رسالة في شرح فرائض الصلاة على وجه التفصيل
للإمام إبراهيم بن حسين بن أحمد بن بيري الحنفي
توفي في سنة (1099 هـ)
تحقيق:
محمدجان بيردالييف
إشراف:
د. براء السعدي
جارٍ تحميل الكتاب…
رسالة في شرح فرائض الصلاة على وجه التفصيل
للإمام إبراهيم بن حسين بن أحمد بن بيري الحنفي
توفي في سنة (1099 هـ)
تحقيق:
محمدجان بيردالييف
إشراف:
د. براء السعدي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي يسر لمن شاء من عباده جمع الفوائد وأمدّه في جميع أحواله بإمداد الفائض، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الراشد وعلى آله وصحبه ناشرين الفوائد.
وبعد:
فهذه كلمات كشفت بها الغامض من الرسالة التي كنت جمعت فيها ما تفرق في بطون الدفاتر من الشروح والفتاوى المعتمدة للمشايخ من فرائض الصلوات الخمس المكتوبة كما لا للفائدة وتعميما والله المسؤول في الإرشاد للصواب والسداد والحفظ من كيد الأعداء والحساد.
بسم الله الرحمن الرحيم أي ابتدائي وأولي منه أؤلف، الحمد لله رب العالمين أي مالك جميع المخلوقين وأشرف الصلاة وأزكى التسليم على سيدنا محمد وعلى آله الأطهار وصحبه الأخيار أجمعين.
وبعد:
فهذه رسالة لطيفة فريدة حررت فيها فرائض الصلاة الشاملة للركن والشرط المكتوبة أي الواجبة بإيجاب الله تعالى على وجه التفصيل وإن كان يكفي في صحة الصلاة العلم الإجمالي بفرائضها أي بأن ينوي الفرض ولكن لا يعلم ما فيه من الفرائض والسنن أو اعتقد أن جميع أفعال الصلاة فرض لما رأيت كثيرا من الناس من يجهل ذلك وتأكد في حقه معرفة ذلك يعتقد لقصور اطلاعه أن لا فرائض للصلاة غير ما ذكر في المتون المعروفة وبذلك تكون صلاته غير صحيحة؛ لأنه إما أن ينوي فيما عدا المتون سنة وإما نفلاً.
فنقول وبالله التوفيق وعليه التوكل:
فُرِضَ بدلالة النص على المصلي أي المسلم العاقل البالغ مريد الصلاة أولاً أي قبل كل فرض من الفرائض الآتية طهارة أي تطهير البدن وهو ما يسوي الأطراف من المنكب إلى الإلية كما في "المغرب" والرأس واليد والرجل يدخل في الحكم تغليباً من الحدث الأصغر والأكبر. فإن قلتَ: لِمَ قدمْتَ الحدث على الخبث؟ قلتُ: لأنّ قليله غير معفو بخلاف الخبث، فكان تقديمه أهم وسبب وجوبه إقامة الصلاة وهو الأصح، كما في "الخلاصة" وفي الأكبر ما لا يحل مع الجنابة ومن الخبث أي النجس المرئي وغيره الزائد على قدر الدرهم في الغلظة وعلى المستفحش في المخففة، كما في "المجمع" للمصنف، والخفيفة تضم إلى الغليظة، فإن زاد على قدر الدرهم لا يجوز، قاله في "مجمع الفتاوى" عن "الفتاوى" وفيه ولو كان على مصلاه نجاسة قدر الدرهم، وعلى بدنه مثله لا يجمع كما هو "مجمع الفتاوى".
والعلم أي التيقن بها أي بالطهارة وقت أداء الصلاة، حتى لو صلى وعنده أنه محدث ثم ظهر أنه طاهر لا يجزئه كما في "الزيلعي" في الأول أي الحدث ولم أر فيما عندي الحكم في الخبث، والظاهر أنه كذلك فليتعأمل.
وفُرضَ بعبارة النص طهارة الثوب الذي يصلي فيه وعليه ولو زاد على القدر المستحب في "الاختيار" وفي "مجمع الفتاوى" عن "الخلاصة"، لو كان القدر في ثوب المصلي أقل من قدر الدرهم وتحت قدمه على الأرض نجاسة أقل من قدر الدرهم ولو جمع أكثر من قدر الدرهم لا يجمع، ويجوز ... الصبي إذا جلس على عاتق المصلي وعليه نجاسة، لو جلس حمامة على رأسه وفي منقارها نجاسة لا يمنع الجواز؛ لأن الحامل غير المصلي، وكذلك الحدث والجنب إذا حمله المصلي، انتهى من "مجمع الفتاوى".
والعلم أي التيقن بها أي بالطهارة عند إرادة الصلاة حتى لو صلى في ثوب وعنده أنه نجس ثم ظهر أنه طاهر لا يجزئه؛ لأنه لما حكم بفساد صلاته على دليل شرعي وهو يجزئه فلا ينقلب جائزة وإن ظهر بخلافه وطهارة موضع كلا القدمين أي محل وضعهما وإن كان الغرض يتأدى بوضع أحدهما على الأصح كما في "خزانة الروايات" عن الزاهد الصفار، قال في "مجمع الفتاوى": لأن القيام يضاف إلى الرجلين حال وضعهما وفي "البرهان": حتى لو كانت تحت أحدهما نجاسة أكثر من قدر الدرهم يمنع الجواز وإن جازت الصلاة مع رفعها ولا يجعل كأنها لم توضع عليها إلا ترى أنه لو سجد على مكان نجس تفسد، وإن أعاده على طاهر، خلافاً لأبي يوسف؛ لما قلنا من تلبسه بها، وقيل: موضع أحدهما فقط بناءً على إمكان القيام في الصلاة بأحدهما، وطهارة موضع اليدين والركبتين، قال في "البرهان": بناءً على اختيار رأي الليث وتصحيحه في"العيون" و"عمدة الفتاوى" لتحقق التلبس بالنجاسة عند وضعهما عليها والحكم بجواز الصلاة بدون وضعها ينكره أبو الليث؛ لأنا أُمِرْنا بالسجود على سبعة أعظم، وفتوى مشايخنا بجوازها لا يعدم حقيقة التلبس بها كما لو صلى في ثوب تنجس منه ما ليس بساتر لعورته، لا فرق بين حملها والوضع عليها في الفساد لما مر انتهى. وفي شرح النقاية للمشمى والعلامة قاسم في "الصحيح" وفي "السمرقندي" طهارة مكان ركبتيه ويديه شرط في طهارة الأصول، وقيل: غير شرط كذا في "الخلاصة" وغيرها، وموضع الجبهة على الأصح فيهما؛ لأن السجود ركن كالقيام فيشترط طهارة مكانه، والمدار في اشتراط طهارة هذا الموضع أن لا يكون مستعملاً للنجاسة لا حقيقة ولا حكماً، ولا يفهم هذا إلا فقيه، وفي "مجمع الفتاوى": ولو وقع ثياب المصلي على النجاسة لا يضره، إن كان موضع قدمه وسجوده طاهر.
وفُرضَ ستر العورة الغليظة والخفيفة من الرجل والمرأة، حرة وأمة ولو بالماء أو ورق الشجر أو الطين، ولا عبرة بستر الظلمة ولا بثوب رقيق يصف ما تحته. والعورة سوءة الإنسان من العار المذموم ولذا يسمى أيضاً عورة، وفي "مجمع الفتاوى": انكشفت عورته في الصلاة بفعله فسدت في الحال عندهم، وإن لم يكن بفعله، فإن ستر من ساعته قبل أن يؤدي جزءاً منها لم يفسد وإلا فسدت، وقال أبو يوسف: يفسد أدّى منها أو لم يؤدّ.
وفُرِضَ الوقت أي الزمن المعين بأمر الشارع لأداء الصلاة وهو خمسة أوقات ذكرها الله في القرآن لا تصح الصلاة قبلها وهو سبب وجوب الصلاة كما في "الخلاصة".
والعلم به أي بدخول الوقت حتى لو صلى وعنده أن الوقت لم يدخل لا يجزئه، كما في "فتح القدير" وفي "مختارات النوازل"، قيل: يكفر؛ لأنه أهان أمر الشرع.
وفرض لصحة صلاة الفجر عدم دخول وقت محرم أي يحرم فيه الصلاة شرعاً بأن طلعت الشمس وهو أي المصلي فيها أي الصلاة متلبس بها بخلاف ما إذا غربت الشمس وهو في العصر، كما في "الجوهرة" و"مختارات النوازل".
وفرض على الأمن بالنص استقبال القبلة وهو في حق المكي عين الكعبة المعظّمة وجهتها لغيره وهو الأصح، وفي "فتح القدير" في الدراية عن شيخه ما حاصله أن استقبال الجهة أن يبقى شيء من سطح الوجه مسامتاً للكعبة أو لهوائها انتهى مع حذف التعليل، والاستقبال كالإقبال التوجه نحو القبلة، كما قال الراغب: وللعاجز جهة قدرته، ولمن اشتبهت عليه القبلة جهة تحريمه. قال في "شرح الوهبانية" لابن الشحنة ناقلاً عن "البزازية" و"الفصول العمادية": إذا صلى لغير القبلة متعمداً فوافق ذلك القبلة، قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: هو كافر كالمستخف وبه أخذ الفقيه أبو الليث.
والنية أي نية الصلاة لقوله تعالى: {وَمَا? أُمِرُو?اْ إِلَّا لِيَع?بُدُواْ اللَّهَ مُخ?لِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (البينة: 5)، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات" روي في الكتب الستة بـ"إنما" وفي صحيح ابن حبان بدونها، روي بإفراد النية وحدها وبإفراد العمل وحده بإفراد كليهما وكلها صحاح.
ووصلها أي النية بالتحريمة أي التكبيرة بلا فاصل أجنبي بأن يعمل عملاً ينافيها مثل شراء الحطب والأكل والشرب والكلام لا الوضوء والمشي إلى المسجد، قال في "البرهان": لأنه إقبال عليها فلم يكن قاطعاً لنيتها.
وتكبيرة الإحرام أي التي يحرم بها المباحات ويدخل بها في الصلاة ولفظها "الله أكبر" وإن قال "أجلّ" أو "أعظم" أو "الرحمن" إجراؤه عند أبي حنيفة ومحمد، ويكره في الأصح، ومثبت فرضيتها شرطاً كانت أو ركناً، قوله تعالى: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} (المدثر: 3)، جاء في التفسير أنه أرِيدَ به تكبيرة الافتتاح ولأن الأمر للإيجاب وما وراءها ليس بفرض فتعيين هذا التكبير لكيلا يؤدي إلى تعطيل النص، وقوله عليه الصلاة والسلام: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي. ومحلها بعد النية حتى لو أحرم أو لا، ثم نوى لا يعتبر بها في ظاهر الرواية، كما في"البرهان" وفي "الخلاصة". اجتمع أصحابنا أن الأفضل أن يكون مقارناً للشروع ولا يكون شارعاً بمتأخرة؛ لأن ما مضى لم يقع عبادة لعدم النية، فكذا الباقي لعدم التجزئة.
وفرض النطق بها؛ لأنها من أعمال اللسان كالتلبية.
وفرض إيقاعها أي تكبيرة الإحرام جميعها وهي "الله أكبر" في حال القيام، قال في "البرهان" و"الجوهرة" واللفظ للبرهان: ولا يصح في الفرض إلا قائماً فلو كبّر منحنياً إن كان إلى القيام أقرب يصح وإلا فلا.
وتعيين الصلاة كالظهر مثلاً لتزاحم الفرائض أداءً وقضاءً فلا بد من تعيين ما يريد فعله بالنية.
وفرض العلم بمعنى الفرض من أنه ما يستحق الثواب بفعله والعقاب بتركه، كما في "الأشباه" عن "القنية".
وفرض القيام وهو استواء الشق الأسفل والأعلى كذا في بعض الشروح، وحده في "الجوهرة" أن يكون بحيث إذا مدّ يديه لا ينال ركبتيه انتهى. والركن أصل القيام لا امتداده، ألا ترى أن الإمام لو لم يطوّل القيام في الشفع الثاني أجزأه؛ لأنه لا قراءة فيه كما في "الأصل"، فالامتداد إنما يجب لتحصيل القراءة، كما في "الأسرار"، لكن في "التمرتاشي": اختلفوا أن القيام في حق اللاحق هل يقدر بقدر القراءة؟ في حق الأميّ والأخرس قدر ثلاث آيات.
وفرضت القراءة أي قراءة آية من الفاتحة أو غيرها سوى البسملة، وإن كان الأصح أنها آية في حق حرمة المس عند أبي حنيفة، وقالا: ثلاث آيات مما بين دفتي المصحف، ولو قرأ بقراءة شاذة لا يجزئ عن القراءة في الصحيح كما في "جامع الفتاوى" لا تفسد صلاته، كما في "الكافي"، وقيده في "جامع الفتاوى"، بما لم تخل الصلاة عما بلغ بالتواتر، فإن خليت فسدت، وتصح الصلاة بالثلاثة، كما تصح بالسبعة لخروجها عن حد الشاذ، كما صح والعشرة جميعها مشهورة من حيث القراءة في الصحيح لانتهائها إلى سبعة نفر من الصحابة رضي الله عنهم وهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وأبيّ بن كعب وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وأبو موسى الاشعري.
وفرض كونها أي القراءة المفروضة في الصلاة في ركعتي الفرض الرباعي والثلاثي في الصحيح، كما في "شرح الكيداني" عن "التحفة" وفي "مجمع الفتاوى". قال في "المحيط": ترك القراءة في الثالثة من الوتر وفي إحدى الركعتين من الفجر أو صلاة السفر فسد. قال رحمه الله تعالى: ولا يمكنه إصلاح صلاته من "منية الفقهاء" انتهى.
وفرضت القراءة في الكل في جميع ركعات الفرض الرباعي في صورة خاصة، وهي إذا أحدث الإمام فيها بعد الأوليين ولم يكن قرأ فيهما فاستخلف مسبوقا فإن القراءة في الأربع فرض كما في"الأشباه".
وفرض الركوع أي في كل ركعة، وهو لغة: الانحناء، وشرعا: انحناء الظهر ولو قليلا، ومجموع ما في الصلوات المكتوبة من الركوع سبعة عشر ركوعا، وقيل: فيمن ينحط للسجود يجزيه من الركوع إن لم يتعمد كذا في "القنية".
وفرض السجود أي الانخفاض الأول والثاني كما في "السمرقندي" في كل ركعة من الصلاة ومجموع السجدات أربع وثلاثون سجدة.
وفرض لصحة السجود وجود حجم أي نتؤ المسجود عليه حتى لو سجد على الأرز والذرة لا يجوز، ولو سجد على الحشيش والقطن إن وجد حجمه جاز وإلا فلا كما في "الشمنى" عن "المحيط".
وفرض لاعتبار كونه ساجداً ثانياً الرفع منه أي من السجود الأول إلى قرب القعود في الأصح، قال في "الجوهرة": تكلموا في مقداره فروى الحسن عن أبي حنيفة إذا رفع مقدار ما يمرّ الريح أجزأه، وفي "الهداية": الأصح إن كان إلى السجود أقرب لا يجوز؛ لأنه لا يعدّ ساجداً وإن كان إلى الجلوس أقرب جاز؛ لأنه يعدّ جالساً، قال في "النهاية": فتتحقق الثانية.
وفرض وضع اليدين والركبتين على الأرض في حال السجود على الصحيح أي رواية أو دليلا لقوله صلى الله عليه وسلم: "أُمرْتُ أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة واليدين والركبتين وأطراف القدمين" متفق عليه، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا سجد العبد سجد معه سبعة آرابٍ: وجبهته وكفاه وركبتاه وقدماه" رواه أصحاب السنن الأربعة.
وفرض وضع القدمين في السجود كما نص عليه في الإشارة "خزانة الفتاوى" عن شرح "القدوري" و"البرهان" و"السمرقندي" حتى لو رفع رجليه أو أحدهما فيها لا تجوز صلاته كما في"مختارات النوازل" وفي "الشمني" عن "الظهيرية"، وإن سجد رافعاً أصابع رجليه لا يجوز، كذا ذكره الشيخ الكرخي والخصاف، والمعنى فيه أن فرض السجود يتأدى بالجبهة والقدمين انتهى، وفي "السمرقندي": لأنه لا يمكن تحقق السجود إلا بوضع القدمين، وفي "شرح العلامة قاسم الحنفي": والمراد بوضع القدم هنا وضع الأصابع.
وفرض عدم ارتفاع موضع أي محل السجود على موضع أي محل القدمين أزيد أي أكثر من لبنة وحدها ربع ذراع أو لبنتين والمراد باللبنة المنصوبة لا المفروشة كما في "الجوهرة" و"الشمني".
وفرض نية الإخلاص لله تعالى كما في "الزيلعي" و"الاختيار" وغيره. قال عمدة الإسلام العيني في "شرح البخاري": الإخلاص في الطاعة ترك الرؤيا ومعدنه اللعب.
وفرض الاختيار أي القصد في وقت أداء الأفعال كما في"مختارات النوازل" ونصه ولو قرأ وركع وسجد وهو نائم لا تجوز صلاته؛ لأنه أدى ركعة بغير اختياره، والاختيار شرط لأداء العبادة ولو ركع وهو نائم أو قرأ وهو نائم ينوب عن القراءة والركوع؛ لأن الشرع جعل النائم كالمنتبه في حق الصلاة ولهذا لا ينتقض وضوء هذا، ولو سجد وهو نائم لا ينوب. والفرق أن السجدة ركن أصلي من كل وجه، والقيام والركوع وسيلة إليها، والأصح أن قراءته لا ينوب عن قراءة لعدم الاختيار منه؛ لأن بالتواضع بالقيام يتحقق وبالركوع يزداد وبالسجود ينتهي، وفي "القنية": قعد قدر التشهد في القعدة الأخيرة نائما فلما انتبه سلّم يجوز انتهى.
وفرض عدم نية عدم العبادة في فعل من أفعال الصلاة كالقيام والقراءة والركوع والسجود لا تتم الصلاة بدونه أي بعد وجوده كما في "القنية" للعلامة الزاهدي بنص: وإن تعمد أن لا ينوي العبادة ببعض ما يفعله من الصلاة لا يستحق الثواب، ثم إن كان ذلك فعلاً لا تتم الصلاة بدونه فسدت صلاته وإلا فلا وقد أساء.
وفرض على المصلي المقتدي عدم الانفراد في موضع عليه الاقتداء فيه، ويتحقق ذلك في ركعة تامة؛ لأن الاقتداء هو المتابعة والانفراد هو الأصالة وبينهما تناف، والمتابعة تتحقق في ركن واحد فتبطل الأصالة، والمتابعة لا تفوت بالانفراد بركن واحد أصلاً؛ لأنه يأتي بعد الإمام ما أتى به الإمام كاللاحق فكان المفسد لصلاته حال الانفراد شروعه في صلاة أخرى لا فوات المتابعة، وذلك إنما يتحقق إذا أتي بركعة واحدة، وفي "فتح القدير": ولو تذكر الإمام سجدة التلاوة وعاد إلى قضائها إن لم يقتد المسبوق ركعته سجدة فإنه يرفض ذلك ويتابع فيها ويسجد معه للسهو ثم يقوم إلى القضاء ولو لم يعد فسدت صلاته؛ لأن عود الإمام إلى سجود التلاوة يرفض القعدة وهو بعد لم يصر منفرداً؛ لأن ما أتى به دون الركعة (فيرتفض) في حقه أيضاً وإذا (ارتفض) لا يجوز الانفراد؛ لأن هذا أو أن (افتراض) المتابعة والانفراد في هذه الحالة مفسد للصلاة.
وفرض على المصلي المقتدي عدم الاقتداء في موضع عليه الانفراد فيه وإن كان في ركن واحد كما في "المحيط"، ومن صوره كما في "الخلاصة": المسبوق إذا تابع الإمام في سجود السهو ثم تبين أنه لم يكن عليه سجود سهو، انتهى. قال في "فتح القدير": قبل الفساد ليس إلا لكون زيادة السجدتين كالركعة، والحق لكونه اقتداء في موضع الانفراد، انتهى. ومن صوره أيضاً: ما لو أتى بركعة ثم سجد إمامه للسهو فتابعه حيث تفسد صلاته؛ لأنّه اقتدى بعد ما استحكم انفراده كما في "الظهيرية".
وفرض عدم الترتيب أي بأن لا يكون على المصلي فائتة ما دون الست ووقت الحاضرة لم يضق.
وفرض لصحة الصلاة ترك أي تجنب العمل والقول المفسد من الأكل والشرب والكلام واللحن إن غيّر المعنى تغيرا فاحشا.
فرع قال في "خزانة الروايات" عن "الظهيرية": لو رفع نعليه مخافة الضياع وفيها نجاسة كثيرة فإن كان في حال ركوعه أو سجوده تفسد صلاته، وإن كان في حال قيامه لا تفسد وإن طال؛ لأن فيه ضرورة.
وفرض الترتيب أي أداء كل فرض من الفرائض في محله اللائق به فيما بين القيام والركوع حتى لو ركع قبل القيام لا يجوز كذا في "التبيين" و"السمرقندي".
وكذا فرض الترتيب فيما بين القراءة والركوع في "شرح المقدمة" للعلامة القرماني خلافاً لما وقع في الغرر.
وكذا فرض الترتيب فيما بين الركوع والسجود؛ لأن الصلاة لا توجد إلا بذلك كما في "السمرقندي" عن "الكافي".
وكذا فرض الترتيب فيما بين القعدة الأخيرة التي هي شرط لصحة الخروج على الأصح وسائر الفرائض حتى لو قعد قدر التشهد ثمّ تذكّر أنّ عليه سجدة أو نحوه بطل القعود؛ لأن الترتيب فيه فرض، وإنما كان فرضاً؛ لأن ما اتحدت شرعيته يراعى وجوده صورة ومعنى في محله تحرزا عن تفويت ما تعلق به جزءا أو كلا، إذا لا يمكن استيفاء ما تعلق به جزءا أو كلا من جنسه أو نحوه لضرورة اتحاده في الشرعية والإفراد بالشرعية دليل توقف ذلك عليه، كذا في "التبيين".
وفرضت القعدة الأخيرة مقدار التشهد نحو المروي عن أبي حنيفة حتى أن الإمام لو لم يجلس ومن خلفه قدر التشهد حتى انصرفوا كانت صلاتهم فاسدة، وما قاله أبو سعيد البردعي: أن الواجب أدنى ما ينطلق عليه الاسم، هو كالركوع والسجود، وذلك اختياره وليس بمذهب علمائنا، كذا في "مجمع الفتاوى" وفي "السمرقندي". قال في "الإيضاح": أما القعدة فمن جملة الفرائض وليست من الأركان؛ لأن ركن الشيء ما يقيد به ذلك الشيء، وتفسير الصلاة لا يقع بالقعدة وإنما يقع بالقيام والقراءة والركوع والسجود، ولهذا لو حلف لا يصلي فقام وركع وسجد يحنث في يمينه وإن لو كانت القعدة من جملة الأركان لتوقف الحنث عليها، فإن الحنث في اليمين لا يتحقق إلا بعد وجود ذلك الشيء، انتهى.
وفرضت القعدتان أي الأولى والثانية في حال اقتداء مقيم بمسافر، قال في "المبتغى": اقتدى مقيم بمسافر فترك القعدة مع إمامه فسدت؛ لأن القعدتين فرض في حقه وترك القعدة الأولى في اقتداء مسافر بمقيم لا تفسد في الأصح، انتهى. أقول مقتضى قولهم أن لفظة "الأصح" تقتضي أن يكون غيرها صحيحاً، أن الصحيح الفساد فليتامّل.
وفرض الخروج من الصلاة بالصنع أي بالفعل المنافي للصلاة كما في المتون المشهورة التي هي عمدة المذهب.
وفرض تقديم الإمام على المصلي المقتدي كما في "قاضي خان" سواء كان قبل الاقتداء أو بعده حتى لو تقدم عليه لا يجوز لتركه فرض المقام كما في "البرهان". ولا يرد علينا صورة ما إذا صلى القوم بالقرب من الكعبة في غير جهة الإمام فإنهم ليسوا خلفه؛ لأن التقديم والتأخير إنما يظهر عند اتحاد الجانب؛ لأنهما من الأمور الإضافية فيشترط اتحاد الجهة فإذا لم يتحد لم يقع التقديم والتأخير فتجوز الصلاة لو وجد المجوّز.
فرع قال في "مجمع الفتاوى": المقتدي رأى عقربا قدّام إمامه؛ لأنه فعل بإذن الشرع، انتهى.
وفرض عدم خلوّ مكانه أي مكان الإمام عند أبي حنيفة وأبي يوسف في صورة ما إذا أحدث واستخلف مقتديا به خارج المسجد؛ لأن خلو مكانه حقيقة وحكما مفسد للصلاة.
وفرض لصحة الاقتداء اتحاد المحل أي بأن لا يكون بين الإمام والمقتدي طريق واسع تمر به العجلة يمنع الاقتداء وإن كان ضيقاً لا يمنع ولو كان بينهما نهر جارٍ تجري فيه الزورق أو لا يمكن العبور فيه إلا بقنطرة يمنع الاقتداء وإلا فلا، كذا في "مختارات النوازل". قال في "خزانة الروايات": لأنه تخلل بين الإمام والمقتدي ما ليس بمكان الصلاة؛ لأن الطريق أعد للمرور والنهر أعد للماء لا للصلاة فلا يصح. ومن فروعه: عدم صحة اقتداء الراجل بالراكب والراكب براكب دابة أخرى في ظاهر الرواية لاختلاف مقامهما حقيقة كما في "البرهان" وفي "الشمني"، لو اقتدى بالإمام في الصحراء وبيهما قدر صفين فصاعداً لا يصح ودونه يصح؛ لأن قدر ما دون الصفين مكان الصلاة لضرورة صحة الاقتداء وما لا فلا، انتهى.
وفرض اتحاد الصلاة؛ لأن الاقتداء شركة وموافقة فلا بد من الاتحاد بأن يصلي الظهر خلف الظهر لا صلاة الظهر خلف العصر أو العكس.
وفرض اتحاد الوصفين بأن يصلي ظهر اليوم وراء ظهر اليوم حتى لا يصح ظهر الأمس خلف ظهر اليوم.
وفرض لصحة الصلاة في حال الاقتداء صحتها أي الصلاة في زعم أي رأي المقتدي أي المأتمّ حتى لو علم أن إمامه لم (يحدد) من الفصادة والحجامة ولم يغسل ثوبه من المنيّ ولم يفركه مثلاً لم يجز اقتداؤه كما في "شرح المجمع" و "شرح أدب الخصاف".
وفرض صحتها في زعم الإمام كما عليه بعض العلماء من المحققين كما قاله ابن الهمام في "زاد الفقير" وفي "شرح المجمع": لا في زعم الإمام أن صلاته غير جائزة.
وفرض على المصلي المقتدي العلم بحال الإمام قال في "قاضي خان": إذا اقتدى بإمام لا يدري أنه مقيم أو مسافر، قالوا: لم يصح اقتداؤه؛ لأن العلم بحال الإمام شرط أداء الصلاة بالجماعة، انتهى.
وفرض لصحة الاقتداء أن لا يكون الإمام أدنى حالا من المقتدي أي بأن لا يكون صاحب عذر ولا أميّاً والمقتدي بخلافه.
وشرط أن لا يكون الإمام في حكم المقتدي من وجه بأن كان مسبوقا.
وفرض على المصلي تأخير المرأة المشتهاة بالتقدم عليها حتى لو حاذته بتلك الشروط التي في المتون بطلت صلاته لتركه التقدم كما في "الشمني"، وذكر بعض الشروح عن "المحيط" و"الذخيرة": أن المرأة إذا حاذت بعد ما شرع الرجل في الصلاة ونوى إمامتها واقتدت به فلم يمكنه التأخير بالتقدم عليها خطوة أو خطوتين؛ لأن ذلك مكروه في الصلاة وإنما تأخيرها بالإشارة باليد أو ما أشبه ذلك فإذا فعل ذلك فقد وجد منه التأخير فيلزمها التأخير فإذا لم تتأخر فقد تركت فرضا من فروض المقام فتفسد صلاتها، ثم قال: وهذه مسألة عجيبة.
وفرض لصحة الصلاة بقاء أهلية الإمام إلى تمام أي إكمال الصلاة حتى لو نسي القرآن كله فصار كالأمي أو جُنّ أو عُتهَ بطلت الصلاة، وحكم الصلاة مطلقا فسادها أي بطلانها بترك فرض منها أي بعدم الإتيان به مطلقا أي سواء كان قبلها كالطهارة أو فيها كالقراءة والركوع والسجود والإجزاء بفعلها أي الصلاة مع الفروض المذكورة والأركان.
وأما القبول فلا يدري بل في مشيئة الله تعالى نحو المختار؛ لأن الله تعالى علقه بالتقوى وهو أمر عظيم، نسأل الله تعالى القبول والإخلاص والموت على الإيمان. قال مؤلفها وكان الفراغ من ذلك في أواخر شوال سنة 1056 وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، حرر في يوم السبت المبارك، ثالث وعشرين رجب سنة 1097 بالطائف الميمون نقلت ذلك من خط مؤلفها مولانا الشيخ إبراهيم بن محمد حسين بن أحمد بيري الحنفي المكي موطناً ومولد الرومي أصلاً، كتب على يد الفقير محمد بن أحمد إياس الحنفي.