غَايَةِ الْمَطْلَبِ فِي الرَّهْنِ إذَا ذَهَبَ
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي
توفي سنة (1069 هـ)
تحقيق:
سامي البيتاوي
إشراف
أ. د. صَلاح مُحَمَّد سَالم أبو الحَاج
جارٍ تحميل الكتاب…
غَايَةِ الْمَطْلَبِ فِي الرَّهْنِ إذَا ذَهَبَ
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي
توفي سنة (1069 هـ)
تحقيق:
سامي البيتاوي
إشراف
أ. د. صَلاح مُحَمَّد سَالم أبو الحَاج
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَهُوَ حَسَبِيٌّ وَبِهِ الْإِعَانَةُ
الْحَمْدَ لله الَّذِي تَفَضُّلٍ عَلَى عِبَادِهِ بِمُقْتَضَى حُكْمَتِهِ وَنَافِذِ قضَائِه وَمُرَادَهُ، وَأَجْزَلَ جَمِيعُ إحْسَانِهِ وَهِبَاتِهِ، لِمَنْ سُلَّمِ ذاته رَهينَةً بِدَوَامِ أَوََقَاتِهِ لِيُنَالَ مَنِ اُعْزُ مَطْلَبَ وَثَمينَةَ، فَجَادَّ عَزِيزَ الْمُرَادِ، وَوَافِرَ الْفَيْضِ وَالْإِمْدَادِ، وَفِكَاكَ الرَّهْنِ مِنْ رِبْقَةِ الْقَبْضِ بِبَسْطِ عطَائِه، فَهُوَ الْكَرِيمُ الْجَوَّادُ.
وَالصَّلَاَةُ وَالسُّلَّامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدَ رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ الَّذِينَ جَاهَدُوا فِي اللهِ، وَعَلَى الآل وَالصَّحَابَةَ الفائزين بِرِضْوَانِ اللهِ.
وَبَعْدَ:
فَيَقُولُ الْعَبْدُ الْمُفْتَقِرُ إِلَى لُطْفِ مَوْلَاِهِ الْوَفِيَّ، حُسْنَ الشرنبلاني الْحُنْفِيَّ، غَفَرَ اللهُ لَهُ وَلِوَالِدِيهُ وَمَشَايِخِهِ ومحبينه وَالْمُسْلِمِينَ: انَّ قَدْ سُئِلَ عَنْ مُرْتَهَنِ وَضْعِ الرَّهْنِ بِمَنْزِلِهِ وَقُفْلِهِ، ثُمَّ عَادَ فَوَجَدَ الرَّهْنُ قَدْ ضَاعَ، وَهُوَ يَزِيدُ عَنِ الدِّينِ، فَأَفْتَى بَعْضُ اهْل عَصَرَنَا بِعَدَمِ الضَّمَانِ لَمَّا زَادٍ، وَوَجَدَ صُورَةُ فَتْوَى للعلامه ابي السُّعُودَ المفتى صَاحِبَ التَّفْسِيرِ رَحِمَهُ اللهُ بِلُزُومِ الضَّمَانِ، فَتُعَارِضُ الْمُفْتِيَانِ.
فَأَرَدْتُ تَفْسِيرَ مَا وَصْلٍ إِلَيْهِ عِلْمَي الْقَاصِرَ وَانٍ كُنْتُ مِمَّنْ تَطْمَحُ إليه النَّوَاظِرَ لِنُحِيطُ بِذَلِكَ عِلْمِ النَّاظِرِ فِي الْأَحْكَامِ والمفتى؛ خَدَّمَهُ لَاَمُهُ خَيْرَ الْأَنَامِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى اُلْهُ وَصَحِبَهُ الْكِرَامُ، وَسَمَّيْتُهُ:
«غَايَةِ الْمَطْلَبِ فِي الرَّهْنِ إذَا ذَهَبَ»
وَنَذْكُر أَوَّلًا بَيَانِ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ مِنْ الْحِفْظِ، وَمَا يَحْفَظُ بِهِ، ثُمَّ نَذْكُرُ الْفُرُوع الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي خُصُوصِ هَذِهِ الْحَادِثَةِ، فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ:
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ مَا نَصُّهُ: قَال وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَحْفَظَ الرَّهْنَ بِنَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ وَخَادِمِهِ الَّذِي فِي عِيَالِهِ - قَالَ أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي "مختصره"، وَتَمَامُه -: وَإِنْ حُفِظَ بِغَيْرِ مَنْ فِي عِيَالِهِ أَوْ أَوْدَعَهُ ضَمِنَ. .
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: وهو- أَي: الرهن- بِمَنْزِلَةِ الْوَدِيعَةِ فِي يَدِهِ، فَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ الْوَدِيعَةِ مِنْ التَّصَرُّفِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ فِي الرَّهْنِ، وَمَا جَازَ فِي الْوَدِيعَةِ جَازَ فِي الرَّهْنِ، لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ الرَّهْن.، فَيَجُوز الدَّفْعِ إلَى زَوْجَتِهِ وَخَادِمُه وَمَنْ هُوَ فِي عِيَالِهِ مِنْ وَلَدِهِ، وأجرائه الَّذِين يَتَصَرَّفُون فِي مَالِهِ، كَذَا قَالَ الْأَتْقَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَحَد قِسْمَيْ مَا يَحْفَظُ بِهِ.
وَالثَّانِي: الْحِرْز بِمَكَان، وَإِلَيْهِ يُشِيرُ نَصّ مَوَاهِب الرَّحْمَان فِي كِتَابِ الرَّهْنِ بِقَوْلِه يَحْفَظُه بِمَا يَحْفَظُ مَالَهُ، انْتَهَى.
وَإِنْ كَانَ شَارِحُه قَدْ خَصَّهُ بِقَوْلِهِ: زَوْجَتِه وَوَلَدِه وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ، وَكَانَ يَنْبَغِي إجْرَاءُ الْمَتْنِ عَلَى عُمُومِهِ.
لَكِنَّهُم إنَّمَا يَذْكُرُونَ هَذَا لِبَيَانِ جَوَاز الدَّفْعِ إلَى ذِي يَدٍ غَيْرِ يَدِهِ، وَلَيْس احْتِرَازٌ عَنْ وَضْعِهِ بِمَنْزِلَة.
وَقَدْ أَوْضَحَ ذَلِكَ بِمَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ مِنْ كِتَابِ الْوَدِيعَةِ: يَلْزَمُه حِفْظِهَا بِمَا يَحْفَظُ بِهِ مَالَ مِنْ حِرْزٍ وَيَد، أَمَّا الْحِرْز فَهُو دَارِه وَمَنْزِلَة وَحَانُوتِه، سُوء كَانَ مِلْكًا لَهُ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ، أَوْ اسْتِعَارَةٌ؛ لِأَنَّهُ يُحْرِزُ وَيَحْفَظ الْأَمْوَال عَادَةً فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، فَكَان حَافِظًا لَا مُضَيِّعًا.
وَأَمَّا الْيَدُ فَلَهُ أَنْ يَحْفَظَهَا بِيَدِهِ وَيَدِ مَنْ هُوَ فِي عِيَالِهِ، كَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ الْكَبِير، وَأُمَّتِه، وَعَبْدِه، وَأَجِيرِه،، مُشَاهَرَة بِنَفَقَة وَكِسْوَة، وَهُو يَسْكُنُ فِي عِيَالِهِ، وَكَذَا شَرِيكِه مُفَاوَضَةً أَوْ عَنَانًا، وَكَذَا الصَّيْرَفِيَّانِ إذَا كَانَا شَرِيكَيْنِ، فَوَضَعَ أَحَدَهُمَا فِي كِيسِهِ أَوْ صُنْدُوقِهِ وَأَمَرَ شَرِيكَهُ بِحِفْظِهَا، فَحَمَلَ الْكِيسَ، فَضَاع، لَمْ يَضْمَنْ، فَصَارَت يَدِهِم فِي الْحِفْظِ كَيَد الْمُودَع، وَلِأَنّ دَفَعَ الْوَدِيعَةَ إلَى مَنْ فِي عِيَالِهِ حَصَلَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ دَلَالَة؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَهَيَّأُ لَهُ الْحِفْظُ بِنَفْسِهِ دَائِمًا آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ، فَإِنَّه يُضْطَرُّ إلَى الْخُرُوجِ لِإِقَامَة مُعَادَة وَمَعَاشُه، وَلِإِقَامَة الْفَرَائِض وَنَحْوِهَا.
وَمَتَى خَرَجَ رُبَّمَا لَا يُمْكِنُهُ إخْرَاجُ الْوَدِيعَةِ مَعَ نَفْسِهِ، فَلَا يُمْكِنُ الْحِفْظ دَائِمًا إِلَّا بِمَنْ فِي عِيَالِهِ؛ أَي: وَبِمَنْ فِي مَعْنَاهُمَا؛ لِأَنَّهُ مَتَى خَرَجَ بِنَفْسِهِ يَتْرُكُهُ فِي بَيْتِهِ، فَتَصِير الْوَدِيعَةَ فِي يَدِ عِيَالِه، فَصَار الْمَالِكُ رَاضِيًا بِكَوْنِهَا فِي يَدِ عِيَالِه دَلَالَة، وَلَوْ قَالَ: لَا تَدْفَعْهَا إلَى فُلَانٍ مِنْ عِيَالِك وَعَيْنُه، فَدَفَعَهَا، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِيَالٌ سِوَاهُ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ نَهْيُهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَا تَحْفَظْ فِي هَذِهِ الدَّارَ وَلَيْسَ لَهُ دَارٌ أُخْرَى سِوَاهَا، وَإِنْ كَانَ لَهُ عِيَالٌ غَيْرُهُ، ضَمِن؛ لِأَنَّهُ صَحَّ نَهْيُهُ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْحِفْظِ، وَلَه بُدَّ مِنْ أَنَّ يَدْفَعَ إلَيْهِ، فَإِذَا فَعَلَ، صَارَ ضَامِنًا، انْتَهَى.
وَكَذَا فِي "الخلاصة"عن "فتاوى الفضلي"، وَكَذَا فِي "الفيض" وَمِثْلُهُ فِي "فضول "العمادي": مُودِعٌ غَابَ عَنْ مَنْزِلِهِ فَقَالَ لَهُ أَجْنَبِيّ: لِي فِي مَنْزِلِك شَيّ وَأَخَذَ مِنْهُ مِفْتَاح، فَلَمَّا رَجَعَ الْمُودِعُ إلَى بَيْتِهِ لَمْ يَجِدْ الْوَدِيعَةَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَلِمَن فِي عِيَالِهِ إنْ يَضَعَهَا عِنْدَ مَنْ فِي عِيَالِهِ كَمَا فِي فُصُولِ "فصول العمادي".
وَفِيهَا عَنْ صَدْرِ الْإِسْلَامِ أَبِي الْيُسْرِ لَوْ قَالَ: احْفَظْ الْوَدِيعَةَ بِيَدِك، وَلَا تَضَعْهَا مِنْ يَدِك، كَانَ كَلَامُهُ لَغْوًا، وَلَوْ قَالَ: ضَعْهُ فِي كِيسِك، فَوَضَعَهُ فِي الصُّنْدُوقِ، لَا يَضْمَنُ وَفِيهَا أَيْضًا: لَوْ شَرَطَ أَنْ يُمْسِكَهَا بِيَدِهِ لِئَلَّا وَنَهَارًا، وَلَا يَضَعُهَا فَهَذَا الشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَلَوْ قَالَ: لَا تَضَعُ فِي الْحَانُوتِ فَإِنَّهُ مَخُوفٌ، فَوَضَعَهَا فَسُرِقَتْ لَيْلًا، إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَوْضِعٌ أَحْرَزَ مِنْ الْحَانُوتِ، لَا يَضْمَنُ، وَإِلَّا؛ ضَمِنَ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْحَمْلِ.
وَقَالَ فِي "الخلاصة " عَنْ "شرح الطحاوي": عَيْنِ الرَّهْنِ أَمَانَةً فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ بِمَنْزِلَةِ الْوَدِيعَةِ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَوْ فَعَلَ الْمُودَع بالوديعة، يَضْمَن، فَكَذَا الْمُرْتَهِنُ إذَا فَعَلَ، إلَّا أَنْ الْوَدِيعَةَ إذَا هَلَكَتْ لَا يَغْرَمُ شَيْئًا، وَالرَّهْنِ إذَا هَلَكَ سَقَطَ الدَّيْنُ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا.
* تَنْبِيهٌ: لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْمَأْذُونِ لَهُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ مَأْمُونًا كَمَا قَالَ فِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ عَنْ فَتَاوَى ظَهِيرِ وَأَبِي اللَّيْثِ: رَجُلٌ غَابَ وَخَلَفَ امْرَأَتَهُ فِي مَنْزِلِهِ وَفِي الْمَنْزِلِ وَدَائِعُ النَّاسِ، ثُمَّ رَجَعَ وَطَلَبَ الْوَدِيعَةَ فَلَمْ يَجِدْهَا، فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ أَمِينَةً، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الزَّوْجِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ أَمِينَةٍ، وَعَلِمَ الزَّوْجُ بِذَلِكَ وَمَعَ هَذَا التَّرْكِ الْوَدِيعَةَ مَعَهَا، فَهُوَ ضَامِنٌ، انْتَهَى.
وَمِثْلُهُ فِي الْمُحِيطِ، وَمِثْلُهُ فِي الْفَيْضِ لِلْبُرْهَان الْكَرْكِيّ.
وَأَمَّا الْفُرُوع الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي خُصُوصِ هَذِهِ الْحَادِثَةِ، فَقَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: غَابَ الْمُودَعُ عَنْ بَيْتِهِ، وَتَرَك مِفْتَاحِه عِنْدَ غَيْرِهِ، فَلَمَّا رَجَعَ لَمْ يَجِدْ الْوَدِيعَةَ فِي مَكَانِهِ، لَا يَضْمَنُ بِدَفْعِ الْمِفْتَاحِ إلَى غَيْرِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ عَنْ فَتَاوَى الْفُضْلَى، وَكَذَا فِي الْفَيْضِ، وَمِثْلُهُ فِي فُصُولِ الْعِمَادِيِّ: مُودِعٌ غَابَ عَنْ مَنْزِلِهِ فَقَالَ لَهُ أَجْنَبِيّ: لِي فِي مَنْزِلِك شَيْءٍ وَأَخَذَ مِنْهُ الْمِفْتَاح، فَلَمَّا رَجَعَ الْمُودِعُ إلَى بَيْتِهِ لَمْ يَجِدْ الْوَدِيعَةَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ فِي "التترخانيه"عن "المحيط".، وقاضيخان".: مُودِعٌ غَابَ عَنْ بَيْتِهِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَجْنَبِيٍّ: أَنَّ لِي فِي بَيْتِك شَيْئًا، فَادْفَعْ إلَيَّ الْمِفْتَاحَ حَتَّى أَرْفَعَهُ، فَسَلَّم إلَيْهِ الْمِفْتَاحَ، فَلَمَّا عَادَ الرَّجُلُ إلَى بَيْتِهِ لَمْ يَجِدْ الْوَدِيعَةَ فِي مَوْضِعِهَا، قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا يَضْمَنُ الْمُودَعُ؛ لِأَنَّ بِدَفْعِ الْمِفْتَاحِ إلَيْهِ لَمْ يَصِرْ جَاعِلًا بَيْتَهُ فِي يَدِ الْأَجْنَبِيِّ، انْتَهَى.
وفي"البزازيه": وَضَعَهَا فِي حِجْرِهِ خَان وَرَبْط السِّلْسِلَة بِالْخَيْط وَلَمْ يُقَفِّلْهُ، فَتَلِفَت، إنْ عُدَّ هَذَا إضَاعَة وإغفالا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَضْمَنُ، وَإِنْ عُدَّ توثيقا لَا يَضْمَنُ. .
وَفِيهَا: وَضَعَهَا فِي الدَّارِ وَخَرَجَ، وَالْبَابُ مَفْتُوحٌ فَسُرِقَتْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الدَّارِ أَحَدٌ، وَالْمُودَعُ فِي مَوْضِعٍ يَسْمَعُ حِسَّ الدَّاخِلِ، لَا يَضْمَنُ. .
وَفِيهَا أَيْضًا: خَرَج الطَّحَّان لِيَنْظُرَ إلَى الْمَاءِ فَسُرِق الْبَرّ، أَنَّ تَرْكَ الْبَابَ مَفْتُوحًا، وَبُعْدٌ عَنْ الطَّاحُونِ، يَضْمَن، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْخَان، وَهِي خَان فِيهَا مَنَازِل، وَلِكُلِّ مَنْزِلٍ مُقْفَل، فَخَرَجَ مِنْ مُقْفَلٍ وَتَرَكَ الْبَابَ مَفْتُوحًا، فَجَاءَ سَارِقٌ وَاحْذ شَيْئًا، لَا يَضْمَنُ ..
وَقَالَ فِي "القيض": وَإِنْ وَضَعَهُ فِي مَوْضِعٍ، لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ أَحَدٌ إلَّا بِالِاسْتِئْذَانِ لَا يَضْمَنُ.
وفي"الفيض"أيضا: لَوْ جَعَلَ حِمَارًا بِوَدِيعَة فِي الْكَرْمِ، إنْ كَانَ للكرم حَائِطًا يَمْنَع رُؤْيَة الْمَارّ وَأَغْلَقَ الْبَابَ لَا يَضْمَنُ، انْتَهَى.
*تنبيه: الْكُلِّيَّةِ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَرِدُ عَلَيْهَا النَّقْض لَكِنْ صَارَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْوَدِيعَةِ نَصًّا فِي الرَّهْنِ، فَخَرَجَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ مِنْ الْمُحْتَمَلِ لِلنَّقْض.
*تنبيه آخَر: هُوَ أَنَّهُ كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُودَعُ فِي دَعْوَاهُ هَلَاكَ الْوَدِيعَةِ بِيَمِينِه كَذَلِكَ يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ، غَيْرِ أَنْ الْمُودَعَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَالْمُرْتَهِن يَضْمَنُهُ ضَمَانَ الرَّهْنِ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ، وَمِنْ الدَّيْنِ، فَلَو. ثَبَتَ هَلَاكِه بِالْبَيِّنَة لِمَا قَالَ فِي "الحقائق"شرح "منظومة النسفي"في بَاب الْإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: (الرجز)
وَقِيمَتُه الرَّهْنِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ ... إذَا ادَّعَى الْهُلَّك وَلَمْ يُبَرْهِنْ
ادَّعَى الْمُرْتَهِنُ هَلَاكِ الرَّهْنِ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ، يَضْمَنُ قِيمَتَهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ عِنْدَهُ؛ أَي: عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُودَعَ لَوْ ادَّعَى هَلَاكَ الْوَدِيعَةِ وَلَمْ يَقُلْ: هَلَك مَعَهُ شَيْءٌ آخَرُ لِي لَا يُصَدَّقُ عِنْدَه، وَعِنْدَنَا يَصْدُق وَيَسْقُطُ الدَّيْنُ بِقَدْرِهِ، وَالْبَاقِي لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
وَبِهَذَا تَعْلَمُ التَّسَامُح الْوَاقِعِ فِي عِبَارَةِ "شرح الْمَجْمَع " لِابْنِ الْمَلَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ حَيْثُ قَالَ: وَضَمِنُوه بِدَعْوَاه الْهَلَاك؛ يَعْنِي: إذَا ادَّعَى الْمُرْتَهِنُ هَلَاكِ الرَّهْنِ، لَمْ يَقُمْ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ، ضَمِنَه عِنْدَنَا مُطْلَقًا؛ أَي: سَوَاءٌ كَانَ الرَّهْنُ مِنْ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ؛ كَالْحَيَوَان، أَوْ الْبَاطِنَةُ؛ كَالنَّقْدَيْن وَالْعُرُوض، لَا فِي الْأَمْوَالِ الباطنه؛ أَي: قَالَ الْإِمَامُ أَلَك رَحِمَهُ اللَّهُ: يَضْمَنُ لَا فِي الْبَاطِنَةِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيهِ، وَقَوْل الْمُتَّهَم غَيْرُ مَقْبُولٍ، انْتَهَى.
(وتبعه صَاحِب "الدرر والغرر"حيث قَال: وَضَمِن؛ أَيْ الْمُرْتَهِنِ). بِدَعْوَى الْهَلَاك بِلَا بَيِّنَةٍ يَعْنِي إذَا ادَّعَى هَلَاكَ الرهن’ضمن إنْ يَقُمْ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا؛ أَي: سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ؛ الْحَيَوَان وَالْعَبِيد وَالْعَقَار، أَوْ مِنْ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ؛ كَالنَّقْد وَالْحُلِيّ وَالْعُرُوض ..
وَوَجْه التَّسَامُح أَنَّ ابْنَ الْمَلَكِ: " إذَا ادَّعَى هَلَاكَ الرَّهْنِ وَلَمْ يَقُمْ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ ضَمِنَهُ عِنْدَنَا "يوهم عَدَمِ قَبُولِ دَعْوَى الْهَلَاكِ بِلَا بَيِّنَةٍ، وَضَمَان جَمِيع قِيمَةِ الرَّهْنِ، وَلَيْسَ مُرَادُ، وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِ مَضْمُونًا عِنْدَنَا؛ يَعْنِي ضَمَانَ الرَّهْنِ لَا مُطْلَقُ الضَّمَان، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي عبارة"الدرر" ’لكنها أَشَدّ إيهَامًا؛ لِإِتْيَانِه بِأَدَاة الشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ:
ضَمِنَ إنْ لَمْ يَقُمْ الْبَيِّنَةَ ’فيوهم عَدَمُ الضَّمَانِ مَعَ إقَامَتِهَا ’وليس مُرَادًا كَمَا قَدْ عَلِمْته فلينتبه لَه وَقَوْل مُحَشِّي "الدرر’ الْعَلَّامَة الْوَانِي رَحِمَهُ اللَّهُ: الظَّاهِرُ أَنَّ كَلِمَةَ "إن"هاهنا وَصْلِيَّةٌ ’ليس بِظَاهِر ’وعلى تَسْلِيمِه يَحْتَاج لتأويلين: كَوْن "إن "وصليه، وَكَوْن الضَّمَانَ لَيْسَ إلَّا ضَمَانَ الرَّهْنِ؛ لَا مُطْلَقُ الضَّمَان.
وَقَوْلُ ابْنِ الْمَلَكِ: " يَعْنِي إذَا ادَّعَى الْمُرْتَهِنُ هَلَاكِ الرَّهْنِ وَلَمْ يَقُمْ الْبَيِّنَةَ " غَيْرُ مُسَلَّمٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ - أَعْنِي صَاحِبَ مَتْنِ "المجمع ".- لَمْ يَعْنِ هَذَا التَّخْصِيص؛ إذ مَتْنِهِ وَشَرْحِهِ لَا يُفِيدُ أَنَّهُ غَايَتُه، وَأَنَّهُ وَإِنْ أَطْلَقَ الضَّمَانَ هُنَا، فَالْمُرَادُ بِهِ ضَمَانُ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَهُ مُفَصَّلًا.
وَقَد تَبَاعَدَ عَنْ هَذَا الْإِبْهَام صَاحِب "البرهان"في مَتْنِه "مواهب الرَّحْمَن "حيث قَال: وَلَا نَجْعَلُه أَمَانَةٌ مُطْلَقًا، وَخُصُوصًا فِيمَا لَا يَغِيبُ؛ كَحَيَوَان وَعَقَار، فَجَعَلْنَاه مَضْمُونًا بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ لَا بِتَمَامِهَا، هَذَا؛ وَقَدْ رَأَيْت فِيمَا جَمْعٌ مِنْ فَتَاوَى الْعَلَّامَةِ ابْنُ الشِّبْلِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الرَّاهِنِ إذَا طَالَبَ الْمُرْتَهِن بِالْعَيْن الْمَرْهُونَة وَادَّعَى الْمُرْتَهِنُ تَلَفِهَا، هَل الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ؟
فَأَجَاب: بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ فِي هَلَاكِ الرَّهْنِ مَعَ يَمِينِهِ ’انتهى.
وَلَمْ يَذْكُرْ لِذَلِكَ سَنَدًا، وَسَنَدُه قَدْ ذَكَرْنَاهُ ذَلِكَ مِنْ "الحقائق".
*تتمة: قَالَ الْمُرْتَهِنُ: أَخْذِ الرَّهْنِ عَلَى أَنَّهُ إنْ ضَاعَ بِغَيْرِ شَيّ ’فقال الرَّاهِن: نَعَم ’فالرهن جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، كَذَا فِي "خزانة المفتين".
وَفِيهَا: وَإِنْ هَلَكَ فَقَالَ الْمَالِكُ: هَلَكَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، وَقَالَ الْمُسْتَعِيرُ لِيَرْهَن: هَلَكَ قَبْلَ أَنْ ارْهَنْه أَوْ بَعْدَ مَا رَهَنْته، فافتككته، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلُ رَاهِنٍ، وَهُو الْمُسْتَعِيرِ مَعَ يَمِينِهِ.
وَفِيهَا: وَلَوْ أَنَّ الْعَدْلَ بَاعَ رَهْنٌ فِي حَيَاتِهِ وَتَصَادَقُوا عَلَى بَيْعِهِ إلَّا أَنْ الرَّاهِنَ يَقُولُ: بَاعَه بِمِئَة، وَالدَّيْنُ وَقِيمَةُ الرَّهْنِ مِئَة أَيْضًا، وَصَدَّقَهُ الْعَدْلُ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: بَل بَاعَهُ بِخَمْسِينَ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الرَّاهِنِ.
وَفِيهَا: لَوْ قَالَ الرَّاهِنُ: رَهَنْت بِنِصْفِ الدَّيْنِ أَوْ ثُلُثِهِ أَوْ رُبْعُهُ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: بَلْ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ عَلَى دَعْوَى الْمُرْتَهِنِ.
وَلَوْ أَقَامَ جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُرْتَهِنِ، وَلَوْ هَلَكَ الرَّهْنُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، ثُمَّ اخْتَلَفَا، فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: كَانَ رَهْنًا بِبَعْضِ الدَّيْنِ، وَقَدْ صَدَقْ ذَلِكَ الْقَدْرِ بِهَلَاكِه، وَلِيٍّ إنْ أَرْجِعَ بِالْبَاقِي، وَقَالَ الرَّاهِنُ: كَانَ رَهْنًا بِجَمِيعِ الدَّيْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَوْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الرَّاهِنِ.
وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الرَّهْنِ بَعْدَ الْهَلَاكِ، فَقَالَ الرَّاهِنُ: كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ لِلدَّيْنِ، وَسَقَط جَمِيعُ الدَّيْنِ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ نِصْفِ الدِّينِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الدَّيْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ عَلَيْهِ، انْتَهَى
*تنبيه آخَر: جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ سَنَدٌ لِمَنْ أَفْتَى بِعَدَمِ الضَّمَانِ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ، وَلَه سَنَدٌ أَيْضًا فِيمَا سَنَذْكُرُه.
وَأَمَّا مَنْ أَفْتَى بِالضَّمَان، فَلَهُ مِنْ النَّصِّ مَا قَالَ فِي "يتيمة الدهر": سُئِلَ أَبُو حُمَيْدٍ الْوَبَرِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ عَامِلٌ لِوَال أَوْدَعَ مَالَ فَوَضَعَهُ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ فِي أَيَّامِ السُّلْطَانِ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ بِأَمْتِعَة نَفْسِه، وَتَرَكَ الْوَدِيعَةَ فِي بَيْتِهِ، وَأَغْلَقَ الْبَابَ وَتَوَارَى، ثُمّ أُغِيرَ عَلَى الْبَيْتِ وَالْوَدِيعَة، هَلْ يَضْمَنُ؟
فَقَال: يَكُونَ هَذَا تَقْصِيرًا مِنْهُ فَيَصِيرُ ضَامِنًا، قِيلَ لَهُ: لَوْ أَبْقَى فِي الدَّارِ بَعْضَ أَمْتِعَةِ نَفْسِه هَل يَفْتَرِق الْجَوَاب؟ فَقَال: بِتَضْيِيعِه مَالِ نَفْسِهِ لَا يَصِيرُ مَعْذُورًا فِي تَضْيِيعِ مَالِ غَيْرِهِ، انْتَهَى ..
وَكَذَا قَالَ فِي "القنيه"بعد رمزه لِلْوَبَرِيّ مَا نَصُّهُ: أُودِعَ عَامِلُ لِوَال مَالًا، فَوَضَعَهُ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ فِي أَيَّامِ السُّلْطَانِ نَقَلَ أَمْتِعَتِهِ، وَتَرَكَ الْوَدِيعَةَ وَتَوَارَى، فَأُغِيرَ عَلَى بَيْته وَالْوَدِيعَة، يَضْمَن، وَإِنْ تَرَكَ بَعْضَ أَمْتِعَتِهِ فِي بَيْتِهِ، انْتَهَى. .
وَيَسْتَأْنِس لَهُ مَا قَالَ فِي "البزازيه": دَفَعَ خُفَّهُ إلَى خَفَّافٍ لِيُصْلِح فَوَضَعَهُ فِي حَانُوتِهِ فَسُرِق، إنْ كَانَ فِي الْحَانُوتِ حَافَظ، وَفِي السَّوْقِ حَارِسٌ، لَا يَضْمَنُ، انْتَهَى.
فَأَفَاد الضَّمَانُ مَعَ الْقُفْل بِعَدَم الْحَارِس، لَكِنْ مَعَ مُلَاحَظَةِ الْعُرْف؛ لِأَنَّهُ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْعُرْف، حَتَّى لَوْ تَرَكَ الْحَانُوت مَفْتُوحًا، أَوْ عَلَّقَ الشَّبَكَة عَلَى بَابِهِ وَقَام، فَفِي بُخَارَى إنَّ بِالنَّهَار لَيْسَ بِتَضْيِيعٍ، وَفِي اللَّيْلِ إضَاعَة، وَفِي خُوَارِزْمَ لَا يُعَدُّ إضَاعَة فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْل، انْتَهَى. .
لَكِنْ قَالَ فِي: "الخلاصة "عن "فتاوى النسفي": وَقَدْ ذَكَرْنَا الْجَوَابَ الْمُخْتَارِ فِي كِتَابِ الْإِجَارَاتِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْحَافِظ وَالْحَارِس. انْتَهَى.
أَي: فَيَكْتَفِي بِالْقَفْل لِعَدَمِ الضَّمَانِ، وَقَالَ فِي " التترخانية " نقلا عَن "المحيط": سُئِلَ نَجْمُ الدِّينِ عَمَّنْ دَفَعَ خُفًّا إلَى خِفَافًا لِيُصْلِح، فَتَرَكَه الْخَفَّافُ فِي حَانُوتِهِ فَسُرِقَ لَيْلًا، هَلْ يَضْمَنُ؟ قَال: لَا، إنْ كَانَ فِي الْحَانُوتِ حَافَظ، أَوْ فِي السُّوقِ حَارِسٌ، وَكَانَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ يُفْتِي بِعَدَمِ الضَّمَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَافِظٌ وَلَا حَارِسٌ، انْتَهَى ..
وَهَذَا يُوَافِقُ مَا في"الخلاصة" مَعَ أَنَّهُ الْجَوَاب الْمُخْتَار. انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ فِي "التترخانيه": وَقَدْ قِيلَ: يُعْتَبَرُ الْعُرْفُ؛ فَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُم يَتْرُكُون الْأَشْيَاءُ فِي الْحَوَانِيتِ مِنْ غَيْرِ حَافِظٍ فِيهَا، وَمِنْ غَيْرِ حَارِسٌ فِي السُّوقِ فَلَا ضَمَانَ، وَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ بِخِلَافِهِ يَجِبُ الضَّمَانُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، انْتَهَى.
وَهَذَا التَّصْحِيحُ يُعَارِضُ مَا فِي "الخلاصة"، فَاخْتَلَف التَّرْجِيح، لَكِن يَتَأَيَّدُ هَذَا بِأَنَّ عَلَيْهِ الْفَتْوَى، فَيُنْظَرُ إلَى الْعُرْفِ، وَاَلَّذِي أَفْتَى بِالضَّمَانِ أَوْ عَدَمِهِ فِي الْحَادِثَةِ الْمَذْكُورَةِ قَدْ أَطْلَقَ الْجَوَابَ كالسؤال، انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ فِي "التترخانيه": وَكَذَلِك قِيل: لَوْ تَرَكَ الدُّكَّان مَفْتُوحًا، وَكَانَ فِي مَوْضِعٍ ذَلِك عُرْفِهِم وَعَادَاتِهِم لَا ضَمَانَ.
وفي"الحاوي": جَرَى الْعُرْفُ بِتَرْك بَابِ الدُّكَّانِ، وبالنوم وَتَعْلِيق شَيْءَ عَلَى بَابِ الدُّكَّانِ، نَحْو الشَّبَكَة وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ وَالرِّوَايَة مَحْفُوظَة فِيمَا تَرَكَ الْحَائِك ثَوْب الَّذِي نُسِج بَعْضُه، وَالْغَزْل فِي بَيْتِ الطَّرَّازِ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَافِظٌ وَلَا حَارِسٌ فِي السُّوقِ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْحَائِكِ، انْتَهَى عبارت "التترخانيه". .
وَالرِّوَايَة الْمَحْفُوظَة يَتَمَشَّى عَلَيْهَا مَا ذُكِرَ فِي "الخلاصة"من الْجَوَاب الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْحَافِظ وَلَا الْحَارِس فَتَلَخَّصَ مِنْ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
*القول بَعْدَ الضَّمَانِ بِمُجَرَّد الْقُفْل، وَهُوَ الْجَوَابُ الْمُخْتَار الْمَذْكُورُ فِي "الخلاصة"موافقا لِلرِّوَايَة الْمَحْفُوظَة.
*والقول بِالضَّمَان مَع الْقُفْلُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْوَبَرِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ
*والقول الثَّالِث الْمُلَاحَظ إنْ كَانَ الْعُرْفُ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ التَّرْكُ بِلَا حَافِظٍ وَحَارِسٌ فَلَا ضَمَانَ، وَإِلَّا فَيَضْمَنُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، انْتَهَى.
وَكَانَ الْفَرَاغُ مِنْ كِتَابِهِ هَذِهِ النُّسْخَةِ الشَّرِيفَة يَوْمَ الْخَمِيسِ الْمُبَارَك الْمُوَافِق اثْنَانِ وَعِشْرُونَ يَوْمًا مِنْ شَهْرِ جُمَادَى الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ مِنْ شُهُورِ سَنَةِ 1269تسعة وَسِتُّون ومئتان وَأَلَّف عَلَى يَدِ فَقِيرٌ الْعِبَادِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى عَبْدَهُ مُحَمَّدٌ أَمِينٌ ابْن الْمَرْحُومُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الْعَبَّاسِيّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِمَشَايِخِهِ وَلِلْمُسْلِمِين وللمسلمات، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ إِنَّك سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبٌ الدَّعَوَات وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.