الجزء 1 · صفحة 5
رسالة في مقدار فرض مسح الرأس
للعلامة شيخ الإسلام أحمد بن سليمان بن كمال باشا الحنفي
توفي سنة (940هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم أنَّ العُلماء اختلفُوا في مِقدارِ مَفروض مَسحِ الرَّأْسِ بعدَ اتَّفَاقِهِمْ في فَرضيَّتِهِ أنهُ كلّه أو بعضه مقدَّرٌ أو غَيْرُ مُقدرٍ.
وعند مالكٍ رَضِيَ الله تعالى عنه: أنَّ المَفْرُوضَ مَسحُ كلَّ الرَّأْسِ؛ لأَنَّهُ لم يثبت فرق في استعمالِ أهل اللغةِ بينَ أن يقول: مَسحُتُ بالرَّاسِ، وبين أن يقول: مسحت الرأس، والرَّأسُ اسم للعضو بتمامه، ولهذا لا يقال لبعضه: رأس، فوجب مَسحُهُ بتمامه.
وعند الشافعي رَضِيَ اللهُ عنهُ: أدنى ما يُطلقُ عَليهِ اسمُ المَسح؛ لأنَّ المَسحَ يُستعمل في مسح البعض تارةً، وفي الكل أخرى في عُرف أهل اللغة، والأصل عدم الاشتراك والمَجازِ، فَوَجَبَ جَعَلُهُ حَقيقةٌ في القَدرِ المُشترك، وهو ما يُطلق عليه اسم المسح، وحينئذ يكفي في الخُروج عَن عُهدة مسح أقلّ جُزءٍ مِن الرأس، فلا إجمال.
وذَهَبَ الحنفيَّةُ إِلى أَنَّ المَفْرُوضَ مِن الرَّأْسِ بعض مقدَّر، ففيه روايتان:
الأول: ظاهرُ الرّواية المذكورة في الأصل، وهو أَنْهُ مِقدارُ ثَلاثةِ أصابعَ؛ لأَنَّهُ ثبت في عُرفِ أهلِ اللُّغةِ أَنَّ الباءَ إذا دخلت في المحل يُرادُ مَسحُ بَعضهِ، كما يُقالُ: مسحتُ يدي برأس اليتيم: إذا كانَ المَمسُوحُ بعضَ الرَّأْسِ، وإذا دخلت في الآلةِ على الأصل يُرادُ مَسْحُ كل المحل؛ لأن الفعل يتعدى إليه كما يتعدى إلى الآلة في صورة دخول الباء إلى المحل.
والمعتبر في الآلة قدر ما يحصل به المَقصُودُ، وهُو ثلاثةُ أصابعَ؛ لأنَّ الأصل في اليد الأصابع، والثّلاث أكثرها، فأقيم الأكثر مقام الكل إقامة للكل الحكمي مقام الحقيقي، فلما دخلت الباء في المحل في آية المسح صَارِ شبيهاً بالآلة، فيُرادُ فيهِ ما يُراد منها، فعلى هذا كانَ المَقصُودُ إلصاق المَسحِ، وإثباته في المحل، فيكفي فيه وضع اليد بلا مد.
فإن قلت: يلزمُ عَلى ما ذَكرتُمْ، وهُو أنَّ المُعتبَر فِي الآلِةِ أَكثرُها أَنَّ المَفْرُوضَ في مَسحِ الرَّأْسِ أكثرُ
الجزء 1 · صفحة 7
الرَّأْسِ كما ذَهَبِ إليهِ الحَسنُ البَصري رحمه الله؛ لأنَّ الرَّأْسَ وَإِنْ لم يكن آلةٌ في الحقيقة لكن شبيه بها، فيُرادُ أكثرها؟
قلت: لما كانَ الرَّأسُ شَبِيها بالآلةِ الَّتِي هِي اليد، أخذ حكمه، ولم يُعطَ لَهُ حُكم مُستقل عَلى ما قررنا، ظهرَ ضَعفُ ما قيل: وهو أن الباءَ إذا دخل في المحل يقي الفعل متعدياً إلى الآلة، وهذا لا يقتضي الاستيعاب، وإنما يقتضي إلصاق المحل بالفعل كلَّه أو بعضه.
وإِنَّما قُلنا: إنهُ ضَعيف؛ إذ الباء في حالِ دخولها المحل لا تقتضي إلَّا أَنْ يُراد بعض المحل لا كلُّه؛ لأنه شبة بالآلة عَلى ما ذُكرَ تَفصِيلَهُ مِنْ أَنَّ البَاءَ إِذا دخل في الآلةِ لا يُراد الأكثر، فكذلك إذا دخل في المحل.
فإن قلت: فلم قلتم: إِنَّ الباءَ إذا دخل في المحل، يُرادُ بَعضه لا كلُّه، مع أن الباء دخل في المحل في آية اليم عَلَى أَنَّ النَّبِعِيضَ غَيْرُ مُرادٍ بِلِ المُرَادُ استيعاب المحل؟
قلتُ: إِنَّ الباءَ هنا قدْ جُعَلَ صِلةٌ عَلى ظاهِرِ الرّواية بدلالة السنَّةِ المشهورة، وهي قوله عَليهِ الصَّلاة والسَّلامُ لعمَّارِ: يَكفِيكَ ضَربتانِ؛ ضَربةٌ للوَجهِ، وضَربةٌ أنَّ الباءَ في التّيَمُّمِ يُحتمل أن تكونَ صِلَةٌ، وأنْ تَكُونَ للإلصَاقِ، للذراعين: يعني فبيَّنَ بهذا الحديثِ أَنَّها صِلةٌ لا للإلصاق حتّى تقتضي الآية بعض المحل، ويرِدَ عَليهِ الحَديثُ: لأنه يدلُّ عَلى الاستيعاب.
قيل: فيه نظر؛ لأنهُ لا دِلالة في الحديثِ عَلى الاستيعاب، وأُجِيبَ عَن هَذَا النَّظِرِ بأَنَّ لَفظَ الوَجهِ والذُّراعينِ اسمَانِ للمجمُوعِ، ولو لَمْ يُحمَلا عَلَى الكلِّ للزِمَ إِرَادَةُ البعض بطريق المجاز بلا قرينة، وذا لا يجوز.
أقول: فعلى هذا الجواب يلزم أن تكون الآية دالة على الاستيعاب، أو بإشارة الكتاب، وهي أنَّ التيمم شُرعَ خَلَفاً عن الوضوء بطَريقِ التّنصيف، وكلُّ تنصيف يدل على إبقاء الباقي على ما كانَ، والاستيعاب في الأصل فرض، فكذا فيما قامَ مَقامَهُ.
وقيل: إن استيعاب المسح في التيمم لا يثبت بالنص بل بالأحاديث المشهورة، فعَلى هَذا التَّقدير يلزم أن يكونَ هَذا الحَديثُ ناسخاً للكتاب، وأمَّا عَلى تقديرنا سابقاً، فلا حاجة إلى النَّسخ، هَذَا إِنْ جازَ بالحَديثِ المَشهورِ، إِلَّا أَنَّ جَميعَ أحكام المائدة ثابتةٌ غير منسوخة؛ لقولهِ عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «المائدة آخر القُرآنِ، فأحِلُّوا حَلالها، وحرَّمُوا حرامها»، وقال بعضُ الفُضلاء: يجوز أنْ يكونَ هَذا الحَديثُ نَفْسُهُ
الجزء 1 · صفحة 8
أَيضَاً منسُوخاً، وفيه ما فيه، فليتأمل.
وقيل: ويُمكنُ أنْ يُجابَ عنهُ بأَنَّ مَسحَ الوَجهِ فِي التَّيَمُّمِ قائمُ مَقامَ غسله، فحكم الخَلفِ في المِقدارِ حُكمُ الأصل؛ كما في مَسحِ اليَدين معَ عُموم ذكرِ الغاية. واعتُرضَ عَليهِ بالمَسحِ عَلى الخفٌ؛ لعَدمِ الاستيعاب فيهِ، مَعَ أنهُ مَوجُودٌ في الأصل، وأجيب بأنَّ المَسحَ عَلى الخفٌ خَالَفَ الأَصلَ بالسُّنةِ وَهِي «مَسحهُ عَليهِ الصَّلاة والسَّلامُ عَلَى ظَهرِ حَفَّيهِ خُطوط».
وقيل: التحقيق في الجَوابِ أَنَّ المَسحَ عَلى الخف بدل لا خَلفٌ، والبدل مشروع بانه مكانُ المُبْدَلِ منه، والخَلفُ عند تعثر الأصل، فكان البدل بمنزلة وظيفة ابتدائية شُرعت للتخفيف، فلا يلزمُ مُراعاة صفة المُبْدَلِ منه، بخَلافِ الخَلفِ.
أقولُ: التحقيقُ عِندنا أنَّ المَسحَ عَلى الخُفَّ إِنَّما لم يأخُذْ حُكمَ الأصلِ الَّذِي هُوَ غَسلُ الرِّجلِ؛ لأنَّ مَحلَّ الأصلِ والفَرعِ غيرُ متَّحدٍ، بَلْ محلُّ المَسحِ البَدلُ، وهو الخلف، ومحلَّ الغُسلِ المُبدل منه، وهو الرّجلُ، وأَمَّا إِذا اتَّحد محلهما يكون حُكمُ الخلف في المقدار كحكم الأصل؛ كاستيعاب المَسحِ في التَّيَمُّمِ؛ لأنَّ محلَّهُ في النَّيمُّمِ محل للحدثِ الحُكمي، والتُّرابُ خَلْفٌ عَنِ المَاءِ في طهوريَّتِهِ، فبالاستيعابِ يحصلُ إزالة الحَدَثِ عَن أعضَاءِ الوُضوءِ، فتفسد فائدة الوضوء، فلا بُدَّ أن تتأدَّى بالاستيعاب كالغسل.
وأما الخف، فليس محلاً للحدث الحكمي، ولا المسح بدلاً عَن غَسِلِ الرّجل حتَّى يَكُونَ المَسحُ عَليهِ استيعاباً لإزالة الحدثِ الَّذِي عَليهِ؛ لأَنَّ غَسَلَ الرِّجلِ ساقط رأساً على ما عُرف في الأُصولِ؛ لأنَّ غَسَلَ الشَّيء عَنِ البدلِ بِدُونِ الحَدَثِ فِي الطَّهارة الحكمية عنه لازم، وأنَّ القَدمَ المَستُور بالخُفٌ ممنوع عنهُ سِراية الحدثِ، فَثَبَتَ أَنَّ الغسل ساقط، وأنَّ المَسحَ مَشروع لليسر ابتداءاً، لا أنْ يثبت الحدثُ في الرجل، ولهذا يُشترط أن تكونَ الرجلُ طَاهِرَةً وَقتَ اللُّبسِ، وأن تكونَ أَوَّلَ الحَدثِ بعدَ اللُّبس طارئاً على طهارة كاملة، ولو كانَ الغَسلُ يتأتى بالمسح لما شرط ذلك؛ لأنَّ المسح حينئذ يصلح رافعاً للحدثِ كالغَسل، فعرفنا أنَّ الشَّرعَ أَخرجَ السَّببَ المُوجَبَ للحَدَثِ مِن أنْ يَكُونَ عاملاً في الرجل ما دامَتْ مُستترة بالخف، فتأمل.
والثاني: رواية الربع، وهي أنَّ الآية لما لم تدلَّ بحَسبِ استعمالِ أهْلِ اللُّغةِ على مسح كل الرّأس؛ لأنَّ الفعل لم يتعد إلى المحل حَتَّى يَتناولهُ كُلَّهُ ظَهَرَ أَنَّ المُرادَ مِنها بعضُ مَسح البعض، وليسَ المُرادُ البَعضَ هاهنا مُطلَقاً حَتَّى يَكفِي فِي الخُرُوجِ عَن العُهدة) مَسحُ أقل جزء من الرَّأْس، بل بعض مقدر،
الجزء 1 · صفحة 9
ومقداره مُجمل، ففعلهُ عَليهِ الصلاةُ والسَّلامُ بِمَسحهِ عَلى نَاصِيَتِهِ يَكُونُ بَياناً، وإِنَّما قُلْنَا: إِنَّهُ لَيسَ بِمُطلق؛ لأنَّ أَقل جزء من الرأس لا يُتصوَّرُ فيهِ المَسحُ؛ لأنَّ المسح إمرار اليد، ولو سلم أنه إصابة اليد، فكذلك لا يتصوَّرُ فيه إصابة اليد ووَضعُهُ؛ لأنَّ المُعتبَر فِي الآلِةِ الَّتِي هَي اليد أكثرها على ما بيناه سابقاً، فكذلك المعتبر في إمرار اليد وإصابتها بأكثر اليد، فظَهَرَ مِن هَذا أن مماسة الأنملة شعرةً، أو ثلاث شعرات لا يسمّى مسحَ الرَّأْسِ.
قيلَ عليه: فللخَصمِ أنْ يمنع عدمَ تَسمية هَذِهِ المماسَةِ مَسحاً؛ لأنَّ المَسحَ إصابة، وهي تحصل بالمماشة.
أقولُ لا نُسَلَّمُ أنَّ المَسحَ إصابةٌ مُطلَقاً، بل إصابة أكثرِ اليد، لا أقلها كما مرَّ مراراً، مع أنَّ المسحَ عَلى هَذِهِ الرِّواية إمرار أكثر اليد.
فإن قلت: فعَلى هَذِهِ الرَّوايةِ يُلزم أن لا يتأتى وظيفة المسح بوضع الأصابع الثلاثةِ مِن غَيرِ مد، وقد صرَّحوا بجوازه.
قلتُ: لما كان المحل قابلاً لتحقيق الأمرِ أُقيم الإصابة مقامة؛ لحصول المقصود بها.
أقولُ: مَنشأُ هَذا السُّؤالِ والجَوابِ عَدمُ التَّفرقةِ بينَ الرِّوايتينِ في مَسحِ الرَّأْسِ لأن جواز المسح بوضع الأصابع الثلاثةِ مِن غيرِ مَدٌ عَلَى الرَّوايةِ الأُولى، وَأَمَّا عَلَى الرّوايةِ الثَّانيةِ لا تَجوزُ مِن غَيرِ مد، كذا صُرَّحَ بِهِ فِي كُتبِ الفِقهِ.
وأما قوله: لما كان المحل الذي وضع فيه ثلاث أصابع لا يقبل فيه الإمرار من غير مد إلا بإصبع أو إصبعين، مع أنَّ المُراد بالإمرار إمرار ثلاث أصابعَ عَلَى الرواية الثانية.
فإن قلت: إنَّ الحَدِيثَ كما يدلُّ عَلى بَيانِ مِقدارٍ، كَذَلكَ يدلُّ عَلى تعيينِ النَّاصِيةِ، مَعَ أَنَّ المدعى أنَّ المَفْرُوضَ مِقدارُ الربع في أي جانب كانَ.
قلت: نعم الحديث يدلُّ على التعيين كما يدل على بيان المقدار، لكن الحمل على التعيين يكُونُ مَسحاً دونَ الحَملِ عَلى بَيانِ المقدار، وخبر الواحد يصلح للبيان لا للنَّسخ، فحُملَ عَلى ما يَصلح.
فإِنْ قُلتَ: لَو حَملناه عَلى التَّعيين، لمْ يكُنْ نَسخاً بَلْ يَكونُ زِيادَةٌ، والزيادةُ غَيْرُ النسخ؛ لأن النسخ حقيقة رفع الحكم، والزيادة تقرير الحكم الأول، وضم حكم آخر إليه، والتقرير ضدُّ الرَّفع، ألا ترى أنَّ
الجزء 1 · صفحة 10
الحُكم المُنفهِم مِنَ الآيَةِ إلصاقُ اليدِ بِالرَّأْسِ، إِمَّا بمد أو غير مد على الروايتين، والحكم المنفهم من الحَدِيثِ كَالمُنفهِم مِن الآية، لكن بَشَرطِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الفِعلُ عَلَى النَّاصِيَةِ، وذَلكَ ليسَ بِنَسَخ.
قلنا: إِنَّ النَّسخَ بيان انتهاء حكم بابتداء حكم آخر، وهاهنا كذلكَ؛ لأنَّ الحَكْمَ الأول مُطلق، والثاني مقيد، والتقييد ضد، لأنه إثبات القيد، والإطلاق رفعه، فيكونُ معنى الزيادة والنسخ واحداً.
اعلم أن آية الوضوء مدنية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين يتوضؤونَ ويمسحُونَ رُؤوسهم قبل نُزولِ هَذهِ الآية، فبوتُ الوضوء قبلَهُ إمَّا بالوحي الغَيرِ المتلو، أو الأخذ مِنَ الشَّرائعِ السَّابقة؛ لأنَّ النَّبِيَّ قال حين توضاً ثَلاثاً: «هذا وُضوئي ووضوء الأنبياء مِن قَبلي، فحينئذٍ إِنْ كانَ حَديثُ النَّاضِيةِ قبلَ نُزولِ الآية، فكيف يكُونَ بيَاناً لإجمال (؟)؟ وإنْ كانَ بعدَهُ يلزم أن لا يكون مسح النبي صلى الله عليه وسلم قبله باعتبار هذه الخصوصية، مع أنه لم يثبت نقل أنه عَليهِ الصَّلاة والسَّلامُ يَمسح قبله مسحاً يُخالف حَدِيثَ النَّاصِيةِ، وأَما ما يُقالُ: إنه إنْ كانَ حَديثُ النَّاصِيةِ مُقارناً لأوَّلِ وُضوعِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فالأمر ظاهر، وإن كان متأخراً عنه، كان العمل - أعني مسح الربع - في ضمن مسح الكل فركاكتهُ ظَاهرةٌ عَلى مَن تَأمَّل.
ولنختمِ الكلام بقول سيد الأنام؛ لأنَّ الخلاوى تؤكل في آخرِ الطَّعَامِ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «الأعمال بالنيات»