الجزء 1 · صفحة 5
كشف الدسائس في الكنائس
للعلامة شيخ الإسلام أحمد بن سليمان بن كمال باشا الحنفي
توفي سنة (940هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وفَضَّله عَلَى مَن سِواهُ مِن ملائِكَتِهِ ورُ ُسلِهِ، وجَعَلَ لأمَّته وجهَ الأَرْضِ مَساجِدَ يُذكَرُ فيها اسمُهُ وأمرَهُمْ بإعلان الحقِّ، وأطفَاً نيرانَ الكُفْرِ َوهدَمَ متعبَّدَهمْ حَتَّى لا يبْقَى منه رسمُهُ، والصَّلاة والسَّلامُ عَلَى نبيه محمَّدٍ سَيِّدِ الأَنَامِ، وَآلِهِ الكِرامِ، وأصحَابِهِ العِظامِ، ومَنْ تبعهم بالاعتصام إلى قيام الساعة وساعة القيام.
وبعد:
فلما اشتبه الأمر في باب الكنائس والبيع، وبُيوتِ النَّارِ، كتبتُ أوراقاً ينكشف بها ما هو المختارُ في القُرَى والأمْصَارِ، وجَعَلْتُها عَلَى فُصول وخاتمة؛ طلباً لمرضاة الله، وخير خاتمة.
واعلم أنَّ الكنيسة لا تخلو من أن تكون قديمة أو حادثة، وكل واحدة منهما إما أن تكون في البلاد أو في القُرى والسواد، وكل واحدةٍ مِنهُما إِنَّا أَن تَكُونَ
مفتتحة صلحاً أو قهراً وعنوة، والمفتوحة عنوة قرية كانَتْ أو بلدَةً إِمَّا أَنْ يُقرَّ عليها أهلها أو لا، والقرية المفتوحة قهراً إِمَّا يجعلُها الإِمَامُ مِصْراً أو لا. وهذه عدة أقسام أوردْتُ كل قسم منها في فضل، إلَّا أنَّ البعض لاشتراكه مع آخر منها في حكم واحدٍ أورَدتُهما في فضل.
فضل
في القديمة في بلدة فتحها الإمامُ عَنوةً، ثمَّ جَعَلَهُمْ ذِمَّةٌ، أو في قرية كذلِكَ، ثمَّ صارَت مصراً مِن أمصار المسلِمِينَ
قال في التَّجريد»: كلُّ مصر من أمصَارِ المشركينَ ظَهَرَ عليهِمُ المسلمون عنوة، وصالحهم الإمامُ عَلى أنْ يجعَلهُمْ دَمَّةٌ، وفيها كَنائسُ قَديمةٌ مُنِعوا عنِ الصَّلاةِ فيها، وأُمِرُوا أن يجعلوها مساكِنَ؛ لأنَّهُ لما
الجزء 1 · صفحة 7
فُتِحَتْ عَنوةً، صارَتْ للغانمِينَ، فلا يستحقها أهل الذمَّةِ إلَّا بتقريرهِمْ، فَكانَ تَقريرُهُمْ بمعنى التَّمْكِينِ مِنَ الإحداثِ، ولا ينبَغِي أَنْ يهدمها، وكذلِكَ كُلُّ قريَةٍ جَعَلَهَا الإِمَامُ مِصْراً لما بينًا.
وقال في التارخانية»: إذا فتَحَ الإِمَامُ بلدَةٌ مِن بلادِ أهل الشرك قهْرَاً وعَنوةً، ثمَّ صالحَهُمْ عَلى أن يجعلهُمْ ذمَّةً، وفيها كنائسُ قَديمَةٌ وبيوتُ النَّارِ أو كانَتْ قَرَيَةً مِن قُراهُمْ كذلِكَ، ثمَّ صارَ ذلك الموضِعُ مصراً مِن أمصَارِ المسلمينَ يُجمَّعُ فيه الجمَعُ، ويُقام فيهِ الحُدودُ؛ فإنَّ الإِمَامَ يمنعُهُمْ عَنِ الصَّلاةِ فيها، ثمَّ لا يهدِمُ بناء الكنيسة، لكن يؤمرُونَ حتى يجعلُوها مساكن.
وقال في «التّسهيل»: ذكَرَ محمَّدٌ أنَّ الكنائس والبيعَ القَديمةَ تُهدَمُ في أمصَارِ المسلمين، قال شمسُ الأئمَّةِ السَّرخسِيُّ: الأَصَحُ عِندِي أَنَّ القَديمَةَ لا تهدَمُ، وذكَرَ كل بلدة فتحها الإمامُ عَنوةً وصالحَهُمْ عَلى أنْ يجْعَلَهُمْ دَمَّةٌ، مُنِعوا عَنِ الصَّلَاةِ فِي كنائيهم القديمة، وأمرهم أن يجعلوها مساكن.
وقال في البزازيةِ»: كلُّ أرْض فتحت عنوةً لا يترك فيها كيسة ولا بيعة، ولا تيتُ النَّارِ، واعتُرضَ عَلى الإمام الحلواني، والإمامِ السَّرخَسِي بِأَنَّ بُخارى وسمر قند فُتِحا عَنْوة، فكيف يترُكُ البيع؟ فقالا: كانُوا مجوساً، واليهودُ والنَّصَارَى كانُوا مَقهورين تحت أيديهم بالأمَانِ، والقهْرُ لا يُرَدُّ عَلى المَقْهُورِ، فلهذا ترك البيع، وأما بيتُ النَّارِ، فلا يُترك البنة؛ لأنَّ القهر ورد عليهم، ولهذا يُترك البيع بخَوارِزم؛ لأنها فتحَتْ صُلْحاً. وهذا الاعتراضُ مَعَ جَوابِهِ مَذْكُورٌ بعَينِهِ فِي (مجمع الفتاوى»، وغيره.
فإن قيل: قال في التتارخانية»: وفي الأمَصارِيُترَكُ القَديمةُ عَلى رِواية الإجَارَاتِ، وعامة الكتب، وفي «الولوالجيَّةِ»: وهَذا أصح، وعلى رواية كتابِ العُسْرِ: لا يُترَكُ القديمة، وبرواية كتاب العشر أخَذَ الحَسَنُ، وهذه الرواية فيما ظهَرَ الإِمَامُ عَليهِمْ مِن غَيرِ صلح، انتَهَى كَلامُهُ.
ولا يخفى أنَّ بينَ هذِهِ الرّواياتِ وما سبَقَ نَوعَ مُدافعَةٍ.
قُلتُ: لا مُدافعَةً ولا منافاة؛ إذ المراد بترْكِ القَديمَةِ عَلَى رِواية الإجَارَاتِ وعامَّةِ الكتب عدم هدمها، وبعدَمِ تَركِها عَلَى رِوايَةِ كِتابِ العُسْرِ هَدمُها، ويدلُّ عَلَى ذلِكَ أَنَّ هذه الروايات أورَدَها الإمَامُ فخرُ الدِّينِ قاضيخان في «فتاوَاهُ» مَشرُوحةٌ مُفسَّرةً بما فسرنا بهِ؛ حَيثُ قالَ: أَمَّا القَدِيمةُ، ذكَرَ محمَّدٌ في الإجاراتِ: لا يُهدَمُ، وذكَرَ في كِتابِ العشر والخراج: أنَّها تهدَمُ في أمصَارِ المُسلِمِينَ.
وقال شُمسُ الأئمةِ السَّرخسِيُّ: الأصحُ عِندي روايةُ الإِجَارَاتِ)، ويدلُّ عَليهِ قولُ المُنيَة» أيضاً: أمَّا القَديمَةُ في الأمصَارِ، قيل: يهدمُ، وقيل: لا يُهدَمُ، وإذا قد عرفت هذا تَبَيَّنَ لكَ أنَّ المراد بالأصَحُ في
الجزء 1 · صفحة 8
قوله: وفي «الولو الجية»: وهَذا أصحُ، هو عدم الهدم؛ كما في فتاوى قاضيخان»، ثمَّ لَا يَخْفَى عَليكَ أَنَّ عَدَمَ الهَدْمِ لا يدلُّ على التركِ والإبقاء على المعبدِيَّةِ قطعاً؛ لجواز أن لا يهدَمُ، ويجعَلَ مَسكَناً كما ذُكِرَ فيما مرَّ غير مرة، أو لا يُرى أنَّ الإمامَ السَّرخسِيَّ قالَ: الأَصَحُ عِندِي رِوايةُ الإجاراتِ، وبين عدمِ الهَدمِ كما عرَفْتَ آنفاً، معَ أَنَّ القَديمَةَ عِندَهُ لَا يُنزَلُ عَلَى مَعبديَّتِهَا، بَلْ يُجْعَلُ مسكناً كما تحققته فيما سلَفَ عَلَى أَنَّهُ لما [لم] يوجَدْ نَقُلُ عَلَى ذلِكَ الخُصوص، وجَبَ عَلَينا العمل بالنُّصوص، فحينئذٍ تُحمل روايةُ الإِجَارَاتِ وعامَّةِ الكُتبِ عَلَى ما نصَّ عَلَيهِ في «التجريد» وغيرِهِ مِنَ الكُتب المذكورة.
وأما قول «البزازيَّةِ» فيما مرَّ: (وأمَّا بَيتُ النَّارِ فَلا يُترَكُ البَتَّةَ»، فيرادُ بِهِ كما هوَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لا يُترك عَلَى معبدِيَّتِهِ البته، ويُجعَلُ مسكناً كما في «التجريد» وغيره، ويحتمل أن يراد به أن يهدَمَ ولا يُترَكَ عَلَى حاله البتة كما في رواية كتابِ العُشرِ والخراج. وقوله: «و عَلى هذا يُترك البيع بخوارزم؛ لأنَّها فتحتْ صُلْحاً»، يُرادُ بِهِ أَنَّهَا يُترَكُ على معبديَّتها بقرينَةِ الصُّلح، وبما لخصنَا الكَلامَ في هذا المقامِ ظَهَرَ التَّطبِيقُ والتَّلْفِيقُ بعون الله المالك للتوفيق.
أما القديمةُ في بلدَةٍ فَتَحَها الإِمَامُ قهراً وعَنوةً، ثُمَّ لَمْ يَجْعَلَهُمْ دَمَّةٌ، بل استرقهمْ أو قتلهم، ثمَّ صارَتْ مِصراً من أمصار المسلمين، يجمع فيه الجُمَعُ، ويُقام فيهِ الحُدودُ، ثم نقلت إليه طائفةٌ منَ النَّصَارَى أو اليهود؛ كدارِ السَّلطةِ قُسطنطينية حميتْ عَن البؤس والبلية، فليسَتْ مِن محل النزاع في شَيءٍ؛ لأنها بالقَهرِ وسير أهلها صارَتْ للمُسلمين، فجعلها بعدَهُ مَعبداً لطائفة أخرَى مِنَ المشركين إحداث بلا مزية، كما لا يخْفَى عَلَى مَن لَهُ في الفقه أدنى درية.
ولأنهم لما لم يجوزُوا جعلَها مَعبَداً في بلدَةٍ فُتِحَتْ عَنوةً، وأقرَّ عَلَيها أهلها لمعنى الإحداث كما عرفته، فهاهنا بالطريق الأولى لظهورِ مَعْنى الإحداث لما بينا، ولأن اتخاذها مَعبَداً كاتخاذ دارٍ مِنَ الدُّورِ القَديمَةِ مَعبَداً؛ لاشتراكهما في الإحداث بعد ما صارَتْ للمُسلِمِينَ، وكونُها كنيسة قبل ذلِكَ لا يُجدِي طَائلاً بذلِكَ، ولأن قول الإمام الحلواني والإمَامِ السَّرخَسِي فيما مرَّ وأمَّا بَيتُ النَّارِ فَلا يُترك البتة؛ لوُرودِ النهي عليهم حجَّةٌ قاطِعَةٌ، وبينةٌ واضحة لما ادَّعَينا هاهنا، ولأنَّ صاحِبَ «الهداية» قال: وإذا انهدمت الكنائس والبيعُ القديمة، أعادوها ... إلخ.
وقال في «غاية البَيانِ»: والمُرادُ مِنَ القَدِيمَةِ ما كَانَتْ قَبلَ فتح الإمامِ بلدَهُمْ وتصالحِهِمْ عَلَى تقريرهم وأراضيهم، وذلك لأنَّ الصُّلحَ لما وَقَعَ عَلَى تَقرِيرِهِمْ وَتَرْكِ التعرض لهُمْ دَلَّ ذلِكَ عَلَى إعادَةِ ما
الجزء 1 · صفحة 9
انهدم، انتَهَى كَلامُهُ. وهذا تصريح بأنَّ القديمة التي تُترَكُ عَلَى مَعبديَّتِها وتُعادُ عِندَ انْهَدَامِها ما كانَتْ في بلدة فتحَتْ صُلْحاً عَلَى تَقريرِهِمْ، وأراضيهم، وترك التعرض لهُمْ، وبما أوضحنَاهُ ظهر الحق في القُرى والأمْصَارِ {وَلَا تَرَكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوافَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [هود: ???].
***
فصل
وأَما القَديمَةُ في السَّوادِ والقُرَى: ففي فتاوى قاضيخان»: قالَ مَشايخنا لا تُهْدَمُ الكنائس والبيعُ القَايمَةُ في السَّوادِ والقُرى)، وفي «المنية»: أَمَّا البيعُ القَديمَةُ في السوادِ لا تهدَمُ في الروايات كلها، وكذا في «التتمة».
واعلَمْ أَنهُمْ ذكَرُوا فيما مرَّ أنَّ القريَةَ التي فُتِحَتْ عَنوةً، وأُقرَّ عَليها أهلها، ثمَّ
صارت مصراً مِن أمصَارِ المسلمينَ لا تهدَمُ فيها القَديمَةُ بَلْ تُجْعَلُ مَسكَناً.
ولا يخفى أنَّ في التقييد بصيرورتها مِصرَاً للمُسلِمينَ دَلالةً عَلَى أَنَّها فيما لمْ يتمَصَّرُ للمُسلِمينَ يترَكُ على حالها، ولا يجعَلُ مَسكَناً، إذا عرفت هذا فنقولُ: إِنْ أُريدَ بالقُرَى هاهنا ما تمصَّرَتْ للمُسلِمينَ ينبَغِي أَنْ يُرَادَ بِعَدَمِ هَدَمِ القَديمَةِ جَعَلُهَا مَسكَناً لما عرفته، وإِنْ أُريد بها ما لَمْ يَتمَصَّرْ كَذلِكَ يَنبَغِي أَنْ يُترَكَ عَلَى حالها لما بينًا.
***
فضل
وأما القديمة في الصلحيَّةِ، ففِي التَّتارخانية»: إذا وقَعَ الصُّلحُ بينَهُمْ وبينَ الإِمَامِ قبل ظهور الإمامِ عَليهِمْ وعَلَى أَنفُسِهِمْ وأراضِيهِمْ عَلَى أنْ يقاسمَهُمُ الإِمَامُ مَنازِلهُمْ في مصرِهِمْ، فإنَّ الكنائس تُتْرَكُ عَلَى حالها في الرّوايات كلها، المصْرُ والقُرَى في ذلِكَ سَواءٌ، ولكن يُمنعُونَ عَنِ الإِحْداثِ فيهما.
وفي المنيَةِ»: فأَمَّا القَديمَةُ في الصُّلحِيَّةِ تُتْرَكُ في المواضع كُلُّها في الروايات كُلُّها.
قال محمدٌ رحمهُ اللهُ: ليسَ ينبَغِي أَنْ يَتَرَكَ في أَرْضِ العَرَبِ كنيسَةٌ ولا بيعة ولا بَيتُ النَّارِ، وفي الصلحيَّةِ يُترَكُ في المواضع كلَّها، ويُمْنَعُ إحداثها في الأنصارِ وفي القُرى في قولِهِمْ جَمِيعاً، وكذا في «التمَّةِ».
الجزء 1 · صفحة 10
وفي التجريده: إذا طَلَبَ قومٌ مِن أهلِ الحرْبِ مِنَّا أَنْ يصِيرُوا دَمَّةً يُؤدُّونَ الخراج والجزية، ويجري عليهم أحكامُ الإسْلامِ يَجِبُ إِجابتُهُمْ إِلَيْهِ؛ لأَنَّ عَقْدَ الذمَّةِ ترك المحارَبةِ، وأَنَّهُ خلفٌ عَنِ الإِسْلامِ، فإذا جاؤوا بالأصل وهوَ الإِسْلامُ يَجِبُ قبوله، فكذا الخلفُ ولا يتعرَّضُ لكنائسهم وبيعِهِمْ، وَلا يَنهَدِمُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ لأنَّ عقد الذمَّةِ وقَعَ عَلَى تَرْكِ التعرُّض لها.
فضل
وأما الإحداث في الأمصَارِ، ففي «التنمَّةِ»: أهل الذمَّةِ إذا أرادوا إحدَاثَ البِيَعِ والكنائس في الأمصَارِ يُمْنَعونَ بالإجماع، وكذا في المنية).
وقال في فتاوى قاضيخان»: إذا أرادَ أهْلُ الذِّمَّةِ إحداث البيع والكنيسة، أو المجوس إحداث بيتِ النَّارِ، وأرادوا ذلِكَ في أمصَارِ المسلمين، وفيما كانَ من فناء المصْرِ، مُنعُوا عَنْ ذلِكَ عِندَ الكُلِّ)، ولا يُترَكُ الذمِّيُّ أَنْ يَتَّخِذَ في بيتِهِ صومعةٌ في المصر يصلي فيه.
وقال في «الهداية»: والصَّومعَةُ للتخلّي فيها بمنزلة البيعةِ بخِلافِ مَوضِعِ الصَّلاةِ في البَيتِ؛ لأنَّهُ تبَعُ السُّكنى)، وفي «التتمَّةِ»، و «المُنيَةِ»: وإِنْ صالحَ قَومٌ عَنْ أَهْلِ الحرْبِ عَلَى أرضِهِمْ، واختَارُوا ذمَّةً، وتمصَّرَتْ حتّى يقام فيهِ الحُدودُ، فَإِنَّهُ يُترَكُ فيها مِنَ البيعَةِ والكنيسة ما كانَتْ يَومَ صولحوا، وليسَ للمُسلِمِينَ أَنْ يَهْدِمُوا، وإِنْ أحدِثَ غيره يهدم ما كان في المصر، والمصرُ القصبة والمدينةُ والرّبصُ.
وقال في التجريد»: وإن أرادوا أن يحدثوا شيئاً من الكنائس والبيع بعدما تمصَّرَتْ، لمْ يمكنُوا مِن ذلِكَ؛ لأنَّ المضر موضِعُ إظهار شعائر الإسلام، فلا يمكن من إظهار شعائرِ الكُفْرِ، ولهذا لا يمكنُونَ مِن إظهَارِ بَيع الخمر والخنزير فيه، وإدخال شيء من ذلك في المضرِ، وإن مصر الإمامُ مِصرَاً للمُسلِمينَ كما مصر عمر رضي الله عنه الكوفة والبصرة، فاشترى قوم من أهل الذمة داراً، وأرادوا بناء كنائس، لم يمكنُوا مِنْ ذلِك؛ لما بينا، وكذا لو تخلى رجُلٌ في صومعة؛ مُنِعَ من ذلك؛ لأنه بمعنى إحداث الكنائس.
وفي التارخَانِيَّةِ»: ولو طلَبَ قومٌ مِن أهلِ الحَرْبِ الصُّلحَ عَلَى أَن يَصِيرُوا دَمَّةٌ عَلَى أَنَّ المسلمينَ إِنِ اتَّخَذُوا مِصراً في أرضهمْ لم يمنعُوهُمْ مِن أنْ يحدِثُوا بيعَةً أو كنيسة، ومن أن يظهِرُوا فيه بيع الخمر والخنازير، فلا ينبغي للمُسلِمِينَ أَنْ يُصالحوهُمْ عَلَى ذلِكَ، ولو صالحُوهُمْ عَلَى ذلِكَ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَنقُضُوا الصُّلحَ).
الجزء 1 · صفحة 11
فضل
وأما الإحداث في القُرَى، ففي «المُنيَةِ» اختلَفَ المشايخ فيه، قالَ مَشايِخُ بلخ: يُمنعُونَ، وقال مشايخ بخارى كما قالَ السَّرخسِيُّ: إِنْ كَانَت غَالِبُ أَهْلِها أَهلَ الدَمَّةِ، لا يمنعُونَ، وَإِلَّا: يمنعُونَ.
وفي التتمة»: ذكَرَ شمسُ الأئمةِ السَّرخسِيُّ: الأَصحُ عِندِي يُمْنَعُونَ عَنْ ذلِكَ في السَّوادِ، وذكر هو في السِّيرِ الكَبيرِ» فقال: إنْ كانَتْ قريةٌ غالِبُ أهلها أهل الذمة لا يُمنعون، أما القرية التي سكنها المسلمون اختلف المشايخ فيها.
وفي «التَّجريد»: ولو عطّل الإمام المصْرَ، وتركوا الجمعة، وإقامة الحُدودِ، كانَ لأهل الذمة أن يحدثوا ما شاؤوا؛ لأنها بالتعطيل عادت قرية، وكذا في التتارخانية».
وقال في «الهدايةِ» في كتابِ الكَراهِيَةِ: لا يمكنُونَ منِ اتَّخاذ البيع والكنائس وإظهَارِ بَيْعِ الخُمورِ والخَنازير في الأسواق لظهورِ شعائرِ الإِسْلامِ فيها بخلافِ السواد.
قالُوا: هذا إذا كانَ في سَوادِ الكُوفَةِ؛ لأنَّ غالِبَ أهلها أهل الذمة، فأَمَّا سوادنا فأعلام الإسلام فيها ظاهرة فلا يمكنُونَ فيها أيضاً، وهو الأصح. وفي «الكافي»: فأمَّا سَوادُنا وبلادنا، فأعلامُ الإسْلامِ فيها بادِيةٌ، فلا يمكَّنونَ فيها أيضاً، وهو الصحيح.
كما يُقالُ: ما ذكر في «الهدايةِ»، و «الكافي»، وغيرهما مِنْ أَنَّ الدّمي إذا أوصى بدارِهِ كَنيسة لقومٍ غيرِ مُسمينَ جازَتِ الوصيَّةُ عند أبي حنيفة رحمهُ الله تعالى، يدلُّ بظاهرِهِ عَلَى جواز الإحْداثِ عندَهُ في القُرى والأمصَارِ؛ لأنَّا تقُولُ: ذلك الاختلافُ في القُرى، فأما في الأمصار، لا يجوز بالاتفاق؛ لأنهم لا يمكنُونَ من إحداث الكنائس في الأمصار، كذا في «شرح الهداية»، وقال في «الكافية»: الظاهِرُ أرادَ هاهنا بالقُرَى، ما ليسَ فِيهِ مِن شَعَائِرِ الإِسْلامِ شيء، أمَّا إذا كانت قريةٌ فيها شَيء من شعائر الإسلام، فهي كالمضر، ولهذا لا يمكنُونَ من بيع الخمور والخنازير فيها.
خاتمة
وفي فتاوى قاضيخانَ» الذمِّيُّ إذا اشتَرى دارَاً في المصْرِ، ذكر في العُشْرِ والخَراجِ أَنَّهُ لا ينبَغِي أَنْ يُباع منه، ولو اشترى يجْبَرُ عَلَى بَيعِها مِنَ المُسلِمِ، وذكر في الإجاراتِ أنَّه يجوزُ الشِّرى، ولا ويُجبر على البيع.
الجزء 1 · صفحة 12
وفي التتارخانية»: أهل الذمة إذا اتخَذُوا دُوراً فيما بين المسلمين ليسكُنُوا فيها، جاز: لأنهُمْ إذا سكنوا بين المسلمين لرأوا معالم الإسلام ومحاسنه، وما كان المسلِمُونَ عليهِ فربَّما يميل قلوبهم إلى الإسلام، وكان الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني يقُولُ: هذا إذا كانوا بحيث لا يتعطل بسبب سكناهم، ولا يتقلل بعض جماعات المسلِمِينَ، فَأَمَّا إذا كَثروا بحيثُ يتعَطَّلُ بسَبَبٍ سُكناهُمْ بعضُ جماعات المسلمين، أو يتقلّل، يمنعُونَ مِنَ السُّكْنى فيما بينَ النَّاسِ، وَيُؤْمَرُونَ بأن يسكُنُوا ساحَةً ليس فيها للمُسلِمينَ جماعةٌ، وهوَ محفُوظٌ عَنْ أبي يوسف في «الأمالي».
وقال شمسُ الأئمةِ السَّرخسِيُّ في «المبسُوط» والحاصل أنهُمْ لا يمنَعُونَ منَ السكنى في أمصار المسلمين، فيجوز بيع الدُّورِ، وإجارَتها مِنْهُمْ إِلا أَنْ يَكثُرَ عَلَى وجه يقل بسببِهِ جماعات المسلمين؛ فحينئذٍ يُؤمرُونَ بِأَنْ يَسكَنُوا ناحِيَةٌ مِنَ المِصْرِ غير الموضع الذي سكنه المسلِمُونَ عَلَى وجه يأمنونَ اللُّصوص، ولا يظهَرُ الخَلَلُ في جماعات المسلمين
الحمد لله عَلَى التَّمامِ والصَّلاةُ عَلَى رَسُولِهِ أَفضَلِ الأَنَامِ، وَعَلَى آلِهِ النُّجِبَاءِ الكرام، وصحبه الأمناء العظام، وعَلَى مَنِ اتَّبعهُمْ مِنَ الخَواص والعوام، وعلى القارئ لمؤلفه فاتحة الكلام، آمين يا ذا الجلال والإكرام، والحمد لله ربِّ العالمين.