تذكرة الراشد برد تبصرة الناقد
للإمام محمد عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي
توفي سنة (ت1304هـ)
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
مركز العلماء العالمي للدراسات وتقنية المعلومات
عمان، الأردن
جارٍ تحميل الكتاب…
تذكرة الراشد برد تبصرة الناقد
للإمام محمد عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي
توفي سنة (ت1304هـ)
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
مركز العلماء العالمي للدراسات وتقنية المعلومات
عمان، الأردن
بِسْمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيمِ
يا ربِّ لكَ الحمدُ حمداً مُتَوَالِياً ، ولك الشُّكرُ شكراً مُتتالياً ، على أَن أسبلتَ عليَّ نِعَماً متكاثرةً، وأسبغتَ عليَّ مِنَناً مُتظافرةً، أَدَّبْتَنِي من صِباي ، ونَجَّيْتَنِي من عملي، وعلَّمتني ما لم أَكنْ أَعلمُ بهِ، وفَهَّمْتَنِي ما لم أَكنْ أَفهمُ، وجَعَلْتَنِي منْ ورثةِ الأنبياءِ، وحملةِ الشَّريعةِ البيضاءِ، سبحانكَ ربِّ ما أَعظمَ شأنكَ، وأَرفعَ مكانكَ.
أشهدُ أنَّكَ لا إله إلا أنتَ وحدكَ، لا شريكَ لكَ في مُلْكِكَ ومِلْككَ، هو الرَّفيعُ فلا الأبصارُ تُدْرِكْهُ، سبحانَه مِن مليكٍ نافذٍ القَدَرِ، سبحانَ مَن هو أُنْسِي إذ خلوتُ به في جوفِ ليلي، وفي الظُّلمات والسَّحر.
أنتَ الحبيبُ، وأنتَ الحِبُّ يا أملي، مَن لي سواكَ، ومَن أرجوه يا ذُخْري، بأيِّ لسانٍ أحمدُكَ، وبأيِّ جَنَانٍ أشكركَ، على أن جَعَلْتَني من العلماءِ المُمَيَّزِينَ، والفُضَلاءِ المُعَزَّزينَ، وشَهَّرْتَ تصانيفي في العالمينَ، ووَقَّرتَ تآليفي عند العالمِينَ، ونَصَّبْتَنِي في مقامِ إحقاقِ الحقِّ الصُّراحِ(1)، والصِّدقِ القَرَاح(2)، وأقمتَني في مقامِ إبطالِ الباطلِ الواهي(3)، وإضلالِ العاطلِ السَّاهي، ووفَّقتَني(4)لإزاحةِ الخطأ، وإظهارِ الصَّوابِ، ووفَّقتَني(5) على ما هو القِشْرُ وما هو اللبابُ، وحَفِظْتَنِي من جمعِ اليابسِ والرَّطب، كجمعِ حمَّالةِ(6) الحَطَب، وحَرْزتَني من تواترِ الزَّلات، وتكاثرِ الخطيئاتِ، وأَمْسَكْتَ لساني عن الطُّغيانِ، وكَفَفْتَ جَنَاني عن العدوانِ، وما عوَّدتني بالتَّكلمِ بكلماتِ أصحابِ الرَّذالةِ، وما أضللتَني بالتِّرنُّمِ بِخُرافاتِ أربابِ الجهالةِ.
(1) خالص.أ.
(2) خالص.أ. القَرَاح: بالفتح : الذي لا يشوبه شيءٌ. ((مختار))(ص528).
(3) الضعيف.أ.
(4) من التَّوفيق.أ.
(5) أي جعلتني وقفاً ومطَّلعاً.أ.
(6) هي امرأة أبي لهب المذكورة في سورة تبت.أ.
فَبِكَ يا ربِّ أجولُ(1)، وبِكَ أحولُ(2)، وَبِكَ أََصُولُ(3)، وَبِكَ أَقولُ، وَبِكَ أَسْتَنْصِرُ(4)، وَبِكَ أَستظْهرُ(5)، وبكَ أَستظفرُ(6)، وبِكَ أَستعذرُ(7)، إِيَّاكَ نَعبدُ وإِيَّاكَ نستعينُ في كلِّ الأُمورِ، في كلِّ مساءٍ وكلِّ بكورٍ(8).
سُبحانَ مَن ذِكْرُهُ عِزٌّ لِذاكِرِهِ، وإِن تَحَفَّلَ في الأَقوالِ واجتهدا، لَمْ يتخذْ سَكَنَاً في قِدَم عزَّته، ولم يَلِدْهُ أَبٌ حَقَّاً لا ولداً، ولا استعانَ بِشيءٍ في حقيقَتِهِ، ولم يَزَلْ بِعظيمِ العِّزِّ مُنْفَرِداً، سبحانَهُ وتعالى في جلالَتِهِ، هُوَ المُهَيمِنُ لا أُشْرِكُ بِهِ أَحداً.
اللّهمَّ لك الحمدُ حمداً لا يدخلُ تحت العدِّ على أن أعطيتني نصيباً من المهارةِ في الفنونِ العقليةِ والنَّقليةِ، وأَتَيْتَنِي حظَّاً من العلومِ الحكميةِ والشَّرعيةِ، ورَزَقْتَنِي حفظاً في علومِ التَّاريخِ والأخبارِ، ووَهَبْتَنِي علماً في علوم الفقهِ والآثارِ مع بضاعةٍ من التَّنقيحِ والتَّرجيحِ، وحصَّةٍ من التَّحقيقِ والتَّدقيقِ.
(1) من الجولان.أ.
(2) من الحولان والدوران.أ.
(3) من الصولة على الأعداء.أ.
(4) أطلب النصرة.أ.
(5) أطلب الغلبة.أ.
(6) أطلب الظفر.أ.
(7) أطلب العذر.أ.
(8) صبح.أ.
وأَلْهَمْتَنِي نَشْرَ العلومِ المنيفةِ، والفنون الشَّريفةِ تدريساً، وتألِّيفا،ً وتذكيراً، وتعليماً مع التَّفحصِ الفائقِ، والتَّخلصِ اللائقِ، من دونِ اتباعِ الهوى، فَمَن اتبعَهُ واتخذَهُ إلهاً(1) فقد غَوَى، وما أَضْلَلْتَنِي مع علمٍ، وما أَسْمَعْتَنِي وأبصرتني مع خَتْمٍ، وما جعلتَ على بصري غِشاوةً، ولا في قلبي قَسَاوةً، كلُّ ذلك مع الخشوعِ والخضوعِ وحفظِ الأركانِ وحرزِ اللِّسانِ.
اللّهمَّ إنَّكَ تعلمُ أنِّي لا أذكرُهُ إلا تحدُّثاً(2)بالنِّعمةِ، وشكراً، لا تخلُّقاً بخلقِ طالبِ الشُّهْرَةِ، وفَخْرَاً، وأيُّ فخرٍ لمن لا يَدْرِي ما يَمْضِي عليه في الحَشْرِ والقبرِ.
(1) إشارةً إلى قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً}،[الفرقان:43]، وقوله: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ، وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً}، [الجاثية:23].أ.
(2) إشارة إلى قوله تعالى: { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}، [الضحى:11].أ.
وأشهدُ أنَّ سيَّدَنا ومولانا مُحَمَّداً عبدُكَ، ورسولكَ، وصفيُّكَ،َوحبيبكَ، شفيعَ الخلائقِ إذا يئسوا، وخطيبَ الخلائقِ إذا سكتوا، الفائزُ بالسَّعادةِ الأزليّةِ الأبديةِ، والسِّيادةِ الدَّهريِّةِ السَّرمديةِ، هو الذي رَفَعَ قصورَ(1) الهُدَى في أوان قصورِهِ، وقَلَعَ صخورَ(2) العَمَى في زمان نشورِهِ(3)، بهِ طَلَّعَ نجمُ الهدايةِ بعد أُفولِهِ(4)، ولَمَعَ بَدُرُ العنايةِ بعدَ ذبولهِ، مهَّدَ قوانينَ الشَّريعةِ وسدَّدَ أَساطينَ(5) الطَّريقةِ، أَوضحَ سُبلَ الطَّريقِ الأَمَمَ(6)، وأَفصحَ عن طرق السَّبيلِ الأَتمِّ، لقد نَجَى من أَخَذَ بحظٍّ من وراثتِهِ، وطَغَى من نَبَذَ(7) حظَّهُ من تَرَكتِهِ.
ما إِن مَدَحْتُ مُحَمَّداً بمقالتي
لكن مَدَحْتُ مَقَالَتِي بِمُحَمَّدٍ
اللّهمَّ فاجزِّهِ عنَّا خيرَ الجزاءِ، وأَبلغْهُ إلى مدارجِ الانتهاءِ، أَفضلُ ما جازيتَ به نبياً عن حزبِهِ، ورسولاً عن قومِهِ.
وصلِّ اللّهمَّ صلاةً دائمةً بدوامِ السَّماواتِ والأَرضِ، قائمةً بقيامِ الجَّواهرِ والعرضِ عليه، وعلى أَهلِ بيتِهِ الذين نَزَلَتْ فيهم آية التَّطهيرِ، وأصحابِهِ الذين شُبِهُّوا بالنُّجومِ في الهدايةِ(8) والتَّذكيرِ، وعلى جميعِ أَتباعِهِ وأَحزابِهِ إلى يومِ القيامةِ، يوم الحسرةِ والنَّدامةِ.
وبعدُ:
(1) جمع قصر.أ.
(2) جمع صخر، يعني الحجر.أ.
(3) أي شهرته.أ.
(4) غروبه.أ.
(5) جمع اسطوانة.أ.
(6) الوسط.أ. الأَمَمُ: القصد الذي هو الوسط. ((اللسان))(1: 135).
(7) طرح وترك.أ.
(8) إشارة إلى قول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيُّهُمْ اِقْتَدَيْتُمْ اِهْتَدَيْتُمْ)). وانظر للكلام على هذا الحديث((نزهة الفكر في سبحة الذكر))(ص44)، و((نخبة الأنظار))(ص54).ص.
فيقولُ الرَّاجي عفوَ ربِّه القويِّ الدَّاعي، حفظهُ من شرِّ كلِّ غوىٍّ، الذي لا حرفةَ له إلا اكتسابَ السَّيِّئاتِ، ولا صُنْعةَ له إلا ارتكابَ الخطيئاتِ، المُكَنَّى بأبي الحسناتِ، والمدعو بعبدِ الحيِّ اللَّكْنَوِيِّ، تجاوزَ اللهُ عن ذنبِهِ الجَلِيِّ والخفيِّ، ابن الفاضلِ الجليلِ، الكاملِ النَّبيلِ، البحرِ الزاخرِ، السَّحابِ الماطرِ، الغَيْثِ الدَّرارِ، ليثِ كتائبِ الأخيارِ، أُستاذِ أساتذةِ الدَّهرِ، عمادِ جهابِذةِ العصرِ، صاحبِ التَّصانيفِ الكافيةِ، والتَّآليفِ(1) الشَّافيةِ، مولانا الحاجِ الحافظِ مُحَمَّدٍ عبدِ الحليمِ أدخلَهُ اللهُ دارَ النَّعيمِ.
هَلُمُّوا يا أهلَ النُّهى(2)؛ وتعالوا يا أهل الحِجَى؛ أقصُّ لكم أعجبَ القِصصِ، وأنصُّ(3) بأغربِ القِصصِ(4):
(1) جماعات.أ.
(2) جمع نهية، بمعنى عقل، والحجى بمعناه.أ.
(3) أي أُصرح.أ.
(4) جمع قصة.أ.
إني قد كنتُ نَبَّهتُ في سابقِ الزَّمان، في رسائلي المشتهرةِ(1) في البلدانِ، على بعضِ المسامحاتِ الواقعةِ في تأليفاتِ الفاضلِ الكاملِ، زِينَةِ المجالسِ والمحافلِ، زُبْدَةِ المَآنسِ والأماثلِ، ذي التَّصنيفاتِ الشَّهيرةِ، والتَّرصيفاتِ الكبيرةِ، النَّوابِ السَّيدِ صِديقِ حَسَن القَنُّوجي، ثم البَهُوبَالي(2)، بَلَّغَهُ اللهُ لي كواعبِ(3) الأماني والعوالي(4)، ولا حرمَهُ اللهُ عن أبكارِ الغوالي(5)، وحفظَهُ اللهُ عن غياهبِ(6) الأيامِ واللَّيالي، ولا ابتلاهُ اللهُ بالجَمْعِ بينَ الحَصَى واللآلئ.
وكان ذلك لغرضين، يطلبُهُ أفاضلُ الثَّقلينِ:
أحدُهما: أن يَتَنَبَّه مُؤلِّفها، فيُرَصِّفُهَا وُيُهَذِّبُها؛ فإنَّ كثرةَ الزَّلاتِ في الكتبِ المُصَنَّفةِ تُورثِ مضرَّاتٍ إلى مصنِّفِها، وإلى الكَمَلةِ والطَّلبةِ ممن يُطَالِعُها، ويَنْتَفِعُ بها.
أمَّا إيراثُهُ المَضَرَّةِ إلى مصنِّفها، فهو أنَّها تَجْعَلُهُ غيرِ مُعْتَبَرٍ ومُسْتَنَدٍ، لا يَعْتَمِدُ عليه معتمدٌ ظنَّاً منهم: أنَّه حاطبُ اللَّيلِ، كاسبُ الويلِ، راكبُ متنِ ناقةِ عمياءٍ(7)، جاذبُ شاةٍ ثَوْلاءٍ(8)، وستقفُ على تفصيلِ ذلك في ما يأتي إن شاءَ اللهُ تعالى.
(1) من الرسائل التي نبَّه فيها الإمام اللكنوي على مسامحات القَنُّوجيّ: ((الفوائدُ البهيةُ في تراجم الحنفية))، و((الرَّفعُ والتَّكميلُ في الجرحِ والتعديلِ))، و((ظفر الأماني بشرح مختصر الشَّريف الجرجاني))، وغيرها.
(2) في الأصل: ((البهوفالي)).
(3) جمع كاعب.أ.
(4) جمع عالية.أ.
(5) جمع غالية، نوع من أنواع العطر.أ.
(6) جمع عيهب، بمعنى الظلمة الشديدة.أ.
(7) الناقة التي لا عين لها.أ.
(8) مجنونة.أ. الثَوَلُ: بفتحتين: جنون يصيب الشاة فلا تتبع الغنم، وتستدير في مرتعها. وشاة ثولاء، وتيس أثول. ((مختار))(ص90).
وأمَّا إيراثه المضرَّةِ إلى الخلقِ، فهو أنَّهم يقعون بمطالعةِ مثل هذا في الجهلِ المركَّبِ، ويُبْتَلُون بالغرقِ، فإن نقَّادَ الفنونِ في هذه الأعصارِ والأمصارِ قليلون، وعارفوا الرِّجال بالحقِّ نَدِرون، وأكثرهم إنَّما يَعرفون الحقَّ بالرِّجالِ، ويعتمدون على ما سطره من اشتهرَ بالفضلِ والكمالِ، ولا يعرجون إلى قُلّة تنقيحِ المقالِ، بل يكتفون بما قيلَ أو يقالُ، ويُكثرونَ التَّنقُّلَ، ومَن أكثرَ التَّنقُّلَ وقعَ في التَّغفُلِ.
هذا شأنُ أكثرِ أهل العلمِ والفضلِ، فما ظنُّكَ بمن كان مُكَنَّى بأبي الإثمِ والجهلِ، فهولاءِ إذا وقفوا على هذه التَّصانيفِ المشتملةِ على المَغْلَطَةِ(1)، وقعوا في المزلقةِ.
وثانيهما: أن يتحفظَّ الخوَّاصُ والعوامُّ من أكاذيب الأوهامِ، وأعاجيبِ الأحلامِ؛ لئلا يُعَدُّوا باعتقادها من الأنعامِ.
وهذا الذي ارتكبتُهُ؛ لهذا الغرض الذي أوردتُهُ، لستُ مُتَفَرِّداً في ذلكَ، وليس ذلك بأوَّلِ قارورةٍ كُسِرَتْ في الدَّورة الإسلاميَّة، بل لم تَزَلْ جهابِذَةُ النُّبلاء،ِ وأساتذةُ الفضلاء،ِ يَرُدُّونَ على مَن كَثُرَتْ منه المسامحاتُ والمناكيرُ، والمغالطاتُ والأساطيرُ، ويُخَطِّئونَهُ، ويُجَهْلُونَهُ، ويُعَيِّبُون عليه ما صَدَرَ عنه، ويقولون: إنَّهُ لا له بل عليه، ويُشَدِّدُون النَّكيرَ عليه، ويَحْكُمُون بِوجوبِ التَّعزيرِ عليه، كلُّ ذلكَ مع سلامةِ الصَّدرِ من الحقدِ، والحسدِ، والبغضِ، وسلامةِ اللِّسان من السَّبِّ، والشَّتمِ، والفُحْشِ، وسنطلعُ على تفصيلِ هذا فيما يأتي بعد هذا، وقد حَصَلَ بحمد اللّه الغرضُ الثَّاني الأجل دون الأوَّل، وكانَ مهتمَّاً به غير أهون.
ما كلُّ ما يَتَمَنَى المَرْءُ يُدْركُهُ
تَجري الرِّياحُ بما لا تَشْتَهِي السُّفنُ
(1) المَغْلَطَةُ: الكلام الذي يغلط فيه ويغالط به. ((اللسان))(5: 3281).
فإنَّ أكثرَ الكَمَلةِ والطَّلَبةِ قد حصلتْ لهم النَّجاةُ عن المِحَنِ، ولم يقعوا بتلك المزخرفاتِ في الفِتنِ، وشكروا صَنيعي، وأثنَوْا على طريقي.
فالحمدُ لخالقِ السَّماءِ والأرضِ على حصولِ هذا الغَرضِ، والحسرةُ كلُّ الحسرةِ على عدمِ تنبيه مُؤلِّفِها، وعدمِ تَنْقِيحِهِ وتَهْذِيبِهِ لها، وليتَهُ سَكَتَ إذ لم يَتَيقَّظْ، وصَمَتَ ولم يَتَغلَّظْ.
والحسرةُ كلُّ الحسرةِ، والتَّأسفُ على التَّأسفِ، على التَّبَخْتُرِ(1) والتَّعنُّفِ(2)، حيثُ قامَ بإشارتِهِ وارتضائِهِ بَعْضُ أحزابِهِ وأتباعِهِ للانْتِصارِ، ونامِ(3) عمَّا يترتّبُ عليه من الأوزارِ، فألَّفَ كتاباً سمَّاهُ ((شِفَاءُ العَّيِّ عما أَوردَهُ الشَّيخُ عبدُ الحَّيِّ))، وأتى فيه بكلماتٍ تَنْتَفِرُ عنها القرائحُ السَّليمةُ، وتَفَرُّ عنها الطبائعُ السَّليمةُ، وملأهُ بهزلِّياتِ الأجوبةِ، وجدلياتِ الأسئلةِ ظنَّاً منه أنَّ مثلَ هذا يكفي في الجوابِ وإظهار الصَّوابِ.
ومَبْنَى جميع مباحثِهِ على أن صاحبَ ((الإتحافِ)) (4)وغيرِهِ ناقلٌ من غيرِهِ، سائرُ بسيرِهِ، والَّناقلُ لا يردَّ عليه شيء من الإيرادات، وتحصلُ له بمجردِ تصحيحِ النَّقلِ النَّجاةُ، ولا يَخْفَي على أولي الألبابِ أن أمثالَ هذا الجوابِ ممَّا يضحكُ عليه كلُّ صبيٍّ وشابٍ، وإن هو إلا كنعيق الغرابِ، أو نُباحِ الكلابِ.
(1) التَّكبُر.أ.
(2) التَّشدد.أ.
(3) أي غفل.أ.
(4) إتحاف النُّبلاء المتقين بإحياء مآثر الفقهاء المحدِّثين)) للقَنُّوجيّ، وهو باللغة الفارسية.
فأمرَني من إشارتُه عزمٌ، وطاعتُه غُنْمٌ، أن أردَّ عليه ردَّاً شافياً، وأُبرزَ ما فيه من الغَّيِّ إبرازاً وافياً، فألَّفْتُ رسالةً مسمَّاة ًبـ((إبرازِ الغَّيِّ الواقعُ في شفاءِ العَّيِّ))(1)، ووشحتُها(2) بعباراتٍ لطيفةٍ، وكلماتٍ نظيفةٍ، ورشَّتُها(3)بإشاراتٍ مُطربةٍ، ونكاتٍ مُعجبة(4).
ولَمَّا طُبعتْ، وشاعَتْ في الأمصارِ والقرى، جاءتْ إليَّ من علماءِ الأطرافِ والأكنافِ مكاتيبَ تَتْرَى(5)، تَشهَدُ بكونِها عديمةَ النَّظيرِ في بابِها، فقيدةَ المثيلِ في أمثالها، ولله الحمدُ بالسِّرِّ والإجهارِ على أن أَلْبَسَها لباسَ الاشتهارِ، وَهَبَّتْ عليها رياحُ القَبِولِ من ذوي العقول، وقد دفعتُ فيها ما في ((شفاءِ العَّيِّ)) من الجوابِ، وَهَدَمْتُ أساسَ ما بَنَى عليه الخطابَ، بتشريحِ كافلٍ، وتوضيحٍ كاملٍ.
وخلاصتُهُ: أنَّ صاحبَ ((الإتحافِ)) إن كانَ ناقلاً ملتزمَ الصِّحةِ يكون مُوْرِداً ومُلْزَماً، وإن يكن ملتزمَ الصِّحةِ، يكونُ حاطبَ اللَّيلِ، جامِعاً رَطْباً ويابساً.
ومع ذلك زينتُها في البدايةِ والخاتمةِ، بذكر كثيرٍ من أغاليطهِ وأخاليطِهِ في الفنونِ التَّاريخيَّةِ، وغيرها من العلومِ النَّقليةِ، فدونَّكَ عُجالةً نافعةً، وعُلالةً رائعةً، يَنْشَطُ بمطالعتِها الكسلانُ، ويُكْشَطُ بسماعِها صَدى الأذان.
(1) قد طبعت في دار الرَّازيّ بتحقيقي، والحمد لله على فضله.
(2) من التَّوشيح بمعنى التَّزيين وبمعناه التَّرشيح.أ.
(3) غير واضحة في الأصل.
(4) شيء مُعُجِبٌ: إذا كان حسناً جداً. ((اللسان))(4: 2812) في (مادة: عجب).
(5) تترى: من تتابع الأشياء وبينها فجوات. ((اللسان))(5: 276).
فلمَّا وصَلَ خبرُ طبعِها ونشرِهِا إلى الأمصارِ، تَحَرَكَ عِرْقُ الغضبِ مع لُزومِ الكَرْبِ(1) آناء اللَّيل وأطراف النَّهار، فنادى منهم مُنادٍ، وخاطبَ كلُّ حاضرٍ وبادٍ، باكياً وشاكياً، مناداةَ الهَلوعِ(2)الجزوعِ، للنَّصيرِ البشيرِ النَّصوحِ(3)، والمُسْتَجيرِ المُسْتَغِيثِ للأجيرِ المغيثِ، والمُسْتَعِين للمُعِينِ، قائلاً بلسان المقالِ والحالِ: يا عبادَ الله؛(4)أعينوني، يا عبادَ الله؛ أعينوني، هل من مُغيثٍ(5)يُغيثُنا لوجهِ اللهِ؟
هل من ذابٍّ يَذُبُّ عن حَرَمِ رسولِ الله؟
هل من ناصرٍ ينصرنا؟
هل من ماكرٍ يمكر لنا؟
هل من بشيرٍ يُبَشِّرُنا ويُفَرِّجنا؟
هل من نذيرٍ يُنذر من يخاصمنا؟
هل من أَجِيرٍ يَتَكَنَّى بأبي الفَرَجِ، أو أمِّ الهَرَجِ والمَرَجِ(6)؟
(1) الكَرْبُ: الغمُّ الذي يأخذ بالنفس. ((مختار))(566).
(2) قال الله :{إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا}، [المعارج:19-21].أ.
(3) خالص.أ.
(4) إشارة إلى ما أخرجه الطَّبْرَانِيّ [في ((المعجم الكبير))(17: 117)] وغيره، مرفوعاً: (إن أراد ـ أي المسافر ـ عونا، فليقل: يا عباد الله أعينوني).أ.
قلت: لفظ الطَّبَرَانِيّ: ((أغيثوني)) بدل ((أعينوني)). ولكن رواه بلفظ: ((أعينوني)) ابن أبي شيبة في ((مصنفه))(6: 103)، والهيثمي في ((مجمع الزوائد))(10: 132).
(5) تضمنت مقولة الحسين رضي الله عنه في كربلاء حين استشهد أكثر أصحابه.أ.
(6) هو القتال والجدال.أ.
فَيُسيِّلُ(1) علينا الفَرَجَ، ويُزِيلُ عنَّا العَرَجَ، ويسلكُ مسلكَ من قد مَرَجَ(2)؛ لتحصيلِ الفَرَجِ، ويَبْرُكُ(3) مَبْرَكَ مَن خَرَج عن بيتهِ للاحتيالِ ولو بالمحالِ، وبالخِدَعِ وَلَجَ(4).
هل من مُجيرٍ يَتَسَمَّى بالفحَّاش، والنَّبَّاشِ، والطَّعان، واللَّعان، ويَتَّصِفُ بِزَنيمِ(5) اللِّسانِ، خصيمِ الجَنَان، يُسْكِتُ المعترضَ بطلاقَتَه، ويُصْمِتُهُ ببطالتِهِ، ويسبُّ المقترض(6)وأباه، ويُكَبُّ عليه إكبابَ المُشاحنِ والملاعنِ، ولا يُسلِّمُ ما أبداه؟
هل من وزيرٍ يَتَلَقَّبُ بالمُعْتَدي، والمُخْتَفي(7)، فيَسِبَّ كلَّ المُبْتَدي والمُنْتَهي؟
هل من مشاجرٍ يُشاجِرُ المُورِدَ بكتمانِ الحقِّ؟
هل من مُكابرٍ يُكابرُ مع عرفانِ الأحقِّ؟
هل من حاجٍّ غيرِ زائرٍ لقبرِ سيِّد الأوائلِ والأواخرِ(8)، يَتَكَفَّلُ لإنكار الصِّدقِ؟
هل من عاجٍ(9)غيرِ ماهرٍ في إفادات الأوَّلِ والآخرِ، يَتَعَمَّلُ بكلماتِ الفِسقِ؟
(1) من الإسالة.أ.
(2) مَرَجَ البحرين وأمرجهما خلاهما لا يلتبس أحدهما بالآخر. ((القاموس))(1: 214) في(باب الجيم فصل الميم).
(3) بروك الأبل قعوده.أ.
(4) دخل بيته.أ.
(5) قبيح.أ. الزَّنيم: المستلحق في قوم ليس منهم، لا يحتاج إليه، فكأنه فيهم زنمه، وهي شيء يكون للمعزِّ في أذنها كالقُرط، وقوله تعالى: {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيم} قال عكرمة هو اللئيم الذي يعرف بلئمه، كما تعرف الشاة بزنمتها. ((مختار))(276). ((القاموس))(4: 128).
(6) قال صاحب ((المختار)) (ص535): القَرْضُ: ما سلفت من إحسان ومن إساءةٍ. انتهى.
والمقصود هنا هو الإمام اللَّكْنَوِيّ ووالده رغم إحسانهم للقَنُّوجي.
(7) الاختفاء ـ بو شيده ـ ومنه يقال: للنماش المختفي.أ.
(8) أي موافق لرأيه في مخالفة ما أجمعت عليه الأمة من زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم.
(9) العَجُ: رفع الصوت التلبية.أ.
هل من مُسْتَرْزِقٍ منَّا على أن يعينَنَا(1) فَنُغْنِيَهِ(2) ويُغْنينا؟
هل من مُسْتَرْفِقٍ(3)عنَّا على أن يُغِيثَنَا(4)، فَنُدْنِيهِ من مجلسِ قُربنا ويُدْنِينَا؟
هل من فاضلٍ يمشي في مَمْشَى أصحابِ الرَّذالةِ؟
هل من كاملٍ يسعى في مسعى أربابِ الجهالةِ؟
هل من محرم يُحْرِمُ بنيَّةِ اللَّعن والطَّعن؟
هل من مُلزمٍ يَلْتَزِمُ وقوفاً في موقفِ الخُيلاءِ(5) والشَّحناءِ(6)، يطوفُ بيتَ الخصومِ، ويطيعُ جِبْتَ(7) الرُّعونةِ، ويرمى بالجمراتِ اللِّسانيَّةِ، ويجري في الكدراتِ الجنانيَّةِ، فَيُتِمَّ الحجَّ(8)، ويُبْرِمَ(9) العجَّ؟
هل من مُعينٍ يدفعُ عنَّا النَّوائبَ(10)، ويرفعُ عنَّا المصائبَ، ويَسْهَّرُ في غياهِبِ(11) اللَّيلِ الطَّويلِ، ويُسْفِرُ في سباسبِ(12) النَّيلِ الجليلِ، ويُنَجِّي من قواضِبِ(13) المعترضِ، ويُنْجِي(14) من ثواقبِ المُنْتَهِضِ، ويَصِيحُ عليه صياحَ الأسدِ المُغَالِبِ، ويَضِيعُ بالرَّدِّ عليه ضياعَ عبدِ المعائبِ، ويَلْدَغُهُ لَدْغَ العقارب(15)ِوإن لم يكن من الأقاربِ؟
هل من مُبيِّنٍ يُبَيِّنُ مثالبَ الموردِ وأَساتِذَتَهُ، ويَشيِّنُ(16) كتائبَ الموردِ وتلامذتَهُ؟
هل من مجيبٍ يُجيبُ عن إيراداتِهِ، ويَعِيبُ عليه زلاَّتَهُ؟
(1) من الاعانة.أ.
(2) من الاغناء.أ.
(3) طالب الرِّفق.أ.
(4) من الاغاثة.أ.
(5) التكبر.أ.
(6) الشحناء.أ.
(7) الجِبْتُ: كلمة تقع على الصَّنم، والكاهن، والسَّاحر، ونحو ذلك. ((مختار))(91).
(8) الحجّ: القصد.أ.
(9) أي كمَّل.أ.
(10) الحوادث.أ.
(11) جمع غيهب بمعنى الظلمة.أ.
(12) جمع سبسب، هي الأرض الخالية البعيدة.أ.
(13) جمع قاضب، هو السيف القاطع.أ.
(14) من التَّنجية.أ.
(15) إشارة إلا ما قيل أقارب كالعقارب ـ في أذاها ـ فلا تغرر بعمٍ أو بخال،فإن العم زاد الغم منه ،وإن الخال عن خيرات خال.
(16) من التشين، بمعنى التعيب.أ.
هل من مُنِيبٍ يُخاصِمُهُ كخِصَامِ مَن إذا خاصمَ فَجَرَ، وإذا شاتَمَ هَجَرَ، وإذا أجاب مَكَرَ، وإذا أَنَابَ غَدَرَ؟
ولمَّا وصلَ هذا النداءُ والأذانُ، بهذه الكلمات بالجهرِ والإعلانِ إلى كلِّ فجٍّ عميقٍ، وكلِّ بيتٍ عتيقٍ، أجاب جمع من الأنصارِ بالتَّلبيةِ قائلين: لبَّيك يا أيُّها المنادي للتَّسْليةِ، وقام واحدٌ منهم ممن يُوسَمُ بالعلمِ والكمالِ، ويُرْسَمُ بالحلمِ والجمالِ، فتقمَّصَ بقُمص(1)الإختفاءِ، وتلبَّسَ بفُرشِ(2) الإعتداء، فشدَّ الرَّحلَ إلى هذا العَمل، راكباً كلَّ ضامرٍ(3)، سابقاً على كل عابرٍ(4)، وأنشد ما أنشدَه الحَرِيريّ(5) في ((مقاماتهِ))(6)، في أثناءِ حكاياته.
لزمتُ السِّفارَ، وجُبْتُ القِفَارَ
وعِفْتُ النِّفار(7)؛ لأجني الفرَحَ
وخُضتُ السُّيولَ، ورُضْتُ الخيولَ
لجرِّ ذيول الصِّبى والمَرَح(8)
ومِطتُ الوَقار، وبِعتُ العقار
لحسو العُقار، ورشفِ القدحِ
وقال لشركائِهِ وأحزابِهِ: يا أيُّها الإخوانُ والأخدانُ: إنَّا أُطروفةُ الزَّمان، وأُعجوبةُ الأوان، أنا الذي وصفَهُ الحَرِيري في ((مقاماتهِ))(9) بقولِهِ:
أنا أطروفةُ الزَّمانِ
وأعجوبةُ الأُمَّمِ
(1) جمع قميص.أ.
(2) جمع فراش.أ.
(3) ناقة ضامر: وفرس أيضاً إن تعلفه حتى يسمن ثم تردّه إلى القوت، وذلك في أربعين يوماً. ((مختار))(ص384).
(4) مسافرٍ.أ.
(5) هو القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري البصري، أبو مُحَمَّد، نسبته إلى عمل الحرير أو بيعه، من مؤلفاته: ((مقامات الحريري)) وسمَّاه ((مقامات السروجي))، و((درة الغواص في أوهام الخواص))، و((توشيح البيان))، (446-516هـ). ((وفيات))(4: 63)،((النجوم الزاهرة))(5: 225)، ((الأعلام))(6: 12).
(6) في المقامة الثانية والعشرين.أ.
(7) في ((المقامات))(ص42): ((الغفار)).
(8) انتهى من ((مقامات الحرير))(ص42-43).
(9) في المقامة الثانية عشر.أ.
وأنا الجوَّالُ(1) الذي احتالَ
في العربِ والعجمِ(2)
أنا الذي احتالَ بالمحالِ
واختالَ في الخيالِ
أنا الذي أُسارعُ(3) إلى الجدالِ
وأدافعُ(4) بالقتالِ
أنا الذي حَجَجْتُ، وعن زيارةِ سيِّد القبورِ وقبرِ سيِّد أهل القبورِ أبيتُ، وبحرمتها أَفْتَيْتُ، وفي إبطال شرعيتِها رَصَّفتُ.
فهذه خصيصةٌ اختصصتُ بها من بينكم، ونقيصةٌ اتصفتُ بها دونِكم، فلا يتحمل ذلك الحِملِ العظيمِ إلا أنا، ولا يتكفَّلُ بذلك الكفلِ الجسيمِ إلا أنا، إذ الخصومةُ بالخسيسةِ المذكورةِ، لا تتيَّسرُ إلا ممّن اختصَّ بالخصيصةِ المسطورةِ.
ففوضوا إليَّ هذا الانتظامَ، وأنتم شركائي في الاهتمامِ، أعينوني بقوةٍ أعينوني(5)عند كلِّ شدَّة، أجعلْ لكم ردْماً، لا يُهدَمُ هَدْماً.
فعند ذلك خضَّعوا رؤسَهُم، وأطاعُوا رئيسهم، وشدُّوا الإزرارَ؛ للإعانةِ في الانتصار، وتوجَّه كلُّ منهم، إلى ما يليقُ بهم، وتوجَّه ذلك النَّصيرُ، المختفي تحتَ السَّريرِ، إلى تأليفِ رسالةٍ كبيرةِ الحجمِ، وعُجالةٍ كثيرةِ السَّقَمِ، سمَّاها كتسميةٍ العاندِ الكاسدِ بـ((تبصرةِ النَّاقدِ بِردِّ كيدِ الحاسدِ)).
(1) في ((المقامات))(ص43): ((الحول)).
(2) انتهى من ((مقامات الحريري))(ص43).
(3) من المسارعة.أ.
(4) من المدافعة.أ.
(5) تضمين لقولِهِ تعالى حكاية قول ذي القرنين عند بلوغه ما بين السّدين:{مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا}، [الكهف:95].أ.
واشتغلَ فيها على ما سيأتي، فيما يأتي، بمكرِ الغادرينَ، غافلاً عن قولهِ تعالى:{وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}(1)، وأتى فيها بما لا يَصْدُرُ مُثْلُهُ عن أهل الصِّبَى، فضلاً عن من عُدَّ من أهلِ التُّقى، واستعملَ اللِّسانَ ـ وهو الذي إذا فَسَدَ(2) فَسَدَتْ الأركان،ُ وإذا صَلُحَ صَلُحَتْ الأركانُ ـ في السبِّ والشَّتمِ والطُّغيان، كاستعمالِ العاجزِ عن إقامةِ البُرهانِ.
فإنَّهُ إذا يئسَ الإنسانُ، طالَ اللِّسانُ، وأَبَى عن قبولِ النُّصحِ النَّصيحِ، والنَّضحِ النَّضيحِ، واستقلَّ بإيرادِ الحشوِ واللّغويات، وأَلَغى بإيراد اللَّهوِ والهزلياتِ، واستغلَّ باعتلالِ الصَّحيحِ، وإبطالِ النَّجيحِ، وغَوَى بتصحيحِ القبيحِ، وترجيحِ الشَّنيعِ، وتجرَّدَ عن لباسِ التَّهذيبِ الآدميِّ، فضلاً عن التَّهذيبِ العلميِّ، وتعبَّدَ لطريقةِ الشِّيعيِّ من سبِّ الشَّيخين(3)، ومن بهما يَقْتَدِي، فَسَبَّ وَسَبَّ، وكَرِبَ وغَضِبَ، وشَتَمَ وانْتَقَمَ، وهَجَرَ وهَدَرَ(4)، وجَهِدَ في طعنِ الأماثل، وجَحَدَ(5) عن عينِ الأفاضلِ، وصاحَ صيحةَ المباهي، وراحَ روحةَ المُهاجي فعرفَ بالهاجي، بعدما كان يُعرفُ بالحاجي.
(1) من سورة آل عمران، الآية(54).
(2) في الأصل: ((فسدت)).
(3) الشيخان اللذان يسبهما الشِّيعي هو أبو بكر وعمر، والشَّيخان اللَّذان سَبَّهما هذا المتعبدُ، هو الرَّاد اللَّكْنَوِيّ ووالده.أ.
(4) هَدَرَـ البعيرـ: أي ردَّد صوته في حنجرتِهِ. ((اللسان))(6: 4633).
(5) أنكر.أ.
ولم يميِّزْ بين القشرِ وبينَ اللُّبابِ، ولا بينَ الدُرِّ وبين التُّرابِ، ولا بين الدَّرِّ وبين اللُّعابِ، ولا بين القدْرِ وبين الحِلابِ(1)، ولا بين الزُّرقةِ(2)وبين الكُدرةِ، ولا بين الصفُرةِ وبين الغُبرةِ، ولا بين الصَّوتِ الحَسَنِ(3)وبين الصَّوت الغير الحَسَنِ، ولا بينَ الغناءِ وبين البكاءِ، ولا بينَ التَّرنُّمِ وبين التألُّمِ، ولا بين الرُّتِ(4) وبين الفُراتِ(5)، ولا بين الغُلاةِ(6) وبين البُغاةِ(7)، وبين الأثباتِ الثِّقاتِ، ولا بين الحِبْرِ وبين الصِّفر، ولا بين الجَفْر(8) وبين الصَّقرِ.
وخلاصةُ نصرتِهِ مع إطنابِ كلامِهِ، وإعجابه ببيانهِ:
إن الأغلاطَ الواقعةَ في تصانيفِ المنصورِ:
إمَّا من زلاتِ قَلَمِ النَّاسخِ المغرورِ.
وإمَّا من سقطاتِ مَن نَقَلَ عنه المنصورُ، وإنَّه ناقلٌ غيرُ ملتزمٍ لصحَّةِ ما ينقلُهُ، ولا مُهْتَمٌ بحقِّيةِ ما يَنْتَحِلُهُ، فكلُّ المباحثِ المتعلقةِ بدفع الإيراداتِ في ((التَّبصرةِ)) دائرةٌ بين هذين الأمرينِ .
فتارةٌ يقولُ: إنَّه من زلاتِ النَّاسخِ.
وتارةٌ يقولُ: إنَّ صاحبَ ((الإتحافِ)) ممن هو غيرُ ملتزمِ الصِّحَّةِ، وقدمُهُ في العلومِ ليس براسخٍ.
(1) وهو ظرف يحلب فيه.أ.
(2) نيلكوني، وهو أحسن الألوان بلون السماء.أ.
(3) قال الله تعالى: { إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}، [لقمان: 19].
(4) الرُّتُ: عجلة في الكلام وقيلَّة أناةٍ. ((تاج العروس))(4: 524).
(5) الفُرات: الشديد العذوبة.((تاج العروس))(5: 24).
(6) جمع الغالى.أ.
(7) جمع الباغي.أ.
(8) الجَفْرُ: بفتح الجيم، ما بلغ أربعة أشهر من أولاد المعز، وفصل عن أمِّه، سمي بذلك لأنه جفر جنباه، أي عظما، والجمع أجفار، وجفار. ((حياة الحيوان))(1: 197).
ولا يَخْفَى على أهل النُّهى(1)، أن هذه نصرةٌ لا يَرْضَى بها أهل الحِجَى، بل يسخطُ عليها المنصورُ ويَرْدَى، فإنَّ عدمَ التزامِ صحَّةِ المنقولِ، وعدمَ الاهتمام بثقةِ المَنْحُولِ(2)، ليس من شأن أربابِ العقولِ، بل من شأن أصحابِ الغُفولِ(3).
وهو وصفٌ لا يَرْتَضي به الفاضلُ الكاملُ، الواصلُ العاقلُ، اليافعُ النَّافعُ، الرَّافعُ النَّاصعُ، المعلِّمُ المدرِّسُ، المكرَّمُ الغير المُلَبِّسُ، بل هو وصفٌ لا يَتَصِفُ به إلا حاطبُ اللَّيلِ، كاسبُ الويلِ، سارقُ الإبلِ والخيلِ، غارقُ أوديةِ(4) السَّيْلِ(5)، مُطفِّفُ الوزنِ(6)والكيلِ، مُعرِّفُ(7) الوَهْنِ والمَيل(8)، الباعدُ عن مسلكِ أحسنِ القَيلِ(9)، الحائدُ(10) عن منسكِ أحسنِ النَّيلِ، السالكُ مسالِكَ أهلِ الظَّلامِ، النَّاسكُ مناسكَ اللِّئامِ(11)، الغيرُ الفارق بين الشِّمالِ واليمين، وبين الغثِّ والسَّمين، وبين الشَّيخِ والجنين، وبين البناتِ والبنين، وبين الخائنِ والأمينِ، وبين الضَّحكِ والأنينِ(12)، وبين الصَّوتِ العرفي والطَّنينِ(13)، وبين المنزَّهِ والظَّنين(14)، وبين السخيِّ والضَّنين، وبين الرَّجيحِ والمهينِ(15)، وبين القبيح والمتينِ، وبين الطلِّ والماءِ المعينِ، وبين المكانِ والمكينِ.
(1) جمع نهية، بمعنى العقل.أ.
(2) أي المأخوذ.أ.
(3) غفلت.أ.
(4) جمع وادٍ.أ.
(5) المراد به الماء الذي يجري في الوادي.أ.
(6) من التطفيف، قال تعالى:{وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ}، [المطففين:1-3].أ.
(7) من التعريف.أ.
(8) أي عن الحق.أ.
(9) بمعنى جيش العلماء.أ.
(10) أي المائل.أ.
(11) جمع لئيم.أ.
(12) صوت المريض عند التفجع.أ.
(13) أي صوت الأذان.أ.
(14) أين المتهم.أ.
(15) ضعيف.أ.
وهو الذي يقالُ إنه متمائلٌ متجاهلٌ، متغافلٌ متساهلٌ، وإنه ليس بناقلِ بل منتحلٍ وسارقٍ، ولإجماع الأمةِ خارقٌ، وفي بحرِ التَّنقلِ غارقٌ، وفي نهرِ التَّغفلِ شارقٌ، وإنه ليس بمعتمدٍ ولا مستندٍ، ولا منتقدٍ ولا معتضدٍ، وإنه غافلٌ غيرُ عاقلٍ، أو عاقلٌ داجلٌ غير فاضلٍ وإن تحريراتَهُ غيرُ معتبرةٍ، وتقريراتَهُ غير مستندةٍ.
والحاصلُ أنّ عدمَ التزامِ الصِّحةِ، وصفٌ يَبْعُدُ عنه كلُّ ثقةٍ، ولا يَقْصِدُهُ إلا المُنْحَّط عن أعلى الدَّرجةِ إلى أسفل الدَّرجةِ.
نَعَمْ؛ لا يُسْتَنْكَرُ من العلماءِ طغيانَ القلمِ، وزلَّةَ القدمِ، أحياناً، فإن هذا لازمٌ عرفيٌ لمن كانَ إنساناً.
وأمَّا كثرةُ ذلك، وعدمُ التزامِ ما يَنْقُلُهُ هنالك، فهو من أشرِّ المسالكِ، وأضرِّ المبارِكِ، وأَشْنَعِ المهالكِ، وأَقْبَحِ المناسكِ، وأَنْتَنِ المداركِ، وأَوْهَنِ المعاركِ، لا يسلك عليه إلا مَن طَغَى وغَوَى، ولَهَى، وسَهَى، وعصى، ولم يَنْهَ النَّفسَ عن الهوى، ولم يخترْ سبيلَ الهُدى؛ ولذلك ترى الأفاضل، يُنْكِرُونَ أشدَّ النَّكيرِ، ويُوجِبُونَ التَّعزيرَ، على مَن اتصفَ بهذا، وإن كان من الأماثل، كما ستطَّلِعُ على تفصيلِهِ في موضع يليقُ به، وما أحسنَ قولَ من أفادَ، فأجادَ:
وللزُّنبور(1) والبازي جميعاً
لدى الطَّيرانِ أجنحةٌ وخفقٌ
ولكن بين ما يصطادُه بازٌ
وما يصطادُه الزُّنبورُ فرقٌ
والذي يُحلَّفُ(2)به، مثل هذه النُّصرةِ المنجرةِ إلى سواءِ الخصلةِ، لا يصدر إلا من صاحبِ الغفلةِ، كاسبِ الفضلةِ، {و(3)َاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ، وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ}(4).
(1) الزُّنبور: الدبر، وربما سميت النحلة زنبور أو الجميع الزَّنابير. ((حياة الحيوان))(2: 9).
(2) يعني الله تعالى.أ.
(3) الوو قسمية، وفيه اقتباس من سورة كورت.أ.
(4) من سورة التكوير، الآيتان(17،18).
لو نصرني أحدٌ مثلَ هذا النَّصرِ، لزجرتُهُ بأشدِّ الزَّجرِ، وهجرتُهُ بأسدّ الهجرِ، وحجرتُهُ(1)عن هذا المَكْرِ، ومنعتُهُ من هذا الغَدْرِ، وعزلتُهُ عن منصبِهِ إلى أن يدخلَ في القبرِ، ونفيتُهُ(2)من بلدتي إلى المكانِ القفرِ(3)، وأغرقتُهُ في النَّهرِ أو البحرِ، وأحرقتُهُ قبل الحشرِ والنَّشرِ.
وقلتُ له: يا أيُّها الغافلُ الباقلُ، المتكبِّرُ مَقَالاً، المُتَصَغِّرُ فِعالاً؛ اخترتَ توجيهَ الكلامِ، بما لا يَرْضَى به قائلُهُ، وتمويه المرامِ بما لا يَسْعَى به عاملُهُ، وأضفْتَ إليَّ وَصْفَاً ليس من شأن النُّبلاءِ، ونسبتَ إليَّ حِرَفاً ليس من شأن الفضلاءِ، وجَعَلْتَنِي مُتَّهَماً عند كلِّ ثقةٍ، حيث لقَّبْتَنِي بغيرِ مُلْتَزمِ الصِّحَّةِ، وأخرجتني من زمرةِ أربابِ الرُّشدِ والسَّدادِ(4)، وأصحابِ النَّقدِ والرَّشادِ، مستَحِقَّاً للبِعادِ، عند العبادِ، مُحرَقاً كالرَّمادِ.
ظننتَ أني أنجو من المَهْلَكةِ، بمثلِ هذه المفسدةِ، وأرفو(5)خِرْقتي الباليةِ، بمثلِ هذه الطَّريقةِ الغاليةِ.
وقد أخطأتَ فيما ظننتَ، وغَلِطتَ فيما تَوَهَّمتَ، وحقّ لك أن يقالَ في حقِّك: أنتَ أنفٌ في السَّماءِ، وأَستٌ(6) في الماءِ(7)(8).
هذه طريقةٌ مَرميّةٌ(9)، وغيرُ مرضيةٍ، يُشَبَّهُ سالكها بمن بَنَى بَيْتَاً وهَدَمَ قصوراً مَبْنِيَّةً، وبمَن فرَّ عن المطرَ، واستقرَّ تحتَ الميزاباتِ المجريةِ.
(1) منعته.أ.
(2) أي أخرجته.أ.
(3) الخال عن العمارة.أ.
(4) الصواب.أ.
(5) رفأ ـ الثَّوب ـ: أصلحه وبابه قطع، وربما لم يُهمزْ. ((مختار))(ص219).
(6) الأست: التي بمعنى السافلة: هي الدُّبُرُ. ((تاج العروس))(4: 24).
(7) هذا يضرب لمن يتكبَّر مقالاً ويصغرُ فعالاً.أ.
(8) ذكر في ((مجمع الأمثال))(1: 22)، وقال في معناه: يضرب للمتكبر صغير الشأن.
(9) أي متروكة.أ.
هذه شريعةٌ منسوخةٌ وَمَمحَّوةٌ، ومَعْيُوبةٌ ومَعْتُوبةٌ، ومَرْدُودةٌ ومَطْرُودةٌ، ومَقْهُورةٌ ومَدْحُورةٌ، ومَغْبُونةٌ غيرُ مَصُونةٍ، ومَتْرُوكةٌ غيرُ مسلوكةٍ، يُشَبَّهُ عاملُها بالفَجرةِ الفسَقَةِ، عليها غَبِرةٌ، تلحقها قَتَرةٌ(1).
هذه نصرةٌ عاطلةٌ(2) باطلةٌ، فاسدةٌ كاسدةٌ، خامدةٌ(3) جامدةٌ(4)، زائغةٌ(5) ضائعةٌ(6)، خافضةٌ خارقةٌ، حالكةٌ(7) هالكةٌ، قاسيةٌ(8) عاصيةٌ، طاغيةٌ باغيةٌ، واهيةٌ لاهيةٌ، ساهيةٌ ناسيةٌ، كارهةٌ فاسقةٌ، كافرةٌ فاجرةٌ، خائبةٌ خاسرةٌ(9).
وما(10) أدراك ماهيه، ناقصةٌ عاويةٌ(11)، ناهقةٌ عاديةٌ(12)، حامضةٌ راسبةٌ، حائرةٌ هائمةٌ، حائمةٌ واشمة،ٌ خاليةٌ عاريةٌ، داخرة(13) غاوية،ٌ كاوية كاسفةٌ(14)، ماحيةٌ خاسفةٌ، حارقةٌ(15) غارقةٌ(16)، ناشزةٌ باردةٌ(17)، حافيةٌ(18) عاتيةٌ(19)، فاحشةٌ غاشيةٌ، {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}(20).
(1) اقتباس من قوله تعالى: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ، تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ، أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ}، [عبس: 40-42].أ.
(2) هذه أسماء الفاضل، بعضها: حملت على النُّصرةِ باعتبار قيام مبادئها بها، وبعضُها باعتبار الإضافة والنسبة ،نحو: تامر، أي: بائع التمر، وبعضُها: باعتبار وصف صاحبها.أ.
(3) من الخمود.أ.
(4) من الجمود.أ.
(5) من الزيغ.أ.
(6) من الضياع.أ.
(7) الحلوك: السواد.أ.
(8) من القساوة.أ.
(9) من الخسران.أ.
(10) اقتباس من سورة القارعة.أ.
(11) من عوى الكلب.أ.
(12) من العداوة.أ.
(13) ذليلة.أ.
(14) ذا كسوف.أ.
(15) من الحرق.أ.
(16) من الغرق.أ.
(17) من البرودة.أ.
(18) خافية من الخفاء.أ.
(19) من العتى.أ.
(20) من سورة الغاشية، الآية(1).
هي واقعةٌ فارغةٌ، داهيةٌ(1) قامعةٌ، حافيةٌ(2) قالعةٌ، ألا وهي الحالقةُ، لا أقول حالقةَ شعرِ الرأسِ واللِّحيةِ، بل حالقةَ الشِرْعة النَّاجية(3).
لعَمر إلهك، أيها النَّاصرُ النَّادرُ، واللهُ يغفرُ لكَ، هذه نصرةٌ لا أرضى به أنا ولا ربيّ، ولا يَرْضى به مَن دوني، من الأداني والأقاصي، والطَّلبةِ والكملةِ، والعوامِّ والكِرامِ.
وكيف؛ فإنَّك ابتدعتَ لي ما يفرُّ منه كلُّ عادلٍ، واخترعتَ لي ما لا يُقِرُّ عليه إلا عاطلٌ، وأتيت بما لم يأتِ به أحدٌ من الأنصارِ، وحكمتَ بما لم يحكمْ به أحدٌ من الأخيارِ، وكسرتَ قَصْعَتي مع ما اشتهر لا تكسر القَصْعَة(4)، وفتحَتَ خزانتي مع ما اشتهرَ لا تفتحْ الخزانةَ، ولحستَ صَحفتي(5) كلحسِ الهِّرةِ، وصرفتَ أمانتي مع حرمةِ الخيانةِ، فإنَّك لَمَّا أقررتَ لي، وقولك كقولي:
أني لستُ بملتزمِ الصِّحَّةِ، ولست بمهتمٍّ بالقوَّةِ.
وأنَّي ناقلٌ محضٌ، ليس لي بصحَّةِ ما أذكرُهُ أو ببطلانِهِ غرضٌ.
(1) مصيبت.أ.
(2) من الجفا.أ.
(3) إشارة لحديث الزبير بن العوام عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، قال: (دبَّ إليكم داءَ الأمم: الحسد والبغضاء، هي الحالقةُ لا أقولُ تحلَّقُ الشَّعْرِ، ولكن تحلقُ الدِّين، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنَّةَ حتَّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتَّى تحابوا، أفلا أنبئكم بما يثبت ذلك لكم أفشوا السلام بينك). رواه الترمذي في ((سننه))(4: 664) رقم(2510). والبيهقي في ((السنن الكبرى))(10: 232) رقم (20854).
(4) في الجملتين المشتهرتين لطافة لا تخفى، والغرض الظَّاهر منه، أن خاء الخزانة غير مفتوحة، وقاف القصعة غير مكسورة.
(5) الصفحة كالقصعة وزناه معنى.أ.
هلكتْ كلُّ مجموعاتي، وخربتْ كلُّ منقولاتي، وفسدتْ كلُّ منظوماتِي، وكسدتْ كلُّ منثوراتي، وارتفعَ الأمانُ عن تصنيفاتي، وامتنعَ الاطمئنانُ بتأليفاتي، فإنَّ كلُّ مَن له أَدْنَى عقلٍ، ولهُ حظٌ أَوْفَى من النَّقل، يعلمُ أنَّ حاطبُ اللَّيلِ لا عِبرةَ بما يكتبُهُ، وراكبُ الويلِ لا ثقةَ بما يكسبُهُ، لاسيما إذا غَلَبَتْ الزَّلاتُ وكَثُرَتْ السَّقَطات، وكَبُرُت المغالطات، وعَظُمَتْ المسامحات، فتلكَ لعمري داهيةٌ كبرى، وواقعةٌ عظمى.
وما أحسنَ قولُ بعضهم في شأن إبراهيم بن حسن أبي الحسن البِقَاعي(1)، المذكورُ ترجمتُهُ في ((الضَّوء اللامع)) للسَّخَاوِيِّ(2):
إن البِقَاعي البَذيء لفحشِهِ
ولكذبِه ومُحالِهِ وعقوقهِ
لو قال: إن الشَّمس تظهرُ في السَّما
وقفتْ ذوو الألبابِ عن تصديقه(3)
وخلاصةُ المرامِ في المقامِ:
(1) هو إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي، أبو الحسن، برهان الدين، أصله من البقاع من سورية، من مؤلفاته: ((نظم الدرر في تناسب السور))، و((عنوان الزمان في تراجم الشيوخ والأقران))، و((جواهر البحار في نظم سيرة المختار))، (809-885هـ.). ((الضوء اللامع))(1: 101-110)، ((البدر الطالع))(1/ 19-22)، ((الأعلام))(1: 50).
(2) هو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السَّخَاوِيّ القاهريّ الشَّافِعِيّ، شمس الدِّين، نسبة إلى سخا بلدة غربي الفسطاط، وكانت النسبة إليها عند المتقدمين السخوي، قال الإمام اللكنوي: قد طالعت من تصانيفه: ((فتح المغيث))، و((المقاصد الحسنة))، و((ارتياح الأكباد بفقد الأولاد))، وكلُّها نفيسةٌ جداً مشتملةٌ على فوائد مطربة. (831-902هـ). ((التعليقات السنية))(ص69)، ((الضوء اللامع))(8: 2-32)، ((النور السافر))(ص18-23)، ((الأعلام))(7: 67-68).
(3) انتهى من ((الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع))(1: 105).
أنَّ ناصرَ صاحبِ ((الإتحافِ))، و((الحِطَّةِ))، مؤلِّفَ ((التَّبصرة))، قد نصرَهُ بنصرةٍ صارَ بها بين الطُّلاَّب ضُحْكَةً(1)، وبين الكُتَّابِ(2)لُعْبَةً(3)، وأَمَدَّهُ بما صارَ به ضربَ المثلِ في الجدلِ، والحَدْلِ(4)، والخَطَلِ(5)، ومشى على طريقةٍ صار به معيوباً، وسعى في حديقةٍ صار به معتوباً.
ولا عجبَ منه، فإنَّ صاحبَ الغرضِ مجنونٌ، والأجيرُ المرهونُ مفتونٌ، إنِّما العجبُ من السَّيِّدِ المنصورِ، كيف ارتضى بمثل هذا النَّصرِ المهجورِ، الذي لا يَرْتَضِي به مَن له أَدْنَى شعورٍ، فضلاً عمّن له في بحرِ العلومِ عبورٌ.
وقد كنتُ أسمعُ من مدَّةٍ مديدةٍ خبرَ(6)تأليف هذه ((التَّبصرة))، وطبعِها، وثنائِها من أفواهِ الرِّجالِ الجُّهالِ ومدحِها.
فكنتُ أقوالُ: ليس الخبرُ كالمعاينةِ، ولا يعتبرُ بملح أربابِ المزابنةِ.
وقد مَضَتْ على هذا المنوالِ عدَّةُ سنينٍ، وهي تطبعُ شيئاً فشيئاً، قدرَ ما يؤلِّفُ شيئاً فشيئاً، في بلدةِ دهلي في مطبعِ السَّيِّدِ معظم الفاروقي الأمين، وتُبالغُ في إخفاءِ سُطورِها وأوراقها حتَّى لا يَطَّلَعَ أحدٌ من النَّاسِ والأكياسِ على غرورِها وأسقامِها، ويُدافعُ عن مطالعةِ ما فيها؛ لئلا يوصلَها أحدٌ إلى من يُمزِّقُها ويشتِّتُها، ويُحرِّقُها ويفُرِّقُها.
(1) يضحك عليه.أ.
(2) جمع كاتب.أ.
(3) ما يعلب به.أ.
(4) الحَدْلُ: حادلني فلانٌ محادلةً: إذا راوغك. ((اللسان))(2: 806).
(5) الخَطَلُ: الكلام الفاسد الكثير المضطرب. ((اللسان))(2: 1202).
(6) في الأصل: ((خير)).
ولمّا فضَّ بالاختتامِ خِتامُها، وبلغَ إلى الإتمامِ انطباعُها واهتمامُها، وانتشرتْ في الأطراف كانتشارِ الذُّبابِ، كلمَّا ذُبَّ(1)آب(2)(3)،َ واشتهرتْ في الأكنافِ كاشتهارِ السَّرابِ{بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا}(4)، إلا الرَّملَ والتُّرابَ، وَصَلَت إليَّ نسخةٌ منها، وكنتُ مشتاقاً إلى معاينةِ جمالهِا، ومشاهدةِ كمالِهِا، ورفعِ نقابِهِا، ودفعِ حجابِها، ظنَّاً مِنيّ أنَّها مخدَّرةٌ جميلةٌ، معَزَّزَةٌ بين أقرانِها، ومفِرِّجةٌ(5) شكليةٌ، معزَّرةٌ(6) بين أشباهِها.
فبعدَ ما لمستُها بيدَيَّ، ونظرتُها بعيَنيَّ، وجدتُها كاسدةً، غير نافقةٍ، لا تُباعُ ولا تشترى في سوقِ العلمِ والعُلى بفلوسٍ رائجةٍ، فضلاً عن دراهمَ ناحزةٍ(7)، ومن يشتريها اغتراراً بشهرةِ جمالِها يردُّها إلى بائعِها بخيارِ العيبِ والرُّؤيةِ، ويضمّنَ بائعَها ما أدَّى إليه من القيمةِ.
بل هي حقيقةٌ بأن لا يقبَّلَها أحدٌ من أصحابِ الفقهِ والسُّننِ، وإن أعطاهُ أحدٌ من تجَّارِها بغيرِ ثَمَنٍ، وهي مملؤةٌ بصنوفٍ من المكرِ والتَّزويرِ، وغيرها ممّا يُنْكَرُ عليه أشدُّ النَّكيرِ:
(1) دفع وطرد.أ.
(2) رجع.أ.
(3) فيه إشارة إلى وجه تسمية الذُّباب به.أ.
(4) من سورة النور، الآية(39).
(5) من التفريج.أ.
(6) من التعزير بمعنى التوقير.أ.
(7) قال الزَّبيدي في ((تاج العروس))(15: 347): النَّاحزُ: أن يصيب المرفقُ كِرْكِرَةَ البعير، فيقال: به ناحزٌ.
منها: أنَّ مؤلِّفَها اتَّخذَ نفسَه عبداً للنَّصيرِ، واختفَى عن ميدانِ المناظرةِ، كاختفاءِ المختفي تحتَ السَّريرِ، ونكثَ بيعَتَه وعهدَهُ، ونفثَ توبَتَهُ ووعدَهُ، وصارَ من الذين يأمرونَ الغيرَ بالبِرِّ وينسَونَ أنفسَهم، وهم يتلُون الكتابَ، وسارَ(1)مع الذينَ يرون القَذى في أعينِ الغيرِ، ولا يرَون ما في أعينِهم، وهم يدَّعونَ كَوْنَهم من أهلِ السُّنةِ والكتابِ(2)، وأيُّ صُنعٍ أقبحُ من هذا الصَّنيعِ، زَجَرَ غيرَهُ عن مثلِهِ، وتابَ عن نحوِهِ، ثمَّ ارتكبَ هذا القبيحَ.
ومنها: أَنَّهُ سمَّى رسالتَهُ بتسميةٍ أنبأتْ عن تهذيبِه، وأخبرتْ عن تخريبِهِ، فإنَّ مثل هذه التَّسميةِ، أي: ((تبصرةُ النَّاقدِ بردِّ كيدِ الحاسدِ))، وكذا تسميةُ الرِّسالةِ السَّابقةِ بـ((شفاءُ العَيِّ، عمَّا أوردَهُ الشَّيخُ عبدُ الحَّيِّ))، ليسَ ممّا يختارُهُ أربابُ الإنصافِ من المناظرين، ولا يختارُهُ إلا أربابُ الاعتسافِ من المكابرين، ممَّن يَتَفَرْعَنُ ويَتَشَيْطَنُ، ويُتغفَّلُ ويُتجهَّلُ.
ألا أيُّها ذا اللائمي في خليقي
هل النَّفسُ فيما كان منك تلوم
فكيف ترى في عين صاحبك القَذَى
وتنسى قَذَى عينيكَ، وهو عظيمُ
(1) من السير.أ.
(2) أي أهل القرآن والحديث.أ.
ومنها: أَنَّهُ سوَّدَ الأوراقَ من الابتداءِ إلى الصَّفحةِ الثَّامنةِ والثَّمانينَ بعد المئتين في المباحثة معي، ومن هناكَ إلى الانتهاءِ أعني الصَّفحةَ الثَّامنةَ والتِّسعينَ بعد أربعمئةٍ في المباحثةِ مع غيري، وهو الفاضلُ السِّلْهتي(1)، مؤلِّفُ: ((الرَّدِّ المعقول في ردِّ النَّهجِ المقبولِ))، ومع ذلك شهَّرَ في العنوان، سالكاً مسلكَ العدوان، إن هذا جوابٌ لإبرازِ الغَيِّ للخصمِ اللَّكْنَوِيِّ، وأي عيٍّ(2)أشدُّ من هذا، وأي غيٍّ أزيد من هذا، يردُّ على رجلينِ، ويجيبُ عن خصمينِ، وينسبُ كلَّه إلى ثانيَ اثنينِ، ويحذفُ ذِكْرَ أحدهما من البَيْنِ، وما ذلك إلا ليظنَّ الظانُّ الجاهلُ، المشبه بالجانِّ الخاملِ، أن مؤلِّفَها متبحرٌ كاملٌ، ومتبقرٌ كافلٌ، حيثُ ردَّ ((إبرازَ الغَّيِّ))، وهو رسالةٌ صغيرةُ الحجمِ، بمثلِ هذا التَّحريرِ كبيرِ الحجمِ.
ومنها: أَنَّهُ مَهَّدَ مقدمةً لإصلاحِ تصانيفَ صاحبِ ((الحِطَّةِ)) في الصَّفحةِ الحاديةِ والثَّلاثين، وهي أنَّ التَّواريخَ فيه مَسَاغٌ كثيرٌ؛ للإختلافِ، والإختلاطِ، والوهمِ…الخ.
وذَكَرَ لتأييدها من تلك الصَّفحةِ إلى الصَّفحةِ الخامسةِ والأربعين: مئةً وأربعةَ عشرَ مثالاً.
وأَىُّ مَكْرٍ أَكْبَرُ من هذا المَكْرِ، وهو من إحدى الكُبَرِ، سوَّدَ الأوراقَ بما لا نَفْعَ فيه، لِيَظُنَّ النَّاظرُ الغيرُ النَّبيهِ، أنَّ مؤلِّفَها رئيسُ الأفاضلِ، وأن ردَّه ردٌّ كافلٌ.
(1) هو عبد القادر بن محمد إدريس بن محمد محمود بن محمد كليم العُمَريّ الحَنَفي السِّلْهتيّ، نسبة إلى بلدة سلهت: بكسر السين المهلمة، وسكون اللام، آخرها تاء عجميَّة، من مؤلفاته: ((الدر الأزهر في شرح الفقه الأكبر))، و((الفوائد القادرية في شرح العقائد النسفية))، و((الرد المعقول على النهج المقبول))، و((الجوامع القادرية)). ((نزهة الخواطر))(8: 277). ((علماء العرب))(ص800).
(2) جهل.أ.
ولا يُدْرَى لِمَ اكتفى على هذا القدرِ من الأمثلةِ المُتَفَرِقةِ؛ لعلَّهُ انكسرَ قَلَمُهُ، أو فَنِي سَوَادُهُ، أو انشقَّ قرطاسُ المُسْوَدةِ، وإلا فمن الظَّاهرِ أنه لو جمع الاختلافَ الواقعَ في الأمورِ التَّاريخيةِ، لبلغَ تألِّيفُهُ إلى مجلداتٍ ضخيمةٍ، فيظهرُ فضلُهُ أزيدَ ممَّا ظَهَرَ عند الطَّوائفِ السَّقيمةِ.
ومنها: أَنَّهُ مَهَّدَ لإصلاحِ تصانيفِ صاحبِ ((الحِطَّةِ)) مقدمةٌ ثانيةٌ في الصَّفحةِ الخامسةِ والأربعين، دالةٌ على أن نقلَ الإختلافِ من غيرِ ترجيحٍ جائزٌ، وذَكَرَ له من السَّادسةِ والأربعين إلى الحاديةِ والتِّسعينَ: ثلاثاً وثلاثينَ ومئةٍ أمثلةٌ.
وأَيُّ لَهْوٍ أَوْهَنُ من هذا، ضيَّعَ أوقاتَهُ، وحرَّكَ أقلامَهُ، وسوَّدَ أوراقَهُ في كذا وكذا من غير أن يفيدَهُ شيئاً في الدُّنيا والعُقْبَى، وما ذلك إلا لِيتَوَهَّمَ مُتَخيِّلٌ أنَّ كتابَه اللاحقُ متكِفِّلٌ.
ومنها: أَنَّهُ سوَّدَ الأوراقَ في تمهيدِ المقدمةِ الثَّالثةِ من الصَّفحةِ الحاديةِ والسَّتينَ إلى الثَّالثةِ والسَّبعين، بما لا يُسمِّنُ ولا يُغْنِي، ولا يُفِيدُ ولا يُغْنِي، لِيَكْبُرَ حجمُ الكتابِ؛ فيظهرَ فضلُهُ عند جهَّالِ الطُّلابِ.
ومنها: أَنَّهُ مَهَّدَ في الصَّفحةِ الرَّابعةِ والسَّبعينَ مقدِّمةً خامسةً، وسوَّدَ لتأييدها من أوراقِهِ نحو ورقةٍ، وهو لا يُجدي نَفْعاً، ولا يُعطي فَتْحاً، إلا تَسويدَ القرطاسِ، والتَّبخترِ به عند عوامِّ النَّاسِ.
ومنها: أَنَّهُ عَقَدَ باباً ثالثاً لبيانِ أغلاطي الواقعةِ في ((إبرازِ الغَيِّ))، وغيرهِ من تصانيفي، وعدَّ منها من الصَّفحةِ الثَّالثةِ والثَّلاثين بعد المائتين إلى الثانيةِ والخمسينَ: مئةً وثمانيةَ وسبعينَ؛ ليكثرَ مدحُهُ عند المتعلِّتينَ، وأكثرُها متعلِّقٌ بتغيرِ النُّقاطِ الواقعةِ من أصحابُ الكتابةِ، أو بتغير الصِّلةِ.
ولعمري؛ لقد أتى بالعجبِ العُجابِ، يضحكُ عليه كلُّ صبيٍّ وشابٍّ، ويَبْكي على ضياعِ وَقْتهِ فيما لا يَنْفَعُهُ كلُّ مَن عُدَّ من أُولي الألبابِ.
وقد شَهِدَ كلُّ من اجْتَنَى ثمراتِ حديقةِ الفَهْمِ والكمالِ، واقْتَنَى بركاتِ غَديقةِ(1) العلمِ والجمالِ، إن مثل ذلك يشبِهُ أحاديثَ خُرافةٍ(2)، لا يصدُرُ إلا ممن بَلَغَ عُمُرَ الخرافةِ، ووَلَغَ في إناءِ البطالةِ والجهالةِ، ولنِعْمَ ما قالَ بعضُ الكرامِ:
كانوا بني أمٍّ ففرَّقَ شملَهُم
عدمُ العقولِ وخِفَّةُ الأحلامِ
ولهذا لم أتعرضْ عند التَّعرضِ بأغلاطِ صاحبِ ((الإتحاف)) بمثلِ هذا الاعتسافِ، فلو عددتُ أغلاطَهُ الواقعةَ في تصانيفِه بالعربيَّةِ والفارسيَّةِ من حيثُ تغييرِ النُّقاطِ والصِّلاتِ، واختلافِ التَّواريخِ المهندسةِ، وانتشارِ الكلماتِ، لبلغَ الرَّدُّ إلى منتهى الجموعِ، وأشكلَ الأمرَ في الجوابِ على الجمُوعِ.
وإنِّي، بل وكلُّ مَن له أًدْنَى عقلٌ من أهلِ عصري، ومَن قبلي، يعلمونَ علماً ضرورياً أنَّ مثلَ هذه الخَدشاتِ والخُرافاتِ لا تليقُ(3)إلا بمن كان عاجزاً، آيساً فخوريّاً.
(1) الغَدَقُ: بفتحتين: الكثير. وقد غَدِقَتْ عين الماء أي غزرت. وبابه طرب. ((مختار))(ص469).
(2) قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : (إن خُرافةَ ـ أي بضم ـ أي كان رجلاً من عذرة أَسَرتْهُ الجنُّ في الجاهليةِ، فمكثَ فيهم زماناً طويلاً، ثم ردَّتْهُ إلى الأنسِ، فكان يحدِّث النَّاس بما رأى فيهم من العجائبِ، فقال النَّاس: حديث خُرافة). أخرجه الترمذي في ((الشمائل))، وأحمد في ((مسنده))(6: 157).
(3) في الأصل: ((يليق)).
فلم تزلْ عادةُ الجُهَلاءِ أَنَّهُ إذا عاقَبَهم أحدٌ من النُّبلاءِ، وعجزوا عن الجوابِ، وتحيَّروا وبُهِتُوا(1)، وسكتوا وندموا، وصمتوا ووَهْشوا(2)، وخبطوا ولم يقدروا على إظهارِ الصَّوابِ، طفقوا يلمزون بخصومِهم، فيشتمونَهم ويطعنُوهُم، ويُبْرِزُونَ مسامحاتِهم اللَّفظيَّةِ، ومساهلاتِهم الحرقية، وإن كان خصمُهم بريئاً منها، غيرُ مُلْتَفِتٍ إليها؛ ظنَّاً منهم أنَّ تكثيرَ الإيراداتِ، ولو كانت من الخرافاتِ يزيدُ في عظمةِ ذاكرِها في أعين النَّاسِ، وليس كذلك فإن مثلَ ذلك لا يَسْتَحْسِنُهُ إلا النَّسْنَاس(3)، ولا يمدحُه إلا الخنَّاسَ(4)، ولا يرتضي به إلا ذو وسواس، وأمَّا عقلاءُ النَّاس فيشنِّعونَهُ ويقبِّحونَهُ، ويجهِّلونَهُ ويحمَّقونَهُ، ويخرِّجونَهُ من عِداد النَّاسِ.
(1) بُهِتُوا: دهشوا. ((مختار))(ص66).
(2) الوَهْشُ: الكسر والدَّقُّ. ((تاج العروس))(17: 456).
(3) النَّسْنَاسُ أو النَّسَاسُ: أطال الدُّميريّ في ذكر أقوال العلماء في تعريفه من ذلك:
هو خلق في صورة الناس مشتق منهم لضعف خلقهم.
هو نوع من القردة لا يعيش في الماء. ((حياة الحيوان))(2: 352-354).
(4) الخنَّاس: الشيطان؛ لأنَّه يخنس إذا ذكر الله عز وجل. ((مختار))(ص191).
ومنها: أنَّهُ أَطْلَقَ عَنان اللِّسانِ بالطَّعنِ على طائفةٍ من الأعيانِ، ولدغَ كلَدْغ الثُّعبانِ، وارتكبَ عدمَ الوفاءِ بالوعدِ، واكتسبَ الغُدْرةَ مع أنه ليس من أهلِ الكوفةِ(1)، ومَشَى على مَمْشَى النِّفاقِ والشِّقاقِ، وليسَ(2) أهلِ العراقِ، وسعى في مَسَعى السَّبِّ والشَّتمِ والانتقاضِ، مع أنّه ليسَ من الرُّفاضِ(3)، وجاوزَ الحدَّ فطعنَ على الأبِ والجدِّ، وأكثرَ الإيابَ والذَّهابَ في السِّبابِ، وتنابُزِ الألقابِ غافلاً عن قولِ الماهرِ: مَن لم يحفظْ لسانُهُ فقد سلَّطَهُ على هلاكِهِ، وقولُ الشَّاعرِ:
عليكَ حِفْظَ اللِّسانِ مُجْتَهِداً
فإنَّ جلُّ الهلاكِ في زَلَلِهِ
وجَعَلَ إنكارَ الحقَّ الواضحِ إِدَامَهُ(4)، وعَمَلَ الفِرارَ عن الصِّدقِ اللائحِ شَرابَهُ، وأصرَّ في إبداءِ الاحتمالاتِ لتزييفِ الواضحاتِ، واغترَّ(5) بإنشاءِ الخيالاتِ لتضعيفِ الرَّاسخاتِ، وحلفَ بعزَّةِ الله الغفورِ، بأن لا يسلِّمَ ما نقَّحَهُ الموردُ الصَّبورُ، وعَكَفَ عكوفَ المعتكفِ في سيِّدِ الشُّهورِ(6)، على أن لا يعظِّمَ ما حقَّقَهُ الموردُ ذو المهارةِ والعبورِ.
سبحانَ من سخَّرَ لي عاندي(7)، يُحُدِثُ لي في غيبتَي ذِكْرَاً، لا أَكْرَهُ الغبيةَ من حاسدٍ، يُفِيدُنِي الشُّهرةَ والأَجْرَا.
وأعجبُ من ذلك كلَّهُ: أَنَّهُ جَعَلَ منصورَهُ من الذين:
يجمعونَ الرَّطبَ واليابسِ، كجمعِ الغافلِ والنَّاعسِ، ويكثرونَ في النَّقلِ، من دونِ تعمُّلِ العقلِ، ويفرحونَ بكبَرِ المجموعِ، وإن كان في جمعِ الحَشْوِ واللَّهو مُنْتَهى الجموعِ.
(1) إشارة إلى ما اشتهر [أن] الكوفي لا يوفي.أ.
(2) إشارة إلى ما اشتهرَ من كونِ العراقِ مَعْدَناً للنِّفاقِ.
(3) الشَّيعة.أ.
(4) أي طعامه.
(5) من الاغترار.أ.
(6) أي رمضان.أ.
(7) عاند: خالف وردَّ الحقَّ وهو يعرفه، فهو عنيد وعاند. ((مختار))(ص457).
وينصرفون عن تنقيحِ الأمرِ الواقعيِّ، وترجيحِ الشَّيءِ النَّفسِ الأمري.
ويشتغلون بتسويدِ الأوراقِ، وإن كان بسوءِ الخلاقِ.
ويتوجَّهونَ إلى تأليف الكرَّاسةِ، وإن خَلَتْ عن الإفادةِ.
ويأخذونَ مايجدون.
ويكتبونَ ما ينظرونَ، وما اللهُ بغافلٍ عمَّا يعملون، إليه مَرْجِعُهم جميعاً، ثمَّ يُنَبِئُهم بما كانوا يفعلون(1)، هم الذين لا يُبالونَ بنقلِ الأكاذيبِ والأعاجيبِ، وثَبْتَ المنكراتِ والمُفتراتِ، ولا يخافونَ مِن لومةِ لائمٍ فاضحٍ، وأخذةِ عالمٍ ناصحٍ.
ويهتمُّون بتكثيرِ المنقولِ، وإن كان خلافَ المعقولِ.
ويجترؤنَ على تحريرِ ما هو باطلٌ بالعيانِ، أو بالبرهانِ، وما هو متفقُّ كذبُهُ عندَ الطَّلبةِ والكملةِ أولى الشأنِ، من الإنسِ والجانِّ.
ويفتخرونَ بكثرةِ مجموعاتِهم ومنثوراتهم، مع الغفلةِ عن ما يترتبُ على فعلِهِم، ونقلِهم من الصَّغار(2) والبَوار، عند أمثالِهم وأشباهم.
ويمرحونَ بذكرِ اسمهم عند ذِكْرِ من كثرتْ تصانيفهُم، وشتّانَ ما بين تصانيفهم وتصانيفهم، مع الغفلةِ عن أنَّ مُجَرَّدَ كثرةِ العددِ ليسَ ممَّا يُمْرَحُ بها، ويُفْتَخَرُ عليها، بل إذا كان مع التَّهذيبِ والتَّنقيحِ، والتَّقريبِ والتَّرجيحِ، فإنَّ مُجَرَّدَ الكثرةِ مع فقدانِ هذه الصِّفةِ، لا يليقُ بشأنِ العالمِ، بل شأن الظَّالمِ؛ وذلكَ لأنَّهُ جَعَلَهُ غيرَ مرَّةٍ غيرَ ملتزمِ الصِّحَّةِ.
وتارةً ناقلاً محضاً.
تارةً منتحلاً صِرفاً.
(1) إشارة إلى الآية (108) من سورة الأنعام: {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
(2) ذلت.أ.
فيا حَملةَ لواءِ الشَّريعةِ؛ ويا طلبةَ(1) سواءِ الطَّريقةِ؛ هل قرعَ سمعُكم خبرُ ناصرٍ يُضْرَبُ بهِ المثلُ بكونه أجيرُ مَن له صافرٌ(2)، يجيبُ مَن يُنادي: مَن أنصاري؟ بقوله: أنا حواريٌّ، ويدَّعي المناظرةَ، وحُسْنَ البيانِ، ويُسْقِطُ(3)العشاءَ به على السِّرحان(4)، ويَخْتارُ في نصرتِهِ سبيلاً، يُتَّهمُ به منصورُهُ كثيراً لا قليلاً، ويَجْتازُ في مددِهِ طريقاً، يكونُ من نصرَهِ به حَرِيقاً.
هل وصلَ إليكُم خبرُ معينٍ، يقومُ للإمدادِ المُبينِ، ويرومُ الإرشادَ المتينَ، فَيُلَقِّبُ منصورَه بوصفٍ هو به حزينٌ، وفي أندادِه(5) وأضدادِه مهينٌ؟
هل سمعتُم قصَّةَ مُعاونٍ، يُتَوَّجُ بتاجِ المُشَاحنِ(6)، يتلو سراً وجهراً: أنا المُدافعُ عمَّا أوردَ على صاحبِ ((الإتحافِ)) طُرَّاً، والمنازعُ بمن أوردَ عليه قهراً وكسراً، ويُثبت في أثناءِ مدافعتِه ومعاونتِه له وَصْفَاً نُكْرَاً، ويَنْسِبُ في أثناءِ منازعتِهِ ومخاصمتِهِ إليه شيئاً إمراً(7)؟
(1) جمع طالب.أ.
(2) هو طائر من أنواع الطيور، من شأنه أنَّه إذا أقبل اللَّيلُ يأخذُ بعضَ شجرةٍ ويَضُمُّ عليه رجليه، وينكِّس رأسَهُ، ولا يزال يصيحُ حتَّى يطلعَ الفجر، وذلك خوفاً من سقوط السماء، كذا في ((حياة الحيوان))(2: 58).أ.
(3) كان رجل في الأزمنة الغابرة خرج يَلْتَمِسُ العشاء، فسقط على ذئب فأكله الذِّئبُ، فضربَ المثلُ، وقيل: فلان سقط العشاء به على السِّرحان، لمن يسافرُ في طلب الحاجة ويودي صاحبها إلى التلف، كذا في ((حياة الحيوان))(2: 19).أ.
(4) السِّرحان: بكسر السين: الذئب، والجمع سراح، وسراحين، والأنثى سرحانة. ((حياة الحيوان))(2: 19).
(5) أمثال.أ.
(6) الشحناء: البغض.أ.
(7) قبيحاً.أ.
هل رأيتُم مُدافِعاً يُشَمِّر الإزارَ للمدافعةِ، ويُضمِرُ(1)في مَبْرز(2)المنازعةِ، ويغوصُ في بحرِ المشاححةِ، ويخوضُ في نهرِ المداغمةِ(3)، وينسبُ إلى المَدْفُوعِ عنه، والمُنَازَعِ عنه ما يَفِرُّ عنه هو وأشياعُهُ، وأحزابُهُ وأتباعُهُ، وأصحابُهُ وأشباهُهُ، وأقرانُهُ وأندادُهُ، وأمثالُهُ، قائلينَ: حاشاك اللهُ صاحبَ ((الإتحافِ))، ثُمَّ حاشا أن تتصفَ بهذا:
فمثلُك لا يكونُ ناقلاً محضاً.
ومثلك لا يكونُ سارقاً صِرفاً.
ومثلُكَ لا يَكْتَفي على النَّقل المجرَّد.
ومثلُك لا يَرْتَضي بتركِ القولِ المَسدّدِ.
ومثلُك لا يَذَرُ التزامَ الصِّحَّةِ.
ومثلُك لا يَدَعُ اهتمامَ الثِّقةِ.
ومثلُك لا يَجْمعُ الرَّطبَ واليابسَ.
ومثلُك لا يَجْمعُ بين الكاملِ والنَّاقصِ.
ومثلُك لا يَخْلِطُ بين الحصباءِ واللآلى.
ومثلُك لا يَخْبطُ في ظلماءِ اللَّيالي.
ومثلُك لا يَنْتَحلُ الغَلَطُ القطعيِّ.
ومثلُك لا يَنْقُلُ الشَّططَ اليقينيِّ.
ومثلُك لا يَغْفِلُ عن إدراكِ البطلانِ الجليِّ.
ومثلك لا يَذْهَلُ عن إمساكِ الشَّأن الحفيِّ.
ومثلُك لا يَعْتَمِدُ على كتابٍ واحدٍ، وإن كان مملؤاً من تَبَابٍ(4) غيرُ واحدٍ.
ومثلُك لا يَسْتندُ بما يكون جامعاً للكاسدِ والفاسدِ.
ومثلُك لا يَكْتبُ ما شَهِدَ العِيَانُ بخُسْرانِهِ.
ومثلُك لا يَكْسِبُ ما شَهِدَ البُرْهانُ بنقصانِه.
ومُثْلُك لا يُبْرِئ الذِّمةَ بأني غيرُ ملتزمِ الصَّحَّةِ.
ومثلُك لا يَجْتَرِئ على القولِ بأنَّ ديدني عدمُ التزامِ الصِّحَّةِ.
ومثلُك لا يَجْهَلُ ما في هذا الوَصْفِ من القبائحِ.
ومثلُك لا يَغْفلُ عن ما في هذا الهدفِ من الشَّنائعِ.
ومثلُك لا يَخْفى عليك ما لا يَخْفى على الأداني.
ومثلُك لا يَذْهبُ عليك ما لا يَذْهب على مهرةِ المباني والمعاني.
(1) من يضمِّر الفرس في المسابقة.أ.
(2) أي الظهور.أ.
(3) اللهو.أ.
(4) أي هلاك كثير.أ. انظر: ((مختار))(ص74).
ومثلُك لا يَسْتَتِرُ عليك ما لا يَسْتترُ على الطَّلبة فضلاً عن الكَمَلَةِ.
ومثلك لا يَقْتَصِرُ على ما لا يَقْتَصِرُ عليه الغِلمةُ(1) فضلاً عن الأجلَّةِ.
وهذا التَّبري كلُّهُ لا يختصُّ بألسنتِنا، بل المنازعونَ معك والرَّادُّونَ عليك أيضاً معنا في هذه البراءةِ، وشاهدون معنا بهذه الشَّهادةِ.
هل اطلعتم على مُجيرٍ هو أجيرٌ لا وزيرٌ، يَفْتَرِي على المُسْتَجيرِ به، ومن استجارَهُ لنصرةٍ، بأعظمِ الفَّريةِ، وينتهي في أثناءِ نصرتِهِ إلى أدهمِ(2) القريةِ، ويحكمُ على مالكِ أَزِمَّتِه أن قِرْبَتَهُ مملؤةٌ، ممَّا ليسَ فيه منفعةٌ ولا قُرْبةٌ(3)، من المياهِ المنتنةِ الخَربةِ؟
هل وقفتُم على مغيثٍ يَتَعَدَّى على المُسْتَغِيثِ بهِ، ويَتَصَدَّى لانتسابِ ما يُتَّهمُ ويُهتَّمُ به؟
هل علمتُم مُجيباً عن لبيبٍ، ينسبُ إليه ما لا يرتضيه نسيب(4)؟
هل شهدتُم طبيباً يداوي المريضَ بما يُهلكُ، أو يزيدُ في مرضِ المريضِ؟
وبالجملةِ إن النَّاصرَ المُخْتَفِي للسيِّد القَنُّوْجِي، قد تحمَّلَ المشقةَ في ظمأَ الهواجرِ(5)، وحملَ المحنةَ في ظُلْمِ الدَّياجِرِ، فتأوَّه وتضجَّرَ، وترفَّهَ وتَفخرَ، وتَصبَّى وتَشَيَّخ ، وتَعَدَّى وتَشَمَّخَ، وصاحَ وصَالَ، وجابَ وجالَ، وعابَ ونالَ، وغَابَ وبَالَ، وجَلْجَلَ وصَلْصَلَ، وقَلْقَلَ وحَلحَل، وتَجَسَّسَ وتَحسَّسَ، وتنَغَّسَ وتنَفَّسَ، وتَردَّى وتَبَدَّى، وتَصَدَّى وتَغَدَّى، وزَمْزَم ورَمْرَمَ، وحَمُحَم ودَمْرَمَ، وتَكَلَّمَ وتَرَنَّمَ، وتَقَحَّم وتَنَسَّمَ.
(1) أين الأطفال.أ.
(2) أسود.أ.
(3) ثواب.أ.
(4) ذا شرافة النسب.أ.
(5) جمع هاجر: وقت شدَّة الحر.أ.
ومع ذلك كلِّه أتى بما صارَ به مثلاً للأوَّلينَ، ومثلاً للآخرينَ، وذلك كلُّه في نصرتِك وحمايتِك، فأكرمْ مثواهُ ومضجعَهُ، يا من حماه ونصره؛ وأسبلْ عليه سحائبَ فَضلِكَ وكَرَمِكَ، وأمطرْ عليه قَطَراتِ بِرِّكَ ولِطْفِكَ، ووَقَّرْهُ وقرَّبْهُ، وعَظِّمْهُ وأكرمْهُ، وتوَّجْهُ بتاجِ العِزِّ والوقارِ، ولا تُجْزِهِ جَزاءَ سِنِّمِار(1)ٍ، فإن أهمَّكَ صنعُهُ، وأغضبَكَ قُبْحُهُ، فأنشدْ عنده ما أنشدَهُ الحَرِيري طاعناً على كسبِهِ الشَّريري:
ونديمٍُ مَحْضَّتهُ صدقَ وَدِّي
إذ توهمتهُ صدَيقاً حَميماً
خِلتهُ قيل أن يجرَّبَ ألفاً
ذا ذِمَامٍ(2) فبانَ جلفاً ذميماً
وتظَّنيتهُ مُعيناً رحيماً
فَتَبَيَّنَهُ لَعيناً رَجيماً
وتخيرتهُ كليماً فأمسى
منه قلبي بما جَنَاه كليماً(3)
قلتُ لما بلوتُه ليته كان
عديماً ولم يكن لي نديماً
فلمَّا وقفتُ على ما وقفتُ من سوءِ تهذيبِ مؤلِّف ((التَّبصرةِ))، وعلِّمتُ ما علِّمتُ من سوءِ تقريبِ مصنِّفِ ((التَّبصرة))، أنشدتُ ما أنشده الجَزَرِيّ في ((حصنِهِ))(4) شاكياً لظُّلْمِ(5)دَهْرِهِ:
ألا قُولُوا لِشَخْصٍٍ قد تَقَوَّى
على ضَعْفِي ولم يَخْشَ رَقِيبَه
خبَّأتُ سهاماً في اللَّيالي
(1) هو باني القصر المشهور بخورق بالكوفة لنعمان بن المنذر، ألقاه النعمان ـ بعدما بناه وأعجبه ـ من سطحه الأعلى خشية أن يبني مثله لغيره.
(2) صاحب عهد.أ.
(3) مجروح.أ.
(4) محمد بن محمد بن بن محمد بن علي بن يوسف العمري الدِّمشقيّ الشِّيرَازِيّ الجَزَرِيّ الشَّافِعِيّ، أبو الخير، شمس الدين، من مؤلفاته: ((النشر في القراآت العشر))، و((طيبة النشر في القراآت العشر))، و((ملخص تاريخ الإسلام))، (751-833هـ). ((الأنس الجليل))(2: 108-109)، ((الشقائق النعمانية))(ص25-30)، ((الأعلام))(7: 274)، ((الكشف))(1: 669).
(5) في الأصل: ((لظم)).
وأرجو أن تكون له مُصيبه(1)
وامتثلتُ قولِ ربِّ العالمينَ في كتابه المبينِ:{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}(2).
وقولِهِ في موضعٍ آخرَ من كتابِه:{ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(3).
وقولِهِ في موضعٍ آخرَ من كتابه:{فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ}(4).
وقولِهِ في موضعٍ آخرِ:{وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}(5).
وقولِهِ تعالى في موضعٍ آخرَ:{وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}(6).
وقولِهِ في موضعٍ آخرَ:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ، وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ}(7).
إلى غير ذلك من الآيات المُرَغِّبةِ في الأمر بالمعروفِ، والنَّهي عن غير المعروفِ، من دون الخوفِ لومةَ لائمٍ، وحكومةَ ظالمٍ، والمرهّبةُ من ارتكابِ ما لا يجوزُ من التَّعدِّي، والتَّحكمُ والتَّردِّي.
وانتصبتُ لتأليفِ رسالةٍ اسمها يُخْبِرُ عن رَسْمِها، وهو:
((تَذْكِرةُ الرَّاشِدِ بِرَدَّ تَبْصِرَةِ النَّاقِدِ))
ولقبُها يُشْعِرُ بفضلِها، وهو:
((ظَفَرُ المُنْيَةِ بِذْكِرِ أَغْلاطِ صَاحِبِ ((الحِطّةِ)) ))
(1) انتهى من ((الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين))(ص6).
(2) من سورة الأعراف، الآية (199).
(3) من سورة المائدة، الآية (13).
(4) من سورة الحجر، الآيتان(94،95).
(5) من سورة الحجر، الآية(87).
(6) من سورة التوبة، الآية(123).
(7) من سورة النحل، الآيتان(125-126).
مشتملةٌ على لطائفَ ومعارفَ نافعةٍ شامخةٍ، بازغةٍ راسخةٍ، طالعةٍ رافعةٍ، بالغةٍ رائعةٍ، كافيةٍ شافيةٍ، وافيةٍ ثاقبةٍ، دامغةٍ راغبةٍ، راضيةٍ حاذقةٍ، ناميةٍ(1) ناعمةٍ، بارقةٍ(2) شارقةٍ(3)، ناصبةٍ(4) طارقةٍ، حاميةٍ(5) سائغةٍ، قاضيةٍ راشدةٍ، ناسكةٍ عاليةٍ، جامعةٍ حاويةٍ، رابيةٍ راويةٍ، جاريةٍ ساريةٍ، حادثةٍ جاذبةٍ، كافلةٍ جافلةٍ، قاصمةٍ كاسرةٍ(6)، فاتحةٍ فاطمةٍ، راغبةٍ راهبةٍ، آمرةٍ ناهيةٍ، ظاهرةٍ باهرةٍ، آخذةٍ حاصرةٍ، عاصرةٍ قاشرةٍ، حابسةٍ باديةٍ.
تكشفُ لك ما صَدَرَ من النَّاصرِ الفاترِ من الخلطِ، والخبطِ، والرَّداءةِ، والغوايةِ، والجَّهالةِ، والضَّلالةِ، والتَّغافلِ، والتَّساهلِ.
وتُعرِّفُ لك ما في نصرتِهِ من القذى، والبَذَى(7)، ممَّا لا يَفْرَحُ به المنصورُ ولا يَرْضَى، وتُبَيِّنُ لك أن طريقةَ النَّاصرِ في النُّصرةِ، طريقةٌ كَدِرةٌ(8) خَرِبَةٌ، بها امتازَ بين المهاجرينَ والأنصارِ.
وصارَ بها ضربَ المثلِ في الجَدَلِ والحَدْلِ(9) في الأمصار.
وطارَ بذكرِ نُصْرَتِهِ الدَّبور إلى الأقطارِ.
وغارَ بصنعتِهِ كلُّ غدَّارٍ ومكارٍ.
واستعاذَ من خصلتِهِ كلُّ حاجٍّ وزوَّارٍ.
واستفادَ من شِرعتِهِ كلُّ ثاجٍّ(10) وأكَّادٍ.
وصار بها إماماً لكلِّ حائكٍ، ونائكٍ، وغيرهما من الأراذل، ممن يُوصَفُ بالهالكِ والحالكِ.
وتُبَرْهِنُ لك على أن ما نَصَرَ به أورثَ إلى الفضيحةِ لا النَّصيحةِ، والتَّهاتُرِ لا التَّناصُرِ، والضَّياعِ لا الفلاحِ، والمطعونيَّةِ لا المأمونيَّةِ.
(1) من النمو.أ.
(2) من البرق.أ.
(3) من الشرق.أ.
(4) مرتفعة.أ.
(5) حامية.أ.
(6) أي تقصم وتكسر المخالفين.أ.
(7) البَذَى: الفحش، وفلان بذيٌّ اللسان، والمرأة بَذِيَّةٌ. ((مختار))(ص45).
(8) كَدِر: ضدّ الصفو. ((مختار))(ص564).
(9) الحَدْل: الظلم. ((اللسان))(2: 806).
(10) ثجَّ ـ الماء والدم ـ: سيَّله. ((مختار))(ص82).
وفيها مع كلِّ ذلك غُرَرُ الفوائدِ، ودررُ الفرائدِ، تَنْفَتِحُ بها أصدافُ الأذهانِ، وتَنْشَرِحُ بهما ثقبُ الآذانِ، يُروى بها كلُّ غليلٍ، ويشفي بها كلُّ عليلٍ، فدونك عجالةٌ ناصحةٌ، وعلالةٌ رائعةٌ، مشتملةٌ على فوائدَ مستطرفةٍ، وفرائدَ مستظرفةٍ، وكلماتٍ طريفةٍ، وفقراتٍ لطيفةٍ، ومواعظٍ شريفةٍ، ونصائحٍ نفيسةٍ، وأمثالٍ نظيفةٍ، وأخبارٍ غريبةٍ، حقيقةٍ بأن يَنْشِدَ في حقِّها كلُّ فاضلٍ مُعْتَبَرٍ:
ففي كلِّ لفظٍ منه روضٌ من المنى
وفي كلِّ سطرٍ منه عِقدٌ من الدُّرر
أو يُنْشَدَ:
ففي كل بابٍ منه درٌ مؤلَّفٌ
كنظمِ عِقودٍٍ زَيَنْتُها بالجواهرِِ
فإنَّ نظمَ العقدِ الذي فيه جوهر
على غيرِ تأليفٍ فما الدرُّ فاخرٌ
التزمتُ فيها الاجتنابَ عن الفحشِ والسِّبابِ، الذي هو شيمةُ مَن هو في تَبابٍ(1)، ممَّن هو رذيلُ النَّسبِ، ذليلُ الحسبِ، سخيفُ الحرفةِ، كثيفُ الصَّنعةِ، الموصوفُ بالزَّائغِ المنافقِ، والمخادعِ المماذقِ(2)، والمعروفُ بارتكابِ ما يُغْضِبُ به الخالقَ، واكتسابُ ما يَكْتَسِبَهُ السَّارقُ الآبقُ، والسَّاقطُ في المضائقِ، سقوطَ الحجرِ من حالِقٍ، والهابطُ من درجاتِ الحاذقِ، إلى سوءِ الخلائقِ(3)، والمضروبُ به المثلُ، عند كلِّ رجلٍ، بوصفِه بالحَالقِ(4) لكلِّ وافقٍ، وبِرَاشِقِ كلِّ طارقٍ، واللائقُ لأنْ يُرْمَى بالطَّارقِ(5)، ويُسمَّى بالفاسقِ، ويُلَقَّبُ بالغاسقِ، الذي أُمِرَ بالتَّعوذِ منه سيِّدُ الخلائقِ، {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ}(6)، وإنَّهَ لَقَسَمٌ عظيمٌ رَائِقٌ.
(1) هلاك.أ.
(2) منافق.أ.
(3) طبائع وعادات.أ.
(4) من حلق الشعر.أ.
(5) شهاب ثاقب.أ.
(6) من سورة الطارق، الآية(1).
إن الاشتغالَ بالسَّبِّ والشَّتمِ ليس إلا من شأنِ مَن هذه أوصافُهُ، وهذه ألقابُهُ، وهذه أسماؤُهُ، وهذه آدابُهُ، لا من شأنِ أهلِ العلمِ والحلمِ، لا سيما ممن ورثَ هاتين الصِّفتين، كابراً عن كابرٍ، وحَرَثَ(1)في المزرعةِ حرثَ الآخرة في النشأتين، حائزاً المفاخرِ عن الأكابرِ.
ولقد دَعَتْنِي للخلافِ عشيرتي
فعددتُ قولهُم من الإضلالِ
إنِّي امرؤٌ مِنِّي الوفاءُ سَجِيَّةً
وفِعالُ كلّ مهذَّبٍ مفضالِ
وإنِّي لألقى المرءَ أعلمُ أنَّهُ عدوِّي
وفي أحشائِهِ الضَّغنُ(2) كامنُ
فامنحُهُ بُشْرَى فيرجع قلبُهُ
سليماً وقد ماتت لديه الضَّغائنُ
وأتيتُ فيها من المواردِ العمليَّةِ، والمصادرِ الفهميَّةِ، ما يَتَنَبَّهُ به كلُّ طالبٍ ومبتدي، ويَتَنَوَّهُ(3) به كلُّ جالبٍ ومنتهي، ويَهْتَدي بها كلُّ مُعْتَدي، ويَغْتَذي بها كلُّ مُغْتَذي، ويَسْتَلِذُّهُ كلُّ أَحْوَذِيّ، ويَسْتَعِزُّهُ كلُّ مَشرقيّ ومَغربيِّ.
وخاطبتُ في جملةِ المباحثِ بالسَّيِّدِ المنصورِ، لا النَّاصرِ المَقْهُورِ؛ لأَنَّهُ ارتدى برداءِ الخفاءِ، واعتدى بذراعِ الجفاءِ، وارتضى بأن يُنَادى بالجنين في بطونِ نساءِ المؤمنين، واقتدى بشأن المختفين، فناسبَ أن لا يُخَاطَبَ هذا الرَّجلُ الأجنبيِّ المخفيِّ، بل منصورُهُ القرشيُّ.
ونَبَّهْتُهُ غيرَ مرَّةٍ على مكائدِ ناصرِهِ ومفاسدِه الواهيةِ بالمرَّةِ، بعباراتٍ حسنةٍ عذبةٍ غير مُرَّةٍ، تَنْفَعُ المُبْتَلِي بفسادِ الأخلاطِ لاسيما السَّوداء والمِرَّة(4)، شفقةً عليه وعلى سائرِ المسلمين، حفظهم اللهُ عن كلِّ مكرٍ وغدرٍ في الدِّينِ.
(1) إشارة إلى قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ}.[الشورى:20].أ.
(2) بغض.أ.
(3) يرتفع.أ.
(4) صفراء.أ.
وقد كان جمعٌ من الإخوانِ والخُّلان يَنْصحونَ لي بتركِ هذه المباحثةِ والمُدافعةِ، قائلينَ فيها: تضييعُ أوقاتَك النَّفيسةَ، ولمحاتَك النَّظيفةَ، وأنتَ أجلُّ من أن تَصْرِفَها إلى ردِّ مثل ((التَّبصرةِ))، وتشتغلُ بدفعِ ما ليسَ فيه إلا المَكْرُ والفخرُ، والظلمُ والشَّتمُ، والتَّعدِّي والتَّردِّي(1)، والهزلُ والعذلُ، والنُّباحُ والصِّياحُ، والرَّفثُ والفَرثُ، والوَبالُ والضَّلالُ، والعِتابُ والتِّبَابُ، والنَّجشُ والنَّحشُ، والفسادُ والعنادُ، واللَّجاجُ والأُجاجُ، والنَّعيقُ والنَّهيقُ، والأذى والقَذَى، والسَّفاهةُ والعداوةُ، والغبارُ والعِثارُ(2)، واللَّغَطُ والشَططُ، واللَّغو والحَشوُ، والطُّغيانُ والعدوانُ، والسُّقوطُ والهبوطُ، والخَدْعُ، والرَّدْعُ، والزَّيغُ واللَّدغُ، والاعتداءُ والافتراءُ، والتَّعشيشُ والتَّنفيشُ.
لا فيها مباحثٌ حكميَّةٌ، ولا مسائلٌ علميَّةٌ، ولا فوائدٌ مفيدةٌ، ولا فوائدٌ مجيدةٌ، ولا تقريراتٌ سديدةٌ، كتقريراتِ العلماءِ، ولا تحريراتٌ مجيدةٌ، كتحريراتِ العقلاءِ، ولا التَّهذيبُ كـ((تهذيبِ الرِّجالِ))(3)، ولا التَّذهيبِ كـ((تذهيبِ الكمالِ))(4)، فمثل هذا الذي هو أوهن من نسجِ العنكبوتِ، جوابُه السُّكوتُ، وعتابُه الصُّموتُ، وخطابُه الخفوتُ.
(1) التردي.أ.
(2) السقوط على الوجه.أ.
(3) إشارة إلى ((تهذيب التهذيب)) للحافظ ابن حجر العَسْقَلانِيّ(ت852هـ). هذَّب فيه ((تهذيب الكمال في أسماء الرجال)) للمِزْيّ(ت742هـ).
(4) إشارة إلى ((تذهيب الكمال)) للذَهَبيّ (ت748هـ)، وأيضاً على ((تهذيب الكمال))للمِزْيّ
وقد علمتُ أنَّهم صدقوا فيما نصحوا، وخلصوا فيما أبرزوا، لكنَّ خوفَ تعنتِ المُتَعَنِّتينِ، وتفتُّتِ المُتَعصِّبينَ، وفسادِ السَّالكينَ، وبِعادِ النّاسكينَ؛ رجَّحَ التَّوجُّهُ إلى كتابةِ الرَّدِّ على ((التَّبصرةِ))، بحيثُ يكونَ لكلِّ سائلٍ ونائلٍ تذكرةٌ، ويكون بخلوصِ النِّيَّةِ، وصدقِ الطَّويَّةِ فيه زاداً لي في الآخرةِ، والمرجو من الخُلان الذين أشميتُهم الإنصافُ والوفا، والإخوانُ الذين شِرعتُهم التَّباعدُ عن الاعتساف والجفا، أن يطالعوا هذه العجالةَ بعينِ الاعتدالِ، لا بعينِ الاعتلالِ، ويشاهدوا هذه العُلالةَ، بقلبٍ سليمٍ(1)، لا بقلبٍ سليمٍ(2)، مع التَّحفظِ عن غَشاوةِ التَّعصبِ، تَعَصُبَ مَن فازَ بالْعَينِ بالفاءِ، والتَّيقظَ عن سِنَة قَساوةِ التَّصلبِ، تصلَّبَ من حَازِ بالغينِ بدلَ الرَّاءِ.
وأرجو من السيِّدِ المنصورِ وأحزابِهِ، رجاءَ الفاضلِ المتبحِّرِ، عن الكاملِ المتبقِّرِ وأصحابِهِ، أن لا يعودوا إلى ما مَضَى من الهَفَواتِ، والخطيئاتِ، ويَكُفُّوا أَلْسِنَتَهُم وأَعِنَّتَهُم(3)عن السُّلوكِ في مسلكِ المزخرفاتِ، والمحَرَّمات، ومن عاد فأولئك هم الظَّالمون، {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ}(4) فأولئك هم المارقون.
أقول قولي هذا وأستغفرُ الله لي ولخصومي(5) مع سائرِ المهاجرينَ والأنصارِ، إنّه تعالى حليمٌ كريمٌ، رحيمٌ غفَّارٌ.
وهذه الرسالةُ مرتبةٌ، على أبوابٍ خمسةٍ وخاتمةٍ:
البابُ الأوَّلُ: في ردِّ الأقوالِ المتفرقةِ، الواقعةِ في الدِّيباحةِ والفاتحةِ.
وفيه درسان:
الأُوْلَى: في ردِّ هفواتِ الدِّيباجةِ.
(1) من السلامة.أ.
(2) السَّليم: اللديغ والمريض.أ.
(3) العِنَانُ للفرس وجَمعه أعنَّهَ. ((مختار))(ص458).
(4) من سورة البقرة، الآية(275).
(5) في الأصل: ((الخصومي)).
والثَّانيةِ: في ردِّ لغويات الفاتحةِ.
البابُ الثَّاني: في ردِّ ما في البابِ الأوَّلِ من ((التَّبصرةِ))، من الجوابِ عن إيراداتي التي ذكرتُها في مقدمةِ ((إبرازِ الغَيِّ)).
البابُ الثَّالثُ: في ردِّ الأقوالِ المتفرقةِ الواقعةِ في البابِ الثَّاني من ((التَّبصرةِ))، المُتَعلِّقةِ بالإيراداتِ التي ذكرتُها في خاتمةِ ((إبرازِ الغَيِّ)).
البابُ الرَّابعُ: في ردِّ الأقوالِ المتفرقةِ من ((التَّبصرةِ)) المتعلِّقةِ بمباحثةِ ((إبرازِ الغَيِّ)) و((شفاءِ العَيِّ)) وغيرِها.
البابُ الخامسُ: في الجوابِ عن الإيراداتِ التي تفوَّهَ بها صاحبُ ((التَّبصرةِ)) في البابِ الثَّالثِ منها.
والخاتمة: في سردِ بعض مسامحاتِ صاحبِ ((الإتحافِ)) في تصانيفِهِ المُتَفَرِّقةِ، غيرَ ما أسلفنا ذكرَهُ في ((إبرازِ الغَيِّ)) والرَّسائلِ المتشتتةِ.
ولئن لم ينتَهِ ولن يَنْتَبِهَ، لأعودنَّ إلى إبرازِ مسامحاتِهِ من تَصْنِيفَاتِهِ التي هي بحارٌ جاريةٌ بالمزخرفاتِ، وأنهارٌ سائلةٌ بالمضعَّفاتِ(1)؛ شفقةً على الجاهلينَ والعالمينَ، ورحمةً على العالَمين، ونصيحةً له ولسائرِ المسلمين، على ما هو شأنُ العلماءِ المُتَقِينَ.
عصمنا الله وإيَّاه من تكاثرِ الخطيئاتِ، وتواترِ السَّيئاتِ، وحفظنا اللهُ وإيَّاهُ من جمعِ المُهْمَلاتِ، والمُضِلاَّتِ، ونبَّهنا اللهُ وإيَّاهُ من نومةِ الغافلينَ والغافلاتِ، وسَلَكَ به وبنا على مَسْلَكِ القانتينَ والقانتاتِ، آمين يا أرحمَ الرَّاحمينَ، يا مُجِيبَ الدَّعواتِ، ورافعَ الدَّرجاتِ، ودافعَ السَّيئاتِ، ووَلِيَّ الحسناتِ، بحرمةِ حبيبهِ وصفيِّهِ سيِّدِ الكائناتِ، عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن تَبِعَهُ ألف تحياتٍ، وأزكى صلواتٍ.
(1) في الأصل: ((بالمصعفات)).
- البَابُ الأَوَّلُ -
فِي رَدِّ الأَقْوَالِ المُتَفَرِقَةِ الوَاقِعَةِ
فِي ((التَّبْصِرَةِ))
فِي دِيبَاجَتِهَا وَفَاتِحَتِهَا
وهي متضمنةٌ على دراستين:
- الأُوْلَى -
فِي رَدِّ الأَقْوَالِ الوَاقِعَةِ فِي الدِّيبَاجَةِ
قولُهُ في (صفحة3): قد تجنبتُ في هذا الجوابِ سفساف القولِ، فإنَّهُ نَجِسٌ عند الطَّاهرينَ من البَراز والبول.
أقولُ: أنظرْ ناصرَكَ يدَّعي الاجتنابَ عن اللَّغوياتِ، ويَرْتَكِبُ مع ذلك السَّبَّ، والشَّتمَ، والفُحشَ، ونحوَ ذلك من حركاتِ أَربابِ الهَذَياناتِ، ممَّا يبعدُ عن شأن الشُّرفاءِ، فضلاً عن العلماءِ، وكلُّ مَن طالعَ ((تبصرةَ)) ناصرِكَ، سواءٌ كان من أتباعِ الأئمةِ أو ممن وافقَكَ(1)، شهدَ بأن ((التَّبصرةَ))، مملوءةٌ(2)من الأمورِ المزخرفةِ وأنَّ مثلَ ذلك بعيدٌ عن شأنِ أهلِ العلمِ إلا أن يكونَ ممَّن حَجَّ ولم يَزُرْ قَبْرَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(3).
وقولُه(ص3): اخترتُ في مطاوي هذا الجوابِ التِّعبيرَ عن الرَّادِ الحاسدِ بالعدوِّ الباغضِ والعاندِ، وهي ليستْ من السَّب والشَّتمِ في شيءٍ.
أقولُ: لعلَّه لم يسمعْ قولَهُ تعالى:{وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}(4).
(1) أي كان من الذين التزموا مذهباً فقهياً في أخذ الأحكام الشرعية التي يتعبدون الله عزَّ وجل بها، أو ممن ينبذ المذاهب الفقهية، ويعتمد في أخذ الأحكام الشرعية على الأحاديث، فيرجع إليها ويجتهد في معرفة الحكم الشرعي.
(2) في الأصل: ((مملو)).
(3) أي ممن سار على طريقتك من عدم جواز قبر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقد حجَّ صديق حسن القَنُّوجي ولم يز النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وألَّف كتاباً في زيارته سمَّاه ((رحلة الصديق في زيارة البيت العتيق)).
(4) من سورة الحجرات، الآية (11).
وقولُه تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ، الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ}(1).
وقولُهُ تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ}(2). ولم يرَ ما وردَ في ذمِّ المتكلمينَ بمثلِ هذه الألفاظً، في كتبِ الحفاظ.
ولعمري مثلُ هذا بعيدٌ عن الطَّلبةِ، فضلاً عن الكَمَلةِ، لاسيما ممَّن يظنُ أنَّهُ من مُتَبِعي الشَّريعةِ، وأَنَّهُ يَنْصُرُ مُجدِّدَ المئةِ(3)، وإنِّي صفحتُ النَّظرَ عمَّا تكلَّمَ به ناصرُكَ في حقِّي، من الرَّدِيء، عملاً بقولِ ربِّ العالمينَ: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}(4).
تالياً:
إذا لم تخشَ عاقبةَ اللَّيالي
ولم تَسْتَحي فافعلْ ما تشاءُ
فلا واللهِ ما في الدِّينِ خيرٌ
ولا الدُّنيا إذا ذَهَبَ الحَيَاءُ
وقارئاً قولَ المتنبي:
وإذا أتتكَ مَذَمَتِي من ناقصٍٍ
فهي الشَّهادةُ لِي بأَنِي فَاضِلُ(5)
قولُهُ(ص4): قال السُّيُوطِيُّ(6) في ((الكَنْزِِ المدفونِ والفلكِ المشحونِ)) …إلخ.
(1) من سورة الهمزة، الآيتان(1،2).
(2) من سورة الحجرات، الآية (11).
(3) المقصود هو القَنُّوجيّ، فقد ادَّعى أنه مجدِّد المئة الثالثة العشرة الهجرية.
(4) من سورة الأعراف، الآية (199).
(5) في ((معجم الأدباء))(3: 107): ((كاملُ)).
(6) هو عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد بن خليل السُّيُوطِيّ أو الأسيوطيّ الطولوني الشَّافِعِيّ ، صاحبُ التَّصانيف السَّائرة التي تزيد على خمسمئة، منها: ((الإعلام بحكم عيسى عليه السلام))، و((الإكليل في استنباط التنزيل))، و((الإتقان في علوم القُرْآن))، (849-911هـ). انظر: ((الضوء اللامع))(65-70)، ((النَّور السَّافر))(ص51).
أقولُ: قد كَمُلَ اقتداءُ ناصرِكَ بك، حيثُ صدرَ منه ما صدرَ منكَ، فإنَّ هذه النِّسبةَ خطأٌ بلا ريبةٍ.
يَشْهَدُ به كلُّ من طالعَ ((الكَنْزِ المدفون)) من أولهِ إلى آخره، واستفادَ من مطالبِهِ.
ويؤيدُهُ أَنَّهُ لم يذكرْهُ أحدٌ ممَّن ألَّفَ في ترجمةِ السُّيُوطِيِّ، من تصانيفِ السُّيُوطِيِّ.
وقد نسبَهُ صاحبُ ((كشفِ الظُّنونِ))(1)إلى يونسَ المالكيِّ(2)لا إلى السُّيُوطيِّ.
وقد صدقَ عليكُما ما قلتُ في حقَّ أحدِكما: إِنَّهُ يخالفُ صاحبَ ((الكشفِ))(3)فيما يكونُ صحيحاً، ويوافقُهُ فيما يكون غَلَطَاً بديهيَّاً.
(1) كشف الظنون))(2: 1519).
(2) هو يونس المالكيِّ، شرف الدين، كان من تلاميذ الذَّهَبِي، (ت: نحو770هـ) من مؤلفاته: ((الكنز المدفون))، و((الجوهر المصون)). انظر: ((الأعلام))(9: 347)،((معجم المؤلفين))(4: 193).
(3) صاحب((الكشف)) هو مصطفى بن عبد الله القسطنطني الرومي الحنف، الشهير بالملا كاتب الجَلبِيّ، والمعروف بحاجي خليفة، من مؤلفاته: ((تحفة الكبار في أسفارالبحار))، و((تقويم التواريخ))، و((ميزان الصول إلى طبقات الفحول))، و((ميزان الحق)) في التصوف، و((تحفة الأخيار في الحكم والأمثال والأشعار))، (1017-1067هـ). انظر: ((الأعلام))(8: 138-139)، ((معجم المؤلفين))(3: 870-870).
قولُهُ(ص5): لم يكنْ بين الرَّادِّ وبينَ السَّيِّدِ الماجدِ سابقةُ المعرفةِ، ولا واسطةَ اللِّقاءِ، ولا اتحادَ الموطنِ، ولا وحدةَ النَّسبِ، ولا توافقَ الحسبِ، ولا شيءَ ممَّا سوى ذلك، ولا كتبَ إليه خطاءً مبتدئاً منه إليه، ولا طلبَ كتاباً من مؤلَّفاتهِ، ولا اشتاقَ إليه، ولا نظرَ في شيءٍ من مصنَّفاتِهِ، ولا ردَّ عليه، ولا ورقَ من مجموعاتهِ في كتبِ خزانتِهِ، ولا مخاطبةَ الخصومِ، ولا ذِكْرٌ له في مجالسِهِ، بل الرَّادُّ هو الذي أظهرَ الخلوصَ، وطلبَ منه مؤلَّفاتِهِ، وأَثْنَى عليها فلمَّا تفضَّلَ السَّيِّدُ ببعضِها، أخذَ يؤاخذُ على بعضِ كلامِهِ في حواشيه على الكتبِ المطبوعةِ.
أقولُ: أنظرْ ناصرَكَ كيف يَبْكِي بكاءَ الثَّكلى(1)، ويشكو شكايةَ الكسبِ، ماذا أَذْنَبْتُ إن نَبَّهْتُ على أغلاطِكِ البيِّنةِ، وتعقبتُكَ بما صدرَ منك من مسامحاتِكِ المُبَيَّنَةِ، وأزلتُ بذلك الظَّلامةَ، ودفعتُ به الظُّلمَ الذي هو ظلماتُ القيامةِ، وأظهرتُ المنقولاتِ الصَّحيحةِ، ومَيَّزْتُ بين المردودِ والمقبولاتِ النَّجيحةِ، وقصدتُ به حفظَ العوامِّ عن الخطأ والضَّلالِ، وأخلصتُ نيَّةَ الهدايةِ والكمالِ، ولم يزلْ العلماءُ من عهدِ السَّلفِ، وهلمَّ جرَّا إلى الخلفِ، يَرُدُونَ على من غَلِطَ وأخطأَ من كلِّ طرفٍ، ويتعقَّبونَ عليه بكلِّ حرفٍ، ويصنِّفونَ الكتبَ في تضعيفِ مقولِهِ، ويؤلِّفون الخُطَبَ في تزييفِ منقولِهِ، وقد كانوا يرون ذلك من آكدِ الواجباتِ، صيانةً للخليقةِ عن الخرافاتِ، ولو جُمِعَتْ التَّآليف(2)التي ألِّفتْ في مثلِ هذه التَّصاريفِ، لبلغتْ مجلداتٍ، بل خرجتْ عن حدِّ المعدوداتِ، ولو كان مجرَّدُ الرَّدِّ على النَّاسِ مذموماً؛ لَمَا فعلتْ الأئمةُ ذلكَ، ولو كان التَّنبيه على لَغوياتِ النَّسْنَاسِ مَعْيُوباً، لَمَا دَخَلَتْ حملةُ الملَّةِ تلكَ المسالِكَ.
(1) المرأة التي فقدت ولدها.أ.
(2) في الأصل: ((التواليف)).
أفَتُنْكِرُ عليَّ أن صنَّفتُ ما أدرجتُ فيه الصَّوابَ، راجياً بذلك الثَّوابَ! ونصصتُ في ما ألَّفتُ على الوقائعِ والبدائعِ، وذكرتُ ما في تآليفِكَ من القبائحِ والشَّنائعِ.
ولا أدري ماذا أرادَ ناصرُكَ من حديثِ عدمِ اللِّقاءِ والمعرفةِ، والشِّركةِ في النَّسبِ، والنِّسبةِ.
أما علمتَ أنَّ تعقُّبَ رجلٍ فيما يصدرُ عنه من ذلك لا يتوقَّفُ على أن يكونَ بينَ الرَّادِ والمردودِ عليهِ تعارفٌ لقائيٌ، أو اتحادٌ وطنيٌّ، أو اشتراكٌ نسبيٌّ وحسبي، بلْ الواجبُ على العلماءِ، شدُّ المئزرِ(1) للنَّكيرِ، على من يصدرُ منه اللَّغو الكثيرُ، والذَّنْبُ الكبيرُ، واللَّهو الخطيرُ، والكسبُ الحقيرُ، ومحاسبتُهُ بكلِّ قليلٍ وكثيرٍ، ونقيرٍ وقطميرٍ، ولو لم يكن بينهما ملاقاتٌ ومشافهةٌ، ومساواتٌ ومخاطبةٌ.
وأمَّا حديثُ عدمِ اشتياقِكِ، ونظرِكِ وتوريقِكِ، فهو عجيبٌ عن مثلِكَ، أعاذك اللهُ من ذلك، فإنَّ عدمَ الاشتياقِ إلى مطالعةِ كتبِ العلماءِ المعاصرينِ، من شأنِ الجاهلينَ، الذينَ لا يقصدونَ جمعَ البدائعِ واللَّطائفِ، والوقائعِ والشَّرائفِ، والمُتَكبرينَ المُتَبَخْتِرينَ الذين يظنُّونَ نفوسَهم أكملُ النَّاسِ، أشَرَاً وبطراً، ورياءً ونِواءً(2) للنَّاسِ، فلا يرفعونَ رأساً، ولا يضعونَ دونَ أبوابِ بيوتِهِم نِبْرَاساً.
(1) شدُّ الإزار كناية عن الاستعدادِ والتهيؤِ والتَّوجهِ.أ.
(2) نِواء: بالكسر والمدِّ: عاداه، يقال إذا ناوَأْتَ الرجال فاصبر. ((مختار))(ص684).
وأمَّا حديثُ إظهاري الخلوصِ، وطلبُ تصانيفِكَ والثَّناءِ عليهِ، فهو لا ينافي الرَّدَّ عليه، فإنِّي قد قَضَيْتُ ما هو الواجبُ عليَّ، ورجوتُ بذلكَ أن يكونَ لي لا عَليَّ، إذ الواجبُ على العلماءِ هو أن لا يَسْتَنْكِفوا عن مطالعةِ كتبِ معاصرِيهم، ولا يتكبَّرُوا ولا يَتَنَزِّهوا عن معاينةِ زبرِ أدانيهم وأقاصيهم ولا يَتَفَخَّروا، وأن لا يكونوا بُكْماً وعُمْياً عن الثَّناءِ عليها، بمدائحَ تليقُ بها، ثم إن وجدوا فيها ما يَغْلِبُ ضرُّهُ على نفعهِ، وخُبْثُهُ على لُطفِهِ، وسَقَمُهُ على صحَّتِهِ، وخطأَهُ على صوابِهِ، يَجِبُ عليهم أن يردُّوا عليِه ردَّاً بليغاً، ويُبَرْهِنُوا على بطلانِ ما كان قَبْيحاً وشَنِيعاً، وخَبِيثاً وكَثِيفاً، ويُخلصون فيه النِّيَّةَ، فإنِّما الأعمالُ بالنِّيَّةِ.
ثمَّ هذا الواجبُ وإن كانَ كفايةً لا عَيْناً، لكنَّ المسارعةَ إلى الخيراتِ مرغوبٌ فيها عَيْناً، فَطُوبى لمنْ سارعَ إلى الخيراتِ، وصارَ أبا لحد، وبادرَ إلى تبيينِ الجهالاتِ والبطالاتِ، ردَّاً على مَن صدرَ منه تزيينُ الخُرافاتِ، وبهذا ظهرَ أَنَّهُ لا منافاةَ بين الثَّناءِ على كُتُبِكَ، وبين ذمِّ زُبُرِكَ، فإنَّ الحكمَ مختارٌ حسب اختلاف الحيثياتِ، وكذا لا منافاةَ بين طلبِها، ومعاينتِها، والرَّدِّ عليها، الحكمُ مُفْتَرِقٌ حَسْبَ افتراقِ الاعتبارات.
قولُهُ(ص5): ثمَّ إنَّ السيِّدَ لَمَّا أَخبرَهُ النَّاسُ بصنعِهِ هذا في هوامشِه تركَ معه الكتابَ والخطابَ والجوابَ، وسكتَ عن إساءاتِهِ على عادةِ أولي الألبابِ، وهو إلى العامِ الماضي يكتبُ إليه الخطوطَ، ويسعى للنَّاسِ ملازمتَهَ الرِّياسةِ فلم يقبلْ السيِّدُ سعيد.
أقولُ: تأمَّل ماذا يتفوَّهُ ناصرُكَ، ويَصفُكَ بوصفٍ لا * أمثالُكَ.
أهذه عادةُ السَّاداتِ؟
كلا واللهِ؛ إن عاداتِ السَّاداتِ، ساداتُ العاداتِ.
أهذه طريقةُ مجدِّدي المئاتِ؟
كلا والله؛ إن هذه طريقةُ مجدِّدي الخرافاتِ.
أهذا منهاجُ أربابِ الهدايةِ والاهتداء؟
كلا والله؛ إن هذا منهاجُ أصحابِ السِّعايةِ(1)والإرتشاءِ.
أَمَا علمتَ أنَّ الاطِّلاعَ على عيوبِهِ مفيدٌ لأصحابِ العيوبِ؛ ليتنبَّهُوا عليه ويزيلوا عن نفوسهِم العيوبَ.
أَمَا عَرَفَ أنَّ تَعَقُبَ عالمٍ إذا كانَ صحيحاً لا يُسْتَحَقُّ هو به تركَ الكتابِ والخطابِ، بل يجبُ أداءُ شكرِهِ، فمَن لم يشكرْ النَّاسَ لم يشكرْ نعمةَ ربِّهِ، وإزالةُ ما به تُعُقِّبَ، وإصلاحُ ما عليه تُعقِّبَ، وتركُ الخطابِ والكتابِ عندَ تَعَقُّبِ النَّاسِ من الأرجاسِ(2)، لا يَسْتَحْسِنُهُ فضلاءُ النَّاسِ، بلْ حملةُ الأنجاسِ، بلْ هو أدلُّ دليلٍ على البُغْضَةِ والحِقْدِ، والمحاسدةِ، والكَدِّ، والتَّبَخْتُرِ والتَّفَخْرِ، فرحمَ اللهُ مَن إذا نُبِّهَ على مسامحاتِهِ، شَكَرَ مُنبِّهَهُ، وأزالَ مغالطاتِهِ، وحفظَ الخَلِيقةَ عن سيئاتِهِ، وعدَّ تَعَقُّبَ مَن تَعَقُّبَ من حسناتَهِ.
وويلٌ؛ ثمَّ ويلٌ لمن تَجَبَّرَ وطَغَى، وتَفَخَّرَ وغَوَى، وغَضِبَ من إيراداتِ معاصريهِ عليهِ، وكَرُبَ من تبيانِ مسامحاتِ ما لديهِ، وتركَ الكتابَ والجوابَ، وحُرمَ الأجرَ والثَّوابَ.
(1) أي النَّميمة.أ.
(2) الرِّجس: القذر. ((مختار))(ص234).
وما أحسنَ قولَ عُمرَ بن الخطَّابِ: لا خَيْرَ فِيهِمْ إِنْ لَم يَقَولُوا لَنَا، وَلا خَيْرَ فِينَا إِنْ لَمْ نَقْبَلْ. أخرجه أبو يوسفٍ(1) في كتابِ ((الخراجِ))، عن أبي بكر بن عبدِ اللهِ، عن الحسنِ البصريِّ(2)، أن رجلاً قالَ لعُمرَ: اتقِ اللهَ يا عُمرَ فأكثرَ عليهِ فقالَ لهُ قائلٌ: أسكتْ فقدْ أكثرتَ، فقالَ لهُ عمرَ: دَعْهُ لا خَيْرَ فِيهِمْ إِنْ لم يَقُولُوا لَنَا…الخ.
وقال حكيمٌ من الحكماءِ: مَن وعظكَ، فقد أيقظكَ، ومَن بصرَّكَ، فقد نصرَكَ. انتهى.
وقال آخرَ: مَن احمَّرّ لونُهَ من النَّصيحةِ، إسودَّ وجهُهُ من الفضيحةِ. انتهى.
أيّها النَّاصرُ الغيرُ الزَّائرِ(3)، كذبتَ، فيما كتبتَ، فإنَّ تركَ الكتابَ كان من هذا الجانبِ، لا من ذلك الجانبِ، وذلك لأنِّي كنتُ أرسلُ إلى صاحبِ ((الإتحاف)) المكتوباتِ، ظنَّاً منِّي أَنَّه من العلماءِ الثِّقاتِ، وأَذْكُرُهُ فيه بأوصافِ النُّبلاءِ، وألقابِ الفضلاءِ.
(1) هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن خُنَيْس بن سعد بن حَبْته بن معاوية، أبو يوسف، صاحب أبي حنيفةَ، سعد بن حَبْته من الصحابة أتي يوم الخندق إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فدعا له ومسح على رأسه، من مؤلفاته: ((الأمالي))، ((النوادر))، و((الآثار))، (113-183هـ). انظر: ((النجوم الزاهرة))(2: 107-708)، ((العبر))(1: 284).
(2) هو الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد، (21-110هـ). انظر: ((وفيات))(2: 69).
(3) أي لا تقول بزيارة قبر النِّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.
فكتبَ إليَّ، وأنا إذ ذاكَ مقيمٌ بحيدرَ آبادَ الدّكن ـ صانَها اللهُ عن الفتنِ ـ وكان ذلك سنةَ إحدى وتسعينَ، واثنتينَ وتسعينَ، يُعلّمُني ذِكْرَهُ بخطابِ الرُّؤساءِ والسَّلاطينَ، ويُرشِّدني إلى أن أكتبَ لهُ لفظَ النُّوَّاب(1)، مع شرائفِ الخطابِ.
فعندَ ذلك محوتُهُ من دَفْتَرِ العالِمينَ، وحسبتُ أنَّهُ ممَّن وَلَجَ في روحِ الإمارةِ، وترفَّعَ بنَفْسِهِ على العالمين.
فعندَ ذلكَ غَلقتُ أبوابَ المراسلةِ، غَلْقَاً لا يُفْتَحُ بعدَهُ، وسددتُ نقباتِ المكاتبةِ سَدَّا لا يُنْقَبُ بعدهُ، ولم أرسلْ بعدَ ذلك إلى الآنَ، إلا مكاتبةً واحدةً مشتملةً على سعي بعضِ الإخوانِ، عملاً بالحديثِ الذي حكمَ بالفضلِ لقابلهِ، يعني: (الدَّالُ عَلَى الخَيْرِ كَفَاعِلِهِ)(2).
والحديثُ الذي خرَّجُوه في كتبِهم وصحَّحُوا، يعني: ( اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا)(3).
(1) هو يلقب يطلق على المَلِك، ومن هنا يقال النُّوَّاب صديق حسن خان؛ لأنَّه صار ملكاً لبهوبهال عند تزوَّج ملكتها.
(2) في ((مستدرك الحاكم ))(6: 186) رقم (5945). و((سنن أبي داود))(4: 333)، و((الجامع الترمذي))(5: 41).
(3) في ((صحيح البخاري))(2: 420) رقم (1365). و((صحيح مسلم))(4: 2026) رقم (2627). و((سنن أبي داود))(4: 334) رقم (5131). و((جامع الترمذي))(5: 42) رقم (2672). و((المجتبى))(5: 77) رقم (2556). و((السنن الكبرى))للنسائي(2: 40) رقم (2338). و((مسند أحمد))(4: 400) رقم (19599). و((صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان))(2: 288) رقم (531). و((سنن البيهقي الكبرى))(8: 167) رقم (16456). و((مسند أبي يعلى))(13: 281) رقم (7296). و((المعجم الكبير))(19: 348) رقم (809). و((مسند الحميدي))(2: 340) رقم (771). و((مسند الشهاب))(1: 363) رقم (619).
فبلغَ إليَّ الخبرُ أنَّهُ كربَ بتلكَ المكاتبةِ، وغضِّبَ، وسبَّ بلا سببٍ، وأغلظَ المقولةَ، بين يدي حاملِ تلكَ المراسلةِ، فتعجبتُ من ذلك عجباً كثيراً.
وقلتُ متعجباً: اللهُ أكبرُ كبيراً! لبُعدِ مثلَ هذه الحركةِ، عن أصحابِ البركةِ.
ثمَّ إنِّي مع امتدادِ الزَّمانِ في القدحِ والجرحِ، بحمدِ اللهِ إلى الآنَ صافيَ الجَنَانِ عن البغضِ والحسدِ والطُّغيانِ، لا أتكلَّمُ إلا بعلمٍ، ولا أنطقُ إلا بحلمٍ، مبالغاً في حفظِ اللِّسانِ، محافظاً للأركانِ، مُقتفياً(1) للسَّلفِ بإحسانٍ، {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}(2).
وهذه عادتِي في ردِّ كلِّ مَن أَرُدُّ عليهِ، أنَّي:
لا أبغي عليهِ.
ولا أتجاوزُ الحدَّ.
ولا ألطمُ الخدَّ.
ولا أشتمُ الأبَ والجدَّ.
ولا أقتحمُ مواردَ اللَّدِّ(3) والكدِّ.
ولا أتكلَّمُ في حقِّه بكلماتِ السَّبِّ والشَّتمِ.
ولا أصفُه في رسائلي بصفاتِ الغضبِ والظُّلمِ.
وأقفُ عندَ ظهورِ الحقِّ ولا أُجانبُ(4)، وإن كان المردودُ عليهِ من الأجانبِ(5).
ولا آلو(6) جهداً في بيانِ الحقِّ الصُّراحِ(7).
ولا أقصرُ في تبيانِ الصِّدقِ الصَّحاحِ(8)، مع تصحيحِ النِّيَّةِ وإخلاصِ الطَّويَّةِ.
ولا يَرْتَكِزُ في قلبي البُغضُ ممَّنْ ردَّ عليَّ أو سبَّني، ظنّاً منِّي أنَّ مثلَ ذلك نقصٌ له ولا نقصٌ فيه لمثلِي، ولمثلِ هذا فليعملْ العاملونَ، ولو كَرِهَ الجاهلونَ، وبمثلِ هذا فليفرحْ العالِمونَ، ولو كَرِهَ النَّاقصونَ.
(1) أي مقتدياً.أ.
(2) من سورة الرحمن، الآية (46).
(3) اللَّدُّ: الخصومة. ((مختار))(ص595).
(4) من المجانبة.أ.
(5) جمع الأجنبي.أ.
(6) أي لا أقصر.أ.
(7) الخالص.أ.
(8) أي الصَّحيح.أ.
والعجبُ كلُّ العجبِ منكَ ومن أنصاركَ؛ من غَرَزَ جَرِيدَ المُنَافَسَةِ والمُباغضةِ في صدورِكُم، ورَكَزَ سُترةَ المُخاصمةِ والمُنازعةِ في قلوبِكم، كما تَشْهَدُ به أخبارُكُم وآثارُكُم، وهذا مستبعدٌ عن كلِّ فاضلٍ، فضلاً عمَّن يدَّعى أنه مُتَّقي ومُتديِّنٍ.
ومُسْتَعْجَبٌ عن كلِّ كاملٍ، فضلاً عمَّن ينادي بأنَّهُ محمديٌّ ومحيي السُّننِ.
قولُهُ(ص5): مع أنَّ الرَّادَّ نفسُهُ قد انتفعَ بمؤلَّفاتِ مولانا السَّيِّدِ، وعَرَفَ منها ما لم يكنْ يَعْرِفُهُ قبلَ ذلكَ بلا ريبٍ كما يعلمُهُ أكثرُ الطَّلبةِ.
أقولُ: هذه المعيَّةُ لا تفيدُ شيئاً، فإنَّ الانتفاعَ بمؤلَّفاتِكِ على تقديرِ تسليمِهِ لا يُخالِفُ تَعَقُّباً ونَقْضاً، ألا ترى إلى أنَّ الإمامَ الشَّافِعِيَّ قد اِستفادَ من مالكٍ وأهلَ المدينةِ ثمَّ ردَّ عليهم، والإمامُ مُحَمَّدٌ(1) اِنتفعَ بعلومِهم، ثمَّ ردَّ عليهم(2).
(1) مُحَمَّد بن الحَسَن بن فرقد الشَّيْبَانِيّ، أبو عبد الله، صاحب أبي حنيفة، قال الذَّهَبِيّ: كان من أذكياء العالم، قال الإمام اللكنوي: وله تصانيف كثيرة، منها : ((المبسوط))، و((الجامع الصغير)) طالتعه ، و((الجامع الكبير)) طالعته ، و((السير الكبير)) طالعته، ((السير الصغير)) طالعته، و((الزيادات)) طالعته، وهذه هي المسمَّاة بظاهر الرِّواية والأصول عندهم، و((الرقيات))، و((الهارونيات))، و((الكيسانيات))، و((الجرجانيات))، و((الآثار))، و((الموطأ)) طالعتهما، (132-189هـ). انظر: ((بلوغ الأماني))(ص4)، ((الكشف))(1: 561)، ((العبر))(1: 302)، ((مقدِّمة الهداية))(14:3). و((النافع الكبير))(ص34-38)، و((الفوائد البَهيَّة))(ص163).
(2) في كتابه: ((الحجَّة على أهل المدينة))، و((موطأ محمد)) أي ((موطأ)) الإمام مالك برواية محمد بن الحسن الشيباني، وللإمام اللكنوي حاشية عليه مسمَّاةٌ بـ((التعليق الممجد على موطأ محمد)).
قولُهُ(ص5): ثمَّ إنَّ السَّيَّدَ كان فارغَ التَّحصيلِ في زمانِ حياةِ أبيهِ، وكان له لقاءٌ منه، وهو بمنْزلةِ أبي الرَّادِّ، باعتبارِ السِّنِّ، وسموُّ الفنِ، والرَّادُّ بمثابةِ ولدهِ، باعتبارِ صغرِ العمرِ، وقلَّةِ العلمِ.
أقولُ: أُنْشِدُكَ باللهِ أيَّها المنصورُ ـ دَفَعَ اللهُ عن ناصرِكَ الغرورَ، وشرَّفَهُ بزيارةِ سيِّدِ القبورِ، قبرُ سيِّدِ أهلِ القبورِ(1) ـ هل سمعتَ من عالمٍ مثلَ ذلك، أو سَلَكَ أحدٌ من أهلِ العلمِ هذه المسالكِ؟
كلا واللهِ؛ لا يَبْرُكُ في هذه المباركِ إلا الجاهلُ الخاملُ الموصوفُ بالولوجِ(2) في المهالكِ، ولا يتكلَّمُ بمثلِ هذه المزخرفةِ إلا الهالكُ السَّالكُ بغيرِ بصيرةٍ في اللَّيلِ الحالكِ، لا مَن يتَّصِفُ بالمصنِّفِ والنَّاسكِ، والمتديِّن الماسكِ، {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ}(3)، وعظمتْ جملةً تبرزُ من أستاهِهِم.
هل هو في عالمِ الوجودِ حقُّ يَفْتَخِرُ على كلِّ موجودٍ؟
هل أحاطَتْهُ الملائكةُ من حولِهِ خاشعينَ، أم نادى منادٍ لهُ: هذا الرَّجلُ مرتضىً ومصطفىً فكونوا له خاضعينَ؟
ما له أتجبَّرَ بالولايةِ، وتَبَخْتَرَ بالإمارةِ، وقد وُلِّيَ بمثلِ رئاستِهِ مَن هو أكثرُ منكَ ومنهَ علماً، وأوفرُ فَهْماً، وأَطْولُ باعاً، وأفضلُ ذِراعاً، وأكرمُ نَجْوىً، وأعظمُ تَقْوىً، وأَنْجبُ نَسَباً من الطَّرفينِ، وأطيبُ حسباً من الوالدين، وأشهرُ ذِكْرَاً، وأبهرُ فَخْراً، وأزيدُ بسطةً في العلمِ والجسمِ، وأشدُّ سطوةً في الفَهْمِ والحُكْمِ، فلم يَخْتَرْ هو ولا أحدٌ من ناصريه ومقرَّبيهِ مثلَ هذه الجَفْوَةِ، ولم يَسْطُرْ مثل هذه الهَفْوَةِ.
أمَا سَمِعَ أنَّ النّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم: كانَ أَلْطَفَ الخَلُقِ تَكَلُّماً، وأَنْظَفَ النَّاسِ نُطْقَاً.
(1) أي قبر النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم.
(2) بالدُّخول.أ.
(3) من سورة الكهف، الآية (5).
فواحسرتاهُ ووامصيبتاهُ، قد مَضَى الرَّسولُ المُكَرَّمُ، صاحبُ الخُلْقِ المعظمِ بسبيلِهِ، وخَلَفَ من بعدِهِ خلفٌ أضاعوا الصَّلواتَ، واتبعوا الشَّهواتَ، واختلطوا بالخبيثاتِ، وخالطوا بالمُنَّجَسَاتِ، وتكلَّموا بالخُرافاتُ، ونطقوا بالواهياتِ، وسوَّدوا صحائفَ أعمالِهم بالمُزَخْرَفَاتِ، وكلَّفوا كِرَامَهُم كاتبي أفعالَهم بكتابةِ المَنْهياتِ، {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ}(1)،{كَلا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى، إنْ رَآهُ اسْتَغْنَى}(2)، قائلاً:
أنا عونُكُمُ الأعلى، وبحرُكُمُ الأقصى، أنا المتشيِّخُ الأكرمُ، والمتشمِّخُ الأعظمُ، لا أظنُّ أحداً من المعاصرينً يساويني، ولا أحداً من الغابرينَ يُدَانينِي، وإن مَن سواي من أهلِ العصرِ بالنِّسبةِ إليَّ كالأطفالِ الغيرِ البالغينَ مبلغَ الرِّجالِ، أنا خيرٌ منهم علماً، وأكبرُ منهم سِنَّاً، وأنا من الرِّجالِ.
ولنُسْمِعَكَ ما في كلامِ ناصرِكِ المختفي، من الخبثُ الرَّدِيء، لفظاً لفظاً:
فقولُهُ: إن السَّيِّدَ كانَ فارغَ التَّحصيلِ في زمانِ حياةِ أبيه.
كلمةٌ خرجتْ من فمِ سفيهٍ(3)، غيرَ وجيهٍ(4) ولا نبيهٍ(5).
أمَا عَلِمَ أنَّ هذا غيرُ كافٍ للفضلِ، فكم ممَّن فَرَغَ من التَّحصيلِ في حياةِ والدي يعدُّ من أصحابِ الجهلِ، وكم ممَّنْ كَمَّلَ في حياتِهِ لا يليقُ بأن يَحْضُرَ مجالسَ درسِي، ويَسْتَفِيدُ مني؛ لفقدِ استعدادِهِ، وذهابِ محصِّلاتِهِ، وكم ممَّن فَرَغَ في حياتِهِ اتَّخذَ ما كَسَبَهُ ظهرياً، وحُسِبَ بغيَّاً، وجُعِلَ ما عَلِمَهُ شيئاً فريَّاً، فعُدَّ شقيَّاً.
(1) فيه اقتباس من سورة النُّور [الآية (26)]، والمراد بالخبيثات والطيبات: الكلمات الطيبة واللطيفة.أ.
(2) من سورة العلق، الآيتان (6،7).
(3) من السَّفاهة.أ.
(4) من الوجاهة.أ.
(5) من النَّباهة.أ.
وقولُهُ: هو بمنْزلةِ أبي الرَّادِّ باعتبارِ علوِّ السِّنِّ، وسموِّ الفنِ.
كلامٌ يَسْتَحْسِنُهُ اللِّئامُ، ويَسْتَقْبِحُهُ الكرامُ؛ لكونِهِ مُفَرَّعاً على ما مرَّ سابقاً، فإذا بطلَ بطلَ، ولعلَّكَ لم تسمعْ ما اشتهرَ بالفارسيّةِ: بزركى بعقل ست نه بسال، أي العلوُّ يكونُ بالعلمِ والعقلِ لا بالعمرِ.
فكم من طويلِ العمرِ غبيٌّ وضالٌّ، ومَن هوَ أقلُّ عُمْراً منه ذكيٌّ بالغٌ إلى رتبةِ الكمالِ.
أما قَرَعَ سمعَك أن اِبنَ عبّاسٍ ـ حَبْرُ المفسِّرينَ وبحرُ المحدَّثينَ ـ كانَ في أيامِ الحياةِ النَّبويَّةِ من الأطفالِ، ثمَّ تَرَقَّى بهِ الحالُ إلى أن عَرَجَ معارجَ الكمالِ، وفاقَ على شيوخِ الصَّحابةِ من النِّساءِ والرِّجالِ، ومن ثمَّ كانَ عمرُ رضيَ الله عنه يعظِّمُهُ أكبرَ تعظيمٍ، ويفخِّمُهُ في مجلسِهِ أكثرَ تفخيمٍ، ولا يفعلُ مثلَهُ في حقِّ غيرِهِ مع عُلوِّهِ طَبَقَةً، وكِبَرِهِ سِنَّاً، وطولِهِ عُمْرَاً.
ثمَّ لقائلٍ إن يردَّ عليكَ بمثلِ هذا: بأنَّ أبا حنيفةَ كان أكبرَ منك سِنَّاً، وأقدمَ منك عَصْرَاً، وأكثرَ منك عِلْمَاً، وأوفرَ منكَ فَهْماً، فهو بمنْزلةِ أبيكَ بل جدُّ أبيكَ، وأنتَ بمنْزلةِ ولدِهِ، بل مَن هو أدنى منه، وهذا يستدعي الأدبَ البالغَ معهَ، فما لكَ تضعِّفُهُ وتردُّ عليهِ، وما الذي أباحَ ذلك لك، وحرَّمَ لغيرِكَ.
ومثلُ هذا يجري في جميعِ إيراداتِكَ على كلِّ مَن مَضَى قبلَك، وقد رددتَ في كُتُبِكَ على أُستاذِكَ، وهو بمنْزلةِ والدكِ، وهو المُفْتِي صدرُ الدِّينِ الدِّهْلَوِي(1)، وما أَحْسَنَ ما اشتهرَ على لسانِ كلِّ رجلٍ وصبيٍّ: مَن حَفَرَ بِئْرَاً لأخيهِ فقدْ وقعَ فيهِ(2).
(1) هو صدر الدين بن لطف الله الكشميري الدِّهْلَويّ، كان نادرة دهره في كل علم لا سيما الفنون الأدبية، إذا سئل في فن من الفنون ظنَّ الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحداً لا يعرف مثله، من مصنَّفاته: ((منتهى المقال في شرح حديث: لا تشد الرحال))، و((الدر المنضود في حكم امرأة المفقود))، والفتاوى الكثيرة، (1204-1285هـ).انظر: ((نزهة الخواطر))(7: 226-227).
(2) ذكره الميداني في ((مجمع الأمثال))(2: 253) بلفظ: من حفر مُغَوَّاةً وَقَعَ فيها. وقال المُغَوَّاة: بئر تحفر وتغطى للضبع والذئب، ويجعل فيها جدي.
قولُهُ(ص5): لكنَّ رعونةَ أهلِ الرَّأي لا تدعُ لأحدٍ قلباً سليماً، لا سيما كوفةَ الهندِ، وقُطَّان محلةِ الفرنجِ(1)، فإنَّ ديانَتَهُم قدْ انحصرتْ في ردِّ أهلِ الحَّقِّ قديماً وحديثاً.
أقولُ:
ما هذه الرُّعونةُ؟
وما هذه الخشونةُ؟
ما هذا الذي تفعلُهُ طريقةُ المناظرةِ، ولم يناظرْ مثلُهُ أحدٌ في الأزمنةِ الغابرةِ؟
وما هذا الذي ترتكبُهُ شريعةُ المدافعةِ، ولم يفعلْ مثلُهُ أحدٌ في الأيامِ الماضيةِ؟
(1) قال الإمام اللكنوي في تاريخ ووصف ((فرنكي محل)) في ((النافع الكبير))(ص61): قد وهبَها لهم السلطان أورنك زيب عالمكيرة نور الله مرقده، وَوَجْهُ اشتهارها بفرنكي محل ، أَنَّها كانت في السَّابق مسكناً لتاجر نصراني، ولم يزلْ هذه المحلة معمورة بالعلماء والأولياء والصّلحاء إلى هذا الأوان، وكلهم من أولاد الأبناء الأربعة للقطب الشهيد : ملا مُحَمَّد أسعد ، وملا مُحَمَّد سَعِيد ، ومُلا نظام الدِّين ( والد ملك العلماء بحر العلوم مولانا عَبْد العلي ) ، وملا مُحَمَّد رضا رحمهم الله تعالى، وهذا كلًّهُ ببركة دُعاء سلطان الأولياء نظام الدِّين رحمه الله المدفون بدهلي لبعض أجداد القطب : أَنَّهُ لا يزال العلم في نسله ، وببركة دعاء بعض الأبدال للقطب مثله.
وإنَّما شأنُ المُدافعِ والمُناظرِ أن يجيبَ عمَّا وردَ عليهِ، أو يُسلِّمَ بأنَّهُ مُخْطِئٌ قاصرٌ، ثمَّ إذا عادَ إليه خصمُهُ بسيفِهِ، حفظَ نفسَهُ من جَرْحِهِ، وهكذا إلى أن يُخْتَتَمَ الكلامُ، ويَنْقَضِي الملامُ، كلُّ ذلك مع سلامةِ النُّطقِ، والصَّدرِ، والمُجانبةِ عن اللَّغوِ والهَذَرِ(1)، لا أن ينتدبَ المردودُ عليه ناصرِيهِ للمُهاجرةِ والمُباغضةِ، والمُنافسةِ والمُدابرةِ، والمُلاعنةِ والمُشاتمةِ، والمُجادلةِ والمُكابرة،ِ والمُقاتلةِ والمُفاخرةِ، فَيَسِبُّ الرَّادَّ وأباهُ وأعزَّتَهُ، ويعيبُ على مَن توطَّنَ بوطنِهِ، وقَطَنَ(2) محلِّتَهَ، ويتنابزُ بالألقابِ الرَّكيكةِ، ولا يتركُ في الخبطِ والحطِّ دقيقةٌ.
والذي نفسي بيده وقامتْ نصرَتِي بقوتِهِ، هذا فعلُ المجانينَ المقبوحينَ، لا فعلُ المعُانينَ الممدوحينَ، وما أشبَهَ هذا بصنيعِ الطَّائفةِ الشَّاتمةِ، اللاعنةِ الباغضةِ، الشَّاغبةِ الصَّائحةِ، الخافضةِ النَّاقضةِ، المُلقَّبةِ بالإماميّةِ والرَّافضةِ، حيثُ يبالغونَ في شتمِ أهلِ السُّنَّةِ خَلَفِهِم وسَلَفِهم، ويَسُبُّونَ مَن يُعاصرَهُم وآبائَهم وأجدادَهم، ويعيبونَ على أعزّتِهم وشركائِهم مَسْكَناً وموطِناً، وبلداً ومحلَّةً إلى ما تنتهي إليه آراؤهم، وتقفُ عليه أهواؤهم.
(1) الهَذَر: بفتحتين: الهذيان. ((مختار))(ص693).
(2) سكن.أ.
قولُهُ(ص5): أمَا رأيتَ أبا الرَّادِّ كيفَ ردَّ في زعمِهِ الباطلِ على مسندِ الوقتِ الشَّاه وليُّ الله الدِّهْلَويُّ(1) في ((شقِّ القمرِ)) حتَّى أَفْحَمَهُ بعضُ طلبةِ العلمِ من أهلِ رامفور، باستكتابِ الفَتَاوى مِن أمصارِ العَرَبِ والعَجَمِ.
أقولُ: إذا لم تسحيي فاصْنَعْ ماشئتَ، وإذا لم تخشَ ربَّكَ فتفوَّه بما أردتَ، وإن كان من المكذوبِ والسُّحُتِ(2)، والمعتوبِ والبُهْتِ(3).
أنظرْ ناصرَكَ وصنيعَهُ، وطريقةَ مَن ردَّ عليك وصنيعَهُ، كيف ذكرتُ في ((إبرازِ الغَّيِّ)) عندَ البحثِ عن شعرِكِ المددي اسمَ والدِكِ الماجدِ بألقابٍ تدلُّ على أَنَّهُ من الأماجدِ!!!
وكيفَ ذَكَرَ ناصرُكَ والدي الماجدِ بما يَسْتَنْكِرُهُ كلُّ راكعٍ وساجدٍ؟! فشتَّانَ ما بيني وما بينكم، فكلامي يدلُّ على مرتبَتِي، وكلامُكُم على مرتبتِكُمْ، وكلُّ فرعٍ يَشْهَدُ بأَصلِهِ، وكلُّ ذرعٍ يخبرُ عن نسلِهِ.
(1) هو أحمد بن عبد الرحيم المعروف الفاروقي، أبو العزيز، الملقب شاه ولي الله الدِّهْلَوِيّ، من مؤلفاته: ((حجة الله البالغة))، ((الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف)) قال الإمام اللكنوي عنها: ولعمري إنِّها حقيقة بما سمِّيت به ومَن طالعتها بنظرٍ صحيح خَرَجَ عن اعتسافه، و((الانتباه إلى أصحاب الوجوه))، (1114ـ1176هـ). انظر: ((مقدمة التعليق الممجد))(ص40)، ((الأعلام))(1: 145).
(2) السُّحُت: بسكون الحاء وضمها: الحرام. ((مختار))(ص288).
(3) البُهْتُ: من بَهَتَ: أي أخذه بَغْتَةً. ((مختار))(ص66).
وما أحسنَ قولَ الشَّاعرِ الماهرِ المعروفُ بحَيْصَ بَيْص(1):
مَلَكْنَا فكانَ العَفْوَ مِنَّا سَجِيَّةً
فَلمَّا مَلْكْتُم سَالَ بالدَّمِ أَبْطُحُ
وحلَّلْتُموا قَتْلَ الأَسارى وَطَالَمَا
عَدَوُنا على الأَسْرَى فنعفو ونَصْفَحُ(2)
وحَسْبُكُمُ(3) هَذَا التَّفَاوُتُ بَيْنَنَا
ذ
وَكُلُّ إِنَاءٍ بِالذي فيه يَنْضحُ(4)
0
ثمَّ نسبةُ البطلانِ إلى ردِّ الوالدِ الماجدِ، على محدِّثِ الهندِ وليُّ اللهِ فخرُ الأماجدِ، في قولهِ: أما شقُّ القمرِ فعندنا ليسَ من المعجزاتِ الخ، وتصويبُ تقريراتِ المولوي أحمد علي الرامفوري المرحومُ الشَّهيرُ بمولوي دَنَّا، من الخُرافاتِ عندَ كلِّ منْ له فهمٌ أدنى وعقلٌ يفهمُ به الفرقَ بين كيف وأنَّى.
وإن كنتَ في ريبٍ ممَّا بينَّا، فانظر رسالتي التي ألفتُها رداً على الرَّادِّ الرامفوري(5) المسمَّاةِ بـ((جمعِ الغُرَرِ في الرَّدِّ على نثرِ الدُّرَرِ))(6)، فقد ذكرتُ فيها ما صدرُ منه منَ اللَّهوِ والهَذَرِ، واللَّغوِ والهَذَرِ، ممَّا يشبهُ كلامَ مجانينَ البشرِ، وإنْ شئتَ قلتَ: يشبهُ الحجرَ والشَّجرَ، والغبارِ والمدرِ.
وطالعْ أيضاً رسالتين:
أحداهما: في ردِّهِ الإستقلالي.
(1) هو سعد بن محمد بن سعد بن الصَّيْفِي التَّميميّ الشَّافِعِيّ ، أبو الفوارس، شهاب الدين، المعروف: بحَيْصَ بَيْصَ، ، سُمِيَّ به لأنه رأى الناس يوماً في أمر شديد، فقال: ما للناس في حَيْصَ بَيْصَ، فبقي عليه هذا اللَّقب، (ت574هـ). انظر: ((معجم الأدباء))(11: 199)، ((وفيات))(2: 262)، ((الأعلام))(3: 138).
(2) في ((معجم الأدباء)): ((غدونا عن الأسرى نعفُّ ونصفح)).
(3) في ((معجم الأدباء)): ((فحسبكم)).
(4) انظر: ((معجم الأدباء))(11: 207).
(5) هو أحمد علي المصطفى آبادي الرامفوري، نسبة إلى مصطفى آباد بلدة معروفة في رامفور. انظر: ((جمع الغرر))(ص30).
(6) طبعت في مطبع جثمه فيض سنة (1305هـ).
وثانيهما: في ((ردِّ السَّيفِ الماضي))للفاضلِ التّونكيّ.
كلتاهما للفاضلِ الكاملِ فخرِ الأفاضلِ والأماثلِ، حبيبي وشفيقي، المولوي الحكيمِ وكيل أحمد السَّكندرفوري(1)، لا زالَ موصوفاً بالفضلِ المعنويِّ والصوريِّ، من أرشدِ تلامذةِ الوالدِ الماجدِ.
قولُهُ(ص5): وكذلكَ ردَّ على والدهِ الشَّيخُ عبدُ الحليمِ المولوي محمَّد صالح أبو الحسنِ في رسالتِهِ ((تمييزُ الكلامِ في بيانِ الحلالِ والحرامِ)).
أقولُ: قد ارتدَّ ردُّهُ في ذلكَ الزَّمانِ، وتبيَّنَ ما زانَ وما شانَ، وانكشفَ مَن هو ذو خلوصٍ، ومَن اهتمَّ بالطُّغيانِ.
ولا أدري أيُّ فائدةٍ في هذه الزَّوائدِ، فالزَّائدُ يجبُ حذفُهُ، وأيُّ نكتةٍ في إيرادِ هذه الشَّواهدِ، فمثلُهُ يجبُ كشطُهُ:
زيادةُ القولِ تَحْكِي النَّقصَ في العملِ
ومنطقُ المرءِ يهديه للزَلَلِ
إنَّ اللِّسانَ صغيرٌ جرُمُهُ وله
جُرمٌ كبيرٌ، كما قيل في المثلِ
فكم نَدِمْتُ على ما كُنْتَ قُلْتُ به
وما نَدِمْتَ على ما لم تكنْ تقل
(1) هو وكيل أحمد بن قلندر حسين بن محمد وسيم بن محمد عطاء العمري السكندرفوري الحنفي، من مؤلفاته: ((الياقوت الأحمر في شرح الفقه الأكبر))، و((التحقيق المزيد في لعن يزيد))، و((تنقيح البيان بجواز تعليم كتابة النسوان))، و((دافع الشقاق عن إعجاز الانشقاق))، (1258-1322هـ). انظر: ((نزهة الخواطر))(8: 517-518).
وهل هذا إلا كما لو أخبرتُكَ: أنَّهُ قد ردَّ على والدِكَ فلانٌ وفلانٌ، من أفاضلِ الدَّورانِ، ومنهم: المولوي وكيل أحمد السّكندرفوريّ، ردَّ عليهِ، ردَّاً بليغاً مقبولاً عندَ كلِّ منتهي غيرُ فَخوريٍّ، في رسالتِهِ ((السَّجيةِ الرَّضيةِ))، وغيره من تآليفه البهيَّةِ، لكنِّي لستُ أسلكُ مسلكَ الثّرثارينَ المتشدِّقينَ، ولا أرتضي بمنسكِ المتعسِّفينَ المتنطِّعينَ، ولو ناظركَ غيري، من أفاضلِ عَصْرِي، لفَعَلَ وفَعَلَ، فقَصَرَ وكَسَرَ، وقَشَرَ وأَشَرَ، وحَسَرَ وحَصَرَ، وزَجَرَ وعَصَرَ، ونَهَرَ ونَشَرَ، وكَهَرَ وشَهَرَ، إلى أن يُقْبَرَ فيُحْشَرَ، ويُنْشَرَ فيُنْشَرَ.
قولُهُ(ص6): من العجائبِ؛ الرَّادُّ لا يردُّ على الرَّافضةِ، الذين ردُّوا على أسلافِهِ في ((الاستقصاءِ))، بلْ يمدحُ بعضَهم، ويردُّ على الذين لم يردُّوا عليه، وهم من أهلِ السُّنَّةِ.
أقولُ: هذا ليسَ بعجيبٍ عند الأريبِ، فإنَّ الواجبَ على العلماءِ الإقدامُ بردِّ أهمُّ فأهمُّ، ومن المعلومِ أنَّ خُرافاتِ الرَّافضةِ، ليست بتلك الضَّارَّةِ، لعلمِ أهلِ السُّنَّةِ أنَّهم منهُم، بخلافِ خُرافاتِ من يُعدُّ من أهلِ السُّنَّةِ، ويَعدُّ نفسَهُ من مجدِّدِ الملَّةِ، فإنَّ ضررها أسرعُ وأحكمُ، فدفعُهُ وردُّهُ واجبٌ على علماءِ العالمِ.
قولُهُ(ص6): وكذلكَ لا يزالُ يردُّ هذا الباغضُ على غير السَّيِّدِ من أهلِ العلمِ والصَّلاحِ كمولانا مُحَمَّدِ بشيرِ السَّهْسَوانِيّ، وهل هذا إلا شأنُ الذينَ يريدونَ علوَّاً في الأرضِ وفساداً.
أقولُ: ما أحسنَ كلامَ ناصرِكَ! حيثُ يصفُ نفسَهُ بفمِهِ، ويطلقُ عليه مولانا ويطيلُ في مدحِهِ! هل سمعتَ عالماً يفعلُ مثلَ هذا؟ وهل علمتَ كاملاً يرتضي بمثلِ هذا(1)؟
(1) في الأصل: ((بهذا)).
فإن قلتَ: إنَّ مؤلِّفَ ((التَّبصرةِ)) ليس هو الفاضلُ البشيرُ، بل غيرُه وهو عبدٌ للنَّصيرِ، ملقَّبٌ بالمُخْتَفي تحتَ السَّريرِ، مكنَّىً بأمِّ الفَرَجِ، وأبي العَجَبِ، موسومٌ بميسِّرِ العسيرِ.
قلتُ: كذبَ واللهِ مَن فاهَ بهذا وافترى، إنَّ مؤلِّفَ ((التَّبصرةِ)) غيرَ الذي حجَّ ولم يزرْ قبرَ المصطفى، فإنَّا قد علمنا من طرزِ الكتابةِ والتَّقريرِ في ((التَّبصرةِ))، أنَّهُ هو الفاضلُ البشيرُ، الذي رددتُ عليه في بحثِ الزَّيارةِ(1)، قال أبو الطَّيِّبِ المَتَنَبِي، أحمدُ بن الحسين(2)، أحدُ الأدباءِ:
فلق المليحة وهي مِسكٌ هَتكُم
ومَسيرُها(3) في الليل وهي ذُكاء
وبه شهدَ عندنا جمعٌ من الأصاغرِ والأكابرِ، بحيثُ بلغَ الخبرُ إلى درجةِ المتواترِ.
ويدُّلُّ عليه دلالةً واضحةً، قولُ مؤلفُ ((التَّبصرةِ)) في الصَّفحةِ التَّسعينَ بعدَ المئةِ: بقي أنَّ قولي: ازكسانيكه أين مذهب منقول، است نه مجتهد في المذهبِ، ونه مجتهد في المسائل، ونه از أصحاب تخريج، ونه ان أصحاب ترجيح، ونه انه أصحاب متون، وإن كان بظاهره موهما لدعوى سلب الأمورِ المذكورةِ عن الجرجاني، لكن المراد به ما هو خلاف الظَّاهر، أعني أن كونَهُ مجتهداً، وغيرُهُ غيرُ معلومٍ، والدَّليلُ عليه قولُنا: بلكه محتمل ست كه از طبقه سابعه باشر. انتهى.
(1) أي في بحث زيارة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد ردَّ الإمام اللكنوي عليه في ثلاث رسائل، وهي: ((السعيُ المشكور في رَدِّ المذهب المأثور))، ((الكلام المُبرم في نقض القول المحقَّق المُحكَم))، ((الكلامُ المبرور في رَدِّ القول المنصور)) وكلها بغير اللغة العربية.
(2) هو أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجُعْفي الكوفي الكِنْدي المُتَنَبِيّ، أبو الطيب، (303-354هـ).انظر: ((وفيات))(1: 120-125)، ((الأعلام))(1: 110-111).
(3) بمعنى السير والخروج.أ.
فهذه حجةٌ قاطعةٌ على أنَّ مؤلِّفَ ((التَّبصرةِ)) نكثَ ببعتَهُ، وهدمَ توبتَهُ، ونسيَ ما قدمتْ يداه، وسَهَى ما كتبَهُ في ((المذهبِ المأثورِ)) وما أبداه. من أنَّهُ لا يَرْتَضِي بمثلِ هذه الخصلةِ: أن يردَّ رجلٌ على رجلٍ بنفسِهِ وينسبُهُ إلى غيرِهِ طَلَبَاً للخفيةِ، وإنَّهُ قد كان ارتكبَ مثل ذلك، ثمَّ تابَ عنهُ توبةً نَصُوحَاً بعد ذلك.
وَاحَسْرَةً على العبادِ؛ يسلكونَ مسالكَ الفسادِ، ويطعنونَ على الغيرِ، ولا يَنْظُرُونَ ما في أعينِهِم من القَذِى والضَّيرِ.
هذا حالُ هؤلاءِ الأفاضلِ، الذينَ يدَّعون أنَّهم من محقِّقي الأماثلِ، فما ظنُّكَ بالغافلينَ القاصرينَ، {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}(1).
ثمَّ إنِّي ماذا جَنَيْتُ؟ وأيُّ قُبْحٍ ارْتَكَبْتُ؟ إن رددتُ على مَن افترى على جمهورِ الحنفيةِ، ونسبَ إليهم استحبابَ الزِّيارةِ، مع أنَّ أكثرَهم صرَّحوا بكونِها قريبةً من الواجبِ، والقريبُ من الواجبِ في حكمِ الواجبِ، وضعِّفَ جميعَ الأحاديثِ الواردةِ في بحثِ زيارةِ القبرِ النَّبويِّ، مع كونِ بعضِها حسناً على الرأي النَّجيح السَّويِّ.
ثمَّ ترقى ممَّا تفوَّه، فتفوَّه، في رسالةٍ أخرى باستحبابِ الزَّيارةِ إجماعاً، وأنكرَ القولَ بالوجوبِ والسُّنيةِ رأساً، مع إقرارِهِ بقولِ الوجوبِ في الأولى.
ثمَّ ألَّفَ رسالةً أخرى، وأَفْتَى فيها بما لا يُفْتَى به مُسْلِمٌ، فضلاً عن عالمٍ أو متعلِّمٍ، إلا من يكونُ علمُهُ أكبرُ من عقلِهِ، ونظرُهُ أكثرُ من الفَهْمِ، وهو أنَّ زيارةَ قبرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ غيرُ مقدورةٍ وغيرُ ممكنةٍ، وغيرُ مشروعةٍ، وأنَّها ممتنعةٌ ومحرمةٌ، وملأ هاتيكَ الرَّسائلُ بلغوياتِ المسائلِ، وهزلياتِ الدَّلائلِ، وأتى فيها بما يتعجبُ الواقفُ عليها.
(1) من سورة آل عمران، الآية(54).
فقلتُ في نفسي: ـ واللهُ يعلمُ خلوصَ قلبي ـ إن سكتُّ عن هذه التَّقاريرَ، ظنَّ النَّاسُ صحَّةَ تلكَ الأساطيرِ، فإنَّ نقادَّ الفُنونِ في هذه الأزمنةِ قليلونَ، وأكثرُ من في عصرِنا مَغبونٌ، غيرُ مصونٍ،(1) ومفتونٌ غيرُ مأمونٍ، فإذا رأوا أهلَ النَّقدِ ساكتينَ، ولجدِّهم في إحقاقِ الرُّشدِ تاركينَ، ظنَّتْ صحتُها الأفكارُ الكليلةُ، وآمنَتْ بها الأنظارُ العليلةُ.
أفتنكرُ عليَّ أن قمتُ في مقامِ الإحقاقِ، وقلتُ: يا أهلَ الخلافِ والاِتِّفاقِ؛ إنِّي آنستُ ناراً في هذه البوادي، فتعالَوا أميزُ لكمْ بينَ العادي، وبينَ الهادي، وأُفَرِّقُ بينَ تقريرِ المقبولِ الموافقِ للعقولِ، وبين التَّحريرِ المغسولِ، المخالفِ للنّقولِ.
واعلموا أَنَّهُ ليسَ أن كلَّ ما ذهبَ إليه الفاضلُ المشارُ إليهِ بالأناملِ: كالشَّيخِ السَّهْسَوانِي، والسَّيِّدِ القَنُّوجِيّ البهوبالي، يكونُ حقاً، لكونِ مؤلِّفهِ مقتدىً مُحِقَّاً؛ فكثيراً ما يكونُ للجوادِ السَّريعِ كَبوُةٌ، وللِعمادِ الرَّفيعِ هفوةٌ(2)، وكثيراً ما تكون للصَّريعَ سطوةٌ، وللجريحِ في المعركةِ رَجُعةٌ وعَوُدةٌ، فإنِّما ينبغي أن يُعْرَفَ الرِّجالُ، ويميِّزَ بينهم وبين الأطفالِ بالأقوالِ، لا أن تُعْرَفَ الأقوالُ بالرِّجالِ.
أَفَتُنْكِرُ عليَّ أن بادرتُ إلى الذَّبِّ عن سُنَنِ سيِّدِ المرسلينَ، وسارعتُ إلى إحياءِ مآثرِ المتقينَ؟!
أَفَتُنْكِرُ عليَّ أن نَقَّحتُ القولَ الصَّحيحَ، وحقَّقْتُ الفعلَ الرَّجيحَ، ومَيزَّتُ بينَهُ وبينَ القبيحِ والشَّنيعِ؟!
أَفَتُنْكِرُ عليَّ أن أزلتُ الظَّلامةَ، ولو لم أقمْ للإزالةِ، لم تُزَلْ إلى قيامِ القيامةِ؟!
(1) غير محفوظ.أ.
(2) في ((مجمع الأمثال))(2: 135): لكلِّ صارمٍ نَبْوَةٍ، ولكلِّ جَوَادٍ كَبْوَةٍ، ولكلِّ عالمٍ هَفْوَةٍ. ومعناه يقال: نبا السيف إذا تجافى عن الضربة، وكبا الفرس عثر، وهفوة العالم زلته.
وما أحسنَ قولَ المتنبِّي أحدُ الأمجادِ:
أتنكرُ مانطقتُ به يديها
وليسَ بمنكرٍ سبقَ الجوادِ
أراكضُ مُعوصاتٍ القولٍ قَسْراً
فاقتلُها وغيري في الطِرادِ
أَفَتُنْكِرُ عليَّ أن دَفَعْتُ السُّقمَ، وأثبتُ صحيحَ الحكمِ، كلُّ ذلك مع حِلْمٍ؟!
وهذه شريعتَي مع مَن أردُّ عليه، وطريقتَي مع مَن أُنَازِعُهُ وأزجرُ عليه:
فلا أتكلمُ بفحشٍ وسبٍّ.
ولا أناظرُ مع غضبٍ وكربٍ.
ولا أجهّلُهُ ولا أشتمُهُ.
ولا أحمِّقُهُ ولا أعيِّبُهُ.
ولا أتجاوزُ عن الحدِّ، فأسبُّ الأبَ والجدَّ.
ولا أُلَقِّبُهُ بالألقابِ المكروهةِ كالباغضِ والحاسدِ.
ولا أطلقُ عنانَ اللِّسانِ، فأقعَ في الطُّغيانِ الكاسدِ.
وهذا هو الطَّريقُ الذي يسلكُ عليهِ الأماثلُ المناظرون، والأفاضلُ المنازعونَ، وكثيراً ما أُنْشِدُ قولَ الحَرِيريِّ:
شكراً لربِّي وفضلِهِ الغزيري
لابطراً وفخراً فلستُ أنا بفخوري
أنا امرؤٌ ليسَ في خصائصِهِ
عَيْبٌ ولا في فِخَارِهِ رِيَبُ
بُ
وشُغْلِي الدَّرسُ التَّبَحُرُ في الـ
ـعلمِ طِلابي وحبَّذا الطَّلبُ
أغوضُ في لُجَّةِ البَيَانِ فَاخْتَارُ
اللآلِى مِنْهَا وانْتَخِبُ
وأَجْتَنِي اليَانعَ الجنِّي
من القولِ وغيري للعُودِ (1)محتطبُ(2)
ما المكرُ بالمحصناتِ من خُلقي
ولا شِعاري التَّمويهُ والكذبُ
... وأما المُشَاغبُ المُفاخِرُ، وإن كان مَالِياً المعائبِ، خالياً عن المَفَاخرِ، والمُخاصمُ الفاجرُ، والمُشاتمُ الغادرُ، فيغضبُ ويغضبُ، ويكربُ ويكربُ، ويسبُّ الرَّادُّ، وإن كانَ خيراً من حاضرٍ(3) وبادٍ(4)، ويُلَقِّبُهُ بالألقابِ الخسيسةِ، ويُطْلِقُ عليهِ الألفاظَ الكثيفةَ:
فتارةً، يقولُ: إنه حاسدٌ وكاسدٌ.
وتارةً، يقولُ: إنه فاسدٌ وعاندٌ.
(1) في ((المقامات))(ص33): ((يحتطب)).
(2) انتهى من ((مقامات الحريري))(ص33).
(3) أي المقيم في الحضر.أ.
(4) أي الساكن في البادية.أ.
ولا يَكْتَفِي عليه، بل يقولُ: أنتَ كذا وكذا، وأبوك كذا وكذا، وعلماءُ بلدتِكِ ومحلَّتِكِ طورهُمُ كذا وكذا، فيذكرُ جملةً من المثالبِ والمعائبِ، مع صفحِ النَّظرِ عن الفضائلِ والمناقبِ، وإن كانَ أكثرَ ما يذكرُهُ مكذوباً من نفسِهِ، ومُفْتَرىً من عندِهِ، وغرضُهُ من هذه القعقعةِ، المُلْقِيةِ في المَزْلَقَةِ، أن يسكتَ رادَّهُ عن ردِّهِ، طلباً لحفظِ عِرْضِهِ، وأن يَفْتَخِرَ هو بذلك بين البَطَلةِ، ويُمْدَحُ بذلك بين الجهلةِ.
وليسَ العجبُ من المشيِ على هذا الممشى، حفظَ اللهُ كلَّ عبدٍ عن هذا المَسْعَى، ممَّن هو جاهلٌ وأَعْمَى، وجادِلُ وأدنى، وباقِل(1) لا يموتُ ولا يحيى(2)، وناقلٌ في ترويجِ الأباطيلِ يَسْعَى، {فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ(3)الآخِرَةِ وَالأُولَى، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى}(4).
إنِّما العجبُ ممَّن يقولُ: إنَّي مُجَدِّدٌ للدِّينِ المَتِينِ، ومُحَدِّدٌ للشَّرعِ المُبِينِ، أو إنِّي أُحقُّ الحقَّ وأبطلُ الباطلَ، وأنصرُ السَّيِّدَ الشَّريفَ، سيِّدَ الأفاضلِ، فيسلكَ على هذا المسلكِ، ويَبْرُكَ بهذا المَبْرَكِ، فيلحذرْ ثمَّ ليحذرْ، من أن يصيرَ من الأخسرينَ أعمالاً،{الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}(5).
ولولا خوفُ هلاكِ الهالكينَ، وضلالةُ السَّالكينَ، لكانَ تركُ الكلامِ معهم أَحْرَى، والسُّكوتُ عن لَغوياتِهِم وهَزَلِياتِهِم أَوْلَى.
(1) هو اسم رجل من العرب، وكان اشترى ظباً بأحد عشر درهماً، فقيل له: بكم اشتريته ففتح كفيه، وفرَّقَ أصابعَه، وأخرجَ لسانَه، يشير بذلك إلى أحد عشر، فانفلت الظَّبيُّ فضربوا به المثل في العِيّ. ((مختار))(ص60).
(2) كناية عن التحيُّر والجهالة.أ.
(3) عذاب.أ.
(4) من سورة النازعات، الآيتان(25،26).
(5) اقتباس من سورة الكهف، [الآية(104)].أ.
قولُهُ(ص7): أرسلَ الرَّادُ نُسَخَاً من ((إبرازِ غيِّهِ)) إلى مكةَ، من دونِ انتظارٍ لجوابِهِ(1)، ظنَّاً منه أنَّ رسالتَهُ هذه لا يكونُ عليها جوابٌ، وهذا كتابُنَا ((شفاءُ العَيِّ))، لم أرسلْهُ إلى مكةَ ولا إلى المدينةِ، ولا إلى أحدٍ من أهلِ الكوفةِ، مع كونِهِ مشتملاً على المناظرةِ الحقَّةِ… إلخ.
أقولُ: فيهِ ما فيهِ:
أمَّا أَوَّلاً: فهو أن نسبةَ إرسالِ ((إبرازِ الغَّيِّ)) إلى مكة إلى مؤلِّفِهِ، كاذبةٌ واهيةٌ، كاسدةٌ ساقطةٌ، فإنِّي لم أرسلْهُ إلى الحرمينِ الشَّريفينِ، ولا إلى بلادِ الشَّامِ، ولكنَّ اللهَ أوصلَهُ إلى ذلكَ المقامِ بوساطةِ المسافرينَ الكرامِ، والواردينَ العظامِ، وهذه آيةُ المقبوليَّةِ، وللهِ الحمدُ على ذلكً كلَّ بكرةٍ وعشيَّةٍ.
وقد علمَ النَّاسُ من عادتي، وإن لم يعلمْهُ النَّسْنَاسُ، ذو عداوةٍ وعِتيٍّ(2):
أنِّي كُلَّمَا أُصنِّفُ من الدَّفاترِ والرَّسائلِ، ويُطبعُ في مطبعٍ من المطابعِ، لا أرسلُهُ إلى جميعِ الأفاضلِ، طلباً للجاهِ والحشمةِ، ولا إلى مشاهيرِ المواقعِ، رجاءً للرِّياءِ والسُّمعةِ، وإنمَّا أهديه إلى مشاهيرِ العلماءِ، وأُقَسِمُهُ على الطَّلبةِ والأَذْكِياءِ، فيشتهرُ غايةَ الاشتهارِ، ويَنْتَشِرُ نهايةَ الانتشارِ، تُشَدُّ إليهِ الرِّحالُ، وتتداولُهُ الرِّجالُ من الرِّجالِ، وذلك فضلُ اللهِ يؤتيهِ مَن يشاءُ من أهلِ الكمالِ، وهو العليُّ المتعالُ.
(1) في الأصل: ((لحوابه)).
(2) عِتيٌّ: بالكسر والضمِّ، وهو من جاوز الحدَّ في الاستكبار. وقيل: العاتي: هو المبالغ في ركوب المعاصي، المتمرد الذي لا يقع منه الوعظ والتنبيه موقعاً. ((مختار))(ص412).
وكذا لا أهتمُّ بطبْعِ التَّقاريظِ الطَّويلةِ العويضةِ، والمدائحِ الوسيعةِ الغفيرةِ، وألقابَ المكاتيبِ التي يرسلها إليّ أصحابُ العلمِ، وأربابُ الفهمِ، مع طبعِ تلكَ الرَّسائلِ والدَّفاترِ، إلا ما يطبعُ بإصرارِ بعضِ الأكابرِ أو الأصاغرِ، وهو قليلٌ نادرٌ، ظنَّاً مِنِّي أنَّ تصنِيفي، إن كانَ مقبولاً عند خالقي، وهو غايةُ مقصدي، ونهايةُ مرصدي، فهو حسبي، فهو الذي يَنْشُرُ رَسْمَهُ بنفسِهِ، ويُشْهِرُ اسمَهُ في جميعِ الأرضِ طولِهِ وعرضِهِ، ويَذْكُرُهُ بخيرٍ في سمائِهِ وأرضِهِ، ويجعلُهُ هادياً ونافعاً لخلقِهِ، من دونِ أن يحتاجَ ذلك إلى ضمِّ ضميمةٍ، من تقريظِ مَدْحِي، أو توصيفٍ حَمْدي، أو ألقابٍ طويلةٍ(1) عريضةٍ.
وإن كان غيرَ مقبولٍ عندَ الخالقِ، فالأَحْرَى به أن لا يَرُوجَ اسمُهُ، ولا يَكْثُرَ ذِكْرُهُ، ويكونُ غيرُ نافقٍ.
ومن عاداتي أيضاً: أنِّي كُلَّما أصنِّفُ مؤلَّفاً، سواءً كانَ:
لتحقيقِ مسئلةٍ، وللحقِّ مُنَقِّحاً.
أو كانَ لترديدِ رجلٍ أو امرأةٍ، ولقولِهِ مزيِّفاً، لا أمنعه عن كلِّ طالبٍ وسائلٍ، من غيرِ سعي الوسائلِ، ولا أجعلُهُ كَذَنْبٍ يكتسبُهُ الرَّجلُ مخفياً، وعيبٌ يَرْتَكبُهُ الرَّجلُ مخليا،ً فيهتمُّ في اختفائِهِ، ويستحيي من إظهارِهِ وإعلائِهِ.
وقدْ شَهِدَ الأكياسُ من الجِنَّةِ والنَّاسِ، أنَّ هذه العاداتَ، ساداتُ العاداتِ، وهي التي ينبغي أن يَخْتارها السَّاداتُ، فعاداتُ السَّاداتِ، ساداتِ العاداتِ.
وللهِ الحمدُ بملأ الفمِ على أن جَبَلَني على هذه الكراماتِ، لا أقولُ هذا فخراً، بلْ تحدُّثاً بالنِّعمةِ وشكراً.
تَذْكُرُ واقعةَ ((التَّبصرةِ))، فإنَّهُ من حينِ بُدِءَ بطبعِهِا في دِهلي، بإدارةِ السَّيِّدِ معظم مالكِ، المطبعِ الفاروقيِّ، اهتممتَ باختفائِها كاختفاءِ المخدّرةِ، المبتكرةِ، وقد انتشرَ الخبرُ بذلك في الأطرافِ والممالكِ.
(1) في الأصل: ((لطويلة)).
فَبَيْنَا على ذلك، إذ أَوْصَلَ إليَّ بعضُ أحبابي، الواردينَ من دِهلي إلى بلدتِي، ورقتيْنِ من ((التَّبصرةِ))، اختطَفَهُما في دِهلي بخفيةٍ، فوصلَ الخبرُ إليكَ: أنَّ بعضَ أوراقِ جَمْعِ ناصرِكِ، قد وَصَلَ إلى مَن يَرُدُّ عليك، فَكَرُبْتَ وغَضِبْتَ، وفَحُشْتَ وسَبَبْتَ.
ووصلَ منك إلى السَّيِّدِ المعظَّمِ الزَّجرُ، ووعيدُ الهَجْرِ، مُتَضَمِّناً للاستفسارِ بأنَّهُ كيفَ وصلَ إلى الرَّادِّ، ومن أوصلَهُ من العبادِ، مُشْتَمِلاً على التَّخويفِ الشَّديدِ، والوعيدِ، والتَّرهيبِ بأنَّكَ غَفَلْتَ وما عَقَلَتَ، وخُنْتَ وما ائْتَمَنْتَ، وظَلَمْتَ وما أَنْصَفْتَ، لعلَّكَ أوصلتَ ما أوصلتَ، وكسبتَ ما كسبتَ، فإن لم تكنْ أرسلتَهُ أنتَ فلا ريبَ في أنَّكَ نِمْتَ وما استيقظتَ، حيثُ اختطفَهُ رجلٌ من مطبعِكِ ومقرِّكَ، وما علمتَ، الحذرَ الحذرَ، من هذا الغدرِ، فإن لم تتبْ فأرسلْ إليّ كُتُبِي، لا أريدُ طبعَهَا عندك، وكن معزولاً من طبعِ زُبُري، لا أَذَرُها لديكَ.
ولمَّا وصلَ خبرُ هذا الخبرِ إليّ، تعجبتُ، بلْ وكلُّ رجلٍ تعجَّبِ من ما لديِهِ ولَدَيَّ.
وقلنا: ما لهذا يكتبُ ردَّاً، ويُرسله طبعاً، ويخفيه كما يُخْفِي الذي يَتَجاوزُ حدَّاً، ويَكْتَسِبُ ذَنْبَاً.
وخلاصةُ المرامِ أنَّ عاداتِي وعاداتِكِ في الأبوابِ المُتَفَرِقةِ مختلفةٌ غيرُ مؤتلفةٍ، فلا تَنْسِبْ إليَّ ما هو شريعتُكَ، ولا تَظُنَنَّ بي ما هو طريقتُكَ.
أسألُ اللهَ الكريمَ، ذا الفضلِ العميمِ، والطولِ القديمِ، والحَوْلِ الجسيمِ؛ أن يُزيلَ عنِّي وعنكَ سيئاتِ العاداتِ، ممَّا تَنَزَّهُ عنه السَّاداتِ، ويُكْثِّرُ لنا ولك الباقياتِ الصَّالحاتِ، ويعفوَ عنَّا وعنك الخطيئاتِ، قُلْ لناصرِكِ المُخْتَفِي يقولُ: آمين على هذا الدُّعاءِ البهيِّ، ويتوبُ من الكذبِ الجليِّ، والكَسِبِ الشقيِّ.
وأمَّا ثانياً: فهو أنَّ قولَهُ: ظنَّاً منه…الخ، عجيبٌ جداً، فإنَّ إرسالَ مؤلِّفٍ مؤلَّفَهُ إلى بلدٍ لا يكون مَبْنِيَّاً على ظنِّ عدمِ جوابِهِ قطعاً؛ بلْ يكونُ ذلك لينتفعَ به العالمون في الحالِ، ويحترزُ الجاهلونَ عن سيءِ المقالِ، وتحصلُ لهم الهدايةُ في البدءِ والمالِ، وتزولُ عنهمُ الضَّلالةُ بالاستعجالِ، سواءٌ ظنَّ أنَّ المردودَ عليه يجيبُ عنهُ، أو يظنُّ أنَّهُ يسكتُ عنهُ.
وأما ثالثاً: فهو أنَّ نسبةَ هذا الظنِّ إليَّ داخلةٌ تحت الظَّنِّ الخبيثِ، فإنَّ الظَّنَّ أكذبُ الحديثِ.
وكنتُ لا أظنُّ أنَّهُ لا يكونُ لـ((إبرازِ الغَّيِّ)) منكَ جوابٌ، وأنَّكَ تتركُ الخطاب.
نعم؛ كنتُ أظنُّ أمرينِ، وقدْ صدقَ ظنِّي بتحقيقِ الأمرينِ:
أحدُهما: أنَّ جوابَهُ لا يمكنُ منك وحدكَ، بل إذا جَمَعْتَ أعوانكَ، وأنصاركَ، وناديتَ شِيعَتَكَ وعَشيرتكَ، فَيَجْتَمِعُوا لك، ويتَّفقوا لنصرتكَ، فيكتبوا باِئتلافِهِم جواباً، وإن كانَ خَرَاباً، أَمْكَنَ وجودُ الجوابِ، وإن كانَ باعثاً للعذابِ.
وما أحسنَ قولي حين أخبرتُ عن قولكِ الذي سطَّرتَهُ إلىَّ بعضُ أحبابكِ، فإنَّكَ كتبتَ مرَّةً مغاضباً عليَّ: ما له يردُّ عليَّ، وإني قادرٌ على اِسْتِئْجَارِ عشرينَ كاملاً، فيردُّونَ عليه، وَيَكْشِفُونَ عمَّا لَدَيهِ، فأنشدتُ في الفورِ، من غيرِ تأمل وغَوْرٍ:
إنَّ قَوْمِي تَجْمَّعُوا
وَلِقَتْلِي تَحَدَّثُوا
لا أُبَالِي بِجَمْعِهِم
كُلُّ جَمْعٍ مؤنَّثُ
وقلتُ: بونٌ بعيدٌ بيني وبَيْنَهُ، فإنَّهُ مُحْتاجٌ في الرَّدِّ عليَّ إلى استئجارِ العشرينَ، وأنا قادرٌ على الرَّدِّ على العشرين، بل المئتينِ، من غيرِ اِحتياجٍ إلى ناصرٍ ومُعينٍ، وذلكَ فضلُ اللهُ المُبِينِ، يُؤتِيهِ مَن يَشاءُ ويَخْتَصُّ برحمتهِ مَن يَشَاءُ، ولو كرِهَ الضَّنين.
وثانيهما: أنَّ الجوابَ إن كانَ، لا يكونُ إلا مملؤاً من السَّبِّ والشَّتمِ والطُّغيانِ، على ما هو مُقْتَضَى يَأَسِ الإنسانِ، فإنَّهُ إذا يَئِسَ الإنسانُ طالَ لِسَانُهُ، وسالَ لُعَابُهُ(1)، وكثرَ التهابُهُ، وكَبُرَ لِعابهُ، وتفوَّهَ بما لا يعني، وأتى بما لا يُغني.
وأمَّا رابعاً: فهو إنَّ تخيُّلَ كونِ ((شفاءِ العَيِّ)) مُشْتَمِلاً على المُناظرةِ الحقَّةِ ليس إلا كتخيلِ صاحبِ ((الاستقصاءِ)) وشيعتِهِ، بكونِ جميعِ كُتُبِهِ مشتملةٌ على المُناظرةِ الحقَّةِ.
قولُهُ(ص7): والذي نفسي بيده إنِّي عندما اطَّلعتُ على ((إبرازِ غيِّ)) الرَّادَّ، وأحطتُ علماً بما فيه من السُّفهِ والفَسَادِ، استحييتُ حياءً شديداً من أن أكتبَ عليهِ الجوابَ، أو أخاطبُهَ بخطابٍ.
أقولُ: حقُّ لكَ ولأنصارِكَ أن تستحيي من تعقباتِ الرَّادِّ النَّقادِ حيثُ تَعَقَّبَكَ، بما لا يمكنُ جوابُهُ، ولا يتيسَّرُ دفعُهُ، إلا أن يكونَ بالسَّبِّ بلا سَبَبٍ، وتكلُّمِ ألفاظِ من هو رَذِيلُ النَّسبِ، والتَّشيخُ والتَّشمخُ كعادةِ خَبيثِ الحَسَبِ، والإقرارُ بأنِّي جامعُ اليابسِ والرَّطبِ، حَمَّالِ الحطَبِ، وإن أنجزَ ذلك إلى العَطَبِ.
قولُهُ(ص7): وها أنا أَسْتَغْفِرُ اللهَ العظيمَ من الابتلاءِ بمثل هذا الرَّدِّ، على ذلك الرَّادِّ الذي لا يهتدي إلى بياضٍ ولا إلى سوادٍ.
(1) يسيل من الفم حالة الغضب.أ.
أقولُ: هذا الاستغفارُ، يَحتاجُ إلى الاستغفارِ، من المنصورِ والأنصارِ، فإنَّ مثلَ هذا الاستغفارِ، معدودٌ من الذُّنوبِ الكِبَارِ، فإنَّ التَّوبةَ عبارةٌ عن الاستغفارِ مع النَّدَمِ، لا عن الاستغفارِ مع الشَّتْمِ، هذا عجبٌ عُجابٌ، تستغفرُ وتصرُّ على السِّبابِ، غافلاً عن قولِ الصَّادقِ المصدوقِ: (سُبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ)(1).
وما أحسنَ قولَ ابن الرُّوميِّ(2) الصَّادقِ على مَن يَشْتَكِي سَبَّ غيرهِ، وهو يَسْبَّحُ في بحرِ الطُّغيانِ والعدوانِ:
تشكي المحبَّ وتشكو وهي ظالمةٌ
كالقوس تُصمي الرَّصايا وهي مرنان
(1) في ((البخاري))(1: 27) رقم (48). و((مسلم))(1: 81) رقم (64)، و((جامع الترمذي))(4: 353) رقم (1983). و((المجتبى))(7: 121) رقم (4104). و((سنن ابن ماجه))(1: 27) رقم (69). و((مسند أحمد))(1: 385) رقم(3647). و((صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان))(13: 266) رقم (5939). و((السنن الكبرى))للنسائي(2: 313) رقم (3568). و((سنن البيهقي الكبرى))(8: 20) رقم (15630). و((مسند أبي يعلى))(8: 408) رقم (4991). و((المعجم الأوسط))(1: 413) رقم (738). و((المعجم الكبير))(1: 145) رقم (325). و((مسند الطيالسي))(ص34) رقم (258). و((مسند الحميدي))(1: 58) رقم (104). ((مسند ابن راهويه))(1: 379) رقم (400). و((الآحاد والمثاني))(2: 321) رقم (1087). ((الأدب المفرد))(ص154) رقم (429). و((مسند ابن الجعد))(ص398) رقم (2715).
(2) هو علي بن العباس بن جريج أو جورجيس الرُّوميّ، أبو الحسن، شاعر مشهور (221-283هـ). انظر: ((وفيات))(3: 358-362). ((الأعلام))(5: 110).
وإنِّي بفضلِ اللهِ الغنيِّ في عزلةٍ، وإعراضٌ عن حركةِ أهلِ زماني، وقرضُهم بالمقراضِ، لا أُبالي مَن اعتدى منهم ورَمَاني، ولا أَتْرُكُ إحقاقَ السَّوِيِّ وإن سبَّني خَصْمِي وآذاني، لا أشتغلُ بسبِّهِ وشتمهِ، ولا يسمعُ أحدٌ مِنِّى له ذكراً، ولا أقولُ في حقهِ بسببِ ذلكِ هُجراً.
والعجبُ أنَّكَ تدَّعي المُناظرةَ، ولا تتصورُ ما اشْتُرِطَ للمباحثةَ، ولا تعلمُ ما قرَّرتْ لها الأئمةُ، من الآدابِ المُلْتَزَمةِ.
قالَ في ((الآدابِ الباقيةِ شرحُ الشَّريفيّة))(1): قال الإمامُ الرَّازيُّ(2): يجبُ على المناظرِ:
أن يحترزَ عن الاختصارِ في الكلامِ عند المناظرةِ؛ كيلا يخلَّ بالفهمِ، وعن التَّطويلِ فيه؛ لئلا يؤدي إلى الإملالِ، وعمَّا لا دَخْلَ له في المقصود؛ كيلا يخرجَ الكلامَ عن الضَّبطِ.
ولا يلزمَ البعدُ عن المطلوبِ، وعمَّن كانَ مَهيباً مُحْتَرماً، إذ هيبةُ الخصمِ واحترامُهُ ربَّما يُزِيلُ دِقَةَ نظرِهِ، وَجُودةِ طَبْعِهِ.
وأن لا يستعملْ الألفاظَ الغريبةَ أو المحتملةَ للمعنيين بلا قرينةٍ معيِّنةٍ للمرادِ.
وأن لا يضحكْ، ولا يرفعْ الصَّوتَ، ولا يتكلمْ بكلامِ السُّفهاءِ عند المناظرةِ؛ لأنَّها من صفاتِ الجُهَّالِ ووظائفهم، فإنَّهم يسترونَ بها جهلهم.
(1) الآداب الباقية شرح الشريفية)) لعبد الباقي بن غوث الإسلام الصديقي الجونفوري، صنَّفه سنة (1060هـ). وله شرح آخر على ((الشريفية)) يسمَّى بـ((الأبحاث الباقية))، (ت1082هـ).((عوارف المعارف))(ص252). ((نزهة الخواطر))(5: 199-200).
(2) هو محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التَّيْمِيّ البكري القُرَشِيّ الرَّازِيّ، أبو عبد الله، فخر الدين، من ذرية أبي بكر الصديق، من مؤلفاته: ((تفسير مفاتيح الغيب))، و((المحصول في علم الأصول))، و((معالم أصول الدين))، (544-606هـ).انظر: ((طبقات المفسرين))(2: 213-217). ((مرآة الجنان))(4: 7-11). ((النجوم الزاهرة))(6: 197-198).
وأن لا يحسبْ الخصمَ حقيراً؛ كيلا يصدرَ عنهُ بسببهِ كلامٌ ضعيفٌ حتى يغلبَ عليهِ الخصمُ الضَّعيفُ. انتهى.
قولُهُ(ص7): ولولا أنَّ السُّبابَ شيمةُ المرتابِ من طوائفِ الشِّيعةِ، ومَن يوافقهم في الأكلِ والشُّربِ؛ لأسمعتكَ منه شيئاً.
أقولُ: يا أهلَ النُّهى والعقولِ، انظروا إلى هذا المقول!
هل نطقَ بهِ أحدٌ من أهلِ المُناظرةِ؟
هل تكلَّمَ بهِ أحدٌ ممَّن تصدَّى للمباحثةِ؟
يَبْرَأُ ناصرُكَ من خصالِ الشِّيعةِ، ويتكلَّمُ بالكلماتِ الشَّنيعةِ، يَفِرُّ منهم ثمَّ يَتَشَبَهُ بهم، وقد قالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ) (1).
فهو من الذين ينهَوْن عنه، ويناؤن عنه(2)، وإن يُهلكونَ إلا أنفسَهم.
وهل بقي فحشٌ وهذرٌ، ولَغوٌ وهَدَرٌ(3)، لم يُتَكلَّمْ به في ((التَّبصرةِ))؟!
هل مِن سبَّ لم يأتِ به في تلك الأوراقِ المنتشرةِ؟!
أمَا تَرَى ما فيها من كلماتِ المُباغضةِ، والمنافرة تَتْرَى، فانظرْ ما ترى؟
أمَا تَشْعُرُ ما فيها من الهذياناتِ، والهزليَّاتِ، فما لك تَتَمَادَى؟!
وماذا الذي بقيَ من ألفاظِ السُّبابِ الذي يقولُ في حقِّهِ لأسمعتكَ منه شيئاً؟! إلا أن يكونَ المرادُ ألفاظَ السُّبابِ التي يختارُها الصَّواغون، والصَّبَّاغون، والصَّائغون، والحائكون، والحجَّامون، والحرَّاثون، والأكَّارون(4)، والزَّرَّاعون، في محاوراتِهِم، عندَ مخاصماتِهم، وقد أخذَ من ذلك أيضاً نصيباً وافراً، وحظَّاً باهراً.
(1) في ((سنن أبي داود))(4: 44) رقم (4031). و((مسند الشهاب))(1: 244) رقم (390).
(2) اقتباس من سورة الأنعام.أ.
(3) هَدَر ـ البعير ـ: ردَّد صوته في حنجرته. ((مختار))(ص692).
(4) الأكَّارون: جمع أكار: وهو الحراث. ((مختار))(ص20).
وقد نصحَ لي جمعٌ من أماثلِ الدَّهرِ، وأفاضلِ العصرِ، وأصابوا في ذلك وما أخطؤا بأن لا أتوجَّه إلى ردِّ ((التَّبصرةِ))، المُلَقَبَةِ بـ((المُزَخْرَفةِ))، قائلينَ: أوقاتك النَّفيسةِ أجلُّ من أن تتوجَّه إلى هذه المُزَخْرَفات، ولمحاتِكَ النَّظيفةِ، أعزُّ من أن تصرفَها في ردِّ هذه الخُرافات، ولمَّا بلغَ الأمرُ إلى ما تَرَى من تقريراتٍ كريهةٍ، وتحريراتٍ سقيمةٍ، لم يبقَ لطفُ المباحثةِ؛ لخروجِ المنصورِ وأنصارهِ عن حيزِ أصحابِ المناظرةِ.
فقلتُ لهم: هَبْ صَدَقْتُمْ، ونِعْمَ ما قُلْتُمْ، لكن خشيةَ وقوعِ الجهَّالِ، في أوديةِ الضَّلال، تُزْعِجُني وتُهَيُئُني على أن أدخلَ في هذه المسالكِ، فأهدي السَّالكَ في الحوالكِ، وأميِّزُ بين النَّاسكِ والهالكِ، ولولا خوفُ ضلالةِ النَّاسِ بالدُّخولِ في الوسواسِ، لتركتُ الخطابَ مع الأنجاسِ، الذين لا يفهمونَ أمراً، ولا يعقلونَ خُبْراً، ولا يعظِّمونَ حِبْرَاً، ولا يَتَفَوَّهون إلا نُكْرَاً.
واللهُ أسألُ أن يصفحَ عن زلاَّتي، ويخفِّفَ مِيزاني بإلقاءِ سيِّئاتي، على ظهورِ الهمَّازينَ اللَّمازين، العيَّابين السَبَّابين، الثَّرثارين الفحَّاشين، وأن يُجنِّبَ أقلامي، عن تسطيرِ ما يَذْهَبُ بحسناتي، ويُخَرِّبُ أُخرياتي، وأن يُلْهِمَنِي الصَّبرَ الجميلَ، ويُعْطِيني الجزيلَ، وهو حسبي ونِعْمَ الوكيلُ، وهو ربِّي وَنِعْمَ الكفيلُ.
- الدِّرَاسَةُ الثَّانِيَةُ -
فِي رَدِّ مَا فِي الفَاتِحَةِ
قال ناصركَ المُخْتَفي في (الصَّفحةِ الثَّامنةِ): أمَّا الفاتحةُ: ففي بيانِ أمورٍ وَجَبَ الاطِّلاعُ عليها زيادةً للبصيرةِ في المطلوبِ.
أقولُ: قد قضيتَ ما وجب عليك، والله يجزيكَ على صنيعكَ، وأنا أقضي ما هو الواجبُ عليَّ، بل على سائرِ العلماءِ، بحيثُ تنشرحُ به صدورُ الفضلاءِ.
ثمَّ قالَ: الأمرُ الأَوَّلُ: إنِّي لستُ أدَّعي أنَّ صاحبَ ((الإتحافِ)) معصومٌ، لا يقعُ منه غلطٌ خطأً أو نسياناً، فهذا خصيصةُ ربِّ العالمينَ، وكلُّ بني آدمَ خطاءٌ والتَّوابونَ خيرُ الخطَّائين، وجحدَ آدمَ؛ فحجدتْ ذريتَهُ، ونسيَ آدمَ؛ فأكلَ من الشَّجرةِ فنسيتْ ذرِّيتُهُ، وخطأ آدمُ وخطأتْ ذُرْيَتَهَ، وأَوَّلُ ناسٍ أَوَّلُ النَّاسِ، والإنسانُ يُسَاوقُ السَّهوَ والنِّسيانَ، فصدورُ الغَلَطِ خَطأً أو نسياناً، غيرُ بعيدٍ عن البشرِ أيَّا ما كانَ نبيَّاً كانَ أو رسولاً، صحابيَّاً أو تابعيَّاً، صِدِّيقاً أو محدِّثاً، صالحاً أو مُجْتهداً.
ولكنَّ غرضي أنَّ أغلاطَه إن تثبتَ كونَها أغلاطاً، ليستْ من جنسِ أغلاطِ الطَّلبةِ والقاصرينَ، ممَّنْ بضاعتُهُم في العلمِ مُزْجاةٌ، بل من جنسِ السَّهواتِ المنسوبةِ إلى المَهَرةِ الكاملينَ البالغينَ في العلمِ أقصى الدَّرجاتِ، وهي التي تَعْتَري غالبَ المؤلِّفين:
تارةً من قبلِ النَّسخِ.
وتارةً من قبلِ الطَّبعِ.
وأُخرى من جهةِ عدمِ النَّظرِ الثَّاني.
ومرةً من جهةٍ أخرى، فكما أن تأليفاتهم مع ذلك ليستْ ممَّا لا ينتفعُ به، فَيُتْرَكُ ويُهْجَّرُ، فكذلكَ حالُ تأليفاتِ السيِّدِ الشَّريفِ، حذواً بحذوٍ، وسواءً بسواءٍ، من غير أن يجحدَ وينكرَ.
أقول: ها هنا كلامٌ من وجوهٍ تُبَيِّنُ لكَ أنَّ هذه النُّصرةَ لكَ من ناصرِكَ غيرُ مقبولةٍ، ومصونةٍ، بل عن سَنَنِ التَّديُّنِ معدولةٌ ومغبونةٌ(1) عندَ أربابِ الإنصافِ.
وإنَّ في سياقِها ما يَسْتَنْكِفُ عنه عقلُ العالِمِ، بل العالَمُ أشدُّ الاستنكافِ:
- الأَوَّلُ -
(1) مغبونة: من غَبَنَ: فالغين والباء والنون كلمة تدل على ضعف واهتضام. وغُبِنَ في رأيه وذلك إذا ضعف رأيه. ((مقاييس اللغة))(4: 411).
إنَّ ذِكْرَ خطأ آدمَ على نبيِّنا وعليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ونسيانَهُ وجُحُودَهُ في أثناءِ نصرتِهِ سيِّدَهِ، لا يخلو عن سوءِ أَدَبٍ بالجِدِّ الأعلى، ولا تغرر بإطلاقِ اللهِ ورسلهِ، فلا يجوزُ للأدنى ما يجوزُ للأعلى.
وقدْ شنَّع جمعٌ من أهلِ العلمِ والفضلِ على مثلِ هذا الصُّنعِ، وقبَّحوهُ أشدَّ القُبْحِ، وأوجبوا على فاعلِهِ التَّعزيرَ، وشدَّدوا على مرتكبِهِ الزَّجْرَ والنَّكيرَ، وشهدوا بأنَّهُ منكرٌ من القولِ وزورٌ، لا يليقُ ارتكابُهُ لمن له أدنى شعورٌ.
قال القاضي عيَّاضٌ(1) في ((الشِّفا)): الوجهُ الخامسُ: أن لا يقصدَ نقصاً، ولا يذكرَ عيباً، ولا سبَّاً، ولكنَّه ينْزعُ(2)بذكرِ بعضِ أوصافِهِ، ـ أي النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وكذا غيره من الأنبياءِ ـ(3).
أو يَسْتَشْهِدُ ببعضِ أحوالِهِ الجائزةِ عليهِ في الدُّنيا، على طريقِ ضَرْبِ المثلِ، أو الحجَّةِ لنفسهِ، أو لغيرهِ، أو على التَّشبُّهِ به، أو عندَ هضيمةٍ نالتهُ، أو غضاضةٍ لَحِقَتهُ، ليسَ على سبيلِ التَّأسي والتَّحقيقِ.
(1) هو عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى بن عياض اليَحْصُبي السَّبتي، أبو الفضل، القاضي، واليَحْصُبي: بفتح الياء المثناة من تحتها، وسكون المهلمة، وضم الصاد المهملة وفتحها وكسرها وبعدها باء موحدة، هذه النسبة إلى يحصب بن مالك قبيلة من حمير. وسَبته: مدينة مشهورة بالمغرب. من مؤلفاته: ((الإكمال شرح صحيح مسلم))، و((مشارق الأنوار))، و((التنبيهات))، (476-544هـ). انظر: ((وفيات))(3: 483-485)، ((العبر))(4: 122-123)، ((الكشف))(2: 1502).
(2) أي يميل، ويلمح من قوله: نزع إلى وطنه، يقال نازعته إلى كذا، أي مالت له ميلاً شديداً. انظر: ((نسيم الرياض))(4: 403)
(3) ما بين المعترضتين غير موجودة في ((شفاء عياض)) ولكن: أي النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم ذكرت في شرحه ((نسيم الرياض)).