آكام النفائس بأداء .....
. الأذكار بلسان فارس
جارٍ تحميل الكتاب…
آكام النفائس بأداء .....
. الأذكار بلسان فارس
آكام النفائس
بأداء الأذكار بلسان فارس
للإمام أبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الحنفي
ولد سنة (1264) وتوفي سنة (1304 هـ)
حققه وخرج أحاديث وعلق عليه
الأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي خلقَ الإنسان، ونوَّعَ اللِّسان، وجعلَ منه العربيَّ والفارسيَّ والهنديّ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِ الخلقِ المبعوثِ لكلِّ الأقوام في كل الأزمان، وعلى آله وصحابتهِ الكرام، النَّاشرينَ للدِّينِ بين الأقوام، وعلى مَن تبعَهم من العالَمين، وسار سيرهم.
وبعد:
فهذا تأليفٌ جامعٌ لما تفرَّق، حاوٍ على ما خَلَتْ عنه الزُّبرُ الكبار، في مسائلَ يحتاجُها أكثر أهلِ الإسلامِ من غير العرب.
ففيه جمعَ إمامُ أهلِ زمانِه، والمحقِّقُ من بين أقرانه، العلاَّمةُ الشَّيخُ محمَّدٌ عبدُ الحيِّ اللَّكْنَويُّ الهنديُّ الأحكامَ المتعلِّقةَ بحكمِ أداء العبادات بغيرِ اللِّغةِ العربيَّةِ على وجه التَّحقيقِ والتَّمحيص، مع ذكرِ الأدلّةِ في ذلك، وإبرازِ الحقِّ فيما هنالك.
فرتَّبَها على فصول، وكلُّ فصلٍ يحتوي المسائل المتعلِّقة به، وترتيبُ الفصولُ كان على ما هو معهودٌ من ترتيب كتبِ الفقه؛ فبدأ بفصلٍ في الأذانِ والإقامةِ والإجابة، ثمَّ فصلٍ في الصَّلاة، وهكذا.
وأمَّا دلالةُ ظاهر العنوان في تخصيص الأحكامِ باللِّسانِ الفارسيِّ فليس مقصوداً؛ لما سيأتي في مواضعَ من هذا التَّأليفِ أنّه لا فرقَ في هذه الأحكامِ بينَ لغةٍ وأخرى، ولعلَّ سببَ ذكرِ الإمامِ اللَّكْنَويِّ رحمه الله لذلك هو متابعةُ فقهاءُ هذهِ الأمَّةِ الكرام، الذين درجُوا على ذكرِ هذه الأحكامِ متعلِّقةً باللِّسانِ الفارسيّ، ومقصودُهم كلّ لسان، فكأنه اصطلاحٌ مشَوا عليه، واختيارُهم للِّسانِ الفارسيِّ دون غيرهِ من الألسن لقربهم من بلاد العرب.
وكان الفرس أوّل من دخلوا الإسلام من الأمم بعد العرب؛ بسبب الفتوحاتِ الإسلاميَّة التي دخلت بلادهم، فكانوا أحوج النَّاس لمعرفةِ الأحكام المتعلِّقةِ بلسانهم، فبيَّن لهم العلماءُ هذه الأحكام، على أنها خاصَّة بلسانهم، ومن ثمّ كان نفسُ الأحكامِ لغيرهم من الأمم التي دخلت الإسلام، وإن كان التَّعبيرُ عنها وكأنها خاصَّة بلسانِ فارس، والله أعلم.
وقد ألَّف في هذا الباب الإمامُ العلاَّمةُ حسن الشُّرُنْبُلاليّ (ت 1039 هـ) رسالةً سمَّاها ((النَّفحة القدسيَّة في أحكامِ قراءةِ القرآنِ وكتابتِه بالفارسيَّة))، والإمامُ اللَّكْنَويُّ رحمه الله رجعَ إليه في تأليفِهِ هذا، واستدركَ عليه فيما وقع فيها كما سيأتي.
ونسبةُ هذا المؤلَّف إلى الإمام اللَّكْنَويّ رحمه الله ثابتة؛ فقد نسبه لنفسِهِ في مقدمتِه، وفي غيره من مؤلَّفاته مثل ((تذكرة الراشد)) (ص 307)، و ((إبراز الغيّ)) (ص 63)، و ((نفع المفتي والسائل)) (ص 27)، و ((دفع الغواية)) (ص 42)، و ((الآثار المرفوعة)) (ص 118)، و ((مقدِّمة التعليق المُمَجَّد)) (ص 32،34،29)، و ((اللَّطائف)) (ص 2). و ((مقدِّمة عمدة الرعاية)) (ص 31)، وفي ((النَّافع الكبير)) (ص 64) ذكرها باسم: ((رسالة في الأحكام المتعلقة باللسان الفارسية)).
والأصل المعتمد عليه هو طبعة حجريَّة طبعت في حياة الإمام اللَّكْنَوِيّ في المطبع المصفائي في لكنو سنة (1303 هـ)، وخاتمة هذه الطبعة مذكور في نهاية المؤلَّف.
وأمّا المنهجُ الذي سلكتُهُ في تحقيقِه؛ فهو كما بين يدي القارئ الكريم من إخراجِهِ بحروفٍ نضرةٍ جميلة، مراعياً لقواعد الإملاء الحديثة، وضابطاً لمفرداته، ومفصِّلاً لجمله بعلامات ترقيم مناسبة للكلام، ومقطّعاً لعباراتِه إلى مقاطع قصيرة، ومخرِّجاً لأحاديثِه، ومترجماً لما ورد فيه من الأعلام، وموثِّقاً لنصوصِه من مظانّها ما استعطت إلى ذلك سبيلاً، وصانعاً له فهارس تعينُ القارئ على الرُّجوعِ لما يريد منه بسهولة.
وألفِتُ الانتباهَ إلى أن ما يردُ في الهوامشِ مختوماً بـ ((منه))، فإنه يكون من الإمامِ اللَّكْنَويِّ رحمه الله، وإنه رحمه الله كان يذكرُ شيئاً بسيطاً عن بعض الإعلام المذكورين في الأصل، وأثبت ما يقول، وأضيفُ ما تيسَّرَ لي من الترجمة لهم؛ لتكون التراجم في الكتاب على نسقٍ واحد.
وفي الختامِ أسالُ الله عزَّ وجلَّ أن يكون هذا العملُ خالصاً لوجهِهِ الكريم، ويرزقنا الإخلاص، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِنا الكريم، وعلى آلهِ وصحابته أجمعين.
وكتبه
في 9 ذو القعدة 1421 هـ ... صلاح محمّد أبو الحاج
الموافق 2 شباط 2001 مـ ... شارع حيفا/بغداد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي خلقَ الإنسان، وعلَّمَهُ البيان، سبحانَهُ ما أعظمَ شأنَه كلّ يومٍ هو في شأن، أحمدُهُ حمداً متوالياً بصميمِ القلبِ وخالصِ اللِّسان، وأشكرُه شكراً متتالياً بجميعِ الأركان.
أشهدُ أن لا إله إلاَّ اللهَ وحدَهُ لا شريكَ له، المُنَزَّهُ عن جميعِ أمارات الحدوث من الجسميَّة، والحسيَّة، والمكان.
وأشهدُ أن سيِّدَنا ومولانا محمَّداً عبدُهُ ورسولُه، نَبِيُّ الرَّحمة، شفيعُ الأمَّة، سيِّدُ الإنسِ والجِنِّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وصحبه، ومَن تبعَه، وعلى جميعِ الأنبياءِ والمرسلين، والملائكةِ المقرَّبين، ومَن تبعَهم إلى يومِ الدِّين، ما سَكَنَ ساكنٌ في المكان، ودارَ الدَّائرُ والقمران.
وبعد:
فيقولُ الرَّاجي عفو ربِّهِ القويِّ أبو الحسناتِ محمَّدٌ عبدُ الحيِّ اللَّكْنَوِيُّ الأَنْصَارِيُّ، تجاوزَ عن ذنبهِ ربُّهُ الباري، ابنُ مولانا الحاجِّ الحافظِ محمَّدٍ عبدِ الحليم، أدخلَهُ اللهُ جنَّات النَّعيم:
هذه رسالةٌ مسمَّاةٌ بـ:
((آكام النّفائس في أداء الأذكار بلسان الفارس))
اسمُها يخبرُ عن المُعَنْون، ورَسْمُها يشعرُ بكيفيَّةِ المُدَوَّن، مشتملةٌ على مسائلَ متعلَّقةٍ باللَّسان الفارسيَّة، متفرِّقةٌ في الكتبِ الفقهيَّة، جامعةٌ للشَّتات، حاويةٌ للعبارات، مع إثبات المقاصدِ بدلائِلها، وتحقيقِ المبادئ بما لها، وما عليها، نافعةٌ للمُفْتين، حاملي لواءِ الدِّينِ المَتين، مسهِّلةٌ الطَّريق، موصلةٌ إلى سبيلِ التَّحقيق.
وقد كنت شرعْتُ في شهرِ الجمادى الثَّانيةَ من شهورِ السَّنَةِ الرَّابعةِ والثَّمانين بعد الألفِ والمئتينِ من هجرةِ رسولِ الثَّقلين عليه وعلى آلِه صلاةُ ربِّ المغربين في بلدةِ جبليور من بلادِ الدَّكن الواقعةُ في أثناءِ الطَّريقِ حين رحلتي الثَّانيةِ (¬1) من الوطنِ إلى حيدرِ آبادِ الدَّكن في تأليفِ
¬
(¬1) هاتان الرحلتان كانتا مع والده العالم العلامة، والحبر الفهامة، عبد الحليم المتوفَّى سنة (1285 هـ)، فكانت الأولى في سنة (1277 هـ) إذ وقرَّ شجاعُ الدَّولة، مختارُ الملك، النُّوابُ ترابُ عليّ خان سالارجنك (ت 1300 هـ) والدَه، وجعلَهُ مدرّساً للمدرسةِ النِّظاميةِ، فلمَّا جاءت السَّنةُ (1279 هـ) ترخص من النواب للذهاب للحجّ.
ثمَّ لمَّا عادَ من الحجِّ فوَّضَهُ مدارُ المهامِّ: العدالةَ النِّظاميَّةَ سنة (1282 هـ)، فحَكَمَ بحسنِ الانتظام، وقَضَى بغايةِ الاحترام؛ بحيثُ رضيَ منهُ أهلُ البلدةِ والحكَّام.
وفي جمادى الثَّانيةِ سنة (1283 هـ) ترخَّصَ والدُهُ من مدارِ المهامّ، وسافرَ مع عائلته إلى لكنو، فأقامَ هناكَ سنةَ واحدة، فرغ فيها من عقد نكاح ابنه عبد الحي مع بنتِ عمِّه المولوي الحافظِ محمَّد مهدي بن مولانا محمد يوسف رحمه الله.
وكان مدارُ مهامِّ حيدر آباد يطلبُهُ بالتَّأكيدِ الأكيد، فاستقرَّ رأيهُ على السَّفر؛ فسافرَ إلى هذه البلدةِ في أوائلِ جمادى الثَّانيةِ سنة (1284 هـ). انظر: حسرة العالم (ص 24).
رسالةٍ مشتملةٍ على ما يتعلَّق باللِّسانِ الفارسيَّةِ من الأحكامِ الفقهيَّة، وما يتعلَّقُ بها من تحقيقِها وتقسيمِها، وذِكْرِ ما نُسِبَتْ إليه، مع ما له وما عليه، حاويةٍ على ذِكْرِ أقسامِ اللُّغات من العربيَّة، والسِّريانيَّة، والعبرانيَّة، والهنديَّة، والفارسيَّة، وغيرِها مع ذِكْرِ التَّفاضل، والتَّناسبِ فيما بينَها، متضمِّنةٍ لفوائدَ شريفةٍ وفرائدَ لطيفةٍ قاصداً أن أسمِّيها: بـ ((آكامِ النَّفائس في أحكامِ لسانِ الفارس)).
فلمَّا وصلتُ إلى حيدرِ آبادِ حفظها (¬1) اللهُ عن الشَّرِّ والفساد، عاقَتْ عوائق عن إتمامِّها، ومَنَعَتْ موانع عن اختتامها، ثُمَّ خطرَ بقلبي بإلهامٍ من ربِّي أن أفرِّقَ هذه المباحثَ في رسالتينِ يكونُ كلُّ منهما نافعة لعلماءِ الثَّقلين.
أذكرُ في أحدهما المسائلَ المتعلِّقةَ باللُّغةِ الفارسيَّة، مع الدَّلائلِ العقليَّة، والنَّقليَّة.
¬
(¬1) في الأصل: حفظه.
وأُوْرِدُ في ثانيهما أصنافَ اللُّغات مع تحقيقِ النِّسبةِ فيما بينها، مع المباحثِ المشارِ إليها، باسطاً كل البسط إيرادَ الأحاديثِ الواردةِ في مدحِها وذمِّها مع ما لها، وما عليها، مدرجاً في أثناءِ ذلك فوائدَ تطربُ بها الآذان، وتنشطُ بها الأذهان.
لكن لم يظهر الأمرُ المخطورُ مع كرورِ الشُّهور، ومرور الدُّهُور إلى أن أراد الله إظهارَ الأمرِ المكنون، وما شاء ربُّنا كونَه، فهو يكون، فتوجَّهتُ في هذه الأيام إلى تمامِ ذلك المرام.
فهذه (¬1) رسالةٌ أُولَى، وبعد فراغي منها أشرعُ إن شاءَ اللهُ في رسالةٍ أُخرى مسمَّاةً بـ ((تحفةِ الثِّقات في تفاضلِ اللُّغات)) (¬2).
¬
(¬1) في الأصل: فها هذه.
(¬2) لم أقف على أنه أتمَّ المقصود بإتمام هذه الرسالة مع تتبعي الحثيث لمؤلَّفاته، وقد ذكرها الإمام اللكنوي في بعض مؤلَّفاته، فقال في الآثار المرفوعة (ص 17 - 18) عنها: أنه سيذكر فيها: الأحاديث الموضوعة فِي فضل اللسان الفارسية، وذمِّها كـ حديث لسان أهل الْجَنَّة العربية، والفارسية الدرية، وسنبسط الكلام في هذه الأخبار في تُحْفَة اللغات في تفاضل اللغات، وفَّقني الله لختمها كما وفقني لبدئها. وفي مقدِّمة التعليق المُمَجَّد (ص 29) ذكرها باسم: رسالة في تفاضل اللغات. وفي مقدِّمة عمدة الرعاية (ص 31). و النافع الكبير (ص 64)، بلفظ: رسالة في تفضيل اللغات بعضها على بعض.
والله المسؤول أن يجعلَهما خالصتَيْنِ لوجهِهِ الكريم، إنَّه ذو الفضلِ العميم، والإحسانِ القديم، وهذا أوانُ الشُّروعِ في المقصودِ متوكِّلاً على واهبِ الخيرِ والجود.
* * *
فصل
في الأذان والإقامة والإجابة
* مسألة:
اختلفوا في جوازِ الأذانِ والإقامةِ بالفارسيَّة:
فمنهم: مَن جوَّزَهُ.
ومنهم: مَن اعتبرَ التَّعارف.
ومنهم: مَن أنكرَه.
قال ... شيخُ ... الإسلام، ... برهانُ ... الدَّين، ... عليُّ ... المَرْغَينَانِيُّ (¬1) ... في
¬
(¬1) هو صاحبُ البداية، و الهداية، و مختارات النَّوازل، وغيرها المتوفَّى سنة (593 هـ).منه [أي من الإمام اللكنوي رحمه الله تعالى].
وأضيف على ما ذكره الإمام اللكنوي في التعريف بهذا الإمام، فأقول، هو: عليّ بن أبي بكر ابن عبد الجليل بن أبي بكر الفَرْغَانِيّ المَرْغِينَانِيّ، أبي الحَسَن، برهان الدين، قال الكفوي: كان إماماً فقيهاً، حافظاً مفسِّراَ، جامعاً للعلوم، ضابطاً للفنون، متقناً محقِّقاً، نظاراً مدققاً، زاهداً ورعاً، بارعاً فاضلاً، ماهراً أصوليّاً، أديباً شاعراً، لم ترَ العيون مثله في العلم والأدب. انظر: الجواهر المضية (2: 627 - 629). تاج التراجم (ص 206 - 207). مقدِّمة الهداية (3: 2 - 4).
((الهداية)) (¬1)، وفخرُ الدِّين، عثمانُ الزَّيْلَعِيُّ (¬2) في ((تبيين الحقائقِ شرح كَنْز الدَّقائق)) (¬3)، ويوسفُ بنُ عمرَ الصُّوفِيّ (¬4) في ((جامع المضمرات)): في الأذان يعتبرُ التَّعارف.
وفي ((البناية شرح الهداية)) لبدرِ الدِّينِ محمودٍ العَيْنِيّ (¬5): لو أذَّنَ وأقامَ
¬
(¬1) الهداية شرح بداية المبتدي (1: 47).
(¬2) المتوفَّى بالقاهرة سنة (743هـ). منه رحمه الله.
وأضيف، هو: عثمانُ بنُ عليّ بن محجن بن موسِر الزَّيْلَعيّ الصُّوفِيّ البَارِعيّ، أبو عمرو، فخر الدِّين، نسبةً إلى زَيْلَع، بلدةٌ بساحلِ بحرِ الحبشة، قال الكفويّ: كان مشهوراً بمعرفة الفقه والنحو والفرائض، ومن مؤلفاته: شرح الجامع الكبير، و بركة الكلام على أحاديث الأحكام، (ت743هـ). انظر: تاج (ص204). الفوائد (194 - 195).
(¬3) تبيين الحقائق (1: 110).
(¬4) هو أستاذُ صاحبِ الفتاوى الصُّوفيَّة فضل الله. منه رحمه الله.
وأضيف، هو: يوسفُ بنُ عمرَ بن يوسف الصُّوفِيّ الكادوريّ البَزَّار الحَنَفي، ومن مؤلفاته: جامع المُضْمَرات والمشكلات شرح القُدُوريّ، قال الإمام اللكنوي: شرحٌ جامع للتَّفاريعِ الكثيرة، وحاوٍ على المسائل الغزيرة، (ت832هـ). انظر: الكشف (2: 1632). الفوائد (ص380).
(¬5) صاحبُ الرَّمز شرح الكَنْز، و المنحة بشرحِ التُّحفة، و عمدة القاري شرح صحيح البُخَاري، المتوفَّى سنةَ (855هـ).منه رحمه الله.
وأضيف، هو: محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد العنتابيّ العَيْنيّ الحلبيّ القاهريّ الحنفيّ، أبو محمد، بدر الدين، وكان أبوه قاضياً بعين تاب، فنسب إِليه، قال السُّيوطِيّ: كان إماماً عالماً علاّمة عارفاً بالعربية والتصريف، حافظاً للغة، سريع الكتابة، من مؤلفاته: رمز الحقائق شرح كنْز الدقائق، و منحة السَّلوك شرح تحفة الملوك، و منحة السلوك شرح تحفة الملوك، (762 - 855هـ). انظر: الضوء اللامع (10: 131 - 135). البدر الطالع (2: 294 - 295).
بالفارسيَّة، قيل: هو على الخلاف، وقيل: لا يجوز إلاَّ أن يكونوا قد اعتادوا (¬1).
وفي ((المبسوط)) (¬2): روى الحَسَنُ (¬3) عن أبي حنيفة: أن مَن أذَّنَ بالفارسيَّة، والنَّاسُ يعملونَ أنَّه أذانٌ جاز، وإلاَّ فلا. انتهى (¬4).
¬
(¬1) انتهى من البناية في شرح الهداية (2: 125).
(¬2) المبسوط لمحمد بن أحمد بن أبي سهل السَّرَخْسِيّ، أبي بكر، شمس الأئمة، والسَّرَخْسِيُّ نسبة إلى سَرَخْس: بفتح السين، وفتح الراء، وسكون الخاء، بلدة قديمة من بلاد خُراسان، وهو اسم رجل سكن هذا الموضع وعَمَّرَه، وأتمَّ بناءه ذو القرنين، وقد أملى المبسوط من غير مراجعة شيء من الكتب، وهو في الجبّ محبوس بسبب كلمة نصح بها الأمراء، وكان تلامذته يجتمعون على أعلى الجبّ يكتبون، ومن مؤلَّفاته: شرح السير الكبير، و أصول السرخسي، و شرح مختصر الطحاوي، توفي في حدود (500)، انظر: الجواهر (3: 78)، تاج (ص234)، الفوائد (ص261).
(¬3) وهو الحسن بن زياد اللُّؤْلُؤي الكُوفيّ، أبو عليّ، صاحب الإمام، قال الذهبي: قاضي الكوفة، وكان رأساً في الفقه، من مؤلَّفاته: المقالات، و المجرد، (ت204هـ). انظر: الجواهر (2: 56 - 57). العبر (1: 345). طبقات طاشكبرى (ص18 - 19).
(¬4) من المبسوط (1: 37)، وزاد فيه: لأن المقصود هو الإعلام ولم يحصل.
وفي ((فتاوي قاضي خان (¬1))): لا يؤذَّنُ بالفارسيَّة، ولا بلسانٍ آخر غيرَ العربيّة، فإن عَلِمَ النَّاسُ أنَّه أذان، قيل: بأنَّه يجوز. انتهى (¬2).
وفي ((المحيط الرَّضوي)) لرضيِّ الدِّين، محمَّد بنِ محمَّد بنِ محمَّد السَّرَخْسِيّ (¬3): أمَّا الأذانُ بالفارسيَّة، فرُوِى الحَسَن عن أبي حنيفةَ أنَّه إذا أذَّنَ بالفارسيَّة، وعَلَمَ النَّاسُ أنَّه أذانٌ جاز، وإن لم يعلموا ذلك لا يجوز، لأنَّ المقصودَ منه الإعلام، وذلك لا يحصلُ إلاَّ بالمعهود. انتهى.
¬
(¬1) حسن بن منصور الأُوْزَجَنْدِيّ، المتوفَّى سنة (593هـ). منه رحمه الله. [وفي وفاته تحريف على ما يأتي].
وأضيف، هو: حسن بن منصور بن محمود بن عبد العزيز الأُوزْجَنْدِيّ الفَرْغَانِيّ الحَنَفِيّ، أبو القاسم، فخر الدين، المشهور بقاضي خان، وأُوزْجَنْد مدينة بنواحي أَصْبَهان بقرب فرغانة، قال الحصيري: هو القاضي الإمام، والأستاذ فخر الملَّة ركن الإسلام، بقيَّة السلف، مفتي الشرق، من مؤلفاته: الأمالي، و المحاضر، و شرح أدب القضاء، (ت592هـ). انظر: الجواهر (2: 94). تاج التراجم (ص151 - 152). الفوائد (ص111).
(¬2) من فتاوى قاضي خان (1: 80).
(¬3) المتوفَّى سنة (544هـ). منه رحمه الله.
وأضيف، هو محمد بن محمد بن محمد السَّرَخْسيّ، رضي الدين، برهان الإسلام، قال الكفوي: كان إماماً كبيراً جامع العلوم العقلية والنقلية، (ت571هـ)، وهذا خلاف ما ذكره الإمام اللكنوي. انظر: تاج (ص248)، الفوائد (ص310). طبقات طاشكبرى (ص104).
وفي ((مواهب الرَّحمن)) (¬1): الأصحُّ أنّه لا يُجْزِئُ الأذانُ بالفارسيَّة، وإن عُلِمَ أنَّه أذان. انتهى (¬2).
وفي ((مراقي الفلاح شرح نورِ الإيضاح)) (¬3): ولا يُجْزئُ الأذانُ بالفارسيَّة، المرادُ غير العربيّ، وإن عُلِمَ أنَّه أذانٌ في الأظهر؛ لورودِهِ بلسانٍ عربيٍّ في أذان الملكِ النَّازل. انتهى (¬4).
¬
(¬1) لإبراهيم الطَّرابُلْسِيّ، المتوفَّى سنة (922هـ). منه رحمه الله.
وأضيف، هو: إبراهيم بن موسى بن أبي بكر بن علي الطَّرابُلْسِيّ، برهان الدين، نزيل القاهرة، من مؤلفاته: مواهب الرحمن في مذهب أبي حنيفة النعمان، وله شرح عليه سمَّاه البرهان، وله: الإسعاف في حكم الأوقاف، (853 - 922هـ). انظر: النور السافر (ص104). الكشف (2: 1895).
(¬2) من مواهب الرحمن في مذهب أبي حنيفة النعمان (ق20/ب).
(¬3) لحسن الشُّرُنْبُلالِيّ، المتوفَّى سنة (1069هـ). منه رحمه الله.
وأضيف، هو حسن بن عمَّار بن علي الشُّرُنْبُلالِيّ المصريّ الوفائيّ الحَنَفيّ،، أبو الإخلاص، والشُّرُنْبُلاليّ: نسبةً إلى شراب شرابلوله على غير قياس، وهي بلدة بسواد مصر، قال المحبيّ: كان من أعيان الفقهاء وفضلاء عصره، ومن سار ذكره، فانتشر أمره، وهو أحسن المتأخرين ملكة في الفقه، من مؤلفاته: حاشية على الدرر والغرر، و شرح الوقاية، و شرح منظومة ابن وهبان، (994 - 1069هـ). انظر: خلاصة الأثر (2: 38). طرب الأماثل (ص466).
(¬4) من مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح ونجاة الأرواح (ص220).
قال السَّيِّدُ أحمد الطَّحْطَاوِيُّ (¬1) في ((حواشيه)): الظَّاهر أنَّ الإقامةَ مثله للعلَّةِ المذكورة. انتهى (¬2).
وفي ((منح الغفَّارِ شرحِ تنويرِ الأبصار)) (¬3): لا يصحُّ إن أذَّنَ بالفارسيَّة، وإن عُلِمَ على الأصحّ، وصرَّح به في ((الجوهرة)) (¬4) حيث قال:
¬
(¬1) من رجالِ القرنِ الثَّالثِ عشر. منه رحمه الله.
أضيف، هو: أحمد بن محمد بن إسماعيل الطَّحْطَاويّ الحَنَفِيّ، ويقال: الطَّهْطَاوِيّ، ولد بطهطا، بالقرب من أسيوط بمصر، وتعلّم بالأزهر، ثم تقلّد مشيخة الحنفيّة، وفي تاريخ الجبرتي: أن أباه روميّ تركي حضر إلى مصر متقلِّداً القضاء بطحطا، من مؤلفاته: حاشية على الدر المختار، و حاشية على مراقي الفلاح، و كشف الرين عن بيان المسح على الجوربين، (ت1231هـ). انظر: الأعلام (1: 232 - 233). معجم المؤلفين (1: 271).
(¬2) من حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص196).
(¬3) لشمس الدين محمد بن عبد الله الغزي، المتوفَّى سنة (1004هـ).منه رحمه الله.
وأضيف، هو: محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أحمد التُّمُرْتَاشِي الغزِّي، شمس الدِّين، نسبة إلى تُمُرْتَاشِي: قرية من قرى خُوارَزم، قال المحبي: كان إماماً كبيراً، حسن السمت، قوي الحافظة، كثير الاطلاع، ولم يبق من يساويه في الرتبة، وألف التآليف العجيبة المتقنة، من مؤلفاته: تنوير الأبصار، وشرحه سمَّاه منح الغفار، و إعانة الحقير شرح زاد الفقير، (ت1004هـ). انظر: خلاصة الأثر (4: 18 - 20). طرب الأماثل (562 - 563)، دفع الغواية (ص11).
(¬4) هو شرح مختصر القُدُورِيّ المُلَخَّصُ من السراج الوَّهاج كلاهما: لأبي بكر ابن عليّ الحَدَّاديّ، المتوفَّى سنة (800هـ). منه رحمه الله.
وأضيف، هو: أبو بكر بن علي بن محمد الحَدَّادِيّ العباديّ، أبو العتيق، رضي الدين، الشهير بصنعته، ومن مؤلفاته: كشف التنْزيل في تحقيق التأويل تفسير القرآن، و شرح منظومة شيخه العاملي في الفقه، و النور المستنير شرح منظومة النسفي، الرحيق المختوم، و السَّراج الوهَّاج شرح القُدُوريّ وقد اختصره في الجوهرة النيِّرة، قال الإمام اللكنوي: إنِّها من الكتب غير المعتمدة، (720 - 800هـ). انظر: تاج (ص141). مقدمة العمدة (1: 12).
يصحُّ الأذانُ بالفارسيَّةِ إن عُلِمَ أنه أذان، وأشارَ في ((شرح الكَرْخِيّ (¬1))) (¬2) إلى أنَّهُ لا يجوز، وهو الأظهرُ الأصحّ. انتهى.
¬
(¬1) هو أبو الحَسَن عبيد الله بن الحُسين الكَرْخيّ، المتوفَّى سنة (340هـ). منه رحمه الله.
وأضيف، هو: عبيد الله بن الحسين بن دلال بن دَلَهْم، أبو الحَسَن الكَرْخِي، نسبة إلى كَرْخ قرية بنواحي العراق، قال الكفوي: انتهت إليه رئاسة الحنفيّة. وعدَّه الإمام اللكنوي من أصحاب الوجوه في حين عدَّه ابن كمال باشا من المجتهدين في المسائل، من مؤلفاته: المختصر و شرح الجامع الكبير و شرح الجامع الصغير، (260 - 340هـ). انظر: تاج (ص200)، الفوائد (ص183).
(¬2) شرح مختصر الكَرْخِيّ لأحمد بن محمَّد بن أحمد البَغْدَادِيّ القُدُورِيّ، أبو الحسين، بضمِّ القاف والدال المهملة بعد الواو، قيل: نسبة إلى قرية من قرى بغداد، يقال: لها قُدُورة، وقيل: نسبة إلى بيع القُدُور، قال السَّمْعَانيُّ: انتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة بالعراق، وعزَّ عندهم قدره وارتفع جاهه، وكان حسن العبارة في النظر، مديماً لتلاوة القرآن، ومن مؤلفاته: مختصر القُدُورِيّ، و التجريد، (362 - 428هـ). انظر: النجوم الزاهرة (5: 24)، مرآة الجنان (3: 47)، الفوائد (ص57 - 58).
قلتُ: سيأتي فيما سيأتي أنَّ جميعَ أذكارِ الصَّلاةِ من التَّكبيرِ إلى السَّلامِ على الخلافِ بين أبي حنيفةَ وصاحبيه، فإنَّها تجوزُ بالفارسيَّةِ عنده، وإن قَدِرَ على العربيَّة، وعندهما لا تجوزُ إلاَّ للعاجزِ عن العربيَّة.
فالظَّاهرُ أنَّ الأذانَ أيضاً يكونُ على الخلاف.
وأمَّا تصحيحُ أنَّه لا يُجْزِئُ بالفارسيَّة، وإن عُلِمَ أنَّه أذانٌ كما ذَكَرَهُ جماعةٌ من المتأخرين، فإن كان المرادُ به أنه لا يُجْزِئ لأداءِ السُنَّة، ويلزمُ من الأذانِ بالفارسيَّةِ الكراهة، فلا كلامَ فيه.
ويشتركُ جميعُ أذكارِ الصَّلاة فيه.
وإن كان المرادُ أنَّه لا يُجْزِئ مطلقاً، وأنَّهُ يجبُ إعادتُهُ كإعادةِ الأذانِ جُنُباً، فلا يظهرُ وجهُه، ومن بين ما عداهُ من أذكارِ الصَّلاةِ خصوصية، فإن كان ذلك لورودِهِ بالعربيّ، بلسانِ المَلَكِ النَازِلِ من السَّماء، فكذلك كلُّ الأذكارِ واردةٌ بالعربيَّة على لسانِ صاحبِ الشَّريعةِ البيضاء، فليحرَّر.
* مسألة:
يجبُ على سامعِ الأذانِ الإجابة إن سَمِعَ المسنونَ منه، وهو ما كان عربياً، لا لَحْنَ فيه، كذا في ((الدرِّ المختار)) (¬1) (¬2).
¬
(¬1) الدر المختار شرح تنوير الأبصار (1: 265 - 266).
(¬2) لعلاء الدَّين، محمَّد بن عليّ الحَصْكَفِيّ، المتوفَّى سنة (1088هـ). منه رحمه الله.
وأضيف، هو: محمد بن علي بن محمد بن علي الحِصْنيّ الأصل الحَصْكَفِيّ الحَنَفِيّ، علاء الدين، نسبة إلى حصن كيفا في ديار بكر على خلاف القياس، قال المحبي: مفتي الحنفية بدمشق، وصاحب التصانيف الفائقة في الفقه وغيره، من مؤلَّفاته: الدر المختار شرح تنوير الأبصار، و خزائن الأسرار شرح تنوير الأبصار، و إفاضة الأنوار شرح المنار، (ت1088هـ). انظر: خلاصة الأثر (4: 63 - 65). طرب الأماثل (ص564 - 566).
قال ابنُ عابدين (¬1) في ((حواشيه)): الظَّاهر أنَّ المرادَ منه ما كان مسنوناً جميعُه، فمن لبيان الجنس، لا للتبعيض، فلو كان بعضُ كلماتِه غير عربيّ، أو مَلْحُوناً لا تجبُ الإجابة في الباقي؛ لأنَّه حينئذٍ ليس أذاناً مسنوناً، كما لو كان كلُّه كذلك، أو كان قبل الوقت، أو من جُنُب، أو امرأة.
ويحتملُ أن يكون المرادُ ما كان مسنوناً من أفرادِ كلماتِه، فيجيبُ المسنونَ دونَ غيرَه، وهو بعيد، تأمل، لأنَّه يستلزمُ إصغائَه، وقد ذَكَرَ في
¬
(¬1) السَيِّدُ محمَّدُ أمين من رجال هذا القرن. منه رحمه الله.
وأضيف، هو: محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز بن أحمد بن عبد الرحيم بن العالم الولي صلاح الدين الشهير بعابدين، الدِّمَشْقِيّ الحَنَفِيّ، المشهور بابن عابدين، قال الشطي: إنه علامة فقيه فهامة نبيه، لو لم يكن له من الفضل سوى الحاشية التي سارت بها الركبان، وتنافست فيها الناس زماناً بعد زمان لكفته فضيلة تذكر، ومزِّية تشكر، من مؤلفاته: العقود الدرية بتنقيح الفتاوي الحامدية، و نسمات الأسحار على شرح إفاضة الأنوار، ورسائله المشهورة، (1198 - 1252هـ). انظر: أعيان دمشق (ص252 - 255)، الأعلام (6: 267 - 268).
((البحر)) (¬1): أنَّهم صرَّحوا بأنَّه لا يَحِلُّ سماعُ المؤذِّنِ إذا لَحَنَ كالقارئ (¬2)، وقدمنا أنَّه لا يصحُّ بالفارسيَّة، وإن عُلِمَ أنَّه أذانٌ في الأصحّ. انتهى (¬3).
قلتُ: الذي يظهرُ لي وجوبُ إجابةِ القدرِ العربيِّ من الأذان إذا كان بعضُهُ عربياً، وبعضُهُ فارسيِّاً، ولا يلزمُ من عدمِ صحَّةِ الأذانِ بالفارسيَّةِ عدمَ الإصغاءَ إليه، نعم؛ الأذانُ الملحونُ بعضُهُ ينبغي أن لا يُصْغَى إليه، فلا تجبُ إجابتُه، بل لا يَبْعدُ أن يستنبطَ من قولِهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: (إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاء، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤذِّن) (¬4)، أخرجَهُ البُخَاريّ، ومُسْلِم، أن تَجِبَ إجابة الأذانِ مطلقاً عربيّاً كان، أو فارسيَّاً.
ومنه يستنبطُ أنَّه لا يجيبُ الأذانَ العربيَّ بلسانٍ غير عربيّ.
¬
(¬1) هو شرح الكَنْز لزين العابدين المصريّ، المتوفَّى سنة (970هـ). منه رحمه الله.
وأضيف، هو: إبراهيم بن محمد ابن نُجَيْم المِصْريّ، زين العابدين، من مؤلفاته: البحر الرائق شرح كَنْز الدقائق، و الأشباه والنظائر، و فتح الغفار شرح المنار، قال الإمام اللكنوي عن مؤلفاته: كلُّها حسنةٌ جداً، (926 - 970هـ). انظر: التعليقات السنية (ص221 - 222). الكشف (2: 1515). الرسائل الزينية (ص7).
(¬2) انتهى من البحر الرائق شرح كَنْز الدَّقائق (1: 270).
(¬3) حاشية ابن عابدين على الدر المختار (1: 266).
(¬4) في صحيح البخاري (1: 221)، و صحيح مسلم (1: 288)، و صحيح ابن خزيمة (1: 218) و صحيح ابن حبان (4: 583)، وغيرهم.
فصل
في صفة الصّلاة
* مسألة أولى:
يجوزُ التَّلفُّظُ بالنِّيَّةِ عند الشُّروعِ في الصَّلاة بالفارسيَّة.
قال شمسُ الدَّين، محمَّد القُهُسْتَانِيُّ (¬1) في ((جامع الرُّموز)): ينبغي أن تكون النيَّةُ بلفظِ الماضي، ولو فارسيَّاً؛ لأنه الأغلبُ في الإنشاءات، ويصحُّ بلفظِ الحال .................................................
¬
(¬1) قيل: إنِّه توفِّي في حدود سنة (950 هـ) تقريباً، أو بعد ذلك بقليل. منه رحمه الله.
وأضيف، هو: محَمَّدُ الخُرَاسَانِّي القُهُسْتَانيّ، شمس الدِّين، المفتي ببخارا، من مؤلفاته: جامع الرموز، قال الإمام اللكنويّ: هو من الكتب غير المعتبرة لعدم الاعتماد على مؤلِّفه، (ت: نحو: 953 هـ). انظر: دفع الغواية (ص 37). غيث الغمام (ص 30): تذكرة الراشد (ص 56).
في ((المشارع)) (¬1)، والزَّاهِدِيّ (¬2)، وغيرِها.
كيفية النيَّة: اللَّهُمَّ إنِّي أريدُ الصَّلاة متابعاً للرِّسول صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وسلَّم فيسِّرْها لي، وتقبَّلْها منِّي، واللَّهُمَّ إنِّي أريدُ الظَّهر، أو الصَّلاة للميِّت، أو الوتر، وزادَ المقتدي: متابعاً للإمام. انتهى ملخصاً (¬3).
تنبيه:
كثيراً ما سُئِلْتُ عن التَّلفُّظِ بالنِيَّة:
هل ثَبَتَ ذلك من فعلِ الرَّسول صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وسلَّم، وأصحابِه؟
¬
(¬1) المشارع لعمر بن محمد بن أحمد النَّسَفِيّ السَّمَرْقَنديّ الحَنَفيّ، أبو حفص، نجم الدين، مفتي الثقلين، ومن مؤلفاته: العقائد النسفية، و طلبة الطلبة، و التيسير في التفسير، (461 - 537هـ). انظر: معجم الأدباء (16: 70 - 71). طبقات المفسرين (2: 5 - 7).
(¬2) في قنية المنية (ق16/أ) لمختار بن محمود الزَّاهِدِيّ الغَزمِيْنيّ، أبي رجاء، نجم الدِّين، نسبةً إلى غَزمِين قصبة من قصبات خوارزم، من مؤلفاته المجتبى شرح القُدُوريّ، و القُنْيَة، قال اللكنويّ: طالعتهما فوجدتهما على المسائل الغريبةِ حاويينِ، ولتفصيل الفوائد كافيين، إلاَّ أَنه صَرَّح ابنُ وهبان، وغيره: أن تصانيفه غير مُعتبرة ما لم يُوجد مُطابقتها لغيرها؛ لكونها جامعة للرطب واليابس. (ت658هـ). انظر: الجواهر (3: 460)، الفوائد (ص349)، الكشف (2: 1357).
(¬3) من جامع الرموز في شرح النقاية (1: 85).
وهل له أصلٌ في الشَّرع؟
فأجبتُ: بأنّه لم يثبتْ ذلك من صاحبِ الشَّرع، ولا من أحدٍ من أصحابِه، وإنِّما استحبَّهُ مَن استحبَّه، وهم جمهورُ أصحابِنا الحنفيَّة، والشَّافعيَّة؛ ليتوافقَ القلب واللِّسان، ويتطابقَ التَّكلُّم، وما في الجَنان.
قال في ((القنية)) (¬1) نقلاً عن ((صلاةِ البَقَّالِيّ)) (¬2): النِيَّةُ عملُ القلب، وهو القصدُ إلى الشَّيء، وباللِّسانِ بدعةٌ إلاَّ أن لا يمكِنهُ إقامتُها بالقلبِ إلاَّ بإجرائِها على اللَّسان، فحينئذٍ يباح.
وفيه أيضاً: نقلاً عن الصَّدرِ الحُسَام (¬3): السُنَّةُ الاقتصارُ على نيَّةِ القلب، فإن عبَّرَ بلسانِه جاز. انتهى (¬4).
¬
(¬1) لمختار بن محمود الزَّاهِدِيّ، المتوفَّى سنة (658هـ). منه رحمه الله.
(¬2) صلاة البَقَّالي لمحمَّد بن أبي القاسم بن بابجوك الخَوارِزْمِيّ النَحويّ، المعروف بالبَقَّاليّ، أبو الفضل، زين المشايخ، وهو البَقَّال الذي يبيع الأشياء اليابسة، والعجم يزيدون الياء، وهي زيادة العجم لا نسبةً، من مؤلفاته: مصنفات الفتاوى، و جمع التفاريق، و الهداية في المعاني والبيان، (490 - 562هـ). انظر: معجم الأدباء (19: 5)، طبقات المفسرين (1: 230)، كتائب الأخيار (ق190).
(¬3) هو صدر الدين الحساميّ الخلوتيّ الشروانيّ، من كبار مشايخ الطريقة الخلوتيّة. ينظر: الجواهر (4: 408).
(¬4) من قنية المنية (ق17/أ).
وفي ((حَلْبَةِ المُجَلِّي شرح مُنْية المُصلِّي)) (¬1) لمحمَّد بن محمَّد، الشَّهيرُ بابنِ أمير حاج الحَلَبِيّ (¬2): عملُ القلبِ لا اللِّسان، وإنِّما الذِّكْرُ باللِّسان كلامٌ لا نيَّة، ومن ثَمَّة حُكِيَ الإجماعُ على كونِها بالقلب، ورُدَّ ما ذَهَبَ إليه أبو عبدِ الله الزُّبير (¬3) من الشَّافعيَّة من وجوبِ الجمعِ بين نيَّةِ القلب، ولفظِ اللِّسان.
¬
(¬1) وقع في الأصل: حلية المحلى شرح منية المصلي، وهو تحريف كما قال الشيخ المحقِّق عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله في إحدى تعليقاته على الأجوبة الفاضلة في الأسئلة العشرة الكاملة (ص197 - 201)، فلينظر.
(¬2) المتوفَّى سنة (879هـ) من تلامذة ابن الهُمَام وابن حَجَر. منه.
وأضيف، هو محمد بن محمد بن محمد الحَلَبِيّ الحنفي، أبو عبد الله، شمس الدين، المعروف بابن أمير حاج، وبابن الموقت، قال حيوة السِّنْديّ المَدَنيّ: إنه تلا شيخه ابن الهُمَام في التَّحقيق وسعة الاطّلاع، ومن مؤلفاته: حَلْبَةُ المُجَلِّي وبغية المهتدي في شرح منية المصلي وغنية المبتدي، و التقرير والتحبير شرح التحرير، و ذخيرة القصر في تفسير سورة العصر، (825 - 879هـ). انظر: الضوء اللامع (9: 210 - 211). الكشف (358:1). المستطرفة (ص146 - 147).
(¬3) وهو الزبير بن أحمد بن سليمان البصريّ، المعروف بالزُّبَيْريّ، من ولد الزبير بن العوام رضي الله عنه، ويعرف بصاحب الكافي، قال الأسنوي: كان حافظاً للمذهب، عارفاً بالأدب، خبيراً بالأنساب، ومن مؤلفاته: النية، و الإمارة، و ستر العورة، (ت317هـ). انظر: طبقات الأسنوي (1: 299 - 300).
وأمَّا ما في ((الخانيّة)): وعند الشَّافِعِيِّ (¬1) لا بُدَّ من الذِّكْرِ باللِّسان. انتهى (¬2).
فغيرُ محقَّقِ الثُّبُوت عنه، وكأنَّه أخذَهُ تبعاً لبعضِهم ممَّا عن الشَّافِعِيِّ أنه قال في الصَّلاة: إنَّها ليست كالصّياح، ولا يدخلُ فيه أحدٌ إلا بذكر. فظنَّ أن مرادَهُ بالذِّكرِ تلفُّظُ المصلِّي بالنيَّة، وليس كذلك، وإنِّما مرادُ الشَّافِعِيِّ بالذِّكْرِ تكبيرةُ الإحرام.
ثُمَّ في ((الاختيار)) (¬3): قال محمَّد بنُ الحَسَن (¬4): النِيَّةُ بالقلبِ فرض،
¬
(¬1) في المنهاج وشرحه امغني المحتاج (1: 148 - 189) لم ينسب إلى الشافعي أن النية الذكر باللسان.
(¬2) من الفتاوى الخانية لقاضي خان (1: 81). وقال في كيفية النية: أن يقصد بقلبه، فإن قصد بقلبه ولسانه كان أفضل. ا. هـ.
(¬3) هو شرح المختار كلاهما لعبدِ اللهِ بنِ محمود المَوْصِليّ، المتوفَّى سنة (484هـ). منه رحمه الله.
وأضيف، هو: عبد الله بن محمود بن مَوْدُود بن محمود المَوْصِليّ الحنفي، أبو الفضل، مجد الدين، والمَوْصِليّ نسبة إلى المَوْصِل في جزيرة ابن عمر، قال اللكنويّ: وهو من المشايخ المعتبرينَ. من مؤلفاته: المختار وشرحه الاختيار لتعليل المختار للفتوى، و المشتمل على مسائل المختصر، (599 - 683هـ). انظر: الجواهر (2: 349 - 350). تاج (ص176). الفوائد (ص180).
(¬4) وهو مُحَمَّد بن الحَسَن بن فرقد الشَّيْبَانِيّ، أبو عبد الله، صاحب أبي حنيفة، قال الشافعي: ما رأيت سميناً أخف روحاً من محمد بن الحسن وما رأيت أفصح منه، وقال الطحاوي: كان حزبه في كل يوم وليلة ثلث القرآن. ومن مؤلفاته: المبسوط، و الجامع الصغير، و الجامع الكبير، و السير الكبير، السير الصغير، و الزيادات، وهذه هي المسمَّاة بظاهر الرِّواية والأصول في المذهب الحنفي، (132 - 189هـ). انظر: بلوغ الأماني (ص4)، مقدِّمة الهداية (14:3)، و النافع الكبير (ص34 - 38)،
وذِكْرُها باللِّسان سُنَّة، والجمعُ بينهما أفضل (¬1).
لكن في ((محيط رضي الدِّين)): وذِكْرُها باللِّسان سُنَّة؛ فإنَّه قال محمَّد في (كتاب المناسك): إذا أردت الحجَّ فَقُل: اللَّهُمَّ إنِّي أُريدُ الحجّ، فيسِّرْه لي، وتقبّلْهُ منِّي (¬2). فينبغي أن يقولَ هاهنا: اللَّهُمَّ إنِّي أُريدُ الصَّلاة فيسِّرها لي وتقبَّلْها منِّي. انتهى.
وفي ((التُّحفة)) (¬3): ثٌمَّ ذكر ما نَوَى بقلبِه، هل هو سُنَّة؟
عند بعضِهم: ليس سُنَّة.
وقال بعضُهم: هو سُنَّةٌ مستحبَّة، فإنَّ محمَّداً (¬4) ذَكَرَهُ في (المناسك) فساقَهُ (¬5) كما في ((المحيط)).
¬
(¬1) انتهى من الاختيار شرخ المختار (1: 64 - 65).
(¬2) انتهى من المبسوط لمحمد بن الحسن (2: 343 - 344).
(¬3) تحفة الفقهاء لمحمد بن أحمد بن أبي أحمد السَّمَرْقَنْدِيّ، أبي بكر، علاء الدين، قال الكفوي: أستاذ صاحب البدائع شيخ كبير فاضل جليل القدر، من مؤلفاته: تحفة الفقهاء، و ميزان الأصول في نتائج الأصول (ت539هـ). انظر: الفوائد (ص260)، و تاج التراجم (ص257). ميزان الأصول (1: 17).
(¬4) انتهى من تحفة الفقهاء (1: 125).
(¬5) أي ساق صاحب التحفة قول محمد بن الحسن كما ورد سابقاً في المحيط الرضوي.
والظَّاهرُ أنَّ صاحبَ ((الاختيار)) إنِّما جزمَ بأنَّ محمَّداً قال: ذِكْرُها باللِّسان سُنَّةٌ من هذا، إلاَّ أنه صرَّحَ باستنانِها في خصوصِ هذا الموضع، كما أنَّها (¬1) هاهنا أيضاً.
قال غيرُ واحد: منهم: صاحبُ ((الحاوي)) (¬2): الذِّكْرُ باللِّسانِ
مستحبٌّ لِمَ رأيتُ صاحبَ ((البدائع)) (¬3) قد صرَّحَ بذلك أيضاً، فقال: ومن سُنَنِ الافتتاح أن يتكلَّمَ بلسانِه ما نواه بقلبِه، ولم يَذْكُرْهُ في (كتاب
¬
(¬1) في الأصل: ان من.
(¬2) الحاوي القدسي لأحمد بن محمد بن نوح القابسيّ الغَزْنَوِيّ الحَنَفِيّ، جمال الدين، وسمي بـ الحاوي القدسي لأنه صنفه في القدس، (ت593هـ). انظر: الكشف (627). معجم المؤلفين (1: 301)، و فهرس مخطوطات الظاهرية (1: 281).
(¬3) هو أبو بكر بنُ مسعود علاء الدَّين الكَاسَانِيّ، المتوفَّى سنة (587هـ).منه رحمه الله.
وأضيف، هو: أبي بكر بن مسعود بن أحمد الكَاسَانِيّ، علاء الدين، ملك العلماء، والكاساني بلدة وراء النهر، وقد يقال في نسبته الكاشاني، قال الذهبيّ: قاسان بلد كبير بتركستان خلف سيحون وأهلها يقولون كسان، تفقه على محمد بن أحمد السمرقنديّ، وقرأ عليه معظم كتبه، وزوجه ابنته فاطمة، وقيل: إن سبب تزويجها أنها كانت من حسان النساء، وكانت حفظت التحفة لأبيها وطلبها جماعة من ملوك بلاد الروم، ولما صنّف صاحب الترجمة البدائع، وهو شرح التحفة، وعرضه على شيخه ازداد به فرحاً وزوّجه ابنته، وجعل مهرها منه ذلك، فقالوا في عصره: شرح تحفته، وزوّجه ابنته، من مؤلفاته: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، الكتاب الجليل، و السلطان المبين، (ت587هـ). انظر: طبقات طاشكبرى زاده (ص101 - 102). الفوائد (ص91).
الصَّلاة) أيضاً، ولكنَّه أشارَ إليه في (كتاب الحجّ) فذكرَه (¬1) كما في ((المحيط)).
ثُمَّ قال (¬2): فكذا في باب الصَّلاة ينبغي أن يقول: اللَّهُمَّ إنِّي أُريدَ صلاةَ كذا، فيسِّرْها لي، وتقبَّلْها منِّي؛ لأنَّ هذا سؤال التَّوفيقِ من اللهِ للأداء والقَبول، فيكون مسنوناً. انتهى (¬3).
ثُمَّ بعد هذا كلِّه يفيدُ أن التَّلفُّظَ بالنيَّةِ المتنازعِ في استحبابِه هو ما يكون بهذه العبارةِ (¬4) لا بنحوِ: نويت، أو نوى، كما عليه عامَّة المُتلفِّظين بالنِيَّة ما بين عاميّ، وغيرِه، ففي دعوى استنان التَّلفُّظ بها نظرٌ ظاهر، ولا يخفى ما في سندِه على ما في ((البدائع))، فإنِّه غيرُ خافٍ أن سؤالَ التَّوفيق والقَبُول شيءٌ آخرَ غيرَ التَّلفُّظِ بها.
على أنَّه قد ذَكَرَ غيرُ واحدٍ من مشايخنا في وجهِ ما ذَكَرَهُ محمَّدٍ في (كتاب الحجّ) أن الحجَّ لمَّا كان ممَّا يمتدّ، ويقعُ فيه العوارض، والموانع،
¬
(¬1) أي الكاساني رحمه الله.
(¬2) أي الكاساني رحمه الله.
(¬3) من بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (2: 199).
(¬4) أي عبارة: اللهم إني أريد صلاة كذا ... .
وهو عبادةٌ عظيمةٌ تحصلُ بأفعال شاقَّة، استحبَّ طلبُ التَّيسير والتَّسهيل من الله، ولم يشرعْ مثل هذا الدُّعاءِ في الصَّلاة؛ لأنَّ أداءَها في وقتٍ يسير. انتهى.
وهذا صريحٌ في نفي قياسِ الصَّلاةِ على الحجِّ في هذا، فلا جُرْمَ إن ذهبَ صاحبُ ((المبسوط)) (¬1)، و ((الهداية))، و ((الكافي)) (¬2) إلى أنَّ فعلَهُ يَجْمَعُ عزيمةَ قلبِه فحَسَن، فيندفعُ ما قيل يُكْرَه؛ لأنَّ النيَّةَ عملُ القلب، واللهُ مطَّلعٌ على الضَّمائر، فالإفصاحُ في حقِّهِ غيرُ مفيد، وكان المصنِّفُ (¬3) احترزَ بقولِهِ: المستحبُّ أن ينوي بالقلب، ويتكلَّم بلسانه، هو المختار (¬4) عن هذا.
¬
(¬1) المبسوط للسرخسي (1: 10 - 11).
(¬2) الكافي شرح الوافي كلاهما لعبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، أبو البركات، حافظ الدين، من مؤلفاته: الكَنْز، و تفسير المدارك، و المنار، وشرحه كشف الأسرار، قال الإمام اللكنوي: وكل تصانيفه نافعةٌ مُعتبرةٌ عند الفقهاءِ مطروحةٌ لأنظار العلماءِ، (ت701هـ). انظر: الجواهر المضية (2: 294)، تاج (ص174)، الفوائد (ص102).
(¬3) أي مصنِّف منية المصلي وغنية المبتدي، وهو محمد بن محمد الكاشغري، سديد الدين، قال الإمام اللَّكنويّ: و المنية من الكتب المعتبرة المتداولة، (ت705هـ). انظر: الكشف (2: 1886هـ)، تحفة الكملة (ص6).
(¬4) انتهى من منية المصلي وغنية المبتدي (ص79).
لكن يبقى شاهدٌ له، ما قالَ غيرُ واحدٍ من الحفَّاظِ المتأخِّرين ما معناهُ إنه لم يَثْبُتْ عن رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم ولا عن أحدٍ من الصَّحابة، والتَّابعين، والأئمَّةِ الأربعة أنه كان يقولُ عند افتتاح الصَّلاة: نويتُ أن أُصلِّي كذا، ولا استحبابَه، بل المنقولُ أنه صلَّى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصَّلاةِ كبَّرَ لا غير. انتهى.
مع ما في ((جامع الكَرَدْرِيّ)) (¬1) في وجهِ هذا القول: إنَّ عُمَرَ أنكرَ على مَن سَمِعَ ذلك منه. انتهى.
قال العبدُ الضَّعيف (¬2): ولعلَّ الأشبه أنَّه بدعةٌ حسنةٌ عند قصدِ العزيمة؛ لأنَّ الإنسانَ قد يغلبُ عليه تفرُّقُ خاطرِه، ويكون ذِكْرُ النِيَّةِ
¬
(¬1) جامع الكَرْدَرِي لعلَّه: شرح الجامع الصغير أو شرح الجامع الكبير لعبد الغفور بن لقمان بن محمد الكَرْدَرِي، أبو المفاخر، تاج الدين، شمس الأئمة، نسبة إلى كَرْدَر قرية بخُوارَزْم، من مؤلفاته: شرح الجامع الصغير، و شرح الجامع الكبير، و شرح الزيادات، و كتاب في شرح التجريد، و حيرة الفقهاء، (ت562هـ). انظر: الجواهر (2: 443 - 444). طبقات طاشكبرى (ص108).
لأنه كثيراً ما يطلق لفظ الجامع وينسب إلى أحدهم، ويراد شارحه، فيُظَنَّ أن له جامعاً، ولكن الصحيح أن يكون له شرحاً على أحد جامعي محمد بن الحسن الشيباني الصغير، أو الكبير، فنرى مثلاً: الجامع الكبير لقاضي خان، ومن المعلوم أنه لا يوجد له جامع، وإنما له شرح على الجامع الكبير. والله أعلم.
(¬2) أي ابن أمير الحاج رحمه الله.
باللِّسان عوناً له على جمعِه، وقد استفاضَ ظهورُ العملِ بذلك في كثيرٍ من الأعصار في عامَّةِ الأمصارِ من غيرِ إجماع من أهل الحلِّ والعقدِ على مقابلتِهِ بالإنكار.
وقد روى الحاكمُ (¬1) من حديثِ ابن مسعودٍ (2و (¬2) رفعه: (مَا رَآهُ المُسْلِمُونَ حَسَنَاً، فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَن) (¬3) وصحَّحَ وقفَه عليه.
¬
(¬1) وهو محمد بن عبد الله بن محمد بن حَمْدُويَه الضَّبِّي الطَّهْمَان النَّيْسابوريّ، أبو عبد الله، المعروف بالحاكم، ويعرف بابن البَيِّع، وإنما عرِّف بالحاكم لتقلّده القضاء، قال ابن خَلكان: إمام أهل الحديث في عصره، والمؤلّف فيه الكتب التي لم يسبق إلى مثلها، كان عالماً عارفاً واسع العلم، من مؤلفاته: المستدرك على الصحيحين، و معرفة علوم الحديث، و تاريخ نيسابور، و فضائل الشافعي، (321 - 405هـ). ينظر: وفيات (4: 280 - 281)، طبقات ابن قاضي شهبة (1: 197 - 198). المستطرفة (ص17).
(¬2) سقطت من الأصل.
(¬3) رواهُ أحمد في مسند المكثرين من الصَّحابة، (1: 379) برقم (3600)، وفي مستدرك الحاكم (3: 83) برقم (4465)، و المعجم الكبير (9: 112) برقم (8583)، و مسند أبي داود الطَّيَالِسي (ص33) برقم (246)، و فضائل الصحابة (1: 367) برقم (541)، ولفظ أحمد عن ابنِ مَسْعُودٍ، هو: إِنَّ اللهَ نَظَرَ في قُلُوبِ العِبَادِ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - خَيْرَ قُلُوبِ العِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ العِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ، خَيْرَ قُلُوبِ العِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ، فَمَا رَأَى المُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا، فَهُوَ عِنْدَ اللهِ سَيِّئٌ.
والنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وسلَّم ما زالَ مجموعَ الهمَّةِ على الله، وعلى ما يزيدُ قرباً لديه، ولا سيما حالةَ الإقبال على هذه العبادةِ الشَّريفةِ حتَّى صحَّ أنَّه قال: (جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاة) (¬1).
وكذا الأئمَّةُ المقتدى بهم من الصَّدْرِ الأَوَّل، ومَن جَرَى مجراهم لم يكنْ شأنُهم وجودَ التَّفرقةِ حالةَ الإقبالِ على هذه العبادة، على أنَّهم لو وُجِدَ لهم في حين من الأحيان، لعلَّهُ كان يترجَّحُ عندهم الاستغناءُ عن الاستعانةِ على ذلك بذكرِ اللِّسان بصرفِ الخواطرِ الشَّاغلةِ للجِنان، ولو وَقَعَ لبعضِهم الاستعانةُ على ذلك بذكرِ اللِّسانِ في بعضِ الأزمان لم يَرَهُ مَن وَقَفَ عليه؛ لعدم كونِهِ من الأمورِ التي يتوفَّرُ الدَّواعي على نقلها؛ لكونِهِ نَشَأ عن عارضٍ من الأحوالِ النَّادرة. انتهى كلام ابن أمير حاج.
قلتُ: هو غايةُ الكلام في موضعِ الاحتجاج، ومع هذا فلا يخفى على مَن له أدنى لُبٍّ أنَّ الأَوْلَى في هذا الباب، هو الاقتداءُ بالنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابِه، وهو اختياري لا أتكلَّمُ بشيء ممَّا يتكلَّمُ به المتكلِّمونَ إلا اللهُ أكبرُ قصداً إلى حصولِ الوصولِ إلى جَنابِه.
¬
(¬1) في المجتبى (7: 61)، و سنن النسائي الكبرى (5: 280)، و مصنف عبد الرزاق (4: 421)، و سنن البيهقي (7: 78)، و الأحاديث المختارة (5: 112)، و مجمع الزوائد (9: 28)، و مستدرك الحاكم (2: 174)، وقال: هذه حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ا. هـ.
* مسألة ثانية:
يجوزُ التَّكبيرُ بالفارسيَّةِ عند أبي حنيفةَ مطلقاً، وعندهما لا يجوز إلا أن يكونَ عاجزاً.
قال السَّرَخْسِيُّ في ((المحيط)): يجوزُ التَّكبيرُ بالفارسيَّة، وكذا القراءةُ في الصَّلاةِ عندَ أبي حنيفةَ، وعندهما لا يجوز إلا إذا كان لا يحسنُ العربيَّة. انتهى.
وفي ((نوازلِ الفقيهِ أبي اللَّيثِ السَّمرقنديّ)) (¬1): سئلَ عبدُ اللهِ بن المباركِ (¬2) عمَّن دَخَلَ في الصَّلاةِ بالفارسيَّة، قال: أكرهه، قيل له: أيعيدُ الصَّلاة، قال: أظنُّ أنَّ أبا حنيفةَ لا يرى عليه أن يعيد.
قال الفقيه: وقد روي عن أبي حنيفة أيضاً أنه لو تشهَّدَ بالفارسيَّة، أو خطبَ بالفارسيَّةِ أجزأه. انتهى.
¬
(¬1) نصر بن محمد المتوفَّى سنة 375. منه رحمه الله.
وأضيف، هو: نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السَّمَرْقَنْدِيّ الحَنَفِي، أَبو اللَّيْث الفقيه، إمام الهدى، ومن مؤلفاته: مختارات النوازل، و خزانة الفقه، و بستان العارفين، و تنبيه الغافلين، (ت375هـ). ينظر: الفوائد (ص362) تاج التراجم (ص310).
(¬2) وهو عبد الله بن المبارك بن واضح الحَنْظَليّ بالولاء التَّميميّ المروزيّ، أبو عبد الرحمن، وقال الذهبي: كان رأساً في الذكاء، رأساً في الشجاعة والجهاد، رأساً في الكرم، من مصنَّفاته: الجهاد، و الرَّقائق، (118 - 181هـ). ينظر: وفيات (3: 234)، العبر (1: 280 - 281)، طبقات الشيرازي (ص107 - 108).
وفي ((جامعِ المضمرات)): فإن افتتحَ الصَّلاةَ بالفارسيَّة، أو ذبحَ وسمَّى بها، وهو يحسنُ العربيَّةَ أجزأهُ عند أبي حنيفة، وقالا: لا يجزئهِ إلاَّ في الذَّبيحة، فإن لم يحسن العربيَّةَ أجزأه. انتهى.
وفي ((معدنِ الحقائقِ شرحِ كَنْز الدَّقائق)): عند أبي يوسفَ ومحمَّدٍ ومالكٍ (¬1) والشَّافعيّ (¬2) وأحمد: لا يصحُّ الشُّروعُ بالفارسيَّةِ إذا كان عالماً بالعربيَّة. انتهى.
وقد أنكرَ الإمامُ الغَزَاليُّ (¬3) في ((المنخول)) (¬4)، وإمامُ الحرمَيْن (¬5) في رسالتِهِ ((مغيثِ الخلق))، وغيرها من الشَّافعيَّةِ في هذه المسألةِ على الإمامِ أبي
¬
(¬1) انظر: تقريب المعاني على رسالة أبي زيد القيرواني (ص54 - 55).
(¬2) انظر: المهذب (1: 70).
(¬3) هو أبو حامد محمد بن محمد الطُّوسيّ، المتوفِّي سنة (505هـ). منه رحمه الله.
وأضيف، هو: محمد بن محمد بن محمد الطُّوسيّ الغَزالي، أبو حامد، زين الدين، والغزالي: بفتح الغين المعجمة وتشديد الزاي المعجمة وبعد الألف لام، هذه النسبة إلى الغَزَّال، على عادة أهل خَوارَزْم وجُرجان، فإنهم ينسبون إلى القصَّار القصَّاري، وإلى العطَّار العطَّاري، وقيل: إن الزاي مخففة نسبة إلى غزَالة وهي قرية من قرى طوس، وهو خلاف مشهور. من مؤلفاته: الإحياء، و كيمياء السعادة، و بداية الهداية، (450 - 505هـ). ينظر: وفيات (4: 216 - 219، 1: 98)، طبقات الأسنوي (2: 112)، التعليقات السنية (ص 243).
(¬4) ينظر: المنخول (ص219 - 220).
(¬5) هو عبد الملك بن عبد الله، المتوفِّي سنة (479هـ). منه رحمه الله.
وأضيف، هو: عبد الملك بن أبي محمد الجُوينيّ، أبو المعاليّ، ضياء الدين، قال الأسنوي: إمام الأئمّة في زمانه، وأعجوبة دهره وأوانه. من مؤلفاته: الأساليب في الخلاف، ومختصر النهاية، والأحكام السلطانية، (419 - 478هـ). ينظر: طبقات الأسنوي (1: 198)، العبر (3: 291)، طبقات ابن هداية الله (ص174 - 176).
حنيفة، وظنُّوا أنَّهُ خالفَ فيهِ الأدلَّةَ الشَّرعيَّة، وهو ظنٌّ فاسد، ووهمٌ كاسد، فإنه أخذَ فيهِ بظاهرِ قولِهِ تعالى: ?وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ? (¬1)، حيث لم يقيِّدْ فيه الذِّكرَ بلسان، بل ذكر مطلقاً، وفرَّعَ عليهِ فصلَّى.
قال شمسُ الأئمَّة محمَّدٌ بن عبد السَّتارِ الكَرْدَريّ (¬2) في رسالتِهِ التي ألَّفَهَا ردَّاً على ((المنخول)): لم يقلْ أبو حنيفةَ بأنَّه يجبُ أن يحرمَ بالعجميَّة، وإنَّما قال: إذا افتتحَ الصَّلاةَ بالفارسيَّةَ أجزأه.
¬
(¬1) من سورة الأعلى، الآية (15).
(¬2) كانت وفاتُه ببخارا سنة (642هـ)، منه رحمه الله.
وأضيف، هو: محمَّد بن عبد الستَّار بن محمد العِمَادِيّ الكَرْدَرِيّ البَرَاتَقِينِيّ الحَنَفيّ، أبو الواجد، شمس الأئمّة، وبَرَاتَقِين: قصبة من قصبات كَرْدَر من أعمال جُرْجَانِيَّة، انتهت إليه رئاسة الحنفيّة في زمانه، (599 - 642هـ)، له رسالة ردَّ فيها على المنخول، وقد وقفت على نسخة لها في دار صدام للمخطوطات في بغداد، واسمها: الرد على الطاعن المعثار والانتصار لسيد فقهاء الأمصار، وقال الإمام اللكنوي في الفوائد البهية (ص291) عنها: رأيت له رسالة في الرد على منخول الإمام الغَزَالي، المشتمل على التشنيع القبيح على الإمام أبي حنيفة، أولها: الحمد لله رب العالمين الخ، رتّبها على ستّة فصول، وتعقَّب فيها على الغَزاليّ: قولاً قولاً، وذكر فيها مناقب أبي حنيفة، وهي رسالةٌ نفيسةٌ حسنةٌ جداً، مُشتملة على أبحاثٍ شَريفةٍ، إلا أَنَّهُ بَسَط الكلام في بعض مواضعها بالشَّناعة على الإمام الشَّافِعِيّ وأَتباعه، لكنه بالنسبة إلى تشنيع الغَزَاليّ على أبي حنيفة قليل جداً. ينظر: الجواهر (3: 228 - 230)، تاج (ص267 - 268)، النجوم الزاهرة (6: 351).
وفرقٌ بينَ قولِه: إنَّه يجب، وبينَ قولِه: إنَّه يجوز.
وإنِّما قالَ بالجواز؛ لقولهِ تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} (¬1)، علَّقَ الفلاحَ بالصَّلاةِ عقيبَ ذكرِ اسمِ اللهِ بلا فصل، {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ} (¬2) الذي يعقبُهُ الصَّلاة، بلا فصل، ليس إلا التَّحريمة، وأنَّهُ باطلاقِهِ يتناولُ التَّحريمةَ بالعربيَّةِ والعجميَّة، فاقتدى كتابَ اللهَ في الجوازِ بخداي بزركتر كما اقتضى الجوازَ بالله أكبر؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما فيه ذكرُ اسمِ الله.
والشَّافعيّ يقول: لا يجزئه، فكان مخالفاً لحكمِ اللهِ تعالى، وناسخاً للكتابِ بخبرِ الواحد، وهو قولُهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلام: (لا يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَه، ويَسْتَقْبِلَ القِبْلَة، وَيَقُول: اللهُ أَكْبَر) (¬3).
¬
(¬1) من سورة الأعلى، الآيتان (14،15).
(¬2) من سورة الأعلى، الآية (15).
(¬3) في سنن أبي داود (1: 226)، و المعجم الكبير (5: 38)، و تلخيص الحبير (1: 217)، و خلاصة البدر (1: 112)، و التحقيق (1: 329)، و نصب الراية (1: 312).
وعنده: لا يجوزُ نسخُ الكتابِ بخبرِ الواحد، وقد صارَ الشَّافعيُّ مخالفاً للحديثِ المذكور، حيثُ جوَّزَ الشُّروعَ بقولِه: اللهُ الأكبر، فإنَّه قال: اللهُ الأكبر، بمعنى اللهُ أكبر، ولهذا خالفَهُ مالك (¬1)، وأنكرَ الجوازَ باللهِ الأكبر.
فنقول: كذلك خداى بزركتر، بمعنى: اللهُ أكبرُ من كلِّ وجه، فأولى أن يجوزَ به. انتهى ملخصاً.
وقال عليٌّ القاري (¬2) في رسالتِهِ ((تشييعِ الفقهاءِ الحَنَفيَّةِ بتشنيعِ السُّفهاءِ الشَّافعيَّة)) المؤلَّفةِ للرَّدِ على ((مغيثِ الخلقِ في اتَّباعِ الحق)) (¬3)، ثمَّ قولُه: وأتى بالتَّكبيرِ بالفارسيَّة فيه أنَّه لا يجوزُ إن أتى بها إلا العاجزُ عن العربيَّةِ كما هو وجهٌ من وجوهِ الشَّافعيَّة (¬4)؛ لأنَّ المقصودَ من التَّكبيرِ هو
¬
(¬1) انظر: رسالة أبي زيد القيرواني (ص54 - 55).
(¬2) توفِّي بمكَّة سنة (1014هـ). منه رحمه الله.
وأضيف، هو: علي بن سلطان محمد الهَرَويّ القَارِيّ الحَنَفيّ، أبو الحسن، نور الدين، من مؤلِّفاته: فتح باب العناية بشرح النقاية، و مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، و شرح الشمائل (930 - 1014هـ). خلاصة الأثر (3: 185 - 186)، الكواكب السائرة (1: 445 - 446)، طرب الأماثل (ص515 - 517).
(¬3) وللإمام الشيخ محمد زاهد الكوثري رسالة أحسن الردَّ فيها على مغيث الخلق سمَّاها: إحقاق الحق بإبطال الباطل في مغيث الخلق.
(¬4) ينظر: الأم (1: 166).
التَّعظيم، وذا لا يختلفُ بالعربيَّة.
ونظيرُهُ قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَقُولُوا لا إِلَهَ إِلاَّ الله) (¬1)، فلو آمنَ أحدٌ بغيرِ العربيَّةِ جازَ إجماعاً بينَ العلماءِ الإسلامية مع أنَّهُ مقتبسٌ من قولِهِ سبحانَهُ وتعالى: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} (¬2)،حيثُ استنبطَ الإمامُ الأعظمُ من هذهِ الآيةِ ثلاثةَ مسائلَ دينيَّة:
الأولى: أنَّ تكبيرةَ الافتتاحِ شرطٌ لا ركنٌ كما قال بهِ الشَّافعيَّة (¬3)؛ لعطفِ صلَّى على ذكر، والأصلُ في العطفِ المغايرة.
الثَّانية: أنَّ مجردَّ ذكرِ اسمِ اللهِ المقرونِ بالتَّعظيمِ كافٍ في التَّحريمة، فليسَ خصوصُ التَّكبيرِ فرضاً، بل هو سُنَّة، أو واجبٌ على ما حقَّقَهُ ابن الهُمَام (¬4).
¬
(¬1) في صحيح البخاري (1: 153)، و صحيح مسلم (1: 52)، و صحيح ابن خزيمة (1: 399)، و صحيح ابن حبان (1: 401)، و المنتقى (1: 258).
(¬2) من سورة الأعلى، الآية (15).
(¬3) ينظر: المنهاج مع شرحه مغني المحتاج (1: 150).
(¬4) في فتح القدير للعاجز الفقير على الهداية (1: 246 - 248) لمحمَّد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن مسعود السَّكَنْدَرِيّ السِّيوَاسِيّ الأصل القَاهِريّ الحَنَفِي، نسبة إلى سيواس الشهير بابن الهمام، كمال الدين، من مؤلفاته: تحرير الأصول، و المسايرة في العقائد، و زاد الفقير مختصر في مسائل الصَّلاة، قال الإمام اللكنوي: كلها مشتملة على فوائد قلما توجد في غيرها، وقد سلك في أثر تَصانيفه، لا سيما فتح القدير مسلك الإنصاف متجنباً عن التعصب المذهبي والاعتساف، إلا ما شاء الله (790 - 861هـ).ينظر: الضوء اللامع (6: 127)، و الفوائد (ص296 - 298).
والثَّالثة: جوازُ ذكرِ اسمِ ربِّهِ بالعربيَّةِ والعجميِّة؛ لإطلاقِ الآية. انتهى.
قلتُ: ما ذكرَ أنه لا يجوزُ أن يأتيَ بها إلا العاجزُ عن العربيَّةِ ليس مذهباً لأبي حنيفة، بل هو مذهبُ صاحبيه، وأمَّا عندهُ فالقادرُ والعاجزُ سواء، على ما حكاهُ جماعةٌ من أصحابنا الحَنَفيَّة.
نعم؛ ذكرَ بعضُهُم أنَّهُ رجعَ إلى قولِهما كمسألةِ القراءة، لكنَّهُ محلُّ المنازعةِ كما سيأتي في ما سيأتي.
وقال الشَّيخُ عبدُ النَّبيّ بن أحمدَ بن عبدِ القدُّوسِ الكَنكَوهي (¬1) في رسالةٍ لهُ ألَّفها ردَّاً على صلاة القَفَّالِ المَرْوَزيّ (¬2): وكذلك قولُهُ فكبَّر
¬
(¬1) وهو عبد النبي بن أحمد بن عبد القدوس الحنفي النعماني الكَنكَوهي، وهو من أولاد الإمام أبي حنيفة نسباً ومذهباً، كان من أجل علماء عصره، من مؤلفاته: وظائف النبي في الأدعية المأثورة، ورسالة في حرمة السماع، ورسالة في رد طعن القفال المروزي على الإمام أبي حنيفة، (ت991هـ). ينظر: طرب الأماثل (ص507 - 508)، نزهة الخواطر (4: 219 - 222).
(¬2) وهو عبد الله بن أحمد بن عبد الله المَرْوَزيّ، أبو بكر، المعروف بالقَفَّال، كان في ابتداء أمره يعمل الأقفال، وبرع في صناعتها حتى عمل قفلاً بمفاتحه وزنه أربع حبات، فلمَّا أتى عليه ثلاثون اشتغل بالفقه، حتى صار وحيد زمانه فقهاً وحفظاً وزهداً وورعاً، من مؤلفاته: شرح التلخيص، و الفروع، (ت417هـ). ينظر: العبر (3: 124 - 125)، طبقات الأسنوي (2: 147).
بالفارسيِّةِ لا نقصَ فيه، ولا طعنَ أصلاً؛ لأنه لم يثبتْ دليلٌ قاطعٌ على اشتراطِ العربيَّةِ في التَّكبير، إذ المقصودُ الأصليُّ هو التَّعظيم، وهو يحصلُ بأيِّ لغةٍ كان، إلا أنَّ الفارسيَّةَ أقربُ من العربيَّةِ في الفصاحة، فجوَّزُوا بها دونَ غيرها.
ومع هذا ذكرَ السِّغْنَاقيُّ (¬1) أنَّهُ يجوز، ويكرهُ عندَ أبي حنيفة. انتهى.
قلتُ: تخصيصُ الجوازِ بالفارسيَّةِ كما صدرَ عنهُ مغلطةٌ واضحة؛ فإنَّ الصَّحيحَ المسطورَ في كتبِ الثِّقاتِ أنَّ الجوازَ ليسَ مختصَّاً بالفارسيَّة، بل يعدوا إلى التُّركيَّةِ والهنديَّةِ والسِّريانيِّةِ وغيرها من اللُّغات.
نعم؛ خصَّ أبو سعيدٍ البَرْدَعِيُّ (¬2) جوازَ القراءةِ بالفارسيَّة، لكن
¬
(¬1) وهو حسين بن علي بن حجاج بن علي السِّغْنَاقي أو الصِّغْنَاقِيّ، حسام الدين، نسبةً إلى سِغْنَاق بلدة في تركستان، قال السُيُّوطي: كان عالماً فقيهاً نحوياً جدلياً، ومن مؤلفاته: شرح التمهيد في قواعد التوحيد لأبي المعين المكحولي، و الكافي شرح أصول البزدوي، قال الإمام اللَّكْنَوِيُّ: طالعت من تصانيفه النهاية وهو أبسط شروح الهداية وأشملها، قد احتوى على مسائل كثيرة وفروع لطيفة. توفي بعد سنة (710هـ). ينظر: تاج التراجم (ص160). الفوائد (ص106).
(¬2) وهو أحمد بن الحسين البِرْدَعِي، أبو سعيد، والبِرْدَعيّ بكسر الباء الموحّدة، وسكون الراء، وفتح الدال المهملة، وفي آخرها العين المهملة نسبة إلى بِرْدَعة، وهي بلدة من أقصى بلاد أَذْرَبيجَان، قال ابن أبي الوفاء: أحد الفقهاء الكبار، وأحد المتقدِّمين من مشايخنا ببغداد، (ت317هـ). ينظر: الجواهر (1: 163 - 166)، الفوائد (ص41 - 42).
تعقَّبَهُ كثيرٌ من الحَنَفيَّة.
وقال أبو القاسمِ بن عبدِ العليمِ القرتبيّ في رسالةٍ ألَّفَهَا في الرَّدِّ على صلاةِ القَفَّال المَرْوَزيّ: وأمَّا قولُه: وكبَّرَ بالفارسيَّة، فالجوابُ عنه: أنَّ المقصودَ من التَّكبيرِ هو التَّعظيم، لا يختلفُ بالعربيَّةِ والفارسيَّة؛ ولإطلاقِ قولِهِ تعالى: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} (¬1)، والمرادُ بذكرِ الرَّبِّ ذكرُهُ لافتتاحِ الصَّلاة؛ لأنَّهُ أعقبَ الذِّكرَ بحرفٍ يوجبُ التَّعقيبَ بلا فصل، وذلك تكبيرةُ الافتتاح، فقد شرعَ اللهُ الدُّخولَ في الصَّلاةِ بمطلقِ الذِّكرِ من غيرِ تقييدٍ بلسانٍ دون لسان.
فإن قيل: هذا المطلقُ يقيِّدُهُ ما رَوى التِّرْمِذِيُّ عن عبدِ اللهِ بن محمَّدٍ بن عقيل، عن محمَّدٍ بن الحَنَفيَّة عن عليٍّ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم أنَّهُ قال: (مِفْتَاحُ الصَّلاةِ الطَّهُور، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيِر، وَتَحْلِيلُها التَّسْلِيم) (¬2).
¬
(¬1) من سورة الأعلى، الآية (15).
(¬2) في جامع الترمذي (1: 9، 2: 3)، قال الترمذي: هذا حديث حسن. وفي المستدرك (1: 223)، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وفي سنن الدارمي (1: 186)، و مجمع الزوائد (2: 104)، و سنن البيهقي الكبرى (2: 379)، و سنن الدارقطني (1: 36)، و مسند أبي حنيفة (1: 130)، و الآثار (1: 1).
قيل له: مدارُ هذا الحديثِ على عبدِ اللهِ بن محمَّد بن عقيل (¬1)، وقد كان مالكٌ ويحيى بن سعيدِ القطَّانِ (¬2) لا يرويانِ عنه (¬3).
وقال ابنُ عُيَيْنَة (¬4): أربعةٌ من قريشٍ لا يروى عنهم، وذَكَرَ فيهم: عبدُ اللهِ بن محمَّدٍ بن عقيل (¬5).
¬
(¬1) وهو عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي المدني، أبو محمد، قال ابن حجر: صدوق في حديثه لين، ويقال: تغيَّر بآخره، (ت 245هـ). ينظر: تهذيب الكمال (16: 78 - 85)، التقريب (ص264).
(¬2) وهو يحيى بن سعيد بن فَرُّوخَ القَطَّان التَّمِيمي البَصْرَيّ، أبو سعيد، قال ابن معين: أقام يحيى القَطَّان عشرين سنة يختم في كل ليلة ولم يَفُتْهُ الزَّوال في المسجد أربعين سنة. وكان يفتى على رأي أبي حنيفة، (ت198هـ). ينظر: مرآة الجنان (1: 462)، التقريب (ص521).
(¬3) ينظر: تهذيب الكمال (16: 80).
(¬4) وهو سفيان بن عُيَيْنَةَ بن أبي عمران الهلاليّ الكُوفِيّ المَكَّيّ. أبو محمد، قال ابن سعد: كان إماماً عالماً ثبتاً حجَّةً زاهداً ورعاً مجمعاً على صحَّة حديثه وروايته، حجَّ سبعين حجَّة، (107 - 198هـ). ينظر: وفيات الأعيان (2: 391 - 393)، التقريب (ص184).
(¬5) في تهذيب الكمال (16: 81).
وقال مسلم: قلت ليحيى بن مَعين (¬1): عبدُ اللهِ بن محمَّدٍ بن عقيل أحبُّ إليك أم عاصمُ بن عبدِ الله، فقال: ما أحبٌّ واحدٌ منهما في الحديث (¬2).
وقال أبو حاتمِ الرَّازيّ (¬3): ابنُ عقيلٍ لينُ الحديثِ ليس بالقويّ، ولا ممَّن يحتجُّ بحديثِه.
وإذا لم يصحَّ الحديثُ لم يجزْ تقيدُ مطلقِ الكتابِ به؛ ولأنَّ المقصودَ من التَّكبيرِ التَّعظيم، وقد حصل، فلا معنى لإيجابِ المبنى، فلم يجبْ تعيينِه، فصارَ نظيرُ قولِهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّم: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إلاَّ الله) (¬4)، فلو آمنَ بغيرِ العربيَّةِ جازَ إجماعاً؛ لحصولِ المقصودِ فكذا هذا. انتهى.
¬
(¬1) وهو يحيى بن معين بن عَوْن بن زياد الغَطَفَانيّ البغدادي، أبو زكريا، قال المزي: إمام أهل الحديث في زمانه والمشار إليه من بين أقرانه، قال ابن حجر: ثقة حافظ مشهورٌ إمامُ الجرح والتعديل، (ت233هـ). ينظر: تهذيب الكمال (31: 543 - 568)، التقريب (ص527).
(¬2) ينظر: تهذيب الكمال (16: 82 - 83).
(¬3) وهو محمد بن إدريس بن المُنْذِر الحَنْظَليّ الرَّازِيّ، أبو حاتم، قال الذهبي: حافظ المشرق، من أوعية العلم، وكان جارياً في مضمار البخاري وأبي زرعة، (ت277هـ). ينظر: العبر (2: 58). التقريب (ص403).
(¬4) سبق تخريجه (ص27).
قلتُ: ما ذكرَ من تضعيفِ عبدِ اللهِ بن محمَّدٍ لا يقدحُ في الحديثِ قدحاً يعتدُّ به، فقد قال التِّرْمِذِيُّ نفسُهُ بعد روايةِ هذا الحديثِ من الطَّريقِ المذكورِ في مفتحِ كتابِ الطَّهارة: هذا الحديثُ أصحُّ شيءٍ في هذا الباب وأحسن، وعبدُ اللهِ بن محمَّدٍ بن عقيلٍ صدوق، وقد تكلَّمَ فيهِ بعضُ أهلِ العلمِ من قبل حفظِه.
وسمعتُ محمَّد بن إسماعيل (¬1) يقول: كان أحمدُ بن حنبل، وإسحاقُ بن إبراهيم (¬2)، والحُمَيْديّ (¬3) يَحْتَجُّونَ بحديثِ عبدِ اللهِ بن محمَّدٍ بن عقيل، قال محمد: وهو مقاربُ الحديث، وفي البابِ عن جابرٍ وأبي سعيد. انتهى كلامه (¬4).
¬
(¬1) وهو البخاري (ت256هـ).
(¬2) وهو إسحاق بن إبراهيم بن مَخْلَد بن إبراهيم الحَنْظَلي المروزي، أبو يعقوب، المعروف بابن راهويه، قال أحمد: لا أعلم بالعراق له نظيراً، وما عبر الجسر مثل إسحاق، وقال أبو زرعة: ما رؤي أحفظ من إسحاق، من مؤلفاته: المسند، و التفسير، (161 - 238هـ). ينظر: وفيات (1: 199 - 201). و العبر (1: 426).
(¬3) وهو عبد الله بن الزُّبير بن عيسى القرشي الأسدي الحُمَيدي المكي، أبو بكر، قال الحاكم: كان البخاري إذا وجد الحديث عند الحميدي لا يعدوه إلى غيره. (ت209هـ). ينظر: التقريب (ص246)، الأعلام (4: 219).
(¬4) أي الترمذي في جامعه (1: 8 - 9).
ثمَّ أخرجَ التِّرْمِذِيُّ في أبوابِ كتابِ الصَّلاةِ من طريقِ محمَّدٍ بن فضيلٍ عن أبي سفيانَ طريف السَّعْديّ، عن أبي نَضْرَة، عن أبي سعيدٍ الخُدْريّ، قال: قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وسلَّم: (مِفْتَاحُ الصَّلاةِ الطَّهُور، وَتَحْرِيمُها التَّكْبِير، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيم، وَلاَ صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِالحَمْدِ وَسُورَةٍ فِي فَرِيضَةٍ أَوْ غَيْرِهَا).
ثمَّ قالَ التَّرْمِذِيّ في الباب: عن عليٍّ وعائشة، وحديثُ عليٍّ أجودُ إسناداً، وأصحُّ إسناداً من حديثِ أبي سعيد، وقد كتبناهُ أوَّل في كتابِ الوضوء، والعملُ عليه عند أهلِ العلمِ من أصحابِ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّم، ومَن بعدهم، وبه يقولُ سُفيانُ الثَّورِيّ (¬1)، وابن المبارك، والشَّافعيّ، وأحمد، وإسحاق: إنَّ تحريمَ الصَّلاةِ التَّكبير، ولا يكونُ الرَّجلُ داخلاً في الصَّلاةِ إلاَّ بالتَّكبير.
وسمعتُ أبا بكرٍ محمَّد بن أبان (¬2) يقول: سمعتُ عبدَ الرَّحمنِ بنَ
¬
(¬1) وهو سُفْيان بن سعيد بن مسروق بن سعيد الثَّوْرِي الكوفي، أبو عبد الله، والثَّوْرِيّ بفتح الجيم المثلثة، وبعدها واو ساكنة وراء، هذه النسبة إلى بني ثور من عبد مناة من مضر، قال ابن معين: سفيان أمير المؤمنين في الحديث، (95 - 161هـ). ينظر: وفيات (2: 386 - 391)، مرآة الجنان (1: 361).
(¬2) وهو محمد بن أبان بن وَزِيرٍ البَلْخيّ المُسْتَملي، أبو بكر، ويُلَقَّب حَمْدويه، وكان مستملي وكيع، قال ابن حجر: ثقة حافظ، (ت244هـ). ينظر: العبر (1: 443)، التقريب (ص401).
مهديّ (¬1) يقول: لو افتتحَ الرَّجلُ بتسعينَ اسماً من أسماءِ اللهِ ولم يكبِّر، لم يجزئه. انتهى (¬2).
وقد أخرجَ هذا الحديثُ أيضاً أبو داود، وابن ماجه، وأحمد، وابنُ أبي شيبة، وإسحقُ بن راهويه، والبَزَّارُ من حديثِ عليّ (¬3).
وابن ماجه، والحاكمُ من حديثِ أبي سعيد (¬4).
والدَّارَقُطْنِيُّ (¬5) ...................................................
¬
(¬1) وهو عبد الرحمن بن مَهْدي بن حَسَّان العَنْبَريّ البَصْرِيّ اللُّؤلؤيّ، أبو سعيد، قال ابنُ المَدِينيّ: ما رأيت أعلم منه، وكان يختم في كلّ لَيْلَتين، فكان ورده في كلّ ليلة نصف القرآن، (ت198هـ). تهذيب الكمال (17: 430 - 442). التقريب (ص293).
(¬2) من جامع الترمذي (2: 3).
(¬3) في سنن الدارمي (1: 186)، و مسند الشافعي (1: 34)، و سنن أبي داود (1: 16)، و سنن ابن ماجه (1: 101)، و مصنف ابن أبي شيبة (1: 208)، و مصنف عبد الرزاق (2: 102)، و شرح معاني الآثار (1: 273)، و مسند البزار (2: 236)، و مسند أحمد (1: 123).
(¬4) في مسند أبي حنيفة (1: 130)، و المستدرك (1: 223)، و المعجم الأوسط (2: 176)، و سنن الدارقطني (1: 365)، وغيرها.
(¬5) وهو علي بن عمر بن أحمد بن مَهْدي الدَّارَقُطْنِيّ البَغْدَادِيّ الشَّافِعِيّ، أبو الحسن، نسبة إلى دار القُطْن، محلة كبيرة ببغداد. من مؤلفاته: السنن الكبرى، و المختلف والمؤتلف، و الأفراد، قال أبو الطيب الطَبَري: الدَّارَقُطْنِيّ أمير المؤمنين في الحديث. (306 - 385هـ). ينظر: روض المناظر (ص184 - 185). الكامل في التاريخ (7: 174). طبقات الشافعية الكبرى (2: 312). الأنساب (2: 437 - 439).
والطَّبَرَانِيُّ (¬1) من حديثِ عبدِ اللهِ بن زيدٍ المازنيّ (¬2).
والطَّبَرَانِيُّ من حديثِ ابن عبَّاسَ (¬3) - رضي الله عنهم - بطرقٍ يتقوَّى لبعضِها ببعض.
وقد حكمَ النَّوويُّ (¬4) في ((الخلاصة)) عليه أنَّه حسن.
وخلاصةُ المرامِ في المقامِ أنه لم يقمْ دليلٌ قاطعٌ على اشتراطِ اللُّغةِ العربيَّةِ في التَّكبيرِ ليصحَّ بهِ النَّكير.
¬
(¬1) وهو سليمانُ بنُ أحمدَ بنِ أَيُّوبٍ اللَّخْمِيّ الطَّبَرَانِيّ، أَبو القَاسِم، نسبةً إلى طَبَرية، مدينةٌ من الأردنِ، قال اللكنوي: صاحب المعاجمِ المشهورة، كان ثقةً صدوقاً عارفاً واسعَ الحفظِ بصيراً بالعللِ والرِّجالِ، كثيرَ التصانيفِ النَّافعةِ، (260 - 360هـ). ينظر: العِبَر (3: 315 - 316)، مرآة الجنان (3: 372).
(¬2) في المعجم الأوسط (7: 161).
(¬3) في المعجم الأوسط (9: 108)، و المعجم الكبير (1: 163).
(¬4) هو محيي الدين يحيى الشافعي، المتوفَّى سنة (677). منه رحمه الله.
وأضيف، هو: يحيى بن شرف بنِ حسنِ الحزامي الحورَّاني النَّوَوِيّ الشَّافِعِيّ، أبو زكريا، محيي الدين، النَّوَوِيِّ: بغير ألفٍ ويجوز إثباتُهُ بين الواوين، نسبةً إلى نَوَا من قرى حوران، وهو محرر المذهب الشافعي ومذهبه وملقحه ومرتبه. من مؤلفاته: الأذكار، منهاج الطالبين، رياض الصالحين، (631 - 676هـ). ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة (3: 9 - 13)، طبقات الأسنوي (2: 266 - 267)، روض المناظر (ص267) (ت675).
بل ظاهرُ الآيةِ والأحاديثِ مطلق، لا يفيدُ إلاَّ اشتراطَ الذِّكرِ المطلق، والأحاديثُ الواردةُ في هذا البابِ القوليَّةُ والفعليَّةُ لا تدلُّ على اختصاصِ التَّكبيرِ بالعربيّ، بحيثُ لا يُجْزِئ غير العربيّ، بل غايةُ ما يثبتُ منها (¬1) أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آلهِ وسلَّم اكتفى عليه، ورغَّبَ غيرَهُ إليه، وهو إنَّما يثبتُ الوجوبَ أو السُنيَّة، لا أنه لا يُجْزِئ التَّكبيرُ بالفارسيَّة، وإن كانت الأحاديثُ دالَّةً على اختصاصِهِ بالعربيِّ اختصاصاً بالغاً إلى حدِّ الاشتراط، فالآيةُ معرَّاةٌ عن هذا الاشتراط، ولا تصلحُ أخبار الآحادِ ناسخةً لحكمِ الكتاب، ولا مقيِّدةً لإطلاقِ ما في الباب.
وليعلمْ أنَّ بعضَ الفقهاءِ ذكرُوا رجوعَ أبي حنيفةَ إلى قولِهما في هذه المسألةِ أيضاً، كمسألة القراءةِ وأوَّلُهم في ما نعلم: العَيْنِيّ حيث قال في ((رمزِ الحقائقِ شرحِ كَنْزِ الدَّقائق)): أمَّا الشُّروعُ بالفارسيَّةِ والقراءة بها، فهو جائزٌ عند أبي حنيفةَ مطلقاً، وقالا: لا يجوزُ إلا عند العجز، وبه قالت الثَّلاثة (¬2)، وعليه الفَتْوى، وصحَّ رجوعُ أبي حنيفةَ إلى قولهما. انتهى (¬3).
¬
(¬1) في الأصل: تثبت منه.
(¬2) أي مالك والشافعي وأحمد - رضي الله عنهم -، فعند مالك - رضي الله عنه - كما في رسالة القيرواني (ص55 - 56): الإحرام في الصلاة أن تقول الله أكبر لا يجزئ غير هذه الكلمة، قال الشرنوبي في شرحها تقريب المعاني (ص55): ومن لم يحسن العربية فلا يأتي بالعجمية بل يدخل بالصلاة بالنية، وإن أتى بها فلا بطلان على الراجح.
وعند الشافعي - رضي الله عنه - كما في المنهاج (1: 151 - 152): ويتعين على القادر: الله أكبر، ... ومن عجز ترجم، ووجب التعلم إن قدر، قال الشربيني في مغني المحتاج شرح المنهاج (1: 151): الأصح أنه يأتي بمدلول التكبير بأي لغة شاء.
وعند أحمد - رضي الله عنه - كما في دليل الطالب (1: 21): تكبيرة الإحرام وهي الله أكبر لا يجزؤه غيرها.
(¬3) رمز الحقائق شرح كنْز الدقائق (1: 39).
لكنَّهُ ليسَ صريحاً في إثباتِ الرجوعِ فيما نحنُ فيه، بل يحتلُّ تعلُّق الرُّجوعِ بالقراءةِ فقطِ دون ما نحنَ فيه.
ومنهم: الطَّرَابُلْسِيُّ (¬1) حيث قال في ((البرهانِ شرحِ مواهبِ الرَّحمن)): الأصحُّ رجوعُه، أي الإمامُ إليهما في عدمِ جوازِ الشُّروعِ في الصَّلاةِ بالفارسيَّةِ لغيرِ العاجزِ عن العربيَّة، وعدمِ جوازِ القراءةِ فيها بالفارسيَّةِ وغيرها لغيرِ العاجزِ عن العربيَّة. انتهى (¬2).
وظاهرُ كلامِهِ في الشَّرحِ يؤذنُ بأنه لم يجدْ رجوعُهُ إلى قولهما في مسألةِ الشُّروعِ نصَّاً صريحاً، وإنَّما استنبطَهُ من ثبوتِ الرُّجوعِ في القراءةِ استنباطاً
¬
(¬1) وهو إبراهيم بن موسى بن أبي بكر بن علي الطَّرَابُلْسِيّ، برهان الدين، نزيل القاهرة، له: مواهب الرحمن في مذهب النعمان، قال: وقد صنفت هذا الكتاب على نحو القاعدة التي اخترعها صاحب مجمع البحرين. وله: شرح عليه سمَّاه البرهان، وله: الإسعاف في حكم الأوقاف، (853 - 922هـ). ينظر: النور السافر (ص104)، الكشف (2: 1895).
(¬2) ينظر: مواهب الرحمن في مذهب أبي حنيفة النعمان (ق24/ب).
خفيَّاً، حيث قالَ بعدما ذكرَ رواياتِ الرُّجوعِ في القراءة: ويلزمُ من عدمِ جوازِ التِّلاوةِ بالفارسيِّةِ عدم جوازِ الشُّروعِ عنها. انتهى.
وفيه نظرٌ ظاهر؛ فإنَّ عدمَ جوازِ التِّلاوةِ بالفارسيَّةِ المأمورِ تلاوتُهُ هو القرآن، الموصوفُ بكونهِ عربيَّاً، فليسَ القرآنُ إلا عربيَّاً، لا فارسيَّاً ولا تركيَّاً ولا هنديَّاً، وليس المأمورُ بهِ في ما نحنُ فيهِ الذِّكرُ العربيّ، بل الأمرُ مطلقٌ عن تقييدِ العربيّ، فلا يلزمُ من عدمِ جوازِ التِّلاوةِ بالفارسيَّةِ عدم جوازِ الشُّروعِ بها، ولا من إثباتِ الرُّجوعِ في تلكَ المسألةِ إثباتُ الرُّجوعِ فيها.
ومنهم: شيخ زاده (¬1) حيث قال في ((مجمعِ الأنهر شرحِ ملتقى الأبحر)): ولو قال بدلَ التَّكبيرِ اللهُ أجلّ، أو كبَّرَ بالفارسيَّةِ مطلقاً، سواءٌ كان يحسنُ العربيَّةَ أو لا عند الإمامِ، وعندهما: لا؛ إلاَّ أن لا يحسنَ العربيَّة، والأصحُّ رجوعُ الإمامِ إلى قولِهما. انتهى (¬2).
¬
(¬1) هو عبد الرحمن بن محمد الرومي، المتوفَّى سنة (1078). منه رحمه الله.
وأضيف، هو: عبد الرَّحمنِ بنُ محمَّدِ بنِ سليمان الرُّوميّ الحَنفيّ، المعروف بشيخ زاده، من أهل كليبولي بتركيا، من مؤلفاته: مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر، و نظم الفرائد في مسائل الخلاف بين الماتريدية والأشعرية، (ت1078هـ).ينظر: الكشف (1814:2)، الأعلام (4: 109)
(¬2) من مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر (1: 92 - 93).
ومنهم: حَسَن الشُّرُنْبُلاليّ حيث قال في ((مراقي الفلاحِ)) شرحِ متنِهِ ((نورِ الإيضاح)): ويصحُّ الشُّروعُ أيضاً بالفارسيَّةِ وغيرها من الألسن إن عجزَ عن العربيَّة، وإن قدرَ لا يصحُّ شروعُهُ بالفارسيَّةِ ونحوها، ولا قراءتهُ بها في الأصحِّ من قولَيْ الإمام موافقةً لهما. انتهى.
وقال في موضعٍ آخر: الثَّامنُ من شروطِ صحَّةِ التَّحريمةِ كونها بلفظِ العربيَّةِ للقادرِ عليه في الصَّحيح. انتهى (¬1).
وقال في موضعٍ آخر: لا يصحُّ الاقتصارُ على الأنفِ في السَّجدةِ في الأصحِّ إلاَّ من عذرٍ بالجبهة؛ لأنَّ الأصحَّ أنَّ الإمامَ رجعَ إلى موافقةِ صاحبَيْهِ في عدمِ جوازِ الشُّروعِ في الصَّلاةِ بالفارسيَّةِ لغيرِ العاجزِ عن العربيَّة، وعدمِ جوازِ القراءةِ فيها بالفارسيَّةِ وغيرها من أيِّ لسانٍ كان لغيرِ العاجز، وعن جوازِ الاقتصارِ في السُّجودِ على الأنفِ. انتهى (¬2).
وقال في شرحِ رسالتِهِ ((درّ الكنوز)): لا يصحُّ شروعُهُ بالفارسيَّة، ولا قراءتُهُ بها في الأصحِّ من قولي الإمام: إن قدرَ على العربيَّة. انتهى.
والحقُّ أنّهُ لم يروَ رجوعُهُ في مسألةِ الشُّروع، بل هي على الخلاف،
¬
(¬1) من مراقي الفلاح (ص235).
(¬2) من مراقي الفلاح (ص239).
فإنَّ أجلَّةَ الفقهاءِ منهم؛ صاحبُ ((الهداية)) (¬1)، وشُرَّاحُها: العَيْنِيّ (¬2)، والسِّغْنَاقِيّ، والبَابَرْتيّ (¬3)، والمَحْبُوبِيّ (¬4)، وغيرهم، وصاحبُ ((المجمع)) (¬5)،
وشرَّاحُه، وصاحبُ ..................................................
¬
(¬1) الهداية (1: 47).
(¬2) في البناية في شرح الهداية (2: 124 - 125).
(¬3) في العناية على الهداية (1: 247)، والبابرتي وهو محمد بن محمد بن محمود الرُّوميّ البَابَرْتي، أبي عبد الله، أكمل الدين، نسبة إلى بَابَرْتا بالقصر قرية بنواحي بغداد، قال الكفوي: إمام محقِّق مدقِّق متبحّر حافظ ضابط، لم تر الأعين في وقته مثله، كان بارعاً في الحديث وعلومه، ذا عناية باللغة والنحو والصرف والمعاني والبيان، ومن مؤلفاته: تحفة الأبرار في شرح مشارق الأنوار، و شرح ألفية ابن معطٍ، و شرح أصول البزدوي، (714 - 786). ينظر: تاج التراجم (ص276)، الفوائد (ص320).
(¬4) وهو محمود بن أحمد بن عبيد الله بن إبراهيم المَحْبُوبيّ البُخَارِيّ، برهانُ الشَّريعة، تاج الشريعة، قال الكفوي: عالمٌ فاضل، نحريرٌ كامل، بحرٌ زاخر، حبرٌ فاخر، صاحب التصانيف الجليلة، من مؤلفاته: الوقاية، و الواقعات، و شرح الهداية، و الفتاوى (ت نحو683هـ). ينظر: الفوائد (ص338 - 339)، دفع الغواية (1: 2 - 6).
(¬5) وهو أحمد بن علي بن ثعلب السَّاعَاتِيّ البعلبكيّ البغداديّ، مظفر الدين، وأبوه هو الذي عمل الساعات المشهورة ببغداد، قال الكفوي: كان إمام العصر في العلوم الشرعيةّ، كان ثقة حافظاً متقناً، أقرّ له شيوخ زمانه بأنه فارس جواد في ميدانه، من مؤلفاته مجمع البحرين، وهو أحد المتون المعتبرة في المذهب الحنفيّ، (ت694هـ). ينظر: النافع الكبير (ص25)، مرآة الجنان (4: 227).
((البَزَّازيَّة)) (¬1)، و ((المحيط)) (¬2)، و ((الذَّخيرة)) (¬3) وغيرهم ذكروا الرُّجوعَ في مسألةِ القراءةِ فقط، واكتفوا في مسألةِ الشُّروعِ بحكايةِ الخلاف، وقد تنبَّهَ لذلك الحَصْكَفِيُّ بعدما تبعَ (¬4) العَيْنيَّ في ((خزائنِ الأسرارِ شرحِ تنويرِ الأبصار)) حيث قال في ((الدُّرِّ المختارِ شرحِ تنويرِ الأبصار)): قلت: وجعلَ العَيْنِيُّ الشُّروعَ كالقراءة، ولا سلفَ لهُ فيه، ولا سندَ له يقوِّيه، بل جعلَهُ في ((التَّاتارخانيَّة)) (¬5) كالتَّلبية، يجوزُ اتِّفاقاً.
¬
(¬1) وهو محمد بن محمد بن شهاب الكَرْدَري البريقينيّ الخَوَارَزْميّ الحَنَفيّ، المعروف بابن البَزَّاز، حافظ الدين، قال الكفوي: كان من أفراد الدهر في الفروع والأصول، وحاز قصبات السبق في العلوم. من مؤلفاته: الوجيز المشهور بـ الفتاوى البزَّازية، (ت827). ينظر: تاج (ص354)، الفوائد (ص309).
(¬2) المحيط البرهاني (ص119).
(¬3) ذخيرة الفتاوي المشهورة بـ الذخيرة البرهانيّة لمحمد بن أحمد بن عبد العزيز بن محمد بن مازه البخاري، برهان الدين، قال الكفوي: كان إماماً فارساً في البحث عديم النظير، له مشاركة في العلوم وتعليق في الخلاف، من مؤلفاته: المحيط البرهاني، (ت616). ينظر: الجواهر (3: 233 - 234)، الفوائد (ص291 - 292).
(¬4) كلام الإمام اللكنوي باتباع الحصكفي العيني في الخزائن يعارضه ما ذكره الحصكفيّ في الدر المنتقى شرح ملتقى الأبحر (1: 93) من أنه حرَّر هذه المسألة في الخزائن بعدم رجوع الإمام إلى قولهما.
(¬5) في الأصل: التاتارخانية، وهي الفتاوى التاتارخانية لعالم بن علاء الحَنَفيّ الأندريتيّ، فريد الدين، صنَّف الفتاوى التَّاتارخانيَّة في سنة (777هـ)، بإشارة الخان الأعظم القهرمان المعظم تاتارخان، وسمَّاه باسمِهِ، كما قال في بداية التَّاتارخانيَّة (ق1/أ، ب) (ت786هـ). ينظر: نزهة الخواطر (2: 64 - 65)، الكشف (1: 268).
فظاهرُهُ كـ ((المتن)) (¬1)، رجوعُهُما إليه لا رجوعُهُ إليهما (¬2)، فاحفظْهُ فقد اشتبَهَ على كثيرٍ من القاصرينَ حتى الشُّرُنْبُلاليّ في كلِّ كتبِه. انتهى (¬3).
وكُتِبَ على هوامشِ نسخةِ العَيْنِيِّ على ما نقلَهُ بعضُهم: اعلمْ أيُّها الواقفُ على هذا الكلامِ أنَّ رجوعَ الإمامِ إنَّما ثبتَ في القراءةِ بالفارسيَّةِ فقط، ولم يثبتْ رجوعُهُ في تكبيرةِ الافتتاح، بل هي كغيرِها من الأذكارِ على الخلاف، كما حرَّرَهُ شرَّاحُ ((المجمع))، وكتبِ الأصول، وعامَّةُ الكتبِ المعتبرة، وصريحُ هذا المتنِ ـ يعني ((الكَنْز)) (¬4) ـ يفيدُهُ كعامَّةِ المتون، فلا عليك من العينيّ، وإن تبعَهُ الشُّرنبلاليّ في عامَّةِ كتبِه. انتهى.
وقال ابن عابدين في ((ردِّ المحتارِ على الدُّرِّ المختار)): قوله: ولا سندَ له يقوِّيه: أي ليسَ لهُ أصلٌ يقوِّي مدَّعاه؛ لأنَّ الإمامَ إنَّما رجعَ إلى قولِهما في مسألةِ القراءة؛ لأنَ المأمورَ به قراءةُ القرآن، وهو اسمُ للنَّظمِ العربيِّ
¬
(¬1) أي تنوير الأبصار (1: 325).
(¬2) نبّه ابن عابدين في رد المحتار (1: 326) على أنّ ما أورده الحصكفيّ على العينيّ في دعوى رجوعه إلى قولهما يردّ عليه في دعواه رجوعهما إلى قوله، وأن عبارة التاتارخانية كما ستأتي بعد قليل لا تدل على ذلك.
(¬3) من الدر المختار شرح تنوير الأبصار (1: 325 - 326).
(¬4) كنْز الدقائق (ص12) لعبد الله بن أحمد النسفي (ت701هـ) سبقت ترجمته.
المنظومِ؛ لهذا النَّظمِ الخاصِّ المكتوبِ في المصاحف، المنقولِ إلينا نقلاً متواتراً، والأعجميِّ إنَّما يسمَّى قرآناً مجازاً؛ ولذا يصحُّ نفيُ اسمِ القرآنِ عنه، فلقوَّةِ دليلِ قولِهِما رجعَ إليه.
وأمَّا الشُّروعُ بالفارسيَّةِ فالدَّليلُ فيهِ للإمامِ قويّ، وهو كونِ المطلوبِ في الشُّروعِ الذِّكرُ والتَّعظيم، وذلك حاصلٌ بأيِّ لسانٍ كان، نعم؛ لفظُ الله أكبر واجبٌ للمواظبةِ عليه لا فرض.
قولُه ظاهرُهُ كـ ((المتن)) رجوعُهُما إليه: كونُهُما رجعا إلى قولِهِ في الشُّروعِ لم ينقلْهُ أحد، وإنَّما المنقولُ حكايةُ الخلاف.
وأمَّا ما في ((التَّاتارخانيَّة)) (¬1) فغيرُ صريحٍ في تكبيرِ الشُّروع، بل هو يحتملُ تكبيرَ الشُّروعِ والذَّبح، بل الثَّاني أولى؛ لأنَّهُ قرنَهُ مع الأذكارِ الخارجةِ عن الصَّلاة، حيث قال: وفي ((شرحِ الطَّحاويّ)) (¬2): ولو كبَّرَ بالفارسيَّةِ أو سمَّى بالفارسيَّةِ عند الذَّبح، أو هي عند الإحرامِ بالفارسيَّة،
¬
(¬1) في الأصل: التاتارخانية.
(¬2) والطحاوي، هو أحمد بن محمد بن سلامة الأَزْدِي الحَجْريّ الطَّحَاوِيّ المِصْريّ، أبو جعفر، نسبةً إلى طَحَا: بالفتح، قرية بصعيد مصر، قال أبو إسحاق: انتهت إليه رئاسة الحنفيّة بمصر، وقال: ابن يونس: كان ثقة ثبتاً لم يخلف مثله، من مؤلَّفاته: شرح معاني الآثار، و مختصر الطحاوي، (229 - 321هـ). ينظر: وفيات (1: 71 - 72)، العبر (2: 186)، روض المناظر (ص171).
أو بأيِّ لسانٍ كان، سواءٌ كان يحسنُ العربيَّة أو لا، جازَ بالاتِّفاق. انتهى كلامه (¬1).
* مسألةٌ ثالثة:
اختلفوا في قراءةِ القرآنِ بالفارسيَّةِ في الصَّلاةِ على ثلاثةِ أقوال:
أحدها: أنَّه لا يجوزُ مطلقاً، وهو قولُ الشَّافعي، قال أبو المكارمِ (¬2) في ((شرحِ النُّقاية)): وقال الشَّافعيُّ: إن لم يتمكَّنْ (2من العربيَّةِ (¬3) فهو أميٌّ يصلِّي بغيرِ قراءة، ولو قرأَ بالفارسيَّةِ تفسدُ الصَّلاةُ عنده. انتهى (¬4).
وفي ((الإقناعِ لحلِّ مختصرِ أبي شجاع)) للخطيبِ محمَّدٍ الشِّرْبِينيِّ الشَّافعيّ (¬5): فإن عجزَ عن القرآنِ أتى بسبعةِ أنواعٍ من ذكرٍ أو دعاءٍ لا
¬
(¬1) أي ابن عابدين في رد المحتار (1: 325 - 326)، بتصرف.
(¬2) وهو عبد الله بن محمَّد، أبو المكارم، قال ابن عابدين عنه: رجل مجهول، وكتابه كذلك، من مؤلفاته: شرح النقاية، وهو من الكتب غير المعتبرة، كما نبَّه عليه الإمام اللكنوي، أتمّه سنة (907هـ). ينظر: الكشف (2: 1972)، مقدمة عمدة الرعاية (1: 11). تنقيح الفتاوى الحامدية (2: 324).
(¬3) وقع في الأصل: بالعربية، والمثبت من شرح النقاية.
(¬4) شرح النقاية (ق29/أ-ب).
(¬5) وهو محمد بن أحمد الشَّافِعِيّ المعروف بالخَطِيب الشِّرْبِينيّ، أبو الخير، شمس الدين، ومن مؤلفاته: مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، و السراج المنير في تفسير القرآن، (ت977هـ). ينظر: الأعلام (6: 234).
تنقصُ حروفُها عن حروفِ الفاتحة، ويجبُ تعلُّقُ الدُّعاءِ بالآخرةِ كما رجَّحَهُ النَّوَويُّ في ((مجموعِه)) (¬1)، فإن عجزَ عن ذلك كلِّهِ حتى عن ترجمةِ الذِّكرِ والدُّعاءِ لزمَهُ وقفةٌ قدرَ الفاتحةِ في ظنِّه؛ لأنه واجبٌ في نفسِه، ولا يترجمْ عنها بخلافِ التَّكبير؛ لفواتِ الإعجازِ فيها دونَه. انتهى (¬2).
وثانيها: أنَّه يجوزُ مطلقاً؛ سواءٌ أحسنَ العربيَّةَ أو لم يحسن، لكن يكره إذا أحسنَ العربيَّة، ويجوزُ بلا كراهةٍ إذا لم يحسن، وهو قولُ أبي حنيفةَ أوَّلاً، ورجعَ عنه آخراً.
وثالثهما: أنَّه يجوزُ للعاجزِ عن العربيَّة، ولا يجوزُ للقادرِ عليها، وهو قولُ أبي يوسفَ ومحمَّد، ورجعَ إليه أبو حنيفةَ في المرَّةِ الأخرى.
واختلفَ المشايخُ على قولِ أبي حنيفة:
فقيل: إنَّما تجوزُ عنده إذا كانت على نظمِ القرآن.
ونقلَ الصَّفارُ (¬3) أنَّهُ يجوزُ كيف ما كان.
وقيل: إنَّما يجوزُ إذا كان ثناءً كسورةِ الإخلاص، أمَّا إذا كانَ من القصصِ فلا يجوز، كقولِه: {اقْتُلُوا يُوسُفَ} (¬4)،والأصحُّ أنَّهُ يجوزُ في الكلّ.
¬
(¬1) المجموع (3: 329) للنووي.
(¬2) من الإقناع لحل مختصر أبي شجاع (1: 135).
(¬3) لعلَّه: إسماعيل بن إبراهيم الزاهد الصَّفَّار. ينظر: الجواهر (5: 88).
(¬4) من سورة يوسف، الآية (9).
وقيل: الشَّرطُ أن يجزمَ منها حرفاً، ويتيقَّنَ أنّهُ معنى العربيَّة.
وقال فخرُ الإسلام (¬1): هذا فيمن لا يتَّهمُ في دينِه.
وقال محمَّدٌ بن الفضلِ البُخَاريّ (¬2): هذا الخلافُ فيما إذا جرى على لسانِهِ من غيرِ قصد، فمن تعمَّدَ ذلك فهو زنديقٌ أو مجنون، فالمجنونُ يداوى، والزِّنديقُ يقتل، كذا ذكرَ العَيْنِيُّ في ((البنايةِ شرح الهداية)) (¬3).
وفي ((النهاية)) (¬4): حاصلُ الخلافِ أنَّ عند أبي حنيفةَ يجوزُ ويكره، وعندهما لا يجوزُ إلاَّ إذا كان لا يحسنُ العربيَّة، فحينئذٍ يجوزُ عندهما أيضاً،
¬
(¬1) وهو عليُّ بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم البَزْدَوِيّ، أبو الحسن، فخر الإسلام، نسبة إلى بَزْدَة قلعة حصينة على ستة فراسخ من نَسَفَ، قال السمعاني: فقيه ما وراء النهر وأستاذ الأئمّة وصاحب الطريقة على مذهب أبي حنيفة، من مؤلفاته: المبسوط، و أصول البَزْدَويّ، و شرح الجامع الكبير، (400 - 482هـ). ينظر: الجواهر (2: 594 - 595)، كتائب أعلام الأخيار (ق156/ب-157/ب)، مقدمة الهداية (3: 14).
(¬2) وهو محمد بن الفضل الكَمَاريّ البُخَاريّ، أبو بكر الفَضْلِيّ، قال الكفوي: كان إماماً كبيراً، وشيخاً جليلاً، معتمداً في الرواية، مقلّداً في الدراية، رحل إليه أئمّة البلاد، ومشاهير كتب الفتاوى مشحونة بفتاواه ورواياته، (ت371هـ). ينظر: الجواهر (3: 300 - 302)، طبقات طاشكبرى زاده (ص62)، الفوائد (ص303 - 304).
(¬3) البناية (2: 125).
(¬4) لحسين بن علي السِّغْنَاقيّ، المتوفَّى سنة (710). منه رحمه الله. وقد سبقت ترجمته.
وعند الشَّافعيّ: لا يجوزُ أصلا، كذا في ((المبسوط)) (¬1).
وقال الإمامُ المَحْبُوبِيّ (¬2): الخلافُ في مَن لا يُتَّهَمُ في دينِه، وقد قرأ في الصَّلاةِ كلمةً بالفارسيَّةِ أو أكثرَ منها، أمَّا لو اعتادَ قراءةَ القرآنِ وكتابتَهُ بالفارسيَّةِ يمنعُ منه أشدَّ المنعِ حتى أنَّ واحداً من أهلِ الأهواءِ في زمانِ الشَّيخِ الإمامِ أبي بكرٍ محمَّد بن الفضلِ كتبَ فتوى وبعثها إليه، إنَّ الصِّبيانَ في زمانِنَا شقَّ عليهم التَّعلُّمُ بالعربيَّة، فهل يجوزُ أنَّ نعلِّمَهُم بالفارسيَّة، فقال للمستفتي: ارجعْ حتى نتأمَّل، ثمَّ استبحثَ من حالِهِ فإذا هو من أهلِ الأهواء، معروفاً بفسادِ مذهبِهِ فأعطى لواحدٍ من خدَّامِهِ سكّيناً، وقال له: اقتله، ومَن أخذَكَ فقل له: إنَّ فلاناً أمرني به، ففعل، فجاءَ شرطيٌّ إليه، وقال: إنَّ الأميرَ يدعوك، فذهبَ الشَّيخُ إليه، وقصَّ القصَّة، وقال: إنَّ هذا كان يريدُ أن يبطلَ كتابَ الله، فخلعَ له الأمير (¬3). انتهى.
¬
(¬1) المبسوط (1: 37) للسرخسي.
(¬2) وهو عبيد الله بن إبراهيم بن أحمد العُباديّ المَحْبُوبِي البُخَاريّ الحَنَفيّ، جمال الدين، والعُبادي بضم العين نسبة إلى عُبادة بن الصامت - رضي الله عنه -، والمَحْبُوبِيّ نسبة إلى مَحْبُوب المشهور بأبي حنيفة الثاني، قال الكفوي: وكان إماماً كاملاً، معدوم النظير في زمانه، فرد أوانه في معرفة المذهب والخلاف، من مؤلفاته: شرح الجامع الصغير، و الفروق، (546 - 630هـ). ينظر: الجواهر (2: 490)، النافع الكبير (ص51 - 52)، الفوائد (ص182 - 183).
(¬3) وتمامها من الكفاية على الهداية (1: 248 - 249): وجازاه بالخير.
وفي ((المحيطِ البرهاني)) (¬1): إذا قرأَ في الصَّلاةِ بالفارسيَّةِ جازَت (¬2) قراءتُهُ عند أبي حنيفة سواء كان يحسنُ العربيَّةَ أو لا يحسن، غير أنه إن كان يحسنُ العربيَّة يكره، وهذا قولُ أبي حنيفة، وقال أبو يوسفَ ومحمَّد: إن كان يحسنُ العربيَّةَ لا يجوز، فالعبرةُ عنده للمعنى، وعندهما للَّفظُ والمعنى إذا قدرَ عليهما.
وذَكَرَ شيخُ الإسلام (¬3) في شرحِ (كتابِ الصَّلاة)، وشمسُ الأئمَّةِ السَّرَخْسِيُّ في ((شرحِ الجامعِ الصغير)) رجوعُ أبي حنيفةَ إلى قولِهما (¬4).
ثمَّ إنَّما يجوزُ عند أبي حنيفةَ إذا كان ما أتى به على نظمِ القرآن، نحوَ قولِهِ تعالى: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمَ} (¬5) سنراى اوددزح، أمَّا إذا لم يكنْ على نظمِ القرآنِ فلا يجوز.
¬
(¬1) لبرهان الدين محمود بن الصدر السعيد أحمد البخاري. منه رحمه الله. وقد سبقت ترجمته.
(¬2) وقع في الأصل: جاز، والمثبت من المحيط.
(¬3) لعلَّه عليُّ بن محمد بن إسماعيل الإسْبِيجَابِيّ، السَّمَرْقَنْدِيّ، أبو الحسن، المعروف بشيخ الإسلام، نسبة إلى إسِبيجاب، بلدةٌ من ثغور الترك، قال الكفوي: لم يكن أحد يحفظ مذهب أبي حنيفة ويعرف مثله في عصره، عمَّر العمر الطويل ينشر العلم، من مؤلفاته: شرح مختصر الكرخي، و المبسوط، (454 - 535هـ). ينظر: الجواهر (2: 591)، هدية العارفين (1: 697)، الفوائد (ص209).
(¬4) انتهى من المحيط البرهاني (ص150 - 151).
(¬5) من سورة النساء، الآية (93).
وقال الإمامُ الزَّاهدُ الصَّفَّار: يجوزُ كيفَما كان، ذَكَرَهُ في بابِ السَّهو.
وقال بعضُهم: إنَّما يجوزُ إذا كان ثناءً كسورةِ الإخلاص، فأمَّا إذا كانَ من القصصِ فإنَّهُ لا يجوز، ويفسدُ صلاتُه، والصَّحيحُ أنَّهُ يجوزُ في الكلّ. انتهى (¬1).
قلتُ: وجهُ تصحيحِهِ أنَّ أبا حنيفةَ إنَّما اعتبرَ المعنى، ولم يفرض المبنى، وعليه حملَ قولُهُ تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ} (¬2) إلى: فأتوا بمعنى القرآن، لا بخصوصيَّةِ اللِّسان، وهذا يستوى فيه الأمرُ بين أن يكونَ ثناءً وذِكْراً، أو قصَّةً وخبراً، فلا وجهَ لتقييدِ الجوازِ بأن يكون ثناءً، والحكم بعدمِ الجوازِ إذا كان خبراً.
ثمَّ منهم من خصَّ الخلافَ بين أبي حنيفةَ وصاحبَيْه باللُّغةِ الفارسيَّة، وقال: لا يجوزُ عند الكلِّ بغيرِ العربيَّةِ والفارسيَّة، لكنَّ الصَّحيحَ أنَّ الخلافَ يشملُ كلَّ لغةٍ فارسيَّةٍ كانت أو تركيَّة، هنديَّةً كانت أو عبرانيّة.
قال في ((المحيطِ البرهاني)): ذكرَ أبو سعيدِ البِرْدَعيّ (¬3) أنَّ أبا حنيفةَ إنَّما
¬
(¬1) من المحيط البرهاني (ص154).
(¬2) من سورة المزمل، الآية (20).
(¬3) نسبةً إلى بِرْدَعَة بكسر الباء، وسكون الراء، وفتح الدال، بلدة من أقصى بلاد أذربيجان، وهو أحمد بن الحسين، المتوفَّى سنة (317) بمكة. منه رحمه الله. سبقت ترجمته.
جوَّزَ القراءةَ بالفارسيَّةِ خاصَّةً دونَ سائرِ الألسنِ لقربِهِ من العربيَّة، على ما جاءَ في الحديث: (لِسَانُ أَهْلِ الجَنَّةِ العَرَبِيَّةِ وَالفَارِسِيَّةِ الدُّرْيَّةِ (¬1)) (¬2).
والأصحُّ أنَّ الاختلافَ في جميعِ الألسنةِ واللُّغاتِ نحوَ التُّركيَّةِ والرُّوميَّةِ والهنديَّةِ خلافٌ واحد. انتهى (¬3).
وفي ((جامعِ المضمرات)): يجوزُ بأيِّ لسانٍ كان سوى الفارسيَّة، هو الصَّحيح؛ إذ المعنى لا يختلفُ باختلافِ اللُّغات. انتهى.
وفي ((الهداية)): يجوزُ بأيِّ لسانٍ كان سوى الفارسيَّة، هو الصَّحيح. انتهى (¬4).
قال العَيْنِيُّ في شرحِها: احترازٌ عن قول أبي سعيدِ البِرْدَعِيّ، فإنّه قال: إنِّما جوَّزُ أبو حنيفةَ القراءةَ بالفارسيَّةِ دونَ غيرها من الألسن؛ لقربِ الفارسيَّةِ من العربيَّة. انتهى (¬5).
¬
(¬1) نسبته إلى در فارس الباب، وهي التي كان يتكلم بها مَن بباب الملوك. منه رحمه الله تعالى.
وأضيف: في الأسرار المرفوعة (ص273): لغة أهل المدائن، وبها كان يتكلم من بباب الملك، فهي منسوبة إلى حاضرة الباب، فالباب معناه در.
(¬2) الحديث موضوع كما في الأسرار المرفوعة (ص273)، و الآثار المرفوعة (ص17)، و التنكيت والإفادة (ص157)، و اللؤلؤ المرصوع (ص423).
(¬3) من المحيط البرهاني (ص153).
(¬4) من الهداية (1: 47).
(¬5) من البناية في شرح الهداية (2: 128).
وقال أيضاً (¬1) قبل ذلك: قال أبو سعيدٍ البردعيّ: إنّما جوَّزَ أبو حنيفةَ القراءةَ بالفارسيَّةِ لا بغيرها من الألسن؛ لقربِ الفارسيَّةِ من العربيّة؛ لأنّه وردَ أنَّهما لسانُ أهلِ الجنَّة، والصَّحيحُ أن الخلافَ في الكلّ. انتهى (¬2).
قلتُ: ما ذكرَهُ البِرْدَعِيُّ غيرُ صحيحٍ روايةً ودراية:
أمَّا رواية (¬3)؛ فلأنَّ مشايخنا بأجمعِهم قد نصُّوا على أنَّ الخلافَ في كلِّ لسان، لا خصوصيَّةَ للسانٍ دون لسان.
وأمَّا دراية؛ فلأنَّ المعنى لا يختلفُ باختلافِ اللُّغات، فلمَّا كان الاعتبارُ عند أبي حنيفةَ للمعنى؛ ولهذا جوَّزَ بالفارسيَّة، لا بدَّ أن يجوزَ بالهنديَّةِ والرُّوميَّةِ وغيرهما من اللُّغات.
وأمَّا ذكرُهُ من قربِ الفارسيَّة بالعربيَّةِ فغيرُ صحيح، بل الصَّحيحُ أنَّ أفضلَ الألسنةِ العربيَّة، ثمَّ السِّرْيانيَّةِ والعِبْرانيَّة؛ لِنُزولِ الكتبِ بهما، ثمَّ الفارسيَّة.
والحديثُ الذي ذَكَرَهُ وإن كان مذكوراً في أسفارِ الفقهاء، لكنَّهُ غيرَ معتبرٍ عند نقَّادِ العلماء، وستطَّلعُ على تفصيلِ تفاضلِ اللُّغاتِ فيما بينها
¬
(¬1) أي العيني رحمه.
(¬2) من البناية (2: 135).
(¬3) في الأصل: لرواية.
مع ما ورد في فضلها وذمِّها في رسالةٍ مفردةٍ موسومةٍ بـ ((تحفةِ الثِّقاتِ في تفاضلِ اللُّغات)) (¬1).
بقيَ ذكرُ حججِ المذاهبِ الثَّلاثةِ بالطُّرقِ العقليَّةِ والنَّقليَّة:
أمَّا حجَّةُ المذهبِ الأوَّل (¬2):
فهي: إنَّ الله تعالى قد فرضَ علينا قراءةَ ما تيسَّرَ من القرآن، وهو اسمُ للنَّظم والمعنى جميعاً، يعتبرُ فيه خصوصيَّةُ اللِّسان؛ ولذا يصحُّ نفيُ اسمِ القرآنِ عن ترجمتِهِ بالفارسيَّة، وقد وصفَهُ اللهُ في كتابِهِ بأنّه عربيٌّ في مواضعَ كثيرة؛ قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْءانًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (¬3)، وقال تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدّاً} (¬4)، وقال تعالى: {وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} (¬5) إلى غيرِ ذلك من الآياتِ الدَّالةِ على أنَّ القرآنَ عربيّ.
ووردت أحاديث أيضاً دالّةٌ على توصيفِهِ بالعربيّ، مشيرةً إلى نفي اسمِ القرآنِ عمَّا ليس بعربيّ، وإذا لم يكنْ القرآنُ إلاَّ نظماً عربيَّاً، لا فارسيَّاً،
¬
(¬1) هذه الرسالة توفِّي الإمام اللكنوي قبل اتمامها فيما أعلم.
(¬2) وهو أنه لا تجوز القراءة مطلقاً بغير العربية.
(¬3) من سورة يوسف، الآية (2).
(¬4) من سورة مريم، الآية (97).
(¬5) من سورة النحل، الآية (103).
ولا هندياً؛ لم يجزْ تلاوتُهُ بغيرِ النَّظم.
نعم؛ مَن لا يحسنُ العربيَّةُ يفترضُ عليه الذِّكْرُ ونحوهُ إن قدرَ عليه؛ لأخبارٍ دلَّت عليه فعن عبد الله بن أبي أوفى قال: جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آله وسلَّم فقال: إنّي لا أستطيعُ أن آخذَ من القرآنِ شيئاً فعلِّمني ما يجزئني منه، فقال: ((قُلْ: سُبْحَانَ الله، وَالحَمْدُ لله، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، وَاللهُ أَكْبَر، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِالله، فَقَال: يَا رَسُولَ الله، هَذَا للهِ فَمَا لِي، فَقَال: قُل: اللَّهُمَّ اِرْحَمْنِي وَارْزُقْنِي وَعَافِنِي وَاهْدِنِي، فَلَمَّا قَامَ قَالَ هَكَذَا بِيدِه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم: أمَّا هَذَا فَقَدْ مَلأ يَدَهُ مِنَ الخَيْر)) (¬1) أخرجَهُ أبو داود في ((سننه)) في (بابِ ما يجزئ الأميَّ والأعجميَّ من القراءة)، فأشارَ إلى ورودِهِ في بابِ القراءةِ في الصَّلاة، وإنَّ مَن عجزَ عن القراءةِ بالتَّسبيحِ والحمدِ ونحوهِمَا في الصَّلاة.
وأخرجَهُ أيضاً النَّسَائِيُّ إلى قولِه: ((إِلاَّ بِالله))، وابنُ حِبَّان (¬2)، والحاكم (¬3)، وقال: صحيحٌ على شرط البُخاريّ، وابنُ السَّكَن (¬4)، وصحَّحَ
¬
(¬1) في صحيح ابن خزيمة (1: 273)، و صحيح ابن حبان (5: 116)، و المنتقى (1: 57) لابن الجارود، و المستدرك (1: 367)، و سنن أبي داود (1: 220)، و سنن النسائي الكبرى (1: 321)، و المجتبى (2: 143)، و المعجم الأوسط (3: 273)، و مسند أحمد (4: 453)، و جزء البطاقة (1: 45)، و سنن الدارقطني (1: 311).
(¬2) وهو محمد بن حِبَّان بن أحمد التَّمِيمِيّ البُسْتيّ الشَّافِعِيّ، أبو حاتم، قال ابن السمعاني: كان إمام عصره تولَّى قضاء سمرقند مدَّة، من مؤلفاته: الصحيح المسمَّى الأنواع والتقاسيم، و الثقات، و الضعفاء، (ت354هـ). ينظر: العبر (2: 300)، طبقات الأسنوي (1: 201).
(¬3) في المستدرك على الصحيحين (1: 367).
(¬4) وهو سعيد بن عثمان بن سعيد بن السَّكَن البغدادي، أبو عليّ، قال الذَّهَبِي: صاحب التصانيف، وأحد الأئمة، (294 - 353هـ). ينظر: تذكرة الحُفَّاظ (3: 937)، العبر (2: 297).
نقلَهُ ميرك عن ابنِ المُلَقِّن (¬1)، كذا قال علي القاريّ في ((المرقاةِ شرحِ المشكاة)) (¬2).
وقال أيضاً (¬3): قال ابن حجر: صحَّحَهُ بعضُ الحفَّاظ، لكن اعترضَهُ النَّوَوِيٌّ في ((مجموعه)) (¬4) وبيَّن ضعفَه، ويجمعُ بحملِ التَّصحيحِ فيه على التَّحسين. انتهى (¬5).
¬
(¬1) وهو عمر بن علي بن أحمد الأنصاريّ الوادياشيّ الشافعيّ، أبو حفص، سراج الدين، يعرف بابن المُلَقِّن، وسبب التسمية أن والده توفي وعمره سنة واحده، فتزوّجت أمّه بشيخ كان يُلقِّن القرآن، فنشأ في بيته، فنسب إليه. له: طبقات الأولياء، تحفة المحتاج في أدلة المنهاج، و خلاصة البدر المنير، (723 - 804هـ). ينظر: الضوء اللامع (6: 100 - 105)، البدر الطالع (1: 508).
(¬2) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (1: 536).
(¬3) أي علي القاري رحمه الله.
(¬4) المجموع شرح المهذب (3: 328).
(¬5) مرقاة المفاتيح (1: 536).
وفي ((تلخيصِ الحبيرِ في تخريجِ أحاديثِ الشَّرحِ الكبير)) للحافظ ابن حجرٍ العَسْقَلاني (¬1) في حديث: إنَّ رجلاً جاءَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم فقال: إنِّي لا أستطيعُ أن آخذَ شيئاً من القرآن، فعلِّمني ما يجزئني في صلاتي، فقال: ((قُلْ: سُبْحَانَ الله، وَالحَمْدُ لله، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، وَاللهُ أَكْبَر، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيم)) رواهُ أبو داود، وأحمد، والنَّسائِي، وابن الجارود، وابن حبَّان، والحاكم، والدَّارَقُطْنِي، واللَّفظُ لهُ من حديثِ ابنِ أبي أوفى بهذا أو أتمَّ منه.
وفيهِ إبراهيمُ السَّكْسَكِيّ (¬2) وهو من رجالِ البُخاريِّ لكن عيبَ عليه إخراجُ حديثِه.
وضعَّفَهُ النَّسَائيّ.
وقال ابنُ القطَّان (¬3): ضعَّفَهُ قومٌ فلم يأتوا بحجَّة.
¬
(¬1) هو أحمد بن علي شارح البخاري المتوفي سنة (853) منه رحمه الله.
(¬2) وهو إبراهيم بن عبد الرحمن السَّكْسَكيّ الكوفيّ، أبو إسماعيل، والسَّكْسَكيّ نسبة إلى السكاسك، وهو بطن من الأزد، ووادي السكاسك موضع بالأردن نَزلته السكاسك حين قدموا الشام زمن عمر ابن الخطاب، قال ابن حجر: صدوق ضعيف الحفظ. ينظر: الميزان (1: 166)، التقريب (ص31).
(¬3) وهو علي بن محمد بن عبد الملك الكتاميّ الحِمْيَريّ الفاسيّ، أبو الحسن، المشهور بابن القَطَّان الفاسي، من مؤلفاته: بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام، و النظر في أحكام النظر، و نظم الجمان، (562 - 628هـ). ينظر: المستطرفة (ص133)، الأعلام (8: 152).
وذكرَهُ النَّوَويُّ في ((الخلاصة)) في (فصل الضَّعيف)، وقال في ((شرحِ المُهذَّب)): رواهُ أبو داودَ والنَّسَائِيّ بإسنادٍ ضعيف (¬1). وكان سببُهُ كلامُهُم في إبراهيم، وقد قال ابنُ عَديّ (¬2): لم أجدْ له حديثاً منكرَ المتن. انتهى.
ولم يتفرَّدْ به؛ بل رواهُ الطَّبرانيُّ وابنُ حبَّانَ في ((صحيحه)) أيضاً من طريقِ طلحةَ بن مصرف، عن ابن أبي أوفى، لكن في إسنادِهِ الفضلُ (¬3) بن مُوَفَّق ضعَّفَهُ أبو حاتم. انتهى (¬4).
وفي ((المرقاة)): قال الطِّيبِيُّ (¬5): الظَّاهرُ أنه أرادَ أنَّي لا أستطيعُ أن أحفظَ شيئاً من القرآن، وأتَّخذَهُ ورداً فعلِّمْني ما أجعلُهُ ورداً، فأقومُ آناءَ
¬
(¬1) انتهى من المجموع شرح المهذب (3: 328).
(¬2) الكامل في ضعفاء الرجال (1: 210)، وابن عَدي هو عبد الله بن عَدِيّ بن عبد الله الجُرْجَانيّ، أبو أحمد، ويعرف بابن القطَّان، قال السَّهْمي: كان حافظاً متقناً، لم يكن في زمانه مثله، (ت 365 هـ). ينظر: العبر (2: 337)، و مرآة الجنان (2: 381).
(¬3) وقع في الأصل: الفضيل، والمثبت من التقريب، وهو الفضيل بن الموفّق بن أبي المُتَّئد الثقفيّ الكوفيّ، أبو جهم، قال ابن حجر: فيه ضعف. ينظر: الميزان (5: 437)، التقريب (ص 383).
(¬4) تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الشرح الكبير (1: 236).
(¬5) وهو الحسينُ بنُ محمَّد بن عبد الله الطِّيبِيّ، وقيل: الحسين بن عبد الله بن محمد، شرفُ الدين، قال ابن حجر: الإمام المشهور، كان مقبلاً على نشر العلم آية في استخراج الدقائق من القرآن والسنن، من مؤلفاته: الخلاصة في معرفة الحديث، و شرح الكشاف، و شرح مشكاة المصابيح، (ت 743 هـ). ينظر: الدرر الكامنة (2: 68 - 69)، الكشف (1: 720).
اللَّيلِ وأطرافَ النَّهار، فلمَّا علَّمَهُ ما فيه تعظيمُ الله، طلبَ ما يحتاجُ إليه من الرَّحمةِ والعافيةِ والهدايةِ والرِّزق.
وتوهَّمَ بعضُهم من إيرادِ هذا الحديثِ في هذا البابِ أنَّ هذهِ القصَّةَ في الصَّلاة، فقال: لا يجوزُ ذلك في جميعِ الأزمنة؛ لأنَّ مَن قَدِرَ على تعلُّمِ هذه الكلماتِ يقدرُ على تعلُّمِ فاتحةِ الكتابِ لا محالة، بل تأويلُهُ أنِّي لا أستطيعُ أن أتعلَّمَ شيئاً من القرآنِ في هذه السَّاعةِ وقد دخلَ عليَّ وقتُ الصَّلاة، فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم: ((قُلْ: سُبْحَانَ الله ... )) (¬1) إلخ.
فمَن دخلَ عليهِ وقتُ صلاة مفروضةٍ ولم يعلم الفاتحة، وعلمَ شيئاً من التَّسبيحاتِ لزمَهُ أن يقرأَ فيها بدلَ الفاتحة، فإذا فرغَ منها لزمَهُ أن يتعلَّمَ الفاتحة، وفيه بُعْد؛ لأنَّ عجزَ العربيِّ المتكلِّمِ بمثلِ هذا الكلامِ عن تعلُّمِ ما تصحِّ به صلاتُهُ من القرآنِ مستبعَدٌ جداً، وأنَّى كان رسولُ اللهِ
¬
(¬1) سبق تخريجه (ص60).
صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّمَ يرخِّصُ في الاكتفاءِ بالتَّسبيحِ على الإطلاقِ من غير أن يبيِّنَ ما لهُ وما عليه. انتهى (¬1).
وفيه أيضاً (¬2): نقلَ ميرك عن زينِ العربِ (¬3) أنه قال: كل هذا خلافُ الظَّاهر، بل قولُه: فعلِّمْني ما يجزئني مع إيرادِ المحدِّثين لهذا الحديثِ في هذا البابِ يدلُّ على أنَّ المرادَ القدرَ المجزئ في الصَّلاة، وإلاَّ لكانَ إيرادُهُ في بابِ التَّسبيحِ أليق.
وما ذكرَهُ من الاستبعادِ فغيرُ بعيد؛ لأنه كما أنَّ من العرب مَن هو في غايةِ الفصاحةِ والبلاغة، فمنهم مَن هو في نهايةِ البلادة، وقال التُّوربشتيّ: هذا الحديثُ لا يدلُّ على أنه كان في الصَّلاة؛ إذ لو كان فيها لبيَّنَهُ الرَّاوي، ولنقلَهُ غيرُهُ من الصَّحابة، ولو زعمَ أحدٌ أنه في الصَّلاة، قلت: يحملُ ذلك على غيرِ الفريضة. انتهى (¬4).
قلتُ: استبعادُ ورودِ هذا الحديثِ في الصَّلاةِ مستبعدٌ؛ كيف وقد
¬
(¬1) من مرقاة الفاتيح (1: 536).
(¬2) أي في المرقاة (1: 536).
(¬3) وهو علي بن عبيد الله بن أحمد بن زين الدين، الشهير بزين العرب، من مؤلفاته: شرح مصابيح السنة، كان حياً قبل 758هـ. ينظر: الدرر الكامنة (3: 80)، معجم المؤلفين (2: 472).
(¬4) من مرقاة المفاتيح (1: 536).
كان في الصَّحابةِ مَن هو أعرابيٌّ وعجميّ، وفيهم مَن لا يحسنُ أن يتعلَّمَ شيئاً من القرآن، أو يتلوَ آيةً أو آيتَيْن من القرآن، ومن العجمِ مَن يتعسَّرُ عليهِ قراءةُ الفاتحة، ولا يتعسَّرُ عليه ألفاظُ السَّبحلةِ (¬1) والحمدَلة (¬2)، ومنهم مَن يتفلَّتُ عنه الآيات ولا يقدرُ على حفظِها كما تعلَّمها، ويقدرُ على حفظِ الأذكارِ والتَّسبيحاتِ ويحفظها كما يتعلَّمها، وهذا أمرٌ يتعرَّفه مَن يتعرَّفُ اختلافَ مجاري العادات، وتخالفُ الطَّبائعِ وتقلُّدها للإرادات.
فالظَّاهرُ أنَّ ذلك الرَّجلَ السَّائلَ كان لا يقدرُ على أن يتعلَّمَ شيئاً من القرآن، ويبقى ذلك في حفظِهِ إلى وقتِ أداءِ الأركان، فعلَّمَهُ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وعلى آلهِ وسلَّمَ ما ينوبُ منابَه، وأشارَ إلى أنَّ الذِّكرَ يقومُ مقامَه.
وأمَّا قولُ التُّوربشتي (¬3) أنَّهُ لو كان في الصَّلاةِ لبيَّنَهُ الرَّاوي، فقد صدرَ عن الغفلةِ عن روايةِ الدَّارَقُطْنِي؛ فإنَّها صريحةٌ في ورودِهِ في الصَّلاة، وحملُهُ على غيرِ الفريضةِ تكلُّفٌ مستغنىً عنه يأبى عنه إطلاقُ الصَّلاة.
¬
(¬1) أي سبحان الله ...
(¬2) أي الحمد لله ...
(¬3) وهو فضل الله بن حسن التُّوربشتيّ الشيرازيّ الحنفيّ، أبو عبد الله، شهاب الدين، من مؤلفاته: الميسر شرح مصابيح السنة، و المعتمد في المعتقد، و تحفة المرشدين في اختصار تحفة السالكين، (ت نحو 600هـ). ينظر: هدية العارفين (5: 821)، معجم المؤلفين (2: 625).
فالحقُّ أنَّ الحديثَ المذكورَ يدلُّ على أنَّ مَن لم يقدرْ على قراءةِ القرآنِ أخذَ بالتَّسبيحِ والتَّهليلِ والتَّكبير، وأجزئ ذلك عنه عوضَ القرآن، ويؤيِّدُهُ تأييداً بلغياً ما في روايةِ التِّرْمِذِيِّ وأبي داود، والحاكمِ من حديثِ رفاعةَ بن رافعٍ في حديث: المسيء صلاتَه، قال له رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وعلى آلهِ وسلَّم: ((إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ فَتَوَضَّأَ كَمَا أَمَرَكَ اللهُ بِه، ثُمَّ تَشَهَّدْ فَأَقِم، فإن كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَأقْرَأ، وَإِلاَّ فَأحْمَدِ الله، وَكَبِّرْه، وَهَلِّلْه)) (¬1).
قال عليٌّ القاريّ في شرحِ حديثِ ابن أبي أوفى (¬2): الظَّاهرُ أنه في الصَّلاةِ مطلقاً لما مرَّ من حديثِ رفاعةَ للتِّرْمِذِيّ، فالأَولى أن يحملَ الحديثان على أوَّلِ الأمرِ الذي كان بناؤهُ على المساهلةِ والتَّيسير. انتهى (¬3).
قلتُ: لا أدري أيُّ ضرورةٍ داعيةٍ إلى هذا الحل، وأيُّ قباحةٍ في إبقاءِ هذا الحكم الذي أفادَهُ الحديثان إلى هذا الأجل.
وفي ((شرحِ المشكاة)) لابنِ حَجَرٍ المكيِّ (¬4) في شرحِ حديثِ التِّرْمِذِيّ:
¬
(¬1) في صحيح ابن خزيمة (1: 274)، و سنن أبي داود (1: 228)، و سنن النسائي الكبرى (1: 507)، و سنن البيهقي الكبير (2: 38).
(¬2) وهو: جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنّي لا أستطيعُ أن آخذَ من القرآن ... سبق تخريجه (ص59).
(¬3) من مرقاة المفاتيح (1: 536).
(¬4) هو أحمد بن علي محمد الهيتميّ، المتوفَّى سنة (975). منه رحمه الله.
منه أخذَ أئمَّتُنا أنَّ مَن لم يعرفْ شيئاً من القرآن يلزمُهُ الذِّكرُ اتِّفاقاً.
ثمَّ اختلفوا هل يجبُ سبعةُ أنواعٍ من الذِّكرِ بقدرِ حروفِ الفاتحة؟
فقيل: نعم؛ ليكونَ كلُّ نوعٍ مكانَ كلِّ آية.
وقال جمع: لا؛ لهذا الحديث، فإنَّه كالنَّصِ في عدمِ وجوبِ سبعةٍ أنواع.
ويردُّ بأنَّ ظاهرَ الحديثِ وجوبُ ثلاثةِ أنواعٍ ولم يقلْ به أولئك؛ فالحديثُ إذن ليس فيه تمسُّكٌ لأحدِ المقالَيْن، وقد صحَّ عند بعضِهم، لكن بيَّنَ النَّوَويُّ ضعفَه: أنَّ رجلاً جاءَ إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آلهِ وسلَّم فقال: إني لا أستطيعُ أن آخذَ شيئاً من القرآنِ فعلِّمنِي ما يجزئني منهُ في صلاتي، فقال: ((قُلْ: سُبْحَانَ الله، وَالحَمْدُ لله، وَلاَ إلله إِلاَّ الله، وَاللهُ أَكْبَر، وَلا حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِالله)) وهذا مشتملٌ على خمسةِ أنواعٍ بل سُتَّة.
والظَّاهرُ أنه كان يحفظُ البسملةَ فهو بتقديرِ صحَّتِهِ دليلٌ للرَّاجحِ المذكور. انتهى.
قلتُ: الحقٌّ أنه لا دليلَ يدلُّ على إيجابِ سبعةِ أذكارٍ بقدرِ الفاتحة، والذي أفادَهُ الحديثان إنَّما هو الانتقالُ من الفاتحةِ إلى الأذكارِ الواردة، والظَّاهرُ أنَّ الأذكارَ المخصوصةَ لا خصوصيَّة لها، بل كلُّ الأذكارِ سواسية.
وأمَّا حجَّةُ المذهبِ الثَّاني (¬1):
فقد اختلفوا في تقريرِها على مسالكَ متفرِّقة، وأيَّدوها بوجوهٍ متشتِّتَة:
فمنها (¬2):
إنَّ القرآنَ اسمٌ لكلامِ اللهِ تعالى، وهو صفةٌ قائمةٌ بذاتِهِ منافيةٌ للسُّكوتِ والآفة، وليس هو من جنسِ الحروفِ والأصوات، ولا من قبيلِ الألفاظِ واللُّغات؛ فإنَّ اللُّغات كلّها مخلوقة، وصفةُ اللهِ تعالى التي هي القرآن حقيقةٌ قديمة، فالقرآنُ حقيقة هو المعنى من دونِ خصوصيَّةِ المبنى.
والدَّليلُ عليهِ قولُهُ تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ} (¬3)، فإنَّ الضَّميرَ راجعٌ إلى القرآن، وظاهرٌ أنَّ نظمَهُ العربيّ ليس بموجودٍ في كتبِ سابقِ الأديان؛ فإنَّها مُنزّلةٌ باللُّغةِ السِّريانيَّة، أو العبرانيَّة، أو بغيرهما من اللُّغاتِ الغيرِ العربيَّة، فلو كان النَّظمُ العربيُّ داخلاً في الحقيقةِ القُرآنيَّةِ لم يَصِحّ كونُهُ في الكتبِ الماضية.
¬
(¬1) وهو أنَّه يجوزُ مطلقاً؛ سواءٌ أحسنَ العربيَّةَ أو لم يحسن ...
(¬2) أي المسلك الأول في تأييد المذهب الثاني.
(¬3) من سورة الشعراء، الآية (196).
وأيضاً قال الله تعالى: {إنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى، صُحُفِ ِإِبَراهِيمَ وَمُوسَى} (¬1)، ومعلومٌ أنَّ النَّظمَ العربيَّ لم يَكُنْ في صحفِهما، ولا في صحفِ غيرهما.
وأيضاً قد حقَّقَ أهلُ السُنَّةِ في كتبِهِم أنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ لا خالقَ ولا مخلوق، وكفَّروا مَن قال: إنَّه مخلوق، وقد جرتْ في هذه المسألةِ في زمانِ الإمامِ أحمدَ من الحوادثِ ما جَرَت، كما هو في كتبِ التَّاريخِ مسطور، وفي كتبِ الكلامِ (¬2) مشهور.
ومن المعلومِ أنَّ الألفاظَ العربيَّةَ لا ريبَ في أنَّها مخلوقة، فهي ليست بقرآنٍ على الحقيقة، وقد وردَ في الأحاديثِ المرفوعة أيضاً: إنَّ القرآنَ ليس بحادث، لكن بأسانيدَ لا تخلو عن متَّهمٍ أو كاذبٍ كما هو محقَّقُ في
¬
(¬1) من سورة الأعلى، الآيتان (18 - 19).
(¬2) أي كتب العقائد الإسلامية، وسمي بذلك؛ لأن عنوان مباحثه كان قولهم: الكلام في كذا وكذا، أو لأن مسألة الكلام كانت أشهر مباحثه حيث أدت هذه المسألة إلى نِزاع عظيم بين المسلمين، وقتل عليها العدد الكبير من العلماء، وعذّب الكثير منهم كالإمام أحمد - رضي الله عنه -، أو لأنه أوّل ما يجب من العلوم التي تعلم، ولا تعلم إلا بالكلام، أو لأنه يورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات والزام الخصوم. ينظر: شرح العقيدة النسفية (ص8) للشيخ عبد الملك السعدي.
((تَنْزيهِ الشَّريعةِ في الأحاديث الموضوعة)) (¬1) وغيرِهِ من الكتبِ المصنَّفةِ في الأخبارِ المختلقة (¬2).
وإذا ثبتَ أنَّ القرآنَ حقيقةً اسمٌ للمعنى، وهو المأمورُ بقراءتِهِ في الصَّلاةِ ثبتَ أنّه المفروضُ دونَ المبنى، واللُّغاتُ كلُّها في تأديةِ المعنى سواسيةٌ هنديَّةً كانت، أو تركيَّة، سريانيَّة كانت، أوعبرانيَّة، أو غيرها من اللُّغاتِ الغيرِ العربيَّة.
والإيرادُ على هذه الحجَّةِ من وجوه:
الأوَّل:
إنَّ دلالةَ قولِهِ تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ} (¬3)، على ما ذكروهُ ممنوع، وإثباتُ أنَّ القرآنَ حقيقةً هو المعني به مقدوح؛ لأنّه يحتملُ أن يكونَ الضميرُ راجعاً إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّمَ لا إلى القرآن، وهو المنقولُ عن عبدِ اللهِ بن سلام حيثُ فسَّرَهُ بقولِه: يعني النَّبيَّ
¬
(¬1) تنْزيه الشَّريعة عن الأخبار الشَّنيعة الموضوعة (1: 311) لعلي بن محمَّد بن عليّ بن عبد الرحمن ابن عِرَاق الكنانيّ، نور الدين، ومن مؤلفاته: نشر اللطائف في الطائف، (907 - 963هـ). ينظر: المستطرفة (ص113)، الأعلام (5: 165).
(¬2) ينظر: اللالئ المصنوعة (1: 262)، و الموضوعات لابن الجوزي (1: 276).
(¬3) من سورة الشعراء، الآية (196).
صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم، وصفتُه، ونعتُه، وأمره، أخرجَهُ ابن مَرْدُوَية (¬1) عنه.
ويحتملُ أن يكونَ راجعاً إلى تَنْزيلِ القرآن، وهو الأظهر، وإليه مالَ الأكثر، قال البَغَويُّ (¬2) في ((معالمِ التَّنْزيل)): وإنَّه: أي ذكرُ إنْزالِ القرآن قالَهُ أكثرُ المفسِّرين.
وقال مُقاتل (¬3):ذكرُ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلّم، ولغتُه. انتهى (¬4).
وفي ((الكشاف)) (¬5): {وَإِنَّهُ}: أي القرآن: يعني أنَّ ذكرَهُ مثبتٌ في سائرِ
¬
(¬1) وهو أحمد بن موسى بن مَرْدُويَة الأَصْبَهَانِيّ، أبي بكر، من مؤلفاته: التفسير، و المسند، و التاريخ، و المستخرج، (323 - 410هـ). ينظر: العبر (3: 102)، الأعلام (1: 246).
(¬2) وهو حسين بن مسعود الفرَّاء البَغَوِيّ الشَّافِعِيّ، أبو محمد، محيي السنَّةِ، والبَغَويّ: نسبةً إلى بغا، وهي قرية بخراسان بين هراة ومرو، قال الأسنويّ: كان ديناً ورعاً قانعاً، يأكل الخبز وحده، فلِيمَ في ذلك وصار يأكله بالزيت، وكان لا يلقي درسه إلا على طهارة، له: مشكاة المصابيح، و التهذيب، (ت516هـ). ينظر: وفيات (2: 136 - 137)، طبقات الأسنوي (1: 101).
(¬3) وهو مُقاتل بن سليمان بن بشير الأزديّ البَلْخيّ الخُراسانيّ، أبو الحسن، المفسِّر، له: التفسير الكبير، و نوادر التفسير، (ت150هـ). ينظر: التقريب (ص476)، الأعلام (8: 206).
(¬4) من معالم التَنْزيل في علم التفسير (3: 398).
(¬5) لمحمود الزمخشري ابن عمر المتوفَّى (538). منه رحمه الله.
وأضيف، هو محمود بن عمر بن محمد الخورازميّ الزَّمَخْشَرِيّ الحنفيّ، أبي القاسم، جار الله، نسبةً إلى زَمَخْشَر بفتح الزاي وسكون الخاء بينهما ميم مفتوحة، وبعد الخاء شين معجمة، بلدة من قرى خوارزم، من مؤلفاته: الكشاف عن حقائق غوامض التنْزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، و المستقصى في أمثال العرب، و شقائق النعمان في حقائق النعمان، (467 - 538هـ). ينظر: طبقات المفسرين (2: 314 - 316). كتائب أعلام الأخيار (ق178/ب- 180/ب). الأنساب (1: 163). بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة (2: 280).
الكتبِ السَّماويَّة، وقيل: إنَّ معانيهِ فيها، وبهِ يحتجُّ لأبي حنيفةَ في جوازِ القراءةِ بالفارسيَّةِ في الصَّلاةِ على أنَّ القرآنَ قرآنٌ إذا ترجمَ بغيرِ العربيَّة، حيث قيل: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ} (¬1)؛ لكونِ معانيها فيها.
وقيل: الضَّميرُ لرسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم، وليس بواضح. انتهى.
وفي ((كشفِ الكشَّاف)) للسَّراجِ عمر (¬2): قوله: وبه يحتج ... الخ، قيل: فيه نظر؛ لأنه على حذفِ المضافِ وهو المعاني، لا على تسميتِها قرآناً، وله أن يقول: إنَّ الإضمارَ خلافُ الأصل. انتهى.
¬
(¬1) من سورة الشعراء، الآية (196).
(¬2) لعلَّه: عمر بن رسلان بن نصير بن صالح الكنانيّ العسقلانيّ البُلْقِيَنيّ المصريّ الشافعيّ، أبو حفص، سراج الدين، قال البرهان الحلبي: رأيته رجلاً فريد دهره، لم ترَ عيناي أحفظ للفقه وأحاديث الأحكام منه، من مؤلفاته: التدريب، و تصحيح المنهاج، و حواشي على الروضة، (724 - 805هـ). ينظر: الضوء اللامع (6: 85 - 90)، و الكشف (2: 1479).