إزالة الغفلة والسنة ..........
.... بتأليف خطب السنة
جارٍ تحميل الكتاب…
إزالة الغفلة والسنة ..........
.... بتأليف خطب السنة
إزالة الغفلة والسنة
بتأليف خطب السنة
للإمام أبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الحنفي
ولد سنة (1264) وتوفي سنة (1304هـ)
حققه وخرج أحاديث وعلق عليه
الأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الواحد القهّار، خالق الجنّة والنار، وهادي الإنسان إلى ما هو المختار، نحمده حمداً يُوافي نعمه، ويَرفع نقمه، ونشكره شراً جزيلاً على أن رزقنا دين الإسلام من بين الأنام.
وأشهد أنه لا إله إلا هو شهادة المقرّ بوحدانيَّته، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقِهِ وحبيبهِ، بَلَّغَ الرِّسالة، وأَدَّى الأمانة، ونصح الأمة، صلوات الله عليه وسلامه بعدد خلقه ومخلوقاته، على آله وصحابته الأبرار، ومن تبعهم من الأخيار، ومن سار على طريقهم إلى يوم الانكدار.
وبعد:
فإننا اعتدنا على القراءة لمجدد أهل زمانه، والفرد بين أقرانه محقق علوم الأولين والآخرين، الإمام عبد الحي اللكنوي الأنصاري الأيوبي الهندي في علمي الفقه والحديث، فكان يوفي البحث حقه، فتنبهر بتحقيقاته الأذهان، ويخضع لترجيحاته كبار بني الإنسان، ويأتي فيه بالفوائد والدرر التي خلت عنه الزبر.
وأمّا الآن فإن بين أيدينا تأليفاً من لون آخر له، وهو في الرَّقائق، جمع فيه المواعظ المذكرة لجُمع خُطب السَّنة على ما يقتضيه مناسبة المقام من التذكير، فجعل لكلِّ جمعةٍ خطبةً خاصّة، ولكلِّ شهر خمس خُطُب؛ لأن بعض الشُّهور يكون فيها جمعة خامسة، وأضاف لكل شهرين أو ثلاثة خطبة عامة تصلح لأي جمعة.
فهو وإن كان مؤلفاً لإعانة خطباء الزمان باختيار الخطبة المناسبة على ما يأتي من مناسبات إلا أنّه ليس خاصّاً بهم فقط، بل يُمكن الانتفاع به لكلِّ من أراد أن يُصفِّي نفسَه، ويَرْقَى بروحه عن هذه الدنيا الدَّنية، فإنه فيه كثيراً من المواعظ التي ترقق القلوب وتدمع العيون.
ومؤلفه حافظ في تأليفها على سبب مشروعية الخطبة، وهو أنّها للتذكير بيوم الدين، ولإزالة غفلة توارد الأيام وتزيين الشيطان، فقلما يتعرَّض للأحكام الفقهيّة؛ لأنه لها دروسها الخاصّة بها، وأحوجُ ما يحتاجه العوامُّ هو كثرةُ التَّذكير بالله - عز وجل -، وأننا ميّتون لا محالةَ فَلِمَ هذه التَّغافل؛ لأنَّ علينا العمل للحياة الباقية لا للحياة الزائلة، فالتَّذكير ترتفعُ غشاوة وبهجة الزمان؛ ليعود النَّاسُ إلى ربهم تائبين مما تجنح أيديهم في الليل والنهار، فلكلّ هذا كن نحن بحاجة إلى مثل هذا النوع من الخطب والمواعظ.
والإمام اللكنوي رحمه الله كان خطيباً بليغاً مفوهاً، قال مؤرخ الهند عبد الحي الحسني في ننزهة الخواطر (8: 235): «حضرت عنده غير مَرّةٍ
فألفيته خطيباً مصقعاً»، وقال عنه خطبه (8: 238): «جمع المواعظ الحسنة لخطب شهور السنة».
وبهذا الوصف نسبها الإمام اللكنوي لنفسه في مقدمة عمدة الرعاية (1: 31)، ونسبها له تلميذه عبد الباقي الأنصاري في مقدمة تحفة الأخيار (36).
وإن لم ألُ جهداً في خدمتِه، فقد ضبطتُ مفرداتها، وقَسَّمتُ فقراتها إلى مقاطع قصيرة، مع استخدام علامات التَّرقيم المناسبة، ومراعاة قواعد الإملاء الحديثة، وعزوتُ آياتها إلى مكانها، وخرجتُ أحاديثها، وإن كان الكلام محتوياً على آية أو حديثٍ بدون تنبيه من المؤلفِ على ذلك، فإني في الأغلب أُشير إلى ذلك، وصنعتُ لها فهارس فنية تيسيراً على القارئ الكريم.
وفي الختام أسأل الله - عز وجل - أن يتقبَّل هذا العمل، ويجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به المسلمين والمسلمات، اللهم اغفر لي ولوالدي ولشيوخي، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
14 ـ ربيع الثاني ـ 1422 هـ ... صلاح محمد أبو الحاج
5 ـ تموز ـ 2001 هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي هدانا بإرسالِ الرُّسل، وإنْزَالِ كتبهِ العليَّة، وبَيَّنَ لنا الحلالَ والحرام، وأوضحَ السُّبلَ المرضيَّة، أشهدُ أنه لا إله إلا هو وحدَهُ لا شريكَ له، وأنَّ سيِّدَنا محمَّداً عبدُهُ ورسولُه، صاحبِ الفضائل الجليَّةِ والخفيَّة، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبهِ وأتباعِهِ صلاةً دائمةً بعدد السَّماوات والأرضِ والمخلوقاتِ السَّنيَّة (¬1).
وبعد:
فيقولُ الرَّاجي عفو ربِّه القويّ، أبو الحسنات محمدٌ عبدُ الحيّ اللَّكْنَوِيّ، تجاوزَ اللهُ عن ذنبهِ الجليِّ والخفيّ، ابن بحرِ العلومِ مخزن الفُهُوم (¬2)، صاحبِ التَّحقيقاتِ الشَّامخة، والتَّدقيقاتِ الرَّاسخة، مولانا الحافظِ الحاجِ محمدٍ عبدِ الحليم (¬3)، أدخلَه اللهُ دارَ النعيم.
¬
(¬1) السَّنيُّ: الرفيع، وأسناه: أي رفعه. ينظر: لسان العرب (3: 2129).
(¬2) قال ابن منظور: الفهم: معرفة الشيء بالقلب، فَهِمَه: علمه. لسان العرب (5: 3481).
(¬3) أفرد المصنِّف رحمه الله تأليفاً خاصَّاً في ترجمة والده، اشتمل السيرة العطرة التي كان
عليها، والشيوخ الذي درس عليهم، والإجازات التي حصل عليها، والمناصب التي تولاَّها، وغير ذلك من الفوائد والفرائد، وهو في طريقه إلى الطبع بعد أن حقَّقته. والحمد لله.
هذه مجموعةٌ نفيسةٌ جامعةٌ لخطبِ جُمُعَ السَّنةِ والأَعيادِ وغيرها، ألَّفتُها لِمَا رأيتُ أكثرَ الخُطباءِ يومَ الجُمُعة (¬1) وغيرها جاهلين غير قادرين على جَمْعِ كلمات عربيَّة، ومن ثُمَّ ترى:
بعضهم يخطبون باللِّسان الفارسيَّة والهنديَّة.
وبعضهم يخلِطون اللِّسان العربيَّة باللِّسانِ العجميَّة، غافلين عن أنه خلافُ السُنَّة، والطَّريقةِ المرضيَّة، كما أوضحتُهُ في رسالتي ((آكامِ النَّفائسِ في أداءِ الأذكارِ بلسانِ الفارس)) (¬2).
وبعضُهم التَّزموا خُطْبَةً واحدةً في كلِّ جُمُعَة، غافلينَ عن أنَّ الخُطْبةَ إنِّما شُرعت للتِّذكير، وهو إنِّما يحصل بتجديدِ المواعظِ والنَّصائح كلَّ مَرَّة، وقراءةُ خُطبةٍ واحدةٍ لا ينفعُ في التَّأثُّر والتَّأثير، فأردتُ تسهيلَ الأمرِ عليهم،
¬
(¬1) الجمعة: بسكون الميم وضمها يوم العروبة، يجمع على جُمُعات وجُمَع. مختار الصحاح (ص 110).
(¬2) هذا التأليف جمع فيه المؤلِّف الأحكام الخاصّة بأداء العبادات باللغات غير العربية، ورتبها على ترتيب الكتب الفقهية فبدأ بفصلٍ في الأذانِ والإقامة والإجابة، ثمَّ فصلٍ في الصَّلاة، وهكذا. وكل فصل يحتوي المسائل المتعلقة به مع التحقيق التام، فكان مؤلَّفاً فريداً في بابه، حرِّياً بالاستفادة منه. وهو الآن تحت الطبع بعد أن قمت بتحقيقه. والحمد لله على فضله.
وصنَّفتُ لهم لكلِّ شهرٍ من شهورِ السَّنةِ خمسَ خُطَبٍ لخمسِ جُمَعٍ، فقد تقع في شهرٍ جمعةٌ خامسة.
وألَّفتُ الخطبةَ الثَّانية أَيضاً متعدِّدة (¬1)، فإنَّ لكلِّ جديدٍ لذَّة (¬2).
وقد أكثرتُ فيها إيرادَ جملِ النَّصائحِ والمواعظ (1 التي (¬3) ينتفعُ بها كلَّ سامعٍ وواعظ، والاقتباسَ من كتابِ الله القديم، وأحاديثِ نبيَّه الكريم عليه ألفُ صلوات والتَّسليم، من غير تكلُّفِ القوافي والإسجاع، وإيرادِ ألفاظٍ مستبشعةٍ تتنفرُ عنها الأسماع، ومن غير إيرادِ كلماتٍ مستغربة، وجملٍ معضلة، يُحْتَاجُ في فهمِ معانيها إلى نظرِ الكتبِ اللُّغويَّة، ومهارةِ الفنونِ الأدبيّة، فإنَّ إيرادَ أمثالَ ذلك لا يَليقُ بهذه الخطب التَّي وضعت لأن يَتَنَبَّهَ بها كلُّ عالمٍ وجاهل، ويَتَيقَّظَ كلُّ فاضلٍ وغافل.
وأدرجتُ في كلِّ خطبةٍ ما يناسبُ الشَّهرَ الذي تُقْرأ فيه من الأحكامِ والفضائل، وتجنَّبتُ عادةَ المنفِّرين والمتبختِرين من اختصارٍ مُخِلّ، أَو تَطويلٍ بلا طائل، فقد سنَّ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ تُطَوَّلَ الصَّلاة، وتُقْصَرَ
¬
(¬1) مرادُ المؤلِّف رحمه الله كما سيتبيَّن للقارئ الكريم عند الإطلاع على هذه الخطب: أن يضيف خطبة ثانية لكل شهرين أو ثلاثة أشهر، فيقول مثلاً: الخطبةُ الثَّانيةُ لجُمَعِ المحرَّم وصفر وشهر ربيع الأوَّل، ويكون موضوعها متعدِّد: أي عام يصلح لأيّ جمعة.
(¬2) ينظر: مجمع الأمثال للميداني (2: 210).
(¬3) غير موجودة في الأصل.
الخطبة، وجعلَ تطويلَ الخطبةِ إلى حدٍّ يفضي إلى حدِّ النُّفرةِ من أشراطِ السَّاعة.
وإلى الله المشتكي من هذا الزَّمان، زمان شرٍّ وطغيان، عكسَ النَّاس الأمرَ المشروع، وعكفوا على ما لم يثبتْ شرعاً مع غايةِ الولوع، فصارتْ السُنَّة فيما بينهم بدعة، والبدعةُ سُنَّة، وظنَّوا المعروفَ منكراً، والمنكرَ معروفاً، ومن ثمَّ تراهم إذا هداهم أحدٌ إلى الطَّريقةِ السَنِّيَّةِ تنفَّروا عنه ونسبوه إلى الطَّريقةِ القبيحة.
وهذه فتنةُ لعمري عمياء، وداهيةٌ وَهْياء (¬1)، يربو فيها الصَّغير، ويشيبُ فيها الكبير، ولئن ساعدني التَّوفيق، وفَسَحَ اللهُ في عمري، وجَعَلَهُ
خيرَ رفيق، لأُؤلِّف رسالةً أَبحثُ فيها عن منكراتِهم التي أَحدثَها (¬2) قرَّاءُ الخطبةِ وسامعوها، ومخترعاتِهم التَّي اخترعَها (¬3) مصنِّفوها وواضِعوها (¬4).
¬
(¬1) يقال وَهَى السقاء يَهِي وَهْياً: تَخَرَّقَ وانْشَقّ. ينظر: مختار (ص 738)، والمصباح (ص 674).
(¬2) في الأصل: أحدثتها.
(¬3) في الأصل: اخترعتها.
(¬4) توفِّي المصنِّفُ رحمه الله قبل يؤلِّف مؤلَّفاً خاصَّاً في هذا، ولكنَّه تعرض لشيء من هذه المخترعات التي أحدثها الخطباء في رسالته: ردع الإخوان عن محدَّثات آخر جمعة رمضان (ص 66) التي حقَّقها الأخ مجد مكِّي، وطبعت في دار البشائر الإسلامية.
وليس غرضي من هذا التألِّيف وسائرِ تأليفاتي أن يُدْرَجَ اسمي في المصنّفين، أو يشتهرَ رسمي في العالمين، وإنِّما المقصود ـ وكفى بالله شهيداً عليه ـ أن يحصلَ بها النَّفعُ والفلاحُ لكلِّ مطالعٍ ومستفيد، وأن تكونَ ذريعةً لنجاتي بعد مماتي في يومِ الحسابِ الشَّديد.
واللهُ أسألَ سؤالَ الضَّارعِ الخاشع أن يجعلَها مقبولةً وخالصةً لوجهه الكريم، وأن ينفعَ بها عبادَه بالنَّفع العميم، وقد سمَّيتُ هذه المجموعة بـ:
((اللطائف المستحسنة بجمع خطب شهور السّنة))
ولقَّبتُها بـ:
((إزالة الغفلة والسِّنة بتأليف خطب السَّنة))
وأرجو من كلِّ مَن يقرأ هذه الخطب، ومَن يسمعُها، ومَن يطالعُها وينتفعَ بها أن يدعوَ لي بالمغفرة، وشمول الرَّحمة، وبخيرِ الدُّنيا والعُقبى، وأن لا ينساني في دعواتِهِ الخالصةِ في أوقاتِهِ الخاصّة.
والمرجوُّ من النَّاظرين الكرام أن لا يتتبّعوا عوراتي، وأن يستروا على زلاّتي، فرحمَ الله امرءاً نظرَ فيها بنظرِ اللُّطفِ والكرم، وعفا عن زلَّةِ القدم، أو طغيان القلم، فإنِّي لستُ ممَّن يدَّعي العصمةَ من كلِّ خطأ وزلّة، ولا ممَّن
ينسبُ إلى نفسِهِ الفصاحةَ والبراعة، أو البلاغةَ والمهارة، {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي} (¬1).
وهذا أوانُ الشروعِ في الجَمْعِ والتَّرصيف، مُتوكِّلاً على مَن منه الهداية، وإليه النَّهاية، وبه الاعتماد في كلِّ تصنيف.
* * *
¬
(¬1) من سورة يوسف، الآية (53).
الخطبة الأولى
للجمعة الأولى من المحرّم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذَّي لا تَصِلُ إلى دركِ حقيقتِهِ الأفهام، ولا تُدرِكُ كُنْهَهُ العُقولُ والأوهام، نحمدُهُ حمداً كثيراً على حلمِهِ بعد علمِه، وهو العليمُ العلاَّم، ونشكرُهُ عَلى عَفْوِهِ بعدَ قدرته، وهو شديدُ الانتقَام، فسبحانَه ما أعظمَ شأنَه.
نشهدُ أنه لا إله إلا هو وحدَهُ لا شريك له، يُدبِّرُ الأمرَ بينَ السَّماواتِ والأرضين، وهو متفرِّدٌ في تدبيرِه، لا نظيرَ له في العالمين، يُنَزِّلُ الغيثَ ويَعلمُ ما في الأرحام، ونشهدُ أنَّ سيِّدَنا ومولانا محمَّداً عبدُه ورَسُولُه، الذي بَيَّنَ لنا الحلالَ والحرام، وأوضحَ مشتبِهاتِ الأحكام.
أمّا بعد:
إخواني وخُلاَّني؛ اشكروا اللهَ على نَعمائه، واحمدُوهُ على آلائه، فإن تَعدُّوا نِعمةَ الله لا تُحصوها إلى يوم القيام: أحسنَ إليكم حيث أخرجَكُمُ من العدمِ إلى الوجود، وهو صاحبُ الكرمِ والجود، وربَّاكُم حينَ كنتم أجنّةً في الأرحام، خلقكُمُ من نطفة، ثمّ جعلكُم علقةً ومضغة، وصوَّركُم بأحسنِ
صورة، وكساكُم اللّحمَ والعظام، وأدارَ عليكمُ زماناً، وقسَّمَه على السِّنينَ والشُّهورِ والأيام، ووضعَ لكمُ فيه شهوراً مُتَبَرِّكةً، وأيَّاماً مُتَشَرِّقهً، بدأ بالمحرَّمِ وختمَ بذي الحجَّةِ الحرام، فما لكم لا تتذكَّرون، وما لكم لا تتفكَّرون، ترغبونَ عن الحسنات، وتنهمكُون في اللّذات، وترتكبون الخطايا الجسام، ولا تعتبرون بمَن مضى من آبائكم وأجدادكم!
أين أحبابُكم وأقرانُكم؟
أين جلساؤكم وأحبّاؤكم؟
أين سلاطينُكم وخواقينُكم (¬1)؟
أفناهم كَرُّ اللّيالي ومرُّ الأيّام، وسيمرُّ عليكم زمانٌ تكونون فيه كما كانوا، وتتحسَّرونَ كما تحسَّروا، وما تفيدكمُ الحسرَةُ عند ذلك إلا الآلآم.
فعليكُم بتقوى الله في السِّرَّ والعلانية، واجتناب كلِّ خطيئةٍ ومعصية، لاسيَّما في الأيّام العظام.
وهذه سنةٌ جديدةٌ قد استقبلتكم، فطوبى لمَن وَدَّعَ السَّنةَ الماضيةَ بحسنِ الأعمال، واستقبلَ هذه السَّنة بكرائمِ الأفعال، وتجنَّبَ المعاصي والآثام.
وعليكم بهذا الشّهرِ الحرام، شهرِ المحرَّم، ذي العزِّ والاحترام، شهرٌ
¬
(¬1) من خاقان: وهو اسمٌ لكل ملك من ملوك التُّرك، خقَّنوه على أنفسهم: أي ملكوه ورأسوه. ينظر: القاموس (4: 221).
نجىَّ اللهُ تعالى فيه سيِّدَنا موسى على نبيِّنا وعليه الصّلاةُ والسّلام، وأغرقَ فِرعونَ في البحر (¬1)، وألقاهُ في الظّلام.
فيه يومُ عاشوراء، وما أدراكم ما يوم عاشوراء:
يومٌ فضيلٌ فضلُهُ جميل، مَن وسَّعَ فيه على عيالِهِ وَسَّعَ اللهُ عليه تمامَ السَّنة، كذا أخبرَ به سيّدُ الأنام (¬2).
يومٌ صامَ فيه النَّبيُّ صلَّى الله عليهِ وعلى آله وسلَّمَ، وأمرَ أصحَابَه
¬
(¬1) لما روي عن ابن عباس قال: (لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة واليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم عن ذلك فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لأنتم أولى بموسى منهم فصوموه) في صحيح البخاري (4: 1722)، والمسند المستخرج (3: 211).
(¬2) روى ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (مَن وَسَّعَ على عياله يوم عاشوراء لم يزل في سعة سائر سنته) في المعجم الكبير (10: 77)، وشعب الإيمان (3: 366)، والكامل (2: 141)، ولسان الميزان (6: 307)، وضعفاء العقيلي (4: 65)، والمجروحين (3: 97)، ومجمع الزوائد (3: 189)، قال السيوطي: ثابت صحيح، فإن أسانيده كلها ضعيفة، ولكن إذا ضمّ بعضها إلى بعض أفاد قوة. وقال البيهقي: هذه الأسانيد وإن كان ضعيفة فهي إذا ضم بعضها إلى بعض أحدثت قوة. وقال اللكنوي: أثبت العلماء المحقِّقون كون الحديث حسناً لذاته ببعض أسانيده، وإما لغيره بجمع أسانيده بالبراهين لا بمجرد الظنّ والتخمين. ينظر: الأسرار المرفوعة (ص345)، وكشف الخفاء (2: 374)، والآثار المرفوعة (ص102).
بالصّيام (¬1)، يومٌ اهتمَّ الصَّحابةُ بصيامه، وأمرُوا النّاسَ بصيامهِ حتى الأطفال، واهتمُّوا فيه غاية الاهتمام.
يومٌ رُزِقَ فيه سيِّدُنا الحُسَينُ بنُ عَلِيّ (¬2)، ابن بنتِ رسولِ الله وَمُتَبنَّاه، غايةَ مُتَمَنَّاه، وظُلمَ ظلماً تقشعرُّ منه الأسماع، ويَتَنَفَّرُ عنه الطِّباع، حُبِسَ الماءُ عنه أيّاماً عديدة، وحُصِرَ في كُرْبَةٍ شديدة، وذلك في موضعٍ يُسَمّى بِكَرْبَلاء، موضع كربٍ وَبَلاء، صُبَّ فيه على أهلِ بيتِ رسولِ الله كُلُّ هَمٍّ وغمٍّ وبلاء، حتى شربَ شرابَ الشَّهادةِ مع إخوانِهِ وأنصارِه، وصارَ من الشُّهَداءِ الكرَام، فرَحِمَ اللهُ عليه وعلى ناصريه، ونَقَمَ على ظالميهِ وماكريه، فمَن ذكرَ هذه المصيبةَ العظمى واستَرجَعَ فازَ بالمرتبةِ العظمى، وعُدَّ من الصَّابرِين يومَ القيام.
فلازموا عليكم استقبالَ هذا اليوم بالحسناتِ والتَّوبةِ عنِ الخَطيئات، وتركِ الآثام؛ لعلَّ اللهَ يرحمكم، وتشملكم رحمةُ ربِّكُم، ويدخلكم دارَ السَّلام.
¬
(¬1) الأحاديث في صيام يوم عاشوراء مستفيضة، منها: عن عائشة - رضي الله عنه - قالت: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر بصيامه قبل أن يفرض رمضان فلما فرض رمضان كان مَن شاء صام يوم عاشوراء ومن شاء أفطر) في صحيح مسلم (2: 792)، وغيره.
(¬2) استشهدَ رضي الله عنه وأرضاه في سنة إحدى وستين هجري. ينظر: العبر (1: 65).
وقولوا من صميم الفؤاد، باسطينَ أكُفَّ السُّؤالِ إلى مَن به الاعتصام: اللّهُمَّ يا حنَّانُ يا مَنَّان، أنتَ السَّلام، ومنكَ السَّلام، نحن عبادُكَ العُصَاةُ المذنبون، اعترفنا بذنوبِنا، فارْحَمنَا رَحُمَةً تغنينا عَمَّا سواك، وأَدخلنا بغيرِ حِسابٍ دارَ السَّلام.
والحمدُ للهِ الرَّبِ الكريم
أعوذُ باللهِ من الشَّيطان الرَّجيم: {فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} (¬1).
* * *
¬
(¬1) من سورة إبراهيم، الآية (47).
الخطبة الأولى
للجمعة الثانية من المحرّم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي بَسَطَ الأرضَ بلا مدد، ورفعَ السَّماءَ بغيرِ عَمَدٍ ودوَّرَه، وخلقَ الخلقَ بلطفِهِ وكَرَمِه، وبأحسنِ الصُّوَرِ صَوَّرَه، هو الذي كَرَّمَ ولدَ آدمَ على ما سواه، وفضَّلَ نبيِّنا محمدَّاً صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وسلَّمَ على سائرِ المخلوقات، وجعلَ آدمَ ومَن دونهُ تحتَ لِوَائه وَكَمَّلَه.
نَحمدُه حمداً كثيراً على أن جعلنا من أُمَّةِ النَّبيِّ المختار، الذي عَظَّمَه وبَجَّلَه، لم يتركْ كمالاً إلاَّ أعطاه، إلاَّ القتلَ في المعركة، فخصَّ به سيِّدنا الحُسَينَ بنَ عليّ، وهو ابنُ بنته ومُتَبَنَّاه، فكَمَّلَهُ به وسَجَّلَه، ونشكرُهُ على أنُ جعلنا من سالكي الدِّين القويم، والطَّريق المستقيم، رَدَّ ما سواهُ وتقبَّلَه.
ونشهدُ أنه لا إله إلا هو وحدَهُ لا شريك له، ولا ضدَّ له، ولا نِدَّ له، ونشهدُ أنَّ سَيِّدنا محمَّداً عبدُهُ ورسولُه، المبعوثُ إلى كافّةِ الخلق، فما أحسنَه ومَا أكمَلَه!
أمّا بعد:
عبادَ الله؛ إنَّ الدُّنيا دارُ فناء، لا تبقى فيها بقيِّة:
دارُ المحنِ والفتن.
دارُ الأكدارِ والحَزَن.
دارٌ غدرت بالحُسَينِ والحَسَن.
دارٌ زيَّنَها اللهُ تعالى؛ لامتحانِ عبَادِهِ فمَن تركهَا كرَّمَه، ومَن طلبَها ذلَّلَه.
سُبحَانَه ما أعظم شأنه، من أيّ شيءٍ خَلَقَ الخَلق، {مِن نُطْفَة خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} (¬1)، وهَداهُ إلى سبيلِ الهدايةِ وسَهَّلَهُ، ووَكَّلَ من الأناسيِّ من عبادِهِ الكرامِ البَررة، يفعلونَ ما يؤمَرون، وَيكتُبُون ما يفعلون {فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ} (¬2)، وأرسلَ على خلقِهِ مبشِّرين ومنذرين، وجعلَ من ساداتِهم خاتِمَ الرُّسُل، خَتَمَ به الرِّسالةَ وسَجَّلَه، وبيَّنَ الحرَاَمَ والحلال، وزَجَر عن المعاصي وعن صُحبَةِ العَاصِي نَهَرهَ (¬3).
فيا أيّها العاقل؛ عليك بتقوى الله تعالى في السِّرِّ والعلانية، وصرفِ عُمرِكَ في العبادة، والإنْزجارِ عن المعصية، والزمْ عليك طاعةَ المولى، وافعلْ ما تؤمر، وانتهِ عمَّا تُنْهى عنه، وأسكنْ قلبك محبتَه، وعليك بالتزامِ أداءِ الصَّلواتِ مع الجماعات، فمَن شَذَّ عن الجماعَة شَذَّ في الضَّلالَة (¬4).
¬
(¬1) من سورة عبس، الآيتان (19،20).
(¬2) من سورة عبس، الآيتان (13،14).
(¬3) نَهَرَهُ: زَجَرَهُ. ينظر: مختار الصحاح (ص682).
(¬4) إشارة إلى حديث ابن عمر - رضي الله عنه -، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يجمع الله هذه الأمة على الضلالة أبداً ويد الله على الجماعة فمن شذّ شذّ في النار) في المستدرك (1: 200)، ومسند الشاميين (2: 260).
وإيَّاكَ ثمَّ إيَّاكَ أن تُطِيعَ الأقران؛ فإنَّهم أفسدوا الزَّمان، يَضْحَكُونَ من المسلمين بِالسِّرِّ والإعلان، ويأكلون لُحُومَ الأخوةِ بالأسنان، يتركونَ الصَّلوات، ويَفِرُّون من الجماعات، يُحقِّرونَ المسلمين، ولا يُصلِحونَ بين المؤمنين، يتكلَّمون بأمورِ الدُّنيَا في المساجد، ويطعنونَ على المهاجر والمجاهد، يُكْثِرون الطَّعامَ والمنام، ويبالغون في فضولِ الكلام.
اتَّخذوا جُهَّالهم علماء، وسفهاءهم فقهاء، فاستفْتَوا منهم، وهم أفتوا، فضَلُّوا وأضلُّوا، ولم يخشوا، اتَّخذوا البدعةَ سُنَّة فعَليهم وزرُهم ووزرُ مَن اقتدى بهم، والسُنَّةَ بدعَة فعَليهم وبالُهم ووبالُ مَن تأسَّى بهم، تباغضوا بالقلوب، وتحابُّوا بالألسن، وأفشوا النّفاقَ بينهم، فإن اقتديتَ بهم في هذه الخصائلِ فقد أفسدت عليك، وإن خالفتهم؛ نلت الدَّرجات العُلى، والغُرفَات العَليَّةِ في الجَنَّة.
أما تعلمُ أنَّ الله تعالى يَطَّلعُ على معاصي عبادِه، ولا يخفى عليه مِثقالُ ذَرَّة، ثمَّ لا يفضحهم، ويسترُ عيوبهم، وإن تابُوا يغفِرُ ذُنُوبَهُم، فما أجهلَ الخلق! وما أغفلهم!
أما تعلمُ أنَّ الله تعالى يبعثُ مَن في القبور، ومَن خَلَقَ الخلق قادِرٌ على الحَشرِ والنُّشُور، ويُحضِرُ في المَحْضَرِ العامّ، ويُناقِشُ كُلاً من الخواصِّ والعوامّ، ويسأَله:
عن مالٍ فيما اكتَسَبَه.
وعن عُمُرٍ فيما أفناه.
وعن وقتٍ فيما ضَيَّعَه.
فهل تقدِرُ عند ذلك على الجواب؟ أو تنفعك الرّسالةُ والكتاب، أو تنفعُكَ شفاعةُ الشَّافعين، إلاَّ أن يرحمكَ ربُّك، فينظر إليك بِنَظرِ المغفرَة.
أَقولُ قولي هذا وأفوِّضُ أمري إلى الله، إنه بصَيرٌ بما نفعلُه، هذا تذكرةٌ لمَن أرادَ أن يتذكَّر، {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَه} (¬1).
اللَّهُمَّ إنَّا عبادكَ العصاةُ المجرمون ظلمنا أنفسنا، فلا تجعلنا من الخاسرين، واجعلنا مع الكرامِ البَرَرَة، آمين.
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين
أَعوذُ باللهِ من الشِّيطان الرَّجيم: {قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ، ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ، ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ} (¬2).
* * *
¬
(¬1) من سورة عبس، الآية (12).
(¬2) من سورة عبس، الآيات (17 - 22).
الخطبة الأولى
للجمعة الثالثة من المحرّم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ الذي نَزَّلَ علينا الكتاب، وجعلَ لنا طرُقَ الهدايةِ والأسباب، نحمدُهُ على أن جعلَ النُّطفة علقَة، فخلقَ العَلقةَ مُضْغَة، فَخَلَقَ المُضْغَةَ عظاماً، وجَعَلَ أَصلَها التُّراب، سبحانه ما أعظم شأنه، خلقَ الخلقَ من ذكرٍ وأنثى، وجَعَلَهُ شعوباً وقبائل، فمنهم العصاة، ومنهم أولوا الألباب.
نشكرُهُ على أن أرسَلَ إلينا نبيَّاً وجيهاً في الدُّنيا والآخرة، شفيعاً لأهلِ الكبائرِ في الآخرة، وانتخبَهُ حقَّ الانتخاب.
ونشهدُ أنه لا إلهِ إلاَّ هو وحدَهُ لا شريكَ له العزيزُ الوهَّاب، ونشهدُ أنَّ سيّدَنا محمَّداً عبدُهُ ورسولُه، المؤيَّدُ بالحججِ القاطعة، والبراهين السَّاطعة، وفصل الخطاب.
أمّا بعد:
أيُّها النَّاس؛ انظروا إلى بدائعِ صُنْعَةِ ربِّكم، وعجائبِ حكمةِ مولاكم، كيف خلقَكُم من ذَكَرٍ وأنثى، ثمَّ جَعَلَ شعوباً وقبائلَ شتّى، وبعثَ عليكم
رسُلاً وأنبِياء، واجتبى منكم الأصفياء والأحباب، وسَهَّلَ لكم طريقَ النَّجاةِ والفلاح، ويَسَّرَ سبيلَ الهدايةِ للنُّفُوسِ والأرواح، وبَيَّنَ الحلال والحرام، وأوضح مشتبِهات الأحكام، وحَدَّ لكم حدود، فمَن تعدَّى حدود الله فأولئك من أهلِ العذاب.
فيا أيُّها الشُّيوخ؛ سيأتيكم هادمُ اللَّذَّات، ومُفرِّقُ الجماعات، فقد ذهبَ الشَّباب، فاتركوا اللَّهو واللَّعب، وانحرفوا عن المسرَّةِ والطَّرب؛ لتنالوا حُسْنَ مآب.
ما هذه الغفلة؟ وقد أتاكم الزَّاجِر!
وما هذه الغِشاوة؟ وقد نَهَركم النَّاهر، وهو الشَّيبُ بعد الشَّبَاب!
اتركوا الدُّنيا الدَّنية، فإنَّها جيفةٌ وطلاّبُها كلاب، زُيّن لكم حبُّ الشَّهوات من النساءِ والبنينَ والقناطيرِ المقنطرةِ من الذَّهبِ والفضّة، ذلك متاعُ الحياةِ الدُّنيا، واللهُ عنده حسنُ المآب (¬1).
ويا أهلَ الشَّبَاب؛ ذَهَبَ أوانُ الصّبا، وفاتَ زمانُ المسامحةِ والغنا، وجاءَ وَقتُ التَّكليفِ وامتثالِ أوامرِ الملكِ الوهَّاب، فإن كنتم تقصِّرونَ عن
¬
(¬1) إشارة إلى قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [الأنعام: 14].
الطَّاعةِ في هذا الوقت، ففي أيّ زمانٍ تُطيعون! وإن تصرفوا هذا الوقت في اللَّهو واللَّعب، ففي أيِّ وقتٍ تتيقَّظون!
اغتنموا أربعاً قبلَ أربع: الحياة قبل الموت، والصِّحَّة قبل المرَض، والغنا قبل الفقرِ، وقبلَ المشيب الشَّباب (¬1)؛ لئِلاَّ تقولوا حين الشَّيب: ليتَ الشَّبَابُ يعود، وهو لا يعود إلى أن يقوم يوم الحساب.
عليكم بقلَّةِ الطَّعام، وقلَّةِ المنام، وقلَّةِ الكلام، وهجرانِ المعاصي والآثام، ومواظبةِ الصّيام، ودوام القيام، واحتمالِ الجفاءِ من الأنام، وتركِ مجالسةِ السُّفهاء والعوام، وصحبةِ الصَّالحين والكرام، وأفشوا السَّلام، وأطعموا الطَّعام، وصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا باللّيل والنَّاسُ نيام، وحاسبوا أنفسَكم (¬2) قبل أن تحاسبوا، فإنَّ الله تعالى سريعُ الحساب، يُحاسبكم على كلِّ ذرَّة، ويُناقِشُكم على كلِّ خَصْلَة، وهو أعلم بحالكم، وعنده علم الكتاب.
اتركوا الذُّنوب بأسرها، وتوبوا من الصَّغائرِ والكبائرِ بكلِّها، فإنَّ المسلمَ مَن سَلِمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويدِه، والمجاهدَ مَن جاهدَ نفسَه،
¬
(¬1) إشارة إلى حديث ابن عباس - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرجل وهو يعظه: (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناءك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك)، في مصنف ابن أبي شيبة (7: 77)، والمستدرك (4: 341)، واللفظ له، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(¬2) في الأصل: أنفوسكم.
والمهاجرَ مَن هاجر ما نهى اللهُ ورسولُه (¬1)، وتذكَّرَ حسابَ يوم الحساب.
وإيِّاكم ثمَّ إيِّاكم أن تقعُوا في الغيبة، فإنَّها أشدُّ من الزِّنا، وانصروا إخوانكم، فإنَّ السَّاكتَ شريكُ المغتاب، قال النَّبيُّ صَلَّى الله عليه وَعلى آلهِ وَسَلَّم: (مَنْ ذَبَّ عن لَحْمِ أَخِيهِ كَانَ حَقَّاً على اللهِ أنْ يُعْتِقَهُ مِنَ النَّارِ) (¬2)، فمَن اغتاب أو سَمِعَها بُعِثَ يومَ القيامةِ مُهاناً مخذولاً، محاطاً مسؤولاً، وكان مآبه شرَّ مآب.
اللَّهم يا مالكَ الرِّقاب، ويا مُفَتّحَ الأبواب، نحنُ العُصاةُ المجرمون ظلمنا أنفسُنا واعترفنا بذنوبنا فلا تُناقشنا في الحساب.
والحمدُ لله العليِّ العظيم
أعوذُ باللهِ من الشَّيطان الرَّجيم: {حم، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ} (¬3).
* * *
¬
(¬1) إشارة إلى حديث: ابن عمرو، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) في صحيح البخاري (5: 2379)، وصحيح مسلم (1: 65)، وغيرهما.
(¬2) في مسند أحمد (6: 641)، ومسند الطيالسي (1: 227)، ومسند عبد بن حميد (1: 456)، والمعجم الكبير (24: 175)، وغيرها.
(¬3) من سورة غافر، الآيات (1 - 3)
الخطبة الأولى
للجمعة الرابعة من المحرّم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي خلقَ الإنسانَ من طين، وجعلَهُ نُطفةً في قرارٍ مكين، وجعلَ النُّطفَة عَلَقةً، فخلقَ العَلَقَة مُضغةً، فجعلَ المُضُغَةَ عظاماً، وشكَّلها بالشَّكلِ الحسين، وفضَّلَهُ على سائرِ مخلوقاته، وشرَّفَه بكريمِ خطابِه، فتبَاركَ الله أحسنُ الخالقين.
نحمدُهُ حمداً كثيراً، ونشكرُهُ شكراً جميلاً، ونستغفرُه، ونتوبُ إليه توبةً تُنجِّينا من العذابِ المهين.
أشهدُ أنه لا إله إلا هو وحدَهُ لا شريك له، وأنَّ سيِّدَنا محمَّداً عبدُهُ ورسولُهُ خاتم الأنبياء والمرسلين، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومَن تبعهم إلى يوم الدِّين.
أمَّا بعد:
إخواني وخُلاّني؛ اشكروا الله على نَعمائه، واحمدوا على آلائه، ولا تشركوا به شيئاً، فليس كمثله شيءٌ في السَّموات والأرضين، وتوكَّلُوا عليه في
كلِّ الأمور، ولا تضيِّعُوا الأعمار في طلب الأرزاق، فإنّه هو الرَّزاق ذوالقوَّة المتين.
أما قَرَعَ سمعكُم قولُهُ تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (¬1).
ولازموا الطَّاعة، واتَّقوه حَقَّ تُقاتِه، ولا تموتُنَّ إلاَّ وأنتم من المسلمين، فمَن اتَّقى نجا، ومَن خالفَه طغى، قال الله: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} (¬2)، وقال الله تعالى: {إِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (¬3).
واعلموا أنَّ التَّقوى ملاكُ الحسنات، ورأسُ الطَّاعات، وهو المنجِّي من البليَّات في الدُّنيا والدّين، وقال الله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} (¬4).
وعليكم بالتزامِ عُمُدِ الإسلامِ وأراكين الدّين، لاسيَّما الصَّلاة التي هي أربحُ البضاعات وأفضلُ الطَّاعات، فقد قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: (الصَّلاةُ عِمَادُ الدّين، فَمَنْ أقامَهَا أقَامَ الدّين، وَمَنْ هَدَمَهَا فَقد هَدَمَ الدِّين) (¬5).
¬
(¬1) من سورة هود، الآية (6).
(¬2) من سورة البقرة، الآية (197).
(¬3) من سورة العنكبوت، الآية (69).
(¬4) من سورة الطلاق، الآيتان (2،3).
(¬5) أورد الغزالي في الوسيط قال - صلى الله عليه وسلم -: الصلاة عماد الدين، فقال النووي: في التنقيح: هو منكر باطل، فردّ عليه ابن حجر في تلخيص الحبير (1/ 173)، فقال: وليس كذلك بل رواه أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاةعن حبيب بن سليم عن بلال بن يحيى قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله فقال: الصلاة عمود الدين، وهو مرسل رجاله ثقات. اهـ. وفي تخريج أحاديث الإحياء (1: 325) بعد ذكر كلام ابن حجر السابق، قال: له طرق أخرى بيَّنها الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف، وتبعه السيوطي في حاشية البيضاوي.
وقال صَلَّى الله عليهِ وسَلَّم: (بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ تَرْكُ الصَّلاة) (¬1).
وقال (مَن تَرَكَ الصَّلاةَ مُتَعَمِّدَاً فَقَدْ كَفَرَ) (¬2)، ولازموا أداءها بالجماعة، فإنَّها سُنَّةُ نبيِّكم، فلو أنكم صلَّيتم في بيوتكم لتركتم سُنَّةَ نبيِّكم، ولو تركتم
¬
(¬1) رواه الترمذي في كتاب الإيمان برقم (2543، 2544)، واللفظ له. ومسلم في كتاب الإيمان برقم (116، 117)، والنسائي في كتاب الصلاة برقم (460). وأبو داود في كتاب السنة برقم (4058). وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها برقم (1070). وأحمد في باقي مسند المكثرين برقم (14451،14650). والدارمي في كتاب الصلاة برقم (1205).
(¬2) في مسند أحمد برقم (26098) بلفظ: عن أُمِّ أَيْمَنَ أَنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: (لا تترك الصَّلاةَ متعمِّداً، فإنَّه من ترك الصَّلاةَ متعمِّداً، فقد برئتْ منه ذمَّةُ الله ورسوله). وفي تخريج أحاديث الإحياء (1: 327): قال العراقي أخرجه البزار من حديث أبي الدرداء بإسناد فيه مقال. انتهى. وقال الزبيدي: وعند الطبراني من حديث أنس: (من ترك الصلاة متعمداً، فقد كفر جهاراً)، قال الهيثمي: رجاله موثقون إلا محمد بن أبي داود الأنباري، فلم أجد ترجمته، وذكر ابن حبَّان: محمد ابن أبي داود البغدادي فما أدري هو أم لا. انتهى. وقال الحافظ: الحديث سئل عنه الدارقطني، فقال: راوه أبو النضر عن أبي جعفر عن الربيع موصولاً، ووقفه أشبه بالصَّواب. انتهى.
سنَّةَ نبيِّكم لضللتم، واستحققتم العتابَ المهين، وإيِّاكمُ ثمَّ إيَّاكم أن تتكاسلوا فيها، فمَن تكاسلَ فيها ولم يحافظْ عليها حُشِرَ مع فِرعونَ وهامانَ وقارونَ ورؤساء الشَّياطين.
وتذكَّروا يومَ السَّاعة: الحَاقَّة، وما أدراك ما الحاقة.
يومٌ عظيمٌ، كربُهُ شديد، هَولُهُ يُفْتَضَحُ فيه العُصَاةُ والمجرمون، ويندمُ فيه الباعدون المتخلِّفون.
يومٌ يحاسَبُ فيه على كلِّ نقيرٍ وقطمير، ويُنَاقَشُ فيه كلُّ صغيرٍ وكبير: فكم من شابٍّ ينادي: واشباباه، وكم من امرأةٍ تنادي: وافضيحتاه، وكم من ذي شيبٍ ينادي: وامشيختاه.
يومُ الذِّلةِ والمسكنة.
يومُ الفضيحة والغربة.
يومُ ازدحام الخلائق في صعيدٍ واحدٍ أجمعين.
فما حالك إذا حضرت عند الملكِ المقتدر، وعرضَ عليك كُلَّ صغيرٍ وكبيرٍ مُسْتَطَرٍ في دفاترِ الكرام الكاتبين، فإذا نظرتَ فيها رأيتها سوداً من ذنوبك، وقلت: ما لهذا الكتابِ لا يغادرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلاَّ أحصاها، فنكستَ رأسكَ وندمت، وعلمتَ أنّك من الهالكين، ثمّ سألك ربُّكَ:
عن مالكَ من أين اكتسبت؟
وعن عمرِكَ فيما ضيَّعت؟ فعند ذلك أيقنت بالهلاكِ إلاّ أن يرحمكَ ربُّكَ ويغفرَ ذنوبَك، أغفرُ الغافرين.
فاللهَ اللهَ عبادَ الله، اتَّقُوا اللهَ ولا تكونوا من الغافلين، ما هذه الجرأةُ على المعاصي! وما هذه الغفلةُ بارتكابِ المناهي! ألكمُ بَرَاءة من النَّار! أم أنتمُ في الدُّنيا من الخالدين!
وقولوا من صميم الفؤاد: اللَّهُمَّ يا رحمنُ يا جواد، نحنُ عبادُك العصاةُ المجرمون بذنوبنا معترفون، وعمَّا اكتسبنا نادمون، فاصفح عنَّا وارحمنا، واعفُ عَنَّا، ولا تجعلنا مع الظَّالمين، وأدخلنا الجنَّةَ برحمتك، وأنتَ أرحمُ الرّاحمين.
والحمدُ للهِ رَبِّ العالمين
أعوذُ باللهِ من الشَّيطانِ الرَّجيم: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} (¬1).
* * *
¬
(¬1) من سورة الزمر، الآية (2).
الخطبة الأولى
للجمعة الخامسة من المحرّم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي رفعَ السَّماء بغيرِ عماد، وبسطَ الأرضَ فراشاً، وخلقَ لها الأوتاد، سبحانه ما أعظمَ شأنه، خلقَ الخلق في ستَّةِ أيّام، وأحكمَ العالم بغايةِ الإحكام، ثمَّ استوى على العرشِ استواءً يليق بشأنه، وهو الكريم الجواد، أحمدُهُ حمداً على إنعامه، وأشكرُهُ شكراً على إحسانه، خلقَ الخلق، واصطفى منه بني آدم، واختارَ منهم العباد.
نشهدُ أنه لا إله إلا هو وحدَه، المُنَزَّهُ عن الشُّركاء والأنداد، ونشهدُ أنَّ سيِّدَنا محمَّداً عبدُهُ ورسولُه، رحمةً للعالمين، خاتمُ المرسلين، سيّدُ كُلِّ حاضرٍ وباد، صَلَّى اللهُ عليهِ وعلى آله وصحبِهِ صلاةً دائمةً إلى يوم التَّنَاد.
أمّا بعد:
أيُّها النَّاس؛ اتَّقوا الله حقَّ تُقاته، وحاسبُوا أنفسكم في صباحه ومسائه، وتيقَّظوا من الغفلةِ والرُّقَاد.
إلى متى هذه الجرأة؟
إلى متى هذه الغفلة؟
إلى متى هذا الرُّقاد؟
تنبَّهوا من نوم الغفلة، لا تلهكم عن ذكر اللهِ الأموالِ والأولادِ والأحفاد.
أما تعلمون أنَّ الدُّنيا دار فناءٍ وعُبُور، كُلُّ شيء فيه فانٍ بِمرورِ الدُّهُور إلاَّ وجهَ خالق العباد.
أما تعتبرون بمن مضى قبلَكم:
أين فرعونُ وهامان؟
أين شدَّادُ (¬1) ونُوشيروان؟
أين ثمودُ وعاد؟
أين سلاطينُ الدَّوران، وجبابرةُ الزَّمان؟
أين الذين جابُوا الصَّخرِ بالواد؟
¬
(¬1) لعلّه: شدّاد بن عاد بن ملطان الحميري القحطاني، ولي ملك صنعاء، فكان حازماً مغواراً، غزا البلاد إلى أن بلغ أرمينية، وعاد إلى الشام فزحف إلى المغرب، يبني المدن ويتخذ المصانع، ولما رجع إلى اليمن مضى إلى مأرب فبنى فيه قصراً بجانب السدّ، لم يكن في الدنيا مثله، ولما مات نقبت له مغارة في جبل شبام ودفن بها، ومعه جميع أمواله. ينظر: الأعلام (3: 232).
أين رؤساءُ البلد التي لم يخلقْ مثلها في البلاد؟
أين أحبابُكم وأقرانُكم؟
أين أصحابُكم وأمثالُكم؟
أين الآباءُ والأجداد؟
أما تعلمون أنَّ الدُّنيا خلقت لكم، وأنتمُ خلقتُم للآخرة، ستموتون كما ماتَ من قبلكم، وتفوتون كما فاتَ مَن كان معكم، الدُّنيا فانية، والآخرة باقية.
أما تعلمون أنَّ اللهَ يعلمُ سرَّكُم ونجواكم، لا تخفى عليه خافية، وأنَّ ربَّكم لَبِالمِرصَاد.
أما علمتم أنّكم تحضرون عند ربّكم، فيسألُكم ربُّكم عن كلِّ ما فعلتم، ويحاسبكم على ما اكتسبتم، ويناقشكُم على ما جرحتم، فإن أنكرتُم شهدتْ عليكم أعضاؤكُم على رؤوسِ الأشهاد، فيالها من حسرةٍ وندامة، تقولون عند ذلك: لئن رجَعنا إلى الدُّنيا لنكوننَّ من الشّاكرين، فيناديكم منادٍ: هذا رجعٌ بعيد، الآن وقد عَصَيْتُم من قبلُ وكنتم من أربابِ الفساد.
فاللهَ اللهَ عبادَ الله، اتَّقُوا اللهَ وامتثلوا بأوامره، وانتهوا عن مناهيه، وتوبوا ممَّا مضى لعلَّ الله يرحمكم، ويتجاوزُ عن ذنوبكم، وينجيّكُم من الحسراتِ يوم
الميعاد، واستغفروهُ في كلِّ وقت، وادعوهُ وأنتمُ موقنون بالإجابة، فإنَّ الدُّعاءَ العبادة (¬1)، وبه يرحمُ العباد.
وقولوا من صميم الفؤاد: يا الله يا رحمن، نَشُكوا إليك قسوةَ قلوبِنا، وكثرةَ ذنوبِنَا، وتَكاسُلَنا عن الطّاعات، وهجومَنا على المخالفات، فاعفُ عنَّا واصفح، وارحمنا يوم التَّنَاد.
والحمدُ لله الرَّب الحليم
أعوذُ باللهِ من الشَّيطان الرَّجيم: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ} (¬2).
* * *
¬
(¬1) إشارة إلى حديث: النعمان بن بشير عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الدعاء هو العبادة ثم قرأ: {وقال ربُّكم ادعوني أستجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين})، في جامع الترمذي (5: 456)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(¬2) من سورة الفجر، الآيات (6 - 8).
الخطبة الأولى
للجمعة الأولى من صفر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ الجليلِ الأكبر، لا رادَّ لما قضاه، ولا دافعَ لما قَدَّر، نحمدُهُ على أن كمَّلنَا خَلْقاً، وفضَّلَنَا خَلْقاً، من نطفةٍ خلقنَا فقدّرنا، ثمَّ السَّبيل يسَّرَنا، وبأحسنِ الصُّورِ صوَّر.
نشكرُهُ على أن بعثَ علينا نبيَّنا، هو سيَّدُ الأنبياءِ والمرسلين، فأخرجنا من حفرةٍ الهالكين وطهَّر، نشهدُ أنه لا إله إلاَّ هو وحدَهُ لا شريكَ له، صاحبُ القوى والقدر.
ونشهدُ أنَّ سيّدنا ومولانا محمَّداً عبدُهُ ورسولُه، صاحبُ الجاه والقدر الأبهر، صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وصحبِهِ ما دامت السَّماواتُ والأرض، ودارتِ الشَّمسُ والقمر.
أمّا بعد:
معاشر الحاضرين؛ تيقَّظوا من سِنَةِ الغفلة، واعتبروا بمجيء الشَّهرِ بعد الشَّهر، قد انقضي شهرُ الله المحرّم، وجاء شهر صفر، وهل هذا إلاَّ علاماتُ الرَّحيلِ والسَّفَر؟ أفلا تتدبَّرون أنَّ الدُّنيا زائلة، والأخرى دائمةٌ، والحياةُ
فانية، والقيامةُ قائمة، وكُلُّ مَن فيها على جناحِ السَّفر، فطوبى لمَن تَزَوَّدَ من دنياهُ لآخرتِه، ومن حياتِه لموتِه، ومن شبابِه لهرمِه، ومن صحتِهِ لسقمِه، وبشرى له يوم المحشر.
أيُّها الشَّباب؛ هذا آوان تحصيل الحسنات، واكتسابِ الطَّاعات، وإطاعة العَليِّ الأكبر، فإذا ذَهَبَ شبابُكم تحسَّرتُم على ما فاتكم، وتمنيَّتم ليتَ الشَّبابُ يعود، وهو لا يعودُ إلى الوقتِ المقدَّر، واحذروا من فتنةِ شبابكم، فإنَّه من مصائدِ الشَّيطانِ ومكائدِه، وقد قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: (مَنْ يَضْمَنُ لي اثْنَينِ أضْمَنُ لَهُ الجَنَّةَ: ما بَيْنَ رِجُلَيْه، وما بَيْنَ لَحْيَيْه) (¬1). فإيَّاكم ثمَّ إيّاكم أن تنهمكوا في اللَّذات، وتتَّبعوا الشَّهوات، وترتكبُوا الفحشاءَ والمنكر.
ويا أيُّها الشُّيوخ؛ ذهبَ الشَّبابُ وجاءَ المشيب، المخبرُ بقربِ الأجلِ المقُرَّر، فتوجَّهوا بطيبِ نفوسِكُم إلى مولاكم، واستغفروهُ بالصَّباحِ والمساءِ والسَّحَر، وعليكم بتقوى اللهِ في السِّرِّ والعلانية، واطلبوا رضاءه في كلِّ ساعة، فرِضوانٌ من اللهِ أكبر، وأقيموا الصَّلاةَ وآتوا الزَّكاة، وصوموا رمضان، وحجُّوا قبل أن لا يحجَّ البيتُ، وقبلَ أن تفاجئكم الدَّواهي هي أدهى وأَمَر، وطهِّروا قلوبكُم من الرَّذائلِ الخبيثة، والأوصاف الدَّنية: من الحسد، والكِبْر، والبُغْض، والفَخْر، فمَن صَلُحَ قلبُهُ صَلُحَ الجسدَ كلَّه، ومَن
¬
(¬1) رواه البخاري في كتاب الرقائق برقم (5993)، واللفظ له عن سهل بن سعد، والترمذي في كتاب الزهد برقم (2332). وأحمد في باقي مسند الأنصار برقم (2175).
فسَدَ قَلْبُهُ فَسَد جَسَدُهُ كُلُّه (¬1)، واستحقَّ السَّقَر، وعليكم بالتَّوكُّل في كُلِّ الأمورِ على اللهِ تباركَ وتعالى، فعنده أمُّ الكتاب، مَكتوبٌ فيه ما كان وما يكونُ إلى الأجلِ المقدَّر، لا تتحرَّكُ ذرَّةٌ إلا بإذنه، ولا تصيبُ مصيبةٌ إلاَّ بأمره، خلقَ كُلَّ شيءٍ بقدر.
وإيَّاكم من الشِّركِ والطِّيَرَة، وما منكم من أحدٍ إلاَّ وهو مبتلىً بها، ولكنّ الله يُذْهِبْهُ بِالتَّوكُّلِ على القضاءِ والقدر، وقد كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وَسَلَّمَ يُحِبُّ الفَألَ الحَسَنَ ويكرَهُ التَّطيرّ، وقال: (لا عَدْوَى ولا طِيَرَةَ ولا هَامَةَ (¬2) ولا صَفَر (¬3)) (¬4).
فاقتدوا بسيرةِ نبيِّكُم، واسلكوا سبيلَ من سلكَ من خياركم؛ لتنالوا
¬
(¬1) إشارة إلى حديث النعمان بن بشير - رضي الله عنه -: منه قال - صلى الله عليه وسلم -: (ألاَّ وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) في صحيح البخاري (1: 28)، وصحيح مسلم (3: 1219)، وغيرهما.
(¬2) هامة: واحدة الهام من الطير، وكانت العرب تقول: إن عظام الموتى تصير هاماً فتطير. ينظر: الفائق (2: 399)، وغريب الحديث لابن الجوزي (2: 501).
(¬3) ولا الصفر: كانت العرب تزعم ان في البطن حية يقال لها: الصفر، تصيب الإنسان إذا جاع وتؤذيه، وأنها تعدي، فأبطل الإسلام ذلك. ينظر: النهاية (3: 35)، وغريب الحديث لابن سلام (1: 25).
(¬4) رواه البخاري في كتاب الطب برقم (5306). واللفظ له. وابن ماجه في كتاب المقدمة برقم (83) وفي كتاب الطب برقم (3529، 3530). وأحمد في مسند المكثرين من الصحابة برقم (4545، 6773). وغيرهم.
الحظَ الأَوفرَ، فمَن اقتدى بنبيِّهِ وصحبِه اهتدى، ومَن خالفهم طغى، مَن اتَّبعَهم نجا، ومَن خَالفَهَم غوى، وصار سيِّء المقرَّ، حفظنا اللهُ وإيَّاكُم من الطِّيَرَة والشّركِ الأكبر والأصغر، وتجاوز عن ذنوبِنا وذنُوبِكم، ورحمنا ورحمَكم يومَ العرضِ الأكبر.
والحمدُ للهِ العليِّ العظيم
أعوذُ بالله من الشَّيطان الرَّجيم: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} (¬1).
* * *
¬
(¬1) من سورة القمر، الآية (17). وفي الأصل: ولقد أنزلنا القرآن للذكر فهل من مدكر.
الخطبة الأولى
للجمعة الثانية من صفر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله العَليِّ الجليل، الذي بَعَثَ علينا رسلاً وأنبياء، وأوضح لنا السَّبيل، نحمدُهُ حمداً كثيراً، ونشكرهُ شكراً جميلاً، على أن جعلَنا من أمَّةِ حبيبهِ وصَفيِّهِ وخيرِ خَلْقِه، الموصوفِ بالكرامة والتَّبجيل.
أشهدُ أنّه لا إله إلاَّ هو، وحده لا شريك له، تفرَّدَ بوحدانيَّتِه، وتَنزَّهَ عن الشَّريكِ والمثيل، وأشهدُ أنّ سيِّدَنا محمَّداً عبدُهُ ورسولُهُ المختصُّ بفصلِ الخِطاب، وفَضْلِ التَّنْزِيل، صلَّى الله عليه وعلى آلهِ وصحبِه، ومَن سلَكَ سواءَ السَّبيل.
أمّا بعد:
يا ابنَ آدم، يا غريبَ الدُّنيا، يا عابرَ سبِيل؛ كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ أو كعابِرِ سبيل.
إلى متى هذا التَّواني!
إلى متى هذا التَّعليل!
ما يمضي زمانٌ إلاَّ وينقُصُ فيه عُمُرُك، ويقرُبُ منك أجلُك، وما بقي من العُمُرِ إلاَّ قليل.
أما تعلمُ أنَّ الدُّنيا كأحلام نوم، أو ظلٍ زائل، أو سَنَادٍ (¬1) مائل، أو سَمٍّ قاتل، كم قتلت من قتيل؟
أما تعلمُ ما سيمرُّ عليك من الآفات والسَّكراتِ عند الرَّحِيل، كيف بك إذا أحاطتْ بكَ سكراتُ الموت؟ ووصلت إليك شدائدُ الفوت؟ وحضرتْكَ الملائكةُ المنادون بالرَّحيل، فإذا ارتحلت عَجَّلَ في تكفينكَ وتدفينكَ كُلُّ حبيبٍ وخَليل، وأنتَ تناديهم:
أين تذهبون بي إلى دارِ الوحشة، دارِ الغربة؟
أين تتركونني في بيتِ الحسرةِ والظُّلمة؟
وهم لا يسمعون ويهتمون بالتَّعجيل، فإذا أقبرك الأصحاب، وولَّى عنك الأحباب، أتاك ملكان أسودان أزرقان فظَّان غليظان، فيسألانِك: عن دينِك؟ وعن نبيّك؟ وعن ربّك الجليل؟ فإن أجبتَهم بالصَّوابِ ظفرتَ بالثَّواب، وإن زلَّتْ لسانُك، عذَّبوكَ بالعذابِ الوبيل.
فالعجبُ منك كلَّ العجبِ يا مسكين، أنت مع ذلك في اللَّذَّات، ومصرُّ على السَّيئات، لا تُبالي بقلِّةِ الزَّاد والحسنات، ولا تخشى المولى الجليل، أما إنَّ
¬
(¬1) سَنَاد: من سَنَد: وهو ما ارتفع من الأرض في قُبُل الجبل أو الوادي. ينظر: اللسان (3: 2114).
وراءكَ ناراً تَنْزِعُ اللَّحم، وتَخْرِقُ الجسد، كلَّما نُضِجَتْ جلودُ أهلِ النَّارِ بُدِّلوا جُلُوداً غيرها؛ ليذوقوا العذابَ الوبيل.
فعند ذلك يكثرُ البكاءُ والنَّحيب، وتعمُّهم النَّارُ واللَّهيب، ويكون العزيزُ في الدُّنيا كالعبدِ الذَّليل، فحينئذٍ تتأسّفُ كلَّ الأسف، ولا ينفعُ منكَ الأسف، ودمعُكَ على خدَّيكَ يسيل:
تقول: يا ليتني كنتُ تراباً.
أو تقول: يا ليتني كنتُ حَبَاباً.
أو تقول: يا ليتَ أُمِّي لم تلدني.
فيناديك منادٍ: هذا ما وَعَدَ ربُّك، فهل وجدتَّ ما وعدكَ ربُّك حقَّاً (¬1)؟ هذا جزاءُ ما اكتسبته، وضيَّعتَ العمرَ القليل.
فيا أخي؛ أَنصحكَ والدِّينُ النَّصيحة (¬2)، بتقوى الله خالق البريّة، وامتثالِ أوامرِه، والانتهاءِ عن نواهيه، كما ينقادُ العبدُ الذَّليلُ للمولى الجليل.
¬
(¬1) إشارة إلى قوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 44].
(¬2) من حديث: تميم الداري: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الدين النصيحة، قلنا: لمن قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) في صحيح البخاري (1: 30)،وصحيح مسلم (1: 74)، واللفظ له.
وإيَّاك ثمَّ إيَّاك من ذُنوبٍ مُهلكات، وعيوبٍ مُسقطات، لاسيما الغيبة، والنَّميمة، والتَّدابر، والتَّباغُض، والتَّحاسُد، والتَّنافس، والسُّخرة بالمسلمين، والشَّركةُ في إيذائهم، وتحقيرهم، والتَّذليل.
وحاسبْ نفسكَ قبل أن تُحاسب في كلِّ صباحٍ ومساء.
وناقشْ نفسكَ عند كلِّ غداةٍ وعشاءٍ.
وابْكِ عليها قبل أن تبكي بالبكاءِ والعويلِ، فمَن ندمَ على ما اكتسبه، وتحسَّرَ على خيرٍ فاته، وبكى على نفسِه، وتابَ إلى ربِّه؛ فازَ بالثَّوابِ الجميل.
وعليكَ بالاستغفارِ في ثُلُثِ اللَّيلِ الآخر، فذلك وقتٌ يَنْزلُ فيه رَبُّنا تبارك وتعالى إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيغفرُ للمستغفرين، ويقضي حاجات المحتاجين، ويرحمُ على كلِّ تائِبٍ وذليِل (¬1).
وعليك بقيامِ اللَّيل، فإنَّهُ دأبُ الصَّالحين، وطريقةُ الفالحين، فقد قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وَسَلَّمَ لعبد اللهِ بن عمر: (نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ لَوْ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيل) (¬2).
¬
(¬1) لحديث أبي هريرة: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (يَنْزل ربُّنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: مَن يدعوني فأستجيب له، ومَن يسألني فأعطيه، ومَن يستغفرني فأغفر له)، في صحيح البخاري (5: 2330)، وصحيح مسلم (1: 521)، واللفظ له.
(¬2) في صحيح البخاري (1: 378)، وصحيح مسلم (4: 1927)، وفيهما بدل: يقوم، يصلي.
وعليكَ بِقراءةِ القرآنِ في صلاةِ اللَّيلِ بالتَّرتيل؛ لعلَّ الله يسلكُ بك خيرَ سبيل.
وقولوا من خالصِ الفؤادِ قولَ العبدِ بحضرة المولى الجليل: يا اللهُ يا ستَّارُ يا جميل، اغفر لنا، وعافنا، واعفُ عنَّا، ونجِّنا من كلِّ كربٍ وتعبٍ وهمٍّ ثقيل.
والحمدُ للهِ ذِي الفضلِ العميم
أعوذُ بالله من الشَّيطان الرَّجيِم: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَقُولُ ءأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} (¬1).
* * *
¬
(¬1) من سورة الفرقان، الآية (17).
الخطبة الأولى
للجمعة الثالثة من صفر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله على حِلْمِهِ بعد علمِه، وعلى عفوِهِ بعد قدرتِه، يطَّلعُ على العصاةِ وهم في معاصيهم، فيتوبُ عليهم، ويسترُ عيوبَهم، وهو كثيرُ الغفران، خلقَ الإنسانَ وعَلَّمَهُ البَيَان، وهداهُ بإرسَالِ الأنبياءِ والرُّسُلِ ذوي العزمِ والشَّأن.
أحمدُهُ على أن بعثَ علينا سيِّدَ الأنبياء، خاتمَ الرُّسُل، وأَنْزلَ علينا القرآن، ووعدَنَا بالمُبَشَّراتِ والكرامات، ودخولِ الجِنان، ونشكرُهُ شكراً على أن رَفَعَ السَّماءَ بغيرِ عماد، وبسطَ الأرض، ووضعَ الميزان.
أشهدُ أنه لا إله إلاَّ هو وحدَهُ لا ضدَّ له، ولا ندَّ له، وهو الكريمُ المنَّان، وأشهدُ أنَّ سيّدنا محمَّداً عبدُهُ ورسولُه، لولاه لما كان ما يكون وما كان (¬1)، صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وصحبِهِ ما دارَ القمران.
¬
(¬1) لحديث: (لولاك لما خلقت الأفلاك)، قال الصغاني إنه موضوع. قال القاري في الأسرار المرفوعة (ص 288) بعد ذكر كلام الصغاني: لكن معناه صحيح، فقد روى الديلمي عن ابن عبَّاس - رضي الله عنه - مرفوعاً: (أتاني جبريل فقال: يا محمدّ، لولاك ما خلقت الجنة، ولولاك ما خلقت الناس)، وفي رواية ابن عساكر: (لولاك ما خلقت الدنيا). وقال العجلوني في كشف الخفاء (2: 214): معناه صحيح وإن لم يكن حديثاً. وفي المستدرك (2: 671): عن ابن عباس - رضي الله عنه -، قال: (أوحى الله إلى عيسى - صلى الله عليه وسلم -: يا عيسى آمن بمحمد، وأمر من أدركه مَن أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمَّد ما خلقت آدم، ولولا محمد ما خلقت الجنة ولا النار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه لا إله إلا الله محمّد رسول الله فسكن) قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وينظر: الآثار المرفوعة (ص 44).
أمّا بعد:
فيا أيُّها الثَّقلان من بني الإنسِ والجانِّ؛ انظروا إلى هذا الزَّمان، زمانِ شرٍ وطغيان، نَشُكو الغلاءَ وضيقَ المعاشِ والهوان، ولا نلتفِتُ إلى ما يصدُرُ مِنَّا من الذُّنُوبِ والعصيان.
قد انتهتِ أشراطُ السَّاعةِ إلى نهايتِها، ولم تبقَ علامةٌ من عَلاماتِ القيامةِ إلاَّ بلَغَتَ أقصاهَا كما أخبرَ بها سيِّدُ الإنسِ والجانّ (¬1): اتُّخذتْ الأمانةُ مغنماً، والزَّكاةُ مغرماً، ولُبِسَ الحرير، وكَثُرَ الشَّرير، وأطاع الرَّجلُ زوجَه، وبرَّ صديقَه، وجفا أباه وأمَّه، وقُطِعَتِ الأرحام، وظُلِمَت الأيتام، وبَلَغتُ الحُفَاةُ العُراةُ العَالةُ رِعَاءُ الشّاءِ يَتَطاولون في البنيان، قَلَّتِ الدِّيانة، ورُفِعَتِ الأمانة، وقُبِضَ العِلمُ بموتِ العلماء، والتُمِسَ العلمُ عند الأصاغرِ والجهلاء، وارتفعَ
¬
(¬1) الأخبار في ذكر أشراط الساعة مستفيضة، ينظر: صحيح البخاري (4: 1793)، وصحيح مسلم (1: 39)، وغيرهما.
الصِّدق، وكَثُرَ الكذب، وانهمَكْنا في الذُّنُوبِ والطُّغيان، تَدابَرْنا وتَحاسدْنا وتَباغضْنا وتَنافسْنا، وكَثُرَ فينا الرِّياء، وأكلُ الرِّبا، وارتكابُ الزِّنا، وسَمْعُ المزامير والغنا، وشُرِبَت الخمورُ بالسِّرِّ والإعلان.
فواللهِ لولا حرمةُ سيِّدِ بني عدنان؛ لَغَضِبَ علينا الرَّحمن، وخَسَفَ بنا المكان، ونَزَلَ بنا القذفُ والمسخُ والخسفُ والزِّلازلُ والهَوَان، ولولا مشايخٌ رُكَّع، وصِبيان رُضَّع، وبهائمٌ رُتَّع؛ لعوقِبنا بإحراقِ النِّيران (¬1).
فعليكم بالتَّوبةِ بخلوصِ النِّية، والتَّضَرُّعِ إلى الله بصِدقِ الطَّويَّة، لَعَلَّ اللهَ يرحمنا، ويغفرُ ذُنوبَنا، ويدخِلُنا دارَ الجِنَان، ولا تغتروُّا بحلمِ اللهِ ورَحمتِه؛ فإنَّه تعالى شديدُ البطش، قويُّ الأخذِ لا يعجزُهُ شيءٌ دون شيءٍ، كُلَّ يومٍ هو في شأن، ولا تقنطوا من رحمتِه، إنَّه يغفرُ الذُّنُوبُ جميعاً، إنَّه هو الغفورُ المنَّان،
وإيّاكُم ثُمَّ إيّاكُم أن تقومَ السّاعةُ أو تفاجئَكم العلاماتُ الكبرى، وأنتم في اللَّذاتِ مُنْهَمِكُون، فتكونون كمن قال الله تعالى في حَقِّه: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} (¬2).
¬
(¬1) لحديث أبي هريرة: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (مهلاً عن الله مهلاً؛ لولا شباب خشع، وشيوخ ركع، وأطفال رضع، وبهائم رتع، لصبّ عليكم العذاب صبَّاً) في مسند أبي يعلى (11: 287)، والمعجم الكبير (22: 309)، والأوسط (6: 327)، والآحاد والمثاني (2: 210)، وسنن البيهقي الكبير (3: 745)، قال البيهقي: وفيه: إبراهيم بن خيثم وليس بالقوي، وله شاهد بإسناد آخر غير قوي.
(¬2) من سورة الأنبياء، الآية (1).
فهذا زمانٌ قَرُبَ منه قيام يومِ القيام، واقتربَ ظهورُ الإمام المهديّ، محمَّدِ بنِ عبدِ الله، إمامِ آخرِ الزَّمان، وما أدراكُمْ لعلَّه يَظْهَرُ في هذه المئة،
ويخَرُجُ في عصرِهِ الدَّجال، وخروجُهُ وقْعَةٌ داهيةٌ شدِيدُ الامتحان، ما مضى نبيٌّ من الأنبياء إلا أنذرَ قومَهُ مِن فتنتِه (¬1)، ودَاوَمَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَليه وسلَّم على التَّعوذِ من فِتْنَتِهِ في صلاتِه (¬2).
وأَخْبَرنا عنْ أحوالِهِ وعلاماتِه: وأنَّهُ يخرُجُ من نَّواحي خُراسَان، يَتْبَعُهُ جَمٌّ غفيرٌ من يهودِ أصبهان، عليهمُ الأرديةُ والطَّيلسان (¬3)، ويدَّعي الرُّبوبية، وتَصْدُرَ عنه خَوارِقُ العاداتِ امتحاناً للإنسِ والجانّ، فيأمرُ السَّحابَ أن يُمْطرَ فَيُمْطِر، والأرض يَزْرَعُ فيَخْضَرّ، معه جنَّةٌ ونار، مَن كَفَرَ به أدخلَهُ نارَهُ وهو الجنَّة، ومَن آمن به أدخلَهُ جَنَّتَهُ وهو النِّيران.
عن شِمالِهِ ويمينِهِ مَلَكَان، فيقولُ للنَّاس: أتؤمِنونَ إن شَهِدَ بِربوبيَّتي المَلَكَان، فيقولون: نعم، فيقول: ألستُ بربِّكمُ؟ فيقولُ مَلَكُ اليمين: كذبت،
¬
(¬1) كما في حديث أنس، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ما بعث الله من نبي إلا أنذر قومه الأعور الكذاب إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور مكتوب بين عينيه كافر) في صحيح البخاري (6: 2695).
(¬2) منها: ما رواه أبو هريرة، قال النبي: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وعذاب النار، وفتنة المحيا والممات، وشرّ المسيح الدجال) في صحيح مسلم (1: 413)، وغيره.
(¬3) الطيلسان: تعريب تالشان وجمعه طيالسة، وهو من لباس العجم مدّور أسود. ينظر: المعرب (ص292).
ولا يَسْمَعُهُ النَّاس، ويقولُ مَلَكُ الشِّمالِ لِمَلَكِ اليمين: صَدَقت، ويَسمَعَهُ النَّاس، فيظنُّونَ أنَّهُ صَدَّقَ الدَّجَّال، فيؤمنون به، فيالَهُ مِن خُسرَان.
يَسبَحُ في الأرضِ سَبْحَاً، ويسيرُ المشارقَ والمغاربَ في أربعينَ يوماً؛ يومٌ كسَنَة، ويومٌ كشهر، ويومٌ كجمعة، وَّباقي الأيَّامِ كأيَّامِكُم إلى أن يَنْزِلَ سَيِّدُنَا عيسى على نَبِيِّنا وعليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فيقتله، وينجِّي من بلائِهِ أَهْلَ الإيمان، فعند ذلك يكونُ الدِّينُ كُلُّهُ لله، يَرْفَعُ الجِزْيَة، وَيَقْتُلُ الخِنْزير، ويكسرُ الصَّليب، ولا يقبلُ إلاَّ الإيمان، وقد أوصانا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ على ما ورد عنه بالسَّنَدِ المحكم: أنَّ مَن أدركَهُ مِنكم فَلْيُبَلِّغْ سَلاَمِي عَليه (¬1).
وكذلك أوصى أبو هريرة رضي الله عنه ـ من أجِلَّةِ الصَّحَابة ـ أن يبلَّغَ سلامُهُ إليه فاحفظوا هذه الوصيَّة، وبَلِّغُوها إلى أولادِكم ومَن يخلفكم، فمَن بقيَ إلى زمانِه، وأدرك أوانَهُ فليبلِّغْ سلامَ نبيِّنا صلَّى اللهُ عليه وَسَلَّمَ وَصَاحِبِه أبي هريرةَ إلى سيِّدنا عيسى على نبيِّنا وعليه صلاةُ الرَّحمن.
وقولوا من خُشُوعِ القلبِ وصدقِ اللّسان: اللَّهُمَّ يا رحمن، يا منَّان، يا
¬
(¬1) عن أبي هريرة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (يوشك المسيح عيسى بن مريم أن يَنْزلَ حكماً قسطاً وإماماً عدلاً فيقتل الخنْزير ويكسر الصليب وتكون الدعوة واحدة فاقرؤه أو أقرئه السلام من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحدثه فيصدقني فلما حضرته الوفاة قال أقرؤوه مني السلام) في مسند أحمد (2: 394)، واللفظ له، وأصله في صحيح البخاري (2: 875)، وصحيح مسلم (1: 135)، وغيرها. وينظر: مجمع الزوائد (8: 205).
أرحمَ الرّاحِمِين، يا عمِيمَ الغُفران، اغفر لنا وارحمنا، ولا تهلِكنَا بِذنُوبِنا، ونَجِّنَا من البَلاءِ والخسران.
والحَمدُ للهِ الرَّبِّ الكريم
أعوذُ باللهِ من الشَّيطانِ الرَّجيِم: {الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْءانَ، خَلَقَ الإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} (¬1).
* * *
¬
(¬1) من سورة الرحمن، الآيات (1 - 4).
الخطبة الأولى
للجمعة الرابعة من صفر
يُذكر فيها قدوم الحُجَّاج
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ الكريم التَّوَّاب، مُسَبِّبِ الأسباب، ومُفَتِّحِ الأبواب، الذي اصطفى لجِنَّتِه عبادَا، وعَهِدَ مَوَاسِمَ وأعياداً؛ لقربِهم من ذلك الجَنَاب.
نحمدُهُ حمداً على أن جَعَلَ البيتَ العتيقَ قِبلةً للأنام، ونادى بِلسَانِ خَليلِه في النَّاسِ بالحجِّ فأجابُوه من كلِّ مَرْمىً سحيق، ووَعَدَ لهم جزيلَ النّعَمِ وأحسنَ الثَّواب.
ونشكرُهُ على أن سَهَّلَ لهم الطَّريق، فتركوا الأولادَ والأحفاد، ووصَلُوا إليه من كلِّ فَجٍّ عميق، ونالوا حسن مآب.
أشهدُ أنه لا إله إلاَّ هو وحدَهُ لا شريك له، شهادةً تُدْخِلُنا دارَ الثَّواب، ونشهدُ أنَّ سيّدَنا محمَّداً عبدُهُ ورسولُه، الذي تشرَّفَ عُنْصُرُهُ وطاب، صَلَّى اللهُ عليه وعلى آله وصحبه أولي الألباب.
أمّا بعد:
أيُّها النَّاس؛ هنيئاً لمَن وَفَّقَهُ اللهُ تعالى بحجِّ بيتِهِ الحرامِ في هذه السَّنةِ الماضية، وشرَّفَهُ بِزيَارةِ قَبرِ نَبيِّه، وحضورِ ذلك الجَنَاب، وسَهَّلَ له السَّبِيل، ويَسَرَّ عليه السَّفَرَ الطَّوِيل، فتركَ الأموالَ والأولادَ والأحباب، فَوَصلَ إلى البيتِ العتَيق، ونودِيَ عند طَوَافِه: إنَّكَ من النَّارِ عَتِيق، وإنَّكَ نَاجٍ من العذاب، وأقَاَمَ في الحَرَمِ المحترم، فَقُبِلتْ حَسَناته، وحُطَّتْ سَيئاتُه، وفازَ بِلطائِفِ النِّعمِ وحُسنِ الثَّواب، ورَاحَ في أيّامِ الموسِم إلى مِنى فَظَفَرَ بالمُنى، ثُمَّ إلى عَرَفَات فنوديَ بِغُفران السَّيئاتِ والتَّبِعَات، وأدَّى أركانَ الحجِّ على ما أمَرَهُ اللهُ ورسولُه، فصارَ كيومِ وَلدَتْهُ أمُّه، آمِناً من العِقَاب.
فلمَّا فَرَغَ من أداءِ المناسِكِ حَرَّكَ نُوْقَ الشَّوقِ إلى زِيَارةِ مَن بزيارتِهِ يُرْحَمُ الكِبارُ والصّغَار، ويحصلُ لزِائرهِ العزُّ والفَخَارُ وشرفُ الخِطاب، فوصلَ إلى تِلكَ الحضرةِ المنيعة، وفازَ بزيارةِ تلك الأماكن الشَّريفةِ بِالدَّرَجَاتِ الرَّفيعة، وَعُدَّ ممَّن طَهُرَ من الذُّنُوب، وصَفَى قلبُهُ من العُيُوب، ودعاؤهُ مجاب.
ثُمَّ يَسَّرَ اللهُ له العودَ إلى موطنِه، وَسهَّلَ له الرُّجوعَ إلى مَسكَنِه، وتلاقَي الأقرانِ والأحباب، فطوبى له، وبشرى له بنيلِ الثَّواب.
فيا أيُّها الذينَ تَخَلَّفوا عن اكتسابِ هذه الفضيلة، تَلَقُّوهم أحسنَ لقاء، وحيُّوهم أحسنَ تحيَّة، وقوموا بخدمتهم؛ لقربِ عهدِهم بتلك الأماكنِ العليَّة؛ لعلَّ الله يرحَمَكم، ويُخَفِّفَ عنكم الحساب، واطلبوا منهم الاستغفار،
فإنَّ دعاءهم مستجاب، فقد وردَ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ أنَّه قال: (اللَّهُمَّ اِغْفِرْ للحَاجِّ وَلِمَنْ اسْتَغَفَرَ لَهُ الحَاجّ) (¬1).
ويا أيُّها الحاجّ؛ أوصيكَ كلَّ الوصيَّةِ أن لاَّ تُدَنِّسَ حَجَّكَ بالخطيئة، وأن لا تضيِّعَ عُمُرَكَ في اكتسابِ السَيِّئة، والزمْ الجَهَادَ في العبادةِ والتَّوبةِ والإنابة، فهو علامةُ قبولُ العبادة، وإيَّاكَ ثُمَّ إيَّاكَ أن تكونَ الآن كما كنتَ قبل الحجَّة، وتكسِبَ ما كنت تَكسِبُهُ قبل الزِّيارة، فإنَّ اللهَ شديدُ البطش، سَرِيعُ الحِساب.
واغتنموا أربعاً قبل أربع: الحياةَ قبل الموت، والصحَّةَ قبل المرض، والغناءَ قبل الفقر، وقبل المشيبِ الشَّباب (¬2)؛ لئلاَّ تقولوا حين الشَّيب: ليتَ الشَّبابَ يَعود، وهو لا يعود إلى أن يقومَ يومُ الحساب.
وارفعوا أكفَّ السُّؤالِ إلى حضرةِ المتعالِ قائلينَ: اللَّهُمَّ يا كريمُ يا توَّاب، اغفرْ لنا وارحمنا، وارزقنا حجَّ بيتِكَ الحَرَام، وزيارةَ قبرِ نبيِّك عليه الصَّلاةُ والسَّلاَم، وأدخلنَا الجَنَّةَ بغير حساب.
والحمدُ للهِ الرَّبِ الرَّحيم
أعوذُ بالله من الشَّيطَان الرَّجيم: {حم، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ} (¬3).
¬
(¬1) في المستدرك (1: 609)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وفي المعجم الصغير (2: 236)، وسنن البيهقي الكبير (5: 261).
(¬2) سبق تخريج الحديث الذي يشير إليه (ص26).
(¬3) من سورة غافر، الآيات (1 - 3).
الخطبة الأولى
للجمعة الخامسة من صفر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي دَلَّتْ كُلُّ ذَرَّةٍ على قدرتِهِ القديمة، وشهِدتْ كُلُّ نَمْلَةٍ بِصنعتِهِ الحَكيمة، أمَرَ الشَّمسَ فتَطْلُعُ وتغيب، وأنْبَتَ في الأرضِ من كُلِّ زوجٍ بهيج؛ تبصرةً وذِكرى لِكُلِّ عبدٍ منيب.
نحمدُهُ سبحانَهُ وتعالى، ما أحْلَمَه! كيف يعصيهِ الخلقُ وهوَ لا يَقْصُرُ في التَّربيب! وأشكرُهُ شكراً، كيف يَطَّلعُ على ذُنُوبِ الخلقِ ويَحْلُمُ! وهو من حبل الوريد قريب!
نشهدُ أنّه لا إله إلا هو وحدَهُ لا شريك له، يسمعُ دعاءَ الدَّاعِ إذا دعاهُ ويجيب، ونَشهدُ أنَّ سيِّدَنا مُحمَّداً عبدُهُ ورسولُهُ يشفعُ ذنوبنا، وهو في حقِّنا طبيب.
أمّا بعد:
أيّها النّاس؛ يأتي عليكم شهر، ويذهبُ شهر، وهذا من علامات الرَّحيل والسَّفر، وها قد أذِن منكم في الرَّحيل الصَّفَر، وأَذَنَكم بقربِ الرَّحيلِ
والسَّفر، وسَيظِلُّكُم شهرُ ربيعِ الأوَّل، شَهرٌ وُلِدَ فيهِ سيِّدنا محمَّدٌ الشَّفيعُ الحبيب.
فاتركوا التَّكاسُلَ عن الطَّاعات، واقصروا عن الخطيئات، فمَن تابَ وأناب فازَ بحسنِ المآب، ومَن غَفَلَ ونامَ بعثَ يومَ القيامِ وهو مغمومٌ كئيب، عليكم بإقامةِ الأركان، واستقامة اللِّسان، ما تلفظون من قولٍ إلاَّ لديهِ رقيب، عليكم بتركِ الدُّنيا الدَّنيَّة، والتَّوجُّهِ إلى خالقَ البَريَّة، أما قَرَعَ سَمعَكُم ما قال نبيُّكُم، وهو لمرضِكُم طبيب: (كُنْ فِي الْدُّنِيا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ) (¬1).
عليكم بجمعِ الزَّادِ لسفرِ الآخرة، أما سمعتم قولَهُ تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} (¬2).
أيُّها الشُبَّان؛ أما تنظرونَ إلى تقلُّبِ الزَّمَان، يموتُ أحبابُكم فوجاً بعد فوج، وتصيبُكم المصائبُ والبَلايَا موجاً بعد موج، أفلا تعتبرون، إنَّ هذا الأمر عجيب.
ويا أيُّها الشُّيوخ؛ أما تنظرونَ البياضَ بعد السَّواد، قد أتاكم ما يؤذنكم بقربِ الموت، ودُنُوِّ أوانِ الفوت، لا يبيضُّ شَعرٌ إلاَّ قال لقرينه: استَعِدَّ للرَّحيلِ أيُّها الغريب، وأنتم في الغَفَلاتِ لاعبون، وفي اكتسابِ السَّيِئاتِ
¬
(¬1) رواه البخاري في كتاب الرقائق برقم (5937). والترمذي في كتاب الزهد برقم (2255). وابن ماجه في كتاب الزهد برقم (4104)، وغيرهم.
(¬2) من سورة الشورى، الآية (20).
منهمكون، إنَّ هذا الأمر عجِيبٌ، تفكَّروا فيما بعد الموتِ إذا أقبركم الأحبابُ وَوَلَّى عنكم الأصحابُ، وجاءَكم الملكانِ الأزرقانِ الأسودانِ السَّائِلان: مَن رَبُّكَ؟ وما دِينُك؟ شَكْلُ كُلٍّ مّهيبٌ.
فمَن ماتَ تَائباً من الذُّنُوبِ نجا من الكروبِ، ونام كنومِ العروسِ لا يَبْعَثُها إلاَّ الكريمِ المجيبِ.
ومَن ماتَ متلطِّخاً بِالرَّذائِل، تَحيَّرَ عند المسائلِ، وصارَ كالمهمومِ المغمومِ المحزونِ الكئِيب، وبعد ذلك إذا نُفِخَ في الصُّورِ وبُعِثَ مَن في القبورِ، حضرَ كُلٌّ عند الملكِ الحَسيبِ، هو يومٌ عظيمٌ كرَّبُه شديدٌ هولُهُ.
فكم من شابٍ يُّنادِي: واشباباه!
وكم من امرأةٍ تنادي: وافضيحتاه!
وكم من وجهٍ صبيحٍ، ولسانٍ فصيحٍ، يقولُ: واويلاه!
وكم من شيخٍ يُنادِي: وامشيِباه (¬1)!
فالواجبُ على العاقِلِ أن لا ينسى هذه الأحوال، ويترُكَ محقَّراتِ الأفعالِ، ويَتَذَكَّر يوماً الأرضُ فيه مهيلٍ كثيبٌ، ولا تَظُنَّنَ بُعْدَ ذلك اليومِ، فَقَد ظهرَتِ العلاماتُ الصُّغْرَى، وَلم يبقَ إلاَّ البطشةُ العظمى، وهو بطشةُ الدَّجَّالِ الأعورِ، فما أدراكُم لعلَّه يخرجُ في هذه المئةِ الحاضِرة، فيأخُذُكُم،
¬
(¬1) في الأصل: وامشيب.
ويطلبُ منكم تصديقَهُ، فمن آمن به دَخَلَ النَّار، ومَن كفرَ به فازَ بأعلى النَّصيبُ،
فهلْ من مُستَغفِرٍ يستغفرُ؟
وهل من تائبٍ يَتوبُ؟
وهل من لَبيب؟
اللهمِ إنَّا عبادٌ ضعفاءٌ مجرمونَ لا تأخذنا بذُنوبِنا، واغفر لنا ذُنُوبنا يا سامعَ الدُّعايا، وهو قريبٌ.
والحمدُ لله ذي اللُّطفِ العميم
أعوذُ بالله من الشَّيطانِ الرَّجِيم: {اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} (¬1).
* * *
¬
(¬1) من سورة الشورى، الآية (17).
الخطبة الأولى
للجمعة الأولى
من شهر ربيع الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي أرسلَ في هذه الدَّارِ النُّفُوسَ الدَّاعية، وهدى بهم الأُمَمَ الطَّاغية، فسبحانَهُ من إلهٍ خلقَ الخلقَ ليعبدوه، ما يريدُ منهم من رزق، وما يريدُ أن يطعموه، وأرسلَ عليهم رسلاً مبشِّرين ومنذرين، رَهَّبُوهم من النَّار، ورغَّبوهم إلى الجَنَّات العالية.
أحمدُهُ حمداً كثيراً، وأشكرُهُ شكراً جميلاً؛ على أن اختارَ من بينهم سيِّدَ ولدِ آدمَ نبيَّنا محمِّداً، ذا الحججِ السَّاطعة، فلولاه لمَا خُلِقَ ما سواه (¬1)، ولما دارتِ الأفلاكُ الدَّائِرة، ولا طارتِ الطُّيورُ الطَّائِرة.
نشهدُ أنه لا إله إلاَّ هو وحدَهُ لا شريك له، فضَّلَ نبيَّنا على جميع الأنبياء والمرسلين، وفضَّلَ أُمَّتَهُ على سائر الأُمَمِ الماضية، ونشهدُ أنَّ سيِّدنا محمَّداً عبدُهُ ورسولُه، ما وَلَدَت امرأةٌ مثيلَه، ولا تلدُ نظيرَهُ الوالدة.
¬
(¬1) سبق تخريج الحديث الذي يشير إلى ذلك (ص 44).
أمّا بعد:
عبادَ الله، اشكروا على نَعماءِ الله، إذ كنتم على شفا حفرةٍ من النَّار فأنقذَكم منها، وأورثَكم الجنَّةَ العالية، وجعلكم من أمَّةِ نبيِّه وحبيبِه، وخَصَّكُم بمزيدِ فَضْلِهِ ولُطْفِه، فكنتم خيرَ أمَّةٍ أخرجتْ للنَّاس، تأمرون بالمعروف، وتنهونَ عن المنكر، وصِرْتُم أمَّةً وسطاً؛ لتكونوا شهداءَ على النَّاس، ويكون الرَّسولُ عليكم شهيداً يومَ المَحْشَر، فياله من نعمٍ مُتواليةٍ ومُتتالية.
والذي نفسي بيده لو كان كلُّ شعرةٍ لسَاناً، وكلُّ جزءٍ جَنَاناً، لما قدرنا على شكرِهِ لهذه النِّعْمِ السَّائلة، ولقد أظلَّكم هذا الشَّهر: شهرُ ربيعٍ الأوَّل، شهرٌ وُلِدَ فيه الحبيبُ الشَّفيعُ الأكمل، على أصحِّ الأقوالِ الرَّاضية، فأكثروا فيه الصَّلاةَ والسَّلامَ على سيِّدِ الأنام، والزموا إطاعته في الحلالِ والحرام، فمَن أطاعه نجا، ومَن خالفَه واتَّبعَ الهوى سَلَكَ إلى النَّارِ مع الأُمَمِ الطَّاغية.
فقد قال اللهُ تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ} (¬1).
وقال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ} (¬2).
وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ} (¬3).
¬
(¬1) من سورة النساء، الآية (64).
(¬2) من سورة النساء، الآية (80).
(¬3) من سورة آل عمران، الآية (31).
وقال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} (¬1).
فهذه نصوصٌ أوجبتْ إطاعةَ الرَّسول، ودلَّت على وجوبِ اتِّباعهِ بالدَّلالةِ الظَّاهرة، فالزموا عليكم اتباعَ شريعةِ نبيِّكُم، واتركوا ما مال إليه هواكُم وطَبْعُكم، فمَن آثرَ عِبَادَةَ نفسه، وترَكَ طَاعَةَ ربِّهِ ورسولِهِ حُشِرَ مع الأشقياء، ومَن اتَّبعَهُ حشرَ مع نبيِّه، ونالَ الرِّفاقةَ العالية.
وإيَّاكم ثمَّ إيّاكم أن تأخذُوا بالبدعات، فإنَّ العملَ القليلَ من سُنَّةٍ خَيرٌ من عملٍ كثيرٍ في بدعةٍ واهية.
وإلى اللهِ المشتكي من هذا الدَّهر، دهرِ الفسادِ والشَّر، أطبقَ الجهلُ العالَم، وماتَ بموتِ العلماءِ العالَم، اتَّخَذَ النَّاسُ جُهَّالهم فقهاء، وظَنُّوا مَن لا فقه له من العلماء.
ترى النَّاسَ يستفتون من الأئمَّةِ المضلِّين، معتقدين أنَّهم من الهادين المهديين، وهم يفتونهمٍ بغيرِ هادٍ ودليل، فضلُّوا وأضلُّوا كثيراً عن سواءِ السَّبيل.
ترى النَّاسَ وقعوا في الورطةِ الظَّلماء، والوقعةِ الصَّمَّاء، وتمسَّكُوا بالبدعات الفاشية، يقولون: كيف نتركها وكان أباؤنا يفعلون؟ أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون.
¬
(¬1) من سورة النساء، الآية (69).
ترى النَّاسَ زعَموا البدعةَ سُنَّةً فالتزموها، والسُنَّةَ بدعةً فهجروها،
فالآن قد توالت أشراطُ السَّاعة الآتية، وسيفاجئُكُم خبرُ خروجِ الدَّجالِ الأعور، وخروجُهُ وقعةٌ داهية.
فيا أخواني تضرَّعوا إلى الله، وقولوا من صميمِ الفؤاد: اللَّهُمَّ إنَّا لسنا براضينَ ممَّا يفعلون، فلا تأخذْنا بذنوبِهِم، وأدخِلنا الجَنَّاتِ العالية.
والحمدُ للهِ العلي الرَّحيم
أعوذُ بالله من الشَّيطان الرّجيم: {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ، فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ، قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ، كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} (¬1).
* * *
¬
(¬1) من سورة الحاقة، الآيات (20 - 24).
الخطبة الأولى
للجمعة الثانية
من شهر ربيع الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي بحكمتِهِ استقرَّتِ الأَرَضُون، واستقلَّتِ السَّماوات، خلقَ خلقاً لا يعلمُهُ إلاَّ هو، وأسكنَهُ في الطَّبقات، فسبحانه وتعالى من مَلِك، لمَّا قال: كُن، ذَلَّت له الأرضونَ والسَّماوات.
نحمدُهُ على أن جَعَلَ لنا الأرضَ مَسكناً ومدفناً، منها خلقنا، وفيها يعيدُنا، ومنها يُخرجُنا، خلقَ لها أوتاداً تُسَكِّنُها؛ وهي الجبالُ الرَّاسيات.
ونشكرُهُ على أن قدَّرَ لعباده الموت، يصلُ كُلٌّ إلى جزاءِ ما اكتسبَه، ويعطي كُلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فيدخُلُ الأبرارَ جنَّاتٍ تجري من تحتها الأنهار، فيها نِعَمٌ لا عينٌ رأت، ولا أُذُنٌ سمعت، ولا خطرتْ في المدركات.
ونشهدُ أنَّه لا إله إلاَّ هو وحدَهُ لا شريك له، بَعَثَ علينا نبيِّاً رؤوفاً رحيماً، سيّدَ ولدِ آدَم، وأشرفَ المخلوقات، ونشهدُ أنَّ سيِّدَنا محمَّداً عبدُهُ ورسولُهُ، الذي شَهِدَتْ برسالتِهِ الأشجار، وسلَّمت عليه الأحجار، وأقرَّ بفضلِهِ مَن في الأرضِ ومَن في السَّماوات.
أمّا بعد:
إخواني وخُلاَّني؛ ما هذه الغفلة؟ وما هذه النّيامُ في هذه الدَّار؟ دارِ المِحَنِ والأكدار، دارٌ لم يأتِ أحدٌ فيها من بابٍ إلا خرجَ من بابٍ، دارٌ لا يبقى فيها أحدٌ بملكِه، ولا يَخْلُدُ فيها أحدٌ بفضلِهِ انظروا إلى الأمور الفانيات.
أين آباؤكم وأبناؤكم؟
أين أحبابُكم وأقرانُكم؟
أين مَن كان يصاحِبُكُم ويُجالِسُكُم؟
أين مَن كان معكم في الأيامِ الماضيات؟
أين فرعونُ وهامان؟
أين شدَّادُ ونوشيروان؟
أين بُخْتُ نصَّر واسكندرالزَّمان؟
أين الحكيمُ لقمانُ والنَّبيُّ سليمان؟
هل منعَ أحَدٌ ملكَ الموت؟
هل دَفعتِ القُوَّةُ والسَّلطنَةُ عنهم الفوت؟
لم يبقَ منهم اسمٌ ولا رسمٌ إلاَّ الباقياتُ الصَّالحات، والذي نفسي بيده لا يتركُ ملكُ الموتِ أحداً، بارَّاً كان أو فاجراً، عاشَ آدمُ ألفَ سنةٍ ثمَّ ارتحلَ من الدُّنيا هاجراً، وعاشَ نوحٌ أزيدَ من ألفِ سنةٍ فلمَّا جاءهُ الموتُ لم يستأخِرْ
زماناً ولا آناً، ولو أنه بقيَ أحدٌ في الدُّنيا لبقيَ نبيُّنا محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وسلَّم، صاحبُ الآيات والمعجزات، قد خَيَّرَهُ اللهُ بين أن يختارَ زهرةَ الدُّنيا وبين أن يختارَ ما عند اللهِ تعالى، فاختارَ ما عنده، وآثرَ على الحياة الممات.
وقد وردَ في الأخبارِ عن الأئمَّةِ الكبار أنه آتاهُ جبريِل، فقال: يا نبيَّ اللهِ الجنَّةُ لك تزيَّنت، وأبوابُ النِّيرانِ غُلِّقتْ، والحور العينُ لك انتظرت؟ فقال: يا جبريل ما حالُ أُمَّتي بعدي من العصاة، فطار المَلَكُ الجليلُ إلى المَلِكِ الخليل، وعاد إليه، وقال: إنَّ اللهَ يقول: أغفرُ منهم مَن تابَ قبل موتِهِ بشهر، فقال: يا جبريل، مَن يعلمُ أنَّ حَيَاتِي باقٍ، فذهبَ جبريلُ وعادَ إليه، وقال: إنَّ اللهَ يقول: أتجاوزُ عنهم إن تابوا قبل ثمانيةِ أيام، فلم يرضَ به وأعادَه، فعادَ وجاءَ بأنَّ اللهَ يقول: أغفرُ إن تابوا قبلَ الغَرْغَرَة، ففرحَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، وأذنَ مَلَكَ الموتِ لقبضِ روحه، فلمَّا اشتدَّ عليه، قال: يا مَلَكَ الموتِ خَفِّف على أُمَّتي سَكَراتِ الموت، فإنَّ للموتِ سَكرات، فقال: يا نبيَّ الله، افرحْ فلا أشدُدُ على أُمَّتك، ففرحَ وأذن، فطارَ روحُهُ المُعَلَّى إلى العرشِ الأعلى، واتَّصلَ الحبيبُ بالرَّفيقِ الأَعلى (¬1).
¬
(¬1) هذا حديث مركب: منه في صحيح البخاري (5: 2387): (إن عائشة - رضي الله عنه - كانت تقول إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان بين يديه علبة فيها ماء فجعل يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله إن للموت سكرات ثم نصب يده فجعل يقول في الرفيق الأعلى حتى قبض ومالت يده)، و في المستدرك (4: 287): (جلس إلى نفر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أحدهم سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: من تاب إلى الله قبل موته بسنة تاب الله عليه، فقال له: آخر أنت سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: نعم، قال: وأنا قد سمعته، قال آخر سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: من تاب إلى الله عز وجل قبل موته بشهر تاب الله عليه قال آخر أنت سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: نعم، قال: وأنا قد سمعته، قال آخر: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: مَن تاب إلى الله عز وجل قبل موته بيوم تاب الله عليه، قال آخر: أنت سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: نعم، قال: وأنا قد سمعته، قال آخر: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: من تاب إلى الله عز وجل قبل موته بساعة تاب الله عليه، فقال: آخر أنت سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: نعم، قال: وأنا قد سمعته، فقال آخر: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: مَن تاب إلى الله قبل الغرغرة تاب الله عليه).
وكان ذلك يوم الإثنين الثَّالثِ (¬1) عشرَ من شهرِ ربيعِ الأوَّلِ على أصحِّ الروَّايات، فعند ذلك أظلمتِ الدُّنيا، وبكتِ الأرضُ والسَّماوات، فوامصيبتاه على رحلةِ الشَّفيِعِ المُشَفَّع، لو صُبَّتْ على الأيَّامِ صِرْنَ لياليَ مظلمات.
إخواني مَن أنا وأنت يا مسكين، كيف بك إذا اشتَدَّت عليك سكراتُ الموت، وأحاطتْ بك الحسرات، فليتَنَّبَه العاقل، وليتبْ ممَّا كسَبَ من الخطيئات.
اللّهُمَّ يا مَن بيدهِ ملكوتُ الأرضِ والسَّموات، نحنُ عبادُك العصاةُ فلا تعذِّبنا بذنوبنا، وأدخلنا مع حبيبك الرَّوضات العاليات.
¬
(¬1) المشهور الثاني عشر يوم الأثنين، لكن فيه خدشه لا تندفع، والمنقح هو ما ذكرنا. (من الإمام اللكنوي رحمه الله).
والحمدُ لله العليِّ الحليم
أعوذُ باللهِ من الشَّيطان الرَّجيم: {وَالَّذِينَ ءامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ} (¬1).
* * *
¬
(¬1) من سورة الشورى، الآية (22).
الخطبة الأولى
للجمعة الثالثة
من شهر ربيع الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ القديرِ الأكبر، المالكِ الحكيم الذي خلقَ كلَّ شيءٍ وقدَّر، وخلقَ الأرضَ والسَّماواتِ وما بينهما وبحكمتِه دَبَّر، أحمدُهُ على أن قسَّمَ المخلوقاتِ على طبقات، وجعلَ أفضلَها البشر، وأشكرُهُ على أن كرَّمَهم بشريفِ الخطاب، وسَهَّل لهم طريقَ الصَّوابِ ويسَّر.
أشهدُ أنه لا إله إلاَّ هو وحدَهُ لا شريك له، لا دافع لما أراد، ولا مانعَ لما شاءَ من نَفْعٍ أو ضَرَر، وأشهدُ أنَّ سيِّدنا محمَّداً عبدُهُ ورسولُه، سيّدُ المخلوقاتِ من ملكٍ وجنٍّ وبشر، صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وصحبه ما أضاءتِ الشَّمسُ ونوَّرَ القمر.
أمّا بعد:
يا مسكين؛ يا مَن هو بعملِهِ رهين؛ تنبَّه من نومِ الغفلةِ وتذكَّر، وأْتَمِرْ بما فرضَ اللهُ عليك وأمر، وتجنَّبْ ما نهاكَ عنه وزَجَر، واعتبرْ بمَن مضى من الأسلافِ وتدبَّر:
كم من متنعِّمٍ تنعَّمَ على فراشِهِ ففاجأتْهُ المنيَّة، وأسكنته تحت التُّراب والمَدَر!
أين الآباءُ والأبناء؟
أين الأولادُ والأحفاد؟
أين المعشَر؟
أين الأحبابُ والأصحاب؟
أين الإخوانُ والخُلاَّنُ الأكبرُ والأصغر؟
تفكَّرْ في سَكَراتِ الموت، فمَن مَاتَ قامتْ قيامتُه، ووراءه العرضُ الأكبر.
تفكَّرْ فيما يمضي عليك في القبرِ من الضَّغطة، والوحشة، وسؤالِ نكيرٍ ومُنكر، ما من يوم إلاَّ وينادى فيه القبر:
أنا بيتُ الوحشة.
أنا بيتُ الظُّلمة.
أنا بيتُ المسكَنَة.
أنا بيتُ الغربة.
أنا المسكنُ والموطنُ والمقبر.
فهل من مستغفرٍ يستغفر؟! وهل من مُتَبَصِّرٍ يتبصَّر؟!
كيف بك إذا وردَ بك هاذِمُ اللذَّات، ومفَرِّقُ الجماعات، فوقعتَ في الحَسَرات، وصارت صورتُك تتغيَّر، وتنْفَصِلُ المفاصلُ عن مواضعها وتتكسَّر، وسالت منك العيون بالدُّموع، وساءَ المنظر، وصارَ جسدُكَ بعد الحُسْنِ يتغيَّر.
ثمَّ عجَّلَ بك كلُّ مَن كان حبيبكَ إلى الحفرةِ الضَّيقة، وألقوا عليك التُّرابَ والحجر، فبقيتَ وحيداً مُتَحسَّراً، فريداً مُتحيِّراً، باكياً على ما فاتَ وما صدر، أفلا يعتبرُ العاقلُ من هذهِ الأحوالِ وشدائد الأهوال! أفلا يتدبَّر! ألكَ عهدٌ بالخلودِ في الدُّنيا من العزيز الأكبر، كلاَّ واللهِ ما من نَفْسٍ مَنفُوسةٍ إلاَّ وهي مقبوضة، وتدفنُ وتقبر، وإذا جاءَ أجلُها لا تستقدمُ ولا تتأخَّر، وتبقى رهينةً بما كسبته وتتأسَّفُ وتتحسَّر.
أما تعلم أنَّ الدُّنيا دارُ فناءٍ ورحيل، لم يأتِ فيها أحدٌ إلاَّ وهو على جناحِ السَّفر، {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} (¬1)، وكلُّ شيءٍ له الفوتُ إلاَّ الخالقُ الأكبر، ولو بقى أحدٌ في الدُّنيا خالداً لبقيَ نبيُّنا سيّدُ الجنِّ والبشر.
أما تعرفُ أنَّها ليست الحياةُ الدُّنيا إلاَّ متاعُ الهَمِّ والغَرَر، أما سمعتَ ما يمضي عليك بعد البَرْزَخِ يومَ المحشر، يومٌ يحاسبُ على كُلِّ صغيرٍ وكبير، وكلُّ ذلك في الكتابِ مستطر، {فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ، وَخَسَفَ الْقَمَرُ، وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، يَقُولُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ، كَلَّا لا وَزَرَ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ
¬
(¬1) من سورة آل عمران، الآية (185).
الْمُسْتَقَرُّ، يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} (¬1).
فيا أَيُّها الغافل؛ ما لك وهذه الشَّدائد، ستمرُّ عليك وهي أدهى وأمرّ، فهل لك عليها مصطبر؟! أم أنتَ أقسى من الحجر! فإنَّ الحجر ينشقُّ من خشيةِ ربِّه ويتفجَّرُ منه النَّهر، ويلينُ جسمُهُ ويتأثر، وأنت تعلمُ ما تعلم، وتسمعُ ما تسمع، ولا يلينُ قلبكَ ولا يتأثَّر! أصمُّ في أُذنكَ أم عمىً في البصر!
اللَّهُمَّ يا رحمن، يا خالق القُوى والقدر، ارحمنا واعفُ عنَّا وسامحنا، ونجِّنا من الفَزَعِ الأكبر.
أعوذُ باللهِ من الشَّيطانِ الرَّجِيم: {كَلاَّ لا وَزَرَ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ، يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} (¬2).
* * *
¬
(¬1) من سورة القيامة، الآيات (7 - 13).
(¬2) من سورة القيامة، الآية (11 - 13).
الخطبة الأولى
للجمعة الرابعة
من شهر ربيع الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الكبيرِ الوهَّاب، الغفور العظيم التَّواب، أشهدُ أنه لا إله إلا هو، مالكُ الأمم والرِّقاب، وأشهدُ أنَّ سيِّدنا ومولانا محمَّداً عبدُهُ ورسولُه، الذي أوتي الحكمةَ وفصلَ الخطاب، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابِه، ومَن تبعَهم إلى يوم الحساب.
وبعد:
فيا أيّها النَّاس؛ اتَّقوا الله في كُلِ وقتٍ وآن، واحذروه في كُلِّ لمحةٍ وزمان، واعلموا أنَّ اللهَ شديدُ البطشِ شديدُ العقاب، ولا تغترُّوا بسعةِ رحمتِه، ولا تحسبوه غافلاً عمَّا يعملُه أهلُ مخالفتِه، فإنَّه يؤخِّرهمِ ليومٍ تشخصُ فيه الأبصار، وهو سريعُ الحساب، وتنبَّهوا من نومِ الغفلة، واتركوا الانهماكَ في اللَّذَّة، فإنَّ وراءكم الحسابَ والكتاب، واستغفروا اللهَ في كلِّ ساعة، فقد كثرتْ فينا الأعمالُ الرَّديَّة؛ فَشَا الرِّبا والزِّنا، والحِقدُ والحسد، والبُهتانُ
والنَّميمة، وأكلُ الحرامِ واللوَاطة، وأقبحُها الغيبة، وقد ارتكبها كلُّ شيخٍ وشاب.
أما سمعتم قولَهُ تعالى: {وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} (¬1).
أما قرَعَ سمعَكُم ما أخبرَ به نبيُّكم: (دِرْهَمٌ من الرِّبا يأَكْلُهُ الرَّجُلُ أشدُّ مِن ثلاثٍ وثلاثينَ زنيةً، أدناها أن يزني الرَّجلُ بأمِّه، وإنَّ أربي الرِّبا استطالةُ عِرْضُ المسلمُ) (¬2).
أما علمتم أنَّ الرِّضى بالغيبةِ كالغيبة، والسَّاكتُ شريكُ المغتاب، فإلى اللهِ المشتكى من زمانٍ كالجيفة، وأهلُهُ كالكلاب، فإن كنت كلباً أكلتَ معهم، وإلاَّ أكلتْكَ الكلاب، أمراؤهم سباع، ووزراؤهم ذياب، اغترُّوا بالدُّنيا مع علمِهم بأنَّها سريعُ الزَّوالِ شديدُ الانقلاب.
كم قتلتْ قتيلاً، ودمَّرت مثيلاً، وأهلكت نبيلاً، وأفسدت عقيلاً؟!
¬
(¬1) من سورة الحجرات، الآية (12).
(¬2) ورد بألفاظ قريبة من هذا، منها: عن عبد الله بن حنظلة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية) في مسند أحمد (5: 225)، والمعجم الكبير (11: 114)، قال المنذري في الترغيب (3: 5): رجاله رجال الصحيح، وينظر: الأحاديث المختارة (9: 167)، وسنن الدارقطني (3: 16)، ومصنف عبد الرزاق (8: 315)، ومسند البزار (8: 309)، وشعب الإيمان (4: 394)، وتخريج أحاديث الإحياء (2: 1056).
كم نقضَت عهداً، وهدمتْ مجداً، وجدَّدَتِ الحَزَنَ والالتهاب؟!
علماؤهم يتكلَّفونَ بعمارةِ الظَّاهر، وباطنهم خراب، لا يأمرون بالمعروفِ ولا ينهون عن المنكر، وهُمْ يتلونَ الكتاب، فما عذرهم عند العزيزِ الوهَّاب، إذا دُفنوا تحت التُّراب، وولَّى عنهم الأصحابُ والأحباب، وحضرتْهُم ملائكةُ غِلاظُ شِداد، لا يعصونَ اللهَ ما أمرهم به من الثَّوابِ والعقاب؟
فعند ذلِك تحسَّروا على ما صدرَ منهم، وندموا على ما ضيَّعوا أعمارهم، وعند ذلك لا يقبلُ عذرهم، ودعاؤهم لا يجاب، ووراء ذلك يوم المناقشةِ والمحاسبة.
يومٌ تحضرُ فيه كلُّ نفسٍ معها سائقٌ وشهيدٌ وكتاب.
يومٌ توزنُ فيه الأعمال، وتظهرُ فيه قبائحُ الأفعال، ويناقَشُ فيه كلُّ شيخٍ وشابّ.
فالله اللهَ إخواني، هذه أهوالٌ عِظامٌ تأتي عليكم، وأنتم إلى الآن غافلون، وفي بحرِ اللَّذَّات غارقون، توبوا إلى اللهِ جميعاً، واستغفروه صباحاً ومساءً؛ لعلَّ اللهَ يرحمكم ويسعدكم، ويخفِّفُ عنكم شدَّةَ الحساب، جعلني اللهُ وإيَّاكم ممَّن تاب وأناب، وأدخلني وإيّاكم الجنَّةَ بغيرِ حسابٍ، ونجَّاني وإيَّاكم من سوءِ المنقلبِ في المآب.
والحمدُ للهِ الرَّبِ الحليم
أعوذُ باللهِ من الشَّيطان الرَّجيم: {حم، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ} (¬1).
* * *
¬
(¬1) من سورة غافر، الآيات (1 - 3)
الخطبة الأولى
للجمعة الخامسة
من شهر ربيع الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي أجْرَى بجملَتِهِ مقاديرَ الأمور، ودَبَّرَ السَّماواتِ والأرضينَ على مَمَرِّ الدُّهور، أحمَدُهُ حمداً كثيراً، وأشكرُهُ شكراً خطيراً في العشايا والبكور.
أشهدُ أنه لا إله إلاَّ هو وحدَهُ لا شريك له، وهوَ عَدْلٌ في قضائهِ لا يجور، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنَا محمَّدَاً عبدُهُ ورسولُه، شفيعُ العُصاةِ يومَ النُّشُور، صلَّى اللهُ عليِه وعلى آله وصحبِهِ ما أَضاءَ النَّهارُ وأظلمَ الدَّيْجُور (¬1).
أمّا بعد:
إخواني وخُلاني؛ تفكَّروا في خلق الله، وتدبُّروا في آياتِ الله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ} (¬2)
¬
(¬1) الدَّيْجُور: الظلامُ، وليلةٌ ديجورٌ ليلةٌ مظلمة. ينظر: مختار الصحاح (ص 199).
(¬2) من سورة آل عمران، الآية (190).
والشُّعور، انظروا إلى سرعةِ انقضاءِ الزَّمانِ وفناءِ الدُّهور، ما من لمحةٍ تمضي إلاَّ وتكثرُ فيها ذنوبُكم، وفي عُمُرِكم قصور، إنَّ الدُّنيا خُلِقَتْ لكم، وأنتم خُلقتُمْ للآخرة، {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ} (¬1)، له الملك، وإليه تُرْجَعُ الأمور.
أين آباؤكُم وأجدادكم؟
أين أبناؤكم وأحفادكم؟
أين أصحابُكم وأقرانُكم؟
أين أحبابُكم وأمثالُكم، أصحابُ الدِّيوانِ (¬2) والإيوان (¬3) ِ؟
أين أربابُ الأموالِ والقصور؟
ذهبَ بِهم هاذم اللَّذَّاتِ ومُفَرِّقُ الجماعاتِ من سَعَةِ الدُّنيا إلى ضيق القبور، أَفناهم مرُّ الزّمانِ وَكَرُّ الشُّهور، فلم يبقَ منهم إلاَّ رسمٌ واسم، وقصصُهم على الألسنةِ تدور، فطوبى لمَن اعتبر، وتفكَّرَ فيما سلف وما غبر، واجتنبَ سيِّئاتِ الأمور.
¬
(¬1) من سورة القصص، الآية (88). وتكملة الآية: {لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.
(¬2) الديوان: هو مجتمع الصحف، والدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجيش وأهل العطاء، وهو فارسي معرَّب، وأول من دون الدواوين هو عمر بن الخطاب. لسان العرب (2: 1461 - 1462).
(¬3) الإيوان: الصفة العظيمة، كالأزج، ومنه إيوان كسرى. مختار الصحاح (ص34). لسان العرب (ص178).
يا مسكين؛ يا مَن نفسُهُ بما كسَبَ رهين، ما لك لا تخشى الأهوالَ التي تَرِدُ عليك وشدائِدِ الدُّهُور، فواأسفا على التَّكاسلِ في الطَّاعاتِ وارتكابِ الفجور.
أما تعترفُ بالمماتِ بعد الحياة، وأنَّكَ غريبٌ أو كعابرِ سبيلٍ على قنطرةِ العبور.
أما قَرَعَ سمعَكَ ما يمرُّ عليك في القبور، إذا دفنتكَ الأعزَّة، وأقبرتك الأحبَّة، وبقيتَ وحيداً فريداً، متوحِّشاً متنغِّصاً؛ تريدُ الرَّجْعَة، وما تنالُها وأنتَ مجبور.
أُذكرْ ضغطَةَ القبر، فإنَّها لوقعةٌ شديدة، ومصيبةٌ عظيمة، تختلفُ منها أضلاعُك، وتتكسَّر بها أعضاؤك، فأنت مقهورٌ ومكسور، والقبرُ أوَّلُ مَنْزلٍ من منازلِ الآخرة، مَن نجا فيه فما بعده أيسرُ منه، ومَن هلكَ فيه فما بعده أشدُّ منه، روضةٌ من رياض الجنَّة، أو حفرةٌ من حفر النَّار، ذاتِ الشَّدائِد والشُّرور.
وبعد ذلك يومٌ عظيم، كربُهُ شديدٌ هولُهُ: يومُ البعثِ والنُّشور، يوم الحساب والمناقشة، يومُ المطالبةِ والمحاسبة، يومٌ يبعثُ فيه من في القبور.
تذكَّرْ إذا جُمِعَتِ الخلائق صفَّاً صفَّاً، ودُكَّتِ الأرضُ دكَّاً دكَّاً، وجاءَ ربُّكَ والملائكةُ صفَّاً صفَّاً، وجيءَ بجهنَّم ذاتِ الزَّفرةِ والشُّرور، فترى عند ذلك كلَّ أمَّةٍ جاثية، تراهُم سُكَارى من شدَّةِ الهيبةِ وما هم بسكارى، ولكنَّ
عذابَ اللهِ أوقعَهُم في الحيرة، فعند ذلك ينادي كُلُّ نَفْسٍ: نفسي نفسي، إلاَّ مَن فضَّلَهُ اللهُ بالشَّفاعةِ العُظمى يومَ النُّشُور.
فيا أيُّها الغافل؛ اتْرُك الدَّعوى، ولا تتَّبع الهوى، واجتنبِ الآثامَ والفجور، فمَن اتَّقى ربَّهُ وجاهدَ نفسه، فازَ بالجنَّةِ ذاتِ الحورِ والقصور، ونالَ السَّعادةَ التي لا تفنى ودوامَ السُّرور.
اللَّهُمَّ يا الله، يا رحمن، يا شكور؛ اغفرْ لنا وسامحنا، واعفُ عنَّا ونجِّنا من الفَزَعِ الأكبرِ يومَ النُّشُور.
والحمدُ لله العَليِّ الحليم
أعوذُ بالله من الشَّيطان الرَّجيم: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} (¬1).
* * *
¬
(¬1) من سورة الملك، الآيتان (1،2).
الخطبة الثانية
لجُمع المحرّم وصفر
وشهر ربيع الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله على كلّ حال، على أنّ ربَّانا بأحسنِ الأحوال، وأنعمَ علينا بنعمٍ لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى على الاتِّصال، وخلقَ لنا ما في الأرضِ جميعاً، ودوَّرَ لنا الكواكب، {وَكُلٌّ فِي فَلَكِ يَسْبَحُون} (¬1): كالسَّابحِ في الماءِ السَّيَّال.
أشهدُ أنه لا إله إلاَّ هو وحدَهُ لا شريك له، ولا ضدَّ له، ولا مثال، وأشهدُ أنَّ سيِّدنا محمَّداً عبدُهُ ورسولُه، سيّدُ النِّساءِ والرّجال، صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وصحبِهِ ما دامتِ الأيّام واللَّيال.
وبعد:
أيُّها النَّاس؛ اجتهدوا في الأعمالِ المصلحة، ونقُّوا قلوبَكم وأبدانَكم من الأفعالِ المُهْلِكَة، فطوبى لمَن تابَ ممَّا مضى في السِّنينَ الماضية، واستعدَّ لتحصيلِ القربى في السِّنين الآتية، وعليكم بكثرةِ الصَّلاةِ والسَّلامِ على سيّدِ
¬
(¬1) من سورة يس، الآية (40).
الأنام، فإنَّ مَن صلَّى عليه عشراً، صلَّى اللهُ عليهِ عشراً، وحَطَّ عنه من الخطيئاتِ عشراً، ورفعَ له من الدَّرَجَاتِ عشراً، وكتبَ له من الحسناتِ عشراً، وأحلَّهُ دارَ السَّلام.
اللَّهُمَّ صلِّ على سيِّدنا ومولانا محمِّد، صاحبِ الخلق العظيم والإحسانِ العميم، وعلى جميعِ الأنبياءِ والمرسلين والملائكةِ المقرَّبين، وصَلِّ على جميعِ عبادكَ الصَّالحيِن، لاسيما على المتوَّجِ بتاجِ العزّ والكرامة، الفائزِ بأوّليَّة الخلافةِ والإمامة، رفيقِ خاتمِ الأنبياء في الغار، المشرّفِ بخدمتِهِ وصحبتِهِ آناءَ اللّيلِ وأطرافَ النَّهار، قدوةِ أربابِ التَّحقيق: سيِّدنا عبدِ الله ابن أبي قحافة، أبي بكرِ الصديق، رضي الله عنه.
وعلى صاحبِ العزِّ والاحتساب، مُزَيِّنِ المنبرِ والمحراب: سيِّدنا عمرَ ابن الخطَّاب، رضي الله عنه.
وعلى كاملِ الحياءِ والعرفان، جامعِ آيات القرآن: سيِّدنا عثمانَ بن عفَّان، رضي الله عنه.
وعلى أسدِ اللهِ الغالب، ذي المعالي والمناقب: سيِّدنا عليِّ بن أبي طالب، رضي الله عنه.
وعلى السِّبْطَيْن النَّيِّريْن، الكوكبَيْن الأزهرَيْن: سيِّدنا الحَسَن، وسيِّدنا الحُسَين، رضي اللهُ عنهما.
وعلى العمَّيْن المُكرَّمَيْن بين النَّاس: سيِّدنا حمزة، وسيِّدنا العبَّاس رضي اللهُ عنهما.
وعلى بضعةِ رسولِ الله: سيِّدتنا فاطمةَ الزَّهراء، رضي الله عنها.
وعلى سائرِ بناتِهِ الطَّاهرات، وأزواجِهِ المطهَّرات، وسائر الصَّحابة والتَّابعين إلى يوم الدّين.
اللَّهُمَّ انصرْ مَن نصرَ دينَ سيِّدنا محمِّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، واخذلْ مَن خَذَلَ دينَ سيِّدنا محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، واجعلنا ممَّن لَزِمَ مِلَّتَه، واتَّبعَ سُنَّتَه، وأطاعَ شريعتَه، وارزقنا شفاعته.
اللَّهُمَّ اغفرْ لنا ولوالدينا ولمشايِخنا ولأحبابنا ولأصحابنا، ولمِن له حقٌّ علينا، ولجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، يا بديعَ الأرض والسَّماوات، ورفيع الدَّرجات.
اللَّهُمَّ سامح عن خطايا جامعِ هذهِ الخُطَبُ المذكِّرة، وارزقْهُ خيرَ الدُّنيا والآخرة.
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين
أَعوذُ بالله من الشَّيطان الرَّجيم: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْي} (¬1).
¬
(¬1) من سورة النحل، الآية (90).