الجزء 1 · صفحة 5
الْفَرَائِدُ وَالْفَوَائِدُ
للعلامة شيخ الإسلام أحمد بن سليمان بن كمال باشا الحنفي
توفي سنة (940هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
فريدة
التّحرّي: هُو في اللغة: طلب أحرى الأمرين وأولاهما.
وفي اصطلاحِ الشَّرع: عبارةٌ عما يَقعُ عَلى طَلب أحقُّ الأمرَينِ وأولاهما بغَالبِ الرَّأْيِ عِندَ تَعَذَّرِ الوُقوفِ عَلَى حَقيقتِهِ.
عند اشتباه القبلة؛ أي: إذا خَفيت جهةُ القِبْلَةِ عَلَى المُصلَّي، وَلَيسَ عِندَهُ مَن يعلمُها عَليهِ أنْ يَستدِل عَلى ذَلكَ بكُلِّ ما يُمكنه؛ مِنَ النُّجومِ، والرِّياحِ، والجِبالِ وغير ذلك.
وعِند انقطاع هَذهِ الأدلَّةِ يَجِبُ عَليهِ التَّحري لإصابة جهة الكعبة؛ القِبلةُ عَين الكعبة في حق الحاضِرِ بمكة، وجهتُها في حقٌّ الغائِبِ عَنها، والقبلة جهةُ التَّحرّي في حَقِّ العاجز عن معرفة جهتِها.
كما أن الاجتهادَ عندَ فَقدِ النص، أراد بالنَّص معناه اللغوي، ولذلك قيد بقول المفسرِ حتّى ينسَدَّ بابُ التَّخصيص والتأويل، وينقطع احتمال الاجتهاد لإصابةِ حُكم الله تعالى، قال أهل الحقِّ: إِنَّ الله تعالى في كُلِّ مَسألة جتهاديَّةٍ حُكماً مُعيَّناً قبل الاجتهاد، خلافاً لعامَّةِ المُعتزلة، وعَليهِ أمارة ظنيَّةٌ، خلافاً لطائفة من الفقهاء والمُتكلّمينَ، ومَن وَجَدَ تِلكَ الأَمَارَةَ أَصابَ، ومَن فقدها فقد أخطأ.
وكما أنَّ المُجتَهدَ غَيْرُ مُكلَّف بإصابته؛ أي: إصابة حكم الله تعالى؛ لخفائه وغموضه، فلذلك كانَ مَعذُوراً في الخطأ، لكنَّهُ مُكلَّف برعاية شرائطِ الاجتهاد حتى يكونَ مُصيباً في الدليل، فيكونَ مَأجُوراً وإن أخطأ في الحكم، قال: «مَن أصابَ فله أجرانِ، ومَن أخطَأ فله أجر، فالمصيبُ والمُخطئ مشتركان في أجر الاجتهاد، وللمصيب خاصة أجر الإصابة، بل بالعمل بما أدى إليه اجتهاده. اعلم أنَّ الحُكمَ الَّذِي أدى إليه اجتهادُ المُجتهد حقٌّ، لكن لا بمعنى المُطابق للواقع؛ لما عرفتَ أَنَّهُ قدْ يُخطئ في اجتهاده، فلا يَكونُ حُكمهُ مُطابقاً للواقع، بلْ بمَعنَى الثَّابِتِ فِي الشَّرعِ، ولذلك أمرنا باتِّباعه، فمَا نُقلَ عَنْ أَهْلِ الحَقُّ مِنْ أَنَّ أَهْلَ الاجتهاد) قد يُخطئ وقدْ يُصيبُ إنَّما هُو بالنَّظر إلى الحُكمِ الصَّادِرِ عَنِ الله تعالى، وما نُقل عن
الجزء 1 · صفحة 7
أبي حَنِيفَةَ رَحمهُ اللهُ مِن أَنَّ كلَّ مُجتِهِدِ مُصيبٌ، إِنَّما هُو بِالنَّظر إلى الحُكمِ الظَّاهِرِ في الشَّرع.
هكذا ينبغي أنْ يُلاحظ الكَلامُ في هَذا المَقامِ، ولا يُلتَفَتَ إِلى مَا سَبَقَ إِلى بَعضٍ الأوهَامِ مِن أنَّ الحقِّ إذا كانَ واحِداً لا يُرادُ أنَّ كُلَّ مُجتهد مُصِيبٌ بِالنَّظرِ إِلَى الحُكمِ الظَّاهِرِ إلى الشَّرعِ، بل بالنَّظر إلى الدليل، لما عرفتَ أَنَّ وحدةَ الحُكمِ الحقِّ المُطابق للواقع لا تُنافي تَعدُّدَ الحُكمِ الثَّابِتِ فِي الشَّرِعِ.
ومراد الإمامِ مِن قَولِهِ: والحقُّ عِندَ الله تعالى واحِدٌ: إظهارُ ما هو الحقُّ عندَهُ مِن مَذهبِ المُخطَّيَّةِ، فالحقُّ المَذْكُورُ مَحمُولٌ عَلَى الحُكمِ الأَوَّلِ، فتأمل.
كذَلكَ المُتحرِّي غَيْرُ مُكلَّفٍ بإصابتها؛ أي بإصابةِ جهةِ القِبلة لما ذُكرَ مِن العلَّةِ، بل بالعمل بما أدَّى إلَيهِ مِن التَّحري)، فهو مُكلَّفٌ بالاستقبالِ إلى جهة تحريه، كما أنَّ المُجتَهدَ مُكلَّف بالعمل بمُوجَبِ اجتهاده.
ولذلك؛ أي: ولوجُوبِ العمل بما أدّى إلَيهِ تحرِّيهِ، لو خَالَفَ جِهَةَ تحرِّيهِ؛ بأنْ تحرى ووقع تحريه إلى جهة، وترك تلك الجهة، وصلَّى إلى جهةٍ أُخرَى، لا تُجزِتْهُ صلاتهُ عِندَهُما وإن أصابَ الكعبة، سَواءٌ ظهرت في الصَّلاةِ أو بَعدَها، أو ظَهَرَ الخَطأ فيها أو بعدها، أو لمْ يَظهرُ شَيء.
وعن أبي يُوسف: لا يُجزئه إن أصابَ القِبلة، ولو وافقها بأن صلَّى إلى جهة
تحريه، تجزئه صلاته؛ وإن أخطأ الكعبة، لمْ يَقُلْ هَاهنا: وإن أخطأ القبلة، وفيما تقدَّمَ: وإن أصابَ القبلة، كما قَالَهُ غَيره: لأنَّهُ ما أخطأ هَاهنا، وما أصابها ثَمَّةَ عَلَى ما ظَهَرَ مِن قَولِهِ، وذلك لأنَّ القبلة في حِقِّهِ جهة تحرّيه، لا الكعبة، ولا جهتها؛ لما مرَّ أنَّ القِبلَةَ في حقٍّ العَاجِزِ عَن مَعرفةِ جِهَةِ الكَعبة جهة تحرّيهِ.
فائدة: ولا مُتمسك للمصوبة القائلين بإصابةِ كُلِّ مُجتهد؛ بِناءٌ عَلَى أَنَّهُ لا حكم في المسائل الاجتهادية قبل الاجتهاد، بلِ الحُكمُ ما أَدَّى إِلَيهِ اجتهاد كل مجتهد، فيتعدَّدُ ويَختلف بحسب تعددِ اجتِهادِ المُجتهدين، واختِلافُهُم) في مسألة التحري رَدُّ لقولهم، وهذا كالاجتهاد في القبلة؛ فإنَّ القبلة جهة التحري، حتَّى إِنَّ المُخطِئ يَخرجُ عَن عُهدة الصَّلاةِ لا لأنَّ فَسَادَ صَلَاةِ مَن خَالَفَ الإِمَامَ عالماً بحاله يدل على ما قلنا، كما توهمهُ صَاحِبُ التَّوضِيح، لأن ذلكَ لعدم صحة الاقتداء حينئذ: لأنه اعتقد أنَّ إِمَامَهُ عَلَى الخَطا، لا لفقد شرط استقبال القبلة، فلا دِلالة فيما ذُكرَ عَلى أَنَّ القِبلة ليست جهة التحري، بل لأن القبلة حالة الاشتباه - وإن كانت جهة التحري - إِلَّا أَنَّه لم يُقصد لذاتِهِ بل قصداً للإصابة، ولذلك إذا
الجزء 1 · صفحة 8
حصلت أغنَتْ عَنهُ؛ كما إذا صلَّى بِغَيرِ تحرُّ وعلم بعد الفراغ - إنما قال: «بعد الفراغ»؛ لأَنَّهُ إِذا عَلَمَ ذَلكَ قبل الفراغ، عَليهِ أنْ يَستأنف الصَّلاةَ؛ لأنَّ التَّحري افتُرضَ عَليهِ، فتفسد بتركه، وأمَّا إذا علمهُ بعد الفراغ، فلا استئناف؛ لحُصولِ المَقصُودِ، صَرَّحَ بذلكَ في النَّبينِ ـ أَنَّهُ أصابَ، فحكمُ التَّحري في مسألة القبلة حُكمُ الاجتهاد في المسائل الاجتهادية. على وفق ما حققه أهل الحق.
تتمة: من قال: لم يُعد مخطى تحرى، بل مُصيب لم يتحر - القائل صدر الشريعة في شرح الوقاية» - لم يُصب، لأنه لم يثبت رواية، بل الروايات مُتوافِرَةٌ عَلى خِلافِ ما ذكره، وقالَ الطَّحاوِيُّ: ولو أَنَّهُ شَكٍّ ولَمْ يتحر، وصلى من غير تحر، فهو عَلى الفَسادِ، يُعيدُ ما لم يَتبيَّنِ الصَّوابُ بعد الفراغ من الصَّلاةِ، وعَلى وفي هَذا ذكر في الخلاصة»، و «التحفة»، و «البدائع»، والمفيده، و «الاختيار.
بل ثبت خلافهُ عَلى ما صرح به قاضيخان في «فتاواه»؛ حَيثُ قال: ولو شك فصلي بلا تحر، فعَلمَ في الصَّلاةِ أَنَّهُ أصابَ القِبلة أو أخطا، يَستأنفُ؛ لأنَّ افتتاحه كانَ ضَعيفاً، وإنْ عَلمَ بَعدَ الصَّلاةِ أَنَّهُ أَصابَ، لا يُعيدُها؛ لأَنَّهُ ثمَّةَ لا يحتاج إلى البناء.
المعتبر - يعني: في استقبال القبلة - هو التّوجُهُ مَكَانَ البَيتِ دُونَ البِناءِ، حَتَّى لو صلَّى فَوقَ الكعبة، جازَ؛ لأنَّ الكَعبة هي العَرْصةُ والهَواءُ إِلى أَعْنانِ السَّمَاءِ عِندنا دُونَ البناء، ألا ترى أَنَّهُ لو صلَّى عَلَى جَبلِ أَبِي قُبيسٍ جازَ؟
وفي فتاوى السَّارِخَانِيَّةِ»: إذا رُفعتِ الكَعبةُ عَن مَكانِها لزيارات أصحَابِ الكرامة، كما جاء في الآثَارِ، ففي تلك الحالة جازَتْ صَلاةُ المُتوجه إلى أرضها.
وعِندي أن زيادةَ عِبارةِ الشَّطرِ في قولهِ تَعالى: {فَوَ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الحرام} [البقرة: (144)]؛ للدلالةِ عَلَى هَذا؛ أي: عَلى أَنَّ المُعتَبَرَ في هَذا البابِ هُو التَّوجه إلى العرصةِ والهَواءِ، لا إلى البناء.
لا يُقالُ: تِلكَ الزّيادة؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كانَ وَقتَ نُزولِ تِلكَ الآية في المدينةِ، والبعيد يكفيه مراعاة الجهة؛ لأنَّ عِبارة {وَحَيْتُ مَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ قَولُوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: (144)] صَريحةٌ في تَعمِيمِ الحُكمِ المَذْكُورِ للقريبِ والبعيد، ومن هاهنا تَبَيَّنَ ما في قَولِ البَيضاوي: وإِنَّما ذُكرَ المَسجِدُ دُونَ الكَعبة؛ لأنَّهُ عَليهِ الصَّلاة والسَّلامُ كانَ بالمدينة، والبعيد يكفيه مُراعاة الجهة» من الخلل. فتأمل
***
الجزء 1 · صفحة 9
فريدة:
السَّلامُ سُنَةٌ، وردُّهُ فَرِيضَةٌ؛ لقوله تعالى: {وَإِذَا حَتِيتُم بِنَحِيَّةٍ فَحَبُّوا أَحْسَنَ مِنْهَ أوْ رُدُّوهَا) [النساء: (486)، ثُمَّ الجُمهورُ عَلى أَنه في رد السلام، ويدل على وُجوبِ الجَوابِ؛ إما بأحسَنَ مِنها، وهُو أَنْ يَزيدَ عَليهِ ورَحمةُ الله تَعالى، فإِنْ قاله المُسلم، زادَ: (وبركاته»، وهي النهاية، وذلك لاستجماعه أقسام المطالب للسلامة، وحصول المنافع وثباتها، أو بردها، بأن يقول: «وعَليكَ» إن بلغ المسلم من (السلام نهايته، لم يقل: «أو بمثلها»، إذ جيتي يلزمه أن يقول: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، وليس بلازم؛ لما رُوي أن رجُلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: السَّلامُ عَليكَ، فقال: وعَليكَ السَّلامُ ورَحمةُ الله»، وقالَ آخر: السلام عليك ورحمة الله، فقال: وعَليكَ السَّلامُ وَرَحمةُ الله وبركاته، وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال: وعَليكَ»، فقال الرجل: نَقَصْتَني: أي: الفضلَ الَّذِي حَيَّيْتَ بهِ الآخَرِينَ.
لا يُقالُ فعَلى هَذا لا يَتوجَّهُ قَولهُ: فأينَ ما قالَ اللهُ تعالى؟»، وتلا الآيةَ؛ لأنَّ ردَّ المِثْلِ عمل بالآية؛ لأنا تقول: ما فَهمَ الرَّجلُ أَنَّ في قوله: «وعَليكَ» ردَّ المِثْلِ، وزّعمَ أَنَّهُ ما لم يَزِدْ عَليهِ: ورحمة الله وبركاته، لا يكون رد المثل.
فقَالَ عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إِنَّكَ لم تَترُكَ لي فَضْلاً؛ حَيثُ بَلَغَ السَّلامُ غَايتهُ، فردَدْتُ عَليكَ مِثلَهُ، هَذا صَرِيحٌ في أنَّ الأمر بالرَّدْ عِندَ انْقِطَاعِ احتمالِ الفَضلِ، فكلمة «أو» للتنويع لا للتخيير.
فيه رد لصاحبِ الكشَّافِ حَيثُ قال: والتَّخييرُ إِنَّمَا وَقَعَ بَينَ الزِّيادةِ وتركها وفيه رد للإمامِ البَيضاوِي حَيثُ قال: وقيل: «أو» للتّردِيدِ بينَ أنْ يُحيي المُسلَّمُ ببعض التَّحِيَّةِ، وبَينَ أن يُحيي بتَمامِها: إذ لا وجه له؛ أي: للتخييرِ بَينَ أَمَرَينِ أحدهما أيسر، والآخرُ للوجوب، إنَّما قالَ هَذا؛ لأَنَّهُ يَجوزُ التَّحْيِيرُ بَينَ أمرين أحدهما أيسر في السننِ والنوافل.
قال صاحبُ العناية» في شرح قول صاحب الهداية»: «فإن فاتته صلوات) أذَنَ للأُولى وأقامَ، وكانَ مُتخيّراً في الباقي إنْ شَاءَ أَذَّنَ وأَقامَ، وَإِنْ شَاءَ اقْتَصَرَ عَلَى الإقامية»:
فإن قيل: إذا كانَ الرّفقُ متعيّناً في أحد الأمرين، فلا يَتَخَيَّرُ فيهما؛ كما في قصرِ صَلاةِ المُسافر، وهاهنا الرفقُ مُتعيّن في الإقامة وحدها، فما وجه التخيير؟
قُلنا: ذَلكَ بَينَ الشَّيئينِ الواجبينِ لا في السننِ والتَّطوعاتِ.
الجزء 1 · صفحة 10
تتمة: قالوا أي: قال المشايخ: لا بأس بردَّ سَلامِ أهلِ الأُمَّةِ؛ لما رُويَ أَنَّهُ عليهِ الصَّلاة والسَّلامُ قَالَ: «إذا سلَّمَ عَليكُمْ أهل الكتاب، فقُولُوا: وعليكم».
وفي «الخانية»: قالَ مُحَمَّدٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: يَقولُ المُسلِمُ: «وعليك»، يَنوِي بذلك السلام؛ لحديث مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «إِذا سلموا عليكُم، فردُّوا عَليهِمْ) وعليكمْ مِثلُ ما قُلتمْ: لتتسم المُجازاة؛ إِنْ خَيْراً فَخَيْرٌ، وإِن شرا فشر، ولا يزاد على: وعَليكُم»؛ لأنهم كانوا يَقولُونَ: «السام عليكم)، وبهذا التفصيل تبين القصور في تَفسِيرِ صَاحب (الكشَّافِ حَيثُ قال: أي وعَليكُمْ ما قلتمْ، لأَنَّهُمْ كَانُوا يَقولُونَ: السَّامُ عَليكُمْ).
وفي «المُحيط»: وأمَّا ردُّ السَّلامِ لا بأسَ بهِ؛ لأنَّ الامتناع عنهُ يُؤذِيهِمْ، والردُّ إحسان في حقهم، وإيذاؤُهُمْ مَكَرُوه، والإحسان بهم مندوب.
وفيه نظر؛ فإِنَّ قولهُ: «وإيذاؤهُمْ مَكروهُ» غَيْرُ صَحيح؛ لما صَحَّ عنه) عَليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «لا تَبدؤوهُمْ بالسَّلامِ والجِؤوهُمْ إلى مضَائِقِ الطُّرق.
وقد قال صاحبُ المُحيط» في باب ما يُؤخذ أهل الذمَّةِ بإظهارِ العلاماتِ: إِنَّ المُسلم يَجبُ تكريمه وإعظامه ومُوالاته واحترامه، والكافر يجب تحقيره وإصغاره.
تتمة: قالوا: تحيَّةُ النَّصَارَى وَضعُ اليد على الفم، وتحيَّةُ اليَهُودِ الإشارة بالإصبع.
عَن أبي أمامةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أَنَّه قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: الَيسَ مِنَّا مَن تَشَبَّهَ بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنَّصارى؛ فإن تسليم اليهود الإشارة بالإصبع، وتسليم النَّصارى الإشارة بالأكف، وتحية المَجُوسِ الانحناء، وتحية العَربِ: حيَّاكَ اللهُ تعالى، ويقولُونَ للمُلوكِ أنعِمُ صَباحاً، وتحيَّةُ المُسلِمِينَ: السَّلامُ عَليكُم وَرَحمةُ اللهِ وبركاته، وهي أشرَفُ التَّحِيَّاتِ وأكرَمُها.
قالَ الاِمَامُ الزَّاهديُّ الصَّفَارُ) في كتاب «السُّنَّة والجماعة»: جواب دادن سلام فريضة داني وبانگشت با يكف إشارة گردن بي گفتار رسم سلام جهود دان وترسابان داني ودهان دادن دست خويش بان كان بجاي سلام وجواب بدعت داني ودست بسينه نهادن وخوشتي کور کردن بيش کسي وبهز بين دهان دادن اين رسم مكان داني.
***
الجزء 1 · صفحة 11
فريدة:
القُرآنُ مُعجز للتَّقلَينِ - يعني: الإنس والجنَّ، قال العلامة [الزمخشري في «الفائق»: التَّقلُ: المَتاعُ المَحمُولُ عَلَى الدَّابة، وإِنَّما قِيلَ للإِنْسِ والجنِّ: الثَّقَلانِ؛ لأنَّهما قُطَّانُ الأرضِ، فكأَنَّهما ثَقَلاها.
دلَّ عَلى ذَلكَ قوله تعالى: {قُل لَّينِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القرءان} [الإسراء: ??] في البَلاغةِ والفَصاحة، وحُسنِ النَّظمِ، وسَدادِ المَعنَى ولا. يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ أعيدَ عِبارةُ المَثلِ؛ إشارة إلى منشأ العَجزِ، وتفخيماً لشَأْنِهِ، ولَمَّا كَانَ الاجتماع على أمر قدْ يَكونُ بدُونِ مُظاهرة بعضهم لبعض كاجتِماعِ المُجتَهدِينَ عَلى حُكم شرعي، قالَ: وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: ??]؛ أي: يعجزُونَ الإتيان بمثلِهِ عَلى أي حالةٍ كانَ.
وأمَّا أَنَّهُ مُعجز للمَلكِ أيضاً: ففيه اشتباه، حتَّى قَالَ الإِمَامُ البَيضاوي قُدِّسَ سِرُّهُ في تَفسِيرِ الآية المذكورة: ولعلَّهُ لم يَذكرِ المَلائِكَةَ؛ لأَنَّ إِتيانَهُمْ بِمِثْلِهِ لا يُخْرِجَهُ عَن گونه معجزا.
والحقُّ أَنَّهُ مُعجز له أيضاً، دلَّ عَلى ذَلكَ قَولهُ تَعَالَى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [النساء: ???، تَدبُّرُ الأمر: تأمله والنظر في أدباره، وما تؤول إليه عاقبته ومنتهاه، ثُمَّ استعمل في كلِّ تأمل سواء كان به نظر في حقيقةِ الشَّيء وأضرابه أو سوابقه وأسبابه، أو لواحقه وأعقابهِ، وَإِنْ كَانَ الاسْتِقاقُ يدلُّ عَلَى النظر في الأدبار والعواقب خاصة.
وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غير الله، لا يَذهُبُ عَليكَ أَنَّهُ يَنتظِمُ كَونَهُ مِنْ عِندِ المَلكِ والجِنِّ، فمَن قال في تفسيره: ولو كان كلامَ البَشرِ، فقد قصرَ لَوَجَدُ وأَفِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا مِن جهة الفصاحة والبلاغة، وإنما قالَ: كَثِيرًا: لأنَّ الاختلاف في الجُملة واقع في القُرآنِ؛ فإِنَّ بَعضهُ فَوقَ بَعض في الاشتِمالِ عَلى أنواع المزايا المُتعلقة بالبَلاغةِ، وذلك لعدم مُساعدة المَقامِ، فلا يُورتُ قُصُوراً في بلاغةِ الكَلامِ؛ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي عَجْزِ غَيْرِهِ تَعالى عَنْ إِبْيَانِ كَلَامِ عَلَى هَذَا النِّظامِ.
ولما اتجهَ أَنْ يُقالَ: لَمَّا كانَ العَجِزُ شامِلاً للمَلكِ، فَمَا وَجَهُ تَحْصِيصِ الثَّقَلَيْنِ بالذكرِ في قوله تعالى: {قُل لَئنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ} [الإسراء: ??]؛ أشار إلى الجَوابِ عَنهُ بقوله: وعَدمُ ذِكرِ المَلكِ معَ التَّقلَينِ لا لأَنَّهُ قادِرٌ عَلَى الإتيَانِ بِمِثْلِهِ، بَلْ لأنَّ الفِعل المذكُورَ وهُو التَّصدّي لمُعارضة كلام الله تعالى ممَّا لا يَليقُ بِشَأْنِهِ،
فلا يُناسب أنْ يُنسب إليهِ؛ فإنَّ الملائكة معصومونَ لا يَفْعَلُونَ إِلَّا مَا يُؤْمَرونَ. تَتَمَّةٌ: كانَ
الجزء 1 · صفحة 12
التَّحدّي أَوَّلاً بالإنيَانِ بمِثْلِ كُلِّ القُرْآنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثِ مِثْلِهِ} [الطور: (34)]، ثُمَّ أخبَرَ عَن عَجزهمْ عَن ذَلكَ بقَولهِ تَعالى: {قُل لَّينِ اجْتَمَعَتِ. الإنس والجن} [الإسراء:] الآية، ثُمَّ بعشرِ سُورٍ مِثْلِهِ بِقَولِهِ تَعَالَى: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ} [هود: (13)]، ثُمَّ لما ظَهَرَ عَجْزُهمْ عَنها أيضاً تحداهم بسُورةِ بقولِهِ تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ} [البقرة: ??]، وهَذا أبلغ إلزام، وأتم قطع لأهل الخصام. فائدة: الضمير في مِثْلِهِ: يعني) في قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ فِي رب مما نزلنا على عبدِنَا فَأْتُوا بِسُورة من مِثْلِهِ} (البقرة: (23)) للمُنزّل لا للمُنزّل عليه؛ لما سيأتي، والمعنى: إن كُنتم في شكٍّ مما أنعمنا عَلى عَبدِنا بحسب استعدادهِ في كَمالِ العُبودية.
فيه إشارة إلى الحِكمة في ذِكرِ المُنزلِ عَليهِ، وإلى النكتة في التعبير عنه بـ: وعبدنا بإنعامِ الوَحيِ مِن نِعمةِ القُرآنِ في أَنَّهُ مِن عِندنا زَاعِمِينَ أَنَّ مُعارِضَتهُ بِإيرادِ المِثلِ مَقدُورُ للبَشر عَلى ما أَفْصَحَ عنهُ قَولهُ تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا} [الأنفال: (31)].
{فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ} [البقرة: (23)]؛ أي: مِن مِثلِ المَقدُورِ البَشَرِ في زَعمِكُمْ، وقد أفصح عنْ هَذا المَعنَى في التَّحدي بعشرِ سُورٍ مُفترياتٍ، ولولا القصد إلى هذا، لكان الظَّاهِرُ أنْ يُقالَ: بمِثلِ سُورة منه، ورُجوعُ الضّميرِ: يعني في قولِهِ تعالى: ومن مِثْلِهِ للمُنزَّلِ عَليهِ لا يُساعِدهُ المَقامُ؛ لما عرفت فيما تقدَّمَ أَنَّ المقام مقام توسيع دائرَةِ التَّحدي؛ حَيثُ تَنزَّلَ مِن التَّحدي بكُلِّ القُرآنِ إلى التَّحدي بعشرِ سُورٍ، ثُمَّ إلى التَّحدي بشورة، فلا يُناسبه التضييق باعتبارِ شَرط زائد هاهنا، وهو أن يكون الآني بو أمياً، ولا يناسبه مساقى الكلام، وذلك لأنَّ الحديث في المنزل لا فِي المُنزَلِ عَليهِ، وهُو مَسوقٌ إِلَيْهِ ومَربُوطٌ بِهِ، فحقُهُ أَنْ لا ينفك عنه برد الضمير إلى غيره.
وأيضاً قوله تعالى: {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ} [البقرة: ??] بمنزلة: {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ في قَوْلِهِ تَعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَنَةٌ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وَأَدْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ} [يونس: ??]، فهو أمرٌ بأَنْ يَستَعِينوا بِكُلِّ مَن يَعينُهم في ذلك، فلا وجة للاشتراطِ المَذْكُورِ؛ لأنَّ الرُّخصة في الاستعانة مِن غَيرِ الأمرِ تُبطل فائدة التضييق بالاشتراطِ المَذكُورِ، وأيضاً لا بدَّ مِن قَيدِ المُماثلةِ بَينِ المُنزَلِ والمأمور) بإتيانهِ، وعَلى تَقدِيرِ عَودِ الضَّمِيرِ المَذْكُورِ إِلَى المُنزَلِ عَلَيهِ يَلزمُ أَنْ يَكُونَ الكَلامُ خِلُوا عَن ذَلكَ القَيدِ المُهم، وهَذا ما أشَارَ إِلَيْهِ بِقَولِهِ: فِيهِ تَركُ المُهمَّ المَرعي في سَائِرِ التَّحدّي، فيهِ إِشَارَةٌ إلى وَجهِ آخرَ لوُجوعِ الضَّمِيرِ إِلَى المُنزَلِ، وَذَلكَ أَنَّ القُرآنَ يُفسِّرُ بَعضُهُ بَعضاً، فالمُحتملُ في بَعضِ المَواضِعِ يُحملُ عَلَى المُتعيِّنِ في موضع آخر، فتدبَّر.
الجزء 1 · صفحة 13
وأيضاً لا يتم الاستدلال على أنَّ القُرآنَ كَلامُ الله تعالى حينذ: أي: عَلى تقدير رُجوع الضمير إلى المنزلِ عَليهِ؛ إذ الثَّابِتُ حِينئذ أَنَّ القُرآنَ لَيسَ بِكَلامِ المنزل عليه، ولا يلزمُ مِن عَدمِ گونه كَلامَهُ أَنْ يَكُونَ كَلامَهُ تَعَالَى؛ لجَوازِ أَن يكون كلام شخص آخر، وهذا ما أشار إليه بقوله: لَجَوازِ أَنْ يَكُونَ القُرآنُ كلامَ غَير أُمّي، ولا يتجهُ هَذا عَلى تقديرِ رُجوعِ الضَّمِيرِ إلى المُنزلِ: لعَدمِ التّعرض بجانب المُنزِلِ عَليهِ حِينئذ.
فريدة:
أمرُ السُّجودِ للمَلائكةِ المَذْكُورُ في قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَيْكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا} [طه: (116)] كانَ كَرامةٌ لآدمَ عَليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ؛ بدَليل قولهِ تَعَالَى حِكايةٌ وَأَرَهَيْنَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَى وأنا خَيْرٌ مِّنْهُ} [الإسراء: (62)]، وتلكَ الكَرامة لأولادِهِ كانَتْ مِن جهتهِ، فنبَّهَ عَلى ذَلكَ بقَولِهِ: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ادم [الإسراء: (70)]؛ حَيثُ عَبر عَنهم بنسبتهم إلى آدَمَ عَلَيهِ السَّلامُ، إشارة إلى أنَّ مَنشأ الكرامة تلك الجهة.
وفيه - أي: فيما ذُكرَ - إثباتُ الكَرامَةِ لآدمَ عَليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ بطَريقِ الدّلالةِ، ومَنْ ذَهبَ عَليهِ هَذِهِ الدَّقيقةُ الأنيقةُ فَسَّرَ بني آدمَ في قَولِ صَاحِبِ المَواقِفِ» بنَوعِ الإنسان؛ ليتناول آدم عَليهِ الصَّلاة والسلام).
ولا يخفى لطفُ التَّعْليبِ فِي بَنِي آدَمَ؛ يعني: أَنَّ المُرادَ أُولادُ آدَمَ عَليهِ السَّلامُ، إِلَّا أنَّهُ عَلَّبَ النُّكورَ عَلى الإناث؛ لأصَالة جانبهم في الكرامة، فافهم.
أراد التكرِيمَ المُشترك بين أفرادِ ذَلكَ الجِنسِ لمَّا أَبهم في جهة التكريم للتعظيم، وأنى بالتعويم في جانب المُكرّم؛ حيث ذكره بصيغة الجَمعِ النَّصَّ في التكثيرِ دُونَ اسمِ الجِنسِ المُحتمل للتقليل والتكثِيرِ، تضمن أول الكلام وآخِرَهُ للمبالغة، فكان أحرى أنْ يُصدر الكلام بأداة التَّأْكِيدِ مرَّةً بعد أُخرى.
قبل: ومِن جُملةِ كَرامَتِهِ أَنَّ كُلِّ حَيوان يتناول الطعامَ بِفِيهِ إِلَّا الإِنْسَانَ فَإِنَّهُ يَرفعُهُ إلَيهِ يده، وفيهِ نَظر؛ لأنَّ بعض الحيوانات الخسيسة كالقردة تُشاركه فيما ذُكر، فلا يصلحُ كَرامةٌ ولا خاصيَّةٌ لهُ.
ثُمَّ قَالَ: وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ} [الإسراء: ??] حتَّى لَمْ نَحْسِفْ بهِمُ الأَرْضَ، ولم نُغرقهم في الماء، أو حملناهُمْ عَلى الدَّوابِّ والسُّفْنِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَتِ مِن ضُروب المُلاةٌ وقُنونِ النِّعَمِ ما لم نَجعَلَهُ لواحِدٍ مِن سَائِرِ الحَيواناتِ، وَفَضَّلْنَهُمْ) تفضيلاً مشتركاً كَذلكَ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا) بالشرف والكرامة، أتى بالتأكيد هاهنا؛ اهتماماً لكَونِهِ مَعنوياً، بخلافِ تِلكَ الجِهَاتِ الثَّلاثِ، ولأنَّ الأحكام
الجزء 1 · صفحة 14
المذكورةَ مِن شَواهِدِ هَذَا الحُكمِ، فكأَنَّ شَهادتها تأكَّدتْ بَعضُها بِبَعضٍ، فَظَهَرَ أَثرُ تِلكَ الشَّهادة في الدعوى.
ولمَّا كان سياقُ الكَلامِ في النعمِ المُشتَرَكَةِ بَينَ أفرادِ الإِنْسَانِ شَريفها وخسييها كما نبهتُ عَليهِ فيما تقدَّمَ، ظَهرَ وَجهُ تَخصيص الحُكمِ المَذْكُورِ بالكثير في جانبِ المُفضلِ عَليهِ؛ فإنَّ كُلَّ فَردِ مِن أفرادِ الإِنْسانِ غَيرُ مُفضَّل على جميع ما عداها: أي: ما عدا أفراد الإنسان، وذلكَ ظَاهر، فلا دِلالة فيه؛ أي: في التخصيص المَذْكُورِ عَلى عَدمِ تفضيل جنسِ الإِنسِ عَلى جِنسَ المَلكِ؛ لأنَّ فِي تفضيل جنس على جنس آخر لا حاجة إلى تفضيلِ جَميعِ أَفرَادِ الأَوَّلِ عَلَى جَميعِ أفراد الثاني، بل يكفي تفضيل فردِ مِنَ الأَوَّلِ عَلَى جَميعِ أفراد الثاني، وبهذا التفصيل) انگشفَ وَجهُ انْدِفاعِ وَهم صاحبِ «الكشَّافِ»، واتَّضَحَ فَسادُ ما قِيلَ في دفعه، ولا يلزم من عدم تفضيل الجنس عدمُ تَفضِيلِ بَعض أفراده، ولكَ أنْ تقول: لا بدَّ مِنَ التَّخصيص المذكور؛ إخراجاً للمُفضَّلِ عَن جُملةِ المُفضَّلِ عَلَيْهِ، فلا دلالة فيه على محل الخِلافِ بَينَ الفَرِيقَينِ.
تتمة: المسألة - يعني: مسألةَ تَفضِيلِ البَشَرِ عَلى المَلكِ - مُختلف فيها بين أهل السنة والجماعة، منهم من ذهب إلى تَفضِيلِ المَلائِكَةِ، وَهُو مَذهَبُ ابن عباس رَضِيَ اللهُ عَنهُما، واختيار الزجاج على ما نقله في التقريب»
ومنهم مَن فصَّل فقالَ: إنَّ الرُّسلَ مِن البَشَرِ أَفضَلُ مُطلَقاً، ثُمَّ الرُّسُلُ مِن الملائكة على مَن سواهمْ مِن البَشرِ والمَلائكَةِ، ثُمَّ عُمومُ المَلائِكَةِ عَلَى عُمُومِ البشر، وهذا ما عَليهِ أصحَابُ أبي حنيفة، وكَثيرٌ مِن الشَّافِعِيَّةِ والأشعريَّةِ.
ومنهم مَن فضَّلَ الكُمَّلَ مِن نَوعِ الإِنسَانِ نبيَّاً كَانَ أو وليَّاً.
ومنهم مَن فضَّلَ الكُروبيين مِن المَلائكةِ مُطلَقاً، ثُمَّ الرُّسلَ مِن البَسْرِ، ثُمَّ الكملَ مِنهمْ، ثُمَّ عُموم المَلائِكَةِ عَلى عُمومِ البَشرِ، وَهَذَا مَا عَليهِ الإِمَامُ فَحْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ، وبهِ يُشعرُ كَلامُ الغزالي في مواضع عديدةٍ مِن كُتبه.
قال صاحبُ الكَشفِ شَارِحُ الكشافِ»: هَذِهِ المَسأَلةُ، وَمَسألة تفضيل الأئمة (ليستا مما يُبدعُ الذاهب إلى أحد طرفيها؛ إذ لا يرجع إلى أصل) في الاعتقاد، ولا يستند إلى قطعي بَعدَ أنْ يسلم مِنَ الطَّعن، وما يُخل بتعظيم في المسألتين.
الجزء 1 · صفحة 15
لائحة قدسية:
الريب في أنَّ القُرآنَ كَلامُ الله تَعَالَى مُنَزَّلُ مِن عِندِهِ إِنَّما يزول بِعَجزِ جِنسِ البشرِ أُميّاً كانَ أو غَيْرَ أُمِي عَن إتيانِ مِثلِهِ، لا بعَجزِ الأُمِّيِّ فقط؛ لأنَّ عَجزهُ لا يَستلزِمُ عجز غيره.
تمام الكلام) يعني: قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا شور قر من مثله} [البقرة: ??] في مقام التحدي على تقديرِ رُجوع الضمير في مِثْلِهِ إلى المُنزَلِ دُونَ المُنزَلِ عَليهِ، ولَمَّا اسْتَشعَرَ أَنْ يُقالَ: إِنَّهُ عَليهِ السَّلامُ كانَ أُمياً فيكفي في تمامِ التَّقريبِ عَجزُ الأُمي عنه)، تدارك دفعه بقوله: وگونه عَليهِ السَّلامُ أُمياً لا يُجدِي؛ لاحتمالِ أَنْ يَتعلمهُ مِن غَيرِ الأُميِّ، فَعَجِزُ الأميِّ عَنهُ لا يَكونُ دَليلاً عَلى كَونِهِ مُنزَلاً، وهذا الاحتمال مما صر حوا بهِ وجَعَلُو ذَريعة للدخل) فيهِ عَلى ما نَطقَ بهِ نص الكِتابِ، وهو قوله تعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} [النحل: (103)]، فلا وجه لما قيل قائله صاحب «الكشاف»، وتبعه الإمام البيضاوي: والرد إلى المنزل أوجه: لما عرفتَ أَنَّهُ لا وَجهَ الرَّد إلى المُنزَلِ عَلَيهِ.
لائحة قدسية:
المُرَادُ بالإمام الذي يُدعَى به الأناس يَومَ القيامةِ المذكور في كلام الله تعالى الملك العلام " كِتابُ الأحكام لا كِتابُ الأعمال، كما سبق إلى بعض الأوهام، قال الله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسِ بِاسمِهِمْ} [الإسراء: (71)]؛ أي: كُلَّ جماعة من الإنس بمن انتموا به من كتاب.
قال ابن زيد): أراد) بالكِتابِ المُنزَلَ عَليهِمْ: أي: يُدعَى كُلُّ إنسان بكتابه الَّذِي كانَ يَتْلُوهُ، فيُدعَى أهلُ التَّوراةِ بالتَّوراةِ، وأهل الإنجِيلِ بالإِنجِيلِ، وأهل القُرآنِ بالقُرآنِ؛ لقولهِ تَعالى في سورة الجَاثِيةِ: {كُل أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كتابها اليوم} [الجاثية: ??]، دل هَذا عَلى أنَّ المُرادَ مِن الإمام الكِتابُ، فاندفع احتمالُ أَنْ يُرَادَ بِهِ النَّبِيُّ عَليهِ السَّلامُ أو المقدم في الدين. والمدعو إلى كتاب الأعمال كلُّ واحدٍ من الإنس، لا كل جماعة منه؛ لعدم الاشتراك بين الاثنين في كتاب واحد، وكلمة: (إلى) صلة المتروك لا صلة المذكور، تقديره: تُدعَى مَنسُوبةٌ إلى كتابها، لمْ يُرِدْ أَنَّ هَاهنا مَحذُوفا، بلْ أراد تقدير الكلام وتصوير المعنَى عَلى طَريق التضمين؛ إذ لا دعوة إلى كِتابِ الأحكام يوم القيامة.
وما قيل في هَذا المَقامِ): الإمامُ جَمعُ أم؛ كالخفافِ جَمعُ خُفٌ، والحكمة في ذلك؛ أي: في الدعوة بإمَامهمْ إجلالُ عِيسى عَليهِ السَّلامُ، وإظهارُ شَرفِ الحَسنين، وأن لا يفتح أولاد الزنا، فكأَنَّ هَذا القائل غافل عَن مَعنَى الأَناسِ وَالأُمِّةِ؛ فَإِنَّ المدعو بأمة كُلُّ واحدٍ مِن الإنس، لا كُل جماعة منه.
الجزء 1 · صفحة 16
وقد ثبت في الصحيحينِ مِن الحَديثِ ما يدلُّ عَلَى أَنَّ النَّاسَ يُدعَونَ فِي الآخرة بأسمائهم وأسماء آبائهم وأيضاً: كِتابُ الأعمالِ يُؤتى به عَلى ما أَفصَحَ عَنهُ قَولهُ تَعَالَى: {فَمَنْ أُوتِيَ كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ، فَأُولَبِكَ يَقْرَءُونَ كِتبهُمْ} [الإسراء: (71)]؛ لا أَنَّهم يأْتُونَ إليه.
لائحة قدسية:
الدُّنيا ظَاهرُ والآخرة باطن، قال الله تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَهِرَا مِنَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَاوَهُمْ عَنِ الآخِرَ وهُوَ غَفِلُونَ} [الروم: (7)] كانَ الظَّاهِرُ أنْ يُقالَ: وهُم عَنْ باطِنها غَافِلُونَ، فَكَأَنَّ العُدول عَنهُ إلى ما ذُكرَ؛ للإشارة إلى أنَّ الآخِرَةَ باطِنُ الدُّنيا.
قالَ بَعضُ الكُمَّلِ: دران روز اجسام در ارواح كم شود جنانجه امروز أرواح در اجسام کم است. وقد لوح جَلالُ الدِّينِ قَدسَ سُرُّهُ العَزيزُ إلى هذا المعنى بقوله: بوستين بون بار کونه برکند کوه را ارنيج واز بن برکند.
ولعلك إذا تأملت فيما أشرنا إليه يَنكَشفُ لكَ وَجهُ الجَوابِ مَن سُؤالِ مَن قَالَ: إنْ لمْ يَكنِ البَصيرُ في هَذهِ الدَّارِ مُعاداً في دارِ الآخِرَةِ بِعَيْنِهِ؛ أي: ببَصرِهِ، يَلزمُ أَنْ لا يَكونَ المَعدُومُ مُعاداً بعينه، واللازم خلافُ مَذهب أهلِ الحَقِّ.
وقد أخبرَ اللهُ تَعالى في كَلامِهِ القَديمِ عَن ثُبوتِ القِدَمِ؛ حَيثُ قَالَ حِكايةٌ عَن بصير حشر (?) أَعْمَى رَبِّ لِمَ حَشَرْتَفِ أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا} [طه: (125)]. وذلك بحكم ما أشير إليه من الانقلاب، فلا نقصان للمعاد كما لا يخفى عَلى ذَوي الأَلْبَابِ.
لائحة قدسية:
لا تأييد في القَولِ المَذْكُورِ: يعني: في قولهِ تَعَالَى: {رَبِّ لِمَ حَشَرْتَفِ أَعْمَى وقد كنت بصيرا} [طه: (125)]؛ لما قيل من أنَّ المُرَادَ مِن الأَعْمَى فِي قَولهِ تَعَالَى: وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَعْمَى أَعْمَى البَصرِ دُونَ القَلبِ، القائل هو الإمامُ البيضاوي في تفسيره: لما عرفت أنَّ في ذلك اليوم تظهر البصيرة، ويستر البصر، فمن لا بصيرة لهُ في الدُّنيا يُرى أعمى في الآخِرَةِ، وَكَأَنَّ ذَلكَ القائل غافل لم يتأمل في قوله تعال: إنها لا تمس الأَصرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتي في الصُّدُورِ} [الحج: (46)].
قالُوا: لمَّا نَزَلَ قَولهُ تَعَالَى: {وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى} [الإسراء: ??)،
الجزء 1 · صفحة 17
جاء عبد الله ابن أم مكتوم إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، أنا في الدُّنيا أعمى، أفأكُونُ في الآخِرَةِ أَعْمَى؟ فأنزلَ اللهُ تعالى: {فَإِنَّهَلَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: (46)]
فإن دلالته على ما ذكره في غاية الظهور، ومن لم يجعل الله لهُ نُوراً فما له من نُورٍ.
لائحة قدسية:
ما ورد في كلمةِ الكَملةِ مِن أنَّ الحَسْرَ رُوحاني، وكذا اللذه والألم في تِلكَ الدارِ رُوحانيَّانِ، قال القاشانيُّ في تَفسِيرِ قَولهِ تَعالى: {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَابْقَى) [طه: ???]: وإِنَّما كانَ عَذابُ الآخِرَةِ أَشدَّ؛ لكونهِ رُوحانيَّاً لَيسَ بإنكار لما هُو مِن ضروريَّاتِ الدِّينِ والحَشْرُ الجسمانيُّ مِن ضَروريَّاتِ دِينِ الإِسْلامِ، وَكَذَا العَذابُ الأليم في الجَحِيمِ والنَّعيمِ المُقيم في دارِ الخُلدِ الجسمانيينِ مِن الضَّرورياتِ؛ لأنَّ الرُّوحَ عِندهم جسمٌ لَطيفٌ لا جَوهِرٌ مُجرَّدُ كَما قالَ الفَلاسِفةُ، فحصرهمُ الحَسْرَ في الروحاني إنكار للحشر الجسماني، بخلافِ حَصرِ المَشايِخِ الرَّبانيين؛ لما عرفتَ أَنَّ الرُّوحَ) عِندهم جسم فحشرُ الرُّوحِ حَشر جسماني.
***
لائحة قدسية:
الرُّوحُ مِن عَالم الأمرِ؛ إِنَّ الله تعالى خَلَقَ العوالم كثيرة كما جاء في الخبر بروايات مختلفة، ولكنَّهُ جَعلَها مَحصُورةً في العالمين، وهما عالمُ الخَلقِ وعَالِمُ الأمرِ: كَما قال الله تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمر تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: (54)] عَلى ما أشير إلَيهِ في قوله تعالى: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: (85)]، عبر عن عالمِ الدُّنيا - وهو ما يُدرك بالحواس الخمس الظاهرة - بالخَلقِ، وعبر عن عالم الآخرة - وهو ما يُدرك بالحواس الخمس الباطنة وهي العقل والقلب والسر والرُّوحُ والخفي بالأمر.
عالم الأمرِ: هُو الأوليَّاتُ العَظائم الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ تَعَالَى للبقاءِ؛ مِنَ الرُّوحِ، والعقل، والقلم، واللوح، والعرش، والكُرسي، والجنة، والنَّارِ، سُمي عالم الأمرِ أمرا؛ لأنَّهُ تعالى أوجده بأمرِ (كُنْ مِن لا شيء بلا واسطة شيءٍ، قالَ اللهُ تَعَالَى: خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم: ?].
لمَّا كانَ أمرُ اللهِ) قَدِيماً، فما كَانَ بالأمرِ القديم كانَ باقياً وإنْ كانَ حادثاً، وسمي عالمُ الخَلقِ خَلقاً
الجزء 1 · صفحة 18
لأَنَّهُ أو جده بالوسائط مِن شَيءٍ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ} [الأعراف: (185)]، ولما كانَ خَلقه بالواسطة كانَ المَخلُوقُ فانياً؛ أي: جميع ما في عالمِ الخَلقِ فانياً، وكُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: ??]؛ فَإِنَّ لكُلِّ شَيء وَجها باقياً، وهُو مَلَكُوتُ ذَلكَ الشَّيء، ولكلِّ شيءٍ مَلكُون؛ أي: حظ من عالم الأمر لا يتطرقه الفناء؛ لأنَّهُ مَحفُوظ بالقُدرةِ الكامِلةِ عَلَى مَا أَشَارَ إليه بقولهِ تعالى: يَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} [المؤمنون: ??].
اعلَمْ أَنَّ الرُّوحَ الإنساني - وهُو أَوَّلُ شَيءٍ تَعلَّقتْ بِهِ القُدرة - جوهرةٌ نُورانِيةٌ، ولطيفة ربانية من عالم الأمر، وهو الملكُوتُ الَّذِي خُلقَ مِن لا شيء، وعالم الخَلقِ، وهو الملك الَّذِي خُلقَ مِن شَيءٍ، قالَ اللهُ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ} [الأعراف: (185)]، أي: لما تقرر، وممَّا تَقدَّمَ بيانه ظهر هذا المعنى؛ كون الرُّوحِ مِن أمره تعالى من عالم الأمر والبقاء، لا من عالم الخَلقِ والفَناءِ.
اعلَمْ أَنَّ رُوح مُحمد صلى الله عليه وسلم أَوَّلُ بَاكُورة أثمرها الله تعالى بإيجادهِ مِن شَجرة الوجود، وأول شيء تعلقت به القدرة، شرفه تشريف إضافته إلى نفسه تعالى؛ فسماه (رُوحِي)، كما سمّى أَوَّلَ بَيتٍ مِن بُيوتِ اللهِ تعالى وضع للنَّاسِ (بيت الله)، وشرفه بالإضافة إلى نفسهِ تَعالى، ثُمَّ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَخلُقَ آدَمَ عَلَيهِ السَّلامُ سَوَّاهُ ونَفخَ فِيهِ مِن رُوحه؛ أي: مِنَ الرُّوحِ المُضاف إلى نفسه، وهُو رُوحُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فكانَ رُوحُ آدَمَ عَليهِ السَّلامُ مِن رُوحِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فهو أبو الأرواح، كما أنَّ آدمَ عَليهِ السَّلامُ أبو الأشخاص، قال: كُنتُ نبياً وآدم بَينَ الماءِ والطِّينِ، وهَذا أحد أسرارِ قولهِ صلى الله عليه وسلم: «آدمُ وَمَنْ دُونَهُ تَحتَ لِوائي يوم القيامة»
سانحة قدسية:
أنتَ حَيَوانٌ بجَسدِكَ الكَثيفِ، مَظهرُكَ ظَاهِرُ عالمِ الحَركةِ: يعني: مَظهر الحس المُسمَّى بعالم الملك ملك بجسمك اللطيف، مظهرُكَ باطِنُ عالمِ الحَركة؛ يعني: مظهر الخَيالِ المُسمَّى بعَالمِ المَلكُوتِ، إنسَانٌ بجَوهِرِكَ اللَّطِيفِ عَن كُدوراتِ عالم الكون والفسادِ، ومَظْهَرُكَ عالمُ السُّكون: يعني: مَظهَرَ العَقلِ المُسمَّى بِعَالمِ الجبروت، أمَّا جَسدُكَ الكَثيف: فهو هَذا الهَيكلُ المَحسُوسُ المركَّبُ مِنَ العَناصِرِ الأربعة، وأما جسمك اللطيف: فذاكَ الرُّوحُ الذي يقبضه مَلكُ المَوتِ إذا جاءَ الأَجَلُ.
وأمَّا جوهرُكَ اللطيف: فتِلكَ النَّفْسُ المُجرَّدةُ الَّتِي يتوفَّاهَا اللهُ تَعَالَى حِينَ مفارقتك من الدنيا.
الجزء 1 · صفحة 19
ذكر الخطيب أبو بكرٍ عنْ مَالك بن أنسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أَنَّ مَلكَ المَوتِ يَقبضُ الرُّوح، والله تعالى يتوفَّى الأنفُسَ حِينَ مَوتِها، ذكَرَ في «التَّذكرةِ»؛ يعني: الإِمَامَ القُرطبي: أَنَّ الرُّوحَ جسمٌ لَطيفٌ مُشابك للأجسامِ) المَحسُوسة، يُجذَبُ ويُخرَجُ - يعني من البَدنِ - وفي أكفانِهِ يُلف ويُدرَجُ، وبه إلى السَّماءِ يُعرَجُ، فيُفتح باب السماء للسعيد، ولا يُفتح للشقي، فيرد إلى أسفل السافلين، لا يموتُ ولا يفنى، وهو مثاله أول وليس له آخر، وهو بعينين ويدين، وأنه ذو رُوح طيب وحبيث، وهذه صفة الأجسام لا صفة الأعراض.
وهَذا غَايَةٌ في البَيانِ، ولا عِطَرَ بَعدَ عَروس، هَذا أصح ما قيل فيه، وقد اختلف الناس فيه اختلافاً كثيراً، وهو مذهب أهل السنة والجماعةِ، وَكُلُّ مَن يَقولُ: إِنَّ الرُّوح يموتُ ويفنى فهو ملحد، وكذلك مَن يَقولُ بالتناسخ. إلى هنا كلامه.
وإذا انكشف لك حالُ الرُّوحِ، فقد وقفت على عالم البرزخ وأحوال القبر، وما فيه من الألم واللذة الجسمانيين، وانجلى عِندكَ وَجهُ كَونِهِ رَوضَةً مِن رِياضِ الْجَنَّةِ، أو حفرةً مِن حُفِرِ النَّيرانِ، وكانَ عِندِكَ حلُّ شُبهاتِ المُنكِرِينَ عَلَى طَرفِ الثَّمَامِ. تتمَّةٌ لمَّا عَرفتَ حقيقةَ الرُّوحِ الإنساني، فقد وقفت على سر المعراج الجسماني؛ يعني: عَلَمتَ أَنَّهُ لا يَلزمُ أَنْ يَكونَ بالجَسدِ الكَثِيفِ والهَيكَلِ المَحسُوس، وانكشف لديكَ وَجهُ قَولِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنها: ما فُقَدَ جَسَدُ مُحَمَّدٍ عَليهِ السَّلامُ لَيلَةَ المعراج، ولكِنْ عُرِجَ بُرُوحِهِ، هَكَذَا ذُكرَ الحَديثُ في «الكشَّافِ»
ومَن غَفَلَ عَن آخرِهِ؛ يعني عَن قَولِهِ: ولكنَّهُ عُرجَ بِرُوحِهِ، والغافِلُ الفَاضِلُ سَعدُ الدِّينِ التَّفتازاني تعسف في تأويله، ذكرهُ في شَرحِ العَقائدِ حَيثُ قالَ: والمَعنَى ما فقد جَسدُهُ عنِ الرُّوحِ، بل كانَ معَ رُوحه، وكانَ المِعراج للرُّوحِ والجَسدِ جميعاً (?).
ولا خَفاءَ فِي أَنَّ ما ذكره في آخرِ الحَدِيثِ لَا يَتَحمَّلُ هَذَا التَّأْوِيلَ.
سانحة حدسية:
الموتُ والحَياةُ مِن مَخلُوقاتِ عَالمِ الملكُوتِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ والحيوة} [الملك: (2)]، والخَلقُ هُنا غَيْرُ مُقابل للأمر، بلْ عَلَى المَعنَى اللُّغوي العام، ولكل منهما صُورةُ مِثالية) في ذلك العالم بها يُرى ويُشاهِدُ، يُشَاهِدُهُ مَن يَغِيبُ عَن عَالمِ المُلكِ ومَن يُنسلخ عن البدني.
ولقد جاءَ في الخَبرِ عَن خَيرِ البَشَرِ: أَنَّ المَوتَ يُؤْتَى بِهِ) يَومَ القِيامَةِ، وَيَنظُرُ إِلَيهِ أهل المحشرِ في
الجزء 1 · صفحة 20
صُورةِ كَبش ويُذبحُ، يذبحه يحيى عَليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ بَينَ يدي محمد).
و من هاهنا انگشفَ وَجهُ التَّعبيرِ عَن إدراكه؛ أي: عَن إدرَاكِ المَوتِ ومَعرفَتِهِ بالذوقِ في قولهِ تَعَالَى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} [الدخان: (56)، دُونَ سَائِرِ أَسبَابِ الإدْراكِ مِنَ الحواس، واندفعَ الإِشْكالُ عَنِ اتِّصالِ الاستثناء إذ حِينَذ؛ أي: على تقديرِ التجوز المَذْكُورِ في الذَّوقِ يَكونُ المَعنَى: لا يَعرِفُونَ فيها الموت إلا الموتة الأولى، ولا تكلُّف فيهِ، ومَن لمْ يَدْقُ هَذا كصاحبِ «الكشاف»، والإمام البيضاوي، ومن تبعهما تكلف في توجيه الاستثناء المذكور
حيث قال: أريد أن يُقال: لا يَدوقُونَ فيها الموت البيَّة، فَوَضعَ قوله تعالى: {والا المونة الأول} موضع ذلك؛ لأنَّ الموتة الماضية محال دونها في المستقبل، فهو من بَابِ التعليق بالمُحالِ، كأنه قيل: إن كانتِ المَوتَةُ الأُولى يستقيمُ ذَوقُها في المستقبل، فإنهم يذُوقُونها".
تتمة: لكُلِّ شَيءٍ مِن عَالم المُلكِ جوهراً كانَ ذلك الشيء أو عرضاً حقيقةً بها يَكونُ الشَّيءُ ذَلكَ الشَّيء، ولكُلِّ حَقيقة مِن تِلكَ الحَقائقِ صُورَةٌ مِثاليةٌ بها تُرى تِلكَ الحقيقة، وتُشاهدُ في عَالمِ المَلكُوتِ، َوهُوَ عَالمُ المِثالِ، وعَالمُ الغَيبِ، ومَن أمَعَنَ في سرِّ هَذا المَقالِ) فقَدْ أَذعَنَ حُكمَ رُؤية الأعمال؛ فإِنَّ لها صُوراً مِثالِيَّةٌ في عَالمِ المَلكُوتِ عَلى ما وَردَ في الخَبرِ عن خير البشر، وقالوا في تَفسِيرِ قوله تعالى: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ} [الأنعام: (31)] مِن أنَّ المُؤمِنَ إِذَا خَرجَ مِن قَبرِهِ استقبلَهُ شَيءٍ هُو أحسَنُ الأشياءِ صُورةً، وأطيبها ريحاً، ويَقولُ: أنا عَملُكَ الصَّالِحُ، طَالَما رَكبتُكَ في الدُّنيا، فاركَبنِي أنتَ اليومَ، فَذَلكَ قَولهُ تَعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفَدَا} [مريم: (85)]؛ أي: رُكباناً
وإِنَّ الكافر إذا خَرجَ مِن قَبره استقبلهُ شَيءٌ هُو أقبَحُ الأَشياء صُورةً، وأخبثها ريحاً فيقول: أنا عملك الفاسد، طالما ركبتني في الدُّنْيَا، فأنا أركبكَ اليَوم، فذلك قوله تَعالى: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ} [الأنعام: ??].
وتبيَّنَ عِنده أَنَّ قَولَهُ تَعالى: {لَبُرَوْا أَعْمَلَهُمْ} [الزلزلة: (6)] صَدرُهُ قوله تعالى: {يَوْمَيذِ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْنَانًا} [الزلزلة: (6)] ((3)) عَلى حَقيقَتِهِ، وكَذا قوله تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرِ تُحْضَرًا} [آل عمران: ??]، ومَن صَرفه عن ظاهره؟ كَصاحب «الكاف»، والإمام البيضاوي، ومن حذا حذوهما، وقال في تفسيره:
ليروا جزاء أعمالهم)، وقال في تفسير الآية الأخرى: جَزاء ما عَمِلَتْ مِن خَيرٍ لم يكن في رؤيةِ
الجزء 1 · صفحة 21
العَمَلِ عَلى بَصيرة وروية.
***
سانحة حدسية
لكلّ شَيءٍ مِن عَالم المَلكِ لِسانٌ مَلكُوتي، لكل ذرة من ذراتِ المَوجُوداتِ في عالم الشهاداتِ لِسانٌ مِن عَالمِ الغَيبِ لا يَراهُ البَصر، ولا يسمع صوتَهُ الرُّوحاني الأُذُنُ، بهِ؛ أي: بذَلكَ النِّسانِ نَطقَ الحصا في يدِ النَّبِيِّ عَليهِ السَّلامُ، ونَطقَتِ السَّماواتُ والأرضُ حِينَ قالَتا أنينَا طَابِعِينَ [فصلت: (11)].
وبهِ؛ أي: بذَلكَ اللّسانِ تَشهدُ أجزَاءُ الإِنسَانِ عَليهِ يَومَ الجَزاءِ، وَيَقُولُونَ: أَنطَقنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [فصلت: ??] حِينَ يَقُولُونَ لجُلُودِهم: لِمَ شَهِدتُّمْ
عَلَيْنَا [فصلت: ??].
وتُحدِّثُ الأرضُ عمَّا حَدثَ عَليها؛ كَما قال تعالى: {يَوْمَيذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا [الزلزلة: (4)]، ينطقها الله تعالى، فتخبر بما كانَ فيها.
وتُسبِّحُ الأشياء؛ كما قالَ اللهُ تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَيحُ بِدِهِ} [الإسراء: (44)]، يَحمدُهُ عَلى نِعمة الإيجادِ والتَّربيةِ عَلى وَجهِ يَليقُ بشَأْنِهِ، مُنزّهاً لَهُ تَعَالَى عَن شَينِ النَّقص والقُصور، بَعضُهُ؛ أي: بَعضُ جِنسِ الشَّيء يسبِّحُ بِلِسَانِ الشَّهَادَةِ، وذَلكَ ظَاهِرٌ، وبَعضُهُ بلِسانِ الغَيبِ، ولذلك؛ أي: ولكون تسبيح بَعض الأشيَاء بِلِسانِ الشَّهادةِ، ومِن شَأنهِ أَنْ يَكُونَ مَسموعاً لمْ يَنفِ السَّماعَ، بل نفى الفقة؛ حَيثُ قال تعالى: {وَلَكِن لا نفقَهُونَ تَسبيحَهُمْ} [الإسراء: (44)]، ومَن لم يفقه هَذهِ الدَّقيقَةَ زَعَمَ أَنَّ الأَنسَبَ لحقيقة والذكرُ القلبِيُّ المَنقُولُ عَن بَعضِ) أصحَابِ القَبولِ بِذَلكَ النِّسانِ كَما لا يَحْفَى على أرباب العرفان.
لائحة قدسية:
أسند الختم في قوله تعالى: {الْيَوْمَ نَفْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ} [يس: (65)] إلى نَفسهِ تعالى دُونَ الكَلامِ والشَّهادة في قوله تعالى: {وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم) [يس: (65)]؛ دفعاً لوَهم الإجبار: إظهاراً لتوسيط الاختيار بعد الاقتدار على النطق والتكلم، عَلى ما نَطقَ بهِ قوله تَعَالَى: {وَأَنطَقْنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [فصلت: ??]، فلا مَساغَ للتّأويل؛ لظهورِ آثارِ المَعاصِي عَليها، ودِلالتها على أفعالها
الجزء 1 · صفحة 22
ولما كان كلام الأيدي إقراراً عَلى الغَيرِ المُنكر، نُزِّلَ تصديقُ الأَرجُل إيَّاها منزلة الشَّهادةِ، فَعَبَّرَ عَن تكلُّمِها بِالشَّهادةِ.
وفي الحديثِ: «يَقولُ العَبدُ يَومَ القِيامة: إنِّي لا أجيز شاهداً عليَّ إلا مِن نَفسِي، فيُختم على فيهِ، ويُقالُ لأركانه: انطقي؛ فتنطقُ بأعمالِهِ، ثُمَّ يُحَلَّى بَينَهُ وَبَينَ الكَلامِ.
فإنْ قُلتَ: أَلَيسَ مَعنَى قَولهمْ: أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِى أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) [فصلت: (21)] في جَوابِ جُلُودهمْ حِينَ قَالُوا: لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا: مَا نَطَقْنا باختيارنا، فيُنافي ما قدَّمته مِن عَدمِ إسْنَادِ التكلُّمِ والشَّهادةِ إلى نفسه لدفعِ وَهمِ الإجبار؟
قلتُ: ذلك وهمَّ سَبَقَ إلى بَعضِ الفَهم؛ يعني: الإمام البيضاوي، وليس الأمرُ كذلك كما وهمه، بل المعنى أَنَّهُ تَعالى أمرنا بذلك، وكفَى ذلك في الاعتذار. والظَّاهِرُ أَنَّ قَولهمْ: لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا سُؤال تعجب، لا سؤال توبيخ كما توهم، وبنى عَليهِ السُّؤالَ المَذْكُورَ، يَشْهدُ لذَلكَ زِيادَةُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شق و: فإنَّهُ عَلى تقديرِ الجَوابِ عَن سُؤال التوبيخ تكون تلك الزيادة ضائعة، إنَّما الحاجة إليه عَلى تَقدِيرِ الجَوابِ عَن سُؤالِ التَّعجب.
فإنْ قُلتَ: أَلَيسَ الخَتِمُ يأبي عَن هَذَا السُّوَالِ؟
قلتُ: يُختم، ثُمَّ يُخلَّى بَينه وبين الكلام، على ما ورد في الخبر، وقد قدمنا بيانه فتذكر.
لائحة قدسية:
المنفي في قوله تعالى: وَلَا تَلُ عَن ذَنْبِهِ إِنسُ وَلَا جَانُ} [الرحمن: (39)] سُؤال استفسار، لا مُطلقُ السُّؤالِ دلَّ عَلى ذَلكَ تَعدِيتهُ بـ: «عَن»؛ فَإِنَّ السُّؤالَ إِذا تعدَّى إلى ثاني مَفعُوليه بـ: (عَن يَتَعيَّنُ مَعنَى الاستفسار، فلا يُنافِي ذَلكَ النَّفي؛ أي: نَفي السُّؤالِ في القَولِ المَذْكُورِ ما في قوله تعالى: {قَالَ أَكَذَّبْتُم بِنَابَنِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا} النمل: (84)] مِن الإثباتِ؛ أي: إثباتِ السُّؤالِ؛ لأَنَّهُ سُؤالُ تَوبيخ وتَقرِيع، لا سُؤال استفسار واستخبار.
وأمَّا التَّوفيق بأنَّ المَنفي هُوَ السُّؤالُ عَنِ الذَّنبِ نَفْسِهِ، وَالمُثبتَ هُوَ السُّوَالُ عَن الباعثِ عَليهِ - اختَارَ الإِمَامُ البَيضاوِيُّ هَذا التَّوفِيقَ وأَيَّدَهُ بِقَولِ ابن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ: عَنْهُما لا يُسألُونَ هَل عَملْتُمْ كَذا وكذا؟ بل يُسألُونَ: لم عمَلتُم كذا؟: لا يُجدي نفعاً في التَّوفِيقِ بَينَ القَولَينِ المَذْكُورَينِ: لأَنَّ قَولَهُ تَعَالَى
الجزء 1 · صفحة 23
{أَكَذَّبْتُم بِقَايَتِي صريح في السُّؤالِ عنْ نَفْسٍ الذَّنبِ، نَعمْ يُجدِي في التَّوْفِيقِ بَينَ القَولِ الأَوَّلِ وبين قوله تعالى: فوريكَ لَنَسْتَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر: ?? - ??].
أجيز شاهداً عليَّ إِلَّا مِن نَفْسِي، فيُختم على فيه، ويُقال لأركانه: انطقي؛ فتنطقُ بِأَعْمَالِهِ، ثُمَّ يُخلَّى بينه وبين الكلام.
لائِحَةٌ قُدْسِيَّةٌ:
أثبَتَ السؤال في قوله تعالى: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتسَاءَلُونَ} [الصافات: ??]، وذلكَ عَقِيبَ نَفحَةِ البَعْثِ قَبلَ أنْ تُطْوَى السَّماءُ كطي السجل للكتب، كما هو الظاهرُ مِن قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} [يونس: (45)]، ومن قوله تعالى: {يَتَخَفَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا} [طه: (103)]، فلا ينافي انتفاءه؛ أي: انتفاء السؤال، لأنه بعد ما صارَتِ السَّماءُ كالمُهل، والجبال كالعهن على ما نطق به قوله تعالى: {يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ وَتَكُونُ الْجَالُ كَالْعِهْنِ وَلَا يَسْتَلُ حَمِيدُ حَمِيمًا [المعارج: (8) - (10)].
فإن قلت: ما ذكرتهُ مُخالِفٌ لما قِيلَ: إِنَّ التَّناكُرَ يَكونُ عِندَ النَّفْخِةِ الأُولى، فإذا كانت الثانية قامُوا فَتَعارَفُوا وتَسَاءلُواء ولما قيل: إِنَّ عَدمَ السُّؤالِ عِندَ النفخة والسؤال بعد المحاسبة، أو دخول أهل الجنَّةِ الجنَّة وأهلِ النَّارِ النَّارَ؟
قلت: ما ذُكِرَ إِنَّما هُو عَن عقل واعتبار)، وما ذكرتُهُ عَن نَقل وأخبَارِ، فَعَليكَ الاختبارُ ثُمَّ الاختيار.
تتمة: لا يتعارفُونَ كما يُحشرونَ كما زعمهُ مَن قال - القائلُ الإِمَامُ البيضاوي) - وذلكَ عِندَ خُروجهم من القبور، دلَّ عَلى ما قلنا من أن تَعارُفهم يَتأَخَرُ عن أَوَّلِ الحَشرِ قوله: «الأمر أشدُّ مِن أنْ يَنظُرَ بَعضُهم إلى بَعض في جَوابِ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنها؛ إذ سمعت قوله: (يُحشرُ النَّاسُ حُفاةً عُراةٌ غُزلاً»، فقالتْ: الرّجالُ والنِّساء ينظرُ بَعضُهم إلى بعض؟! والحَديثُ رَواهُ البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه. وذلكَ أَنَّ هَولَ البَعْثِ ودَهشة المحشرِ لمَّا كانَ مانِعاً عَنِ النَّظَرِ، فَلَأَنْ يَكونَ مانعاً عن التَّعارُفِ الَّذِي يَتوقَّفُ عَليهِ - أي: على النظر - أولى.
ذكر في «التذكرةِ» عَن أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَنَّهُمْ يَقفُونَ حُفاةً عُراةٌ غُرلاً مقدار سبعين عاماً
وفي الجَوابِ المَذْكُورِ - يعني جَوابَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عَن سُؤالِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
الجزء 1 · صفحة 24
دلالةٌ عَلَى أَنَّهُمْ يُكْسونَ عِندَ التَّعارفِ؛ لأَنَّهُ لا يُجدِي بِدُونِهِ، وقَد فُهِمَ ذَلكَ - أي: أَنَّهمْ يُكسَونَ بعدما يُحشُرُونَ عُراة - مِن حَدِيثٍ رَواهُ مُسلمٌ في «صحيحهِ» حَيثُ قالَ: عن ابن عباس رَضِيَ اللهُ عنهُما: قامَ فِينَا رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم بموعظةٍ فَقَالَ ... صَدرُ الحديث: «يا أَيُّها النَّاسُ إِنَّكُمْ تُحشَرُونَ إلى الله حُفاةً عُراةٌ غُرلا كَمَا بَدَ أَنَا أَوَلَ خلق تعيده وعددًا عَلَيْنَا إنا كنا نعلين [الأنبياء: (104))، ألا وإن أول النَّاسِ يكسى يوم القيامةِ إبراهيمُ عَليهِ السَّلامُ.
****
يوْمَ التلاقِ يَومُ القِيامةِ، قال الله تعالى: {لِيُنذِرَ يَوْمَ الثَّلَاق يَوْمَ هُم بَارِزُونَ} [غافر: (15) - (16)]: ظَاهِرونَ، لا يُوارِيهم شَيءٌ مِن أمكنة أو أبنية؛ لأنَّ الأَرْضَ يَومئذ قاع صَفصَفٌ، ولا لباس: لأنَّهم عُراة، كما جَاءَ في الحديث في رواية البخاري ومسلم والترمذي عن ابن عباس رَضِيَ اللهُ عَنهُما قالَ: سَمعتُ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقولُ: «إنكُم مُلاقو الله حُفاةً عُراةً غُرلا، ومن هاهنا انكشف المُرادُ مِن الثلاثي.
ومَن غَفَلَ عَن هَذا زَعَمَ أَنَّ المُرادَ مِن التَّلاقِي المُلاقاةُ، بَينَ الأَزْواحِ والأجساده)، ومن البروز الخروج من القبور.
لائِحة قُدسيّة:
الضوء شَرطُ رُؤية الألوانِ لا شَرطُ وُجودِها كما سَبَقَ إِلى بَعض الأوهَامِ، أَرادَ به ابن سينا ومن تبعه، أُشير إلى ذَلكَ في قَولهِ تَعالى: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتِ لَا يُبْصِرُونَ} [البقرة: (17)]؛ فإنَّ قوله: {وَلَا يُبْصِرُونَ} لا يَخلُو عَن وجودِ دلالة على وُجودِ المُبَصَرِ في الظلمة؛ إذ لا يُقالُ في حق أحدٍ: إِنَّهُ لا يُصرُ المَعدُومَ، ووُجودُ المُبصَرِ فَرعُ وُجودِ اللون؛ لأنَّ الجِسمَ عَلى ما تقرَّرَ في مَوضِعهِ لا يُبصَرُ إِلَّا بِلونه أو بشكله.
***
سانحة حدسية:
الليل والنهارُ لا ينعدم أحدهما بوجود الآخر، بل يستتر الليل عندَ وُجودِ النَّهارِ، وينكشفُ عِندَ ذَهابه، دل على ذلك دلالة ظاهرة قَولُهُ تَعَالَى: {وَمَايَةٌ لَّهُمُ الَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ}
الجزء 1 · صفحة 25
[يس: ??]، وقد أفصَحَ عَن ذَلكَ - أي: عَن أَنَّهُ لا يَنعِدِمُ الليلُ عِند مجيء النَّهارِ - قوله: «سُبحانَ الله، إذا جَاءَ النَّهَارُ فَأَينَ اللَّيْلُ؟» في جَوابِ قَومٍ مِنَ اليَهُودِ قالُوا: إذا كانتِ الجنَّةُ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ والأَرْضُ، فأينَ النَّارُ؟ فافهمْ فَإِنَّهُ سُرٌّ مِن الأَسْرَارِ.
لائحة قدسية:
كما أن الأمر متنوع إلى تكليفي - وهو المدارُ الغَالب للأحكام الشرعية، إنما قيد المدار بالغالبِ؛ لأنَّ بعض الأحكام تثبتُ بالأخبارِ، مِنها قوله تعالى: {وَكُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: (183)]- وتكويني؛ كقوله تعالى: {كُونُوا قِرَدَةٌ خَسِنِينَ} [البقرة: (65)] ومِن هَذا النَّوعِ قَولُهُ تَعالى: {وَقُلْنَا أَهْبِطُوا} [البقرة: (36)] الآيةَ، «هبط» لازم ومتعد، ومصدر المتعدي: الهَبْطُ، ومصدر اللازم الهبوط، وهو التزولُ مِن عُلو إلى أسفل، لا مِن النَّوع الأوَّلِ؛ أي: لَيسَ الأمرُ المذكورُ تكليفيّاً حَتَّى يَلزِمَ الإِدْنُ فِي المُعاداة؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الحالَ المَذْكُورَ بقَولِهِ تعالى: {بَعضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة: (36)] قيد، والأمر بالمقيَّد يتناولُ القَيدَ، فانَدفَعَ ما قِيلَ: تَقييدُ المَأمُورِ بِهِ المَنهيَّ عنه لا يكادُ يُقبلُ عِند أولي النُّهى، فإنَّكَ لو قُلتَ: قم ضاحكاً، وأنتَ تَنهاه عَنِ الضَّحِكِ، يُنسَبُ ذلكَ القَولُ مِنكَ إلى ما لا تَرْضَاهُ. وكذا ما أُوردَ عَلى ما رُوي عن ابن عباس رَضِيَ الله عنهما: أَنَّ الحية أيضا
مِن جُملة المَأْمُورِينَ بالهبوطِ، مِن أنَّ الحيَّة لَيستْ مِن المُكلَّفين. كذلك النهي متنوع إلى تكليفي - وهو الشَّائعُ فِي الأَحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، إِنَّما قال: هو الشائع؛ لما مرَّ في قرينِهِ مِن أنَّ الأحكامَ الشَّرعِيَّةَ قَدْ تَثبتُ بالأَخبَارِ، ولا اختصاص له بصورة الإثباتِ - وتكويني؛ كما في قوله تعالى: {فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حرج من [الأعراف: ?]؛ أي: ضيقُ قلب من تبليغه، وهَذا النَّوعُ مِن النَّهِي لم يُذكر في كُتب الأصول، ولم يتنبه له الفحول من المهرة في المَعقُولِ والمَنقُولِ. وكذلك) قالوا في تفسيره - أي في تفسير القولِ المذكور -: توجيه النهي إلى الحرج للمبالغة؛ كقولهمْ): لأرينك هاهنا.
وممَّن حَسُنَ الظن بشَأنهِ مَن قال: أرادَ بهِ نَجمَ الدِّينِ قُدس سره العزيز: إن النهي في قوله تعالى: {فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَهِلِينَ} [الأنعام: (35)]، وفي قوله تعالى: فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [البقرة: (147)] مِن هَذا القَبيلِ حَيثُ قَالَ فِي تَفسِيره: ليسَ هَذا نهياً عن شكٍّ كانَ في النَّبِيُّ عَليهِ السَّلامُ، ولكنْ نَهي الكينونة، قالهُ في الأَزَلِ؛ لأَنَّهُ كَلامٌ أزلي، فما كانَ مِن المُمتَرينَ، ولا يَكونُ إلى الأبدِ)، ولمَّا اسْتَشعَرَ أَنْ يُقالَ:
الجزء 1 · صفحة 26
التأكيدُ إِنَّما يُناسب التكليفي دُونَ التَّكويني، تداركَ دَفعه بقوله: والتَّأكيدُ في أمثالِ هَذا المَقام؛ يعني مقام الأمر والنهي التكوينيين لإظهار العناية، وإعلام الاختصاص
فإن قلت: هَل للنهي التكليفي هنا وجه صحة؟
قلتُ: نَعمْ؛ فإن تهيه عَنِ الجَهْلِ والاميراء مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُتوقع عنه ذلكَ) للمبالغة في حَقٌّ مَن يُتوقعُ مِنهُ ذَلكَ، وعَدمُ التَّوقع عنه لا يُنافي نَهيَهُ، دَلَّ عَلى ذَلكَ قوله تعالى في حق قَومِ نُوحٍ عَليهِ السَّلامُ: إِن أَعْظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَنْهِلِينَ} [هود: (46)]؛
فإنَّ الجَهلَ غَيْرُ مُتوقع مِن نُوحٍ عَليهِ السَّلام، ومع ذلكَ وَقعَ التَّحذيرُ مِنه. والحق أنَّ العِصمةَ لا ترفعُ النَّهي، قالَ صَاحِبُ التّيسِيرِ): يَجوزُ أَنْ يَكونَ الخطاب له عليه السَّلامُ وإنْ كانَ مَعصُوماً؛ لأنَّ العِصمةَ لا ترفع النهي، فالاستدلال بها؛ أي: بعصمته عليه الصلاة والسلام عن الامتِراءِ مَثَلاً عَلَى أَنَّ المُرادَ مِنْهُ لَيسَ تهيه عَليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَنهُ - وَقعَ هَذا الاستدلال في كلام الإمامِ البَيضَاوِي حَيثُ قال في تفسيره: وليسَ المُرَادُ بِهِ نَهيه عَليهِ السَّلامُ عنِ الشَّكُ فِيهِ؛ لأَنَّهُ غَيْرُ مُتوقع منه، وليس بقصد واختيار) - لَيسَ بتام كما لا يَخفَى عَلَى ذَوِي الأَفهَامِ، ثُمَّ إِنَّ مُوجِبَ قوله: (وليس بقصد واختيار أنْ لا يَكونَ النَّهيُ صَحِيحاً أَصْلاً، سواء كانَ المُرَادُ نَهيَهُ عَليهِ السَّلامُ أو نَهيَ أُمِّتِهِ، والتَّأْوِيلُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيهِ بِقَولِهِ: أَو أَمَرَ الأُمةَ باكتِسابِ المعارفِ المُزيحة للشكٍّ عَلى الوَجهِ الأبْلَغ يهدِمُ أصل الاستدلال كما لا يَخْفَى عَلَى مَن تَأَمَّلَ فِي مَساقِ الكَلامِ).
والتحقيق أنَّ الشكَّ لا يَكونُ بقصد واختيار، فالنَّهيُّ المَذْكُورُ عَلَى تَقدِيرِ كَونِهِ تكليفاً للحث على مُحافظة الأشبابِ المُزيحة له، والتَّحذيرِ عَنْ بَواعِثِ الغَفْلَةِ عَنها والرَّسول صلى الله عليه وسلم أحقُّ بهما مِنْ أُمَّتِهِ.
ولقد أحسنَ مِنْ قالَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُحذِّرُ نَبيَّهُ مِنْ اتَّبَاعِ الهَوى أكثرَ ممَّا يُحذِّرُ غَيرَه: لأنَّ ذا المنزلة الرفيعة إلى تجديد الإنذار أحوج؛ حفظاً لمَنزِلته، وصيانةً لمكانته، وقد قِيلَ: حقُّ المِرآةِ المَجلوَّةِ أنْ يَكونَ تَعهدُها أكثر، إذا كانَ القَليلُ مِن الصَّدأ عليها أظهَرَ، فتدبر.
لائِحة قُدسيّة:
إنَّ إبليس اللعين لَيسَ مِن جِنس الملكِ، بلْ مِن جِنسِ الجن: كما قالَ اللهُ تعالى: كَانَ مِنَ الْجِنِ} [الكهف: (50)]، دلَّ عَلى ذَلكَ دِلالَةٌ قَاطِعَةً انقطاع الاستثناء في قوله تعالى: وإلا إبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ
الجزء 1 · صفحة 27
السَّجِدِينَ} [الأعراف: (11)]، إنَّما حكم بانقطاعِ الاستثناءِ فِيهِ؛ لأنَّ عَدمَ كونِ إبْلِيسَ مِن السَّاجِدِينَ يُفهمُ مِن قَولِهِ: إِلَّا إِبْلِيسَ عَلى تَقدِيرِ الاتصالِ، فَيَضيعُ قوله: {لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ.
وأمَّا الدَّلالةُ في انقطاع الاستثناء المَذْكُورِ عَلَى أَنَّ إِبْلِيسَ لَيْسَ مِن جِنسِ الملكِ: فظَاهرة؛ إذ لا شُبهةً في أَنَّهُ عَلى تَقدِيرِ كَونِهِ مِن ذَلكَ الجِنسِ حقٌّ الاستثناء المَذكُورِ الاتصال، ولما اتَّجه أنْ يُقال: إنْ كانَ إبليس مِن جِنسِ المَلَكِ، فلا وَجهَ لانقطاع الاستثناء على ما ذكر آنفاً، وإن لم يكن منه، فلا يتناوله أمر الملائكة بالسجود، فما وَجهُ قَوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: ??]؛ فإِنَّهُ صَرِيحٌ في تناول الأمر المذكُورِ إِيَّاهُ؛ إذ لمْ يَردْ في خُصوصِهِ أمرٌ مُستقِل = تَدارِكَ دَفعه بقوله: وتَناول الأمر إيَّاه - يعني: تناول الأمر بالسُّجودِ لآدمَ عَليهِ السَّلامُ دِلالة لا عِبارة حتَّى يَلزم أن يكونَ إبْلِيسُ مِن جِنسِ المَلَكِ.
يُرشدُكَ إِلَيهِ قَولهُ تَعالى: {اسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ} [ص: (75)]؛ لأنَّ المَعنى - والله أعلَمُ: أمرُكَ دائر بينَ أنْ تكونَ أدْنَى مِن المَأْمُورِينَ بِالسُّجودِ، فيتناوَلكَ الأمر دلالة: ضَرورَةَ أَنَّ الأعلى إذا أمرَ بتَعظِيمِ شَخص يَكونُ الأَدْنَى مَأْمُوراً بِهِ بِطَرِيقِ الأولى، فيلزم الاستكبارُ عَلى تَقدِيرِ ثُبوتِ هَذا الشَّقِّ مِن التَّردِيدِ، أو أعلَى مِنْهُمْ، فتكون من زمرة العالين الَّذِينَ لم يتناولهم الأمر بالسُّجودِ أصْلاً؛ أي: لا عِبارةً ولا دِلالة، ولعلَّهُمْ أَزْواحُ الأنبياء عليهم السّلامُ؛ فإِنَّ الأرواح مخلوقةٌ قبل الأجسَادِ بالفي عَامٍ، وقد قالَ عَليهِ السَّلامُ: كُنتُ نبياً وآدم بين الماء والطين.
دقيقة: وفي عبارة (مَع) يعني: في قوله تعالى: {أن يكون مع الساجدين} [الحجر: (31)]- إشارة إلى ما قدَّمناهُ مِن الإرشَادِ إلى أنْ يَتناوَلَ الأمرُ بالسُّجودِ لإبليس دلالة؛ حيث دلّت عَلى أَنَّهُ كَانَ في حيز التَّابِعِينَ المأمورين بالسُّجود، فافهم والله ولي الإرشاد
تتمة: قد نَبَّهتُ فيما سَبقَ عَلى أنَّ الاستثناءَ فِي قَولهِ تَعَالَى: {إِلَّا إِبْلِيسَ أبي أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِين} [الأعراف: (11)] مُنقطع قطعاً لا احتمال فيه للاتصال، وذلكَ يَستلزم أنْ يَكونَ الاستثناء في قوله تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين} [الحجر: (31)] أيضاً مُنقطعاً، فمن تردَّدَ فيه فقَالَ - القائل هو الإِمَامُ البيضاوي -: إن جعلَ قَولُهُ: {إِلَّا إِبْلِيسَ} مُنقطعاً، اتصل به قوله: أَبَ؛ أي: ولكن إبليس أبي، وإن جُعل متصلاً، كان استئناف عَلَى أَنَّهُ جَوابُ سائل: هلا سجد = فقد أخطأ
فريدة:
الجزء 1 · صفحة 28
كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مُرسَلاً للنَّاسِ كافَّةً، ولذلك قال عَليهِ السَّامُ: الوكانَ موسى حياً، لما وَسِعَهُ إِلَّا اتباعِي)، بخلاف سائر الأنبياء عليهم السلام، فلو كانَ نَبينا) في زمنٍ واحدٍ منهم لما وسعه أنْ لا يَتَّبعه، وبهذا تَبَيَّنَ وَجهُ الحَدِيثِ المذكور، واتضح ما يسيق له الكلام من بيان جهةِ فَضلِهِ، وَمَنْ قَالَ: لَو نَزَلَ الكِتابُ المُتقدِّمُ في أَيَّامِ المُتأخرِ لَنَزلَ عَلى وفقه، ولذلك قال: الو كانَ مُوسَى حباً لما وسعه إلا الباعي»، لم يدر أنه حينذ لا يُظهرُ الفَضيلة؛ فإِنَّ مُوسَى عليه السلام لو كان حيا في زمن عيسى عليه السلام لما وَسِعَهُ إِلَّا اتَّبَاعَهُ، وَمَسَاقُ الكلام على ما نبهتُ عَليهِ فيما تقدَّمَ لاظهارِ الفَضِيلة، وأيضاً مُوجب ما ذكره في تقرير (ما نقلناه عَنهُ مِن أنَ المُخالِفَ في جُزئيَّاتِ الأحكامِ بِسَببٍ تَفَاوُتِ الأغصار في المصالح مِن حَيثُ إِن كُل واحدةٍ مِنها حَقٌّ بالإضافة إلى زمانها) مراعي) فيهِ صَلاحُ مَن خُوطب بها انتساخُ الشَّريعة لا انتساحُ النُّبُوَّةِ، والأَوَّلُ لا يَستَلزِمُ الثَّانِي عَلى ما أَفَصَحَ عَنهُ بقوله: (وكانَ النَّبيُّ يُبعث إلى قومه خاصة)، قد دلَّ هَذا عَلَى أَنَّ نُوحاً عَليهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مَبعُونَا إِلَى كَافَّةِ النَّاسِ، فلا دِلالة في قوله تعالى حكاية عنهُ رَبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا [نوح: (26)] على عموم الطُّوفان، ولا بَعثَ له عَليهِ السَّلام بعد طرق الكفَّارِ قاطبةً حَتَّى يَردِ النقض بعمومِ بَعْتَتِهِ) بل إبقاء لهُ عَلى ما كانَ، وَهَذَا ظَاهِرُ وإِنْ خَفْيَ عَلَى مَن قال.
فإن قلت: كانَ نُوحٌ عَليهِ السَّلامُ مَبعوثاً إلى كُلِّ النَّاسِ بَعدَ خُروجِهِ مِنْ الفُلْكِ، فكيف اختصَّ بهِ نَبَيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ؟ قُلتُ: كانَ ذَلكَ ضَروريَّاً، فلا اعتبار بهِ.
وبُعثتُ إِلى النَّاسِ عامَّةٌ».
فإن قلت: أليس آدمُ عَليهِ الصَّلاة والسّلامُ أيضاً مَبعُونَاً إلى النَّاسِ عَامَّةً؟ قُلتُ: بل كسائر الأنبياء كانَ مَبعُوثاً إلى قومه خاصَّةٌ؛ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لا وُجودَ لقوم) آخرين في عَهدِهِ، والمُرَادُ مِن العُموم المذكور عُموم الأقوام الداخلةِ تَحتَ جنس الإنس، لا مُرسَلاً إِلَيهِمْ كَافَّةً؛ لأنَّ تَبليغ الرِّسالة إلى كافَّةِ النَّاسِ وعامَّةِ البَشَرِ كانَ خَارِجاً عنْ وُسعهِ، ولذلك قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [سبأ: ??] الآية، ولم يقل: أرسلناك إلى النَّاسِ كافَّةً؛ فَإِنَّ الثَّانِي يَقتضي التَّبِلِيغَ إِلَى النَّاسِ قاطبةً دُونَ الأَوَّلِ، والا) يلزم أن يكونَ عَليهِ الصَّلاة والسَّلامُ مُقصراً في أمرٍ التبليغ غَيْرَ مُوفٌ حقَّهُ؛ إذ لَمْ يَكُنْ مِنهُ عَليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ تَبليغ الرسالة إلى ما في أطراف العالم من أصنافِ الأُممِ.
ولمَّا كانَ الفَرقُ بينَ البَعثِ والإرْسالِ خفيّاً جدًا، كانَ ذلك مظنَّةَ الإشكالِ، فتدارك حله فقال:
الجزء 1 · صفحة 29
والبَعثُ إلى النَّاسِ َعامَّةً أعمُّ) مِنَ الإِرسالِ إِلَيهِم) عامَّةٌ: فإِنَّ في الإرسال تكليفاً دُونَ البَعْثِ؛ لأنَّهُ تكوين محض، فلا يلزمُ المَحذُورُ المَذْكُورُ فيما تَقدَّمَ بقوله: «وإلَّا يَلزمُ أَنْ يَكونَ مُقصِّراً في أمرِ التَّبليغ» عَلَى القَولِ المَأْثورِ؛ يَعنِي: قولهُ عَليهِ الصَّلاة والسَّلامُ: وبُعثتُ إلى النَّاسِ عامَّةً»، ولا عَلى قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: (158)]؛ لأنَّ قوله: {إِلَيْكُمْ جميعا متعلق بمعنَى البَعثِ الَّذِي تَضمَّنهُ} قوله: {إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ}، وهَذا ما أَشَارَ إِلَيْهِ المُصنِّفُ بقَولِهِ: لأَنَّهُ عَلَى اعْتِبَارِ تَضمِينِ البَعْثِ.
تَتمَّةُ: البَعْثَةُ تُلازِمُ الرِّسالَةَ، وَصفُ البَعْةِ إلى الخَلقِ بالدعوة إلى الحقِّ لا ينظم الأنبياء كُلَّهم، بل مخصوصةٌ بالرُّسل منهم، وقدْ أَفَصَحَ عَن هَذَا الإِمَامُ القرطبي في تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ عِلْمًا [النمل: (15)] حَيثُ قال: وكل نبي جاءَ بَعدَ مُوسَى عَليهِ الصَّلاة والسلام ممَّن بُعث وممن لم يُبعث، فإنَّما كانَ بشَريعة مُوسَى عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، إلى أَنْ بُعِثَ المَسيحُ عَليهِ الصَّلاة والسَّلامُ، فَنَسخَها).
ولا وجة لما قيل - قائِله القاضي عضد الدِّينِ في دِيباجة «المواقفِ» ـ: وبعث إليهمُ الأنبياء والرسل: لأن مبناه على عموم البعثة لعامة الأنبياء). عليهم الصَّلاة والسلام. فائدةٌ: تَعلُّق الجار في قوله تعالى: {وَاَرْسَلْتَكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا} [النساء: ??] مِن سُورةِ النساء للفعل لا للحال؛ يعني: قوله تعالى: {رَسُولاً}: لما في تَقدِيمِ الجارٌ مِن إيهام التخصيص؛ يعني: تخصيص رِسالتهِ عَليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ للنَّاسِ، وَلا صحةَ لَهُ؛ لأنَّ رسالته عامَّةٌ للثّقلين، ومَن لمْ يَتنبه لهذا يعني: صاحبَ «الكشَّافِ»، والقاضي، ومَن حَذا حَذوهُما - جوَّزَ ذَلكَ؛ أي: تَعلَّق الجار بالحال.
فائدة: قالَ الرَّضِيُّ في شَرحِ مُختصر ابن الحاجب»: وقد يلزمُ بَعضَ الأسماء الحاليَّة؛ نحو: كافة وقاطبة، ولا يُضافانِ، وتَقعُ (كافَّة) في كَلامِ مَن لا يُوثقُ بِعَربيَّتِهِ مُضافةً غَيرَ حال، وقد خطئوا فيه؛ لأنها وقعت مُضافةً غير حالٍ في كَلامِ العلامة الزمخشري؛ حَيثُ قال في تفسير سورة النمل من الكشاف»: ويجوز أن يُرادَ بحَقيقَةِ الإبصار كل ناظر فيها من كافة أولي العَقلِ). وهو إمامُ العَربيَّةِ يُستَشْهِدُ بَتَراكِيبه.
فائدةٌ أُخرَى: (كافَّة) منقول عَن مَعناها الأصلي الَّذِي دَخلَها تا التأنيث باعتباره؛ فإنَّها في الأصل فاعل من الكف بمعنى المَنعِ، ثُمَّ نُقل إلى معنى «كل» و «جميع»، فلا عبرة لتأنيثها بعدَ النَّقلِ؛
الجزء 1 · صفحة 30
لكونها بمنزلة سائر أجزائها.
قال أبو حيَّانَ: إِنَّ التَّاءَ في (كافة) وإنْ كانَ أصلها للتأنيث لكنَّها ليستْ فيها إذا كانَتْ حَالاً) للتأنيث، بلْ صَارَ هذا نقلًا مَحضَاً إلى معنى «كُلّ» و «جميع» كما صَارَ «قاطبة» و «عامة» إذا كانَ حالا نقلاً محضاً إلى معنى «كل» و «جميع»، فإذا قُلْتَ: قامَ النَّاسُ كافة أو قاطبة فلا يدلُّ شيءٌ مِن هَذهِ الأَلفاظِ عَلَى التَّأْنيثِ كما لا يدلُّ «كل» ولا جميع كتاءِ الذَّاتِ.
قال الفاضِلُ التَّفتازاني في تفسير سورة آل عِمرانَ: إِنَّ الدَّاتَ في الأصل مُؤنَّتُ «ذو»، وقُطِعَتْ عَن لزوم الوصفية والإضافة، وأُجريت مجرى الأسماء المُستقلة بمعنى نفس الشَّيء وحقيقته، وأجريت تاؤها مجرى الأصلية، فقالوا في النسبة: ذاتي بإثباتها، وجوزوا إطلاقها على الله تعالى معَ امتناع مثل «علامة؛ لوجود الناء، فلا مانع من جهة الناء، إنما قال: من جهة الثاء لأن فيها مانعاً من جهة المعنى؛ لما عرفت أن معناها معنى: «كُلّ» و «جميع»، لا معنى: «كافية في كافة؛ لكونها حالاً عن الكافِ في أَرْسَلْنَكَ في قوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا كَافَةً لِلنَّاسِ} [سبأ: ??]، وبهذا التفصيل تبيَّنَ وَجهُ الخَللِ فيما قيل - قائلُهُ صَاحِبُ «الكشَّافِ»، ذكره في تفسير قَولهِ تَعَالَى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السّامِ كَافَة} [البقرة: ???]-:
ويجوز أن يكونَ كَافَةً حَالاً منَ السَامِ؛ لأنَّها تُؤنث كما تُؤنَّثُ «الحرب»، قال الشاعر: [من البسيط]
السلم تأخذ منها ما رضيت به والحرب يكفيك من أنفاسها جرع فإن مبناه الغفلةُ عَن أنَّ «كافةً» قد نُقلت من معناها الأصلي الَّذِي دَخلها الثانيتُ باعتباره، وانسَلَخَ عَنها ذلك الوصف.
فريدة:
كرَّرَ لَفظَ أَطِيعُوا: يعني: في قوله تعالى: {يَايُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرسول} [النساء: (59)]؛ تَعظيماً لأمرِ الرَّسولِ، ولهذا - أي: ولكون التكريرِ المَذْكُورِ للتعظيم - تُرِكَ في قوله تعالى: {وَأُولى الأمر منكر} [النساء: (59)]، فرقا) بَينَ المُطاعينِ، فلا حاجةَ إِلَيْهِ عِندَ عَدمٍ ذِكرِ ثانيهما، وهو أولو الأمْرِ فلذلك ـ أي: لكَونِ التَّكْرِيرِ المذكور بمَجمُوع التَّعظِيمِ والفَرقِ - تُرِكَ التَّكْرارُ في قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا} [الأنفال: ??] الآية، وقوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَتَزَعُوا} [الأنفال: (46)] الآية؛ لفَقدِ بعض الباعثِ، وهُو الفَرقُ المَذْكُورُ، وإِنَّما قَالَ تَعالى: مِنكُمْ: إظْهَاراً
الجزء 1 · صفحة 31
لوَجهِ الرُّخصة في المُنازَعَةِ الآتي ذكرها.
ولما كان إيجابُ الطَّاعَةِ للأمراء منبعِثا عن اشتراط العدالة وهو (ه) موافقةُ الحقِّ خُصوصاً بقرينةِ التَّمهِيدِ السَّابِقِ بقولهِ تَعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: (58)]، رُتَّبَ عَليهِ قوله تعالى: {فَإِن تَنَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ} [النساء: (59)]؛ أي: في أمر من أمور الدين، أو أمور الدُّنياء أي فإن تنازعتم وأولو الأمر منكم في شَيْءٍ، فَفِيهِ دِلالَةٌ عَلَى أَنَّ طَاعَةَ الأمراء إنَّما تَجبُ إذا وافقوا الحَقِّ، وَأَمَّا إِذا خَالِفُوهُ، فلا طَاعَةَ لَهُمْ، قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
والمراد من الرد إلى الله تعالى في قوله تعالى: {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: (59)] الرد إلى كتابه تعالى، ومن الردّ إلى الرَّسولِ الرَّدُّ إلى سنتهِ قوليةً كانتْ أو فعلية أو تقريرية، وهذا؛ أي: الرَّةُ إلى سنتهِ عَليهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلامُ عَلَى الوَجهِ المذكور ينتظم حالتي حياته ومماته، فمَنْ قال قائله هو الإمام البيضاوي في تفسير الرد إلى الرَّسُول - بالسُّؤال عنه عَليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ في زَمَانِهِ، والمراجعة إلى سنتهِ بعده لمْ يُصِبْ في تفصيلهِ وتَحْصِيصِهِ؛ لأنَّ المُراجَعَةَ إليهِ عليهِ الصَّلاة والسَّلامُ في زَمَانِهِ لا يلزم أن تكون بالسؤال عنه؛ لأن فعله وتقريره حجَّةٌ في زَمَانِهِ أيضاً.
فائدة: لمَّا أوجَبَ الله تعالى في كُلِّ مُنازَع فيه الردَّ إلى الكِتابِ والسُّنةِ، وهذا العمومُ مُستفاد من إبهام شيء وتنكيره، ولا خَفَاءَ فِي أَنَّهُ لا يُوجد في كُلِّ حادثةٍ نَص ظاهِرُ من الكِتابِ أو السُّنةِ، تَضمَّنَ الإِيجَابُ المَذْكُورُ الأمر بالنظر في مُودَعَاتِ النُّصوص الواردة في الكتاب والسنة، والعمل بمدلولاته ومقتضياته، فالآية المذكورة حُجَّةٌ عَلى مُنكِري القِياسِ مِن أصحَابِ الظَّواهِرِ؛ لا لهم (كما توهموهه). قال الإمام البيضاوي في تفسيره: واستدل بو منكر والقياس وقالوا: إنَّه تعالى أوجب ردَّ المُختلف فيه إلى الكِتابِ والسنَّةِ دُونَ القياس، وأجيب بأنَّ رة المختلف فيه إلى المنصوص عليه إنما يكون بالتمثيل والبناء عليه، وهو القياس.
ومبنى هذا الجَوابِ عَلى عَدم الفرق بين الاجتهاد والقياس، وإلا، فالرد المذكورُ قد يكون بالاجتهاد لا بطريق القياس، وهذا واضح عندَ مَن له أدنى خبرة. فائدة: لما أمرنا الله تعالى بالرَّدُّ والاجتهادِ بقوله: {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) [النساء: (59)]، وشَرطَ فيهِ؛ أي: فيما أُمَرَ بهِ التَّنازعَ حَيثُ قَالَ: {فَإِن تَتَزَعْتُمْ} [النساء: (59)]، ورتَّب عليه الردَّ المَذْكُورَ، دلّ ذلكَ عَلى أَنَّهُ لا رُخصة للرأي والاجتهاد عند انعقاد الإجماع، وإلا؛ لكان اعتبارُ الشَّرطِ المَذْكُورِ ضَائعاً، ولا وجه له في الكَلامِ البَليغِ)،
الجزء 1 · صفحة 32
فكَيفَ في الكَلامِ المُعجِزِ؟
ففي النَّصَّ المَذْكُورِ دِلالةٌ عَلى حُجَّةِ الإجماع، وعَدمِ جَوازِ مُخالَفَتِهِ، فالآيةُ المَذكُورةُ جَامعةٌ للأُصُولِ الأربعةِ الكِتابِ والسُّنةِ والقياس والإجماع، وهَذَا مِن لطائف الأسرارِ المُستخرجة بدقائقِ الأنظار.
فريدة:
الاجتهاد، وهو في اللغة: استفراغ الجهد في أمر من الأمور، ولا يُستعمل إلَّا فيما فيه كُلفة، ولهذا يقال: اجتهدت في حملِ الحَجرِ، ولا يُقالُ: اجتهدتُ. في حَملِ الخَرْدلة.
وفي الاصطلاح: استفراغ الفقيه الوُسْعَ لتحصيل ظن بحكم شرعي، أعم من القياس، وهُو تَعديةُ الحُكمِ منَ الأصل إلى الفرع؛ لعلَّةٍ متحدة لا تُدرك بمُجرَّدِ اللغة، كذا قَالُوا".
ويُشكل هذا بدلالة النص الاجتهادية؛ كالتي تمسك بها الإمامان في إيجاب الحد في الواطة مُطلَقاً؛ لأنَّ الاجتهاد قد يكُونُ في مَوردِ النص؛ كالاجتهاد في قولهِ عليه السلام: «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن الشافعي حمل التفرق على تفرق الأبدان، فأثبت خِيارَ المَجلِس، وأبو حنيفة حَملهُ عَلى تفرُّق الأقوالِ، فَلَمْ يُثبته.
والقياس - على ما ظَهَرَ مِن حَدَّهِ المَذكور آنفا - شُرِطَ فِيهِ فقدُ النَّص، فلا يَكونُ في موردهِ، فَثَبَتَ أنَّ الاجتِهادَ يُوجَدُ بدُونِهِ، ولا بد له ـ أي: للقياس؛ حيثُ شُرط فيه أنْ لا تُدرك علَّته بمجرَّدِ اللُّغةِ - مِنَ الاجتِهادِ، فَثَبَتَ أَنَّ القياس لا يُوجدُ بدُونِ الاجتهاد، فظَهرَ أَنَّ النِّسبة بينهما عمُومٌ وخُصوصٌ مُطلق.
وهَذا أي: الفَرقُ المَدْكُورُ بين الاجتهاد والقياس مع وُضوحه عند من له أدنى دربة فن قوة الأصول، فلا يَشتبه على بعض المتيسين إلى علم الأصول، أراد به صاحب فصولِ البدائع حَيثُ قال في شرح الفرائض لسراج الدِّينِ: إِنَّ قولَ المجتهدين عينُ القِياسِ. والفاضل التفتازاني معَ وُقوفهِ عَلى الفَرقِ المذكور بينهما حيث قال في أوائل الركن الرابع من التلويح»: الاجتهاد قد يكون بغير القياس؛ كالاستنباط من النصوص الخفيَّةِ الدلالةِ، قرر كلامَهُ في بَيانِ تَعرِيفِ الفِقِهِ عَلَى وَجهِ أَفْصَحَ عَنِ الغَفْلَةِ عَن الفَرقِ المذكور؛ حَيثُ قال: قوله - يعني قول صاحبِ «التوضيح» -: مع ملكية الاستنباط؛ أي: العلم بما ذكر يُشترط كونُهُ مَقرُوناً بملكة استنباط الفروع القياسية من تلك الأحكام، أو استنباط
الجزء 1 · صفحة 33
الأحكام من أدلتها.
وإنما قال: «أفصح عن الغفلة»؛ لأنَّ حقّ الواقف عليه - أي: على الفرق المذكور - أنْ يَقول: گونه مَقرُوناً بمَلكة استنباط الفروع الاجتهاديَّةِ مِن تِلكَ الأحكام أو استنباط الأحكام) من أدلَّتِها.
وقولُ صَاحِبِ التَّوضِيح»: «وعِلمُ المَسائلِ القياسية للدوره) يُفصِحُ أيضاً عن الغَفْلَة عَن الفَرقِ المَذْكُورِ؛ فإِنَّهُ لو كان واقفاً عَليهِ، لقالَ: لا المَسائل الاجتهاديَّةُ للدَّورِ، ومِنَ الغَافِلينَ عَن الفَرقِ المَذكُورِ الإِمَامُ البَيضاوي عَلى ما نَبَّهتُ عَليهِ فيما تقدَّمَ حَيثُ قال في الفَريدةِ المَذْكُورةِ قُبِيلَ هَذهِ ومَبَنَى هَذَا الجَوابِ عَلَى عَدَمِ الفَرقِ بَينَ الاجتهاد والقياس الفجرُ فَجْرانِ؛ فجرٌ صَادِقٌ - وهو البَياضُ الَّذِي يَستَطيرُ؛ أي: يَنتَشِرُ فِي الأُفُقِ وكاذب، وهُوَ البَياضُ الَّذِي يَدُو طَويلاً كَذَنبِ السِّرْحانِ أَوَّلَ ما يرى نُور الشَّمس، يُرى فوق الأني كخط مستقيم، ويكون ما يضرب بعده من الأفي مظلما، فلذلك يُسمَّى ذَلكَ النَّورُ بالصُّبحِ الأَوَّلِ، والصُّبحِ الكاذِبِ، أَمَّا تَسميته بالأول: فظَاهر، وأمَّا تسميته بالكاذِبِ: فلكونِ الأُفقِ مُظلماً؛ أي: لو كانَ يَصدقُ أَنَّهُ نُورُ الشَّمسِ لكَانَ المُنير ما يلي الشَّمسَ دُونَ ما يَبعدُ عَنها، لا لأَنَّهُ يَستنيرُ ثُمَّ يَعقبه الظَّلامُ كما هو السابق إلى بعض أوهَامِ الأنامِ، والمُشتَهر في البي العوام، وبه أخذَ صَاحِبُ «الهداية مِن غَيرِ تأمل في المَقامِ.
ووَقتُ الصوم من طلوع الفجر الثاني إلى غُروبِ الشَّمس؛ لقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ} [البقرة: ???]، زيادة قولِهِ: لَكُروه؛ للدلالةِ عَلَى أَنَّ المُعتَبَرَ هُو النَّبِيُّنُ في مَكانِ الصَّائِمِ، وفيه إشارة إلى الفَرِقِ بَينَ هَذَا الحُكمِ وحُكمِ وجوب الصّيامِ بطُلوعِ هِلالِ رَمضانَ بالاعتبار؛ لاختلافِ المطالع في الأَوَّلِ دُونَ الثاني؛ لعَدمِ الحَرج فيه، بخلافِ الأَوَّلِ، فتأمل {الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا القِيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: ???] فإنْ قُلتَ: أَلَيسَ كَلمه ثُمَّ للتّراخِي؛ ولا تراخي لا يتداء الصومِ مِن طلوع الفجر؟
قلتُ: بلى، ولذلك أمرنا بإتمام الصيام دُونَ الشروع فيه، فافهم سر الكلام ومِنْ هَاهُنا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لا دِلالة في النَّصُ المَذْكُورِ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ النَّيَّةِ عَنِ الفَجرِ كما زَعمه منْ قالَ: ولَنا قَولهُ تَعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا إلى قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ أَتِمُّوا القِيَامَ إِلَى اليل، فقد أباحَ الأكل إلى طُلوعِ الفَجرِ}، ثُمَّ أمرنا بالصِّيامِ بَعده، و (ثُمَّ) للتّراخِي فتصيرُ العَزيمة بعد الفجرِ لا محالة.
والخيطانِ بَياضُ النَّهَارِ وسَوادِ اللَّيلِ، شَبَّةَ أَوَّلَ ما يَبدُو مِن نُورِ الفَجرِ المُعتَرض في الأُفقِ بالخَيْطِ
الجزء 1 · صفحة 34
الأبيض، وما يمتدُّ معهُ مِن غَبَشِ اللَّيْلِ بِالخَيْطِ الأَسْودِ.
قالَ الشَّاعرُ: [من البسيط]
الخيط الابيض ضَوء الصبح مُنفلق ... والخيط الاسود جنحُ اللَّيلِ مَكتُومُ
وقوله: {مِنَ الْفَجْرِ} بَيانُ للخَيْطِ الأبيض عِبارةً، وللخَيْطِ الأَسْوَدِ دِلالة؛ لأنَّ بَيانَ أحدهما في حكم بَيانِ الثَّاني، فمَن نَظرَ إلى خُصوص العبارة؛ كصاحب الكشاف، والقاضي البيضاوي رحمهما الله قال: اكتفى ببَيانِ الْأَوَّلِ عَنْ بَيَانِ الثَّانِي؛ لِدِلالتِهِ عَليهِ، ومَن نَظرَ إِلى عُمومِ الدَّلالةِ كَصَاحبِ «المفتاح» قالَ: بُيْنَا بِقَولِهِ تَعَالَى: {ومِنَ الْفَجْرِ}، ومنهم مَن وفّق النظر، أرادَ بهِ صَاحبَ «الكشف»، وقالَ: إِنَّ الفَجْرَ عبارةٌ عن مجموع الخيطين؛ كقول الطائي أبي تمام: [من البسيط]
وأزرق الفجر يبدو قبلَ أبْيَضه ... وأوَّلُ الغَيثِ رس ثمَّ يَنكِبُ
تمامه:
فيكون بياناً لهما، وقد يَكونُ وقتُ النّبيين عبارةٌ عنِ الفَجْرِ الصَّادِقِ، عَلَى أَنَّ في الخيط إشارة إليه، ولولا مخالفته لنص الحَديثِ المُثبتِ في «الصَّحِيحِ»، وهو قولهُ عَليهِ الصَّلاة والسَّلامُ: «إِنَّما هُو سَوادُ اللَّيلِ وبَياضُ النَّهَارِ»، لكانَ ما ذكرهُ صَاحِبُ «الكشَّافِ» وجهاً وَجيهاً.
وقال الإمام القرطبي: وتفسيرُ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم قَولِهِ: «إِنَّما هُو سَوادُ اللَّيلِ وَسَبَاضُ النَّهارِ» الفيصل في ذلك، أراد بالتَّفسير ما في حَدِيثِ عَدي بن حاتمٍ رَضِيَ اللهُ عنه أَنَّهُ قالَ: قلت: يا رسولَ الله ما الخَيط الأبيضُ منَ الخَيْطِ الأسودِ، أَهُما الخَيْطانِ؟
قالَ: «إِنَّكَ لعَرِيضُ القَفا إنْ أبصَرتَ الخَيطينِ، ثُمَّ قالَ: «لا؛ بلْ هُو سَوادُ اللَّيلِ وبَياضُ النَّهارِ»، أخرجه البخارِيُّ.
ومن قال القائلُ صَاحِبُ العِناية في شرح الهداية - وأوَّل) كلامه: والخَيْطانِ بَياضُ النَّهارِ وسَوادُ اللَّيلِ: يعني: أَنَّ الخَيْطَ الأبيضَ أَوَّلُ ما يَبْدُو مِنَ الفَجرِ
الصَّادق، وهو المُستَطيرُ؛ أي: المُنتشرُ المُعترِضُ في الأُفُقِ كالخَيْطِ المَمدُودِ. والخيط الأسوَدُ ما يَمتدُّ مَعهُ مِن غَبشِ اللَّيلِ، وهو الفَجْرُ المُستَطِيلُ والكَاذِبُ كذَنبِ السّرْحانِ، شُبها بخَيطين أبيض وأسود، واكتفى ببَيانِ الخَيْطِ الأبيض
الجزء 1 · صفحة 35
بقوله: {مِنَ الْفَجْرِ} عَن بَيانِ الأسودِ؛ لأنَّ البَيانَ في أحدهما بَيان في الآخر، إلى هنا كَلامه = فَقَدْ خَبطَ في قولهِ: ما يمتَدُّ معَهُ مِن غَبْشِ اللَّيلِ، وهو الفَجْرُ المُستَطِيلُ خَبطاً فَاحِشَاً؛ لأنَّ ذلكَ الفَجْرَ أيضاً بَياضُ يبدو كذَنبِ السّرحان، وما شُبه بالخَيطِ الأسودِ مِن غَبشِ اللَّيْلِ إِنَّما هُو سَوادٌ مِن الظُّلام، وأيضاً عَلَى تَقدِيرِ أَنْ يُرَادَ بِالخَيطِ الأسودِ الفَجرُ المُستَطيلُ يَكونُ قَولُهُ: مِنَ الْفَجْرِ بَياناً لهما لا لأحدهما، فبَعضُ كَلامِهِ يُناقضُ بَعضه. فائدةٌ: رَجلٌ أصبَحَ في شَهرِ رَمَضَانَ جُنباً، فصومه تام، إِلَّا عَلَى قَولِ بَعضِ أصحَابِ الحَديثِ، يَعتمدُونَ فِيهِ حَدِيثَ أبي هريرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «مَن أَصْبَحَ جُنباً فلا صِيامَ لهُ، محمَّدٌ ورَبِّ الكَعبة قاله؛ لقوله تعالى: {فَالْتَنَ بَشِرُوهُنَّ} إلى قوله تعالى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ} [البقرة: ???]، وإذا كانتِ المُباشَرَةُ فِي آخِرِ جُزءٍ مِن أجزاء الليل مباحة، فالاغتسال يكون بعد طلوع الفجر ضرورةً، وقد أمر الله تعالى بإتمام الصومِ، كَذا قال الإمَامُ شَمسُ الأئمَّةِ السَّرخْسِيُّ في المَبسُوط، وفيه نظر؛ إذ لا صحة لمبنى الاستدلالِ المَذْكُورِ، وهُو تَحقُّقُ المُنافاةِ بَينَ إباحةِ المُباشرة إلى آخرِ جزء من أجزاء اللَّيلِ، ووُجوبِ الاغتِسالِ في بَعض أجزائِهِ؛ يعني: أنَّ الاستدلال المَذْكُورَ مَبْناهُ عَلَى تَحقُّقِ المُنافاةِ بَينَ الأمرَينِ المَرْبُورِينِ، ولا صحة لذلكَ المَبْنَى. كيف وقد تحقق الجَمعُ بَينَ تِلكَ الإباحَةِ وإيجابِ الصَّلاةِ فِي بَعض أجزَائِهِ، ولا صحة لها - أي: للصَّلاةِ - بدونِ الاغتسال، ولو كان إيجابه - أي: إيجابُ الاغتسال في بَعض أجزَائِهِ ـ مُنافِياً لتلك الإباحَةِ، لكانَ إيجابها - أي: إيجَابُ الصَّلاةِ فيه؛ أي: في بعض أجزائه - منافياً لها؛ أي: لتلك الإباحة؛ ضَرورة أن المنافي لما لا بد للشيء مِنهُ مُنافٍ لذلك الشيء، وإذا لم يكن هَذا منافياً لها لا يَكونُ ذَلكَ أيضاً مُنافِياً لها. والتحقيق أنَّ الإباحةَ لا يلزمُها عَدمُ الإثْمِ مُطلَقاً؛ فَإِنَّ ذَلكَ قَدْ يتخلَّفُ عَنها؟؟ كما يتخلَّفُ الإثم عنِ الحُرمةِ، وذَلكَ أنَّ لازِمَ الإِبَاحَةِ عَدمُ تَرَتُبِ الإِثْمِ عَلَى فِعَلِ الموصوف بها، لأن المُنافاة له) لا تُقارِنُهُ ولو بسبب آخر، فلا دِلالة فيما ذُكرَ عَلَى عدم وجوبِ الغُسلِ قَبْلَ النَّهارِ؛ لأنَّ مُوجب الوُجوبِ الإثمُ عِندَ المُباشرة في آخر جزء من أجزاء الليل، لكن لا يلزم أن يكون بها، بل يجوز أن يكون بما يُقارنها مِن تَركِ الغُسلِ الوَاجِبِ قَبلَ النَّهارِ، فافهم.
فائدة:
سلَّمنا فيه إشارة إلى المَنعِ الَّذِي قدَّمناهُ أنَّ الإباحة لا تُجامِعُ الحُرمة، لكنَّ الرُّخصةَ تُجامِعُها؛ كما في المُكرهِ عَلى إجْرَاءِ كَلِمَةِ الكُفْرِ عَلَى لِسانِهِ؛ فَإِنَّ لَهُ الرخصةَ في ذَلكَ، وحُرمتُهُ غَيْرُ مُنكشفة عَلى ما حقَّقَ فِي مَوضِعِهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جواز المُباشَرةِ في آخرِ جُزء من أجزاء اللَّيلِ بطَريقِ الرُّخصةِ لا بطَريقِ الإباحَةِ. ولمَّا اتَّجه أنْ يُقال: أليس أدنى درجاتِ الأمر الإباحةُ، تَدارَكة) بقوله: ومُوجِبُ الأمرِ النَّازل إلى
الجزء 1 · صفحة 36
ثَالث الدرجاتِ للأمرِ عِندَ القوم ثَلاثُ دَرجاتٍ دَرجةُ الوُجوبِ، ودرجة الندب، ودرجة الإباحة.
مُطلقُ الرخصة الشَّاملة للرخصةِ الَّتِي تَنكَشفُ معها الحُرمة لا الإباحة: فإِنَّها مِن مَراتبِ القِسمِ الأخير من الرخصة، وهَذَا مِن الدَّقائقِ الَّتِي لا تُوجد في بطون الأوراق، ولا يتنبه لها إلَّا الحُذاقُ، والقومُ لغفولهمْ عَن هَذا التَّفْصِيلِ قالوا: أدنى درجات الأمر الإباحة، وقد نبهتُ فيما تقدَّمَ عَلى أَنَّ أَدْنَى درجاتِه الرخصة الَّتِي لا يَنكَشفُ مَعها الحُرمة، والرُّجحان في جانبِ العَزيمة؛ كما في المُكرِهِ عَلى إجراء كَلمة الكُفْرِ عَلى لِسانِهِ مُوجّهاً الرُّخصةَ التي لا تنكشِفُ معها الحُرمة، ولا رُجحان في جانب العزيمة، وهي الإباحة.
تتمة: قد تبيَّنَ فيما قدمناه مِن أنَّ الأمر يجامعُ الحُرمة: أَنَّ الأمرَ يَجوزُ أَنْ يُجامَعَ الكراهة؛ لأنها دُونَ الحُرمةِ، وما يُجامع القوي يُجامعُ الضعيف بطريق الأولى. فما اشتهر فيما بينهمْ أنَّ إثباتَ الكَراهِةِ للشَّيء مَعَ الأَمرِ بِهِ غَيْرُ مُستَقِيمٍ، قَالَ صاحب «العناية» في شرح قول صاحب الهداية»: وحِينَ تَضيَّفُ للغُروبِ حَتَّى تغربَ والتَّأخيرُ إليه - يعني: تأخير صَلاةِ العَصرِ - إلى هَذا الوَقتِ مَكْرُوهُ، قالوا: وأما الفعلُ: فغير مَكرُوهِ؛ لأنَّهُ مَأمورٌ بالفعل، ولا يستقيم إثباتُ الكَراهة للشَّيء مع الأمرِ بهِ = أثرُ النَّظرِ السَّقيمِ.
فريدة:
الأصل في الاستثناء الاتصال
اعلَمْ أَنَّ صِيغة الاسْتِثناءِ حَقيقةٌ في المتّصل، ومَجاز في المُنقَطِعِ، ولذلكَ لا يُحملُ عَليهِ إِلَّا عِندَ تعذُّرِ الأَوَّلِ، وأمَّا لَفظُ الاستثناء: فحقيقةٌ فيهما في عُرفِ أهلِ النحو، وهَذا ظَاهِرٌ وإِنْ خَفيَ عَلى صَاحِبِ التَّوضِيح» حَيثُ قالَ: لأَنَّ الاستثناءَ الحقيقي هو المتّصل، وإِنَّما سُمِّيَ المُنقطع استثناء بطَريقِ المَجاز.
وشرطة دخولُ المُستَنَى في المُستتَنَى منهُ عِندَ المُتكلّم، إِنَّما قالَ: «عِندَ المتكلم، لأن دخوله فيه في نفس الأمر الواقع " غَيْرُ لازم، سواء كان في اعتقاده؛ كما إذا قال الحكيمُ: القَديمُ لا يَحتاجُ إلى الغَيرِ إلَّا إذا كانَ مُمكِناً، أو في اعتباره، وإِنْ لم يكن معتقداً به: كما إذا قال) مَنْ يَعلمُ أنَّ إِبْلِيسَ لَيسَ مِن جِنسِ المَلائكةِ (): سجد الملائكةُ إلَّا إبليس، على اعتبارِ دخوله فيها تغليباً) لأمرِ ما لَهُ شَأْنُ؛ فإِنَّ الإبهام في مِثلِ هَذا المَقامِ ِللدِّلالةِ عَلى زِيادَةِ خَطرٍ؛ كَتَنزيلِ غَيْرِ المُحتَملِ مَنزِلَةَ المُحتمل؛ إيفاء لحق المقام، وذلك قد يكون في مقام المدح؛ كما في قول النابغة: [من الطويل]
ولا عيب فيهم غَيرَ أَنَّ سُيوفَهُمْ ... بهنَّ قلولٌ من قراع الكتائب
الجزء 1 · صفحة 37
فإنه أَخْرَجَ قَولهُ: «أَنَّ سُيوفَهم بهنَّ قُلُولٌ مُخرجَ المُستَثنى مِن قَولِهِ: «ولا عَيبَ فِيهِمْ»، وذلك المعنى لا يَحمِلُ أنْ يَكونَ عَيباً؛ لأَنَّهُ أَثر كمالِ الشَّجاعةِ، إِلَّا أَنَّهُ نَزَّلَهُ مَنزلَةَ العَيبِ؛ مُبالغة في نَفيِ جِنسِ العَيبِ عَنْهُمْ، فَكَأَنَّهُ يَقولُ: وُجودُ العَيبِ فيهمْ عَلَى تَقدِيرِ أَنْ يَكونَ ما هُو مَحضُ الشَّجاعة عيباً، لكنْ هَذَا مُحالٌ، وما لا يثبتُ إِلَّا عَلى تقديرِ المُحالِ يَكونُ مُحالاً لا محالة.
وقوله عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أنا أفصَحُ العَربِ بيدَ أَنِّي مِن قُريش مِن هَذا القبيل؛ فإنَّ قولهُ: «أنا أفصَحُ في مَعنى: فَصاحَتي فِي غَاية ما يُتوقَّعُ مِنَ العَربِ لا قصور فيها أصلاً، فقوله: «بيدَ أَنِّي» استثناء مِن تَنزِيلِ مَا يُقوي الفَصاحَةَ مَنزِلَةَ ما يُضعفها؛ مُبالغةٌ في نَفيِ ذَلكَ الاحتمالِ عَلَى الوَجهِ الَّذِي مَرَّ تَفصِيله.
وقد يكون في مقام الوعيد؛ كما في قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَليم} [آل عمران: ??]، أرادَ نَفيَ البِشارةِ عَلى وَجهِ المُبالَغةِ؛ يَعنِي: مَظنَّة البشارة في حقهم على تقدير أن يكونَ العَذاب الأليم صالحاً لأن يُشربه، وذلك مُحال، والمُعلَّقُ عَلى المُحالِ مُحالٌ.
ومَن لَمْ يَتنبه لهذا الاعتبارِ اللَّطيفِ زَعَمَ أَنَّهُ مِن قَبيلِ الاستعارةِ التَّهكُمية، ولم يدر أنَّ النَّهكُمَ والسُّخرية لا يُناسِبُ كَلامَ الله تعالى.
وقد يكونُ في مَقامِ الإقناطِ الكلي؛ كما في قوله تعالى: {إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: ??] استثنى مما نكح الآباء ما قَد سَلف، وهَذا الاستثناء لا يَكونُ إِلَّا على تقدير إمكان نكاح ما قد سلف، لكنه مُحالٌ، فيكونُ جَوَازُ نِكاح ما نكح لكنَّهُ نَكَحَ الآباء محالاً، فهو إبراز المُمكن في معرض المُحال؛ مُبالغة في رفع إباحته، وقطعاً لرجاء الرخصة فيه. ومنه قوله تعالى: {إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} [الدخان: (56)]؛ فَإِنَّهُ نُزِّلَ فِيهِ أَيضَاً غَيْرُ المُحتمل منزلة المُحتمل؛ إبقاء لحقِّ المُبالغة في نفي الاحتمال.
وقوله تعالى: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا الغُوا وَلَا أَتِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا} [الواقعة: (25) - (26)]. فائدة: الاستثناء نوعان؛ وَصفي - وهو ما يَكونُ بأداته - وعُرفي - وهو التَّعليق بمشيئة الله تعالى - فإِنَّهُ لَيسَ باستثناء في الوضع؛ لانعدام أداتِهِ، فَإِنَّ المَوجُودَ فِيهِ كَلمةُ الشرط، إلا أنهم تعارفوا إطلاق اسم الاستثناء على هذا النوع.
قال الله تعالى: إِذ أَقْسَمُوا لَبَصَرِ مُنْهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَقنُونَ} [القلم: ?? - ??]؛ أي: لا يقولون: إن شاء الله تعالى، والمعنى اللغوي للاستثناء - وهو المنع والصرفُ. ينظمُ هَذا النوع أيضاً.
الجزء 1 · صفحة 38
وبَعضُ مَشايخنا قالُوا: الاستثناءُ نَوعان؛ استثناء تحصيل - وهو النَّوعُ الأَوَّلُ - إِنَّما سمّي بِهِ؛ لأَنَّهُ تكلَّمَ بالحَاصلِ بَعدَ الثنيا، واستثناء التَّعطيل - وهُو النوع الثاني - وإنما سمي بهِ؛ لأنَّ الكَلامَ يَتعطل به، والحق أنه - أي: استثناء التعطيل - غَيْرُ مُنحصرٍ فيه - أي: في النَّوعِ الثَّاني - لأنَّ البَاطِلَ مِن قِسمي الاستثناء المُستغرق، الاستثناء المُستَغرقُ باطل إذا كانَ بلَفظهِ؛ نَحوُ: نسائي طوالقِ، إِلَّا حَلائِلِي، أو بأعمَّ مِنْهُ؛ نَحوُ: عبيدي أحرارٌ إِلَّا مَماليكي، وغَيرُ باطل إذا كانَ بِأَخصَّ مِنْهُ فِي المَفهُومِ، وَإِنْ كَانَ يُساويه في الوجودِ؛ نَحوُ: نسائي طوالق.
فريدة:
قال صاحب «الكشَّافِ» في سورة الأعراف: والأناسُ اسمُ جَمع غَيْرُ تكسير؛ بدليل عَوْدِ الضمير المُفردِ إلَيهِ، وتصغيرهِ عَلى لَفظهِ؛ نَحو: رُخال اسم جمعِ رجل بكسر الخاء)، وهو الأُنثَى مِن وَلدِ الضَّانِ.
وتُوَّام، وهي المَولُودُ معَ قَرينه، وتناء وأخوات لها، قال الفاضل التفتازانيُّ في شرحه للكشَّافِ» نقلاً عَن المُصنف: ما سمعنا كلماتٍ غَيْرَ ثمان هي جمع، وهي في الوزن فعال، ورُباب اسم جمع ربى، وهي الشاة الحديثة العهد بالنتاج.
و قرار اسم جمع قرير، وهُو وَلد البقرة الوحشية، وتُقَامُ وعُرَامُ وعُراقي اسم جمع عَرَقٍ، وهُو العَظمُ الَّذِي عَليهِ بَقيَّةٌ من اللحم، ورُحَالٌ وظُوَارٌ جَمعُ ظِيْرِ، وبساط جمع بسط، هكذا فيما يُقالُ، انتهى كلامه.
وكأنه غفلَ عَن الرُّعاء قال في تَفسِيرِ سُورة القصص من الكشاف»: والرعاة اسمُ جَمعِ كالرُّخالِ والثُناءِ، وعن «فراد» قال الفاضل التفتازاني في سورة الأنعام: وقُرى: «فراداً» بالتنوين، جَمعُ فَردِ کرُ خالٍ جَمعُ رَخلِ، وعَن رُذال قال الجوهري: إِنَّهُ جمعُ رَذْلٍ.
***
فريدة:
إذا قصد الإخبَارُ عَن تَساوِي الوَصفَينِ يُفصَلُ بَينهما بأداةِ الجَمعِ وهي الواو إن ذكرا اسمينِ، مَثلاً يُقالُ: سَواءٌ مَدحُهُ، وذمَّهُ، ولا يُقالُ: سَواءُ مَدحُهُ أو ذمَّهُ، ولذلكَ قِيلَ: إنَّ «أو» في قولهمْ: سِيَّان
الجزء 1 · صفحة 39
كَسْرُ رَغيفه أو عظمهِ بمعنى الواو، ذكره الشَّريف فيما نُقل عنهُ عَلَى «حاشِيَةِ شَرحِ الفَرائضِ».
ويُفصل بينهما بأداةِ الفَرقِ، وهي (أو) إِنْ ذكرا فِعلينِ، مَثَلاً يُقالُ: سَواءٌ مَدحَ أو ذَمَّ، ولا يُقالُ: سواءٌ مَدحَ وذَمَّ.
قال الجوهري في الصحاح: والاسمُ السَّواءُ، يُقالُ: سَواءٌ عليَّ قُمتُ أو قعدتُ ()، ومنه قوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَ أَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ} [البقرة: (6)]
ومن ها هنا ظهرَ أنَّ «على» تعدية سواء»، فلا يُقصد بهِ مَعنَى الضَّرر كما تُوهم.
وفي الكشَّافِ»: كأَنَّهُ قيلَ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُسْتَوِ عَليهِمْ إنذارُكَ وعَدمُهُ)، على وفق ما ذكرنا من أنهما إذا ذكرا اسمين، حقهما أنْ يُفصل بينهما بأداةِ الجمع دُونَ الفَرقِ، فقول صاحب التلويح في بحث المجاز: سواء حصل بالمطر أو بغيرهِ، عَلى وفق القاعِدة المذكورة، فمَن وَهمَ أنَّ «أو» هاهنا بمعنى الواو، فقد وَهِمَ.
***
إذا قصدوا التفخيم، يُكررون العلم واسم الجنس، قالَ الإِمَامُ المَرزُوفِيُّ في شرح قول «الحماسة»: [من الطويل]
[و] لما رأيتُ الشَّيبَ لَاحَ بياضُهُ بمَفْرِقِ رَأْسِي قُلْتُ للشَّيبِ: مَرحَباً
كان الواجب أنْ يَقول: قُلتُ لهُ: مَرحباً، ولكنَّهُمْ يُكرّرونَ الأعلام وأسماء الأجناس كثيراً، والقصد بالتكرير التفخيم.
حكي عن الصَّاحِبِ أنه قال: كانَ الأستاذ أبو الفَضلِ يَختارُ مِن شِعرِ ابن الرومي وينقط عَليهِ، قالَ فَدَفعَ إِليَّ القَصيدَةَ الَّتِي أَوَّلُها: [من الطويل]
اتحت ضلوعِي جَمرةٌ تتوقَّدُ
وقال: تأملها، فتأملتها، فكان قد تركَ خَيرَ بَيت فيها وهو: [من الطويل]
وجهل كجَهْلِ السَّيف والسيف منتضى وحلم كحلم الشيف والشيف مغمد السَّيفِ
فقُلتُ: لَمَ تَرَكَ الأستاذ هَذا البيت؟
الجزء 1 · صفحة 40
فقال: لعلَّ القَلَمَ تَجاوزه، قال: ثمَّ رآني مِن بَعدُ، فَاعتَذَرَ بِعُدْرٍ كَانَ شَرَّاً مِن تركه، قال: إنَّما تَركتُه: لأنَّه أعادَ السَّيف أربعَ مرَّاتٍ، قالَ الصَّاحِبُ: لو لم يُعده أربع مرات فقال:
بجهل كجَهْلِ السَّيفِ وهُو مُنتضى وحلم كحلمِ السَّيف وهو مُعْمد لفَسدَ البَيتُ، لا لأنَّ الشُّعرَ يَنكَسِرُ، ولكن تُنكِرَهُ النَّفْسُ.
قالَ الشَّيخُ في دلائلِ الإعجاز» والأمر كما قالَ الصَّاحِبُ، والسَّببُ فِي ذَلكَ ما ذكره الجاحظ منْ أنَّ الكِنايةَ والتَّعريض لا يَعمَلانِ في العُقولِ عَمَلَ الإفصاحِ والتكثيف، ولذلك كانَ لإعادةِ اللَّفظِ في قولهِ تَعَالَى: {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْتَهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} [الإسراء: (105)]، وقوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدُ اللهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص: ? - ?] ما لم يكن في تركها، والاكتفاء بالكِناية.
وإنْ شِئتَ شَاهِداً لما ذُكرَ، فَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعالى: {يَلُونَ الْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ} [آل عمران: ??].
فريدة:
قد اشتهر فيما بينهم أن من حق الضمير أن ينصرف إلى المُضاف؛ لأنَّهُ المَقصُودُ بالذكرِ دُونَ المُضاف إليهِ، صَرَّحَ بذلكَ صَدرُ الأفاضل في «ضرامِ السَّقط: حَيثُ قالَ: الضَّمير في «ثقالها» للمُصَافِ إِلَيهِ، وهُو «الغَمام، معَ أَنَّ مِن حقٌّ الضَّمِيرِ أنْ ينصرف إلى المُضاف، ونظيره قول أبي الطيب: [من البسيط]
أفاضِلُ النَّاس أغراض لذا الزمن يَخلُو مِن الهم أخلاهُم مِن الفِطَنِ
ألا ترى أَنَّ الضَّمير في «أخلاهُمْ» يَرجع إلى المُصَافِ إِلَيْهِ، وهُو «النَّاسُ»، وقدْ سبقهُ إِلَيْهِ الشَّيخُ عبد القاهرِ الجُرْجانيُّ؛ حَيثُ قال في «دلائل الإعجاز»: إنكَ إذا حدَّثَتَ عَن اسمِ مُضافٍ، ثمَّ أَردتَ أَنْ تَذكرَ المُضافَ إِلَيهِ؛ فَإِنَّ البَلاعَةَ تَقتضِي أَنْ تذكره باسمِهِ الظَّاهِرِ، ولا تُضمِرَهُ، ثمَّ قَالَ: تَفسِيرُ هَذَا أَنَّ الَّذِي ذَكرهُ) هُو الحَسَنُ الجَميلُ أنْ تَقولَ: جَاءني غُلامُ زَيدٍ وزَيدٌ، ويقبحُ أنْ تَقُولَ: جَاءَنِي غُلامُ زِيدٍ وهُو، ثم قال: وقد يُرى في بادئ الرَّأْيِ أَنَّ ذَلكَ مِن أجلِ اللَّبْسِ، وَأَنَّكَ إِذا قُلتَ: جَاءني شرح لديوان سقط الزند» لأبي العلاء المعري، لصدر الأفاضل القاسم بن حسين بن محملة الخوارزمي النحوي، الحنفي، المتوفى سنة ((617) هـ).
الجزء 1 · صفحة 41
يريد بيت المعري الذي يقول فيه:
وخَفَّتْ ثَقال في المجالس للنَّوى ... فأَهْدَى لها رَبُّ الغَمام ثقالها
غُلامُ زَيد وهو كانَ الَّذِي يَقعُ في نَفسٍ السَّامِعِ أَنَّ الضَّمِيرَ للغُلامِ، وَأَنَّكَ عَلَى أَنْ تجيء لهُ بخَبرِ، إِلَّا أَنَّهُ لا يستمرُّ مِن حَيثُ إِنَّا نَقولُ: جَاءَنِي غِلمَانُ زَيدٍ وهُو، فَتَجِدُ الاستنكار ونُبُوَّ النَّفْسِ، معَ أنهُ لا لَبْسَ مِثلَ الَّذِي وَجدناه.
وكأَنَّهما غَفَلا عَن قَولِهِ تعالى في سُورةِ سَباً: {وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِبُونَ} [سبأ: (42)]؛ فإنَّ فيه عادَ الضَّمير إلى المُصَافِ إِلَيْهِ، مَعَ صَحةِ عَودِهِ إلى المُضافِ؛ كما في قوله تعالى في سورة السجدة: {وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِى كُنتُم بِهِ تُكَذِبُونَ} [السجدة: ??]، وهَذا كالنَّصّ فِي التَّسويةِ بَينَ العَودِينِ مِن جهة الفصاحة؛ لأنَّ الكلام واحد، ولو كانَ لأحَدِ العَودينِ مزيَّةٌ عَلى الآخرِ لما عَدَلَ عنه إلى الآخر بلا باعث.
وبهذا اندفع ما زعمه القاضي حَيثُ قال في شرح «مغني اللبيب»: مرَّ موضع مِن كَلامِ الشَّيخ ابن عرفة عادَ فِيهِ الضَّمِيرُ إلى مُضافٍ إِلَيْهِ، فَقَالَ: شَخصٌ مُتشدِّقٌ بجُرأةٍ: النحويون يقولون: لا يَعودُ الضَّميرُ إلى المُضاف إليه، فكَيفَ أعدتُموهُ؟ فقَالَ الشَّيخُ عَلى الفَورِ مِن غَيرِ تَلعثم: قالَ اللهُ تَعَالَى: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: (5)]، ولمْ يَزِدْ عَلى ذلك، وفيهِ مِن اللُّطْفِ ما لا يَحْفَى.
ولا شك أنَّ النُّحاة لم يَقولُوا ما نقله هَذا الرّجلُ عَنهم، وإنما قالوا: إذا وُجد ضميرٌ يُمكنُ عَوده إلى المُضافِ وعَوده إلى المُضافِ إِلَيْهِ، فَعَوده إلى المُضافِ
أولى، وتمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ مَذْكُورٌ فِي بَعضِ رَسَائِلِنا المَعمُولةِ فِي المَسائلِ المشهورة بَينَ الأَنامِ عَلى خِلافِ ما هو الحق.
فائدة:
الاستثناء كما يكون عن المنطوقِ ـ وهو الأَصْلُ الشَّائِعُ - كذلكَ يكون عن المفهوم، وذلك نادر في الكلام قلما يَتَبَّهُ لَهُ إِلَّا الأفراد من ذوي الأفهام؛ كما في قولهِ عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلام: «إذا ماتَ ابنُ آدمَ انقطع عنه عمله، منطوقه لا يُناسِبُ الاستثناء المذكور في قوله: «إِلَّا مِن ثَلاث: صدقةٍ جارية، وعلم نافع، وولد صالح يدعو له، إنما المُناسب له مفهوم ما ذكر، وهو أَنَّ ابن آدمَ يَنقَطِعُ عَن عَمَلِهِ.
الجزء 1 · صفحة 42
فائدة:
العطف كما يكون على اللفظ - وذلك شائع - كذلك يكونُ عَلَى المعنى، وذلك أيضاً شائع كما في قوله تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ غَيْرَ الأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُم مُّعْرِضُونَ} [الأنفال: ??]، وذلك أَنَّ المَعطُوفَ عَليهِ - يَعني: قَولَهُ تَعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} - في معنى: ولا خَيرَ فِيهِمْ، فَعَطفَ عَليهِ قَولَهُ تَعالى: {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلُوا وَهُم مُعْرِضُونَ} على اعتبار هذا المعنى، فافهمْ هَذا الاعتبار الدقيق.
فريدة:
الحرام قد ينقلب واجب، وذلك مشهورٌ مَذْكُورٌ في كتب الأصول والفروع كأكل الميتة، وشرب الخمر في حالة الاضطرارِ، إِلَّا إِذا كانَ ذلك الحرام ممَّا. لا ينكشف حُرمته أصلاً؛ فإنه حينئذ لا ينقلب واجباً، بلْ نَقولُ: لا ينقلب أصلاً واجباً كان أو مستحباً أو مُباحاً؛ كإجراء كلمةِ الكُفْرِ عَلى اللَّسانِ في حالة الإكراه بالقتل؛ فإنه يُرخص فيه في تلك الحالة، وهو باقٍ عَلى حُرمته، وبالعكس؛ أي: قد ينقلب الواجب حَراماً، وذلك نادرُ غَير ظاهر، ولذلك لا يُوجد في بُطُونِ الدفاتر؛ كالنَّهي عَن المُنكَرِ إِذا عَلمَ أنهُ يُؤدِّي إلى زيادة الشر؛ ذكره العلامة الزمخشري وغيره في تفسير قوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فيسبوا الله عدوا بغير طر} (الانعام: ???)، حيث قال: فإن قلت: سَب الآلهة حق وطاعة، فكيف صح النهي، وإنما صح النهي عن المعاصي؟
قلت: رب طاعة عُلم أنها تكون مفسدة، فتخرج من أن تكون طاعة فيجب النهي عنها؛ لأنها معصية، لا لأنها طاعة)؛ كالنهي عن المنكر الذي هو من أجل الطاعات، فإذا عُلم أنه يُؤدّي إلى زيادةِ الشر، انقلب معصية، ووَجبَ النَّهيُ عَن ذلكَ النَّهي كما يَجبُ النَّهيُّ عَن المُنكَرِ.
ومنهم من قال - القائلُ هُو الإمَامُ أبو مَنصُورٍ المَاتُريدي: ذلك الانقلاب في المُباحِ، قالَ صَاحِبُ التَّيسِيرِ في تَفسِيرِ الآية المذكورة: قالَ الإِمَامُ أَبُو مَنصُورٍ: كَيفَ نَهانا عن سب مَنِ اسْتَحَقَّ السَّبَّ؛ لئلا يسب مَن لا يَستَحقُهُ، وقَد أُمرنا بقتالهم، وإذا قائلناهم قتلونا، وقتل المؤمن بغَيرِ حقٌّ مُنكر، وكذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغ الوحي والتلاوةِ عَليهِمْ وَإِنْ كَانُوا يُكَذِّبونهُ؟
قيل: إن السب لأولئكَ مُبَاحٌ غَيْرُ مَفروض، وقتالهمْ فَرضٌ، وكذا التبليغ، وما كانَ مُباحاً فإنه يُنهى عمَّا يَتولَّدُ مِنهُ ويَحدثُ مِنهُ)، وما كانَ فَرضَاً لا يُنهَى عَمَّا يَتولَّدُ مِنهُ، وعَلى هَذا يَقعُ الفَرقُ لأبي حنيفةَ
الجزء 1 · صفحة 43
رَحمهُ اللهُ فيمَنْ قَطعَ يَدَ قاطِع يَدِهِ قصاصاً، فماتَ مِنه؛ فإنهُ يَضمَنُ الدِّيةَ؛ لأن استيفاء حقه مباح، فأخذ بالمتولد منه.
والإمام إذا قطع يد السَّارِقِ فماتَ مِنهُ، لم يَضمن؛ لأَنَّهُ فَرضٌ عَليهِ، فَلَمْ يُؤْخذ بالمتولدِ مِنْهُ، إلى هَاهنا كلامه.
وقد عرفتَ أَنَّهُ - أي: الانقِلابَ المَذْكُورَ - غَيْرُ مَخصُوص بالمُباحِ، بَلْ يَعمُّ المُستحب والوَاجِبَ.
فائدة: النَّهيُّ عِندَ النَّحويين صيغة: لا تفعل، حنا كانَ عَلَى الشَّيء؛ كقولك:
لا تقعد عن الطلب، أو زجراً عَنهُ؛ كقولك: لا تشرب الخمر.
وفي نظرِ أهلِ البُرهان: ما يقتضي الزَّجرَ عَنِ الشَّيء، سَواءٌ كَانَ بصيغة نحو افعل كقولك: اسكُتْ أو لا تفعل؛ كقولك: لا تنطق، وذلك ـ أي: الاختلافُ المَذْكُورُ - لأنَّ نَظرَ النَّحْوِي إلى جانبِ اللَّفْظِ، ونَظرَ المَعقُوليَّ) إلى جانبِ المعنى.
فريدة:
الفَرقُ بَينَ سَمعتُ حَديثه»، و «سمعتُ إلى حَديثِهِ»: أَنَّ الأَوَّلَ يُفيدُ الإدرَاكَ، والثاني يُفيدُ الإصغاء مع الإدرَاكِ، ذكره العلامة الزمخشَرِيُّ فِي تَفسِيرِ سُورةِ الصَّافاتِ من الكشاف.
وهَذا صريح في أن التضمِينَ لَيسَ مِن باب الإضمار، كما سبق إلى فهم الفاضل التفتازاني ومَنْ حَذا حَذُوهُ، ولا من باب الكناية؛ كما سبق إلى فهم الفاضل الجرجاني، وليس فيهِ مَحذُورٌ مِن الجَمعِ بين الحقيقة والمَجاز، كما هو المُتبادر إلى الأوهام؛ لأنَّ القصد فيه إلى مَجْمُوع المَعنَيين مُرتبط) أحدهما، بالآخر، لا إلى كل منهما منفرداً عن الآخر)، كما في مظان الجمع بين الحقيقة والمجاز، فتدبر.
فائدة:
التقييد - يعني: بقولهِ تعالى: بِأَيْدِهم - في قولهِ تَعالى: {يَكْنُ الكتب بايد بهم} [البقرة: (79)]؛ لقطعِ المَجاز في الإسْنادِ، هَذا إذا كانت الأيدِي بمعنى الأنفُسِ، أو لتعيين المُرادِ مِن المُسندِ، هَذا عَلى تقدير أن تكونَ الأيدي) بمعناها الأصلي؛ فإِنَّ الكِتابَةَ قَد تُطلقُ عَلى الإملاء، وقدْ تُطلقُ عَلى الإِنشَاء.
فريدة:
قوله تعالى: {بِغَيْرِ عِلْمٍ} في قوله تعالى: {وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ علم [النحل: (25)]
الجزء 1 · صفحة 44
حال مِن المَفعُولِ والتَّقييدُ به لأَنَّهُمْ مَعذُورونَ حَيثُ قلَّدُوا العلماء، وكانَ التَّقليدُ واجباً عليهم، فكانَ وزر أعمالهمْ فيما قلدوا فيهِ عَلى المُقلَّدينَ، ففِيهِ نَوعُ دِلالةٍ عَلَى أَنَّ التَّقليد مِن جُملة الأدلَّةِ الشَّرعية.
وأمَّا الَّذِين يضلُّونَ بطَريقِ الخِدْعَةِ: فليسوا بمَعذُورِينَ، فَوِزِرُ ضَلالَهُمْ عَلَى أنفُسهمْ، وأمَّا عَلى الخادِعينَ وزِرُ الخِدْعَةِ، فافهم جداً؛ فَإِنَّهُ قَد خَفيَ عَلَى النَّاظِرِينَ في هَذا الكَلامِ.
فريدة:
فِرْعون وقيصرُ عَلَمانِ، وكذا كسرى ونَحوُه؛ لأنَّهما لا ينصر فان، وليسا من أعلام الجنس للجمعية، يُقالُ: فَراعنةٌ وقَياصِرةً، وعَلمُ الجِنسِ للجمعية لا يُجمعُ، فلا بد من القَولِ بوضع خاص في كل منهما لكلِّ مَن يُطلق عليه.
فريدة:
لعَلَّكَ تَزعَمُ أَنَّ لله تعالى دَخلاً في الإِنسَاءِ، فَيَسْتَبَهُ عَلَيْكَ وَجهُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أَنسَنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَنُ} [الكهف: (63)]؛ حَيثُ حَصَرَ فِيهِ الإِسنادُ إلى الشَّيطانِ، فَاعلَمْ أن دخله تعالى في خَلقِ النِّسيانِ، وأَمَّا فِعل الإنسَاءِ: فمِنَ الشَّيْطَانِ، وَالفِعَلُ غَيْرُ الخَلقِ، ونسبةُ الأَوَّلِ إلى العَبدِ لا يُشاركه فيها الله تعالى، كما أنَّ نِسبَةَ الثَّاني إلى الله تعالى لا يُشاركه فيها العَبْدُ عِندَ أهل الحقِّ، يُفصِحُ عَن هَذَا اتَّفاقُ الفَرِيقَينِ - يعني: أهل السُّنةِ والجماعة، وأصحاب الاعتزال - في نسبة الأفعَالِ إلى العِبادِ معَ اختلافهما في نسبة خَلقِهما إِلَيْهِ، ولولا أنَّ أحَدُهُما غَيرُ الآخر، لما تمشى هَذا، فتدبَّر.
فائدةٌ:
ما قُدَّمَ لفظاً لأمرِ النَّظم قدْ يُعتَبَرُ مُؤخَّراً في المَعنَى؛ كالتَّعقِيبِ المُستَفادِ مِن الفاءِ الدَّاخِلِ عَلى صِيغة الأمرِ في قوله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) [الجمعة: 9]، وكالتَّعقِيبِ المُستَفادِ مِن الفاءِ الدَّاخِلِ عَلَى قَوْلِهِ تَعالى: {فَأَغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: (6)]؛ فإِنَّهُ مُؤخرٌ في الاعتبارِ عَن ((5)) مَدلُولِ الصَّيغة؛ لأنَّ المُرادَ طلبُ التَّعقِيبِ، لا تَعقِيبُ الطَّلبِ كما سَبَقَ إلى وَهِم مَن قَالَ: إِنَّ الدَّالَّ عَلَى الوُجوبِ في نص الوضوء لَيسَ إِلَّا الأمرُ، وهو لمْ يَدخُلْ عَلَى الفَاءِ، بَلِ الفَاءُ دَخَلَتْ عَليهِ، فمفهومه الصّريحُ تَعقِيبُ وُجوبِ غَسلِ الوَجهِ عَنِ القِيامِ إِلى الصَّلاةِ، وهو لا يستلزم وُجوبَ تَعقيبه عَنهُ، فافهمْ فَإِنَّهُ سُرِّ دَقيقٌ لِدِقِّتِهِ وغُموضهِ ذَهَبَ عَلَى القائلِ المَذْكُورِ.
الجزء 1 · صفحة 45
فريدة:
إذا بَلَغَ الطَّلاقُ غَايته - وهِي الثَّالثة في الحُرَّةِ، والثانيةُ فِي الأَمَةِ - لا تحلُّ لَزَوجِها لا بالنكاح ولا بمُلْكِ اليَمينِ حتَّى تَنكِحَ زَوجاً غَيرَهُ - وَلَمْ يَقلُ: حَتَّى تَعتد، ثمَّ تَنكِحَ زوجاً غَيْرَهُ؛ لأنَّ الحُرْمَةَ الغَليظة قد تثبتُ قبل الدخولِ والخَلُوةِ، فحينئذ لا تَجبُ العِدَّةُ - نكاحاً صحيحاً، إنَّما قيدَهُ بالصَّحة؛ لأنَّ الزَّوجِيَّةَ المُطلقةَ المَنصُوصَ عَليها إِنَّما تَثبتُ بهِ، ويَدخُلُ بها، ثُمَّ يُفارِقُها، لم يقل: ثُمَّ يُطلِّقُها - كما قَالَهُ صَاحِبُ «الهداية»، وغيره، لأنَّ الشَّرِطَ مُطلَقُ المُفارَةِة لا المُفارَقةُ بالطَّلاقِ أو يَموتُ عَنها، وتتم عدتُها، لا بد من انقضاء عدتها أيضاً في ثبوتِ الحل للزوج الأول، والقومُ قد أهملوا هَذا الشَّرط.
وأمَّا شَرطُ النكاح: فينص الكِتابِ، وهو قولهُ تَعَالَى: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بعد} [البقرة: ???]، إنما زادَ هَذا القَيدَ؛ تَعييناً لأوَّلِ ثُبوتِ تِلكَ الحُرمةِ؛ فإِنَّ أداة الجزاء لا تدلُّ) عَلى التَّعقيبِ عَلى ما بينَ في موضعهِ، فَلَولا التَّعيينُ المَذْكُورُ، لا حتملَ أنْ لا تَثبُتَ الحُرْمَةُ الغَليظةُ ما دامَت في العدَّةِ حَتَّى تَنكِحَ: النِّكَاحُ بمعنى العَقْدِ)) يُنسَبُ إلى كُلِّ مِنَ الزَّوجَينَ زَوجاً غَيره.
فإن قلت: أليست الحُرمة باقية إلى انقضاء العدَّةِ؟
قلتُ: بل تنتهي الحُرمة الغليظةُ عِندَ النكاح، وتظهرُ حُرمةٌ أُخرى، وهي أثر نكاح الغَيرِ، والعِدَّةُ أثر ذلك النكاح) وتمتدُّ تلك الحرمة إلى آخر العدَّةِ)، وهَذا الفَرقُ لا يُناسِبُ صُورةَ المَسأَلةِ، فاحتِيجَ فيها إلى اشتراط انقضاء العدَّةِ.
وأمَّا تُبوتُ شَرطِ الدخول: فبقوله: «لا تحلُّ) للأوَّلِ حَتَّى تَذوق) عُسيلة الآخر» الحديث)، أشار بلفظ «الدوق» إلى أنه يُكتفى بمُجرَّدِ الإيلاج، ولا يُشترط الإنزال، وبالتصغير) في لفظة) الحُسَيلةِ» إلى أنَّ قدراً مِنْها يَكفي في الحل، فلا يُشترط إيلاجُ مَجمُوع الذَّكرِ، بل يكفي إيلاج بعضهِ وَهُوَ قَدْرُ الحَشَفَةِ؛ لأَنَّ مَا دُونها ليس بإيلاج، وهو حديث مشهورٌ تلقته الأُمَّةُ بالقبول.
ولا خلاف لأحدٍ مِن المُجتهدينَ فيهِ سِوى سعيد بن المُسَيَّبِ، وإِنَّما قُلنا:
الأحد من المجتهدينَ»؛ كَيلا يرِدَ النَّقْضُ عَلى حَصِرِ المُستَنى في المَذْكُورِ) ببشر المَرِيسِي ودَاودَ الظاهري، وقوله غَيْرُ مُعتبر حتّى لو قضى بهِ القاضِي لا يَنفَذُ قَضاؤه، فيجُوزُ تَفريعه عَلى قَولِهِ: مَشهورٌ أَنْ يَزادَ بِهِ عَلى نص الكتاب، وإنما تلزم الزيادةُ عَليهِ؛ لأنه خلو عَنِ الشَّرطِ المَذْكُورِ، هَذا إذا حُمِلَ النَّكاحُ عَلى العقد كما هو الظاهر، وأمَّا إذا حُملَ عَلى الوَطْء، فلا تلزمُ الزّيادة المذكورة، لا يُقالُ: إسناده إلى المرأة (1)
الجزء 1 · صفحة 46
يأبى حمله على الوطء، لا لأنه يَجوزُ التَّجوزُ في الإسنادِ؛ لأنهُ قَبيح لا يُناسِبُ فَصاحةَ القرآن، بلْ غَيْرُ صَحيح؛ لأنَّ هاهنا إسنادين:
أحدهما: إسنادُ الفعل إلى المرأة، ولهُ مَسَاغ باعتبارِ أَنَّ التَّمْكِينَ مِنَ الوَطء مِن جهتها.
والثاني: إسنادُ الانفعالِ إلى الرَّجلِ، ولا مَساغَ لَهَذا التَّجوز كما لا يَحْفَى، بَلْ لأنه يجوز أنْ يَكونَ عَلى القَلبِ؛ كقولنا: أدخلتُ الخاتَمَ في الإِصْبَعِ، والقَلَنْسُوةَ في الرَّأس، ويعد ألف بواحِدٍ، والأصلُ حَتَّى يَنكِحَها زَوج آخرُ.
ومبنى لزومِ هَذهِ الزَّيَادَةِ عَلَى أَنَّ مَتى تدلُّ عَلَى ثُبوتِ الحِل بعد التزوج بزوج آخرَ بطَريقِ المَنطوقِ؛ ضَرورةَ أَنَّها تدلُّ بعبارته باعتبار) وضعها في اللُّغةِ لانتهاء الغَاية على انتهاء حكمِ الحُرْمةِ الغَليظةِ عِندَ التَّزَوجِ بَزَوجِ آخرَ، إِلَّا أَنَّهُ تَظْهرُ حينئذ حرمةٌ أُخرى، وهي حُرمة نكاح الغير، وتلك الحُرمة في معرض الزَّوالِ بالفُرْقة قبل الدخول.
ويلزمه - أي: يلزمُ الانتهاءَ المَذْكُورَ - أَنْ تَحلَّ لَزَوجِها الأَوَّلِ إِذا طَلَّقها الزَّوجُ الثاني قبل الدخول بها، وإلا يلزم أن لا تنتهي الحُرمة الغليظة بالتزوج بزوج آخر.
والدلالةُ عَلَى اللَّازِمِ المُتأخُرِ بطريق المنطوق، وهي) هاهنا مِن قَبيلِ الإشارة لأنَّ الكَلامَ غَيْرُ مَسوقٍ لها
ومَن وَهَمَ؛ كَصَاحبِ «التَّلويح»، وعامَّةِ شُراحِ «الهداية» أَنَّها - أي: الدلالة المذكورة - بطريق المفهوم، فقد وَهِم، وما فهم منه أنه حينئذٍ لا يصلح مثبتاً لحكم عِندَ وُجودِ نص مُنافٍ له؛ لما تَقَرَّرَ في مَوضِعِهِ أَنَّ المَفهُومَ عِندَ القَائِلِينَ بِحُجَّيَّتِهِ ساقط في مُعارضة المنطوق؛ لأنه منسوخ بهِ، فلا يلزَمُ الزِّيادةُ عَلى النص في الصُّورة المذكورة؛ لأنَّ مَبناها عَلى ما عَرفتَ عَلى دِلالةِ حَتَّى المَذكورة في النَّصَّ المَرْبُورِ على ثبوتِ الحِل بعد التزوج بزوج آخر.
تتمة:
قالوا - أي: قال المشايخ في كتب الأُصولِ عِندَ بيانِ المَخْلَص عَن تَعارُض النصَّينِ مِن قِبل المحل -: قوله تعالى: {وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: (222)]، بالتخفِيفِ يُوجِبُ الحِلَّ بعدَ الطُّهر قبل الاغتسال، وبالتشديدِ يُوجِبُ الحُرمة قبل الاغتسال، فحملنا المُخفَّفَ عَلى العَشرةِ والمُشدَّدَ عَلى الأقل،
الجزء 1 · صفحة 47
إنَّما لَمْ يُحمل على العكس؛ لأنَّها إذا طَهَرَتْ لعَشرةِ أَيَّامٍ، حصلتِ الطَّهَارَةُ الكامِلةُ؛ لعَدمِ احتمالِ العَوْدِ، وإذا طَهَرتْ لأقل منها يُحتملُ العَودُ، فلمْ تَحْصِلِ الطَّهَارَةُ الكامِلةُ، فاحتِيجَ إلى الاغتسال؛ لتتأكَّدَ الطَّهارة، وهَذا القَولُ مِنهمْ صَريحٌ فِي أَنَّ دِلالَةَ حَى بِطَرِيقِ المنطوق، لا بطريق المَفهُومِ كما توهَّمهُ صَاحِبُ التَّلويح» حَيثُ قَالَ: وظاهرُ هَذِهِ العِبارة يُشعرُ بأنَّ الحِلَّ مُستفادٌ مِن قَولِهِ تعالى: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: ???] قولاً بمفهوم الغاية؛ فإنهُ مُتفقٌ عَليهِ: لأنَّها لو كانَتْ بطَريقِ المَفهوم، لسقطتْ في مُقابلة منطوق قوله تعالى: {حَى يَطْهُرْنَ) بالتَّشْدِيدِ فلمْ يَحتج إلى المَخلَص مِن قِبل المحل؛ لأنه فَرعُ قيام التعارض بين النصين، وبهذا البيانِ ظَهرَ أَنَّ صَاحِبَ التلويح كما لم يُصب في عبارة الإشعار، كذلك أخطأ في قوله: ويُحتَملُ أنْ يُرِيدَ أَنَّ الحِلَّ كَانَ ثابتاً، والنَّهي قد انقضى بالظهر، فبقي الحل الثابِتُ لَعَدمِ تَناوِلِ النَّهِي إِيَّاهُ، فَعَبَرَ عَن عَدِمٍ رفع) الآية الحلَّ بإيجَابِها إِيَّاهُ تجوزاً؛ لما عرفتَ أَنَّ مَبَنَى الحَاجَةِ إِلى المَخلَص المذكُورِ عَلى قِيامِ التَّعارُضِ بَينَ النَّصَّينِ حَقيقة.
فإن قلت: أليست العِبارةُ تُربَّحُ عَلى الإشارة عِندَ التَّعارض؛ فلا حاجة إلى المَخلَص؛ يعني: أنَّ دِلالَةَ قِراءةِ التَّخْفِيفِ مِن قَبيلِ الإشارة، فلا تُعارِضُ قِراءةَ التشديد؛ لأنَّ دِلالتها مِن قَبيلِ العِبارة، والعبارة راجحة على الإشارة؟
قلت: الأصل في النصوص الإعمال لا الإهمال، فلا يُصار إلى إسقاط أحد النصين بالترجيح؛ أي: ترجيح الآخر عليه مع إمكان التوفيق بينهما، والإعمالِ بهما.
فائدة:
«إلى» تشارك حتّى» فيما ذُكرَ مِن وَجهِ الدِّلالةِ بِطَرِيقِ المَنطوقِ)، قالَ الفاضِلُ عَضَدُ الدِّينِ في شَرحِ المُختَصرِ»: إِنَّ قَولَ القَائِلِ: «صُومُوا إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمسُ مَعناهُ: آخرُ وُجوبِ الصَّومِ عِندَ غَيبوبةِ الشَّمسِ، فلو قدَّرنا ثُبوت الوُجوبِ بعدَ أَنْ غَابَتِ الشَّمسُ لم تكنِ الغَيبُوبةُ آخِراً، وهُو خِلافُ المَنطوق.
وهذا كالتَّصْرِيحِ بأنَّ الدَّلالةَ المَذْكُورة تُوجِبُ العِبارَةَ، فتكونُ مِن قَبيلِ المَنطوقِ، لا من قبيل المفهوم كما زعمهُ حَيثُ قَالَ قُبيل ذلكَ الكَلامِ: مفهوم الغاية أقوَى مِن الشَّرطِ؛ فقالَ بهِ َكلُّ مَن قالَ بمَفهُومِ الشَّرط، وبَعضُ مَن لم يَقُلْ بِهِ؛ كالقاضِي وعَبدِ الجبَّارِ، ومَنعهُ البَعضُ مِن الفقهاء واحتج القائل به بما تقدَّمَ في الصَّفَةِ وبوجه يخصُّهُ وهو أن قول القائل ... إلى آخره ".
وما ذُكر في الميزان من أنَّ قولَهُ تَعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا القِيَامَ إِلَى الَّيْلِ} [البقرة: (187)] لا ينفي
الجزء 1 · صفحة 48
وجوب الصومِ في الليل عند عامة أصحابنا ـ قال في «الميزان»: والخامس النص إذا أثبَتَ حُكماً مؤقتاً إلى زمان معلوم، هل يكون نفياً لذلك الحكم بعد مضي ذلك الوقت في زمان بعده أم لا؟ كقوله تعالى: لم أنتوا القيام إلى اليل، فهذا النَّصُّ هَل يَنفِي إِيجَابَ الصّومِ في اللَّيلِ أَمْ لا؟ ثُمَّ عِندَ عَامَّةِ أصحابنا في الفصول كلها أنه لا يُوجبُ النَّفي، وإنما حكمه موقوف إلى قيام
الدليل في النفي والإثباتِ في غَيره - غَير مُعوّل عَليهِ؛ لأن العمل - أي: عَمل أصحابنا - بمَدلُولِ الغاية شائع، وقد عرفتَ أَنَّهُ لَيسَ مِن قَبيلِ المَفهُومِ، وَلذَلكَ لم يذكر في بحث مفهومِ المُخالفة من الأصُولَيْنَ؛ «أُصول فخرِ الإسلام البزدوي»، و «أُصول شمس الأئمة السرخسي»، وتبعهما صاحِبُ «التوضيح». تمسَّكُوا -أي: تمسَّكَ أصحابنا - بمَسائل، منها: أَنَّهُمْ قَالُوا: يَجوزُ بَيعُ الحِنطة في سُنبلها، والباقلاء في قشرها وكذا الأرز، والسمسم؛ لما رُوي عنِ النَّبِيِّ: أَنَّهُ:
عَن بَيعِ النَّحْلِ حَتَّى يَزهو، وعَن بَيعِ السُّنبل حتَّى بَيضُ، ويأمن العامة). ومبنى الاحتجاج به على أن حكم ما بعد الغاية خِلافُ حُكم ما قبلها، وصاحِبُ «العناية»؛ لغفولهِ عَنْ أَنَّ ما ذُكرَ حُكمُ المَنطُوقِ لا المفهوم، قال في «شرح الهداية»: وفيه نظر؛ لأنه استدلال بمفهوم الغاية، ثمَّ قال: والأُولى أنْ يُستدل بقوله: «نَهى»؛ لأن النهي يقتضي المَشرُوعِيَّة، ولم يدر أن النهي لا يقتضي الجواز والصحة والمَشرُوعيَّة بلِ الفَسَادَ والمَشرُوعيَّةُ الَّتِي يقتضيها النَّهيُّ إِنَّمَا هِي باعتبار أصله، فلا يتم به التقريب كما لا يخفى.
وأمَّا الجَوابُ عَن النَّظرِ المَذْكُورِ بأنَّ النَّهِيَ مُغيّي بالابيضاض، فلم يَدخل ذلك تحت النهي، وبقي داخلاً في عموماتِ البَيعِ الدالة على الجواز: فلا يُجدي نفعاً؛ لأنَّ النظر على تقدير الاستدلال بالبينة) المذكورة، وكلام القوم صريح فيه على تقديرِ ما ذكرَ، حقهم أن يستدلوا بعُموماتِ النُّصوص الدالة على جواز البيع.
تتمة نهى رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ النقل بعد الفجر حتَّى تَطلُعَ الشَّمس، وبعد العَصرِ حتَّى تَعْرُبَ الشَّمسُ والحَديثُ مَذكور في «الصحيحين»
واستُشكل بأنه غَيَّا) الكراهة إلى الطلوع، والغُروب، وحكم ما بعد الغاية يُخالف ما قبلها، وهاهنا ليس كذلك؛ لأنها ثابتة بعد الطلوع إلى ارتفاعها، وبعد الغُروب إلى أداء المغرب، الإشكال بهذا الوجه مذكور في «العناية شرح الهداية».
الجزء 1 · صفحة 49
وحلُّهُ: أَنَّ الكَراهةَ في هَذينِ الوقتين لحقِّ الفَرضِ، وهي تستمر إلى ابتداء ارتفاع الطلوع والغُروب بظهور حاجِبِ الشَّمس وغيبته، ثم ينقطع وتحدث
تونكا الباشا العن الامة كراهة أخرى حالة الطلوع مُستمرَّةٌ إلى تمام الغُروبِ بأداء المغرب، وهَذهِ الكراهة للشبهِ بِعَبْدِةِ الشَّمسِ لا لحقِّ الفَرضِ.
ولا خَفاءَ في أنَّ حُدوثَ هَذهِ الكَراهة لا يُنافِي انقطاع تلك الكراهة، فمُوجِبُ أداء الغاية مرعي.
وأما من قال في حَلَّهِ - القائلُ صَاحبُ العِناية» ـ: إِنَّهُ تثبتُ بمفهوم الغاية، وهو غير لازم: فقد أخطأ في كل من مَقامَي كلامِهِ، أَمَّا فِي الأَوَّلِ؛ فلما عرفتَ أَنَّهُ تشبث بمنطوق الغاية لا بمفهومه، وأمَّا فِي الثَّاني؛ فلما عرفت أيضاً أنهم تمسكوا بها في مَسائل، وهَذا دَليلٌ عَلى أَنَّ العَمَلَ بموجبها لازِمُ عِندَهُمْ، وهم إنَّما عَنونُوا بِهِ؛ لأنَّ في الكلام الآتي ذكرُهُ زَعَماً باطِلاً عَلى ما تَقفُ عَليهِ بإذن الله تعالى.
جوز) الشَّافعي السلم الحال؛ قياساً عَلى المُؤجل بجَامِعِ دَفع الحرج بإحضار المبيع مكان العقد، ورُدَّ هَذا القِياسُ: بأنَّ النص - وهو قولهُ عَليهِ الصَّلاة والسلام: «مَن أرادَ مِنكُمْ أنْ يُسلم، فليسلم في كيل معلوم) إلى أجل معلوم ـ يدلُّ عَلَى عَدمِ مَشرُوعية السلم الحال بحكم مفهوم الغاية اتفاقاً وإلزاماً، ولا عبرة بالقياس المُغير لحكم النص، الرد بهذا الوجه مذكور في التلويح. ولا خَفاء في أنَّ مدارَ الرَّدْ عَلى دِلالةِ قَولِهِ عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلام: «إلى أجل معلوم على اسْتِراطِ الأَجَلِ في السَّلمِ، ففيه تمسُّكُ بمفهومِ الشَّرطِ، لا بمفهوم الغاية، وهذا ظاهر في الغاية.
***
فريدة:
الوجوبُ قد يكونُ غَير عين؛ كما في الواجب على الكفاية.
تَعْلِيقَة:
التَّصْمِينُ عَلَى نَحْوَيْن:
أحدهما: تضمين لفظة لفظاً آخر، وهو الَّذِي ذكره صاحِبُ «الكشَّافِ»
في تفسير قوله تعالى: {هَلْ أَنتُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَنطِينُ} [الشعراء: (221)]؛ حَيثُ قال: فإنْ قُلتَ: كيفَ دَخلَ حَرفُ الجرِّ عَلى مَن المُتضمنة مَعنَى الاس الاستفهام، والاستفهام له صدرُ الكَلامِ؟
الجزء 1 · صفحة 50
الا ترى إلى قولك: أعلى زيد مررت، ولا تقول:
على أزيد مررت؟ قلتُ: ليسَ مَعنَى التَّضمِينِ أنَّ الاسم دلَّ عَلى مَعنيين معاً؛ معنى الاسم، ومَعنَى الحَرفِ، وإِنَّما معناه أَنَّ الأصل: «أمن»، فحذف حرف الاستفهام، واستمرَّ الاستعمال عَلى حَذفِهِ كما حُذَفَ مِن «هل»، والأصل: «أهل»، قال: [من البسيط]
أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم
فإذا أدخلْتَ حَرف الجر عَلى مَن» فقدر الهمزة قبل حرف الجر في ضميرك، كأَنَّكَ تَقولُ: أعلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطين، كقولك: أعلى زيدٍ مررت.
وثانيهما: تضمين لفظ معنى لفظ آخرَ، وهُو الَّذِي ذكره الفاضِلُ المَذْكُورُ فِي تفسير سورة الكهف في قوله تعالى: {ولا تعد عيناك عنهم}: حَيثُ قَالَ: يُقالُ: عداه:
إذا جاوزه، ومنه قولهمْ عَدا طَوره، وجاءَني القومُ عَدا زيداً، وإِنَّما عدي بـ: «عَن»؟ لتضمين «عدا» معنى: «جاوزَ: كما في قولك: نبت عنه عينه: إذا اقتحمته، ولم تعلق به.
فإنْ قُلتَ: أَيُّ غَرضِ في هَذا التّضمينِ؟ وهلا قيلَ: ولا تَعدُهُمْ عَيْناكَ، أو: ولا تَعدُ عَيْناكَ إِيَّاهُمْ؟ قلتُ: الغَرضُ فيه إعطاء مجموع معنيين، وذَلكَ أَقوَى مِن إعطاءِ مَعنَى فَزَّه)، ألا ترى كيف رَجعَ المَعنى إلى قولك: ولا تقتحِمْهم عَيْناكَ مُجاوِزتين إلى غيرهم، ونَحِوُهُ قَولهُ تَعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: (2)]؛ أي: ولا تضمُّوها إليها) اكلين لها انتهي
فمَن قصرهُ عَلى النَّحوِ الأَوَّلِ، فقد قصَّرَ، وكذا مَن قصرهُ عَلَى النَّحو) الثَّاني، فقد قصر.
قال الفاضِلُ التَّفتازانيُّ في شَرحِ الكشَّافِ»: حَقيقَةُ التَّضمينِ أنْ يُقصد بالفعلِ معناه الحقيقي معَ فعل آخرَ يُناسبه، وهُو كَثيرٌ في كلامِ العَربِ حتَّى قال ابن جني: لو اجتمعت تضميناتُ العرب، لاجتمعت مجلدات.
فإن قيل: الفِعل المَذْكُورُ إِنْ كانَ في مَعناه الحقيقي، فلا دِلالَةَ عَلَى مَعنَى الفعل الآخر، وإن كان في معنى الفعل الآخر، فلا دلالة على معناه الحقيقي، وإِنْ كَانَ فيهما، لزِمَ الجَمعُ بينَ الحَقيقةِ والمَجازِ؟
قلنا: هو في معناه الحقيقي معَ حَذفِ حالٍ مَأخوذةٍ مِن الفِعل الآخرِ بمعونة القرينة اللفظية.
فقولنا: أحمدُ إلَيكَ فُلاناً مَعناه: أحمده منتهياً إِلَيْكَ حَمدهُ، ويُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى كذا، معناه: نادِماً عَلى
الجزء 1 · صفحة 51
كَذا.
والظَّاهِرُ مِن كَلامِهِ أنه غافل عَنِ النَّحو الثاني من التضمين.
وقال الفاضِلُ الجُرجاني فيما علقه على الكشافِ»: والتَّضمِينُ أنْ يقصد بلفظ فعل معناه الحقيقي، ويُلاحظ معه مَعنى فِعل آخرَ يُنَاسِبةُ، ويدلُّ عَليهِ بذكرٍ شيء من متعلقاتِ الآخر؛ كقولك: أحمد إليكَ فُلاناً؛ فَإِنَّكَ لا حَظَتَ فِيهِ مَعَ الحمد معنى الإنهاء، وذللت عليه بذكرِ صلته؛ أعني: كلمة «إلى»، [كأنك]
قلت: أَنْهِي حَمدَهُ إليك.
والظَّاهرُ من كلامِهِ أَنَّهُ غافل عَنِ النَّحوِ الأَوَّلِ مِن التَّضمينِ، ثُمَّ إِنَّهما مقصران من جهة أخرى، وهي أن الظاهر من كلامهما اختصاص التضمين بالفعل، ولا اختصاص له، بل يجري في الاسم والحرف أيضاً، أما جريانه في الاسم: فقَدْ أَفصح عنه صاحِبُ الكشاف في تفسير قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلهُ وفِي الْأَرْضِ إِلَهُ} [الزخرف: (84)] ((3))، واعترف به الفاضل التفتازاني في تفسير قوله تعالى: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ} [الأنعام: (3)]؛ حَيثُ قال: لاخفاء ولا خلاف في أَنَّهُ لا يَجوزُ تعلقه بلفظ «الله»؛ لكونه اسماً لا صفة، بل هو مُتعلّق بالمعنَى الوَصْفي الَّذِي ضمنه اسم الله تعالى؛ كقولك: هُو حاتم في طيء، عَلى تَضمِينِ مَعْنَى الجَوادِ.
وأمَّا جَريانه في الحَرفِ: فظَاهر في قوله تَعَالَى: {مَا نَنسَحْ مِنْ آيَةٍ} [البقرة: (106)]؛ فإنَّ مَا تضمَّنَ مَعنَى «إن» الشَّرطية، ولذلكَ جُزم الفعل بها
ومن لطائفِ التَّضمينِ جَمعُ المُتقابِلينِ؛ فإِنَّ الكلمة الواحدة بواسطته تكونُ عاملة ومعمولة؛ كما في المِثالِ المَذْكُورِ: فإنَّ (ما) منصوبٌ بالفعلِ الَّذِي هُو مجزوم به.
قال صاحب «الكشف»: والقاعدةُ في التَّضمينِ أن يُرادَ الفِعلانِ معاً قصداً وتبعاً؛ لأنَّ أحدَهُما مَذكورٌ لفظاً، والآخرَ مَذكور بذكرِ صلته.
وما ذكره أيضاً مقصورٌ عَلى أحدِ نَوعَي التّضمِينِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَخطَا فِي قَولِهِ: والآخرُ مذكور بذكرِ صلته؛ لأنَّ ذِكرَ الصِّلِةِ غَيْرُ لازم للتَّضمِينِ؛ كما إذا ضَمَّنَ اللَّازِمَ مَعنَى المُتعدِّي، فحينئِذٍ تَكُونُ تَعَدِيتُهُ قَرِينَةٌ للتَّضْمِينِ.
الجزء 1 · صفحة 52
قال صاحِبُ الكشَّافِ» في تفسير قوله تعالى: {فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ} [يس: (66)]: لا يخلو من أن يكونَ عَلى حَذفِ الجار وإيصالِ الفِعْلِ إِلَيْهِ، والأصل: فاستبقوا إلى الصراط، أو يُضمَّنَ مَعنَى: ابْتَدِروا. انتهى
فالصَّوابُ أنْ يُقال: والآخرُ مَذكُورٌ بذكرِ مُتعلَّقِهِ؛ لما أَنَّ الصَّلَةَ عَلَى تَقدِيرِ گونها مذكورة لا يجب أن تكونَ) للمُضمَّنِ المَلحُوظِ تَبعاً، بل قد تكونُ للمُضمَّن المذكور لفظاً، كما في قوله تعالى: {وانتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيا} [مريم: (16)]. قال الإمام البيضاوي بعد ما فسر الانتباذ بالاعتزال: فكانت الصَّلَةُ مُتعلقة به، ومَكَانًا، ظرف، أو مفعولٌ: لأن انتَبَذَتْ مُتضمنةٌ مَعنى: «أنت»، وهَذا في جميع النسخ: الكشاف»، والتصويب من نسخة خطية محفوظة في المكتبة الوطنية في براغ في التشيك، وسيذكر على الصواب بعد في جميع النسخ.
كالنَّص في أنه قد يُراعى كلِّ من الفعلين في التعدية، ولا يُرجح أحدهما على الآخر.
ومن هاهنا انكَشَفَ وَجهُ خللٍ آخرَ في كَلامِ صَاحِبِ الكَشفِ»، فتدبَّرْ. وممَّا يَجب التنبيه لهُ أَنَّ اللفظ الَّذِي يَفعُ فِيهِ التَّضمين لا يلزم أن يكونَ مُستعملاً.
في معناه الوضعي كما هو الظاهرُ مِن كَلام الفاضلين التفتازاني والجرجاني، بل قد يُستَعملُ في مَعناهُ المَجازي.
واعلَمْ أَنَّ كُلَّا مِن النَّحْوِينِ المَذكُورين للتَّضمِينِ مَوضِعُ اسْتِباهِ؛ أَمَّا الاشتباه في النَّحو الأول؛ فلعَدمِ ظُهورِ الفَرقِ بَينهُ وبَينَ التَّقدير، وأمَّا الاشتباه في النَّحوِ الثَّاني؛ فلأنَّ الظَّاهر منه الجَمعُ بينَ الحَقيقةِ والمَجازِ.
وغاية ما يُمكنُ أنْ يُقال في دفع الاشتباءِ الأَوَّلِ: إِنَّ فِي ذَلكَ النَّحْوِ مِنَ التَّضمينِ لا بد من استمرار الاستعمالِ عَلَى حَذفِ اللَّفظِ المُضمَّنِ، عَلَى مَا نَبَّهَ عَليهِ صَاحِبُ الكشاف في الكلامِ المَنقُولِ عنه فيما تقدَّمَ، وبهِ يُفارِقُ التَّقديرَ، وَأَمَّا الاسْتِباهُ الثَّاني:
فستقفُ عَلى وَجْهِ انْدِفاعِهِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى.
تعليقةً:
اعلَمْ أَنَّ المَعنَى الحَقِيقِيَّ في المَجازِ المُرسلِ مَلحُوظٌ للانتقالِ مِنْهُ إِلى المَعْنَى المَجازي، لكنَّهُ غَيْرُ
الجزء 1 · صفحة 53
مَقصود بالإفادة، وبهِ يُفارقُ الكِناية؛ فإنَّ المعنى الحقيقي فيها مَقصُودٌ بالإفادة، لكن لا لذاته، بلْ لتَقرِيرِ المَعنَى المُكَنَّى عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ يُجعَلُ كَالدَّلِيلِ على ثبوته.
ولهذا كانت الكناية أبلغ من الحقيقة، وبذلكَ - أي: بما ذُكِرَ مِن عَدمِ كَونِ المَعْنَى الحقيقي مقصوداً لذاته في الكِناية - تُفارقُ الكِنايةُ التَّصْمِينَ؛ فَإِنَّ كَلَّا مِنَ المَعْنَيَنِ مقصود لذاتِهِ في التَّضمِينِ إِلَّا أَنَّ القَصَدَ إلى أحدهما - وهو المَدْكُورُ بذكرِ مُتعلَّقه يَكُونُ تبعاً للآخر - وهو المَذْكُورُ بلفظه - وهَذهِ التَّبعيَّةُ فِي الإِرَادَةِ مِنَ الكَلامِ، فلا ينا في كَونهُ مَقصُوداً لذاتِهِ فِي المَقامِ.
وبهِ يُفارِقُ التَّضمينُ الجَمعَ بينَ الحَقيقةِ والمَجازِ؛ فَإِنَّ كلَّا مِنَ المَعِنَيين في صُورةِ الجَمعِ مُراد منَ الكَلامِ لذَاتِهِ، ومَقصود في المَقامِ) أَصَالَةٌ، ولذلك اختلفَ في صحتِهِ مَعَ الاتِّفَاقِ في صحةِ التَّصْمِينِ. قال الفاضِلُ الجُرْجَانِيُّ فيما علَّقَهُ عَلى الكشَّافِ»: والأَظْهَرُ أَنْ يُقالَ: اللَّفْظُ مستعمل في معناه الأصلي، فيكون هو المقصود أصَالَةٌ، لَكِنْ قُصد بتبعية معنى آخر يُناسبه من غير أنْ يُستعمل فيهِ ذَلكَ اللَّفظُ أو يُقدرَ لَهُ لَفظُ آخرُ، فلا يَكونُ مِن بَابِ الكناية، ولا من باب الإضمار، بلْ مِن قَبيلِ الحقيقةِ الَّتِي قُصِدَ بِالمَعنَى الحَقِيقِيِّ معنى آخر يُناسبه ويتبعه في الإرادة، وحينئذٍ يَكونُ مَعنَى التَّصْمِينِ واضِحاً بلا تَكلُّفٍ، ولمْ يدر أنه حينئذ يكون التضمِينُ مِن قَبيلِ مُستَبعات التراكيب لا بابا آخرَ مِنَ التوسع في الكلام، والظاهرُ مِن كَلماتِ القَومِ أَنَّهُ بَابٌ مُستقل مِن أبوابِ التَّوسع.
والحق أنهُ مِن قَبيلِ المَجازِ؛ فإنَّ التَّجوز في اللفظ كما يكونُ بطَريقِ النَّقْصِ عَن معناه الوضعي؛ بأنْ يَكونَ ذَلكَ المَعنَى مركباً أو مُقيَّداً، فيُستَعمَلَ اللَّفظُ في أحدِ جُزئيهِ أو في المطلق.
مثال الأول: السوم: قال الإمام الراغب: أصل السوم: الذهاب في ابتغاء الشيء، فهو لفظ وُضع لمعنى مُركَّبٍ مِنَ الذَّهاب والابتغاء، فأُجرِيَ مَرَّةً مُجرَى الذهاب، فقيل: سامتِ الإبل، فهي سائمة: إذا ذهبت في المرضى، وأجرى أخرى مجرى الابتغاء، فقيل: سمته گذا؛ كقولك: بعثه گذا، ومنه السوم في البَيعِ، فعُدِّي تَعدِيته.
ومثال الثاني: المَرْسِنُ، قالَ العلامةُ الزَّمخشَرِيُّ في الفَائِقِ»: والرسن ممَّا اتفقت فيه العربية والعجميَّةُ، ومِنهُ المَرْسِنُ، وهُو مَوضِعُ الرَّسنِ مِن الدَّابِةِ، ثُمَّ كَثرَ حتَّى قِيلَ: مَرْسِنُ الإِنسَانِ، قَالَ العجَّاجُ يَصفُ أَنفَهُ:
وفاحِماً ومَرْسناً مُسرَّجا
الجزء 1 · صفحة 54
ولقدْ أَحسَنَ حَيثُ قَالَ: «وَهُو مَوضِعُ الرَّسنِ مِن الدَّابَةِ»، ولَمْ يَقل: وهُو الأنفُ مع قيد أن يكون أنف مرسون، كما قال صاحب المفتاح: لأنَّ الأنف مخصوص بالإِنسَانِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ الشَّيخُ في «أسرَارِ البَلاغةِ».
وقد اعترف بهِ ذَلكَ الفاضِلُ نَفسه في موضع آخرَ مِن كِتابهِ حَيثُ قَالَ: وكذا مِثْلُ أنف ومرسن، فهما مشتركان بالحقيقة، وهو العضو المَعلُومُ، وَإِنَّمَا يَفترقانِ بِاتِّصافِ أحدهما بالاختصاص) بالإنسان، واتّصافِ الآخر بالاختصاص بالمرسونات
كذلك يكونُ بطَريقِ الزّيادةِ عَلى مَعناهُ الوَضعي، والأَوَّلُ ما سمَّاهُ صَاحِبُ «المفتاح: المَجازَ اللُّغويّ الرَّاجِعَ إِلى مَعنَى الكَلمةِ غَيرِ المُقيَّدِ. والثَّاني: التّضمِينُ، وقد أهمله ذلكَ الفَاضِلُ عِندَ استيفائهِ أَقسَامَ المَجازَ، ومَنْ رام زيادة تفصيل في هَذا المَقامِ، فعَليهِ أنْ يُطالعَ رِسالتنا المَعمُولةٌ في أقسَامِ المَجازِ). ثُمَّ إِنَّ الفَاضِلَ الجُرجاني لم يُصب في قولهِ اللَّفظُ مُستَعمل في معناه الأصلي؛ لما عرفت أنَّ اللفظ الَّذِي يَقعُ فيه التضمين قد لا يكون مستعملاً في معناه الأصلي، فالصَّوابُ أنْ يُقالَ: اللَّفظُ مُستَعمل في مَعنى هُو مَقصُودٌ أَصَالَةً، لكن قصد بتبعيَّتِه معنى آخر ... إلى آخره.
التعدية قد تكون بحسب المعنى، فتختلفُ حالُها ثُبوتاً وعَدماً باختِلافِ المَعنَى، وإنِ اتَّحدَ اللَّفظُ: كأظلم وأضاءَ، وقد تكونُ بحَسبِ اللَّفظِ، فيَختَلَفُ حالُها باختِلافِ اللفظ وإنِ اتَّفَقَ المَعنَى صَرَّحَ بذلكَ الرَّضِيُّ حَيثُ قال في «شرح الكافية»: ولا يُتوهم أنَّ بينَ: «علمت» و «عرفت» فَرقاً مِن حَيثُ المَعنَى كما قالَ بَعضُهِمْ؛ فَإِنَّ مَعنَى علمت أن زيداً قائمٌ»، وعرفت أنَّ زيداً قائمٌ واحدٌ، إِلَّا أَنَّ «عرفت» لا ينصب جزئي الاسمية كما نَصبَهُما: «علم»، لا لفرق معنوي بينهما، بل هو موكول إلى اختيار العَربِ؛ فإنَّهمْ قَدْ يَخضُونَ أحدَ المُتساوِيينِ في المَعنَى بحُكمِ لَفظيٌّ دُونَ الآخَرِ وأما الصلة: فلا تكونُ إلَّا بحَسبِ المَعنَى، وذَلكَ لأَنَّهَا مِن تَوابِعِ المَعنى ومتمماته: فإنَّ الباءَ مَثلاً في قولك: مَرَرْتُ بزَيدِ مِن تَمَامِ مَعنى المُرورِ؛ فَإِنَّهُ قاصِرٌ عَن مَعنَى الجَوازِ، ويتمُّ ذَلكَ النُّقصان بزيادة «الباء)، وقدْ أَفَصَحَ عَن هَذَا قَولُ الجوهري في الصحاح»: مرَّ به؛ أي: اجتاز
قال صاحب الكشَّافِ»: الباء في: (البستُ) الشَّيء بالشَّيء» صلةٌ، وفي: كتبتُ بالقلم» للاستعانة.
وفي «الكَشفِ»: الباء -:يعني: في قولهِ تَعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَطِل [البقرة: (42)]- إِمَّا صلةٌ أو للاستعانة، ولا شك أنَّ الأَوَّلَ أَظهَرُ؛ لأنَّ الصَّلةَ مِن تَمَامِ الفعل، ومن خواص الصلة أنها لا
الجزء 1 · صفحة 55
تعمل.
قال صاحِبُ «الكشَّافِ» في تفسيرِ سُورةِ الصَّفٌ:
فإِنْ قُلتَ: بمَ انتصبَ مُصَدِّقًا و مُبَشِّرًا، بما في مَعنَى الرَّسُولِ مِن مَعنَى الإرسال، أم بالتكر؟
قلت: بل بمَعنَى الإِرْسال: لأنَّ التكر صلةٌ للرَّسولِ، فلا يَجوزُ أَنْ تَعمل شيئاً؛ لأنَّ حُروف الجر لا تعمل بأنفُسِها، ولكن بما فيها مِن مَعنَى الفِعل، فإذا وقعت صلاتٍ، لم تتضمَّنْ مَعنَى الفِعل، فمِن أينَ تَعمَلُ؟
وإذا تقرر ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ التَّعدية خاصيَّةُ اللّفظِ، فَقَدْ تبيَّنَ أَنَّ أَمَرَ التَّعدِيةِ لا يَستقِيمُ بتضمِينِ المَعنَى فَقط، بل لا بُدَّ فِيهِ مِن تَضمينِ اللَّفظِ أيضاً، بخلافِ أُمرِ الصَّلِةِ، فَإِنَّها تَستَقيمُ بتَضمِينِ الصَّلِةِ المَعنَى وَحدهُ، فاحفظ هَذا الفَرقَ الدَّقيقَ؛ فَإِنَّهُ مِمَّا غَفَلَ عنهُ المدققونَ فِي تَحقِيقِ أصلِ التَّصْمِينِ.
أقول: يقي هاهنا موضع دقةٍ أُخرَى؛ وهي أن الفعل مع صلته قد يكون بمعنى فعل آخر مع صلة أخرى؛ كأخذ بهِ؛ فإنَّهُ بمعنى: حَمَلَ عليه، ذكره الإمام البيضاوي رَحمهُ اللهُ؛ حَيثُ قال في تَفسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: {أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ} [البقرة: (206)]؛ أي: حملته عَليهِ.
وكتقدَّمَ إِلَيهِ؛ فإنَّهُ بمعنى أمر) بهِ، قال في «المُغرِبِ»: يُقالُ: تقدَّمَ إِلَيْهِ الأمير بكذا، أو في كذا إذا أمرَهُ بهِ، ولغفولهِ عَن هذهِ الدَّقيقة استبعد الفاضِلُ الجُرجانيُّ أنْ يَكونَ: {استَوى عَلى السَّماءِ} بِمَعْنَى: قصد إليها، قائلاً: إِنَّ تَعدية «قصد» بـ: «إلى» دُونَ «على»، وقد يَكُونُ بِمَعنى فعل تام مُستَعْنٍ عَنِ الصلة كما مر بيانه.
والفاضل التفتازاني لغفولهِ عَنها، قال في إعراب فضلا: وعامتهم؛ يعني: عامة شراح المفتاح على أن «فضل» بمعنى: تجاوز، وأَنتَ خَبِيرٌ أَنَّ معنى: «تجاوز عنه: عَفا؛ فإنَّ مُرادَهمْ أَنْ يُقالَ: إِنَّ افَضلا» مَعَ صِلتهِ بمَعْنَى تجاوز المتعدي بنفسه، كما أن «مررتُ بمعنى: «جُزتُ»، وقد يكون الفعل التام من وجه، والناقصُ مِن وَجهِ بمعنى الفعل التام مطلقاً؛ كالطلب المتعلق لأحد المفعولين بالذات، والآخر بواسطة اللَّامِ؛ فَإِنَّهُ بِمَعنى الابتغاء المُتعلِّقِ لهُما بالذَّاتِ.
قال العلامة الزمخشري في الأساس: ايغني ضالتي؛ أي: اطلبها لي.
فإن قلت: إنَّ «قصدَ» مُستغن عنِ الصَّلَةِ، دلَّ عَلى ذَلِكَ اسْتِقاقُ اسمِ المَفعول عنه، فما وَجهُ
الجزء 1 · صفحة 56
قولهم: قصد إليه؟
قلتُ: ذَلكَ باعتبارِ تَضمِينِ مَعنى الانتهاء، فالصلةُ المَذْكُورة لذلكَ المَعنَى لا لمعنى «قصد»، ولَقَدْ أَصابَ هَذا التَّضمينُ حُسنَ المَوقعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَلوةِ} [المائدة: (6)]؛ فإنَّ القِيامَ هاهنا بمعنى القَصدِ، وزيادة «إلى» لتضمينِ مَعنَى الانتهاء؛ للتنبيه عَلى أَنْ المُعتَبَرَ في إِيجَابِ الوضوء هو القصدُ المُنتَهي إلى الشروع في الصَّلاةِ، لا في مُطلق القَصدِ إِليها حتَّى لا يَجب
الوضوء عَلى مَن قَصِدَ النَّافِلَةَ، ولم يُصلِّ.
***
تعليقةٌ:
المُضمَرُ يَبقَى مَعناهُ وأثرُهُ، صَرَّحَ بذلكَ الفاضِلُ الجُرجانيُّ؛ حَيثُ قَالَ في شرح قول صاحب الكشافِ»: «بإضمار الباء القسمية، لا بحذفها: إشارة إلى أنَّ المُضمَرَ يَبقَى أَثَرَهُ دُونَ المَحذُوف، والمَحذُوفُ يَبقَى مَعناه، ولا يبقى أثره. أمَّا الثَّاني: فقَدْ مَرَّبَيانهُ آنفاً، وأمَّا الأَوَّلُ: َفقَدْ َصرَّحَ بِهِ صَاحِبُ «الكشَّافِ» حَيثُ قال في تفسير قوله تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصَبْعَهُمْ} [البقرة: (19)]: لأنَّ المَحذُوفَ باقٍ مَعناه وإِنْ سَقط لفظه، والمَترُوكُ لا يَبقَى مَعناهُ ولا أثره كمفعول المُتعدِّي الجاري مجرى اللازم كما في قول الشاعر: [من الخفيف]
غَيظُ حُسَّادِهِ وشَجرُ عِداه أن يرى مُبصِرٌ ويَسمعَ واع
تركَ المَفعُول ظهرياً، وجَعلَ الفِعل كاللازم، والمُقدَّرُ يَنتظِمُ المَحذُوفَ
والمُضمر، وأمَّا المُضمَرُ: فَقَدْ نَبَّهتُ عَلى الفَرِقِ بَيْنَهُ وَبَينَ المُقدَّرِ، فتَذكَّرْ.
***
تعليقة:
اللفظ الواحِدُ يَجوزُ أنْ يَكونَ لازماً ومُتعدِّياً بحَسبِ الوَضعَينِ؛ بِأنْ يَكُونَ مَعناهُ في أحد الوضعينِ مُتجاوزاً إلى الغَيرِ، وفي الوضع الآخرِ قاصِراً عنه؛ كالنَّفْشِ؛ فإنه وضع مرة للنشر، والأخرى للانتشار.
الجزء 1 · صفحة 57
قال العلامة الزمخشري في الأساس»: نفس الصوف والقطن، فانتفش ونفشتِ الغَنمُ باللَّيلِ: انتشرَتْ، وأنفسها الرَّاعِي.
وزعم الإمَامُ البَيضاوي أنَّ «هلُمَّ مِن هَذا النَّوعِ حَيثُ قَالَ فِي تَفسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: وقُلْ هَلمَ شُهَدَاءَكُمْ} [الأنعام: (150)]: أحضر وهُمْ، ويكُونُ مُتعدِّياً؛ كما في الآية، ولازماً؛ كقوله تعالى: {هَلَمَ إِلَيْنَا} [الأحزاب: ??]، وليس الأمر كما زعمهُ؛ فَإِنَّ هَلم» في المثال المذكور أيضاً متعد، وكلمة «إلى» صلةٌ لمعنى التقريب الَّذِي تَضمَّنهُ «هلم»، وقد اعترف بهذا ذلك الفاضل في تفسير سورة الأحزاب.
***
تَعْلِيقَةٌ:
من توسعات لسان العرب إجراء كل من المُتعدِّي وغير المتعدي مجرى الآخر بلا تغيير في لفظه، ولا تَصرُّف في معناه، أما إجراء المُتعدِّي مُجرَى غَيْرِ المُتعدِّي؛ فلوجوه:
منها: أنْ يكونَ المَفعُولُ مَترُوكاً ساقطاً عَن حيز الاعتبارِ؛ كما إذا كانَ الغَرضُ إثبات الفعلِ المُتعدِّي لما أسند إليه، أو نَفيَهُ عَنهُ مِن غَيرِ اعْتِبارِ تعلَّقِهِ بمَن وَقعَ؛ كما في قوله تعالى: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتِ لَا يُبْصِرُونَ} [البقرة: (17)].
قالَ صَاحِبُ «الكشَّافِ»: والمَفعولُ السَّاقط من ولَا يُبْصِرُونَ الله من المتروك المُطَرَّحِ الَّذِي لا يلتفتُ إلى إخطاره) بالبَالِ، لا مِن قَبيلِ المُقدَّرِ المَنوِيِّ، كَأَنَّ الفِعلَ غَيْرُ مُتعدٌ أصْلاً.
ومنها: أن يكون المتعدي نقيضاً لغير المتعدي؛ فإِنَّ مِن دَأبهم حَمَلَ النَّقيض على النقيض.
قالَ صَاحِبُ الكشَّافِ» في تفسيرِ سُورةِ التَّوبة: عديَ فِعل الإيمانِ بالبَاءِ؛ لأَنَّهُ قصد التصديق بالله الَّذِي هُو نَقيضُ الكُفرُ، فعدي بالباء.
ومَنْ غَفَلَ عَن هَذا خَطَّا في قوله: ويسرُّ بهما، قائلاً: الباء زائدةٌ وَقعَ سهواً؛ لأنه يُقالُ: أَسرَّ الحَديث بلا باء، قال الله تعالى: {سَوَاءٌ مِّنكُر مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ} [الرعد: (10) ((4))، ولمْ يدرِ أَنَّ المُخَطَّئ هو المُخطِئُ.
وأما إجراء غَيرِ المُتعدِّي مُجرَى المُتعدِّي: فعَلى وُجوه أيضاً:
منها: طريقةُ الحَذفِ والإيصالِ، وهَذا لظهوره وشيوعهِ غَنِيٌّ عَن إيرادِ المِثالِ. ومنها: اعتبار ما في
الجزء 1 · صفحة 58
اللَّازِمِ مِن مَعنَى المُبالغةِ؛ فَإِنَّ ذَلكَ قَدْ يَصلحُ أَنْ يَكُونَ سَبِياً للتَّعديةِ مِن غَيرِ أنْ يَنتقل اللازمُ مِن صِيغَتِه إلى صيغة المُتعدِّي ويتغير معناهُ.
وهَذا ممَّا وَقفَ فِيهِ نَظرُ العلامة الزمخشري: حَيثُ قَالَ فِي تَفسِيرِ سُورةِ الفُرقانِ: وظهورا: بليغاً في طَهَارَتِهِ، وعَن أحمد بن يَحيَى: هُو ما كانَ طَاهِراً في نَفْسِهِ مُطَهَّراً لغَيره، فإنْ كانَ ما قالَهُ شَرحاً لبَلاغتِهِ في الطهارة كانَ سَديداً، ويَعضدُهُ قَولَهُ تَعَالَى: وينزل عليكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء لِيُظْهِرَكُم .. ) [الأنفال: (11)، وإِلَّا؛ فَلَيسَ فَعولٌ مِن التفعيل به في شَيءٍ.
وقالَ صَاحِبُ الكَشفِ»: قولهُ: «إنْ كانَ شَرحاً» فيه إيماءٌ إِلى أَنَّ الطَّهَارَةَ لَمَّا لم تكن قابلة للزيادةِ؛ لأَنَّهَا شَيءٌ وَاحِدٌ، رَجعَ المُبالغةُ فيها إلى انضمام التطهير إليها؛ لأنَّ اللازم صَارَ مُتعدِّياً.
ومنها: اعتبار ما في غَيْرِ المُتعدِّي مِن الاشتِهارِ بالوَصفِ المُتعدِّي؛ كما في قول الشاعر: [من الكامل]
أسد علي وفي الحُروبِ نعامة
قال الفاضِلُ الجُرجانيُّ في حاشية شرح التلخيص»: استعمال الأسد في معناه الحقيقي لا يُنافِي تَعلُّق الجار بهِ إذا لوحظَ مَعَ ذَلكَ المَعْنَى عَلَى سَبِيلِ التَّبِعِ
ما هو لازم له ومفهوم منهُ في الجُملة مِن الجُرأةِ والصَّوْلِةِ.
ومنها: اعتبارُ التَّضمينِ، قال صاحِبُ الكشَّافِ»: مِن شَأْنِهِمْ أَنَّهُمْ يُضمِّنُونَ الفعل فعلاً آخر، ويُجرُونَهُ مُجْراهُ، ويَستعملونه استعمالَهُ، وقدِ استَوفَينا حقَّ الكَلامِ في هَذا المَقامِ في تعليقةٍ أُخرى.
ومنها: تعليقة:
شاع فيما بينهم أن اسم التفضيل لا يُبنى ممَّا مِنهُ أفعل لغيره، حتى قال الفاضِلُ التَّفتازاني في تفسير قوله تعالى: {الد الْخِصَامِ} [البقرة: (204)]: والمعنى أَنَّهُ أَشدُّ الخُصومِ خُصومة، لا من جهة أنَّ الـ) أفعَلُ تَفضِيل، بلْ مِن جهة أنَّ المدة شدَّةُ الخُصومة، وكلُّ شَديد فهو بالنسبة إلى ما دُونَهُ أَشدُّ، فَمَعنَى الإضافة هاهنا الاختصاص؛ كما في قولك: أحسنُ النَّاسِ وَجها، وذلك لأن الله مما يُبنى منه أفعلُ صِفة؛ بدليل: الدّه في جَمعه، والدَّاءُ» في مُؤنَّثِهِ، وَلا يُبَنَى مِنْهُ اسم التَّفضِيل، إلى هُنا كَلامُهُ.
وليس الأمرُ كما شَاعَ عَلى ما أفصَحَ عنهُ رَضِيُّ الدِّينِ حَيثُ قَالَ فِي شَرِحِ الكافية»: وينبغي أنْ
الجزء 1 · صفحة 59
يُقالَ: مِن الألوانِ والعُيوبِ الظَّاهرة؛ فَإِنَّ البَاطنةَ يُبنَى مِنها أفعل التَّفضِيل؛ نَحوُ: فلانٌ ابْلَهُ مِن فلان، وأحمق من فلان)، وأرعَنُ، وَأَهْوَجُ، وأخرَقُ، والد، وأعجم، وأنوَكُ، مع أنَّ بَعضَها يجيءُ مِنها أفعلُ لغَيرِ التَّفضِيل أيضاً؛ كأحمق وحمقاء، وأهوج وهوجاءَ، وأخرَقَ وخَرقاء، وأعجمَ وعَجماء، وأنوك ونوكاءَ، فلا يَطَّردُ أيضاً تَعلِيلهُ بأنَّ مِنها أفعل لغيره، إلى هنا كلامه.
ومن هاهنا تبيَّنَ أنَّ الفاضِلَ التَّفتازاني كما أخطأ في دَعوَى: أَنَّ «الدَّه لَيسَ أَفعل تفضيل، كذلك لمْ يُصب في الاستدلالِ عَليهِ؛ بأنَّ اللَّدة) مما يُبنى منه أفعلُ لغَيرِ التفضيل.
ومنها: حَملُ النَّظيرِ عَلى النَّظِيرِ: كتعدية: النُّشْرِيَنَّهُمْ» [النحل: (41)]؛ حَملاً له على: «نبوتهم».
قال صاحب «الكشَّافِ» في تفسير قوله تعالى: {لَنُبُونَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفا [العنكبوت: (58)]، وقرئ: «التُثوينهم من التّواءِ، وهو النزول للإقامة، يُقالُ: ثَوى في المنزل، وأثوَى غَيرَه، والوَجهُ في تَعدِيتِهِ؛ أي: تعديةِ النُّتُوثَنَّهُمْ» إلى ضَمِيرِ المُؤْمِنِينَ وإلى الغُرفِ، إمَّا إجرَاؤُهُ مُجْرَى: «لننزلنَّهُمْ» و «نبوتنَّهُمْ»، أو حذف الجارِ، وإيصال الفعل، أو " تشبيه الظرف المُؤفَّتِ بالمبهم، انتهى.
وحَملُ النَّظيرِ عَلَى النَّظير شائع؛ كحَملِ النَّقيض عَلَى النَّقيض، قالَ صَاحِبُ «الكشاف» في تفسير سورة يوسف: والسبب في وقوع عِجافٍ) جمعاً لـ «عجفاء»، وأفعل وفعلاهُ لا يُجمعَ عَلى فِعالٍ؛ حَمله عَلَى سِمانِ؛ لأَنَّهُ نَقيضُهُ، ومن دأبهم حمل النظير على النظير، والنقيض على النقيض.
تعليقةً:
الحذف والإيصال من التوسعات الشائعة، فلا حاجة إلى إيرادِ المِثالِ لَهُ، إِنَّما الحاجةُ فِيهِ إِلى بَيانِ الضَّابطة.
قال ابن هشام في (مغني اللبيب ولا يُحذف الجار قياساً إِلَّا مع «أن» و «أن»، وأهملَ النَّحْوبُونَ هُنا ذكرَ كَي) مع تجويزهمْ في نَحو: جِنتُ كي تُكرمني؛ أن تكونَ كي مصدرية، واللامُ مُقدَّرة، والمعنى: لأنْ تُكرِمَني، وأجازُوا أيضاً كونَها تَعليليَّة، ودان، مضمرة بعدها، ولا يُحذف مع «كي» إلا لام العلة؛ لأنها لا يدخل عليها جاز غيرها بخلاف أُختيها.
قالَ رَضِيُّ الدين) في شرح الكافية»: إنَّ حذف حرف الجر؛ أي: «في» و «اللَّامِ صَارَ قِياسَاً في البابين؛ أعني: بابي المَفْعُولِ لَهُ، وَالمَفْعُولِ فِيهِ، كما كانَ حذف حرف الجر قياساً معَ «أنْ» و «أَنَّ»، ولَيسَ بقياس فِي غَيرِ المَواضِعِ الثَّلاثَةِ، فلا نَقولُ في مَرَرْتُ بزَيدِ»، و «قُمتُ إلى عَمرو»: «مَرَرْتُ زيداً»، و «قمت
الجزء 1 · صفحة 60
عمراً»، وإِنَّما كانَ قياساً في بابي المَفعُول له والمَفعول فيه) بالضَّوابط المُعيَّنة لكلِّ مِنْهُما؛ لقوَّةِ دلالتهما على الحرفينِ المُقدَّرين.
ولا يَذهبُ عَليكَ أَنَّ قَولهُ: «وَلَيسَ بقياس في غَيرِ المَواضع الثلاثة منظورٌ فيهِ؛ لما عرفتَ أَنَّهُ مَحذوفٌ أيضاً قياس معَ «كَي». وكذا قول ابن هشام: ولا يُحذف الجاز قياساً إِلَّا مَعَ أَنَّ وأنه منظورٌ فيه؛ لما عرفتَ أَنَّهُ يُحذَفُ أيضاً قياساً في بابي المَفعُولِ لَهُ والمَفعُول فيه.
ثم إنهُ ظَهرَ باتفاقِهما أَنَّهُ لا مَسَاغَ لأن يَكونَ غِشَاوَةٌ في قوله تعالى: وعن أبصرِهِمْ غِشَوَةٌ) [البقرة: 7] على الحذف والإيصال، ويَكونُ المَعْنَى: وخَتَمَ على أبصارهم بغشاوة، فالإمام البيضاوي لمْ يُصب في تَجوِيزِهِ ذَلكَ الوَجهَ من الإعراب، والله أعلم بالصواب.
وكذا لم يُصب الفَاضِلُ التَّفتازاني في زَعمِهِ أَنَّ الحَذَفَ والإيصَالَ مُطلقاً لا يُصارُ إليه إلا بدليل، وذَلكَ أَنَّ صَاحِبَ «الكشَّافِ» استدلَّ عَلَى أَنَّ يَمَدُّ» في قولهِ تَعَالَى: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُلعينيهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: (15)] مِنَ المَددِ دُونَ المد بمعنى الإمهَالِ؛ فإِنَّ الَّذِي بمعنى الإمهال إنَّما هُو: مَدَّ لَهُ) مَعَ اللَّامِ كَأَمَلَى لَهُ.
وقال الفاضِلُ التَّفتازاني في «شرحهِ»: المدُّ في العُمرِ لا يَتَعدَّى بنَفْسِهِ، فلا يُقالُ:
مدَّه، بل باللَّامِ، مِثلُ: مدَّ له، والحذف والإيصالُ لا يُصارُ إِلَيْهِ إِلَّا بِدَليلٍ. وقدْ عَرفتَ أَنَّ حَذَفَ حرفِ الجِرِّ في بابي المَفْعُولِ لَهُ والمَفعُولِ فِيهِ قَياسُ،
والمدُّ بمَعنَى الإمهال يُستَعمل بـ: «في»، نصَّ عَليهِ الجَوهرِيُّ؛ حَيثُ قال في «الصحاح»: ومدَّ الله) في عُمره، ومدَّه في غيه: أي: أمهَلَهُ وطول له. فقول صاحِبِ الكشاف»: إِنَّما هُو مَدَّ لَهُ مَعَ اللَّامِ، لَيسَ بذَاكَ.
ولقد أصابَ الفاضِلُ التَّفتازاني في رد قول صاحبِ «المفتاح»: «واعلَمْ أَنَّ هَذَا النوع () لا يختص المُسند إليه) بأنه ليس) من استعمالِ العَربِ. والفاضِلُ الجُرجانيُّ؛ لَعَدِمِ وُقوفِهِ عَلَى أَنَّ حَذَفَ الجَارُ هَاهُنَا لَيسَ بِقِياس قالَ:
في «شرحه»: أي: لا يختص به.
وقال في «الحاشية»: الاختصاص يُستعمَلُ مُتعدِّياً ولازماً، والاستعمال الأصلي فيه أن تدخل
الجزء 1 · صفحة 61
الباءُ عَلى ما لَهُ الخاصَّةُ، وهو وارِدُ هَاهُنَا عَلَى هَذا الاستعمال، إلا أنه حذف الجار وأوصل الفعل، فاندفع ما يُقالُ مِن أَنَّ استعماله بالباء لَيسَ مِن اللُّغة انتهى.
***
تَعلِيقَةٌ:
قال صاحبُ الكشافِ» فيما نُقلَ عَنهُ: المسموع أفقي وأنفي، وهو القياس؛ لأن النسبة إلى الواحد، إلَّا أنَّ المُستعمل فيما يين الفقهاء: آفاقي، وهو صحيح: لأنَّه أُريد بالآفاقي الخارجي؛ أي: خَارِجَ المَواقِيتِ، وكان بمنزلة الأنصاري حيثُ أُريدَتِ) القبيلة الناصرة، كأنه أُريد أَنَّهُ في الأصل أُطلِقَ عَليهم للانضمام، نظراً إلى أنهم ناصِرونَ، ثُمَّ صارَ كالعلم لهم، حتى لو قيل: ناصري () لمْ يُفهم ذلك المعنى، كذلك لا يُرادُ هَاهُنا أَنَّهم من أفق مِن آفاق مكَّةَ، أو آفاقِ الأرْضِ، بل يُفهم منه أنه خارج عن المواقيت، فكأن الأفاقي صارت كالعلم لخارجي) المواقيت من الأمكنة، ولو قيل: أفقي، لمْ يُفهِمْ ذَلكَ المَعنَى كذلك، وهذا معنى صريح يظهرُ مِنهُ أنَّ النِّسبة إلى الجَمعِ لَيسَ مِن الواجب فيها أن يجري الجمع) مَجْرَى العَلمِ في التّعريف، بل في أَنَّهُ يَحصلُ مَفهوم آخرُ مُتَحِدٌ لا يشمل الجنس المُشتمل على الواحِدِ والكَثِيرِ.
وبما قررناه تبيَّنَ أَنَّ الإمام النووي أخطَا في تخطئة القومِ؛ حيثُ قال في تهذيب الأسماء واللغاتِ»: قال أهل اللغة: الآفاقُ النَّواحِي، والواحِدُ أفق، والنسبة إليه أنقي، وأنا الآفاقي: فمنكر؛ فإنَّ الجَمعَ إذَا لَمْ يُسمَّ بِهِ لا يُنسَبُ إلَيهِ وإنما يُنسَبُ إلى واحدهِ).
اعلَمْ أَنَّ الجَمعَ لا يُنسبُ إلَيهِ إلَّا إذا لم يكنْ لَهُ وَاحِدٌ أَصْلاً؛ كالأعرابي، أو لا يَكونَ لهُ واحِدٌ مِن لفظه؛ كالركابي، أو يَكونَ مِن أوزانِ المُفردِ، أو يَكونَ عَلَماً؟ كالأنماري، أو جارياً مَجْراه؛ كالأنصاري.
والفر الفيسي مِن قَبيلِ الثَّالث على تقدير النقل الاصطلاحي كما هو الظاهر من كَلامِ المُطرّزي، وقد نصَّ عَليهِ الجوهري في «الصحاح، ومن قبيل الرابع على تقدير عدمهِ فَمَنْ قال: ولا يبعد أن يُجعل لفظ () الفرائض في الاصطلاح جارياً مَجْرَى الأعلام، فقد خلط بين الوجهين، وخبَطَ في تقرير الكلام وتحرير
المقام كما لا يخفى على ذوي الأفهام.
***
الجزء 1 · صفحة 62
تعليقةً:
قالوا إذا لم توجد الواو في الماضي المثبت، فلا بد من «قد»؛ لأن الماضي من حيثُ إِنَّهُ مُنقطعُ الوُجودِ عَن زَمن الحالِ مُنافٍ للحالِ المُتَصفِ بالقُبوتِ، فلا بد من «قد» لتقريبهِ مِن الحال؛ فإنَّ القريب مِن الشَّيء في حكمه، وهُم أصابوا في الحكم لا في العلة؛ لأنَّ الحالَ الَّتِي نَحْنُ فِيها لَيسَتْ الفَارِقَةً بَينَ المَاضِي والمُستقبل، وليست «قد» فيما نَحنُ فيهِ مُقرِّبَةٌ للمَاضِي مِن الحَالَةِ الفارقة، بل العلَّةُ أنَّ أصل «قذ» تكون لما كانَ لاقتران الماضي وتقريبه من الحالِ المُتوسطة بين الماضي والمُستقبل، يؤتى بها فيما نَحنُ فِيهِ؛ لتدلَّ عَلى اقترانها ومصاحبتها لعاملها المُقيّد بها.
قال الفاضِلُ التَّفتازاني في شَرحِ الكشَّافِ عِند تَفسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة: (71)]: جَعَلُ خَبرِ «كادَ فِعلاً ماضياً بغَيرِ «قد» مما يأباه النُّحاةُ، لكنه واقع في التَّنزيل: مِثلُ: إن كان قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قبل} [يوسف: (26)]، فلا وجة للمنع
وتفصيل هذا ما ذكره الرّضي في شرح الكافية»: يختص خبر «كان» ببعض من الأحكام، ومما قيلَ: إنَّهُ مِن خصائصه ما ذَهَبَ إِلَيْهِ ابنُ دُرَسْتُونِهِ، وهُو أَنَّهُ لا يجوز أن يقع الماضي خبر «كان»، فلا يُقالَ كانَ زِيدٌ قامَ، ولعلَّ ذلك لدلالة «كان» عَلى المُضي، فيقعُ المُضي في خَبرِهِ لَغَوا، فَيَنبَغِي أَنْ يُقالَ: كانَ زَيدٌ قائماً، أو يقوم، وكذا ينبغي أن يُمنع نَحوُ: «يكونُ زَيدٌ يَقومُ: لمثلِ تِلكَ العلة سواء.
وجمهورهمْ عَلى أَنَّهُ غَيْرُ مُستَحسنٍ، ولا يَحكُمُونَ بِمُطلقِ المَنعِ، قَالُوا: فَإِنْ وقع، فلا بُدَّ فيهِ مِن (قد» ظاهرة أو مُقدَّرة؛ لتفيدَ التَّقريبَ مِن الحالِ؛ إذ لم يُستفد مِن مُجرد «كان».
وكذا قالوا: في «أصبَحَ»، و «أمسى»، و «ظلّ»، و «بات»، وكذلك ينبغي أن يمنعُوا نُحو: يُصبحُ زيدٌ يَقولُ»، وكذا البواقي، والأولى ما ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ مَالِكِ: تجويز) وقوع خبرها ماضياً بلا قذ»، ولا تقديرها؛ كما في قوله تعالى: {ولقد كَانُوا عَهَدُوا الله من قبل} [الأحزاب: 10]، {وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرِ [يوسف: (27)]
وقال العُجْدَوانِيُّ في شَرحِ الكافية»: خَبِرُ «كَانَ» لا يَجوزُ أَنْ يَكونَ ماضِياً؛ لدلالة «كان» على الماضي، إلَّا أنْ يكونَ الماضِي مع «قدْ»، فإِنَّهُ يَجوزُ: كقولك: «كَانَ زيد قد قام»؛ لتقريب «قذ» إيَّاهُ مِن الحال، أو وَقعَ الفعلُ الماضِي شَرِطاً؛ كَقَولِهِ تعالى: وإن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ} [يوسف: ??]، انتهى.
ومن قوله: أو وقع الفعل الماضي شرطاً» ظَهَرَ وَجهُ انْدِفاعِ ما أورده الفاضِل التفتازانيُّ عَلى
الجزء 1 · صفحة 63
النُّحاةِ، وتبيَّنَ ما في تقريرِ الرَّضِي مِن القُصورِ في تحرير كلامِ القَومِ في هَذا المَقامِ.
قال صاحب الكشَّافِ» في تفسير سورة المائدة: قوله: {وَقَد دَخَلُوا، ووهم قد خرجوا} [المائدة: (61)] حالان، ولذلك دخلت «قد»؛ تقريباً للماضي من الحال.
وفيه نظر؛ لأَنَّهُ إنْ أرادَ الحالَ الَّذِي فِيهِ الكَلامُ، فلا صحة لما ذكره أولا؛ إذ لا بعدَ بَينه وبين الماضي، وإن أراد الحالَ المُقابل للماضي والمُستقبل، فلا مِساسَ له في هذا المقام. وبالجملة إِنَّ للحَالِ مَعنيين، والفاضِلُ المُذكورُ خَلَطَ بَينَهُما، فَخَرجَ الكَلامُ عَن سنن الانتظام، ومن الشُّراحِ مَن رام الإصلاح) ولم يأتِ بشيء يُجدِي نَفْعاً في دَفعِ ما ذكر، ولَقَدْ احْسن) مَن قال: ولن يُصلح العطارُ ما أفسد الدهر.
***
تعليقة:
ارتفاعُ شأنِ الكَلامِ في البَلاغةِ، وانحطاطه فيها بحسبٍ مُصادَفَتِهِ المَقامَ بما يليقُ بهِ مِن الاعتباراتِ الَّتِي تقتضيها، فما كانَ مُصادَفَتهُ إِيَّاهُ أَتمَّ، فَشَأنهُ فِي البَلاغةِ أعلى، وأمَّا ارتفاعه في الحُسنِ والقبولِ وانحطاطه في ذَلكَ: فبحسب اشتمالهِ عَلى الخواص والمزايا.
فالَّذِي دائرة اشتماله عليها أوسعُ فشَأنهُ في الحُسنِ والقَبولِ أَرْفعُ، وهذا التفاوت يُوجد في الكلامِ المُعجز كما يوجد في غَيْرِهِ، بِخِلافِ التَّفاوتِ الأَوَّلِ؛ فَإِنَّهُ مخصوص بغَيرِ المُعجز، ولا يُوجد في المعجز، وذلكَ لأَنَّ مَرجعه إلى القصور في المتكلم لعدم اقتداره على إحاطة جميع ما يليقُ بالمقام من الاعتبارات، ومرجع التفاوت الآخر إلى القصور في المقام العدم تحمله لما يتحمله مقام كلام آخر من الخواص والمزايا.
والتفاوت بَينَ قَولهِ تَعالى: {تبَتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} [المسد: (1)] الآية، وقوله تعالى: {وَقِيلَ يَتَأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ} [هود: (44)] الآية، مِن قَبيلِ الثَّانِي عَلى ما نَبَّهَ عَليهِ من قال: رباعي:
در بيان ودر فصاحت کي بوديـکـسان سخن کرجه کوينده بودجون جاحظ وجون ود كلام أنه دبجو نـکـــه دخي منزلست کي بواد جت بيجون أصمعي در کلام ايزد بيجون که وحي منزلست کـي بود تبت يدا جون قيلَ: يَتَأَرْضُ ابْلَيِى؛ يعني: أنَّ شأنَ الكَلامِ أَنْ يَتفاوت في الحُسنِ الذاتي الرَّاجع إلى البَلاغةِ، والحُسنِ العَرضي الرَّاجِعِ إلى الفَصاحةِ، لا لعجز في المُتكلّم، ولا قصور فيه، دلَّ عَلَى ذَلكَ وُجودُ التَّفاوتِ مِنَ الجِهَتَينِ المَذْكُورَتينِ فِي كَلَامِ مَن شَأنه أعلَى مِن العَجز والقُصور، وما
الجزء 1 · صفحة 64
وُجد فيه منَ التَّفاوتِ مِن جِهَةِ البَلاغةِ فَهُو مِن جهة القصور في المقام على ما نبهتُ عَليهِ فيما تقدم.
وما وُجد فيه مِن التَّفاوتِ مِن جهةِ الفَصاحةِ، فَإِنَّما هُو لقُصور في اللّسانِ، وذلك أن لغةَ العَربِ أفصَحُ اللُّغَاتِ، ومَعَ هَذا قاصِرَةٌ عَن إيفاء حقٌّ كُلِّ مَقام بعبارة فصيحة.
فإن قلت: أليس في بابِ المَجازِ وُسعةٌ وفِي طَريقِ الكِنايةِ فُسْحةٌ؟
قلت: نعم، ومَعَ ذَلكَ قَدْ يَضِيقُ مَجالُ المَقام " لفقدان علاقةٍ واضحةٍ وشيجة بين المعنى المُرادِ، ومَعنَى العِبارة الفصيحة.
والعلامةُ السَّكَّاكي؛ لعَدمِ وُقوفهِ عَلى الفَرقِ بَينَ الارتفاعينِ المَذْكُورينِ اعتبر في أحدهما ما هو المعتبر في الآخر؛ حيثُ قال في «المفتاح: وارتفاع شأن الكلام في بابِ الحُسنِ والقبول، وكذلك انحطاطه في ذلكَ بحَسبِ مصادفة المقام لما يليق به.
وقد عرفت أن ما هو بحسب المُصادفة المُذكورة هو الارتفاع في البَلاغةِ لا الارتفاع في الحُسنِ والقبولِ، ولذلك؛ أي: ولعَدمِ فَرقِهِ بَينَ الارتفاعَينِ لِزِمَهُ الارتكاب بأحدِ المَحذُورين، وهما القَولُ بعَدمِ التَّفاوتِ بينَ آيَاتِ القُرآنِ فِي بَابِ الحُسنِ والقبولِ والقَولُ بالقُصور في بعضها من جهة المُصادفة لما يَليقُ بهِ، والأوَّلُ مُكابرةٌ صريحة، والثاني ممَّا لا يَرتضِيهِ مَن لَهُ عَقيدةٌ صَحِيحةٌ.
واعلم أنَّ عِبارة «حَسب» لا بدَّ مِن ذِكرِها في تَحدِيدِ الارتفاعَينِ المَذْكُورَينِ، ووجه الحاجة إليها واضِحٌ وإِنْ خَفِيَ عَلى صَاحِبِ «الإِيضَاحِ»؛ حَيثُ أسقطها عِندَ تلخيصه كلام صاحب المفتاح، فقَالَ: وارتفاع شانِ الكَلامِ فِي الحُسنِ والقَبولِ بمطابقته للاعتبارِ المُناسب وانحطاطه بعدمها، وإسقاطه إيَّاها استتبع إسقاطهُ الحُسنَ والقبول عَن حيّز الظرفية للانحطاط، فلذلك لم يقل كما قَالَ صَاحِبُ «المفتاح: وانحطاطه في ذلك»، بل قالَ: «وانحطاطه بعدمها».
والشَّريف الفاضِلُ؛ لعدم تنبهه لذَلكَ، استدركَ عَليهِ حَيثُ قَالَ فيما علقه على شرحه للمفتاح»: فالمُتبادِرُ من قوله: «وانحطاطه» أنَّ الانحطاط في الحُسنِ والقبول بعدم مطابقته له، ويُفهم منه أنَّ هُناكَ حُسناً وقبولاً في الجُملة مع عدم المطابقة بالكلية.
تعليقة:
اعلَمْ أَنَّ ما يَجبُ اعتبارَهُ عَلَى البَليغ عَلَى نَحْوين:
الجزء 1 · صفحة 65
أحدهما: ما لا دخل لاختياره فيه، وهو الَّذِي بَيَّنه صَاحِبُ «المفتاح» بقوله: إن مقامات الكلام متفاوتةٌ، فَمَقامُ الشُّكرِ يُبابنُ مَقامَ الشَّكَايَةِ، وَمَقامُ التَّهيئةِ يُبَايِنُ مَقامَ التّعزِيةِ، ومَقامُ المَدحِ يُبايِنُ مَقامَ الذَّم، ومَقامُ التَّرغِيبِ يُبَايِنُ مَقامَ التَّرهيب، ومَقامُ الجد في جَميعِ ذَلكَ يُبَايِنُ مَقامَ الهَزْلِ، وكَذَا مَقامُ الكَلامِ ابتداءً يُبَايِنُ مَقامَ الكَلامِ بِناءً على الاستخبار أو الإنكَارِ، ومَقامُ البِناءِ عَلى السُّؤالِ يُغايرُ مَقامَ البِناءِ عَلَى الإِنكَارِ، وكذا مقام الكلام معَ الذَّكيِّ يُغايرُ مَقامَ الكلام معَ الغَبي، ولكلِّ مِن ذَلكَ مُقتضى غَيرُ مقتضى الآخر.
والثاني: ما لاختيار البليغ نَوعُ دَخل فيه، وهُو الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ صَاحِبُ «المفتاح» بقوله: ثمَّ إذا شرعت في الكلام، فلكل كلمةٍ مع صاحبتها مقام، ولكل حد ينتهي إليه الكلام مقام، وذلكَ أنَّ البليغ الَّذِي يُريدُ الشُّروعَ فِي نَظمِ الكَلامِ فِي مَقامِ ما لم يَختر كلمة لا يلزمه أنْ يُورَدَ ما يُناسبها في ذلكَ المَقام، وكذا ما لَمْ يَأخُذُ بمَطلع لا يلزمهُ أَنْ يُراعي ما يلائمه من المقطع).
أما الأول: فقَدْ طَوَّلَ الشَّيخُ في دَلائلِ الإعجاز» ذيلَ المَقالِ فِي تَقرِيرِهِ حَيثُ قالَ: وهَل تَجدُ أحَداً يَقولُ: هَذِهِ اللَّفظةُ فصيحةٌ إلَّا وَهُو يُعتبرُ مَكانَها مِن النَّظمِ وحُسنِ مُلاءمة معناها لمعاني جارَاتِها ((4))، وفَضلِ مُؤانَستِها لأخواتها، وهل قالوا: لفظةٌ متمكنة ومقبولةٌ، وفي خلافه: قلقةٌ ونابيةٌ ومُستكرهةٌ إِلَّا وَغَرضُهُمْ أَن يُعبروا) بالتّمكُنِ عَن حُسنِ الاتِّفَاقِ بَينَ هَذِهِ وتِلكَ مِن جِهَةِ مَعناهُما، وبالقلق والنُّبو عن سوء التلاؤم، وأنَّ الأولى لم تلق بالثانية في معناها، وأنَّ السَّابقة لم تصلح أن تكون لفقاً للثانية في موادها.
وهل تشك - إذا فكرت في قولهِ تَعالى: {وَقِيلَ يَتَأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَلَسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاهُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِي وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [هود: (44)]، فيَتَجلَّى لكَ مِنها الإعجاز، ويُبهِرُكَ () الَّذِي تَراهُ وتَسمعُ - أَنَّكَ لم تجد ما وجدتَ منَ المَزيَّةِ الظاهرة والفضيلة الباهرة) إلا لأمر يرجع إلى ارتباطِ هَذِهِ الكَلِمِ بَعضِها ببعض، وإن لم يعرض لها الحُسنُ والشَّرفُ إِلَّا مِن حَيثُ لاقتِ الأُولى بالثانية، والثالثة بالرابعة وهكذا إلى أنْ تَستقرئَها إلى آخِرِها، وأنَّ الفَضَلَ نَتائجُ ما بينها، وحصَلَ مَن مَجمُوعِهما، إِنْ شَكَكتَ فتأَمَّلْ هَل تَرى لَفظَةٌ مِنها بحَيثُ لو أُخذَتْ مِن بَينِ أَخَواتِها وأُفرِدتْ، لأدَّتْ مِن الفَصاحةِ ما تؤديه وهي في مَكانِها مِن الآيةِ، وَقِيلَ يَتَأَرْضُ ابلي واعتبرها وَحدَها مِن غَيرِ أنْ تَنظر إلى ما قبلها وما بَعدَها، وكذلكَ فَاعْتَبِرْ سَائِرَ ما يليها.
وكَيفَ بالشَّكُ في ذَلكَ، ومَعلومٌ أَنَّ مَبدأ العَظمة في أنْ نُودِيتِ الأَرْضُ، ثمَّ أُمرت، ثُمَّ [في] أنْ
الجزء 1 · صفحة 66
كانَ النَّداء) بـ: «يا» دُونَ أخَواتِها)؛ أي: يا أَيْتُهَا الأَرْضُ ثُمَّ إضافة الماء إلى الكَافِ دُونَ أن يُقالَ: ابْلَعِي الماءَ، ثُمَّ أن أتبع نداء الأرْضِ وأمرها بما هُو مِن شأنها نداء السَّماءِ، وأمرها كذلك بما يخُصُّها، ثُمَّ أَنْ قِيلَ: {وَغِيضَ الْمَاءُ، فجاءَ الفعل على صيغة: «فَعِلَ الدَّالِةِ عَلى أَنَّهُ لمْ يَغِضُ إلا بأمرٍ آمر، وقدرة قادِر، ثُمَّ تأكيد ذلك وتَقرِيرهُ بِقَولهِ تَعالى: {وَقُضِيَ الْأَمْرُ، ثُمَّ ذُكَرَ ما هُو فائدةُ هَذهِ الأُمورِ، وهُو وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِي، ثُمَّ إِضمارُ السَّفينة قَبلَ الذَّكرِ كما هُو شَرطُ الفَخامَةِ
والدلالة على عِظمِ الشَّانِ، ثمَّ مُقابلة قيلَ في الخاتمة بـ: «قيل» في الفاتحة. ثُمَّ قال: وممَّا يَشهد لذلك أَنَّكَ تَرى الكلمةَ تَروقُكَ وتُؤنِسكَ في مَوضع، ثُمَّ تراها بعينها تُثقلُ عَليكَ وتُوحِشك في موضع آخر؛ كلفظ «الأخدَعِ» في بَيتِ الحماسة: [من الطويل]
تلفت نحو الحي حتى وجدتني وجعت من الإصغاء ليتاً وأخدعاً وبَيتِ البحتري: [من الطويل]
واني وإن بلغتني شَرفَ الغنى وأعتقت من رف المطامع أخدعي
فإنَّ لها في هذين المكانين ما لا يخفى من الحُسنِ، ثمَّ إِنَّكَ تأملها في بيت أبي تمام: من المنسرح يادهرُ قَوْمَ مِنْ أخدعيكَ فَقَدْ أضجَجتَ هَذا الأنامَ مِن خَرْقك فتجد لها من النقلِ عَلَى النَّفْسِ مِن التَّنغيص والتَّحْدِيرِ أضعاف ما وجدتَ هُناكَ من الروح والخفّة، ومن الإيناس والبهجة.
ومِن أَعجَبِ ذَلكَ لَفظَةُ الشَّيء» فإِنَّكَ تَراهَا مَقبُولةٌ حَسَنَةٌ فِي مَوضع، وضَعيفةٌ مستكرهةً في موضع آخر.
وإن أردتَ أنْ تَعرف ذلكَ فانظُرْ إلى قول أبي حَية: [من الطويل] إذا ما تقاضى المرة يوم وليلة تقاضاه شيءٌ لا يمل التقاضيا فإنَّكَ تعرفُ حُسنها ومكانها من القبول، ثُمَّ انظر إليها في بيت المتنبي: [من الطويل]
لو الفَلكُ الدَّوارُ أبغضت سعيه لموقه شيء عن الدوران فإنَّك تراها تنقل وتضول بحسب نيلها وحُسنُها فيما تقدم.
وأما الثاني: فَقَدْ يَظهرُ بالتأمل فيما قيل في قوله تعالى: {إِن تُعَذِّبَهُمْ إِنَّهُمْ عِبادةٌ وَان تغفر لهم فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: ???]، وتفصِيلُ ذَلكَ أَنَّ أَبا بَكْرِ الأَنباري قالَ: قدْ طَعَنَ عَلى القُرآنِ مَن
الجزء 1 · صفحة 67
قال: إن قوله تعالى: {إفإنكَ أنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} لَيسَ يُشاكل لقوله: {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ}: لأنَّ الَّذِي يُشاكلُ المَغفِرةَ: «فَإِنَّكَ أَنتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ). ولهذا قال بعضُهم في الآية الكريمةِ تَقدِيمٌ وتأخِيرُ، وَمَعناهُ: إِنْ تُعَذِّبهِمْ فَإِنَّكَ أنت العزيز الحكيم، وإِنْ تَغفِرْ لَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادِكَ.
ووجه الكلام على ما نسقه، أولى، وقد قرأ جَماعةٌ: «فَإِنَّكَ أَنتَ الغَفُورُ الرَّحيم»، وليستْ مِن المُصحَفِ، ذكرهُ القَاضِي عِياضُ في الشَّفا».
وقال الإمامُ القُرطبي في تفسيره: والجَوابُ أَنَّهُ لا يَحتمل إِلَّا ما أَنزَلَهُ اللهُ تعالى، ومتى نُقل إلى الذي نقله إليهِ ضَعُف معناه فَإِنَّهُ يَنفَرِدُ الغَفورُ الرَّحِيمُ بالشرط الثاني، ولا يَكونُ له بالشَّرطِ الأَوَّلِ تَعلُّق، وهُو عَلَى مَا أَنزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وأجمَعَ عَلى قراءته المُسلِمونَ مُقِرُّونَ بالشَّرطين كليهما أولهما وآخر هما؛ إذ تلخيصهُ: إِنْ تُعذَّبهم فأنتَ عَزيزٌ حَكِيمٌ، وإِنْ تَغفِرُ لهم فأنتَ العَزيزُ الحَكيمُ في الأمرين كليهما منَ التَّعذِيبِ والغُفران، فكانَ العَزيزُ الحَكيمُ أليق بهذا المكانِ؛ العمومه وأنَّهُ يَجمعُ الشَّرطين، ولم يصلح الغفورُ الرَّحيم؛ إذ لم يحتمل من العموم ما احتمله العزيز الحكيم.
وما شهد له بتعظيم الله تعالى وعدله والبناء عليه في الآيةِ كُلُّها في الشرطين المذكورين أولى وأثبتُ مَعنى في الآية ممَّا يَصلُحُ لبعض الكلام دُونَ بعض، إلى هنا كلامه.
ونَحنُ نَقولُ: قوله تعالى: {فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} ظاهرة تعليل وبيان لاستحقاقهم العذاب؛ حيث كانُوا عباد الله وعَبدُوا غَيره، وباطنه استعطاف لهم وطلب رأفة بهم، وقوله تعالى: {فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}: يعني: لا شَين لشأنكَ في عَدمِ مؤاخذتهم بالعذابِ؛ لأنكَ عَزيزٌ حَكِيمٌ، فَلَيسَ ذَلكَ بمَظنَّة للعجز والقصور من جهة العمل والعلم. وفيه تلويح إلى أنَّ مَغفِرةَ الكَافِرِ لا تُنافِي الحِكمة، ويَتضمَّنُ ذَلكَ نَفيَ الحُسنِ والقبح العقليين انتهى.
***
تعليقةً:
يجوز الإضمار قبل الذكر إذا كان في سياقه دلالة عليه؛ كما في قوله تَعالى: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقوى} [المائدة:]، وكذا إذا كانَتْ في لحاقه؛ كما في قوله تعالى: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} [الأنعام: (29)].
قال صاحب الكشَّافِ»: هَذا ضَمِيرٌ مُبهم) لا يُعلمُ ما يَعني بِهِ إِلَّا ما يَتْلُوهُ من بيانه، وأصله: إن
الجزء 1 · صفحة 68
الحياةُ إِلَّا حياتنا الدُّنيا، ثمَّ وُضعَ «هي» موضعَ «الحياة»؛ لأنَّ الخَبَرَ يدلُّ عَليها وبَيَّنها، انتهى.
والقوم - أعني: أئمة النحو وعلماء المعاني - تنبهوا للأوَّلِ، وغفلُوا عن الثاني دلَّ عَلى ذَلكَ قَولهمْ: إِنَّه مِثلُ قَولِ الشَّاعِرِ: [من البسيط]
جزى بنوه أبا غَيلانَ عَن كبر ... وحسن فعل كما يُجزَى سنمار
شاذ لا يُقاسُ عَليهِ
تعليقة:
الإطناب والإيجاز كما يكونان في اللَّفظِ - وذلكَ بأَنْ يَكونَ التَّعبير عن المعنى المَقصُودِ بلفظ زائدٍ عَليهِ لفَائدة، أو بلفظ ناقص وافي بهِ ـ كَذَلكَ يَكُونَانَ في المَعنَى وذلك بأنْ يَكونَ المَعنَى المَقصود من الكلام زائداً عَلى ما يقتضيه المَقامُ لفائدة، أو ناقصاً عنه غَيْرَ مُخلّ به.
والأَوَّلانِ مِنْهُما مَشْهُورانِ فيما بينَ القَومِ مَذْكُورانِ في كُتبهم.
وأمَّا الثَّانيانِ فممَّا خَلتْ عنه الدَّفاتر، وما مسَّهُ إِلَّا الخاطرُ الفاتر. ومن أمثلة الإطناب المعنوي قَولُهُ تَعالى: {وَمَا تِلكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى} [طه: (17)]؛ فإن ما في مَعنَى اليَمينِ مِن القَيدِ الخارِج عَن مَفهومِ اليدِ زائدٌ عَلَى مَا يَقتضِيهِ المقام، إلا أنه مُناسب لما سيق لأجله الكلام، وذلكَ أَنهُ لمَّا أُريدَ بَسَطُ بِساطِ الانبساطِ أوردَ ما فيه فتح لهذا البَابِ مِن جهتي الإطناب ومنها قوله تعالى: {وَلَا تَخُطُّه بيمينك} [العنكبوت: (48)]، وإِنَّما قصد هنا تِلكَ الزّيادة؛ للتنبيه على أنَّ الأعمال الشَّريفة حقها أن تكونَ باليَمينِ إِلَّا إذا تعشَرَ، فيحتاج إلى استعمال الشِّمالِ، وإِنَّما قيَّدنا الأعمال بالشَّرِيفةِ؛ لأنَّ الأعمال الخسيسة الخبيثة كالاستنجاء حقُها أَنْ تَكونَ باليَسار.
ومنها: قوله تعالى: {وَجِمْتُكَ مِن سَيام بنيار يقين} [النمل: (22)].
تعليقة:
قد يُقدَّرُ الفعل الخاص، ولا يَخرُجُ الظَّرْفُ عَن حد المُستَقَرٌّ عَلَى ما أفصح عنه الفاضِلُ الشُّمُنيُّ؛ حَيثُ قالَ: النَّحْويونَ يُقدِّرونَ في الظَّرفِ المُستقر فعلاً عاماً إذا لم تُوجَدْ فيه (?) قرينة الخصوص، وأمَّا إذا وجدت، فلا بدَّ من تقديره: لأنه أكثر فائدة، والشريف الفاضِلُ نَقلَ عَنْهُ هَذِهِ الفَائِدَةَ فِي شَرح تُخطبة «الكشاف»، وارتضاها، وكأنَّهُ غَفَلَ عما قرره في شرح المفتاح: حيثُ قال في شرح قوله: «إلَيكَ الاختيار
الجزء 1 · صفحة 69
» (ه) و «الاختيار» فاعل «يفوِّضُ»، و «إِلَيكَ» ظرف لغو، ولا يصح أن يُجعل الاختيار» مبتدأ، و «إليكَ» خبراً له؛ لأنَّ الظرف الواقع خبر اله لا يكون إلا مستقراً، ولا يجوز أن يكونَ «إليكَ» هنا مُستقراً لا متناع الاكتفاء بتقدير المعنى العام)، أو رَجعَ عَنهُ.
لائحة قدسية:
ليسَ المُرادُ مِن العَرشِ في قَوْلِهِ تَعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء} [هود: ?] تاسع الأفلاك، ومن الماء أحدَ العَناصِرِ: لما شَهدَ بذَلكَ شَهادةً لا مردَّ لها ما أخرجه مُسلم في صحيحه» مِن قولهِ صلى الله عليه وسلم: كانَ اللهُ ولم يكنْ مَعَهُ شَيْءٌ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وكَتبَ في الذِّكرِ كلَّ شَيءٍ، ثمَّ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، فلا وجه للاستدلال به على إمكانِ الخَلاءِ، وأنَّ الماءَ أَوَّلُ حادِثِ.
لائحة قدسية:
عرشه تعالى عبارةٌ عَن قَيومِيَّتِهِ بِناءٌ عَلَى أَنَّ سَرِيرَ الملكِ مظهرُ سُلطانه، والماء إشارة إلى صفة الحَياةِ باعتبار أنَّ منهُ كلَّ شَيْءٍ حيّ، فمعنى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء}: وكانَ تَعالى حيَّاً قيُّومَاً.
وفي لفظةِ عَلَى تنبيه على ترتب أحدهما على الآخر، فتدبر.
قال الله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: ??]، أراد الهَلاكَ في الحال لا الفناء في المآل، ولهذا قال تعالى: {هَالِكُ}، ولمْ يَقُلْ: يَهلكُ؛ يَعني: أَنَّ كُلَّ شَيءٍ لَيسَ بمَوجُودٍ في حدٌ نَفسهِ إِلَّا ذات الواجِبِ تَعالى؛ بِناءٌ عَلَى أَنَّ وُجودَ المُمكنِ مستفاد من الغَيرِ، فلا وُجودَ فِيهِ معَ قطعِ النَّظَرِ عَن الغَيرِ، بِخِلافِ وُجودِ الوَاجِبِ تعالى؛ فَإِنَّهُ مِن ذَاتِهِ بَلْ عَينُ ذَاتِهِ.
هَذا هو الوجه في تفسير الآية المذكورة، وأمَّا الَّذِي ذَهَبَ إِليه بَعضُ الأَفاضِلِ مِن أَنَّ المَعنَى أَنَّ الوُجودَ الإمكانيّ بالنَّظر إلى الوُجودِ الواجبي بمنزلة العَدمِ: ففيه صَرِفُ الكَلامِ عَن الحقيقة) إلى المَجازِ مَعَ عَدمِ التَّعدرِ في المَعنَى الحقيقي.
سَمعَ بَعضُ العارِفينَ قوله صلى الله عليه وسلم: كانَ الله ولمْ يكُن مَعَهُ شَيء، فقالَ: وهو الآنَ على ما كانَ، وظاهره يُخالِفُ ما دلَّ عَليهِ قَولهُ عَليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ مِن إثباتِ الكَونِ لغَيره تَعالى في الحال، ولا مُخالفة في الحقيقة؛ لأنه أرادَ الكَونَ الذاتي، ومُراده مُطلَقُ الكَونِ الشَّامل لما بالغَيرِ.
لائحة قدسية:
الجزء 1 · صفحة 70
المُزيَّنُ في الحقيقة هو الشيطان؛ لأن التربينَ صِفة تقوم به.
قال الفاضل التفتازاني في شرح الكشاف»: الفِعلُ إِنَّمَا يُسندُ حَقيقةً إِلى مَن قَامَ به، لا لمن خَلقه وأوجَدهُ، واللهُ سُبحانهُ وتَعالى عِندَنا خَالِقٌ للأفعال لا محل لها: فالكافِرُ والجالِسُ إِنَّما يَصحُ حَقيقةً لمنْ قامَ بهِ الكُفْرُ والجُلوس، لا لمن خَلقَهما: كالأسود والأبيض لما قامَ بهِ السَّوادُ والبَياضُ، وإنْ كانَ بخَلْقِ الله تعالى، فقراءةُ:
والسَّلامُ عَن الاميراءِ عَلَى أَنَّ المُرادَ بِهِ لَيْسَ نَهِيه كما وَردَ في كَلامِ الإِمَامِ البَيضَاوِيُّ؛ حَيثُ قَالَ فِي تَفسِيره: ولَيسَ المُرادُ بِهِ نَهيَهُ عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ الشَّلِّ فِيهِ؛ لأَنَّهُ غَيْرُ مُتَوفَّعٍ مِنهُ، وَلَيسَ بقصد واختيار ليس بتام كما لا يَحْفَى عَلَى ذَوي الأفهَامِ، ثُمَّ إِنَّ مُوجَبَ قَولِهِ: «ولَيسَ بِقَصدِ واختيارٍ
أن لا يكونَ النَّهيُّ مُراداً أصلاً، سَواءٌ كَانَ نَهيَهُ عَليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، أو نهي أُمته. والتَّأويلُ الَّذِي أشار إليه بقوله: (أو) أمرُ الأمة باكتسابِ المَعارفِ المُزيحَةِ للشَّكُ عَلَى الوَجهِ الأبلغ لَهَدَمِ أصلِ الاستدلال كما لا يَحْفَى عَلَى مَن تَأَمَّلَ فِي المَقَالِ. والتحقيقُ أَنَّ الشَّكَ لا يَكونُ بقصد واختيار؛ فالنَّهي المذكورُ للحثّ عَلى مُحافظة الأسبَابِ المُزيلة، والتحذيرُ عَن الغَفْلَةِ عَنها، والرَّسُولُ عَليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ أحقُّ بهما مِن أُمَّتِهِ.
ولقد أحسنَ مَن قالَ: إِنَّ اللهَ تَعالى يُحذِّرُ نَبيه من اتَّبَاعِ الهَوى أكثر مما يُحذِّرُ غَيرَهُ لأَنَّ المَنزِلَةَ الرَّفِيعَةَ إلى تجديد الإنذار أحوج حفظاً لمَنزَلَتِهِ، وصيانةً لمكانته.
وقد قيل: حقُّ المِرآة المجلوةِ أنْ يَكونَ تَعهدها أكثرَ إذا كانَ القَليلُ مِن الصَّدأ عليها أظهر، فتدبَّرُ».
يعني في قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا} [البقرة: ???] على البناء للفاعل بالإسنادِ المَجازي؛ فإنَّهُ تعالى هو المُمكِّنُ للشَّيطانِ مِن التزيين.
ومن قال ـ القائل هو الإمام البيضاوي في تفسيره» -: والمُزيِّنُ عَلَى الحقيقة هو الله تعالى؛ إذ ما مِن شَيْءٍ إِلَّا وهو فاعله، أخطأ في المُدَّعى، وما أصَابَ في الدليل.
أَمَّا عَدمُ إِصَابَتِهِ في المُدَّعى؛ فلما عرفتَ أَنَّ الفاعِلَ الحَقيقي لصفة ما يَقومُ بهِ تلك الصفةُ؛ فإنَّ الفاعِلَ الحَقيقي للكتابة هو الكاتب لا خالِقُ الكتابة.
الجزء 1 · صفحة 71
ثمَّ إِنَّهُ لَمْ يُصب في إطلاقِ المُزيِّنِ عَلَى الله تعالى؛ لَعَدمِ وُرودِ الإِذْنِ بهِ. وأما عدم إصابته في الدليل؛ فلان مَبناهُ عَلى عدم الفرق بينَ مُصطلح أهل النحو، ومُصطَلحٍ أهلِ الكَلامِ في الفاعلِ عَلى ما نَبَّهَ عَليهِ بقَولِهِ؛ حَيثُ لم يُفرِّقُ بَينَ الفاعِلِ النحوي الَّذِي كَلامنا فيه، والفاعِلِ الكلامي الَّذِي هُو) بمعزلٍ عَن هَذَا المَقامِ، كما لا يخفى على ذوي الأفهام، والله العلام".
لائحة قدسيّة:
مساق قوله تعالى: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَت لَا يُبْصِرُونَ} [البقرة: (17)] يقتضي وُجودَ المُبصر في الظُّلمةِ، وإِنْ بلغَتِ الغاية؛ إذ لولا وجوده فيها، لكان الإخبارُ عَن قدم الإبصار إخباراً عن عدم رؤية المعدوم فيها، ولا وجه له، وقد تقرر في موضعه من كتب الحكمة والكلام أن المبصر هو اللون والضوء، وإنما يصر
الجسم بواسطتهما، فالظلمةُ إنَّما تمنع الإبْصارَ دُونَ المُبصر، فظهر بما تقرر أن اللون موجُودٌ في الظُّلمةِ الشَّديدة البالغةِ غايتها لا يَزولُ بزَوالِ النُّورِ كما سبق إليه وهم (طائفة منهم ابن سينا.
تَعْلِيقَةٌ:
قدْ ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ ما يقتضي العَدمَ لا يقبلُ الوُجودَ)، وأمَّا عَكسه - وهُو أَنَّ كلَّ ما لا يقبلُ الوُجودَ يقتضي العَدمَ - فَلَمْ يَثبت بعد، لا بشَهادةِ البَدِيهِيَّةِ، ولا بقيامِ البُرهان عَليهِ بلِ الظَّاهِرُ تُبوتُ خلافهِ؛ فإنَّ رابعَ الأقسَامِ فِي التَّقْسِيمِ المَشْهُورِ للمفهومِ إلى الواجب بالذَّاتِ والمُمتَنعِ بالذَّاتِ والمُمكن بالذَّاتِ ـ وهو ما لا يَقتَضِي ((2)) ذاتهُ وجوده وعدمه معاً - لا يقبلُ الوُجودَ، وذلك ظاهر، ولا يقتضي العَدمَ؛ إذ لا حظ لهُ من الثبوتِ في نفس الأمر، والاقتضاء في نفس الأمرِ فَرعُ النُّبُوتِ فِيهِ، فَمَن وَهمَ أَنَّ هَذا التَّقسيم) داخل في حد المُمتَنعِ بِالذَّاتِ فقدْ وَهم.
***
تعليقة:
بعض ما لا يقتضي الوُجودَ ولا العدمَ يَجوزُ () أن لا يقبل الوُجودَ؛ لعدم حظه من الثبوتِ في نفس الأمر؛ فإنَّ قبول الوُجودِ في الخارج فَرعُ الثبوتِ في نفس الأمرة كشريك الباري تعالى عَن ذَلكَ: فإِنَّهُ لا يُمكنُ أنْ يُوجد فِي نَفْسِ الأمرِ، وإِلَّا: يَلزمُ أن يكون واجباً بحكم الشركة في حقيقة الواجب، وقد دلَّ البُرهانُ عَلَى امتناعه، فيلزمُ وجوبه وامتناعه مَعاً، هَذا خُلْفٌ، ويُطلانُ اللَّازِمِ مَلزُوم؛ لبطلانِ
الجزء 1 · صفحة 72
المَلزُومِ.
فإن قلت: فما وجه قولهم: شَرِيكُ البارِي مُمتنع؟
قلتُ: ستَقفُ عَلى وَجهِهِ في مَوضعِهِ، فالمُمكنُ الخارج عنِ التَّقسيم؛ أي: تقسيم المفهومِ المَشهور لا يلزمهُ قَبولُ الوُجودِ وإِنْ تَساوى نِسبته إلى الطرفين، ومن هاهنا تبين الاختلال في ذلك التقييم.
تذنيب: فالصَّوابُ - تَفريعٌ عَلى ما تَقدَّمَ في التَّقْسِيمِ ـ أنْ يُقالَ: المَفهوم معَ قطع النظر عن الغير إما أن يقتضي الوجود أو لا، والأول: الواجب لذاته، والثاني: إما أن لا يقبله أو لا، والأوَّلُ: المُمتنع لذاتِه، والثاني: [الممكن] الَّذِي لا حظ له من الوجودِ فِي نَفْسِ الأمر، والله أعلم.