الجزء 1 · صفحة 5
الاستخلاف للخطبة والصلاة في الجمعة
للعلامة شيخ الإسلام أحمد بن سليمان بن كمال باشا الحنفي
توفي سنة (940هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لوليه، والصَّلاةُ عَلى نَبِيِّه.
قال في «الهداية»: وليسَ ِللقَاضِي أَنْ يَستَخلِفَ عَلَى القَضاءِ، إِلَّا أَنْ يُفَوِّضَ إِلَيْهِ ذَلكَ، بخِلافِ المَأْمُورِ بإقامةِ الجُمعةِ حَيثُ يَستَخلف.
أقولُ: يعني يَجوزُ لهُ أنْ يُقيمَ الغَيْرَ مُقَامه لإقامةِ الجُمعةِ، وَهَذَا ظَاهِرُ في جَوازِ الاستخلافِ للخُطبة بلا تفويض مِن السُّلطان؛ لأنَّ إقامة الجمعة لا تكون بدونها فجواز الاستخلافِ لإقامَةِ الجُمعة متضمن لجواز الاستخلافِ للخُطْبَةِ.
وعبارة «الخُلاصة» - حَيثُ قالَ: لَهُ أَنْ يَستخلف، وإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَنشورِ الإِمَامِ أن يُستخلف - صريحةٌ فيما ذكرناه لأن ما يُكتب في منشوره إنَّما هو الإذن بأن يستخلفَ خَطِيبًا آخر مقامَهُ.
ثُمَّ إِنَّ التَّعليلَ المَذْكُورَ في «الهداية» بقوله: «لأَنَّهُ عَلَى شَرِفِ الفَواتِ لَتَوقُتِهِ، فكَانَ الإذن له إذناً بالاستخلافِ دِلالة» يُفصِحُ عمَّا بَيْنَاهُ؛ لأَنَّ كَونَهُ عَلَى شَرِفِ القوات، كما يدلُّ عَلى كَونِ الأمر بإقامَةِ الجُمعة إذناً بالاستخلافِ فِي الصَّلَاةِ كَذَلكَ يَدلُّ عَلَى كَونِ الأمرِ المَذْكُورِ إذنا بالاستخلاف في الخُطبة.
وهذا مع وضوحِهِ قَدْ خَفِيَ عَلى مَن قالَ: إِنَّ الاستخلاف للخُطبة لا يَجوزُ أضلاً، ولا للصَّلاةِ ابتداء، بل يجوز بعد ما أحدَثَ الإِمَامُ، وهذا معنى ما قال «الهداية»، بخلاف المأمور بإقامة الجمعة؛ حَيثُ يَستخلِفُ ... إلخ، فرَكبَ غلطاً، وارتكب شَطَطًا، أمَّا أَنَّهُ رَكبَ الغَلطَ؛ فلتصريحه بعدمِ جواز الاستخلاف للخطبة أصلاً، وأمَّا أَنَّهُ ارتكب شططاً: فلحمله كَلامِ صاحب «الهداية» على ما لا يتحمله.
ثُمَّ قال: ووجهه أنَّ الخُطبة والإمَامَةَ بَعدَها مِن أفعال السلطانِ كَالقَضاءِ، فلم يجز لغيرو إلا بإذنه، فإذا لم يُوجَد، لم يجز.
ولا يخفى ما فيهِ مِنَ الخَللِ؛ لأنَّهُ إنْ أرادَ بالإِذْنِ فِي قَولِهِ: «فلمْ يَجْزُ لَغَيْرِهِ إِلَّا بإذنِهِ الإذنَ الصَّريح، فلا يَكونُ صَحِيحاً؛ لما عرفتَ مِن كِفاية الإذنِ دِلالةً، وما ذكرهُ من كونها مِن أفعَالِ السُّلطان لا يقتضي
الجزء 1 · صفحة 7
ذَلكَ، فلا يتمُّ التَّفريعُ أيضاً.
وإن أراد به ما يعم الإذن دِلالة كما هو مقتضى التفريع المَذْكُورِ؛ فَإِنَّ مَا قَدَّمَهُ إِنَّما يَقتضي ذلك، فلا يتمُّ التَّقريبُ: لما عرفتَ مِن تحققِ الإِذْنِ دِلالةً للاستخلافِ في الخطبة.
ثُمَّ قال: وتحقيقه ما قال ..... إلخ، وطوَّلَ ذيل المَقالِ، ولم يأتِ بما يُعينُ ما ادعاه، أو يُعينُ عَلى ما ادّعاهُ، وبعد هَذا كلهِ تَصلَّفَ، وقالَ: «و هَذا ممَّا يَجِبُ حِفظهُ، والنَّاسُ عنهُ غَافلونَ».
وإِنْ شِئتَ تَحقِيقَ المَقامِ بِتَلخِيصِ الكَلامِ عَلَى وَجْهِ يَتَضمَّنُ تَخلِيصهُ مِن الأوهام، فلترجع إلى مَا أَملَيناهُ مِن الفَرائدِ والفَوائِدِ: حَيثُ قَلنا: ومِن شَرائطها الإذن لإقامتها، أو مَا يَقومُ مُقامه، والإذنُ المُعتَبَرُ ما يَكونُ مِن السُّلطانِ أو ما يَنوبُ منابه، والقَاضِي مِن النَّوَّابِ في هَذا الباب.
ثُمَّ الإذن قد يكونُ عِبارةً، وقد يكونُ دِلالَةٌ»، انتَهَى المَنقُولُ عَن «الفَرائِدِ».
قوله: «الإذنُ لإقامتها»، هَذا الشَّرطُ إذا لمْ يَكنِ الإِمَامُ السُّلطانَ، فالشَّرطُ في الحقيقة أحد الأمور الثلاثةِ": إقامةُ السُّلطان بنفسه، أو الإذن منه، أو ما يقوم مقامه.
قوله: «أو ما يقوم مقامه»، وهُو اجتِماعُ النَّاسِ عَلَى رَجِلٍ يُصلِّي بِهِمْ عِندَ فَقدِ السلطان، أو تعذر الوصول إليه.
قال الإمامُ السَّرخسِيُّ في «المَبسُوط»: لم يَذكرُ أَنَّهُ لو مَاتَ مَنْ يُصلِّي الجُمعةَ بالنَّاسِ، فاجتمعوا على رجلٍ، فصلَّى بِهِمْ هَل يُجزئهمْ ذَلكَ؟
والصحيحُ أَنَّهُ يُجزِئهِمْ، فقَد ذَكرَ ابنُ رُستم عَن مُحَمَّدٍ رحمه اللَّهُ: أَنَّهُ لَو مَاتَ عامل فريضة، فاجتمعَ النَّاسُ عَلى رَجلٍ فصلى بهم الجُمعةَ، أَجْزَاهُمْ؛ لأنَّ عُثمانَ رَضِيَ الله عنه لما حُصِرَ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى عَليَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَصَلَّى بهِمُ الجُمعةَ، ولأنَّ الخليفةَ إِنَّما يأمُرُ بذَلكَ؛ نَظراً منهُ لَهُمْ، فإذا نَظُرُوا لأَنفُسِهِمْ وَاتَّفَقُوا عَلَيهِ، كَانَ ذلكَ بِمَنزِلِةِ أَمرِ الخَليفَةِ إِيَّاهُ.
قوله: «أو ما ينوب منابه»: كصاحبِ الشَّرَطِ.
قال الإِمَامُ المُطرّزيُّ في «المُغرِبِ»: صاحِبُ الشُّرَطِ في بابِ الجُمعةِ يُرادُ بِهِ أميرُ البَلدة؛ كأمِيرِ بُخارى.
وقيل: هذا عَلى عَاداتِهِمْ؛ لأنَّ أُمورَ الدِّينِ والدُّنيا كانَتْ حِينئذٍ إلى صَاحِبِ الشرط، فأما الآن
الجزء 1 · صفحة 8
فلا).
قوله: (والقَاضِي مِن النواب في هَذا البَابِ) يعني: تصح إقامة الجمعة والاستخلاف فيها بإذنِ القَاضِي؛ لأنَّهُ مِن جُملةِ النوَّابِ الَّذِين اعتُبرَ إِذْنُهُمْ فِي باب الجمعة.
ووَجهُ ذلك على ما ذكره الإمامُ السَّرخسي في «المَبسُوط»: أنَّ إقامةَ الجمعةِ من أمور العامة، وقد فوَّضَ إلى القاضي ما هُو مِن أُمور العامة، فنزل منزِلَةَ الإِمَامِ في الإقامة والاستخلافِ.
قوله: «وقد يكون دلالة»؛ كالإذن الثابت للإمام بأن يستخلف قيره في إقامة الجمعةِ عِندَ حَدوثِ عُدْرٍ يَمنعُهُ عَنها في ضمن تعيينه الإمامة، قالُوا: إِنَّ الجُمعة مؤقتةٌ تَفوتُ بتَأْخِيرِها عِندَ العُذرِ إِذا لم يَستَخلف، فالأمر بإقامَتِها مَعَ علم الوالي أنه قد يعرضُ ما يمنعه من الإقامةِ، يَكونُ إذنا بالاستخلافِ دِلالة، انتهى ما نقلناه من «الفوائدِ».
وإذ قد عرفتَ أنَّ استخلاف الإِمَامِ إِنَّما يَجوزُ إِذَا كَان مَعذُوراً بِعُدْرٍ يَشغلهُ عَن إقامة الجمعة في وقتها، وأمَّا إذا لم يكن معذوراً أصلاً، أو كانَ مَعذُوراً لكِنْ يُمكِنُ إزاله عُذره وإقامةُ الجُمعة بعده قَبلَ خُروجِ الوَقتِ، فلا يَجوزُ الاستخلافُ؛ بِناءً على أن الأصل عدم الاستخلافِ، وجوازهُ بالإذنِ عِبارةٌ أو دِلالةً وهُو مَفقود في الصورتين المذكورتين.
فقَدْ وَقفتَ عَلى فَسادِ مَا فَعَلهُ الأئمَّةُ فِي زَمانِنا؛ حَيثُ يَحضُرُونَ الجَامِعَ بلا عُدْرٍ، ويستخلفونَ الغَيرَ في إقامة الجمعة.
بقِي هَاهُنا دَقيقةٌ أُخرى، وهي: أنَّ إقامَةِ الجُمعةِ عِبارة عن أمرين: الخُطبة والصَّلاةِ، والمَوقُوفُ عَلى الإذنِ هُو الأَوَّلُ دُونَ الثَّاني؛ إذْ لا حاجةَ فِيهِ إلى الإذن.
ويدلُّ عَليهِ المَسألةُ القائلة: لو أنَّ الإمَامَ إِذَا سَبقَهُ الحَدثُ بعدَ فَراغِهِ عَنِ الخُطبةِ، فأمرَ رجُلاً بإقامة الجمعة؛ إنْ كانَ المَأمورُ ممَّنْ قَدْ شَهِدَ الخُطب جاز.
ووجه الدلالة ظاهر؛ لأنَّ الإذنَ لمْ يُوجد في الصورة المذكورة لا صَرِيحاً، وذلك واضح، ولا دِلالة؛ لعَدمِ خَوفِ القَواتِ؛ فَإِنَّ الإِمَامَ قادرٌ عَلَى إِزالَةِ الحَدَثِ وإقامةِ الصَّلاةِ قَبلَ خُروج الوقت.
ومن هاهنا اتَّضَحَ أَنَّ المُرادَ مِن الاستخلاف لإقامة الجمعة الاستخلافُ للخطبة، لا الاستخلافُ للصَّلاةِ؛ كما توهّمه القائل السَّابِقُ ذِكرُه. والحَمدُ للهِ عَلى التّمامِ، ولرسوله أفضَلُ الصَّلاةِ