رسالة في توكيل الوصي غيره جائز غير بيع العقار
للفقيه إبراهيم بن حسين ابن بيري الحنفي
توفي في سنة (1099 هـ)
تحقيق:
ولاء عبدالكريم لطفي أبو مرشد
إشراف:
د. براء السعدي
جارٍ تحميل الكتاب…
رسالة في توكيل الوصي غيره جائز غير بيع العقار
للفقيه إبراهيم بن حسين ابن بيري الحنفي
توفي في سنة (1099 هـ)
تحقيق:
ولاء عبدالكريم لطفي أبو مرشد
إشراف:
د. براء السعدي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين وبعد؛ فهذا ما وجب تدوينه وتحريره من الجواب عن مَسائِلَ سُئِلْتُ عنها تُعْلمُ من تَأَمُّلِ الجواب.
فنقول وبالله التوفيق:
يجوز للوَصِيِّ (¬1) من قبل الأب أو القاضي أن يُوَكِّلَ بكل ما يجوز أن يَعْمَلَهُ بنفسه في أمور الميت والْوَرَثَةِ (¬2)، إلا بَيْعَ عقار اليتيم؛ فإنَّ تصرفه فيه بالبيع غيرُ جائزٍ؛ لأنَّ الوصِيَّ نفسه لا يجوز له بيع عقار اليتيم على ما اختاره علماؤُنا المتأخرون (¬3)، وبه يُفتى ويعمل (¬4). حتى قالوا لو تَجَرَّأَ أو بَاعهُ كان لليتيم نقضه إذا بلغ، وعلى الحكام إعانته على ذلك.
¬
(¬1) هو من يعهد إليه الأب أو الجد أو القاضي بالتصرف بعد موت الأب أو الجد فيما كان له التصرف فيه في حياته من شؤونه؛ من قضاء ديونه واقتضائها، ورد المظالم والودائع واستردادها، وتنفيذ وصاياه، والولاية على أولاده الذين له الولاية عليهم من أطفال ومجانين وسفهاء، والنظر في أموالهم بحفظها والتصرف فيها بما لهم فيه الحظ. ينظر: فتح باب العناية بشرح النُّقاية3: 423.
(¬2) وهذا ما عليه المذهب من جواز أن يوكل الوصي بكل ما يجوز أن يفعله من أمر اليتيم؛ لأنَّه متصرف بالولاية. ينظر: المبسوط19: 30.
(¬3) الغالب عند السادة الحنفية عند إطلاقهم مصطلح المتأخرون أنهم يقصدون من لم يدرك أئمة الحنفية الثلاثة؛ أبو حنيفة، القاضي أبو يوسف، محمد بن الحسن. وقال الذهبي الحد الفاصل بين المتقدمين والمتأخرين رأس القرن الثالث وهو الثلاثمائة، فالمراد بها من شمس الأئمة الحلواني (ت564هـ) إلى حافظ الدين البخاري (ت693هـ). ينظر: شرح الوقاية1: 91، جامع المضمرات في شرح مختصر الإمام القدوري4:33، خزانة المفتين ص27.
(¬4) أطلق السلف جواز بيعه العقار إذا كان فيه خيرًا لليتيم، وقيده المتأخرون بمسوغات لبيعه ستذكر، والقول المعتمد ما ذهب إليه المتأخرون؛ قال الزيلعي: "قال الصدر الشهيد وبه يفتى: أي بقول المتأخرين". ينظر: العناية شرح الهداية10: 510، حاشية رد المحتار، على الدر المختار، ج6، ص711.
- إلا إذا كان لليتيم حاجة إلى ثمنه للنفقة (¬1).
- أو رَغِبَ الناس في شرائه بضعف قيمته (¬2).
- أو لضرورة الدين على الميت (¬3).
- أو لوصيةٍ مُرْسَلَةٍ في الترِكة لا تُنَفَّدُ بدون بيعه (¬4).
- أو لوصيةٍ ببعضه وهو لا ينقسم (¬5).
- أو لضرورة القسمة.
- أو لزيادة مؤنَتِهِ وخَرَاجه على غَلَّتِه وانتفاعه (¬6).
- أو لتداعِيهِ إلى الخراب فيما إذا كان دارًا أو حانوتًا (¬7).
فإنَّ بيعه جائز حينئذٍ (¬8)؛ لكن بمثل القيمة، أو بِغُبْنٍ (¬9)
¬
(¬1) شروع في بيان مسوغات بيع عقار اليتيم من قبل الوصي على قول المتأخرين.
(¬2) فللإمام بيع العقار لغير حاجة إذا رغب فيه بضعف قيمته على المفتى. ينظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق5: 115.
(¬3) فإن كان عليه دين يستغرق التركة؛ للوصي أن يبيع جميع التركة للدين؛ عروضًا كان أو عقارًا. ينظر: كمال الدراية وجمع الرواية11:155.
(¬4) أي وصية تحتاج في تنفيذها إلى ثمن العقار. والوصية المرسلة أن يوصي بجزء شائع من ماله نحو أن يوصي بثلث ماله وربعه. ينظر: البحر الرائق8: 473.
(¬5) كأن تكون وصية معينة لا تنفذ بدون بيعه.
(¬6) أي أن يزيد مؤنة العقار على غلته.
(¬7) والحانوت ما أعد ليباع فيه مطلقًا. ينظر: حاشية ابن عابدين6: 28.
(¬8) وهذا مذهب المتأخرين من المشايخ؛ قال شمس الأئمة الحلواني: "وهذا هو مذهب المتأخرين من المشايخ وبه يفتى". وزيد على هذه المسوغات الثمانية تاسعاً؛ فيما إذا خاف من تسلط جابر ذي شوكة عليه فله بيع العقار. وأمَّا عند المتقدمين منهم فللوصي بيع العقار بدون هذه المسوغات إذا كان بيعه خيراً لليتيم. ينظر: فتاوى قاضي خان2: 176، فتاوى علي افندي331.
(¬9) الغبن هو النقص في الثمن في البيع والشراء، ومثله النقص في البدل في باقي عقود المعاوضات. ينظر: الذخيرة البرهانية10: 93.
يسير (¬1).
ولو باعه بِغُبْنٍ فاحشٍ (¬2) لا يتغابن الناس في مثله لا يجوز (¬3) كما في "قاضي خان" (¬4) وغيره (¬5).
¬
(¬1) الغبن اليسير ما يدخل تحت تقويم المقومين وتقدير أهل الخبرة؛ كما لو اشترى سلعة بعشرة، فقومها بعض أهل الخبرة بثمانية، وبعضهم بسبعة، وبعضهم بعشرة، أو باثني عشر. ينظر: الذخيرة البرهانية10: 93.
(¬2) وهو ما لا يدخل تحت تقويم المقومين وتقدير أهل الخبرة. ينظر: النهاية شرح الهداية25: 209.
(¬3) كما لو اشترى سلعة بعشرة، فقومها بعض أهل الخبرة بخمسة، وبعضهم بستة، وبعضهم بسبعة، ولم يقل أحد أنها بعشرة، فهذا غبن فاحش؛ لأن الثمن الذي اشترى به السلعة لم يُقَوم به أحد من أهل الخبرة، وهذا هو مشهور السادة الحنفية. ينظر: الذخيرة البرهانية10: 93.
(¬4) ينظر: فتاوى قاضي خان3: 536. فتاوى قاضي خان؛ لمؤلفها حسن بن منصور، الأُوْزْجندي، قاضي خان، وهي من الفتاوى المعتمدة في المذهب الحنفي، تداولتها أيدي الفقهاء في كل زمان ومكان، لأنَّها احتوت على المسائل التي يغلب وقوعها وتمس الحاجة إليها، بدون التعرض للفروض النادرة، وسلك فيها مسلك الترجيح عند تعدد الروايات من أئمة المذهب المتقدمين، وكثرة الأقاويل من المتأخرين. ينظر: البدور المضيئة في تراجم الحنفية6: 273 - 274، الأعلام2: 224.
(¬5) ينظر: مخطوطة الفتاوى الخيرية: لوحة رقم61،الفتاوى الهندية9: 383، مخطوطة فتاوى علي أفندي: لوحة رقم331.
قال في "القنية" (¬1): "قال القاضي علاء الدين المَرْوَزِيُّ يبطل البيع حتى لا يملك المشتري المبيعَ بالقبض (¬2)،
¬
(¬1) قنية المنية لتتميم الغنية؛ لمؤلفها مختار بن محمد الزاهدي الملقب بنجم الدين (ت658هـ)، أخذ الكتاب من كتاب منية الفقهاء لشيخه فخر الدين العراقي الحنفي، وذكر أنها بحر محيط فإنه جمع فيه ما لا يوجد في غيره فاستقصى لبابها وسماه قنية المنية، واشتهر عند العلماء أنَّ القنية من الكتب المردودة. ينظر: هدية العارفين2: 423، كشف الظنون2: 886.
(¬2) يفرق الحنفية بين العقد الباطل والعقد الفاسد؛ فالعقد الباطل هو ما لم يشرع بأصله ولا وصفه، والعقد الفاسد هو ما شرع بأصله دون وصفه. وما دام العقد الباطل لا وجود له شرعًا؛ فإنه يترتب على ذلك أن البائع لو سلم المبيع باختياره للمشتري، أو دفع المشتري باختياره الثمن للبائع، كان للبائع أن يسترد المبيع، وللمشتري أن يسترد الثمن؛ لأن البيع الباطل لا يفيد الملك ولو بالقبض، ولو تصرف المشتري فيه ببيع، أو هبة، أو عتق، فإن هذا التصرف لا يمنع البائع من استرداد المبيع من يد المشتري الثاني، ذلك أن البيع الباطل لم ينقل الملكية للمشتري، فيكون المشتري قد باع مالًا غير مملوك له. ينظر: مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان: ص 452.
وقال نجم الدين الحليمي بل يفسد البيع (¬1) " انتهى (¬2).
أقول: فمقتضى القول الأول (¬3) يصير المشتَرِيَّ غاصِبًا لذلك المُشْتَرى، وقد قال علماؤنا المتأخرون؛ والمختار وجوب أجر المِثْلِ في أموال اليتامى عَلَى الْغَصَبَةِ (¬4).
¬
(¬1) وما ذهب إليه نجم الدين الحليمي أنَّه عقد فاسد يستلزم رد المبيع على بائعه، ورد الثمن على المشتري، هذا إذا كان المبيع قائمًا في يد المشتري، أما إذا تصرف فيه ببيع أو هبة، فليس لواحد منهما فسخه؛ لأن المشتري ملكه بالقبض، فتنفذ فيه تصرفاته كلها، وينقطع به حق البائع في الاسترداد؛ لأنه تعلق به حق العبد، والاسترداد حق الشرع، وما اجتمع حق الله وحق العبد إلا غلب حق العبد لحاجته. ينظر: نصب الراية تخريج أحاديث الهداية4: 50.
(¬2) لم أجد النص في قنية المنية؛ وإنما نقل بتمامه في كتاب العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية2: 295.
(¬3) والمراد به قول القاضي علاء الدين المَرْوَزِيُّ.
(¬4) وهو المعتمد أنَّ العقد باطل، وله أجر المثل؛ قال ابن عابدين: " وقد صرحوا أنه لو اشترى دارًا وسكنها ثم ظهر أنَّها وقف أو ليتيم لزم أجر المثل صيانة لما لهما كما مر في الوقف، وهو المعتمد" حاشية ابن عابدين6: 46.
والحكمُ برشد اليتيم قبل إدراكه باطلٌ واجبُ الرفع، واليتيم تحت الحجر. وكل عقد صدر منه، أو إقرارٍ، أو طلاقٍ، أو عتاقٍ غير صحيح عندنا كما في المتون، ومتى ما دفع الوصيُّ إليه شيئًا في هذه الحالة كان ضامنًا؛ لأنَّ الواجب عليه أن لا يدفع ماله إلا بعد إدراكه فَرَفْعُهُ إليه قبل ذلك تقصير (¬1). قال في "الفتاوى الْوَلْوَالَجِيَّةِ" (¬2): "ولو دفع الوصي المالَ إلى اليتيم بعدما أدرك ولم يؤنس منه رشدًا، ثم ضاع بعد ذلك فإنَّه ضامن؛ لأنَّه دَفَعَه إلى من ليس له أن يدفع إليه" (¬3) انتهى. ومثله في "شرح الطحطاوي" (¬4).
¬
(¬1) وهو المعتمد. ينظر: حاشية ابن عابدين6: 710.
(¬2) الفتاوى الْوَلْوَالَجِيَّةِ؛ لمؤلفه إسحاق بن أبي بكر، أبو المكارم، ظهير الدين الوَلْوَالجي، من أهل ولوالج وراء بلخ، (540هـ) وهو من الكتب المقبولة في المذهب، تناول موضوعات هامة كالطهارة والاعتكاف والزكاة والصوم وغيرها.
واعتمد الكتاب طريقة محكمة في عرض المسائل وتحليلها وإيراد الأراء فيها واستنباط الأحكام في هذه المسائل. ينظر: الأعلام1: 294. الفتاوى الوالوالجية1: 1 - 5.
(¬3) انتهى من كتاب الفتاوى الْوَلْوَالَجِيَّةِ5: 359.
(¬4) ينظر: حاشية الطحطاوي على الدر المختار4: 342. وهي حاشية لأحمد بن محمد بن إسماعيل الطهطاوي (ت1231هـ) من الكتب المقبولة عند الحنفية، وهو بمثابة حاشية وشرح وتقييدات على كتاب الدر المختار شرح تنوير الأبصار، حيث شرحه وأوضح غوامضه وقيد دقائقه وأضاف ما يجب أن يذكر زيادة للفائدة معتمداً الكتب المعتبرة في هذا العلم. ينظر: الأعلام1: 245، دار الكتب العلمية.
وقد عُلِمَ بذلك أنَّ ولاية الوصي لا تزول عن مال اليتيم ولا تخرج عن عُهْدَةِ الضمان إلا إذا كان الدفعُ إليه بعد إدراكه وإيناس الرشد منه، أما قبل الإدراك والرشد؛ فالضمان عليه عند الضياع، والرشد الصلاح في المال، لا في الدين والإعتقاق كما في "شرح الطحاوي" (¬1).
وقال بعضهم ناقلًا عن "البدائع" (¬2): "والرشد هو الاستقامة، والاهتداء في حفظ المال، وإصلاحه وهذا عندنا" (¬3) انتهى. وفي "النتف" (¬4): "ومن الرشد عندنا أن ينفق فيما يحل، ويمسك عما يحرم، ولا ينفقه في البِطَالةِ والمعصية، ولا يعملُ فيه بالتبذير والإسراف" (¬5) انتهى.
¬
(¬1) ينظر: شرح مختصر الطحاوي3: 183، البناية شرح الهداية11: 108، النهاية في شرح الهداية20: 357.
(¬2) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع لمؤلفه علاء الدين الكاساني الحلبي، الملقب بملك العلماء (ت587هـ)، وهو من الكتب المعتمدة في المذهب، شرحه شرحًا عظيمًا في ثلاث مجلدات؛ ذكر فيه أن المشايخ لم يصرفوا هممهم إلى الترتيب سوى أستاذه أبو الليث السمرقندي. والغرض الأصلي من التصنيف في كل فن هو تيسير سبيل الوصول إلى المطلوب، ولا يلتئم هذا المرام إلا بترتيب تقتضيه الصناعة، وهو التصفح عن أقسام المسائل وفصولها وتخريجها على قواعد أصولها ليكون أسرع فهمًا. ينظر: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون2: 410 - 411، الأعلام2: 70.
(¬3) انتهى من كتاب بدائع الصنائع7: 170.
(¬4) النتف في الفتاوى؛ لمؤلفه أبو الحسن علي بن الحسين السُّغْدي (ت461هـ ببخارى) من مشايخ شمس الأئمة السرخسي، وهو كتاب في الفقه الإسلامي أورد فيه مجمل الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات والزواج والطلاق والحدود وأحكام أخرى وهو يورد المسألة الفقهية ويفصل فيها بذكر آراء الأئمة: أبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد، فكانت فتاويه هذه على المذاهب الأربعة. ينظر: أسماء الكتب المتمم لكشف الظنون ص323.
(¬5) انتهى من كتاب النتف2: 750.
وطريق العلم بالرشد اختباره بالإذْنِ له في التجارة؛ فإن عُرف منه الرشد، وَوُقفَ على الصلاة، ويقدر على أن يحفظ ماله؛ دُفِع إليه كما في "النتف" (¬1) والله سبحانه وتعالى أعلم.
والمدونُ لهذا الجمع العلامة المرحوم الشيخ إبراهيم بن حسين بيري زاده الحنفي. نَقَلتُ (¬2) هذا من خَطِّه -رحمه الله- ويلي هذا فرائض الصلاة على وجه التفصيل. جمع التفصيل للمفتقر إلى الله تعالى؛ إبراهيم بن حسين بيري الحنفي.
¬
(¬1) ينظر: النتف في الفتاوى2: 749، المبسوط24: 182.
(¬2) والضمير يعود على الناسخ محمد بن أحمد بن محمد بن شمس الدين الرومي.