الجزء 1 · صفحة 5
رسالة في الزكاة
للعلامة شيخ الإسلام أحمد بن سليمان بن كمال باشا الحنفي
توفي سنة (940هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
قَوْلُهُ: «اليسَ عَلى الصَّبي والمجنُونِ زَكاةً: لأنَّها عِبادَةٌ، فلا تَتَأَدَّى إِلَّا بِالاخْتِيارِ؛ تحقيقاً لمعنى الابتلاء؛ ليَظْهَرَ المطيعُ عنِ العاصِي بامتثال أمرِ رَبِّهِ، والتَّعظِيمِ لمعبودِهِ باختياره، فيَسْتحقُ جَزاءً وثَواباً، ولا جزاء إلَّا بناءً على الاختيار، مِن المُحيط» ولا اختيار لهُما؛ لعدم العقل، كذا في «الهداية».
أقول: إن أرادوا بالاختيار الاختيار الكامل، يُشكل بما قالُوا: للسَّاعِي أَن يُجبَرَ مَن عَليهِ الزكاة على الأداءِ بالحَبْسِ، فيُؤدِّيهِ بنفسِهِ؛ لأنَّ الإكراه لا يَسلُّبُ الاختيار، بلْ يسلُبُ الطَّواعِيةَ، فيتَحقَّقُ الأداء على الاختيار، والمسألةُ مَذْكُورَةٌ فِي بَابِ مَن لَهُ أَخذُ الصدقاتِ» من «المحيط»: فإنَّ كمال الاختيار لا يُجامعُ الإكراه.
وإن أرادَ بهِ أصلَ الاختيار معَ قطعِ النَّظرِ عَن الطَّواعية، فلا يَتحقَّقُ بِهِ مَعنى الابتلاء، وذلك لا يحصل إلا بالاختيار المقارن للطواعية، فأشكل قولهم: إنَّ الإكراة لا يسلب الاختيار المُعتَبَرَ في أداء الزكاةِ، فتأمل.
باب صدقة السوائمِ
فصل في الإبل
قال الشافعي رحمه الله: مدارُ الحسابِ عَلى الاربعينيَّاتِ والخَمسينيات، فيجب في كل أربعينَ بنتُ لَبُون، وفي كلِّ خَمْسينَ حقةٌ، كذا في الهداية.
فإن قلت: المفهوم مِن العِبارة في مئتين خَمسُ بنات لبون، وأربعُ حِفَّاتٍ، مَعَ أَنَّ الواجب واحد منهما؟
قلت: أراد أن الواجب أحدهما عِند عدم الآخر؛ لأنه يُنا في التخيير عند اجتماع نصابهما؛ كما في الصورة المذكورة، ففي العبارة مُسَاهلة.
ذكر في «شرح الهداية» نقلاً عن «التحفة»: السَّائمةُ فِي الَّتي في البراري لقصدِ الدَّرِّ والنَّسْلِ".
الجزء 1 · صفحة 7
وأقولُ: يُشكِلُ عَلى هَذَا ذَكَرُ الإبلِ والبَقرِ والغَنَمِ؛ فإِنَّهَا مُنفردةٌ لا تُسَامُ للدَّرِّ والنَّسلِ، معَ أَنَّها سائمةٌ تجبُ فيها الزَّكاةُ، وسيُصرِّحُ [أَنَّ] فيها الزَّكَاةَ في فَصل الخيل»؛ لأنَّ المُعتبر هو النَّماء، وهو كما يتحقَّقُ بالنَّسلِ كَذَلكَ يتَحقَّقُ باللَّحمِ والوبر، فالسائمة على ما صرح به في المحيط، الَّتِي تُسامُ للدَّرِّ والنَّسل، والزيادة في السن والسمن.
فصل في البقر:
قال أبو يوسف ومُحمَّدٌ: لا شيء في الزيادةِ عَلى أَربَعينَ حَتَّى تَبْلُغَ سَتِّينَ، وَهُوَ روايةٌ عَن أبي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى؛ لقولهِ عَليهِ السَّلامِ لِمُعَاذِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ:
لا تأخُذُ مِن أوقاصِ البَقَرِ شَيئاً»، وفسَّروه بما بينَ أربَعينَ إلى ستّينَ.
فإِنْ قُلتَ: قَدْ قِيلَ: إِنَّ المُرادَ بِهِ الصغار، كذا في الهداية.
قلتُ: لا وجه لهذِهِ الإرادة؛ لما رُويَ عَن مُعاذِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ قيلَ لَهُ: مَا تَقُولُ فيما بينَ أربعينَ إلى سِتِّينَ؟ فقال: تلك أوقاص لا شيء فيها، ولهذا قال صاحِبُ المحيط»: وهذه الرواية أعدَلُ.
فضل في الغنم:
ويُؤخَذُ اللَّيُّ في زكاتِها، ولا يُؤخَذُ الجدَعُ، وجَوازُ التَّصْحِيةِ بِهِ عُرِفَ نصاً، كذا في «الهداية».
قلتُ: يعني على خلافِ القِياسِ، فلا يُتجاوزُ عَن مَورِدهِ، وذلك لأنَّ القِياسَ في الأضحية أنْ تُؤخذ ما دُونَ الشَّي مِن الضَّانِ، كما تُوخذُ مِن المَعِزِ، إِلَّا أَنهُ تُرِكَ ذلكَ لنص خاص ورد فيه، وهو قولُهُ عَليهِ السَّلامُ: «نِعمتِ الضَّحِيَّةُ الجَدْعُ مِن الضَّأْنِ إِذا كَانَ ضَخْمَاً عَظيماً، فاندفع ما في «غايةِ البَيانِ مِنَ النَّظِرِ.
ووجهه: أنَّ جواز التضحية بالجدَعِ مِن الضَّانِ نصَّاً لا يمنعُ قياسَ جَوانِ الزَّكاة عليه.
فضل في الخَيلِ:
ولا شيء في البغال والحَمِيرِ: لقولهِ عَليهِ السَّلامُ: «لَمْ يَنزِلُ عليَّ فيهما شي، كذا في «الهداية».
قلتُ: ما ذُكر لا يصلُحُ وجها للحكم بأَنَّهُ لا شيء فيه؛ فإِنَّ كَثيراً من الأحكام لم يُوجد فيه نص، بل الوجه ما في «المحيط»: «ليس في الكسْعَةِ صدقة)، والكُسْعةُ: الحَميرُ.
الجزء 1 · صفحة 8
والمفهوم مِن قَولِهِ هَذا: أنْ يَكُونَ الحُكمُ بعدَ وجُوبِ شيء نازِلاً فيهما؛ لأَنَّهُ عَليهِ السَّلامُ لم ينطِقُ عَنِ الهَوَى، وأيضاً قد دلَّ قولُهُ: «ليس ... إلخ» عَلى نُزولِ شيءٍ فيهما؛ لأنه لا ينطقُ عَنِ الهَوى، والتَّوفيق بأنَّ دِلالَةَ الحَدِيثِ عَلَى النَّفْيِ عَلَى تَقدِيرِ عدمِ النُّزول.
تمَّتْ بعَونِ الله سُبحانَهُ وتَعالى