الجزء 1 · صفحة 5
رسالة في تحقيق الخضاب
للعلامة شيخ الإسلام أحمد بن سليمان بن كمال باشا الحنفي
توفي سنة (940هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي ألهم الحق لذوي الألباب، والصَّلاةُ عَلَى خَيرِ خَلقِهِ من أُوتي الكتاب، مُحمَّد الناطق بالصَّواب، والسَّلامُ عَلى آله وصَحْبِهِ خَيرِ آل وأصحاب.
وبعد:
فهَذهِ رِسالةٌ في الخِضَابِ، ورتَّبَتُها عَلى مُقدِّمةٍ وثَلَاثَةِ أبواب؛ أَمَّا المُقدمةُ: فَفِي بيان ما لا بدَّ مِن تَقرِيرهِ أَمَامَ الكَلامِ.
اعلم أنَّ السُّنةَ في اللغةِ الطَّريقة؛ قال الإمام المطرزي في «المغرب»: ومنها؛ أي: من السُّنة بمعنى الطَّريقةِ: الحَديثُ في مَجوس هَجَر: «سُتُوا بهم سنة أهل الكتاب»؛ أي: اسْلُكوا بهم طريقَهُمْ يعني: عامِلُوهم معاملة هَؤلاء في إعطاء الأمان بأخذ الجزية منهم، انتهى كلامه
وأهلُ الشَّرْع نَقلُوها مِن مُطلقِ الطَّريقة إلى الطَّريقة المَخصُوصة، وهِيَ الطَّريقةُ المَسْلُوكةُ في الدِّينِ والسُّنَّةُ بهذا المعنى تنتظمُ العِباداتِ والعاداتِ، ولها معنيانِ آخَرانِ اصْطِلا حيَّانِ:
أحدهما: ما ذُكر في كُتب الأصولِ، على أنها أحد الأركان الأربعة للدين؛ وهي الكتاب، والسُّنةُ، والإجماع، والقياس.
والسُّنَّةُ بهذا المعنى تَنْتِظِمُ قولَ النَّبِيِّ عَليهِ السَّلامُ وفِعَلَهُ، وتَقرِيرَهُ فعلَ الغَيرِ، فهي أعم من الحَديثِ؛ لاختصاصه بالقِسمِ الأَوَّلِ مِنَ الثَّلَاثِةِ المَذْكُورَةِ، وأَخَصُّ مِنَ السنة بالمعنى الأوَّلِ الاصطلاحي؛ لانتظامها الأحكام أيضاً دُونَ السُّنةِ بهذا المعنى. وثانيهما: ما ذُكر في الفروع، على أنَّها إحدى الأحكام الخمسة؛ الإباحة، والنَّدْبِ، والسُّنَّةِ، والوُجُوبِ، والفَرْضِ، ومُغايرةُ السُّنةِ بهذا المعنى للسُّنةِ بأحده) المعنيين الأولين ظاهر، هَذا ما عِندَ الحنفية.
وأَمَّا عِندَ الشَّافعية: فهُمْ لا يُفرّقُونَ بينَ المَندُوبِ والمَسْنُونِ.
الجزء 1 · صفحة 7
قال الإمام النووي في التهذيب: وتُطلقُ السُّنَّةُ عَلى المندوب، وقال جَماعةٌ
من أصحابنا في أُصول الفقه: السُّنَّةُ والمَندوبُ والتَّطوعُ والنَّفْلُ، والمُرغَبُ فيه والمُستحب، كلُّها بمعنى واحد وهو ما كانَ فِعله راجحاً على تركه، ولا إثم في تركه، إلى هنا كلامه.
وليكن هَذا التّعميمُ عِندَ الشَّافعية عَلى ذُكْرِ) مِنكَ، فَإِنَّهُ بِهِ يَندفع الاشتباه في بعض المواضع.
أما الباب الأول: ففِي بَيَانِ أَنَّ الخضاب في اللحية مُباح، أم مُستحب، أم مسنون؟ اعلم أنَّ السُّنةَ بمعنى المَسنُونِ الَّتي هي أحد الأحكام الخمسة المذكورة فيما سَبقَ: ما واظب عَلَيْهِ النَّبِيُّ عَليهِ السَّلامُ، ولا خِلافَ في أَنَّهُ عَلِيهِ السَّلامُ ما واظَبَ عَلَى الخضاب، إنما الخلاف في الهُ عَليه السّلامُ هَل فَعلهُ مرَّةٌ. قال في المبسوط»: اختلفت الرواياتُ في أنَّ النَّبِيِّ عَليهِ السَّلامُ هل فعل ذلك في عُمره؟ والأصحُ أَنَّهُ عَليهِ السَّلامُ لَمْ يَفعله، انتهى كلامه
وإذا ثبتَ أَنَّهُ عَليهِ السَّلامُ ما واظَبَ عَليهِ، فقدْ ثَبَتَ أَنه لَيسَ بِسُنَّة. فإنْ قُلتَ: فما وَجهُ قولِ صَاحب الشَّرعةِ»: «الخضابُ سُنَّةٌ [ثبت] قولاً وفعلا؟
قلتُ: أرادَ بالسُّنةِ الطَّريقة المَسلُوكةَ في الدِّينِ، لا السُّنةَ المُصطلحةَ، والفَرقُ بينهما واضح عند الخواص، وإن اشتبه على العوام، يُرشدك إلى الفَرِقِ بَينَهُما انتِظامُ الأولى للمستحب والمباح، بل الواجب والفرض أيضاً، بخلافِ الثَّانية؛ فَإِنَّها مُقابلةٌ للأربعة المذكورة.
وكفاك دليلاً قاطعاً عَلَى أَنَّهُ أرادَ بالسُّنةِ المَعنَى الأوَّل قوله: «قولاً»؛ فإِنَّ السُّنةَ بالمعنى الثاني لا تثبتُ بقَولِهِ عَليهِ السَّلامُ؛ لما عرفتَ أَنَّهُ لا بدَّ فِيهَا مِنَ المُواظبة عن النبي عليه السَّلامُ، وهي لا تكونُ إلَّا بالفعل، هَذَا عَلَى تَقدِيرِ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ السرعةِ مِن أثمَّةِ الحَنفيَّةِ، وأَمَّا عَلى تقديرِ أنْ يَكونَ مِن أُئمَّةِ الشَّافعية، فالأمر مين؛ لأنَّ السُّنةَ عِندهم تنتظمُ المندوب، على ما عرفت فيما تقدم.
أمَّا تُبوتُ سُنية الخضاب بالمعنى الأول بقولهِ عَليهِ السَّلامُ، فَلا شُبهة فيه؛ لورود الأحاديث الصحيحة في هذا الباب على ما ذكر في الكتب الصحاح: منها: ما روى أبو هريرةَ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه: أَنَّ النَّبِيَّ عَليهِ السَّلامُ قَالَ: «إِنَّ اليهود والنصارى لا يَصْبُعُونَ، فَخَالِفُوهم.
ومنها: ما رُوي عنه أيضاً أَنَّهُ قالَ: قالَ النَّبِيُّ عَليهِ السَّلامُ: «غيّروا الشَّيْبَ، وَلَا تشبهوا باليَهُودِ».
وهَذان الحَديثانِ ظَاهرانِ في استحباب الخضاب.
الجزء 1 · صفحة 8
وأما تُبوتُ سُنيَّته بالمعنى الأَوَّلِ فِعلاً؛ فلما رُويَ عَن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تعالى عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ عَليهِ السَّلامُ كانَ يَلبسُ النَّعَالَ السَّبْتِيَّة، ويُصَفُرُ لِحيتَهُ بالوَرْس والزعفران، والوَرْسُ: صبغ أصفر، وقيل: تبت طيب الرائحة، ذكره في «المغرب». هذا ما عند أهل الظاهر من أصحاب الحديث، وبه أخذ صاحب «الشرعةِ». والَّذِي عِندَ أهل الرأي والتحقيق ما قدمناه؛ مِن أَنَّ النَّبِيُّ عَليهِ السَّلامُ مَا احْتَضَبَ لحيته، والحديثُ المُذْكُورُ ليس بنص في هَذا الباب؛ لاحتمالِ أنْ لا يَكونَ ما ذُكرَ مِن الاختضاب لتغيير الشَّيْبِ، بل لتطييب الرائحة.
وفي عبارة: «يُصَفِّرُ لحيَتَهُ» دُونَ: «يُغَيِّرُ شَيْبه»، والجَمعِ بينَ طَيِّبي الرائحة: الوَرْس والزعفرانِ نَوعُ تأييد لذلك الاحتمال.
وأما الباب الثاني: ففِي بَيانِ أنواع الخضاب، وتفصيل ما به التفضيل فيما بينها.
اعلم أن أنواع الخضابِ عَلى خَمسة أنواع: حسن، وأحسن إضافي، وأحسن حقيقي، ومكروه، وحرام.
أما الأوّل: فالخضاب بالحِنَّاءِ والوَسِمة.
وأما الثاني: فالخضاب بالحِنَّاءِ والكتم.
وأَمَّا الثَّالثُ: فالخضاب بالصُّفْرة.
وإِنَّما كانَ الثَّاني أحسَنَ مِنَ الأَوَّلِ: لأنَّهُ أقرب إلى الصفرة، والأوَّلُ أَقرَبُ إلى السَّوَادِ، وذَلكَ لأَنَّ الوَسِمَةَ تَسْمَلُ الكَتَمَ.
قالَ الجَوهِرِيُّ: والكتمُ بالتَّحريكِ: نَبَتْ يُخلط بالوَسِمةِ يُحْتضَبُ بِهِ. فالخضاب بالحنَّاءِ والوَسِمَةِ يَكونُ أَقرَبَ إلى السَّوادِ مِن الخضاب بالحنَّاءِ، والكتم يكون أقرب إلى الصفرة من الخضاب بالحناء والوَسِمَة، وما هو أقرب إلى الأحسن الحقيقي يكون أحسَنَ ممَّا هُو أقرب إلى الحَرامِ، وَسَيَأْتِي نَقلُ الخَبرِ عَن خَيرِ البشر على وفق هذا التفصيل.
وأما الرابع: فالخضاب بالحناء الخالص.
وأما الخامس: فالخضابُ بالسَّوادِ؛ لما روى أبو داودَ والنَّسَائِيُّ مِن حَديثِ ابْنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنهُما أَنَّ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ تَعَالَى عَليهِ وسلَّمَ قالَ: «يكونُ في آخرِ الزَّمانِ قَومٌ يَحْضِبونَ بالسَّوادِ
الجزء 1 · صفحة 9
كحواصل الحَمامِ لا يُرِيحُونَ رائحة الجنَّةِ، إسناده جيدٌ.
ولا خفاء في أنَّ مِثلَ هَذا الوعيد لا يكون إلا في حق الحَرامِ، فَمُراد عامة المشايخ في هذهِ المَسالَةِ مِن الكَرامَةِ كَراهة تحريم.
قالَ صَاحِبُ «المُحيط»: عامَّةُ المَشايخ عَلَى أَنَّ الخِضَابَ بالسَّوادِ مَكروه، وبعضُهم جوزوهُ، وَهُو مَرويٌّ عَن أبي يُوسف.
و في كتاب التحري مِن المُحيط الرضي الدين السرخسي، نقلاً عن المبسوط: قالَ عَليهِ السَّلام: «احْتَضِبُوا بِالسَّوادِ»؛ فإنَّهُ أَهْيَبُ للعدو وأَعْجَبُ إِلى النِّساءِ».
وقال شمس الأئمةِ السَّرخسي في أوائل شرحِ السِّيرِ الكَبيرِ»: فمَن فَعَلَ ذَلكَ من الغزاة؛ ليكونَ أهيب في أعين الأعداء، كانَ ذلكَ مَحمُوداً منه، وأَمَّا إِذا فَعَلَ ذَلكَ في حق النساء، فعامَّة المشايخ على الكراهة، وبعضُهم جوزوا ذلك. ورُوي عن أبي يُوسُفَ أنَّه قال: كما يُعجبني أن تزين لي يُعجِبُها أَنْ أَتَزَينَ لها. انتهى.
فمَن رخص فيهِ يَقولُ: إِنَّ الوعيد الشديد الوارد في الحديث في حقٌّ مَن يفعله لا لمصلحة الدين، فلا ينتظم من يفعله لترهيب الأعداء في الجهاد، ومَن يَفعله لترغيب امرأته وجَوارِيهِ؛ لأنَّ فيه فائدَةَ تَحصِينِ النَّفس، وهُو مِن مُهمات مصالح الدين.
وأمَّا الكراهة في الخضاب بالحِنَّاءِ الخالص، فكراهة التنزيه، ووَجهُ ذَلكَ: ما روى أبو داود والنسائيُّ: أَنَّ امرأة سألَتْ عَائشةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنها عن خِصَابِ الحنّاء، فقالت: لا بأس، ولكني أكرههُ كانَ حَبيبي عليه السَّلامُ يَكره رِيحَهُ، انتهى. ومن هنا ظَهَرَ وَجهُ ما تقدَّمَ مِن جَعلنا الخضابَ بالحنَّاءِ الخالِص أدنَى دَرجةً مِن الخضاب بالحِنَّاءِ والوسمة في الحُسن.
وقولنا: «إِنَّهُ حَسَنٌ دُونَ أَحسَنَ» معَ أَنَّ النَّبِيِّ عَليهِ السَّلامُ قَالَ فِيهِ: مَا أَحْسَنَ ابن الخطاب رضي الله عنه قوله، وأخرجه عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اختضبوا بالسواد؛ فإنَّهُ أنس للزوجة، ومكيدة للعدو».
هَذا، وذلك فيما روى أبو داود والنسائي عنِ ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قالَ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ عَليهِ السَّلامُ رَجلٌ قَدْ خَضبَ بالحِنَّاءِ، فَقَالَ: «ما أحسَنَ هَذَا»، قَالَ: فَمَرَّ آخَرُ قَدْ خَضَبَ بالحنَّاءِ والكَتمِ، فَقَالَ: «هَذَا أَحسَنُ مِن هَذا»، ثمَّ مَرَّ آخرُ قَدْ خَضَبَ بِالصُّفرةِ، فَقَالَ: هَذا أحسَنُ من هَذا كلَّه» انتهى.
الجزء 1 · صفحة 10
هذا ما وعدنا إيرادَهُ قالَ الاِمَامُ شَمسُ الأئمة السرخسي في أوائل شرحِ السِّيرِ الكَبيرِ عَن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ أَنَّهُ قالَ: قال: «لا تَزالُ هذه الأمةُ عَلَى شرعة من الإسْلامِ حَسنةٍ هُم فِيها لعَدُوِّهِمْ، قاهِرُونَ، وعَليهِمْ ظَاهِرُونَ ما لم يَصبغوا الشعر، ويلبسوا المُعَصْفَرَ، ويشَارِكُوا الَّذِين كفروا في صَغَارِهِمْ، فإذا فعلوا ذلكَ، كانُوا قَيناً أن يَنتصِفَ مِنهم عدوهم.
وفي الحديث بيانُ النُّصرة لهذه الأمة ما داموا مُسْتَغلين بالجِهادِ، قالَ اللهُ سُبحانهُ: {وإن تنصروا الله ينصركُمْ} [محمد: 7]، وفيه بَيانُ أَنَّهُمْ إذا اشتغلوا بالدُّنيا، واتَّبَعُوا اللذَّاتِ والشهوات، وأعرَضُوا عَنِ الجِهَادِ، يَظفَرُ عَليهِمْ عَدوُّهُمْ.
ومعنى قوله: «قمنا؛ أي: خليقاً وجَدِيراً، كُني به عنِ اتَّبَاعِ الشَّهَوَاتِ؛ بأن يصبغوا الشَّعْرَ؛ يُريد به الخضابَ لتَرغِيبِ النِّساءِ فيهم، فأمَّا نَفسُ الخِصَابِ فَغَيْرُ مَذْمُومٍ، بَلْ هو من سيماء المُسلِمينَ.
قالَ عَليهِ السَّلامُ: «غيّروا الشَّيْبَ، ولا تَشبَّهوا باليهود»، فقالَ الرَّاوِي: رأيتُ بعد هذا الحديث أبا بكرٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنهُ عَلى مِنبرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تَعَالَى عَليهِ وسَلَّم ولحيتُهُ كأَنها ضِرامُ عَرْفَجِ: يُرِيدُ بِهِ أَنَّهُ كَانَ مَحْضُوبَ اللحية، إلى هنا كلامه
قوله: يُريدُ بها الخضاب لترغيب النِّساءِ فيهِمْ عَلَى مَا اختَارَهُ عَامَّةُ المَشايخ مِن عدم الرخصة فيه لترغيبهم.
قال الإمام القاضِي ظَهيرُ الدِّينِ في فتاواه»: ولا بأس بخضاب اللحية؛ لما رُوِيَ عَن أبي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ أَنَّهُ قَد خَضَبَ لحيَّتَهُ حَتَّى صَارَتْ كأَنَّها ضِرامُ عرفج، والصرام اللهب والعرفج الشوك).
وقال الإمام الحاكِمُ الجَليلُ في «المُنتقَى»: ولا بأسَ بخضابِ الرَّأْسِ واللحية. وقالَ صَاحِبُ المُحيط) في كِتابِ الاستحسان: ولا بأسَ بخِضابِ الرَّأْسِ واللحية بالحِنَّاءِ والوَسمِ للرّجالِ والنِّساءِ؛ لأنَّ ذَلكَ سَببٌ لِزِيادَةِ الرَّعْبَةِ والمَحبَّةِ والمَودَّةِ بينَ الزَّوجَينِ إِلى صَاحِبِهِ.
وقال محمد في «المبسوط»: لا بأسَ في الخضاب في غَيرِ الحَربِ، وهُوَ الأصح). فإِنْ قُلتَ أليسَ عِبارة: «لا بأسَ صَريحةً في أَنَّهُ لَيسَ بِمَندوبٍ، فما وَجَهُ ما ذُكِرَ في «مجمع الفتاوى» في فَصلِ قَتلِ الأعوِنةِ، مِن كِتابِ الحَظر والإباحة: أمَّا بالحُمْرة، فهي سُنَّةٌ للرّجالِ، وَالسُّنَّةُ فَوقَ المَندُوبِ؟
قلتُ: المُرادُ بالسُّنَّةِ هُنا السُّنَّةُ بمعنى الطَّريقةِ المَسلُوكِةِ في الدِّينِ، والسُّنةُ بهذا المعنى تنتظمُ ما دُونَ
الجزء 1 · صفحة 11
المَندوبِ مِن المُباحاتِ مِمَّا رَآهُ المُؤمِنونَ حَسناً. قال الإمامُ قاضي خان في باب ما يُكره من الثياب والحلي»: والخضاب بالحِنَّاءِ والوَسِمة: حَسن، انتهى.
ومختارِ السَّيد أبي شُجَاعِ أَنَّهُ مُستحب؛ حيث قال في أدَبِ «المُلتقط»: ويُستحبُّ خضابُ الشَّعرِ واللَّحْية للرّجالِ، ولم يُفصِّلْ بَينَ الحَربِ وغَيرِهِ، وهَذا في خضاب اللحية والرأس، وأمَّا خُضاب اليد والرجل، فلا بأس به للنساء ما لم يكُنْ فِيهِ تماثيل، ويُكره للرّجالِ والصَّبيانِ؛ لأنَّ ذَلكَ تَزَيُّن، وهُو مُباح للنِّساءِ دُونَ الرَّجالِ، كذا قالَ صَاحِبُ المُحيط» في أوائلِ كِتابِ الاستحسان.
وأما الباب الثالث: ففي فضائل الخضاب ومنافعه:
ذكِرَ حسن بن زيادٍ مِن تَلامذة أبي حنيفة في «المُجرَّدِ» بعد ما قال: ولا يَنبغي للرَّجلِ أَنْ يَحْضِبَ يدَهُ ورِجلَهُ، وجُوِّزَ عَلى الرّجل بعُذْرِ؛ استدلالاً بما رُوي عن النبي عليه السلام: ما شكى أحد إليه من وجع الرجل إِلَّا قَالَ:
وقال صاحبُ «الكشَّافِ» في «الفائق»: عَن رَسولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: الخضاب بالحنَّاءِ يَجِلُو البَصَرَ، ويُطيِّبُ النَّكْهة، ويَطرُدُ الشَّيطان».
والنكهة: رائحةُ الفَمِ؛ قال الشاعر:
كأبهر يتباهى بنكهة الجار
وفي حديثِ شارِبِ الخَمرِ: «استنكهوه»
قال ابن الأثير في النهاية»: أي: شُمُّوا نكهة رائحةِ فَمِهِ، هَل شَربَ الخَمَرَ أم لا؟
قال قاضي القضاة مَجدُ الشَّريعةِ المَعرُوفُ بقَاضِي مجد - لما سُئل عن الخضاب، وما جاءَ في الحَديثِ: «إذا دُفن الميت وهُو مُحْضَب بالحناء، أتاهُ ملكان، ويقول كل واحد منهما لصاحبه: ارفق بالمؤمن، أما ترى آثار الإيمان، أو نُور الإيمان عليهِ؟: إِنَّ هذا الخضابَ مَحمولٌ على اللحية، أو على الرَّجُلِ، كذا في «جواهر الفتاوى».
قوله: «إِنَّ هَذا الخضاب محمولٌ .... إلى آخره جواب قاضي مجد عن السؤالِ عَن الخُضابِ المَذْكُورِ في الحَديثِ المَرْبُورِ؛ يَعني: أَنَّ مَعَنَى قولهِ عَليهِ السَّلامُ وهُو مُختضب بالحناء»: وهو مُختضِبُ اللحية بالحنّاء، أو مُختضِبُ الرجل بالحناء.
الجزء 1 · صفحة 12
ولا خفاء في أنَّ التَّرديدَ المَذْكُورَ يأبى عَن أَنْ يُرادَ بِنُورِ الإِيمَانِ نَفسُ الخضاب؛ إذ لا خلاف في أنَّ الخضابَ عَلى الرّجل ليس بمظنَّةٍ لهذه الفضيلة، فلا بد من التأويل بأنَّ المُرادَ منه ما في موضع الخضابِ مِن آثار الوضوء، هَذا ما عِندَ القاضِي مَجد.
والَّذِي عِندي أنَّ المَعنَى: وهُو مُختضِبُ اللحية، والمُرَادُ مِن النُّورِ نُورُ الشَّيبِ؛ لما روى الترمذي والدَّارِمِيُّ، عَن كَعب بنِ مُرَّةَ، عَن رَسولِ اللَّه عَليهِ السَّلامُ: مَن شاب شيبة في الإسلام كانت له نُوراً يوم القيامة.
وروى أبو داود والترمذي، والقزوينيُّ، عَن عَمْرِو بنِ شُعِيبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَن جدهِ رَضِيَ اللهُ عَنهمْ أَنَّه قال: قالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: لا تَتَّقُوا الشَّيْبَ؛ فَإِنَّهُ نُورُ المُسلم، مَن شَابَ شَيبةٌ في الإسلامِ، كَتبَ الله له بها حَسَنةً، وكفَّرَ عنه بها خَطيئةً ورَفعَه بها درجة، انتهى.
ولما كانَ الخضابُ عَلى الرّحيةِ أَمارَةَ الشَّيبِ، قَالَ المَلَكُ عِندُ رُؤيَتِهِ: أَمَا تَرى نُورَ الإيمانِ؟ فالفَضيلةُ للشَّيبِ لا للخضابِ، والله أعلَمُ بالصَّوابِ.
ومن فوائد الخضابِ ما ذَكَرَ مُحمدٌ في الزياداتِ»؛ حيثُ قال: إذا اختلط مَوتَى المُسلِمينَ بمَوتى الكفَّارِ يُميّزُ بَينهُمْ بالسِّيماء، وسيماءُ المُسلِمينَ: الختانُ، والخضاب، ولبسُ السَّوادِ.
وعلامات الكُفَّارِ: أَنْ يَكونَ غَيْرَ مَختون، وزُنَّارٌ قَد شَدَّهُ فَوقَ قَبائِهِ، وأبيضُ الرَّأسِ واللحية، قد جَعَلَ رَأسَهُ فِضةٌ كما يفعله أهلُ الذَّمَّةِ.
وقالَ الشَّارِحُ: يُريدُ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يُغيّر شَعَرَهُ سَواداً بالخضابِ.
وفي سِيَرِ المُحيط»: وأمَّا لُبسُ السَّوادِ، فإنهُ عَادَةُ بَني العبَّاسِ، كَانُوا فِي زَمنهمْ يلبسُونَ السَّوادَ، يأخُذون النَّاسَ.
قالَ صَاحِبُ النُّقاية»: ويُستحبُّ أَنْ يَلبسَ المَصبوغ أحياناً، خلافاً للمَجُوسِ، وإنما قال: (خلافاً للمجوس؛ لأنهم يلبسونه دائماً، وقيل: لأن بعض المجوس يُقال لهم سبيد جامه كانُوا يَلبَسون البياض دائماً.
والحمد لله على الإتمام أولاً وآخراً.