رسالة في مسألة من فروع التّقليد
للفقيه إبراهيم بن حسين ابن بيري الحنفي
توفي في سنة (1099 هـ)
تحقيق:
مهيمن سانا
إشراف:
د. براء السعدي
جارٍ تحميل الكتاب…
رسالة في مسألة من فروع التّقليد
للفقيه إبراهيم بن حسين ابن بيري الحنفي
توفي في سنة (1099 هـ)
تحقيق:
مهيمن سانا
إشراف:
د. براء السعدي
بسم الله الرحمن الرحيم
(مسألة) من فروع التّقليد
[لا يرجع] المقلّد المَحْضَ والمجتهد في البعض [فيما قلّد فيه] من فروع الأحكام أحدا من المجتهدين، "حتى لو سأل متفقّها عن مسألة فبنى على جوابه، ثم سأل مفتيا فأفتاه بعكسه قضى الصلوات التي صلاها بناء على جواب غير المفتي إذا أفتى المفتي بالقضاء"كما في القنية،" [أي عمل به اتّفاقاً] "، وهو المختار في المذهب.
وفيما لم يعمل به عند الأكثر لغير المجتهد، حتى قال في السّراجية: من ارتحل إلى مذهب الشافعية عزر،.
ووقع في فتح القدير للمصرييدل على عدم إتجاه الإنتقال فيما لم يعمل به حيث قال "وحقيقة الإنتقال أي عن المذهب إنما يتحقق في حكم خاص قلد فيه وعمل به وإلا فقوله قلدت أبا حنيفة رحمه الله تعالى فيما أفتى به من المسائل مثلا والتزمت العمل به على الإجمال وهو لا يعرف صورها ليس حقيقة، بل هذا حقيقة تعليق التقليد أو وعد به كأن التزم أن يعمل بقول أبي حنيفة فيما يقع له من المسائل التي تتعين في الوقائع"انتهى.
أقول: لابدع من أن التّقليد، كما يكون حقيقة يكون حكما، ولذلك نظائر لا تُحْصَرُ، أو أن قصده إلى فعل ما يحدث له على هذا المذهب كان الفعل، وله نظائر جعل القصد فيها إلى الشيء فيها ملحقا بحقيقة ذلك.
ومنالفروع التي يمتنع الرجوع فيها بعد عمل المجتهد والمقلد، قال في الإيضاحولو أن فقيها قال لامرأته أنت طالق البَتّة وهو يرى ثلاثة وأمضى رأيه فيه ونفذه وعزم أنها حرمت عليه ثم رأى بعد ذلك أنها تطليق رجعية عند رأيه الذي كان عزم عليه ولا يردها إلى
أن تكون رجعيا برأي حدث من بعد ذلك، وكذلك إذا لم يكن فقيها واستفتى إنسانا فأتاه بحلال أو حرام، فإن لم يعزم على ذلك، فأتاه غيره بخلافه فأخذ بقول ثاني وأمضاه في منكوحته لم يجوز له أن يترك ما أمضاه ويرجع إلى ما أفتى به الأول انتهى.
وقيْد عدم صحة الرجوع فيما عمل به، بما إذا كان مسبوقا بالتقليد حتى لو لم يكن مسبوقا بالتقليد لم يعتد به.
قال قاضي خان: "رجل يرى التيمم إلى الرُّسْغِ أو إلى الوتر ركعة رأى ذلك زمانا ثم رأى الوتر ثلاثا، والتيمم إلى المرافق، لا يعيد ما صلى؛ لأنه كان يجتهد فيما فعل، ولو لم يكن من أهل الرأي وفعل كذلك من غير أن يسأل أحدا، فأفتى أن التيمم إلى المرافق، وأن الوتر ثلاثا، فإنه يعيد ما صلى؛ لأنه ما كان مجتهداً " انتهى.
ومثله في مختارات النوازل.
[وهل يقلد غَيْرَه] أي: غير من كان قلده أولا [في غَيْرِه] أي: غير الفرع الذي عمل بهأولا؟، [المختار] كما ذكره الآمديوابن الحاجب،، [نعم] له تقليد غيره في غيره، ولو كان نظره.
قال في الفتاوى الصغرى: "لو أفتاه مفت بالحل ثم أفتاه آخر بالحرمة بعد ما عمل بفتوى الأول فإنه يعمل بفتوى الثاني في حق امرأة أخرى لا في حق الأول، ويعمل بكلام المفتيين في حادثتين" انتهى.
في البحر المحيط للزَّرْكَشِيِّ الشافعي"إن غلب على المقلد أن بعض المسائل على مذهب غير مقلده أقوى من مقلده جاز"قاله القدوريالحنفي انتهى.
[للمقطع] بالاستقراء التام [بأنهم] أي: المستفتيين في كل من زمن الصحابة، وهلم جرا (كانوا يَسْتَفْتُوْنَ مرّة واحدا ومرّة غيره)، حال كونهم [غير ملتزمين مفتيا واحدا]، وشاع، وتكرر، ولم ينكر، وهذا إذا لم يلتزم مذهبا معينا، وعليه يحمل ما ذكرناه عن الصغرى، وإلا لناقض ما سنشرحه من كتب المذهب.
[فلو التزم] بأن قال، إني ملتزم متبع [مذهبا مُعَيَّناً؛ كأبي حنيفة أوالشافعي]، فهل يلزمه الإستمرار عليه فلا يقلد غيره في مسألة من المسائل إلا إذا انتقل رأسا أم لا؟ [فقيل: يلزم] ويصير هو الواجب في حقه.
قال في شرح النِّقَايَة لِلْمُلاَّ شمس القُهُسْتاَنِيْ: "واعلم أن من جعل الحق متعددا كالمعتزلة أثبت للعامي الخيار من كل مذهب ما يهواه، ومن جعله واحداً كعلمائنا ألزم العامي إماما واحداً كما في الكشف" انتهى.
وفي قاضي خان: "ولو أن حنفيا علق الطلاق بالتزويج، وتزوج امرأة، فلم يرفع الأمر إلى القاضي؛ لكن شفعوي أفتاه بعدم وقوع الطلاق، لا ينبغي للخالف أن يأخذ بفتواه ويترك مذهبه؛ لأن عليه الأخذ بقول علمائه لا بقول أصحاب الشافعي، وفتواهم لا تكون حجة في حقه"انتهى.
(وقيل: لا يلزم)، قال الشارح: وهو الأصح لأن التزامه غير ملزم إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله تعالى ورسوله ولم يوجب على أحد أن يتمذهب بمذهب رجل من الأئمة فيقلده في كل ما يأتي ويذر، والتزامه ليس بنذر حتى يجب الوفاء به انتهى.
أقول: إن كان هذا تعليله هو الموجب لأ صحية هذا القول فغير واضح؛ لأن العامي مأمور باتباع واحد من أهل العلم، لا بعينه، ولا ريب أن تعيينه مفوض إليه بأمر الشرع، فلما عينه كان تعيينا لما هو المأمور به في النص بالنسبة إليه، بحيث يكون هو الواجب في حقه إلى أن ينتقل إلى مذهب آخر رأسا.
ونظيره: كفارة اليمين عند اختياره أحد المعاني الثلاثة ()، حيث يصير الواجب في حقه ذلك المختار له بعد فعله فتأمله.
[وقيل: الملتزم كمن لم يلتزم، إن عمل بحكم التقليدلا يرجع عنه]، أي: ذلك الحكم، [وفي غيره) من الأحكام (له تقليد غيره] من المجتهدين، وهذا القول في الحقيقة تفصيل لقوله: وقيل: لا؛ [لعدم] ما يوجبه شرعا، جواب هذا قد تقدم، [ويتخرج منه] أي: من جواز تقليد غير مقلده الأول في آحاد المسائل، [جواز تَتَبُعِ رخص المذاهب]، أي: الأخذ من كل مذهب بما يهواه فيما يقع له من المسائل، هذا بحث من المؤلف وبمثله لا يترك المذهب.
والمذهب عدم جواز تَتَبُعِ رخص المذاهب، قال في شرح النقاية: "ولو أخذ العامي من كل مذهب مباحه، صار بذلك فاسقا تاما، كما في شرح الطحاوي للفقيه سعيد ابن مسعود، فيجب في المذهب الصلابة، أي: اعتقاد كونه حقا وصوابا، كما في الجواهر، ومشايخنا قالوا: مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب مخالفنا خطأ يحتمل الصواب" انتهى.
[ولا يمنع من هذا مانعا شرعي] لا يخفى ما في هذا بعد رواية المنقول، [إذ للإنسان أن يسلك الحكم الأخف عليه إذا كان له إليه سبيل بأن لم يكن عمل] بقول [آخر] مخالفا له، بأن كان أشد منه فيه أي: في ذلك المحل المختلف فيه.
ومن فروع عكس ذلك: ما لو قال الفقيه لامرأته: أنت طالق البتة، وهو يراها واحدة رجعية، وعزم على أنها امرأته، ثم رأى بعد ذلك أنها ثلاث تطبيقات، لم تحرم عليه، كما في (تحرير) الكَرْماَنِيْ.
أقول: وإذا امتنع ما هو الأشد في حق من له رأي واجتهاد، فالأخف في حق العامي من باب أولى وأحرى، [وقيْده] أي: جواز تقليد غير مقلده في آحاد المسائل [متأخر]، وهو العلامة العمدة القَرَافِيُّ المالكي [بأن لا يترتب] عليه أي: على تقليد ذلك الغير [ما يمنعانه] أي: يحكم ببطلانه المجتهدان المقلدان، وذلك بأن أوقع فعلا مقلدا فيه كلا من المجتهدين، وفاسد من وجه آخر.
ورأيت في رسالة العلامة ابن نجيم ما نصه: وما وقع في آخر التحرير من منع التلفيق فإنما عَزَاهُ لبعض المتأخرين، وليس هذا المذهب، واستدل على كون المنع ليس المذهب، وأن جواز المذهب بمسألة في البَزَّازِيَّةِ، وهي ـ أن من علماء خوارزم من اختار عدم الفساد بالخطأ في القراءة، أخذا بمذهب الإمام الشافعي، فقال له الباقرحي: مذهبه من غير الفاتحة، فقال: أخذت من مذهبه الإطلاق وتركت القيد لما تقرر من كلام محمد، أن المجتهد يتبع الدليل، لا القائل، حتى يصح القضاء بصحة النكاح بعبارة النساء على الغائب انتهى.
وفيه نظر؛ لأن هذا مفروض في مجتهد في المذهب، والكلام ليس فيه، ويشهد بذلك قوله: أخذت من مذهبه الإطلاق، وتركت القيد لما تقرر في كلام محمد الخ ... ، وأشار إلى تصوير ذلك بقوله [فمن قلد الشافعي في عدم] فريضة [الدَّلْكِ] للأعضاء المغسولة في الأكبر والأصغر [وقلد مالكا في عدم نقض اللّمسِ بلا شهوة] للوضوء، [وصلى؛ إن كان الوضوء بذلك صحت] صلاته عند مالك [وإلا] أي: وإن لم يكن كذلك [بطلت] الصلاة [عندهما] أي مالك والشافعي، ومن صورة المنقولة من كتب علمائنا المعتمدة؛
قال في جامع الفتاوى:"يجوز للحنفي أن ينتقل إلى مذهب الشافعي وبالعكس، لكن بالكلية، أما في مسألة واحدة فلا يمكن، كما لو خرج دم من بدن حنفي وسال، فلا يجوز له أن يصلي قبل أن يغسله اقتداء بمذهب الشافعي في هذه المسألة، فإن صلى بطلت صلاته"انتهى.
وفي مختصر الفتاوى لعلي الأُزْوَجَنْدِيُّ، رجل غرس شجرا في الشارع فمات فجعل أحد الورثة حصته وقفا للمسجد لا يصح؛ لأن حصته شايع في المنقول انتهى.
وفي التاتارخانية،"رجل غرس أشجار في المشاع ثم مات الغارس وترك ابنين فجعل أحدهما حصته للمسجد لا يكون للمسجد () " () انتهى.
وفي البحر المحيط للعلامة الزركشي الشافعي وبعد ذكر التلفيق "وَمَرَّبِيْ أن عبد الله بن المبارك سئل إن حلف بالطلاق ألا يتزوج، ثم بدا له، فهل له أن يأخذ بقول من يجوز له ذلك؟ فقال: إن كان يرى هذا القول حقا قبل أن يبتلى بهذه المسألة فنعم، وإلا فلا، وما أحسن هذا الجواب من متورع" انتهى بحروفه.
وفي تحفة التُّرْكِللعلامة الطرطوسي، سلطنة التُّرْك عندنا صحيحة، خلافا للشافعي، ولا شك أن يلتزم من صحة الولايات الشرعية على مذهبنا منهم خلافا لهم، فإنهم إذا لم يقولوا بصحة سلطنة الترك، فكيف تجوز التولية منهم؟ فيتعين على السلطان أن لا يولي أحد منهم ولاية ولا قضاء أصلا؛ لأن في زعمهم أن السلطنة في قريش، وأن الترك لا سلطنة لهم، وإنما هم أهل شوكة، وخوارج على الخلافة، فإذا ولاهم سلطان، وقبلوا الولاية، كانوا مقلدين لمذهب أبي حنيفة، لأجل صحة الولاية ويخالفونه في الفروع والأصولانتهى.
وفي ديباجة تصحيح القدوري للعلامة الحافظ ـ كما لقب به صاحب لسان الحكام قاسم بن قُطْلُوْبُغاَ الجمالي تلميذ المحقق ابن الهمام، قال الأصوليون: "لا يصح التقليد في شيء مُرَكَّبْ من اجتهادين مختلفين بالإجماع، ومثلوا له: بما إذا توضأ ومسح بعض شعره ثم صلى بنجاسة الكلب قال في توفيق الحكام على غوامض الأحكام بطلت بالإجماع"، وقال فيه، "والحكم المُلَفَّقْ باطل بإجماع المسلمين فلو أثبت الخط مالكي فحكم شافعي لم ينفذ () " () انتهى.
وهذا آخر ما قصدناه من الكلام على سبيل التلفيق، من تحرير خاتمة الأكابر ابن الهمام ـ رحمه الله تعالى ـ.
وحرر في الثاني عشر من ربيع الثاني بعد صلاة الظهر، سنة سبعين وألف
و صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين آمين
(الإعلام في المهمات الشرعية من الأحكام جمع مولانا الشيخ العلامة إبراهيم بن حسين بن أحمد ابن بيريالحنفي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين آمين).