له.» (¬8)
«وقد كشف عن هذا ختام المحققين كمال الدين ابن الهمام رحمه الله، وفي «شرح الهداية حجاب الاستار»، فقال: حوضان صغيران يخرج الماء من أحدهما ويدخل في الاخر، فتوضأ في خلال ذلك جاز؛ لأنه جار.» (¬9)
¬
(¬1) تحفة الملوك، لزين الدين محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، فيه عشرة أبواب بدأ بالطهارة، ثم بالصلاة، ثم الزكاة، ثم بالصوم، ثم بالحج، ثم بالجهاد، ثم بالصيد مع الذبائح، ثم بالكراهية، ثم بالفرائض، ثم بالكسب مع الأدب. ينظر: الجواهر المضية، ج2، ص34، تاج التراجم، ص252.
(¬2) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 77:1).
(¬3) كل منهما في نسخة، أ.
(¬4) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 77:1).
(¬5) والفرق نسخة أ، ب.
(¬6) ساقطة في نسخة، ب.
(¬7) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 77:1).
(¬8) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 77:1).
(¬9) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 77:1).
«وكذلك (¬1) إذا قطع الجاري من فوق، وقد بقي جري الماء، كان جائز ان يتوضأ بما يجري في النهر.» (¬2)
«وذُكِرَ في فتاوي قاضي خان رحمه الله في المسألة الأولى؛ قال: والماء (¬3) الذي اجتمع في الحفيرة الثانية فاسد، وهذا مطلقا، انما هو بناءً على كون المستعمل نجسا، وكذا كثير من اشباه هذا، فأما على المختار من رواية انه طاهر غير طهور فلا، فلتحفظ ليفرَع عليها، ولا يفتى بمثل هذه الفروع، انتهى كلامه رحمه الله بلفظه وتمامه.» (¬4)
«[وقولهم في الحفيرة الثانية: ان المجتمع فيها نجس بعد الحاق محل الوضوء بالجاري، فيه نظر، بل الوجه انه طاهر يتوضأ به، كما يتوضأ الأسفل من جوية المتوضئ الأعلى، ومثله يجب فيما قطع من أعلاه، وتوضأ انسان بالجاري قبل استقراره» (¬5). انتهى كلامه] (¬6)
وأما مسألة الاجمة المذكورة في «الخلاصة» و «المنية» ففرع أيضا على القول بنجاسة الماء المستعمل، وقد صرح به شارح «المنية» العلامة محمد الشهير بابن امير حاج الحلبي (¬7)
¬
(¬1) وكذا في نسخة، أ، ب.
(¬2) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 77:1).
(¬3) زائدة في نسخة، أ، زائدة في نسخة، ب.
(¬4) ينظر: (فتح القدير 77:1).
(¬5) ينظر: (فتح القدير 77:1).
(¬6) ساقطة في نسخة، أ، ب
(¬7) هو محمد بن محمد الحلبي الحنفي، شمس الدين، أخذ عن: ابن الهمام والحافظ ابن حجر، وله: حلبة المجلي وبغية المهتدي في شرح منية المصلي وغنية المبتدي، ت879هـ. ينظر: الاعلام، ج1، ص40،
رحمه الله تلميذ المحقق ابن الهمام رحمه الله فقال: «وانما قيد الجواز بعدم الخلوص، لأنه لو كان يخلص بعضه الى بعض، لا يجوز؛ لكن على القول بنجاسة الماء المستعمل، أما على طهارته فلا، بل يجوز ما لم يغلب على ظنه ان القدر الذي يغترفه منه، لإسقاط فرض من مسح، او غسل، ماء مستعمل، او ماء يمازجه ماء مستعمل مساو له، او غالب عليه،» (¬1) انتهى بلفظه " فهذا صريح فيما قلناه من جواز الوضوء في الفساقي".
وأما في (¬2) مسألة الطحلب المذكورة في «الخلاصة» و «المنية»، فقال شارح «المنية» رحمه الله أيضا: " ثم هذا أيضا بناء على نجاسة الماء المستعمل، [واما القول بطهارته فالحكم ما ذكرناه في السالفة من اعتبار غلبة الماء المستعمل] (¬3)، او مساواته.
«وكذا صرح في مسالة [ما لو] (¬4) توضأ في حوض إنجمد ماؤه، فانهم قالوا رحمهم الله: أن كان الجمد رقيقا ينكسر بالتحريك يجوز، واما (¬5) إذا كان الجمد كبيرا قطعا قطعا لا يتحرك بالتحريك، لا يجوز.» (¬6)
فقال رحمه الله: ثم هذا أيضا بناء على نجاسة الماء المستعمل، اما على طهارته، فالجواب ما ذكرنا في السابقات، يعني ما قدمناه عنه، وحمل فروع كثيرة (¬7) على هذا النحو.
فاذا عرفت هذا؛ تعين عليك القول بجواز الوضوء في الفساقي الصغار الموضوعة في المدارس، بالشرط الذي قدمناه.
«ومن هنا يعلم كما قال ابن الفرس (¬8) رحمه الله: إن فهم المسائل على وجه التحقيق يحتاج الى معرفة أصلين:
¬
(¬1) ينظر: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق 77:1).
(¬2) ساقطة في نسخة، أ، ب.
(¬3) زائدة في نسخة، ب.
(¬4) قالوا، في نسخة، أ، ب.
(¬5) أما، في نسخة، أ، ب.
(¬6) ينظر: (الفتاوى الهندية 18:1).
(¬7) زائدة في نسخة، أ، ب
(¬8) هو عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم الخزرجي، من علماء غرناطة، أخذ عن اباه وجده ابى القاسم، وله كتاب أحكام القرآن، ت599هـ. ينظر: سير اعلام النبلاء، ج15، ص454.
أحدهما: ان اطلاقات الفقهاء رحمه الله في الغالب مقيدة بقيود يعرفها صاحب الفهم المستقيم، الممارس للأصول والفروع، وانما يسكتون عنها؛ اعتمادا على صحة فهم الطالب.
والثاني: أن هذه المسائل اجتهادية، معقولة المعنى، لا يعرف الحكم فيها على الوجه التام؛ الا بمعرفة وجه الحكم الذي بني عليه، وتفرع عنه، والا، فتشتبه المسائل على الطالب ويحار ذهنه فيها، لعدم معرفة الوجه (¬1) المبني، ومن العمل ما ذكرناه حار في الخطأ والغلط.
هذا ما يسر الله تعالى جمعه في اقل من نصف يوم على يد مؤلفها زين ابن نجيم الحنفي رحمه الله
في أواسط شهر ربيع الأول، من سنة احدى وخمسين وتسعمائة،
وكان ذلك بالخانقاه الشيخونية،
[والحمد لمستحقه، تم] (¬2)
[والحمد لله رب العالمين، وصل الله على سيدنا محمد، وعلى أله وصحبه، [وسلم تسليما كثيرا، دائما ابدا، الى يوم الدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل] (¬3).]. (¬4)
¬
(¬1) زائدة في نسخة، أ، ب.
(¬2) زائدة في نسخة، ب.
(¬3) زائدة في نسخة، أ.
(¬4) ساقطة في نسخة، ب.