دخول ولد البنت في الموقوف على أولاد
للفقيه ابن كمال باشا الحنفي
توفي في سنة (940 هـ)
تحقيق:
ملك نعيم
إشراف:
د. رأفت الصعيدي
جارٍ تحميل الكتاب…
دخول ولد البنت في الموقوف على أولاد
للفقيه ابن كمال باشا الحنفي
توفي في سنة (940 هـ)
تحقيق:
ملك نعيم
إشراف:
د. رأفت الصعيدي
دخول ولد البنت في الموقوف على أولاد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لوليه، و الصلاة على نبيه، والثناء على خليقته في أرضه، (اللهم) ارض عنه وارضه وبعد:
فإن المسألة السائرة في البلاد، الدائر على ألسن العباد و هو مسألة دخول ولد البنت في الموقوف على أولاد الأولاد، قد ذكرت في حضرة من نفر رياض العلم بحسن تربيته، وفاض (حياض) الشرع بإمداد تقويته، استخرج طبعه الغواص عن بحار العلوم درر دقائق المسائل، وفك كفيه عن نَهْرِ سائل، و [كف فكيه عن نَهْرِ السائل]
وهي حضرة السلطان، خليفة الرحمن، صاحب الزمان، ناصب راية الأمن و الأمان، المستغني عن التوصيف و التعريف والبيان، أبو الفتح سلطان سليم خان فخر آل عثمان، سلمه الله في الدارين, وصان شأنه عن الشين والدين.
فأمرني بإظهار ما هو الحق فيها، فإن إظهار الحق يُظهر مراتب الرجال، لا بتقادم الأزمنة والآجال، فامتثلت بأمر العالي , [وشرعت فيه] متوكلاً على الملك المتعالي، فنقول وبالله التوفيق وبيده أزمة التحقيق، أن المسألة المذكورة على وجهين:
أحدهما، ما يُذكر فيه الموقوف عليه مقصوراً على الدرجة العليا.
والثاني، ما يُذكر فيه الموقوف عليه غير مقصورٍ على الدرجة الاولى.
و كل من الوجهين المذكورين على صورتين:
إحداهما ما يُذكر فيه الموقوف عليه بصيغة الفرد.
و ثانيهما ما يُذكر فيه الموقوف عليه بصيغة الجمع، فللمسألة المذكورة صور أربع:
الاولى، صورة () وقفت على ولدي.
و الثانية، صورة وقفت الاولى
و الثالثة صورة وقفت على ولدي وولد ولدي.
والخلاف قائم في كل مَن صورته الوجه الاول، أما في صورته الاولى فلِما ذكره قاضي خان حيث قال في فتاواه بعد تصويره المسألة على الصورة الاولى في الوجه الاول: " ولا يدخل فيه ولد البنت في ظاهر الرواية " و به أخذ هلال.
وذكر الخصاف عن محمد أنه يدخل فيه أولاد البنات أيضاً. و الصحيح ظاهر الرواية لأن أولاد البنات ينسبون الى آبائهم لا إلى أمهاتهم، بخلاف ولد الابن ".
و أما في الصورة الثانية فلِما ذكر صاحب الذخيرة حيث قال: " إذا وقف على أولاده يدخل [في الوقف بنو البنين، وهل يدخل] فيه بنو البنات ففيه روايتان ".
وأصل هذا ما ذكر في السير الكبير في باب من أبواب الأمان إذا قال أهل الحرب آمنونا على أولادنا، فهم آمنون على أنفسهم وعلى أولادهم لأصلابهم، وعلى أولاد أولادهم [لأصلابهم وعلى أولاد أولادهم] من قبيل الرجال بني البنين دون بني البنات. وذكر في باب آخر من أبواب الأمان أن بني البنات يدخلون في الأمان، فيصير في المسألة روايتان.
وكان الشيخ الجليل الإمام أبو بكر محمد بن الفضل يميل إلى أن ولد البنين لا يدخل تحت الامان، وكذا في الصورة الأولى من الوجه الثاني، فإن علي الرازي خالف فيه هلال على ما ذكره فخر الدين قاضي خان حيث قال في فتاواه بعد تصويره المسألة على الصورة المذكورة: " هل يدخل فيه ولد البنت "، قال هلال: " لأن اسم ولد الولد كما يتناول أولاد البنين يتناول أولاد البنات".
وأما (في) الصورة الأخيرة من الوجه الثاني وهي رابع الصور الأربع المذكورة، [ولا خلاف] في دخول البنت في الموقوف عليه في تلك الصورة على ما دل عليه عبارة الإمام قاضي خان حيث ذكر سائر الصور على الخلاف و ذكرها بلا خلاف حيث قال في فتاواه: " ولو قال على أولادي و أولادهم كان ذلك لكلهم يدخل فيه ولد الابن و ولد البنت "، و يوافقه صاحب تتمة الفتاوى وصاحب الخلاصة في ذلك.
وعدم دخول ولد البنت فيه على ظاهر الرواية إنما هو في صورتي، الدرجة الاولى على ما يفصح عنه ما نقلناه سابقا عن الإمام قاضي خان، ويشهد على ذلك ما ذكر في معرض التعليل بقوله: " لأن أولاد البنات ينسبون الى آبائهم لا إلى أمهاتهم، فإن التمسك بعدم النسبة في الحكم المذكور إنما هو في صورتي الوجه الاول.
وأما في الوجه الثاني فالحكم في الدخول بمقتضى العبارة على حسب الدلالة اللغوية على ما أفصح عنه شمس الأئمة السرخسي [ونقل عنه] قاضي خان حيث قال في فتاواه: " قال شمس الأئمة السرخسي لأن ولد الولد اسم لمن ولد ولده، و ابنة ولده ومن ولدته ابنته يكون ولد ولده حقيقة، بخلاف ما إذا قال على ولدي؛ فإن ثمة ولد البنت لا يدخل في الوقف في ظاهر الرواية؛ لأن اسم الولد يتناول لصلبه. وإنما يتناول ولد الابن لأنه يُنسب إليه عُرفاً.
ويقطع [عرق شبهة] الخلاف في صورة الاخيرة ما نقله صاحب الذخيرة عن الإمام شمس الأئمة السرخسي بهذه العبارة. وذكر شيخ الإسلام الأجلِّ شمس الأئمة السرخسي أن في هذه الصورة أولاد البنات تدخل رواية واحدة، وإنما الروايتان إذا قال آمنوني على أولادي. وهذا لأن المذكور ها هنا ولد الولد [و ولد الولد] حقيقة اسم لمن ولد ولده و ابنة ولده فمن ولدته ابنته يكون ولد ولده حقاً
فأما إذا ذكر أولادَه، فأولادُه حقيقة من هو ولده من حيث الحكم من يكون منسوبا ًإليه بالولادة، وذلك أولاد الابن دون أولاد البنات.
ثم قال صاحب الذخيرة: " والجواب في الوقف على قول شمس الأئمة يكون هكذا إذا وقف على أولاد أولاد فلان، دخل تحت الوقف أولاد البنات رواية واحدة " انتهى كلامه
وبهذا البيان الواضح والتبيين الموضح تبين الحق واتضح أن ما وقع في بعض الكتب كالتجنيس والواقعات، ومحيط رضي الدين السرخسي وغيره مِن ذكر الخلاف في الصورة المذكورة من قبيل نقل الخلاف في أحد الصورتين قياساً على الأخرى مع قيام الفرق بينهما، كيف لا، فإنما ذكروه في معرض التعليل لا يساعدهم، وإنما قلنا ذِكرهم لا يصلح تعليلاً للمسألة في الصورة المذكورة؛ لأنه لو علل الحكم فيها بما ذكر لاتجه عليه أن يقال إن أريد أنه لا ينسب الولد إلى الأم لغة وشرعاً فلا وجه له. إذ لا شبهة في صحة قول الواقف: وقفت على أولاد بناتي، واعتباره و شرعاً.
و إن أريد أنه لا ينسب إليها عرفاً فلا يجدي نفعاً في (دفع) ولد البنت عن الدخول في الصورة المذكورة لما عرفت أن دخوله فيها بحكم العبارة لا بحكم العرف. [والدخول بحكم العرف] إنما هو في صورة الوجه الأول.
و التعليل المذكور ينطبق [عليه] المعلل فيها.
و لهذا رد الإمام شمس الأئمة السرخسي على القاضي الإمام ركن الدين علي السغدي و الشيخ الإمام شيخ الإسلام في قولهما أن المسألة المذكورة على الصورة الرابعة على الروايتين أيضاً على ما نقله صاحب الذخيرة (عنه).
ولو تنازلنا عن ذلك وسلمنا أن المسألة المذكورة على الصورة الرابعة [على الروايتين أيضاً على ما نقله صاحب الذخيرة] أيضاً على الاختلاف. فنقول الترجيح معنى فإن القول بالدخول راجح بقوة دليله وتقدم القائلين به. والترجيح [بأحد هذين الأمرين].
[أما قوة دليله فقد مر ما بقي في بيانها، وأما تقدم القائلين به] فلأنهم أعيان المجتهدين
وشيوخ الفقهاء كهلال و الخصاف و شمس الأئمة السرخسي و قاضي خان و صاحب الذخيرة وصاحب تتمة الفتاوى وصاحب الخلاصة. وفي طرف الخلاف ليس من يقاومهم في المعارضة و يساويهم في الدرجة.
ومعرفة هذا موقوف على الوقوف على طبقات الفقهاء و مراتب المجتهدين، و هو العمدة في هذا الباب كما لايخفى على ذوي الألباب.
ولمّا انجر (الكلام) إلى هذا الفصل و اقتضى المقام تفصيل ذلك الأصل؛ فنقول: " لا بد للمفتي المقلد أن يعلم حال من يفتي بقوله، ولا نعني بذلك معرفته باسمه و نسبه و نسبته إلى بلد من البلاد إذ لا يسمن (ذلك) من جوع و لا يغني.
بل يفتى بمعرفته (معرفة) مرتبته في الرواية [و درجته في الدراية] وطبقته من طبقات الفقهاء؛ ليكون على بصيرة وافية في التمييز بين القائلين المتخالفين، وقدرة كافية في الترجيح على القولين المتعارضين. (*)
واعلم أن الفقهاء على سبع طبقات:
الأول: طبقة المجتهدين في الشرع، كالأئمة الأربعة و من سلك مسلكهم في تأسيس قواعد الأصول
واستنباط أحكام الفروع عن الأدلة الأربعة: الكتاب و السنة و الإجماع و القياس على حسب تلك القواعد من غير تقليد لأحد لا في الفروع ولا في الأصول
والثانية: طبقة المجتهدين في المذهب كأبي يوسف و محمد و سائر أصحاب الإمام الأعظم، القادرين على استخراج الأحكام (عن) الأدلة المذكورة على مقتضى القواعد التي قررها أستاذهم أبو حنيفة. فإنهم وإن خالفوه في بعض أحكام الفروع لكنهم يقلدونه في قواعد الأصول، وبه يمتازون عن المعارضين في المذهب.
(و) يفارقونهم كالشافعي ونظائره المخالفين في الأحكام لأبي حنيفة غير مقلدين له في الأصول.
الثالثة: طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب كالخصاف و أبي جعفر الطحاوي
وأبي الحسن الكرخي و شمس الأئمة الحلواني وشمس الأئمة السرخسي وفخر الإسلام البزدوي و فخر الدين قاضي خان و أمثالهم. فإنهم لا يقدرون على المخالفة للشيخ لا في الأصول ولا في الفروع، لكنهم يستنبطون الأحكام في المسائل التي لا نص فيها عنه على حسب أصول قررها و مقتضى القواعد و بَسْطِها.
الرابعة: طبقة أصحاب التخريج من المقلدين، كالرازي و أضرابه، فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلاً، لكنهم لإحاطتهم بالأصول و ضبطهم للمآخذ يقدرون على تفصيل قول مجمل ذي وجهين و حكم مبهم محتمل لأمرين منقول عن صاحب المذهب أو عن واحد من أصحابه المجتهدين برأيهم و نظرهم في الأصول،
والمقايسة على أمثاله و نظائره من الفروع، وما وقع في بعض المواضع من الهداية [من قوله] كذا في تخريج الكرخي و تخريج الرازي من هذا القبيل.
الخامسة: طبقة أصحاب الترجيح من المقلدين كأبي الحسن القدوري و صاحب الهداية و أمثالهما.
وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض آخر، كقولهم هذا أولى و هذا أوضح دراية و هذا أوضح رواية و هذا أوفق للقياس و هذا أرفق للناس.
السادسة: طبقة المقلدين القادرين على التمييز [بين الأقوى و القوي و الضعيف] وظاهر المذهب وظاهر الرواية النادرة، كأصحاب المتون المعتبرة من المتأخرين مثل صاحب الكنز وصاحب المختار.
وصاحب الوقاية وصاحب المجمع، وشأنهم أن لا ينقلون في كتابهم الأقوال المردودة و الروايات الضعيفة.
السابعة: طبقة المقلدين الذين لا يقدرون على ما ذُكر و لا يفرقون بين الغث والسمين ولا يميزون الشمال عن اليمين، بل يجمعون ما يجدون [كحاطب ليل].
فالويل لهم ولمن قلدهم كل الويل.
والله أعلم بالصواب و إليه المرجع و المآب و الحمد لله على كل حال و صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله و صحبه أجمعين و الحمد لله رب العالمين. آمين