الإعلام في المهمات الشرعية من الأحكام
للفقيه إبراهيم بن حسين بن أحمد ابن بيري الحنفي
توفي في سنة (1099 هـ)
تحقيق:
يحيى بن شمبيه بن عبد القادر البلوشي
إشراف:
د. براء السعدي
جارٍ تحميل الكتاب…
الإعلام في المهمات الشرعية من الأحكام
للفقيه إبراهيم بن حسين بن أحمد ابن بيري الحنفي
توفي في سنة (1099 هـ)
تحقيق:
يحيى بن شمبيه بن عبد القادر البلوشي
إشراف:
د. براء السعدي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله العادل في حكمه بين عباده، والصلاة والسلام على أشرف عِبَاده وعُبَّاده، وعلى آله وأحبابه وأصحابه، وبعد:
فيقول الفقير إلى مولاه إبراهيم بن حسين بن أحمد بيري الحنفي -لطف الله به ووالديه-:
لما رأيت كثرة الشرور والآفات، والجراءة على هتك الحُرَم والمُحَرَّمات، واستيلاء الشحناء على القلوب، ودوران رجاء الفتن والحروب، وتقطع سُبل السالك، وترادف المِحَن والمَهالك، ومنع الخلاص ولات حين مناص، والأمر لا يزداد إلا شدة، وصار الفاضِلُ العالِمُ مُؤخَّرا!، والجاهل الأحمق مقدما مُصدَّرا!
أحببت أن أدفع الوحشة بجمع ما وقع نظري عليه من الفروع المهمَّة في المسائل الملمة؛ في خمسة فصول، ولكي ينتفع بذلك من لا فرصة له على الكشف من "الفصل الحكام"، والله -تعالى- المسؤول في الوصول إلى كل سول، وعليه التوكل في جميع الأمور، وبه الاعتصام.
الفصل الأول: في أدب المفتي.
الثاني: في أدب القاضي.
الثالث: في الدعوى.
الرابع: في الشهادة.
الخامس: في التعزير.
وفي آخره خاتمة.
الفصل الأول: أدب المفتي
اعلم أن أصحاب الإمام أبي حنيفة -رضي الله تعالى عنه- الأربعة؛ مجتهدون في مذهبه، متبعون نصوصه، مخرجون أقوالهم عليها، ومن ظن أنهم خالفوه! لم يصب في ظنه كَلَّا؛ بل لم يخالفه أحد منهم، ولا انفرد بقول خارج عن اجتهاده، ولذا قال في "الواقعات": "ولا يقال إن اختلاف أصحاب أبي حنيفة عليه، ومع بعضهم بعضا؛ خروج على أبي حنيفة -رحمه الله تعالى-، لأن أبا يوسف -رحمه الله تعالى- قال: ما قلت قولا خالفتُ فيه أبا حنيفة إلا قولا كان قد قاله، وعن زفر مثل ذلك" انتهى.
ولا يرد على ذلك ما رُوي أنه توقف في ثمان مسائل وقال: لا أدري، وتكلم صاحباه فيها؛ لأن ما قالوه رواية عنه، ونسبة ذلك وغيره من المسائل إليهما، فهو بطريق المجاز للموافقة، كما في "الحاوي".
والعمل على قول أصحابنا الثلاثة في المسألة المروية عنهم في الرواية الظاهرة بلا خلاف بينهم، ولا يخالفهم المفتي ولا يعدوهم، والمراد من المفتي: المجتهد المتبحر في مذهب إمامه، المتمكن من ترجيح قول له على آخر أطلقهما، والفقيه: من يدقق النظر في مسائل الشرع، ومشايخنا يطلقون على من لم يكن له اجتهاد متفقه، كما في "القنية" وزاد في "المبتغى" وإن حفظ ألوفاً من المسائل، وإن كانت المسألة مختلفا فيها بين أصحابنا، وكان مع الإمام -رحمه الله- أحد صاحبيه، فالعمل بقولهما، وإن خالفاه أخذ بقولهما، كما اختير قولهما في المزارعة والمعاملة، وفيما سوى ذلك يتخير المجتهد ويعمل بما أفضى إليه رأيه، وقال عبد الله بن المبارك: يأخذ بقول أبي حنيفة -رضي الله عنه-، ولي فيه نظر! وفي "الاختيار": ولقد تصفحت كثيرا من كتب أبي بكر الرازي، فما رأيته رجح على قول أبي حنيفة قول غيره؛ إلا في مسألة واحدة، ومتى لم يوجد في المسألة رواية عن أبي حنيفة يؤخذ بظاهر قول أبي يوسف، ثم بظاهر قول محمد، ثم بظاهر قول زفر، ثم بظاهر قول الحسن، وغيرهم الأكبر فالأكبر إلى آخر من كان من كبار الأصحاب، كما في "الحاوي".
والفتوى فيما يتعلق بالقضاء على قول أبي يوسف، كما في "القنية"، وفي الشهادة، كما في "البزازية"، وما وقع من المسائل في غير ظاهر الرواية؛ إن كان توافق أصول أصحابنا يعمل بها، وإلا لا، وإن لم يجد فيها رواية عنهم واتفق المتأخرون على شيء يَعْمَلْ به، وإن اختلفوا يجتهد ويفتي بما هو صواب عنده إن كان مقلدا يأخُذْ بقول من هو أفقه الناس عنده، ويضيف الجواب إليه، وإن كان في مصرٍ آخَرَ يرجع إليه بالكتاب، ويتثبت في الجواب ولا يجازف وفي "الحاوي".
فإذا اختلفوا يؤخذ بقول الأكثرين فالأكثرين مما اعتمد عليه الكبار المعرفون؛ كأبي حفص الكبير، وأبي جعفر، وأبي الليث، والطحاوي، وغيرهم ممن يعتمد عليه، وإن لم يوجد منهم جواب المسألة نصّا:
1 - نظر فيها نَظَرَ تَأَمُّلٍ وَتَدَبُّرٍ واجتهادٍ؛ ليجد فيها ما يقرب إلى الخروج عن العهدة.
2 - ولا يتكلم جزافا مخالفة لمنصبه وحرمته، ويخشى الله ويراقبه، فإنه أمر عظيم لا يتجاسر عليه إلا كل جاهل شقي.
3 - ولا يجب على الفقيه الإجابة عن كل ما يُسأل عنه إلا إذا علم أنه لا يجيب غيره؛ فيلزمه الجواب.
4 - واتباع الهوى في الحكم والفتيا حرام، والعمل بالمرجوح خلاف الاجماع، وظاهر الإطلاق حتى لنفسه.
5 - وليس لأحد أن يفتي ببعض الأقوال المهجورة لجر منفعة؛ لأن هدر ذلك في الدنيا والآخرة أتم وأعم؛ بل يختار أقاويل المشايخ واختيارهم، ويقتدي بسير السلف، ويكتفي بإحراز الفضيلة والشرف، ولا بالقول الشاذ وفروعه كثيرة؛ إلا أن ينص الأصحاب على الأخذ به، كما في "الغياثية"، و"أنفع الوسائل".
6 - ولا أن يفتي ويحكم على ظاهر المذهب ويترك العرف.
7 - ولا أن يزيد في الجواب بقوله مثلا لو قال: كذا لجاز؛ لئلا يزيد المدعي في الجواب ما يفيد الجواز كذبا.
8 - ولا يُجْمِلُ في محل التفصيل؛ فإنه خطأ، كما أن الإطلاق في محل التقييد خطأ.
9 - ولا أن يفتي بضد المنقول، كما في "القاسمية".
وينبغي أن يفتي الناسَ بما هو أسهل عليهم، كما ذكر عن البزدوي، ويجوز الإفتاء والقضاءُ بأحد قولين مصححين، كما في "أوضح زمر"، ويجوز أن يروى عن صاحب المذهب أو عن مجتهد في مسألة واحدة روايتان، ولا يجوز أن يقول: فيها قولان أو وجهان، وتستعمل لفظة قيل غالبا في الأقوال الضعيفة، ولفظة ينبغي إلا في بعض المحالّ؛ فإنها لما هو تحت الواجب وفوق المستحب، وللروايات المفتى بها علاماتٌ كثيرة؛ منها قولهم: وعليه الفتوى، وهو المختار؛ ورأيت في بعض "شروح الكيداني": أن لفظ الفتوى آكد وأبلغ من لفظ المختار -ولم يظهر لي وجه ذلك-، وبه نفتي، وبه نعتمد، وبه نأخذ، وعليه الاعتماد، وعليه عمل اليوم، وهو الصحيح، وهو الأصح، وفي "الطراز المذهب" ناقلا عن "حاشية البزدوي":"أن مقتضى لفظةِ الصحيح أن يكون غيرُها غيرَ صحيح، ولفظة الأصح يُقتضى أن يكون غيرُهَا صحيحا" انتهى.
أقول ينبغي تقييده بالغالب؛ لأنا وجدنا مقابل الأصح الرواية الشاذة، كما في "شرح المجمع"، وعليه فتوى مشايخنا، وهو الأشبه؛ أي بالمنصوص رواية والراجح دراية، وهو الأوجه، وهو المشهور في المذهب؛ أي ما قوي دليله لا ما كثر مقاله، وهو الأعدل والأحسن؛ هذا إذا كانت صادرة ممن له قدم في الترجيح لا مطلقا؛ فإنه قد يوجد بعض العلامات من بعض الفضلاء غير المذكورين؛ فيسمى بحثا موجها ولا يقض به على ما هو المعتمد في الكتب ولا يعارضه في ذلك الحكم.
ولا يترك المنقول بالبحث من القواعد؛ وإن مال إليه جمع، ولم أر حكم المسألة الداخلة في عموم كلام الأصحاب، ولا حكم الإفتاء فيما حكم فيه، وكان الحكم رافعا للخلاف، والذي يظهر عدم جواز الإفتاء بخلاف المحكوم به؛ لأنه بعد الحكم صار متفق عليه فليتأمل.
وكتب ظاهر الرواية أي الفروع التي فرعها الإمام -رحمه الله تعالى- وجمعها محمد: الجامع الصغير، والجامع الكبير، والمبسوط، والزيادات، والسير الكبير، وإذا كانت الواقعة مختلفة فيها؛ فالأفضل والمختار للمجتهد أن يأخذ بالدلائل وينظر إلى الراجح عنده، والمقلد يأخذ بالتصنيف الأخير، وهو السير الكبير إلا أن يختار المشايخ المتأخرون خلافه؛ فيجب العمل به ولو قول زفَرَ.
وكتبُ غير ظاهر الرواية أي ما صنفه محمد -رحمه الله تعالى- لا من تصنيف الإمام: الهارونيات، والجرجانيات، والكيسانيات، والرقيات، والنوادر؛ والنوادرُ عشرة، وما يوجد من كلام رجل ومذهبه في كتاب معروف به قد تداولته النسخ؛ يجوز لمن نظر فيه أن يقول: قال فلان كذا وفلان كذا؛ وإن لم يسمعه من أحد، نحو كتب محمد بن الحسن، وموطأ مالك، ونحوها من الكتب المصنفة في أصناف العلوم؛ لأن وجودها على هذا الوصف بمنزلة خبر المتواتر والاستفاضة، ومثله لا يحتاج فيه إلى إسناد انتهى.
والعمل على ما في المتون إذا وقع في الفتاوى ما يصادمها؛ إلا أنه يستأنس بما فيها إذا لم يوجد ما يعارضها، وتقيد المتون بما في الفتاوى، وتقييد المتأخر لما وقع مطلقا عن المتقدمين أجمع معتبرٌ.
وأصحابنا المتقدمون عند الإطلاق: أبو حنيفة إمامُ المذهب وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن ابن زياد، والمتأخرون ما عداهم، والسلف من أبي حنيفة -رضي الله عنه- إلى محمد بن الحسن، والخلف محمد بن الحسن إلى شمس الأئمة الحلواني -رحمه الله تعالى-، والمتأخرون من شمس الأئمة إلى حافظ الملة والدين البخاري، ووقع في بعض كلام المأمون بنص: "ولولا الرياسة لذهب العلم"، وقال أبو نصر: "العلم ميت وحياته الطلب؛ فإذا حي فهو ضعيف، وقوته الدرس؛ فإذا قوي فهو محتجب، وكشفه المناظرة مع الموافق والمخالف؛ فإذا انكشف فهو عقيم، ونتاجه العمل وهو المقصد الأصلي"، كما في "مختارات النوازل".
الفصل الثاني: أدب القاضي
القضاءُ بالحق من أقوى الفرائض، وأشرف العبادات، وفريضة محكمة وسنة متبعة، والأولى أن يكون القاضي مجتهدا؛ فإن لم يوجد فيجب أن يكون من أهل الشهادة موثوقا به في دينه وأمانته وعقله وفهمه، عالما بالفقه والسنة، والجاهل المحض ليس بأهل للقضاء؛ أقول: وهو البيّن الوجه لأن المراد من الجاهل المقلد؛ لأنه ذكر في مقابلة المجتهد، وسماه جاهلا بالنسبة إلى المجتهد، واستظهره أخي زاده في "الحاشية".
وأن يكون سَؤُوْلا عن العلم، لأن كل العلوم لا يؤتى كل أحد، ولكن يؤتى بعض العلوم؛ وإنما يضم ما عند غيره إلى ما عنده بالسؤال، وينبغي له أن يتعرف من الفقهاء والصلحاء في تلك البلدة، وأن يُقدم في الجلوس الأفضل فالأفضل حقيقة بالاختبار لا بخبر مخبر؛ عاملا كان أو غيره لاعتماد أكثر المخبرين على الشهرة الكاذبة واتباع الأهوية في ذلك والدين النصيحة، ويتبع الصوابَ ولو كان من صغير؛ اقتداءً بأمير المؤمنين عمر -رضي الله عنه- مع ابن عباس.
والقضاءُ: عبارةٌ عن الأحكامِ لغةً، والإلزامِ شريعةً، كما في "الكافي"، وقال بعضهم: إنشاء إلزام في مسائل الاجتهاد المتقاربة فيما يقع فيه التنازع لمصالح الدنيا، وفي "البدائع": هو الحكم بالحق بين الناس، وقال العلامة المتأخر محمد بن الغرس الحنفي: "إنه الإلزام في الظاهر على صفة مختصةٍ بأمرٍ ظَنَّ لزومه في الواقع شرعا" انتهى.
وشرائطه: أن يكون بحق إما مطلقا وإما ظاهرا؛ فالحقُّ الظاهر في موضع الخلاف ما رجحوه وصححوه واختاروه للفتوى، وإن اختلف التصحيحان عَملَ بما يقع في قلبه أنه أصوبهما، والحكم بالضعيف وبالمرجوح وبخلاف الرأي لا ينفد.
ويشترط لصحة القضاءِ واعتباره في حقوق العباد الدعوى الصحيحة المسموعة شرعا من خصم على خصم، وإقرار صحيح أو شهادة قائمة موافقة للدعوى، إلا في القضاء الضمني؛ فلا يشترط له الدعوى والخصومة، كما إذا شهدا على خصم بحق وذكر اسمه واسم أبيه وجده، وقضى بذلك الحق كان قضاءً بِنَسَبِهِ ضمنا وإن لم يكن في حادثة النسب، ومنه القضاءُ بثبوت الرمضانيّة.
ويلحق بالقضاء الضمني في عدم اشتراط الدعوى؛ فعل القاضي على القول بأنه حكم، كما جزم به في "أنفع الوسائل" واستدل له بفروع كثيرة، واستصوب العلّامة محمد بن الغرس: أنه ليس بحكم، واقتصر العلامة ابن نُجَيْم على ما مال إليه في "أنفع الوسائل"، ونقله عن "الظهيرية"، واستثنى من ذلك إعطاءُ فقراء قرابة الواقف المحتاجين فيما وقف على الفقراء، وما إذا أذن الوليّ للقاضي في تزويج الصغيرة، وأمر القاضي حكم كقوله: سلّم المحدود أو سلم الدين، أَوْ أَمَرَ بحبسه، إلا في مسألة الإعطاء المتقدمة.
والقضاءُ بعد صدوره صحيحا لا يُنْقَض إلا في ثلاث مسائل:
الأولى: إذا كان القضاءُ بعلمه فله الرجوع، كما ذكره ابن وهبان.
الثانية: إذا ظهر خطأُوه حيث يجب عليه نقضه.
الثالثة: إذا قضى مجتَهَد فيه مخالفاً لمذهبه فله نقضه دون غيره، كما في "شرح الوهبانية".
ولنا رابعة خلافية: قال في "السراج الوهاج": قال محمدٌ: القاضي إذا قضى في مجتَهَد فيه تقليدا لفقيه بعينه ثم رأى غيره من أقوال الفقهاء أَوْليَ نَقَضَه وقضى برأيه.
ولا يبطل أيضا بإبطال أحد إلا في مسائل؛ قال في "الفيض": المقضي له إذا أقر بعد ما قضى القاضي له أن ما قضى له حرام، وأمر رجلا بأن يشتري له ذلك الشيء من المقضي عليه؛ يبطل حكم القاضي، وفي الأقضية: لو أقام رجل البينة على أن هذا العين له بالشراء أو بالإرث ثم قال: لم يكن لي قط أو بدون لفظة قط؛ لم تقبل بينته ويبطل القضاءُ، أما لو قال: هذا ليس بملكي لا يبطل القضاء، ومنها: إذا ظهر أن الشهود عبيد أو محدودون في قذف، كما في "شرح الأدب" للصدر الشهيد، وقيده ابنُ نُجَيْمٍ بالبينة، أو كانا كافرين أو أعميين، كما في "الإشارة خزانة الفتاوى".
وفي الخلاصة وفي موضع ثقة: تكذيبُ المشهودِ لَهُ الشُّهُودَ وتَفْسِيقُهُ إياهم قبل القضاء يمنع القضاء، وبعد القضاء يوجب بطلان القضاء على ما عليه "إشارات الجامع" و"الأصل"، وحكي عن القاضي أبي علي النسفي: أن تفسيقَ المشهودِ لَهُ الشهودَ بعد القضاء لا يوجب بطلان القضاء، كذا في "الفيض".
وفي "الروضة": "قضى القاضي بأرض دار في يديه ببينة للطالب ودفعها القاضي ببنائها إلى المدعي، ثم أقر المدعي أن البناءَ للمدعى عليه يسلم البناء إليه ولا يبطل الحكم في الأرض للمدعي؛ إلا أن يكون الشهود شهودا بالأرض والبناء للمدعي والمسألة بحالها بطل الحكم في الأرض، فيرد الجميع إلى المدعى عليه؛ فإن شهدوا بالبناء للمدعي وأطلقوا الشهادة في الدارِ فقال المدعي: أنا أقيم البينة أن البناءِ لي لا تقبل، ولو كان هذا في زرع في الأرض تقبل، ذكره هشام عن محمد في "نوادره"" انتهى.
ويستثنى من بطلان الفساد بإقرار المقضى له المقضى بحُرّيّته؛ فإن أقر أن لا يبطل القضاء، كما قال الإمام ظهر الدين لتعلق حق كافة الناس بحريته، ويترتب على بطلان القضاء رد المقضي به سواءً كان مالا أو ضيعة أو طلاق امرأة أو عتاق عبد على المقضي عليه؛ إذا ظهر الخطأ بالبينة وبإقرار المقضى له لا بإقرار القاضي بأن قال: تعمدت ذلك؛ لأنه أقر بالجناية، وجناية القاضي تكون سببا لوجوب الضمان عليه ويصير به فاسقا فيعزل، ولا تُنقَضُ تلك القضية، كما في "شرح الأدب"؛ إلا إذا صدقه المقضي له، كما في "معتمد الحكام" عن "مختصر المحيط".
ولا يشترط لصحة الحكم حياة المقضي عليه وحضوره بعد أن أقيمت عليه البينة قبل موته وغيبته، وهو قول أبي يوسف واختاره الخصّاف، وقال الإمام أبو محمد عبدالعزيز أحمد الحلواني: إن قول أبي يوسف أرفق بالناس، ولا المصرُ للنفاذ على رواية النوادر، وكثير من المشايخ أخذ بها للحاجة، وقيل شرط وهو ظاهر الرواية، كما يشترط في إشهاده على حكمه المصر، وكونه في وجه الخصم وذلك على وجه الوجوب، وظاهر "جامع الفصولين" أن كون المتداعيين من أهل مصر بلد القاضي المولى بها شرط لجواز الحكم؛ حتى لو كانا غريبين لا يسوغ له الحكم بينهما؛ إلا على وجه أن يحكّم بأن يحكماه، ومن لازِمِ ذلك رضَا كُلٍّ منهما، وهو الفرق بين حكم الحاكم والمُحَكَّم.
وفي "الفيض" إذا جعل نائبا عن الغائب حتى يسمع الخصومة -ويسمى هذا المسجر - والغائب ليس في ولاية هذا القاضي لا تصح هذه الإنابة، وليس لهذا طريق عند علمائنا، ولا أن تكون الدعوى بتمامها عند القاضي الواحد؛ حتى كان للنائب أن يقضي بالشهادة التي قامت عند القاضي، وكذا لو كان ابتدأ النائب ثم أَنْهَاهَا إلى مستنيبه.
ولا يجوز لقاضي القضاة إرسال نائب إلى البلدة التي وليها أخذا من قولهم: القاضي إنما يصير قاضيا إذا بلغ الموضع الذي ولي القضاءَ فيه، كما في "شرح الأدب" وعمل القضاة الآن على خلافه، ولم أعلم ما المستند في ذلك، ولا تولية نائب جاهل، ولا من لا يُعلم حاله؛ قال في "السراج الوهاج": "وينبغي للمقلد أن يختار من هو الأقدم والأولى لقوله -عليه الصلاة والسلام-: (من قلّد إنسانا عملا، وفي رعيته من هو أولى منه، فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين) " انتهى.
فانظر -رحمك الله تعالى- هذا فيما إذا قلد القادر وترك الأقدر، فكيف بمن قلد الجاهل العامي الذي يُخلط ويُجهل بجهله العلماء -نسأل الله السلامة-.
ولا يجوز له تأخير الحكم بعد وجود شرائطه، وفي "القنية" عن أبي حامد: أن القاضي ظالم آثم في تأخير الحكم، وقال العلامة الكافيجي: يجب الحكم بمقتضى الدعوى عند قيام البينة على الفور؛ حتى لو أخر الحكم بلا عذر عمدا قالوا: إنه يكفر، وفي "جامع الفصولين" القاضي بتأخير الحكم يأثم ويُعزَل ويعزر انتهى، فينبغي التنبه لهذه الفائدة.
ويستثنى من ذلك أربع مسائل فيجوز التأخير:
الأولى: في دعوى بين إخوة أو بني أعمام؛ فينبغي أن يدفعهم قليلا قليلا، ولا يعجل بالقضاء بينهم لعلهم يصطلحون.
والثانية: إذا طمع في إرضاءِ الخصمين؛ وإلا أنفذ لعدم الموجب للتأخير، كما في "الاختيار".
الثالثة: إذا استمهل المدعى عليه بعد أن يسأله عن الدفع وكان صحيحا؛ أما إذا كان فاسدا فلا يمهله ولا يلتفت إليه، كما قال قاضي خان.
الرابعة: إذا كان عنده ريبة في الشهود.
ولا يجوز له أيضا منع المدعى عليه من التصرف في المدعى فيه بمجرد الدعوى، فإن فعل فهو خَطَأٌ وَجَوْرٌ، كما في "الجواهر" وإن أقام المدعي البينة على أنه ابتاعه من ذي اليد، وسأل أن يجعل المدعى فيه من غلام، أو دابة، أو ثوب، أو عرض من العروض التي تُحوَّلُ وتنقل على يدي عدل؛ إلى أن يسأل عن شهوده، فإنه لا يخرج ذلك الشيء من يد الذي هو في يده؛ لكن يأخذ منه كفيلا بنفسه وبالخصومة وبالشيء المدعى فيه، ولا يجبر إنْ أَبَا.
وهذا إن لم يكن متلافا مخوفا على ما في يده أن يتلفه أو يستهلكه، وإلا فيوضع على يد عدل ثقة مأمون إن رأى القاضي ذلك، لأنه إذا كان بهذه الصفة لا يؤمَنُ مِنْ أن يُتْلِفَهُ (أو يستهلكه) تعنتا؛ فالقاضي يخرجه من يده على سبيل المنع من التعنت، كما في "شرح الأدب"، وفي "الروضة"، وإن لم يجيء المدعي بالبينة حتى مضت ثلاثة أيام؛ أخرج الكفيل من الكفالة، والوكيل من وكالته، وفي جواز بيع المدعى فيه تفصيلٌ؛ راجِعْ له "جامعَ الفصولين".
ولا يجوز له أيضا منع أئمة المحلات عن عقد نكاح الأبكار والثُّيَّبِ، كما في "المبتغى"، ولا أن يلفق في حكمه بالإجماع، كما في "تصحيح القدوري"، و"السراجية في الفتاوى" و"جامع الفتاوى"، ولا أن يقول للمدعى عليه بعد قيام البينة قد ثبت هذا الحق للمدعي؛ فاخرج عن حقه لأن الصحيح أن قولهُ ثبت حكمٌ منه.
ولا أن يعمل بما وجده في ديوان من كان قَبْله من إقرار وبينة، ولا ينفده حتى يستقبل الخصومة عنده؛ لأن العلم شرط القضاء، وما كان عند القاضي الأول فليس بمعلوم، كما في "شرح الأدب" للصدر الشهيد، ولا أن يعلم المدعى عليه من الحيل ما يدفع به المدعي من وجوه الدفع، ولا أن يلح على الصلح وإن لح أثم، كما في "جامع الفصولين".
وفي "السمرقندي": لا ينبغي للقاضي أن يباشر الصلح بنفسه؛ بل يفوض ذلك إلى غيره من المتوسطين، وبه ورد الأثر عن عمر رضي الله عنه، ولا أن ينصّب الأوصياء في التركات، ولا القوّام في الأوقاف، ولا تزويج الصغار؛ إلا إذا كتب في منشوره، كما في "السراج الوهاج".
وله أن يقضي للإمام الذي ولاه، ويقضي عليه، وكذا قاضي القضاة لو خوصم إلى قاض ولّاه هو يقضي له أو عليه جاز؛ لأن قاضي القضاة في حق هذا بمنزلة الإمام في حقه، وهو لو قضى للإمام جاز فكذا هذا، كما في "شرح الأدب".
وللقاضي أن يأخذ المال من الغاصب والسارق إذا كان المالك غائبا ويحفظه، كذا رواه ابن سماعة عن محمد فإن ضاع المال فجاء المالك؛ فله أن يضمن الغاصب والسارق، ولا يبرأ بأخذ القاضي؛ لأن للقاضي التصرف في مال الغائب فيما يؤدي إلى حفظه لا فيما يرجع إلى إبراء حقوقه، كما في الاختيار.